النص المفهرس

صفحات 81-100

.٨١
تفسير سورة البقرة
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَانُواْ وَهُمْ كُفَّارُ أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ لَغْنَهُ اللَّهِ وَالْمَئِكَةِ
وَأَلنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَلِينَ فِيهَّا لَا يُحَنَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَ هُمْ يُنْظُرُونَ﴾ .
الإشارة فيه أن الذين بدا لهم بعدما سلكوا طريق الإرادة (أنْ) يرجعوا إلى أحوال
العادة، ثم في تلك الوحشة قُبضوا، وعلى تلك الحالة من الدنيا خرجوا، أولئك
أصحاب الفُرقة، فلا على أرواحهم إقبال ولا لمصيبتهم جبران، ولا لأحد عليهم
ترحم، خسروا في الدنيا والآخرة، يلعنهم البقُّ في الهواء والنقعُ على الماء.
﴿خَالِدِينَ﴾ أي مقيمين أبداً في هوانهم وصغرهم، لا تخفيف ولا إسعاف ولا
رفق ولا ألطاف.
قوله جل ذكره: ﴿وَإِلَهُكُرْ إِلَهٌ وَحٌِّ لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾.
شَرْفهم غايةَ التشريف بقوله ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾. وإن شيوخ هذه الطائفة قالوا: علامةُ
من يَعُذُّه من خاصَّ الخواص أن يقول له: عبدي، وذلك أتمُّ من هذا بكثير لأن قوله:
﴿وَإِلَهُكُرْ﴾: وإضافة نَعْتِهِ أَتمُّ من إضافته إياك إلى نفسه لأن إلهيته لَكَ بلا عِلَّة،
وكونُك له عبد يُعوِّض كل نقصك وآفتك. ومتى قال لكم ﴿ وَإِلَهُكُمْ﴾ .
حين كانت طاعتك وحركاتك وسكناتك أو ذاتك وصفاتك لا بل قبل ذلك أزل
الأزل حين لا حِينَ، ولا أْوَانَ، ولا رسم ولا حدثان.
و﴿ الْوَاحِدُ﴾ من لا مِثْلَ له يدانيه، ولا شكل يلاقيه. لا قسيم يجانسه ولا نديم
يؤانسه. لا شريكَ يعاصده ولا مُعِين يساعده ولا منازعَ يعانده.
أحديُّ الحق صمديُّ العبن ديموميُّ البقاء أبديُّ العز أزليُّ الذات.
واحدٌ في عزِ سنائه فَرٌ في جلال بهائه، وِتُرٌ في جبروت كبريائه، قديم في
سلطان عِزْه، مجيد في جمال ملكوته. وكل مَنْ أطنب في وصفه أصبح منسوباً إلى
العمى (هـ) -لولا أنه الرحمن الرحيم لتلاشى العبدُ إذا تعرَّض لعرفانه عند أول ساطعٍ
من بادياب عزه.
قوله جل ذكره: ﴿ إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى تَجْرِى
فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الشَمَاءِ مِن ◌َّاءٍ فَأَنْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَ فِيهَا مِن
كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الْرِيَجِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ الشَمَاءِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .
تَعَرَّف إلى قلوب الطالبين من أصحاب الاستدلال وأرباب العقول بدلالات
قدرته، وأمارات وجوده، وسمات ربوبيته التي هي أقسام أفعاله. ونبههم على وجود
الحكمة ودلالات الوحدانية بما أثبت فيها من براهينَ تلطّف عن العبارة، ووجوهٍ من
الدلالات تَدِقُّ عن الإشارة، فما من عينٍ من العدم محصولة - من شخصٍ أو طلل، أو

٨٢
تفسير سورة البقرة
رسم أو أثر، أو سماء أو فضاء، أو هواء أو ماءٍ، أو شمسٍ أو قمر، أو قَطْرٍ أو مطر،
أو رَمل أو حجرٍ، أو نجم أو شجرٍ - إلا وهو على الوحدانية دليل، ولِمَّنْ يقصد
وجوده سبیل .
قوله جل ذكره: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَكَِّذُ مِن دُونِ الَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍ اَللَّهِ﴾.
هؤلاء قوم لم يجعلهم الحق سبحانه أهل المحبة، فَشَغَلهم بمحبة الأغيار حتى
رضوا لأنفسهم أن يحبوا كل ما هَوَتَهْ أنفسهم، فرضوا بمعمولٍ لهم أن يعبدوه،
ومنحوت ۔ من دونه ۔ أن یحبوه.
قوله جل ذكره: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُوْ أَشَدُ حُبَّا لِلَّهُ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ
اَلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ .
ليس المقصود من هذا ذكر محبة الأغيار للأصنام، ولكن المراد منه مدح
المؤمنين على محبتهم، ولا تحتاج إلى كثير محبة حتى تزيد على محبة الكفار
للأصنام، ولكن من أحبَّ حبيباً استكثر ذكره، بل استحسن كل شيء منه .
ويقال وجه رجحان محبة المؤمنين لله على محبة الكفار لأصنامهم أن (هذه)
محبة الجنس للجنس، وقد يميل الجنس إلى الجنس، وتلك محبةُ من ليس بجنسٍ لهم
فذلك أعزُّ وأحق .
ويقال إنهم أحبوا ما شاهدوه، وليس بعجيب محبة ما هو لك مشهود، وأمَّا
المؤمنون فإنهم أحبوا من حَالَ بينهم وبين (شهوده) رداء الكبرياء على وجهه.
ويقال الذين آمنوا أشد حباً لله لأنهم لا يتبرأون من الله سبحانه وإنْ عَذَّبَهُم.
والكافر تبرأ من الصنم والصنمُ من الكافر كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتَّبِعُواْ مِنَ
الَّذِينَ أَنَّبَعُوا﴾ الآية.
ويقال محبة المؤمنين حاصلة من محبة الله لهم فهي أتم، قال تعالى: ﴿يُمْ
وَيُحِبُونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] ومحبتهم للأصنام من قضايا هواهم.
ويقال محبة المؤمنين أتمُّ وأشدُّ لأنها على موافقة الأمر، ومحبة الكفار على
موافقة الهوى والطبع، ويقال إنهم كانوا إذا صلحت أحوالهم، واتسعت ذات يدهم
اتخذوا أصناماً أحسن من التي كانوا يعبدونها قبل ذلك في حال فقرهم؛ فكانوا
يتخذون من الفضة - عند غناهم - أصناماً ويهجرون ما كان من الحديد ... وعلى هذا
القياس! وأمَّا المؤمنون فأشَدُّ حباً لله لأنهم عبدوا إلهاً واحداً في السّراء والضراء.
قوله جل ذكره: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ اَلَّذِينَ أَنَّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ وَرَأَوْاْ الْعَذَابَ وَتَّقَّعَتْ بِهِمُ
الأَسْبَابُ﴾.

