النص المفهرس

صفحات 1481-1496

١٤٨١
سورة الواقعة: الآيات (٧٥ - ٩٦).
غذاها تميز الماء غير المحلل
كبكر المقانات البياض بصفرة
والبكر هي المقانات.
وقول عنترة :
ومشك سابغة هتكت فروجها
بالسيف عن حامي الحقيقة معلم
لأنّ مراده بالمشك هنا الدرع نفسها بدليل قوله: هتكت فروجها؛ يعني الدرع،
وإن كان أصل المشك لغة السير الذي تشد به الدرع؛ لأن السير لا تمكن إرادته في
بيت عنترة هذا خلافاً لما ظنه صاحب تاج العروس، بل مراد عنترة بالمشك الدرع،
وأضافه إلى السابغة التي هي الدرع كما ذكرنا، وإلى هذا يشير ما ذكروه في باب العلم:
وعقده في الخلاصة بقوله:
حتماً وإلا أتبع الذي ردف
وإن يكونا مفردين فأضف
لأنّ الإضافة المذكورة من إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظين، وقد بيّنا
في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) أن قوله في الخلاصة:
معنى وأول موهماً إذا ورد
ولا يضاف اسم لما به اتحد
أنّ الذي يظهر لنا من استقراء القرآن والعربية أن ذلك أسلوب عربي، وأنّ
الاختلاف بين اللفظين كاف في المغايرة بين المضاف والمضاف إليه، وأنّه لا حاجة إلى
التأويل مع كثرة ورود ذلك في القرآن والعربية.
ويدل له تصريحهم بلزوم إضافة الاسم إلى اللقب إن كانا مفردين نحو سعيد كرز؛
لأن ما لا بد له من تأويل لا يمكن أن يكون هو اللازم كما ترى، فكونه أسلوباً أظهر.
وقوله: ﴿فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ (®﴾؛ التسبيح: أصله الإبعاد عن السوء،
وتسبيح الله وتنزيهه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، وذلك التنزيه واجب له في ذاته
وأسمائه وصفاته وأفعاله، والظاهر أن الباء في قوله: ﴿بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾؛ داخلة على
المفعول، وقد قدَّمنا في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُزِىّ إِلَيْكِ يِذْع
النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥]، أدلة كثيرة من القرآن وغيره على دخول الباء على المفعول الذي
يتعدى إليه الفعل بنفسه، كقوله: ﴿وَهُزِّىّ إِلَيْكِ يِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥]، والمعنى:
وهزي جذع النخلة.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ [الحج: ٢٥]، أي إلحاداً، إلى آخر ما قدَّمنا من
الأدلة الكثيرة، وعليه، فالمعنى: سبح اسم ربك العظيم كما يوضحه قوله في الأعلى:
﴿َسَبِحِ أَسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى ﴾﴾ [الأعلى].
وقال القرطبي: الاسم هنا بمعنى المسمى؛ أي سبح ربك، وإطلاق الاسم بمعنى
المسمى معروف في كلام العرب، ومنه قول لبيد:

١٤٨٢
٦
سورة الحديد:
ومن یبک حولاً کاملاً فقد اعتذر
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما
ولا يلزم في نظري أن الاسم بمعنى المسمى هنا لإمكان كون المراد نفس الاسم؛
لأن أسماء الله ألحد فيها قوم ونزهها آخرون عن كل ما لا يليق، ووصفها الله بأنها
بالغة غاية الحسن، وفي ذلك أكمل تنزيه لها لأنها مشتملة على صفاته الكريمة، وذلك
في قوله: ﴿وَلِلَّهِ اَلْأَسْمَءُ اَلُْمْنَ فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وقوله تعالى: ﴿أَيََّ مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ
اُلْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠].
ولسنا نريد أن نذكر كلام المتكلمين في الاسم والمسمى، هل الاسم هو المسمى
أو لا؟ لأن مرادنا هنا بيان معنى الآية. والعلم عند الله تعالى.
براسه الرحمن الرحيم
سورة الحديد
قوله تعالى: ﴿سَبِّحَ لِلَِّ مَا فِ التَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (
قد قدَّمنا مراراً أن التسبيح هو تنزيه الله عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، وأصله
في اللغة الإبعاد عن السوء، من قولهم سبح: إذا صار بعيداً، ومنه قيل للفرس: سابح؛
لأنه إذا جرى يبعد بسرعة، ومن ذلك قول عنترة في معلقته:
إذ لا أزال على رحالة سابح
نهد تعاوره الكماة مكلم
وقول عباس بن مرداس السلمي :
ولا تخاور في مشتاهم البقر
لا يغرسون فسيل النخل حولهم
في دارة حولها الأخطار والفكر
إلا سوابح كالعقبان مقربة
وهذا الفعل الذي هو سبح قد يتعدى بنفسه بدون اللام كقوله تعالى: ﴿وَنُسَبِّحُوهُ
بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَتْلِ فَأَسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا
[الإنسان]، وقد يتعدى باللام كقوله هنا: سبح لله، وعلى هذا فسبحه وسبح له لغتان
كنصحه ونصح له. وشكره وشكر له، وذكر بعضهم في الآية وجهاً آخر، وهو أن
المعنى: سبح ما في السماوات والأرض، أي أحدث التسبيح لأجل الله أي ابتغاء
وجهه تعالى. ذكره الزمخشري وأبو حيان، وقيل: سبح لله أي صلى له. وقد قدَّمنا أن
التسبيح يطلق على الصلاة.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن أهل السماوات والأرض يسبحون الله؛ أي
ينزهونه عما لا يليق، بينه الله - جلّ وعلا - في آيات أخر من كتابه كقوله تعالى في