٨٣
تفسير سورة البقرة
إذا بَدَتْ لهم أوائلُ العذاب اتضح أنهم لم يقفوا من الصدق على قَدَم، وأمّا
المؤمنون فيسلبهم أرواحهم وأملاكهم وأزواجهم وأولادهم، ويُسْكِنُ (أولئك)(١) في
القبور سنين ثم يبتليهم في القيامة بطول الآجال وسوء الأعمال ثم يلقيهم في النار.
(أما المؤمنون)(٢) فيأتي عليهم، طول الأيام والأعمال فلا يزدادون إلا محبة (على
محبة) ولذلك قال: ﴿وَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُ حُبَّا لِلَّهُ﴾.
قوله جل ذكره: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةٌ فَتَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَزَّءُواْ مِنَّا كَذَلِكَ
يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَرِينَ مِنَ النَّارِ﴾.
عند ذلك يعرفون مرارة طعم صحبة المخلوقين ولكن لا يحصلون إلا على
حسرات .
قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِقَا فِ الْأَرْضِ حَلَا طَيِّبًا وَلَا تَّبِعُواْ خُطُوَتِ
الشَّيْطَنَّ إِنَُّ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ .
الحرام - وإنْ اسْتُلِذَّ في الحال - فهو وبيء في المآل، والحلال - وإن اسْتُكْرِهِ
في الحال - فهو مريء في المآل.
والحلال الصافي ما لم ينسَ مُكْتَسِبُه الحقَّ في حال اكتسابه(٣).
ويقال الحلال ما حصله الجامع له والمكتسب على شهود الحق في كل حال.
وكلُّ ما يحملك على نسيان الحق أو عصيان الحق فهو من خطوات الشيطان.
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّمَا يَأْمُؤَّكُم بِالسُّوَّهِ وَالْفَحْشَآِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ .
لاجترائه على الله يدعوك به إلى افترائك على الله.
قوله جل ذكره: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَشَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّهِعُ مَا أَلْغَنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَّأُ أَوَلَوْ
كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾.
لا ترفع أبصارهم عن أشكالهم وأصنافهم، من أضرابهم وأسلافهم، فَبَنَوْا على
منهاجهم، فلا جَرَمَ انخرطوا في النار، وانسلكوا في سلكهم، ولو عَلِمُوا أن أسلافهم
لا عقل يردعهم، ولا رشد يجمعهم لنابذوهم مناصبين، وعاندوهم مخالفين، ولكن
سلبوا أنوار البصيرة، وحُرِموا دلائل اليقين.
(١) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق.
(٢) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق.
(٣) القشيري هنا استفاد من تعريف سهل بن عبد الله التستري للحلال الصافي. سُئل سهل عن الحلال
الصافي فقال: هو الذي لا يُعصى الله تعالى فيه، وقال سهل: الحلال الصافي هو الذي لا يُنسى الله
تعالى فيه. (الرسالة القشيرية ص ١١٢).

٨٤
تفسير سورة البقرة
قوله جل ذكره: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِّا لَا يَسْمَعُ إِلَّ دُعَاءَ وَنِدًَ هُمُ
بُكْمُّ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ .
عدموا سمع الفهم والقبول، فلم ينفعهم سمع الظاهر، فنزلوا منزلة البهائم في
الحلو عن التحصيل، ومَنْ رضي أن يكون كالبهيمة لم يقع عليه كثير قيمة.
قوله جل ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيْبَتِ مَا رَزَقْتَكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن
كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾.
الحلال ما لا تبعة عليه، والطيب الذي ليس لمخلوقٍ فيه مِنَّة، وإذا وجد العبد
(طعاماً يجتمع فيه الوصفان فهو الحلال الطيب.
وحقيقة الشكر عليه ألا تتنفس في غير رضاء الحق ما دام تبقى فيك القوة لذلك
الطعام .
قوله جل ذكره: ﴿إِنْمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةَ وَأَلَدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ
الَّهِ فَمَنِ أَضْطُرَّ غَيْرَ بَاغْ وَلَا عَادٍ فَلَآَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيدٌ﴾ .
حرَّم على الظواهر هذه المعدودات وهي ما أهل به لغير الله، وحرَّم على السرائر
صحبة غير الله بل شهود غير الله، فمن اضطر - أي لم يجد إلى الاستهلاك في حقائق
الحق وصولاً - فلا يَسْلكَنَّ غير سبيل الشرع سبيلاً، فإما أن يكون محواً في الله، أو
يكون قائماً بالله، أو عاملاً لله، والرابع ممجٌ لا خطر له.
قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ أَنَّهُ مِنَ الْكِتَبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ، ثَمَنَا قِيلًا
أُوْلَبَكَ مَا يَأْكُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابُ
آلمُ ﴾ .
العلماء مُطالَبُون بنشر دلائل العلم، والأولياء مأمورون بحفظ ودائع السُّر فإنْ
كتَّم هؤلاء براهين العلوم ألجموا بلجام من النار، وإن أظهر هؤلاء شظية من السر
◌ُوجِلوا ببعاد الأسرار، وسَلْبِ ما أوتوا من الأنوار. ولكُلٍ جدٍّ، وعلى كل أمرٍ قطيعة .
قوله جل ذكره: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَشْتَرَوُاْ الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةٍ فَمَآ
أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَارِ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهُ نَزَّلَ الْكِنَبَ بِالْحَقْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُخْتَلَفُواْ فِ الْكِتَبِ لَبِى شِفَاقٍ
بَعِيدٍ ﴾ .
إن الذين آثروا الغَيْرَ على الغيب، والخلْقَ على الحقِّ، والنَّفْسَ على الأنْسِ، ما
أقسى قلوبهم، وما أوقح محبوبهم ومطلوبهم، وما أخس قدرهم، وما أفضح لذوي
الأبصار أمرهم! ذلك بأن الله نَزَّل الكتاب بالحق، وأمضى القضاء والحكم فيه

٨٥
تفسير سورة البقرة
بالصدق، وأوصلهم إلى مَالَهُ أَهَّلَهُمْ، وأَثْبَتَهُم على الوجه الذي عليه جَبَلَهُمْ.
قوله جل ذكره: ﴿﴿ لَّيْسَ آلْبِّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ أْبِّ مَنْ ءَامَنَ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اْلَخِرِ وَالْمَلْتَبِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبِيْنَ وَمَانَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْفَ وَاَلْيَى
وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِينَ وَفِى الْرِقَّابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَانَى الزَّكَوَةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِ هِمْ إِذَا
عَهَدُواْ وَالصََّعِرِينَ فِى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَِّ وَحِيْنَ الْبَأْسِنُ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُّ الْمُنَّقُونَ﴾.
والإشارة أن الظواهِرَ ليس لها كثيرُ اعتبار إنما الخبر عن الله عزیز.
وكثرة الأوراد - وإن جلَّت - فحرفة العجائز، وإخلاص الطاعات - وإن عزَّ -
فصفة العوام، وَوَضْلُ الليل بالنهار في وظائف كثيرة ومجاهدات غزيرة عظيم الخطر
في استحقاق الثواب، ولكنَّ معرفة الحق عزيزة .
وما ذُكِر في هذه الآية من فنون الإحسان، ووجوه قضايا الإيمان، وإيتاء المال،
وتصفية الأعمال، وصلة الرحم، والتمسك بفنون الذمم والعصَم، والوفاء بالعهود،
ومراعاة الحدود - عظيم الأثر، كثير الخطر، محبوب الحق شرعاً، ومطلوبه أمراً لكن
قيام الحق عنك بعد فنائك، وامتحائك مِنْ شاهِدِك، واستهلاكك في وجود القِدَم.
وتعطل رسومك عن مساكنات إحساسك ــ أتمّ وأعلى في المعنى؛ لأن التوحيد لا يُبقي
رسماً ولا أثراً، ولا يغادر غَيْراً ولا غَبْراً(١).
قوله جل ذكره: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُذِبَ عَنَيْكُمُ اَلْفِصَاصُ فِىِ الْقَدْلِى الْمُرُّ بِالْخَرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ
وَالْأُنثَّ ◌ِلْأُنَّ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَلْبَانُ بِأْمَعْرُوفِ وَأَّهُ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍّ ذَلِكَ تَخْنِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ
وَرَحْمَةٌ فَمَنِ أَعْتَدَىْ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
حق القصاص مشروع، والعفو خير، فمن جنح إلى استيفاء حقه فمُسَلَّمٌ له،
ومن نزل عن ابتغاء حقه فمحسن، فالأول صاحب عبادة بل عبودية، والثاني صاحب
فتوة بل حرية .
والدم المراق يجري فيه القصاص على لسان أهل العلم، وأمَّا على لسان الإشارة
لأهل القصة فدماؤهم مطلولة وأرواحهم هدرة قال :
وإنَّ دماً أجريته بِك فاخِرُ
وإن فؤداً رعته لَكَ حامدٌ
وسفك دماء الأحباب (فوق) بساط القرب خلوف أهل الوصال، قال النبي 3#:
((اللونُ لونُ الدم والريحُ ريح المسك»(٢).
(١) الغير: السوى، ، اغبر: غَبْر: بقي أو مضى.
(٢) أخرجه أحمد بن حنبل في (المسند ٣٨٤/٢).

٨٦
تفسير سورة البقرة
قوله جل ذكره: ﴿وَلَكُمْ فِىِ الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ يَتَأُوْلِ الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .
في استيفاءِ القصاص حياة لأنه إذا عَلِمَ أنه إذا قَتَلَ قُتِلَ أمْسَكَ عن القتل وفي
ذلك حياة القاتل والمقتول.
ولكن ترك القصاص - على بيان الإشارة - فيه أعظم الحياة لأنه إذا تَلِفَ فيه
(سبحانه) فهو الخَلَفُ عنه، وحياته عنه أتم له من بقائه بنفسه. وإذا كان الوارثَ عنهم
الله والخَلَفَ عنهم اللَّهُ فبقاءُ الخلفِ أعزُّ مِنْ حياةِ مَنْ ورد عليه التلف .
قوله جل ذكره: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ
وَاَلْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ﴾ .
مَنْ تَرَكَ مالاً فالوصية له مالِهِ مُسْتَحبةٌ، ومَنْ لم يترك شيئاً فأنَّى بالوصية !! في
حالة الأغنياء يوصون في آخر أعمارهم بالثلث، أمّا الأولياء فيخرجون في حياتهم عن
الكُلِّ، فلا تبقى منهم إلا همةٌ انفصلت عنهم ولم تتصل بشيءٍ؛ لأن الحق لا سبيل
للهمة إليه، والهمة لا تَعَلَّقَ لها بمخلوق، فبقيت وحيدة منفصلة غير متصلة،
وأنشدوا:
أحبكُم ما دمتُ حياً فإنْ أُمُتْ يحبكم عظمى في التراب رميم
هذه وصيتهم: وقال بعضهم:
(١)
لا بل كما قال قائلهم:
وأتى الرسول فأخبر أنهم رحلوا قريبا
رجعوا إلى أوطانهم فجری له دمعي صبيبا
قوله جل ذكره: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُمْ فَإِنَّمَآَ إِشْهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِعُ عَلِيمٌ﴾ .
من حرّف نُطْقَاً جرى بِحِقْهِ لِحَقَه شؤمُ ذلك ووباله.
وعقوبته أن يُحرَم رائحة الصدق أن يشمه. فمن أعان الدينَ أعانه الله، ومن أعان
علی الدین خذله الله .
قوله جل ذكره: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن تُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِنْمَا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَّ إِثْمَ عَلَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
الإشارة فيه: أن من تَفرسَ في بعض المريدين ضعفاً، أو رأى في بعض أهل
(١) بياض في الأصل.

٨٧
تفسير سورة البقرة
البداية رخاوةً قصدٍ أو وجد بعض الناصحين يتكلم بالصدق المحض على من لم
يحتمله - فرأى أن يرفق بذلك المريد بما يكون ترخيصاً له أو استمالة له أو مداراة أو
رضا بتعاطي مباح - فلا بأسَ به فإن حَمْلَ الناس على الصدق المحض مما لم يثبت له
كثيرُ أجر. فالرِّفق بأهل البداية - إذا لم يكن لهم صارم عزم، ولا صادق جهد - ركنٌ
في ابتغاء الصلاح عظيم.
قوله جل ذكره: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن
قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَّقُونَ﴾ .
الصوم على ضربين: صوم ظاهر وهو الإمساك عن المفطرات مصحوباً بالنية،
وصوم باطن وهو صَوْنُ القلب عن الآفات، ثم صون الروح عن المساكنات، ثم صون
السِّرِّ عن الملاحظات .
ويقال صوم العابدين شرطه - حتى يَكْمُلَ - صونُ اللسان عن الغيبة، وصون
الطَّرْف عن النظر بالريبة كما في الخبر: (مَنْ صام فَلْيَصُمْ سمعه وبصره .... )(١)
الخبر، وأما صوم العارفين فهو حفظ السر عن شهود كل غيره.
وإن من أمسك عن المفطرات فنهاية صومه إذا هجم الليل، ومن أمسك عن
الأغيار فنهاية صومه أن يشهد الحق، قال ◌َ: ((صوموا وأفطروا لرؤيته))(٢): الهاء في
قوله عليه السلام - لرؤيته - عائدة عند أهل التحقيق إلى الحق سبحانه، فالعلماء
يقولون معناه عندهم صوموا إذا رأيتم هلال رمضان وأفطروا لرؤية هلال شوال، وأما
الخواص فصومهم الله لأن شهودهم الله وفطرهم بالله وإقبالهم على الله والغالب عليهم
الله، والذي هم به محو - الله .
قوله جل ذكره: ﴿أَيْتَامًا فَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَهِدَّةٌ مِنْ
أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ .
من شهد الشهر صام لله، ومن شهد خالق الشهر صام بالله، فالصوم الله يوجب
المثوبة، والصوم بالله يوجب القربة. الصوم الله تحقيق العبادة والصوم بالله تصحيح
الإرادة. الصوم الله صفة كل عابد والصوم بالله نعت كل قاصد. الصوم الله قيام
بالظواهر والصوم بالله قيام بالضمائر. الصوم لله إمساك من حيث عبادات الشريعة
والصوم بالله إمساك بإشارات الحقيقة .
(١) أخرجه السيوطي في (الدر المنثور ٢٠١/١).
(٢) أخرجه النسائي في سننه (الصيام ب٨، ب١١)، والمتقي الهندي في (كنز العمال ٢٤٣٠٨) وابن
حجر في (المطالب العالية ٩٠٩)، وأبو نعيم في (تاريخ أصبهان ١١٦/١).