١٤٨٣
سورة الحديد: الآية (١)
سورة الحشر: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾﴾ [الحشر].
وقوله في الصف: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾
[الصف]. أيضاً، وقوله في الجمعة: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ
﴾ [الجمعة]، وقوله في التغابن: ﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ لَهُ
الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
اُلْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ ﴾﴾ [التغابن].
وزاد في سورة بني إسرائيل، أنّ السماوات السبع والأرض يسبحن لله مع ما فيهما
من الخلق وأن تسبيح السماوات ونحوها من الجمادات يعلمه الله ونحن لا نفقهه أي لا
نفهمه، وذلك في قوله تعالى: ﴿نُيَعُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ
بِدِهِ وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وهذه الآية الكريمة تدل دلالة واضحة على
أن تسبيح الجمادات المذكور فيها وفي قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾
[الأنبياء: ٧٩]، ونحو ذلك تسبيح حقيقي يعلمه الله ونحن لا نعلمه.
والآية الكريمة فيها الرد الصريح، على من زعم من أهل العلم، أن تسبيح
الجمادات هو دلالة إيجادها على قدرة خالقها؛ لأنّ دلالة الكائنات على عظمة خالقها
يفهمها كل العقلاء، كما صرح الله تعالى بذلك في قوله: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَأَخْتِلَفِ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى تَّجْرِى فِى الْبَعْرِ بِمَا يَنَفَعُ النَّاسَ﴾ إلى قوله: ﴿لَأَيَتٍ لِقَوْمٍ
يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وأمثال ذلك من الآيات كثيرة في القرآن.
وقد قدَّمنا إيضاح هذا في سورة الرعد، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ
فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَلُهُم بِلْغُدُوِ وَالْأَصَالِ ﴾ (®﴾ [الرعد]، وفي سورة الكهف،
في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ الآية [الكهف: ٧٧]، وفي
سورة الأحزاب، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ [الأحزاب: ٧٢]، وفي غير ذلك من المواضع.
وقد عبّر تعالى هنا في أول الحديد بصيغة الماضي في قوله: ﴿سَبِّحَ لِلّهِ﴾ وكذلك هو
في الحشر، والصف، وعبّر في الجمعة والتغابن، وغيرهما بقوله: يسبح، بصيغة المضارع.
قال بعض أهل العلم: إنما عبر بالماضي تارة وبالمضارع أخرى ليبين أن ذلك
التسبيح لله، هو شأن أهل السماوات وأهل الأرض، ودأبهم في الماضي والمستقبل،
ذكر معناه الزمخشري وأبو حيان.
وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَرِبِزُ الْحَكِيمُ﴾؛ قد قدَّمنا معناه مراراً وذكرنا أن العزيز، هو الغالب
الذي لا يغلبه شيء، وأن العِزّة هي الغلبة، ومنه قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾
[المنافقون: ٨]. وقوله: ﴿وَعَزَّبِ فِ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣]: أي غلبني في الخصام، ومن
أمثال العرب من عزّ بزّ، يعنون من غلب استلب، ومنه قول الخنساء:
إذ الناس إذ ذاك من عز بزا
كأن لم يكونوا حمى يختشى

١٤٨٤
سورة الحديد: الآيـ
والحكيم، هو من يضع الأمور في مواضعها، ويوقعها في مواقعها.
وقوله: ﴿مَا فِ التَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾، غلب فيه غير العاقل. وقد قدَّمنا في غير هذا
الموضع، أنه تعالى تارة يغلب غير العاقل، في نحو ما في السماوات وما في الأرض
لكثرته. وتارة يغلب العاقل لأهميته، وقد جمع المثال للأمرين قوله تعالى في البقرة:
﴿بَل لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ كُلُّ لَّهُ قَائِنُونَ﴾ [البقرة: ١١٦]، فغلب غير العاقل في قوله:
ما في السماوات، وغلب العاقل في قوله: قانتون.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَ الْعَرْيِنَّ﴾ .
قوله: ﴿فِ سِنَّةِ أَيَّامٍ﴾، قد قدَّمنا إيضاحه في سورة فصلت، في الكلام على قوله
تعالى: ﴿قُلّ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩]. إلى قوله تعالى:
﴿فَقَضَدُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنٍ﴾ [فصلت: ١٢]، وفي سورة الأعراف، في الكلام على
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةٍ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾؛ قد قدَّمنا الآيات الموضحة له بكثرة في
سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ﴾
الآية [الأعراف: ٥٤]. وذكرنا طرفاً صالحاً من ذلك في سورة القتال في كلامنا الطويل
على قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ()﴾ [محمد].
قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِحُ فِ آلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ .
قد قدَّمنا إيضاحه في أول سورة سبأ، في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى
اَلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْيُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴾﴾ [سبأ].
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُتُمَّ﴾.
قد قدّمنا إيضاحه وبيّنا الآيات القرآنية الدالة على المعية العامة، والمعية الخاصة،
مع بيان معنى المعية في آخر سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ
أَنَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم تُحْسِنُونَ (٣٨)﴾ [النحل].
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ: ءَايَتٍ بَيِّنَتٍ لِيُخْرِحَكُم مِّنَ الُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾.
ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنّه هو الذي ينزل على عبده محمد دَّه
آيات بينات؛ أي واضحات، وهي هذا القرآن العظيم؛ ليخرج الناس بهذا القرآن العظيم
المعبر عنه بالآيات البينات من الظلمات؛ أي من ظلمات الكفر والمعاصي إلى نور
التوحيد والهدى، وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء مبيناً في قوله تعالى
في الطلاق: ﴿فَتَّقُوْ اَللَّهَ يَأُوْلِ آلْأَلْبَبِ الَّذِينَ ءَمَوْ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّكُمْ ذِكْرً ا رَسُولًا يَغْلُواْ عَلَيْكُمْ
ءَايَتِ اَللَّهِ مَُّمِنَتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الطلاق: ١٠ -١١]،
وآية الطلاق هذه بينت أنّ آية الحديد من العام المخصوص، وأنّه لا يخرج بهذا القرآن
العظيم من الظلمات إلى النور إلا من وفقهم الله للإيمان والعمل الصالح، فقوله في