٨٨
تغير سورة البقرة
من شهد الشهر أمسك عن المفطرات ومن شهد الحق أمسك في جميع أوقاته
عن شهود المخلوقات .
من صام بنفسه سُقِيَ شرابَ السلسبيل والزنجبيل، ومن صام بقلبه سُقِيَ شراب
المحاب بنعمة الإيجاب.
ومن صام بِسِرِّهِ فهم الذين قال فيهم الله تعالى: ﴿وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا لَهُورًا﴾
[الإنسان: ٢١].
شراب يا له من شراب !! شراب لا يُدار على الكف لكنه يبدو له من اللطف.
شراب استئناس لا شراب كأس.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ تَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ أي من
أفطر لهذه الأعذار فعليه صوم عدة أيام بعدد ما أفطر قضاء لذلك. الإشارة لمن سقمت
إرادته عن الصحة فيرجع إلى غيره إما لرخصة تأويل أو لقلة قوة واحتمال، أو عجز
للقيام بأعباء أحكام الحقيقة فليُمْهَل حتى تقوى عزيمته وتشتد إرادته، فعند ذلك
يُسْتَذْرَك منه ما رُخّص له بالأخذ بالتأويل، وتلك سُنَّةُ الله سبحانه وتعالى في التسهيل
على أهل البداية، ثم استيفاءُ ذلك منهم واجبٌ في آخر الحال .
قوله جل ذكره: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ ( ..... )(١) طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن
تَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَُّّ وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَكُمَّ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
الإشارة منه أَنَّ مَنْ فيه بقية من القوة للوقوف لمطالبات الحقيقة ويرجع إلى
تسهيل الشريعة وينحط إلى رخصة التأويل فعليه الغرامة بواجب الحال وهو الخروج
عما بقي له من معلوم مال أو مرسوم حال ويبقى مجرداً للواحد.
فصل: ويقال إنه لما علم أن التكليف يقتضي المشقة خففه عليك ذلك بأن قلَّل
أيام الصوم في قلبك فقال: ﴿أَيَّامًا نَّعْدُودَاتٍّ﴾ أي مدة هذا الصوم أيام قليلة فلا
يهولنكم سماع ذكره، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَجَهِدُواْ فِ اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهٍ﴾ [الحج:
٧٨] ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٌ﴾ [الحج: ٧٨] أي لا يلحقكم كثير
مشقة في القيام بحق جهاده .
قوله جلّ ذكره: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ
اُلْهُدَى وَالْغُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُعَّةٌ وَمَن كَانَ مَرِيضًّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِّنْ
أَنَّامٍ أُخَرُّ﴾ .
(١) بياض في الأصل.

٨٩
تفسير سورة البقرة
رمضان يُرْمِضُ(١) ذنوب قوم ويرمض رسوم قوم، وشتان بين من تحرِق ذنوبَه
رحمتُه وبين من تحرِق رسومَه حقيقتُه.
شهر رمضان شهر مفاتحة الخطاب، شهر إنزال الكتاب، شهر حصول الثواب،
شهر التقريب والإيجاب. شهر تخفيف الكلفة، شهر تحقيق الزالفة، شهر نزول
الرحمة، شهر وفور النعمة. شهر النجاة، شهر المناجاة .
قوله جلّ ذكره: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.
أراد بك اليسر (وأنت نظن) أنه أراد بك العسر.
ومن أمارات أنه أراد بعبده اليسر أنه (أقامه) بطلب اليسر؛ ولو لم يُرِذ به اليسر
لَمَا جعله راغباً في اليسر، قال قائلهم:
لو لم تُرِذْ نَيْلَ ما أرجو وأطلبهُ
من فيضٍ جودِك ما علمتني الطلبا
حقَّق الرجاء وأكد الطمع وأوجب التحقيق حيث قال: ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ﴾
لينفيَ عن حقيقة التخصيص مجوزاتِ الظنون.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ﴾ .
على لسان العلم تكملوا مدة الصوم.
وعلى لسان الإشارة لتقرنوا بصفاء الحال (وفاء) (المآل).
﴿وَلِتُكَتِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ في النَّفَسِ الأخير،
وتخرجوا من مدة عمركم بسلامة إيمانكم. والتوفيق في أن تكمل صوم شهرك عظيم
لكن تحقيق أنه يختم عمرك بالسعادة - أعظم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِ قَرِيبٌ﴾ .
سؤال كل أحدٍ يدلُّ على حاله؛ لم يسألوا عن حكم ولا عن مخلوق ولا عن
دين ولا عن دنيا ولا عن عقبى بل سألوا عنه فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى
عَنِى﴾. وليس هؤلاء من جملة من قال: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ لْجِبَالِ﴾ [طه: ١٠٥]، ولا من
جملة من قال: ﴿وَيَسَْلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَّىّ﴾ [البقرة: ٢٢٠] ولا من جملة من قال:
﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ اَلْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ولا من جملة من قال: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحَ﴾
[الإسراء: ٨٥]، ولا من جملة من قال: و﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِّرِ﴾ [البقرة:
٢١٩]، و﴿ يَسْتَلُونَكَ عَنِ الثَّهْرِ الْعَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ﴾ [البقرة: ٢١٧].
(١) رمض: وجد حر الرمضاء (الرمضاء: شدة حر الشمس).

٩٠
تفسير سورة البقرة
هؤلاء قوم مخصوصون: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ ... (١) عِبَادِى عَنِى﴾.
أي إذا سألك عبادي عني فبماذا تجيبهم؟ ليس هذا الجواب بلسانك يا محمد،
فأنت وإنْ كنتَ السفير بيننا وبين الخلق فهذا الجواب أنا أتولاه ﴿ فَإِ قَرِيبٌ﴾ (رَفَعَ
الواسطة من الأغيار عن القربة فلم يَقُل قل لهم إني قريب بل قال جل شأنه: ﴿فَإِنِ
تَرِيبٌ﴾)(٢).
ثم بَيَّن أن تلك القربة ما هي: حيث تقدَّس الحقُّ سبحانه عن كل اقتراب
بجهة أو ابتعاد بجهة أو اختصاص ببقعة فقال: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ وإن الحق
سبحانه قريب - من الجملة والكافة - بالعلم والقدرة والسماع والرؤية، وهو قريب من
المؤمنين على وجه التبرية والنصرة وإجابة الدعوة، وجلَّ وتقدَّس عن أن يكون قريباً
من أحد بالذات والبقعة؛ فإنه أحديٍّ لا يتجهَ في الأقطار، وعزيز لا يتصف بالكُثْهِ
والمقدار .
قوله جلّ ذكسره: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ فَلْيَسْتَجِبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ
يَرْشُدُونَ﴾ .
لم يَعِدْ إجابة من كان باستحقاق زهد أو في زمان عبادة بل قال دعوة الداعي
متى دعاني وكيفما دعاني وحيثما دعاني ثم قال: ﴿فَلَسْتَجِيبُواْ لِى﴾ هذا تكليف، وقوله:
﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ تعريف وتخفيف، قدَّم التخفيف على التكليف، وكأنه قال: إذا
دعوتني - عبدي - أَجِبْتُك، فأَجِبني أيضاً إذا دَعَوْتُك، أنا لا أرضى بِرَدِّ دعائِك فلا
تَرْضَ - عبدي - بردي من نفسك. إجابتي لك بالخير تحملك - عبدي - على دعائي،
ولا دعاؤك يحملني على إجابتك. ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِ﴾: وليثقوا في، فإني
أجيب من دعاني، قال قائلهم:
وله الحجيج وما حوت عرفات(٣)
يا عَزُّ أُقْسِم بالذي أنا عبده
فشقِي بقولي والكرامُ ثِقات
لا أبتغي بدلاً سِواكِ خليلة
ثم قال في آخر الآية: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ أي ليس القصد من تكليفك ودعائك
إلا وصولك إلى إرشادك.
قوله جلّ ذكره: ﴿أُحِّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَاءِ الَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنتُمْ
لِبَاسُ لَهُنّ عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَلْتَنَ بَشِرُوهُنَّ
(١) بياض في الأصل.
(٢) ما بين قوسين زيادة يقتضيها السياق.
(٣) عرفات: جبل قرب مكة يقف عليه الحجاج يوم التاسع من ذي الحجة.

٩١
تفسير سورة البقرة
وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَّ يَتَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِّ
ثُمَّ أَيْنُوْ اَلْضِيَامَ إِلَى أَلَيْلِّ﴾ .
أخبر أنه - في الحقيقة - لا يعود إليه عائد من أوصاف الخَلْقِ؛ إنْ كُنتَ في
العبادة التي هي حق الحق أو في أحكام العادة من صحبة جِنْسِك التي هي غاية النفس
والحظ، فَسِيَّن في حالك إذا أورد فيه الإذن.
نزلت الآية في زَلَّةٍ بَدَرَتْ من الفاروقِ(١)، فَجَعَلَ ذلك سببٌ رُخْصَةٍ لجميع
المسلمين إلى القيامة. وهكذا أحكام العناية .
ويقال علم أنه لا بُدَّ للعبد عن الحظوظ فقسم الليل والنهار في هذا الشهر بين
حقه وحظُّك، فقال أما حقي ﴿أَيِّتُوْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِّ﴾، وأما حظك ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَقّ
يَتَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اُلْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِ الْمَسَدِّ تِلْكَ حُدُودُ الَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَاً
كَذَلِكَ يُبَيِّثُ اللَّهُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ .
أخبر أن محل القدرة مقدَّس عن اجتلاب الحظوظ، وقال إذا كنتم مشاغيل
بنفوسكم كنتم محجوبين بِكُم فيكم، وإذا كنتم قائمين بِنَا فلا تعودوا مِنَّا إليكم.
ويقال غيرة الحق سبحانه على الأوقات أن يُمزَجَ الجدُّ بالهزلِ، قالت عائشة
رضي الله عنها: يا رسول الله إني أحبك وأحب قربك فقال عليه السلام: ((ذريتي يا ابنة
أبي أبكر أتعبد ربي)) (٢) وقال ◌َّر: ((لي وقت لا يسعني غير ربي))(٣).
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَأْكُوَاْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْمُكَامِ لِتَأْكُلُواْ
فَرِيقًا مِنْ أَمْوَلِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
إذا تحاكمتم إلى المخلوقين فاعلموا أن الله مطلع عليكم، وعِلْمه محيط بكم،
فراقبوا موضع الاستحياء من الحق سبحانه، ولئن كان المخلوقون عالمين بالظواهر
فالحق - سبحانه وتعالى - متولي السرائر.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيْثُ لِلنَّاسِ وَاَلْحَجُّ﴾ .
الأهلة - جمعُ هلال - مواقيت للناس؛ لأشغالهم ومحاسباتهم.
(١) الفاروق: من يفرق بين الحق والباطل، ولقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
(٢) أخرجه السيوطي في (الدر المنثور ١١١/٢)، والزبيدي في (إتحاف السادة المتقين ١٦٢/١٠).
(٣) أخرجه علي القاري في (الأسرار المرفوعة ٢٩٩).

٩٢
تفسير سورة البقرة
وهي مواقيت لأهل القصة في تفاوت أحوالهم؛ فللزاهدين مواقيت أورادهم،
وأما أقوام مخصوصون فهي لهم مواقيت لحالاتهم، قال قائلهم.
.
١
أعد الليالي ليلةٌ بعد ليلةٍ
وقد كنت قدماً لا أعد اللياليا
وقال آخر :
وما في الصبر فضل عن ثمانٍ
ثمانٍ قد مضَيْنَ بِلا تلاقٍ
وقال آخر :
شهورٌ يَنْقُضَين وما شعرنا
بأنصافٍ لهن ولا سرار (١)
قوله جل ذكره: ﴿وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن تُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَرُّ
وَأَتُوْ اَلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَيِهَاً وَأَتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
يعني ليس البر مراعاة الأمور الظاهرة، بل البر تصفية السرائر وتنقية الضمائر.
قوله جل ذكره: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَمْتَدُوَأْ إِنَ اَللَّهَ لَا
يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ .
لتكن نفوسُكم عندكم ودائعَ الحق؛ إنْ أَمَر بإِمساكها أَمْسِكُوها وصونوها، وإنْ
أَمَرّ بتسليمها إلى القتل فلا تدَّخروها عن أمره، وهذا معنى قوله: ﴿وَلَا تَمْتَدُوّأْ﴾ وهو
أن تقف حيثما أُوقِفْتَ، وتفعل ما به أُمِرْتَ.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ تَفِفْتُهُمْ﴾ .
يعني عليكم بنصب العداوة مع أعدائي - كما أن عليكم إثبات الولاية والموالاة
مع أوليائي - فلا تُشْفِقُوا عليهم وإن كان بينكم وأصد الرحم ووشائج(٢) القرابة.
﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾: أولاً أَخْرِجوا حبَّهم وموالاتهم من قلوبكم، ثم
( .... )(٣) عن أوطان الإسلام ليكون الصغار جارياً عليهم.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَأَلْفِئْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ .
والإشارة: أنَّ المحنةَ التي تَرِدُ على القلوب من طوارق الحجب أشد من المحنة
التي تَرِدُ على النفوس مِنْ بذل الروح، لأن فوات حياة القلب أشد من فوات حياة
النَّفْس، إذ النفوس حياتها بمألْوفاتها، ولكن حياة القلب لا تكون إلا بالله.
(١) سرر الشهر وسراره: آخر ليلة منه (اللسان ٣٥٧/٤).
(٢) الوشائج: (ج) وشيجة: وهي القرابة المشتبكة المتصلة .
(٣) بياض في الأصل.

٩٣
تفسير سورة البقرة
ويقال الفتنة أشد من القتل: أن تنأى عن الله أعظم من أن تنأى عن روحك
و حياتك .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا نُقَِلُهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَّى يُقَدِلُوكُمْ فِيَّةٍ فَإِن قَلُوَكُمْ فَأَقْتُلُوهُمْ
كَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَفِرِينَ﴾ .
الإشارة منه: لا تشوش وقتك (١) مع الله إذا كان بوصف الصفات بما تدخله على
نفسك وإنْ كانت نوافل من الطاعات، فإن زاحمك مزاحم يشغلك عن الله فاقطع مادة
ذلك عن نفسك بكل ما أمكنك لئلا تبقى لك علاقة تصدك عن الله .
قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِنِ أَتَهَوْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .
الإشارة منه: إذا انقطعت عنك غاغة خواطرك وأعداء نفسك، مما يخرجك عنه
ويزاحمك، فَلُمْ حديثَ النفس ودَعْ مجاهداتها؛ فَإِنَّ مَنْ طولب بحفظ الأسرار لا يتفرغ
إلى مجاهدات النفوس بفنون المخالفات .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ أَلِذِيْنُ لِّهِ فَإِنِ أَنَهَوْ فَلَ عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى
الظَّالِمِينَ﴾.
الإشارة من الآية إلى مجاهدات النفوس؛ فإنَّ أعدى عدوْكِ نَفْسُك التي بين
جنبيك. أي استوفِ أحكام الرياضات حتى لا يبقى للآثار البشرية شيء، وتُسلِمِ النَّفْسَ
والقلبَ لله، فلا يكون مُعارِض ولا مُنازِعُ منك لا بالتوقي ولا بالتلقي، لا بالتدبير ولا
بالاختيار - بحالٍ من الأحوال؛ تجري عليك صروفه كما يريد، وتكون محواً عن
الاختيارات، بخلاف ما يرد به الحكم، فإذا استسلمت النفس فلا عدوان إلا على
أرباب التقصير، فأمّا من قام بحق الأمر تقصى عن عهدة الإلزام.
قوله جلّ ذكره: ﴿الثَّهُ الْخَمُ بِالثَّهْرِ اَلْرَاءِ وَاْمَتُ قِصَاصُّ فَمَنِ أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُوا
عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُوْاْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ .
الإشارة فيه: إذا تقابل حقان كلاهما لله فَسَلْم الوقت بحكم الوقت، ودَلْ مع
إشارات الوقت، وإياك أن ترجح أحدهما على الآخر بمالَكَ من حظ ـ وإنْ قَلَّ -
فَتُحجب عن شهود الحق، وتَعْمَى بصيرةُ قلبك. وكلُّ ما كان إلى خلاف هواكَ أقرب،
(١) قال القشيري في حديثه عن الوقت برسالته: سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: (الوقت ما أنت
فيه) وإن كنت بالدنيا فوقتك الدنيا، وإن كنت بالعقبى فوقتك العقبى، وإن كنت بالسرور فوقتك
السرور، وإن كنت بالحزن فوقتك الحزن يريد بهذا أن الوقت ما كان هو الغالب على الإنسان.
(الرسالة القشيرية ص ٥٥).