١٤٨٥
سورة الحديد: الآية (١٢)
الحديد: ﴿لَيُخْرِحَّكُم مِّنَ اُلُّلُمَتِ﴾؛ أي بشرط الإيمان والعمل الصالح بدليل قوله:
﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِنَ الظُّلُمَتِ﴾ الآية.
فالدعوة إلى الإيمان بالقرآن والخروج بنوره من ظلمات الكفر عامة، ولكن التوفيق
إلى الخروج به من الظلمات إلى النور خاص بمن وفقهم الله، كما دلت عليه آيات
الطلاق المذكورة والله - جلّ وعلا - يقول: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَ
(٢٥)﴾ [يونس].
صِرطٍ مُسْتَقِچ
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون القرآن نوراً يخرج الله به المؤمنين من
الظلمات إلى النور، جاء موضحاً في آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ
جَاءَ كُمْ بُرْهَنُ مِن رَّبِّكُمْ وَأَنَزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًّاً مُّبِينًا (13)﴾ [النساء]. وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَآءُكُم
مِّنَ اْللَّهِ نُورٌ وَكِتَبُ تُبِيرٌ ﴿ يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ أَنَّبَعَ رِضْوَنَهُ سُبُلَ السَّلَامِ
وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الُلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (13)﴾ [المائدة].
وقوله تعالى: ﴿فَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالنُّورِ الَّذِىّ أَنزَلْنَاً﴾ [التغابن: ٨]. وقوله تعالى: ﴿قَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ، أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأواف: ١٥٧].
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِن جَعَلْتَهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ .. [الشورى: ٥٢].
قوله تعالى: ﴿وَللَّهِ مِيَتُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة
مريم، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ ... الآية [مريم: ٤٠].
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَبِأَيْفَتِهِ بُشْرَئِكُمُ الْيَوْمَ جَنَّتٌ
تَجْرِى مِن ◌َّحِهَا الْأَنْهُ خَلِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية
الكريمة أنّ المؤمنين يوم القيامة، يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، وهو جمع يمين،
وأنهم يقال لهم: ﴿يُشْرَئِكُمُ الْيَوْمَ جَنَّتُ تَّجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَُ خَالِدِينَ فِيَأْ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .
وما تضمنته هذه الآية الكريمة مما ذكرنا، جاء موضحاً في آيات أخر، أما سعي
نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، فقد بيّنه تعالى في سورة التحريم، وزاد فيها بيان دعائهم
الذي يدعون به في ذلك الوقت وذلك في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِى اَللَّهُ النَّبِىِّ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ مَعَفَِّ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَبِأَيْمَنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ الآية [التحريم: ٨].
وأما تبشيرهم بالجنات، فقد جاء موضحاً في مواضع أخر، وبيّن الله فيها أن
الملائكة تبشرهم وأن ربهم أيضاً يبشرهم كقوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَتُهُم بِرَحْمَةٍ مِنْهُ
خَلِينَ فِيَهَا أَبَدَأْ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (فَ)
وَرِضْوَنٍ وَجَنَّتٍ لَّمْ فِيَهَا نَعِيمٌ مُقِيمُ
[التوبة]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَدّمُواْ تَتَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ أَلَّ
تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُمْ تُوعَدُونَ (٣)﴾؛ إلى قوله: ﴿نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ
[فصلت]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ تَكُن ◌َّعَكُمْ قَالُواْ بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَضْتُمْ وَأَرْتَبْتُمْ وَغَرَّنَّكُمُ

١٤٨٦ -
سورة الحديـ
اُلْأَمَانِىُّ حَقَّى جَآءَ أَمْرُ الَّهِ وَغَزَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُوُ (٣). الضمير المرفوع في (ينادونهم)) راجع:
المنافقين والمنافقات، والضمير المنصوب راجع إلى المؤمنين والمؤمنات، وقد ذكر الله -
جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة: أن المنافقين والمنافقات إذا رأوا نور المؤمنين يوم
القيامة يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، قالوا لهم: ﴿ أَنْظُرُونَا نَقْنَيِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾، وقيل لهم جواباً
لذلك: ﴿ أَرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُوْ نُرًا﴾، وضرب بينهم بالسور المذكور أنهم ينادون المؤمنين:
﴿أَلَمْ تَكُن مَّعَكُمْ﴾، أي في دار الدنيا، كنا نشهد معكم الصلوات ونسير معكم في الغزوات
وندين بدينكم؟ قالوا: بلى؛ أي كنتم معنا في دار الدنيا، ولكنكم فتنتم أنفسكم.
وقد قدَّمنا مراراً معاني الفتنة وإطلاقاتها في القرآن، وبينا أن من معاني إطلاقاتها
في القرآن الضلال كالكفر والمعاصي، وهو المراد هنا، أي ﴿فَتُمْ أَنفُسَكُمْ﴾: أي
أضللتموها بالنفاق الذي هو كفر باطن، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّ لَا
تَكُونَ فِثْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، أي لا يبقى شرك كما تقدم إيضاحه.
وقوله: ﴿وَتَرَضْتُمْ﴾؛ التربص: الانتظار، والأظهر أنّ المراد به هنا تربص المنافقين
بالمؤمنين الدوائر؛ أي انتظارهم بهم نوائب الدهر أن تهلكهم، كقوله تعالى في منافقي
الأعراب المذكورين في قوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَبِ مُنَفِقُونٌ﴾ [التوبة: ١٠١]،
﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَصُ بِكُ الَّوَابِرِ عَلَيْهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءٍ﴾ [التوبة: ٩٨].
وقوله تعالى: ﴿وَأَرْقَبْتُمْ﴾؛ أي شككتم في دين الإسلام، وشكهم المذكور هنا
وكفرهم بسببه بينه الله تعالى في قوله عنهم: ﴿إِنَّمَا يَسْتَخْذِئُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ
اُلْآَخِرِ وَأَرْقَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِ رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (®]﴾ [التوبة].
وقوله تعالى: ﴿وَغَرَّتَّكُمُ الْأَمَانِىُّ حَّى جَّةَ أَمْرُ اللَّهِ﴾، الأماني جمع أمنية، وهي ما
يمنون به أنفسهم من الباطل، كزعمهم أنهم مصلحون في نفاقهم، وأن المؤمنين حقاً
سفهاء في صدقهم، أي في إيمانهم، كما بين تعالى ذلك في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا
نُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِعُونَ ﴿﴿ أَلَآَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ ... الآية [البقرة:
١١، ١٢]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ الشُّفَهَاءُ
أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَءُ﴾ الآية [البقرة: ١٣]، وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من كون
الأماني المذكورة من الغرور الذي اغتروا به جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله
تعالى: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِيَّ أَهْلِ الْكِتَبُّ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣].
إلى قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤].
وقوله: ﴿حَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾، والأظهر أنه الموت؛ لأنه ينقطع به العمل.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَغَزَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾؛ هو الشيطان، وعبّر عنه
بصيغة المبالغة، التي هي الفعول لكثرة غروره لبني آدم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ
الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠].