٩٤
تفسير سورة البقرة
ونعن استجلابِكَ وسكونكَ إليه أبعد - كان ذلك في نفسه أصوبَ.
﴿وَأَعْلَمُوْاْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ﴾: الذين اتقوا إيثار هواهم على ما فيه رضاه، فإذا
قاموا الله - فيما يأتون - لا لَهُم فإن الله تعالى بالنصرة معهم، قال تعالى: ﴿إِن نَنصُرُواْ اللَّهَ
يَنَصُرَّكُمْ﴾ [محمد: ٧].
قوله جلّ ذكره: ﴿وَنِفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى الَّْكَةِ وَأَحْسِنُوَّاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ﴾ .
إنفاق الأغنياء من أموالهم، وإنفاق العابدين بنفوسهم لا يدخرونها عن العبادات
والوظائف، وإنفاق العارفين بقلوبهم لا يدخرونها عن أحكامه، وإنفاق المحبين
بأرواحهم لا يدخرونها عن حُبِّه.
إنفاق الأغنياء من النّعم وإنفاق الفقراء من الهِمَم.
إنفاق الأغنياء إخراج المال من الكيس، وإنفاق الفقراء إخراج الروح عن أنفس
النفيس، وإنفاق الموحّدين إخراج الخَلْق من السُّر.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَبْدِيَّكُمْ إِلَى الَُّكَةِ﴾ الإشارة فيه إلى إمساك يدك عن البذل؛
فمن أمسك يده واذَّخر شيئاً لنفسه فقد ألقى بيده إلى التهلكة. ويقال: إلى إيثار هواك
على رضاه .
ويقال ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى النَّلْكَةِ﴾ أي الغفلة عنه بالاختيار.
ويقال تَوَهُمُ أنك تعيش من دون لطفه وإقباله لَحْظَةٌ.
ويقال الرضا بما أنت فيه من الفترة والحجاب .
ويقال إمساك اللسان عن دوام الاستغاثة في كل نَفَسٍ.
قوله تعالى: ﴿وَأَحِْنُّأْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْيِينَ﴾ الإحسان أن ترفق مع كل أحد إلا
معك؛ فإحسانُك إلى نفسك في صورةٍ إساءتُك إليها في ظن الاعتماد، وذلك لارتكابك
كل شديدة، ومقاساتك فيه كل عظيمة. والإحسان أيضاً ترك جميع حظوظك من غير
بقية، والإحسان أيضاً تفرغك إلى قضاء حق كل أحد علَّق عليك حديثه. والإحسان أن
تعبده على غير غفلة. والإحسان أن تعبده وأنت بوصف المشاهدة.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَنِقُواْ الْحَّ وَاَلْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
إتمام الحج على لسان العلم القيام بأركانه وسننه وهيئته، وإراقة الدماء التي
تجب فيها (دون) التقصير في بعض أحوالها .
وفي التفسير أن تحرم بهما من دويرة أهلك.

٩٥
تفسير سورة البقرة
وعلى لسان الإشارة الحج هو القَصْد؛ فَقَصْدٌ إلى بيت الحق وقصد إلى الحق،
فالأول حج العوام والثاني حج الخواص.
وكما أن الذي يحج بنفسه يُخْرِمُ ويَقِفُ ثم يطوف بالبيت ويسعى ثم يحلق،
فكذلك من يحج بقلبه؛ فإحرامه بعقد صحيح على قصد صريح، ثم يتجرد عن لباس
مخالفاته وشهواته، ثم باشتماله بثوبي صبره وفقره، وإمساكه عن متابعة حظوظه من
اتباع الهوى، وإطلاق خواطر المنى، وما في هذا المعنى. ثم الحاج أشعث أغير تظهر
عليه آثار الخشوع والخضوع، ثم تلبية الأسرار باستجابة كل جزء منك.
وأفضل الحج الشُّجِ والعَجَّ؛ الشَّجُّ صَبُّ الدَّم والعجُّ رفع الصوت بالتلبية،
فكذلك سفك دم النفس بسكاكين الخلاف، ورفع أصوات السّر بدوام الاستغاثة،
وحسن الاستجابة ثم الوقوف بساحات القربة باستكمال أوصاف الهيبة. وموقف
النفوس عَرَفات وموقف القلوب الأسامي والصفات لِعِزِّ الذات (عند) المواصلات.
ثم طواف القلوب حول (مشاهدة) العز، والسعي بالأسرار بين صَفَّيٍّ كشف الجلال
ولطف الجمال .
ثم التحلل بقطع أسباب الرغائب والاختيارات، والمنى والمعارضات: بكل وجه.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾ .
الحصر بأمرين بعدو أو مرض.
والإشارة فيه إن استولى عدو النفس فلم تجد بداً من الإناخة بعقوة الرُّخَص
وتأويلات العلم فعند ذلك تتحلل بموجب العذر والاضطرار إذ لا مزاحمة مع الحُكمْ.
﴿اَلْمَدِيّ﴾ الذي يهدي به عند التحلل بالعذر، والخروج عن المعلوم، وتسليمه
للفقراء، وانتظار أن يزول الحصر فيستأنف الأمر. وإن مَرِضَتْ الواردات وسَقِمتْ
القصود وآل الأمرُ إلى التكليف فليجتهد ألا ينصرف كما أنه في الحج الظاهر يجتهد
بألا ينصرف لكل مرض أو إن احتاج إلى اللبس والحلق وغير ذلك - بشرط الفدية .
ثم إن عجز، اشترط أن محله حيث حسبه فكذلك يقوم ويقعد في أوصاف
القصد وأحكام الإرادة، فإِن رجع - والعياذ بالله - لم يُقَابَلْ إلا بالردّ والصد، وقيل:
ولكنه دهر يُشِتُّ ويجمع(١)
فلا عن قِلى كان التقرب بيننا
وقال الآخر:
بأولْ راج حاجة لا ينالها
ولستُـ وإن أحببتُ مَنْ يَسْكُن الفضا
(١) القِلَى: البغض والكراهة.