١٤٨٧
سورة الحديد: الآيتان (١٥ - ١٦) --
وما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة، من أنّ الشيطان الكثير الغرور
غرهم بالله، جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى في آخر القمان: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ
فَلَا تَغُرََّّكُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣]، وقوله في أول فاطر:
﴿وَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ الَّهِ حَقٌّ فَلَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَنَّكُمْ بِلَلَّهِ الْغَرُوُ جَ إِنَّ الشَّيْطَانَ
لَكُمْ عَدُوٌّ فَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ ﴾ [فاطر].
وقوله تعالى في آية السجدة وآية فاطر المذكورتين: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾. وترتيبه
على ذلك النهي عن أن يغرهم بالله الغرور، دليل واضح على أن مما يغرهم به الشيطان
أن وعد الله بالبعث ليس بحق، وأنه غير واقع، والغرور بالضم الخديعة.
قوله تعالى: ﴿فَلْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. قد قدَّمنا الآيات
الموضحة له في سورة آل عمران، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم
مِلُْ اَلْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ آَفْتَدَى بِهَ﴾ [آل عمران: ٩١]، وفي غير ذلك من المواضع.
قوله تعالى: ﴿﴿ أَلَمْ بَأَنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا
يَكُونُواْ كَلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَهُمُ الْأَمَدُ نَفَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَنِقُونَ
قد قدَّمنا مراراً أنّ كل فعل مضارع في القرآن مجزوم بلم، إذا تقدمتها همزة
الاستفهام كما هنا فيه وجهان من التفسير معروفان:
الأول منهما: هو أنّ تقلب مضارعته ماضوية، ونفيه إثباتاً، فيكون بمعنى الماضي
المثبت؛ لأنّ لم حرف قلب تقلب المضارع من معنى الاستقبال إلى معنى المضي،
وهمزة الاستفهام إنكارية فيها معنى النفي، فيتسلط النفي الكامن فيها على النفي الصريح
في ((لم)) فينفيه. ونفي النفي إثبات، فيرجع المعنى إلى الماضي المثبت. وعليه فالمعنى،
﴿أَمَ بَأْنِ لِلَّذِينَ﴾: أي آن للذين آمنوا .
والوجه الثاني: أن الاستفهام في جميع ذلك للتقرير، وهو حمل المخاطب على
أن يقر فيقول: بلى. وقوله: يأن: هو مضارع أنى يأني إذا جاء إناه أي وقته، ومنه قول
كعب بن مالك
ولقد أنى لك أن تناهى طائعاً
أو تستفيق إذا نهاك المرشد
فقوله: أنى لك أن تناهي طائعاً، أي جاء الإناه الذي هو الوقت الذي تتناهى فيه
طائعاً، أي حضر وقت تناهيك، ويقال في العربية: آن يئين كباع يبيع، وأنى يأني كرمى
يرمي، وقد جمع اللغتين قول الشاعر:
ألما يئن لي أن تجلى عمايتي
وأقصر عن ليلي بلى قد أنى ليا
والمعنى على كلا القولين أنّه حان للمؤمنين، وأنى لهم أن تخشع قلوبهم
لذكر الله، أي جاء الحين والأوان لذلك، ما تردد عليهم من زواجر القرآن ومواعظه ..