٩٦
تفسير سورة البقرة
قوله جلّ ذكره: ﴿وَلَا تَخْلِّقُواْ رُءُوسَكُمْ خَ بَ الْمَدْىُ مَحِلَّمْ فَن كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِءَ أَذَى مِّن
رَأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَاءٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ سٍُ﴾ .
يبذل ما أمكنه، ويخرح عن جميع ما يملكه، وعليه آثار الحسرة، واستشعار
أحزان الحجبة .
فمن كان منكم مريضاً ... الخ: الإشارة منه أن يبتهل ويجتهد بالطواف على
الأولياء، والخدمة للفقراء، والتقرب بما أمكنه من وجود الاحتيال والدعاء.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِذَّا أَمِنْتُمْ فَمَنَ تَمَنَّعَ بِْعُمْرَةِ إِلَى الْمَحْ فَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ الْحَدِيَّ فَ لَّْ يَجِدْ فَصِيَامُ
ثَلَثَةِ أَيََّمٍ فِي الْفَجِ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمُّ ◌ِلْكَ عَثَرَةٌ كَامِلَّةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُمُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الَْرَاءِ
وَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُوْاْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ .
فإذا تجلت أقمار القصود عن كشوف التعزز، وانجلت غيابة الحجبة عن شموس
الوصلة وأشرف نور الإقبال في تضاعيف أيام الوقفة، فليستأنف للوصلة وقتاً، وليفرش
للقربة بساطاً، وليجدد للقيام بحق السرور نشاطاً، ولَيَقُلْ: حَيٍّ على البهجة! فقد
مضت أيام المحنة .
وليُكْمِل الحج والعمرة، وَلْيَسْتَدِم القيام بأحكام الصحبة والخدمة .
﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الِْقَابِ﴾ بالحجاب لمن لم يُرِهِ أَهِلَّة الوصلة والاقتراب.
قوله جلّ ذكره: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَنَّ﴾ .
كما أن الحج بالنفوس أشْهُرّ معلومات لا ينعقد الإحرام به إلا فيها، ولا يجوز
فعل الحج في جميع السَّنَّةِ إلا في وقت مخصوص، من فاته ذلك الوقت فاته الحج -
فكذلك حج القلوب له أوقات معلومة لا يصح إلا فيها، وهي أيام الشباب؛ فمن لم
تكن له إرادة في حال شبابه فليست له وصلة في حال مشيبه، وكذلك من فاته وقت
قصده وحال إرادته فلا يصلح إلا للعبادة التي آخرها الجنة، فأما الإرادة التي آخرها
الوصلة .. فلا .
قوله جلّ ذكره: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَّ فَلَ رَفَكَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِىِ الْحَجْ﴾ .
كذلك الإشارة لمن سلك طريق الإرادة ألا يُعرّج على شيء في الطريق، ولا
يمزج إرادته بشيء. فمن نَازَعه أو عَارَضَهُ أو زاحمه - سَلَّم الكل للكل، فلا لأجل
الدنيا مع أحدٍ يخاصم، ولا لشيء من حظوظ النَّفْس والجاه مع أحد يزاحم، قال
تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾.

٩٧
تفسير سورة البقرة
١
تكتفي بِعِلْمِه وحُكْمِه عن شهود خَلْقِهِ وحُكْم خلْقِه وعلم خلْقِه .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَىُّ وَأَنَّقُونِ يَتَأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾.
تقوى العامة مُجانبة الزلات، وتقوى الخواص مجانبة الأغيار بالسرائر.
قوله جلّ ذكره: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ ◌ُنَامُ أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾
الإشارة فيه أن ما تبتغي من فضل الله مما يُعينك على قصاءٍ حقِّه، ويكون فيه
نصيب للمسلمين أو قوة للدين - فهو محمود. وما تطلبه لاستيفاء حظك أو لما فيه
نصيب لنفسك - فهو معلول.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم ◌ِنْ عَرَفَتٍ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ
اَلْحَرَاءِ وَأَذْكُرُوهُ كَمَا هَدَنكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ، لَمِنَ الضَّالِينَ﴾ .
الإشارة فيه إذا وقفت حتى فمت بحق طلبه فاذكر فضله معك؛ فلولا أنه أَرَادَكَ
لما أَرَذْتَه، ولولا أنه اختارك لما آثرتَ رضاه.
قوله جل ذكره: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَأَسْتَغْفِرُواْ اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
الإشارة فيه ألا تعلم نفسك بما تمتاز عن أشكالك في الظاهر؛ لا بلبسة ولا
بخرقة ولا بصفة، بل تكون كواحد من الناس، وإذا خطر ببالك أنك فعلت شيئاً، أو
بك أو لك أو معك شيء فاستغفر اللَّهَ، وجَدِدْ إيمانك فإنه شِرْكٌ خَفِيٌّ خَامَرَ قلبَك.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمِ نَّنَاسِكَكُمْ فَأَذْكُرُواْ الَّهَ كَذِيْكُمْ ءَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ
ذِكْرًا﴾ .
﴿قَضَيْتُمِ نََّاسِكَكُمْ﴾ إشارة إلى القيام بحق العبودية.
﴿فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِّْكُرْ ءَبَاءَكُمْ﴾ إشارة إلى القيام بحق المحبة.
قضاء المناسك قيامٌ بالنفس.
﴿فَذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُزْ ءَابَآَمَكُمْ﴾ قيامٌ له بالقلب على استدامة الوقت واستغراق
العمر.
ويقال كما أنَّ الأغيار يفتخرون بآبائهم، ويستبشرون بأسلافهم فَلْيَكُنْ افتخاركم
بنا واستبشا كم بنا.
ويقال إن كان لآبائكم عليكم حقُّ التربية فحقُّنا عليكم أوجب، وأفضالنا عليكم أتم.
ويقال إن كان لأسلافكم مآثر ومناقب، فاستحقاقنا لنعوت الجلال فوق ما
لآبائكم من حسن الحال.