١٤٨٨
سورة الحديد: الآيات (٢٠ - ٢٢)
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَمْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾؛ المصدر المنسبك من أن وصلتها في محل رفع فاعل
بأن، والخشوع أصله في اللغة السكون والطمأنينة والانخفاض، ومنه قول نابغة ذبيان:
رماد ككحل العين لأياً أبينه ونزي كجدم الحوض أثلم خاشع
فقوله: خاشع أي منخفض مطمئن، والخشوع في الشرع خشية من الله تداخل
القلوب، فتظهر آثارها على الجوارح بالانخفاض والسكون، كما هو شأن الخائف.
وقوله: ﴿لِذِكْرِ اللَّهِ﴾، الأظهر منه أن المراد خشوع قلوبهم لأجل ذكر الله،
وهذا المعنى دل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
[الأنفال: ٢]، أي خافت عند ذكر الله، فالوجل المذكور في آية الأنفال هذه، والخشية
المذكورة هنا معناهما واحد.
وقال بعض العلماء: المراد بذكر الله القرآن، وعليه فقوله: ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْقِّ﴾؛
من عطف الشيء على نفسه مع اختلاف اللفظتين، كقوله تعالى: ﴿سَبِحٍ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى
الَّذِى خَلَقَ فَسَوََّى ﴿﴿ وَالَّذِى قَدَّرَ فَهَدَ ﴾﴾ [الأعلى]، كما أوضحناه مراراً.
وعلى هذا القول، فالآية كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا مُّتَشَبِهَا مَّثَانِىَ
نَقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]،
فالاقشعرار المذكور، ولين الجلود والقلوب عند سماع هذا القرآن العظيم المعبر عنه
بأحسن الحديث، يفسر معنى الخشوع لذكر الله، وما نزل من الحق هنا كما ذكر.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَكُونُواْ كَلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَهِمُ الْأَمَّدُ فَقَسَتْ
قُلُوبُهُمْ﴾؛ قد قدَّمنا في سورة البقرة، في الكلام على قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:
٧٤]، بعض أسباب قسوة قلوبهم، فذكرنا منها طول الأمد المذكور هنا في آية الحديد
هذه، وغير ذلك في بعض الآيات الأخر.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كثرة الفاسقين من أهل الكتاب جاء موضحاً في
آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ ءَمَنَ أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمَّ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ
وَأَكْثَرُهُمُ الْفَسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وقوله تعالى: ﴿فَاتَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمِّ
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿ كَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَائُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَنَّهُ مُصْفَرًا ثُمَّ يَكُونُ حُطَهًا﴾ .
قد قدّمنا الكلام عليه في سورة الزمر، في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ یَھیجُ
فَتَرَنَهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُمُ خُطَمًا﴾، وبينا هناك الآية الدالة على سبب اصفراره.
قوله تعالى: ﴿مَّ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِىّ أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِ كِتَبٍ مِّن قَبْلِ
٢٢
أَنْ تَّبْرَأَهَاْ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ يَسِيرٌ
ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة، أنّ كل ما أصاب من المصائب في
الأرض كالقحط والجدب والجوائح في الزراعة والثمار، وفي الأنفس من الأمراض
والموت كله مكتوب في كتاب قبل خلق الناس، وقبل وجود المصائب، فقوله: ﴿مِّن

١٤٨٩
سورة الحديد: الآية (٢٥)
قَبْلٍ أَن نَبْرَاهَاً﴾، الضمير فيه عائد على الخليقة المفهومة في ضمن قوله: ﴿وَفِّ
أنفسكم)؛ أو إلى المصيبة، واختار بعضهم رجوعه لذلك كله ..
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرُ﴾؛ أي سهل هيّن لإحاطة علمه وكمال قدرته.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أنه لا يصيب الناس شيء من المصائب إلا وهو
مكتوب عند الله قبل ذلك، أوضحه الله تعالى في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿قُل لَّن
يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَئِنَّأْ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾﴾ [التوبة]. وقوله
تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن قُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [التغابن: ١١]. وقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَّنَّكُمْ بِشَىْءٍ
(٥)﴾ [البقرة] ﴿ وَلَنَبْلُوَّنَّكُمْ
مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِ وَبَشْرِ الصَّبِينَ
بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوع﴾؛ قبل وقوع ذلك دليل على أن هذه المصائب معلومة له - جلّ
وعلا - قبل وقوعها، ولذا أخبرهم تعالى بأنها ستقع، ليكونوا مستعدين لها وقت نزولها
بهم؛ لأن ذلك يعينهم على الصبر عليها، ونقص الأموال والثمرات مما أصاب من
مصيبة، ونقص الأنفس في قوله: والأنفس، مما أصاب من مصيبة في الأنفس.
قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآَ مَاتَنِكُمْ وَاللّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ
فَخُورٍ (®)، وقوله في آية الحديد هذه: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَّاً
ءَاتَنِكُمْ﴾؛ أي بينا لكم أن الأشياء مقدرة مكتوبة قبل وجود الخلق، وأنّ ما كتب واقع لا
محالة لأجل ألا تحزنوا على شيء فاتكم؛ لأنّ فواته لكم مقدر، وما لا طمع فيه قل الأسى
عليه، ولا تفرحوا بما آتاكم؛ لأنكم إذا علمتم أنّ ما كتب لكم من الرزق والخير لا بد أن
يأتيكم قل فرحكم به، وقوله: تأسوا، مضارع أسِى بكسر السين يَأْسَى بفتحها أسىّ بفتحتين
على القياس؛ بمعنى حزن ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ اَلْكَفِينَ﴾ [المائدة: ٦٨] وقوله:
((من مصيبة)) مجرور في محل رفع؛ لأنّه فاعل أصاب جربمن المزيدة لتوكيد النفي، وما نافية.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَغِنَتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ
بِالْقِسْطِ﴾. قد قدَّمنا الكلام عليه في سورة الشورى، في الكلام على قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِىّ
أَنْزَلَ اَلْكِتَبَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانٌ﴾ [الشورى: ١٧]، وقدَّمنا هناك كلام أهل العلم في معناه.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ .
بين الله - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة والتي قبلها، أن إقامة دين الإسلام تنبني
على أمرين: أحدهما هو ما ذكره بقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ وَاَلْمِيزَانَ﴾؛ لأن في ذلك
إقامة البراهين على الحق، وبيّن الحجة وإيضاح الأمر والنهي والثواب والعقاب، فإذا
أصر الكفار على الكفر وتكذيب الرسل مع ذلك البيان والإيضاح، فإن الله - تبارك وتعالى
- أنزل الحديد أي خلقه، لبني آدم ليردع به المؤمنون الكافرين المعاندين، وهو قتلهم إياهم
بالسيوف والرماح والسهام، وعلى هذا فقوله هنا: ﴿وَأَنَزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾؛
توضحه آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَصُرَّكُمْ عَلَيْهِمْ﴾
[التوبة: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢]،