٩٨
تفسير سورة البقرة
ويقال إنك لا تملُّ ذكر أبيك ولا تنساه على غالب أحوالك، فاسْتَدِمْ ذِكرنا، ولا
تَعْتَرِضَنَّك ملالة أو سآمة أو نسيان.
ويقال إنْ طَعَنَ فِي نَسَبِكَ طاعِنٌ لم ترضَ فكذلك ما تسمع من أقاويل أهل
الضلال والبِدَعِ فَذُبَّ عنَّا.
ويقال الأبُ يُذكّرُ بالحرمة والحشمة فكذلك اذكرنا بالهيبة مع ذكر لطيف القربة
بحسن التربية .
وقال ﴿كَذِّْكُرْ ءَبَآءَكُمْ﴾ ولم يقل أمهاتكم لأن الأب يُذكَر احتراماً والأم تُذكَّر
شفقةً عليها، والله يَرْحَم ولا يُرْحَم .
﴿أَوْ أَشَدَ ذِكْرًا﴾ لأن الحقَّ أحقُّ، ولأنك قد تستوحش كثيراً عن أبيك،
والحقُّ سبحانه مُنَزَّةٌ عن أن يخطر ببال من يعرفه أنه بخلاف ما يقتضي الواجب حتى
إن كان ذرة. وقوله ﴿كَذِكْرِكُرْ ءَبَآءَكُمْ﴾ الأب على ما يستحقه والرب على ما يستحقه.
قوله جلّ ذكره: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِ اُلُّنْيَا وَمَا لَهُ فِى
اُلْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ﴾ .
خطاب لو قاله مخلوقٌ لَكَ كان شاكراً، ولو أنه شكا منك كما شكا إليك لساءت
الحالة، ولكن بفضله أَحَلَّكَ محل أن يشكو إليك فقال: مِنَ الناس من لا يجنح قلبه
إلينا، ويرضى بدوننا عنّ، فلا يبصر غير نفسه وحظُه، ولا يمكن إيمان له بربه وحقّه.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةُ وَفِىِ الْأَخِرَةِ
حَسَنَّةُ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ .
إنما أراد بها حسنة تنتظم بوجودها جميع الحسنات، والحسنةُ التي بها تحصل
جميع الحسنات في الدنيا - حفظُ الإيمان عليهم في المآل؛ فإِنَّ مَنْ خرج من الدنيا
مؤمناً لا يخلد في النار، وبفوات هذا لا يحصل شيء. والحسنة التي تنتظم بها
حسنات الآخرة - المغفرة، فإذا غفر فبعدها ليس إلا كل خير.
ويقال الحسنة في الدنيا العزوف عنها، والحسنة في الآخرة الصون عن
مساكنتها. والوقاية من النار ونيران الفُرقه إذ اللام في قوله ﴿النَّارَ﴾ لام جنس فتحصل
الاستعاذة عن نيران الحرقة ونيران الفرقة جميعاً.
ويقال الحسنة في الدنيا شهود بالأسرار وفي الآخرة رؤية بالأبصار.
ويقال حسنة الدنيا ألا يُغنيك عنك وحسنة الآخرة ألا يردك إليك.
ويقال حسنة الدنيا توفيق الخدمة وحسنة الآخرة تحقيق الوصلة .

٩٩
تفسير سورة البقرة
قوله جلّ ذكره: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَا كَسَبُواْ﴾ .
إن كان خيراً فخير وإن كان غيراً فغير. ﴿وَللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ للعوام في الفرصة،
وللخواص في كل نفس .
ويقال ذكر فريقيين: منهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا، والثاني يقول في الدنيا
والعقبى، وثالث لم يذكرهم وهم الراضون بقضائه، المستسلمون لأمره، الساكنون عن
كل دعاء واقتضاء .
قوله جلّ ذكره: ﴿﴿ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَاءٍ فَعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَّ إِثْمَ
عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَّ إِثْمَ عَلَيَّةٍ لِمَنِ أَنَّقَنَّ وَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُوْ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُشَّرُونَ﴾ .
هذه صفة أواخر النسك، وهو الرمي في أيام مِنىّ لما قدموا بأركان الحج خَفَّفَ
عنهم بأن خَيَّرهم في المقام والإفاضة والتعجيل في التفريق.
والإشارة منه أَنَّ مَنْ خمدت نفسهُ، وَحى قلبُه واستدام بحقائق الشهود (سِرُّه).
فإنْ سَقطَ عنه شيءٍ من فروع الأوراد ففيما هو له مستديمُ من آداب الحضور
عِوَضٌ عن الذي يفوت.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُّكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى
قَلْبِهِ، وَهُوَ أَلَُّّ الْخِصَامِ﴾ .
أخبر أن قوماً أعرض الحق سبحانه وتعالى عن قلوبهم فأعطاهم في الظاهر بَسْطَةً
في اللسان ولكن ربط على قلوبهم أسباب الحرمان؛ فَهُمْ في غطاء جهلهم، ليس
وراءهم معنيّ، ولا على قولهم اعتمادٌ، ولا على إيمانهم اتِّكَالٌ، ولا بهم ثقةٌ بوجهٍ.
والإشارة إلى أهل الظاهر الذين لم تساعدهم أنوار البصيرة فهم مربوطون بأحكام
الظاهر؛ لا لهم بهذا الحديث إيمان، ولا بهذه الجملة استبصار، فالواجبُ صرة
الأسرار عنهم فإنهم لا يقابلون هذا الحديث إلا بالإنكار (١)، وإن أهل الوداعة من
العوام الذين في قلوبهم تعظيم لهذه الطريقة، ولهم إيمان على الجملة بهذا الحديث
لأقرب إلى هذه الطريقة من كثيرٍ ممن عدَّ نفسه من الخواص وهو بمعزل عن الإيمان
بهذا الأمر.
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِىِ الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْتَ وَالنَّسْلُ
وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾.
الإشارة لِمَنْ سَعْيُه مقصورٌ على استجلاب حظوظه، فهو لا يبالي بما يَنْخَلُّ من
(١) انظر الرسالة القشيرية ص٨٨.

١٠٠
تفسير سورة البقرة
عُرى الدين، ويهيىء من أسباب الإسلام، بعدما تَشتد حبال دنياهم، وتنتظم أسباب
مناهم، من حرام جمعوه، وحُطام حَصلَّوه. فإذا خَلَوْا لوساوسهم وقصودهم الردية
سَعَوْا بالفساد بأحكام أسباب الدنيا، واستعمالهم مَنْ يستعينون بهم في تمشية أمورهم
مِنَ القوم الذين نزع الله البصيرة من قلوبهم.
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾: ما كان فيه خراب الأمور الدينية ونظام الأحوال الدنيوية
فهو الفاسد الظاهر .
قوله جلّ ذكره: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَنَّقِ اللَّهَ أَخَذَنْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِّ فَحَسْبُهُ جَهَتٌَّ وَلَيْسَ
اَلْمِهَادُ﴾ .
هؤلاء أقوام استولى عليهم التكبُّر، وزال عنهم خضوعُ الإنصاف؛ فَشَمْخَتْ
آنافُهم عن قبول الحق فإِذا أمرته بمعروف قال: المثلى يقال هذا؟!
وأنا كذا وكذا! ثم يكبر عليك ( ... )(١) فيقول: وأنت أَوْلى بأن تؤمر
بالمعروف وتُنهى عن المنكر فإن من حالك وقصتك كذا وكذا.
أو لو ساعده التوفيق وأدركته الرحمة، وتقلَّد المئة بمن هداه إلى رؤية خطئه، ونبهه
على سوء وصفه، لم يطو على نصيحة جنبيه وتبقى في القلب - إلى سنين - آثارها.
قال تعالى: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمٌ﴾ يعني ما هو فيه في الحال من الوحشة وظلمات
النَّفْس وضيق الاختيار حتى لا يسعى في شيء غير مراده، فيقع في كل لحظة غير مرة
في العقوبة والمحنة، ثم إنه منقول من هذا العذاب إلى العذاب الأكبر، قال الله
تعالى: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١].
قوله جلّ ذكره: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللّهُ رَءُوفٌ
بِالْعِبَادِ﴾.
أولئك الذين أدركتهم خصائص الرحمة، ونعتتهم سوابق القسمة، فآثروا رضاء
الحق على أنفسهم، واستسلموا بالكلية لمولاهم، والله رؤوف بالعباد: ولرأفته بهم
وصلوا إلى هذه الأحوال، لا بهذه الأحوال استوجبوا رأفته.
قوله جلّ ذكره: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَدْخُلُواْ فِى الْسِلْمِ كَافَةٌ وَلَا تَتَّبِعُواْ
خُطُوَاتِ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَّدُوٌ مُّبِينٌ﴾ .
كلَّف المؤمِنَ بأن يُسالِمَ كل أحدٍ إلا نَفْسَه فإنها لا تتحرك إلا بمخالفة سيده؛
(١) بياض في الأصل.