١٤٩٠
سورة المجادلة: الآية (٢)
والآيات في مثل ذلك كثيرة معلومة، وقوله: ﴿وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، لا يخفى ما
في الحديد من المنافع للناس، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: ﴿وَمِمَا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِىِ النَّارِ
أَبْتِغَآءَ حِيَةٍ أَوْ مَتَعٍ﴾ [الرعد: ١٧]؛ لأن مما يوقد عليه في النار ابتغاء المتاع الحديد.
قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ قُّهُنٍَّ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ .
قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الزخرف، في الكلام على قوله تعالى:
بَلْ مَتَعْتُ هَؤُلاءِ﴾ ... الآية [الزخرف: ٢٨، ٢٩].
﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَّةٌ فِ عَقِهِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ()
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ، يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمِهِ،
وَنَجْعَل لَّكُمْ نُورًّا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (جَ﴾.
قد قدَّمنا أن التحقيق أنّ هذه الآية الكريمة من سورة الحديد، في المؤمنين من هذه
الأمة، وأنّ سياقها واضح في ذلك، وأنّ من زعم من أهل العلم أنّها في أهل الكتاب
فقد غلط، وأنّ ما وعد الله به المؤمنين من هذه الأمة أعظم مما وعد به مؤمني أهل
الكتاب وإتيانهم أجرهم مرتين كما قال تعالى فيهم: ﴿الَّذِينَ ءَانَيْتَهُمُ الْكِنَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِهِ،
يُؤْمِنُونَ (69)﴾ - إلى قوله - ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ ... الآية [القصص: ٥٢ - ٥٤].
وكون ما وعد به المؤمنين من هذه الأمة أعظم أن إيتاء أهل الكتاب أجرهم مرتين
أعطى المؤمنين من هذه الأمة مثله كما بينه بقوله: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْتِهِ﴾، وزادهم
بقوله: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَ
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾. ما تضمنته
هذه الآية الكريمة من أن الفضل بيد الله وحده وأنه يؤتيه من يشاء جاء موضحاً في آيات
كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَ رَآَ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧].
وقد قدَّمنا الآيات الموضحة له في أول سورة فاطر، في الكلام على قوله تعالى:
مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكَ فَلَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِةٍ﴾ [فاطر: ٢].
براس الرحمن الرحيم
سورة المجادلة
قوله تعالى؛ ﴿الَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنكُم مِّنْ نِسَآئِهِمِ مَا هُنَ أُنَّهَتِهِمْ﴾؛ إلى قوله:
﴿فَإِطِعَامُ سِتِينَ مِسْكِينًا﴾. قد قدَّمنا الكلام عليه موضحاً في سورة الأحزاب، في الكلام
على قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَجَكُمُ الَّتِى تُظَِهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَتِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] وبيّنا
هناك كلام أهل العلم، وأدلتهم ومناقشتها في مسائل الظهار، ومسائل أحكام الكفارة
بالعتق، والصيام، والإطعام، وأوجه القراءة في الآية.

١٤٩١
سورة المجادلة: الآيات (٧ - ١٦) .
قوله تعالى: ﴿أَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ مَا يَكُونُ مِن تَجْوَ ثَلَاثَةٍ
إِلَّا هُوَ رَاِعُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾. قد قدَّمنا الكلام عليه في آخر سورة
النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم تُحْسِنُونَ
١٣٨
[النحل: ١٢٨]، وذكرنا هناك معنى المعية الخاصة، والمعية العامة، والآيات القرآنية
الدالة على كل واحدة منهما .
قوله تعالى: ﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تُهُواْ عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنَّهُ وَيَتَنَجُوْنَ بِالْإِثْمِ
وَالْعُدْوَنِ﴾. قد قدَّمنا الكلام عليه مع بيان الفرق بين النجوى بالخير، والنجوى بالإثم
والعدوان، في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِن نَّجْوَهُمْ
إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤].
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَولَوْ قَوْمًا غَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مَا هُم مِّنَكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾. قال
بعض أهل العلم: معنى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّواْ﴾؛ ألم ينته علمك إلى الذين تولوا.
وقد قدَّمنا الرد على من قال: إن لفظة ((ألم تر)) لا تعدى إلا بحرف الجر الذي هو
إلى، ولا تتعدى بنفسها إلى المفعول، وبينا أن ذلك وإن كان هو الذي في القرآن في
جميع المواضع فإن تعديتها إلى المفعول بنفسها صحيحة.
ومن شواهد ذلك قول امرئ القيس :
ألم ترياني كلما جئت طارقاً وجدت بها طيباً وإن لم تطيب
والمراد إنكار الله على المنافقين توليهم القوم الذين غضب الله عليهم، وهم اليهود
والكفار. وهذا الإنكار يدل على شدة منع ذلك التولي، وقد صرح الله بالنهي عن ذلك
في قوله تعالى: ﴿يَأَتُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَوَلَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ١٣].
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون المنافقين ليسوا من المؤمنين، ولا من
القوم الذين تولوهم وهم الذين غضب الله عليهم من اليهود، جاء موضحاً في غير هذا
الموضع كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اَللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾؛ إلى قوله تعالى:
﴿مُّذَبّذَبِيْنَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَآ إِلَى هَؤُلَاءٍ﴾ [النساء: ١٤٢ - ١٤٣].
قوله تعالى: ﴿أَتَّخَذُوَأْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةٌ فَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (®)﴾. ذكر
- جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن المنافقين اتخذوا أَيْمانهم جُنّة، والأيمان جمع
يمين؛ وهي الحلف، والجُنَّة هي الترس الذي يتقي به المقاتل وقع السلاح، والمعنى
أنهم جعلوا الأيمان الكاذبة، وهي حلفهم للمسلمين أنهم معهم وأنهم مخلصون في
باطن الأمر، ترساً لهم يتقون به الشر الذي ينزل بهم لو صرحوا بكفرهم، وقوله تعالى:
﴿فَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ الظاهر أنه من صد المتعدية، وأن المفعول محذوف؛ أي
فصدوا غيرهم ممن أطاعهم؛ لأن صدودهم في أنفسهم دل عليه قوله: ﴿أَتَّخَذُوَأْ أَيْمَتَهُمْ
جُنَّةً﴾ والحمل على التأسيس أولى من الحمل على التأكيد، كما أوضحناه مراراً ..

١٤٩٢
سورة المجادلة: الآيات (١٧ - ٢٠)
وهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية الكريمة وهما كون المنافقين يحلفون
الأيمان الكاذبة لتكون لهم جنة، وأنهم يصدون غيرهم عن سبيل الله جاءا موضحين في
آيات أخر من كتاب الله، أما أيمانهم الكاذبة فقد بينها الله - جلّ وعلا - في آيات
كثيرة، كقوله تعالى في هذه السورة: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، وقوله تعالى:
الآية [التوبة: ٦٢]، وقوله
﴿يَحْلِفُونَ بِلَّهِ لَكُمْ لِيُرُْوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ .
تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا أَنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ
وَمَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ ... الآية [التوبة: ٩٥]. وقوله تعالى: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ أُسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا
مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [التوبة: ٤٢]. وقوله تعالى: ﴿أَخَذُوَاْ أَيْمَنْهُمْ
جُنَّةٌ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ ﴾﴾ [المنافقون].
وأما صدهم من أطاعهم عن سبيل الله فقد بيّنه الله في آيات من كتابه كقوله تعالى:
﴿قَدْ يَعْلَمُ اَللَّهُ الْمُعَوِّينَ مِنْكُ وَالْقَآَيِينَ لِإِخْوَذِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنًا﴾ [الأحزاب: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخْوَنِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِ اَلْأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزَّى لَّوْ كَانُواْ
عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ﴾ [آل عمران: ١٥٦]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُواْ لِإِخْوَنِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ
أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْ﴾ [آل عمران: ١٦٨]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَّيْبَطِئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢].
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾؛ أي لأجل نفاقهم، كما
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْتُفِقِينَ فِى الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ ... الآية [النساء: ١٤٥].
قوله تعالى: ﴿لَّنْ تُفِىَ عَنْهُمْ أَمْوَهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُ مِّنَ اَللَّهِ شَيْئًاْ﴾ ... الآية. قد قدَّمنا
الآيات الموضحة له في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّنَهُ وَهُوَ
ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ إلى قوله: ﴿خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٥ -٣٦].
قوله تعالى: ﴿أَسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَائِنُ فَأَنْسَنُهُمْ ذِكْرِ اللهِ﴾. ما تضمنته هذه الآية الكريمة
من إسناد إنساء ذكر الله إلى الشيطان، ذكره تعالى في غير هذا الموضع كقوله تعالى:
﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَئِنُ فَلَ نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]. وقوله تعالى:
﴿فَأَنْسَنُهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٤٢]، وفي معناه قول فتى موسى: ﴿وَمَّاً
أَنْسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَكْرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَآَذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَكَ فِى الْأَذَلِينَ (٥)﴾. ذكر - جلّ وعلا -
في هذه الآية الكريمة أن الذين يحادون الله ورسوله داخلون في جملة الأذلين، لا يوجد
أحد أذل منهم. وقوله: ﴿يُحَدُّونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ﴾؛ أي يعادون ويحالفون ويشاقون، وأصله
مخالفة حدود الله التى حدها .
وقوله: ﴿فِ اٌلْأَذَلِينَ﴾؛ أي الذين هم أعظم الناس ذلاً. والذل: الصغار والهوان
والحقارة.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الذين يحادون الله ورسوله هم أذل خلق الله،
1

١٤٩٣
سورة المجادلة: الآيتان (٢١ - ٢٢)
بيّنه - جلّ وعلا - في غير هذا الموضع، وذلك بذكره أنواع عقوبتهم المفضية إلى الذل
والخزي والهوان، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوَأْ أَنَّهُ مَنِ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ
جَهَتَّمَ خَلِدًا فِيَأَ ذَلِكَ الْخِزْىُ اَلْعَظِيمُ ﴾ [التوبة]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَدُّونَ اللّهَ
وَرَسُولَهُ: كُبُواْ كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ
الْجَلَّءَ لَعَذَّبَهُمْ فِ الدُّنْيَا وَهُمْ فِ اَلْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ﴿٣ ذَلِكَ بِأَنَهُمْ شَآتُواْ اللّهَ وَرَسُولَةٌ وَمَن يُشَآقِّ اللَّهَ
فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿1﴾ [الحشر]. وقوله تعالى: ﴿فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلّ
بَنَانٍ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآَقُواْ الَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
١٣
ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَ لِلْكَفِينَ عَذَابَ النَّارِ ﴾﴾ [الأنفال] إلى غير ذلك من آيات.
قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَنَ أَنَا وَرُسُلِّ إِنَّ اللَّهُ قَوِىُّ عَزِيزٌ ﴾﴾. قد دلت
هذه الآية الكريمة على أنّ رسل الله غالبون لكل من غالبهم، والغلبة نوعان: غلبة
بالحجة والبيان، وهي ثابتة لجميع الرسل، وغلبة بالسيف والسنان، وهي ثابتة لمن أمر
بالقتال منهم دون من لم يؤمر به.
وقد دلت هذه الآية الكريمة، وأمثالها من الآيات كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتْنَا
وَإِنَّ جُنَنَا لَهُمُ الْغَلِبُونَ (®)﴾ [الصافات]، أنّه لن يقتل
إِنَّهُمْ لَمُمُ الْمَنصُورُونَ (َ
لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ.
نبي في جهاد قط؛ لأن المقتول ليس بغالب؛ لأنّ القتل قسم مقابل للغلبة، كما بينه
تعالى في قوله: ﴿وَمَن يُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ الآية [النساء: ٧٤]. وقال
تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا﴾ ... الآية [غافر: ٥١]. وقد نفى عن المنصور كونه مغلوباً
نفيًا باتاً في قوله تعالى: ﴿إِن يَنصُرَّكُمُ اللَّهُ فَلَ غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠].
وبهذا تعلم أنّ الرسل الذين جاء في القرآن أنهم قتلوا كقوله تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ
رَسُولٌ بِمَا لَ نَهْوَ أَنْفُكُمُ أَسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا نَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]. وقوله تعالى:
﴿قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِ بِاَلْبَيِّنَتِ وَيَلَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٣]، ليسوا
مقتولين في جهاد، وأنّ نائب الفاعل في قوله تعالى: ﴿وَكَيِّن مِّن نَّبِّ قَتَلَ مَعَهُ رِيُِّّونَ﴾ [آل
عمران: ١٤٦]، على قراءة قتل بالبناء للمفعول، هو ربيون لا ضمير النبي.
وقد أوضحنا هذا غاية الإيضاح بالآيات القرآنية في سورة آل عمران، في الكلام على
قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنِ مِن نَّبِيٍ قَتَلَ مَعَهُ رِبِّتُونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، وذكرنا بعضه في
الصافات، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ [الصافات].
قوله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُؤَذُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
وَلَ كَانُواْ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾. وردت هذه الآية الكريمة
بلفظ الخبر، والمراد بها الإنشاء، وهذا النهي البليغ، والزجر العظيم عن موالاة
أعداء الله، وإيراد الإنشاء بلفظ الخبر أقوى وأوكد من إيراده بلفظ الإنشاء، كما هو
معلوم في محله، ومعنى قوله: ﴿يُوَآَذُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أي يحبون ويوالون
أعداء الله ورسوله.

١٤٩٤
سورة المجادلة: الآية (٢٢)
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي والزجر العظيم عن موالاة أعداء الله جاء
موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِىّ إِنَهِيمَ وَالَّذِيْنَ مَعَهُ: إِذْ
قَالُواْ لِقَوْمِمْ إِنَّا بُرَءَؤْ مِنَكُمْ وَمِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَآُ
أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]. وقوله تعالى: ﴿تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَاءُ
عَلَى الْكُفَّارِ رُجَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿فَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، أَوْلَةٍ
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]. وقوله تعالى: ﴿وَلَيَجِدُواْ فِيَكُمْ غِلْظَةٌ﴾ الآية
[التوبة: ١٢٣]. وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُطْ عَلَيْهِمْ﴾
[التوبة: ٧٣] إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَوْ كَانُوْ ءَبَآءَهُمْ﴾؛ زعم بعضهم أنها
نزلت في أبي عبيدة بن الجراح قائلاً: إنه قتل أباه كافراً يوم بدر أو يوم أحد، وقيل:
نزلت في ابن عبد الله بن أبي المنافق المشهور، وزعم من قال: إن عبد الله استأذن
النبي ◌َّلّ في قتل أبيه عبد الله بن أبي فنهاه، وقيل: نزلت في أبي بكر، وزعم من قال
إنّ أباه أبا قحافة سب النبي و 18 قبل إسلامه فضربه ابنه أبو بكر حتى سقط.
وقوله: ﴿أَوْ أَبْنَآءَهُمْ﴾؛ زعم بعضهم أنها نزلت في أبي بكر حين طلب مبارزة ابنه
عبد الرحمن يوم بدر ...
وقوله: ﴿أَوْ إِخْوَنَهُمْ﴾؛ زعم بعضهم أنها نزلت في مصعب بن عمير، قالوا: قتل
أخاه عبيد بن عمير. وقال بعضهم: مر بأخيه يوم بدر يأسره رجل من المسلمين، فقال:
شدد عليه الأسر، علم أن أمه ملية وستفدیه.
وقوله: ﴿أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾؛ قال بعضهم: نزلت في عبيدة بن الحارث بن المطلب،
وحمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب ظه، لما قتلوا عتبة بن ربيعة وشيبة بن
ربيعة، والوليد بن عتبة، في المبارزة يوم بدر، وهم بنو عمهم؛ لأنهم أولاد ربيعة بن
عبد شمس بن عبد مناف. وعبد شمس أخو هاشم كما لا يخفى.
وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ﴾؛ أي ثبته في قلوبهم بتوفيقه.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من تثبيت الإيمان في قلوبهم جاء موضحاً في قوله
تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيَنَ وَزََّهُ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَّ
أُوْلَئِكَ هُمُ الَّشِدُونَ ﴾ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةٌ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾﴾ [الحجرات].
إلى هنا انتهى تفسير الشيخ وقد اكتفينا بتفسير الشيخ دون التتمة للشيخ عطية
حفاظاً على النسق المميز لكلام الشيخ رحمه الله، والحمد لله الذي بنعمته تتم
الصالحات.

فهرس الموضوعات
١٤٩٥
فهرس الموضوعات
الموضوع
مقدمة مختصر الكتاب
٥
٧
مقدمة المؤلف
٢٦
مقدمة في تعريف الإجمال والبيان في اصطلاح أصل الأصول
٣١
سورة الفاتحة
٣٥
سورة البقرة
٧٩
سورة آل عمران
سورة النساء
١٠٠
١٣٠
سورة المائدة
سورة الأنعام
١٥٩
سورة الأعراف
١٨٢
سورة الأنفال
٢٠٧
٢١٧
سورة التوبة
سورة يونس
٢٢٥
٢٣٦
سورة هود
٢٥٩
سورة يوسف
٢٧٠
سورة الرعد
٢٧٨
سورة إبراهيم
٢٨٦
سورة الحجر
٣٢٢
سورة النحل
٤١٣
سورة الإسراء
٥٠٦
سورة الكهف
٦١٣
سورة مريم
٧٠٠
سورة الأنبياء
٨٣٠
سورة الحج
٩٠٨
سورة النور
سورة طه
٧٨٢
سورة المؤمنون
٩٥٦
الصفحة

٠١٤٩٦
فهرس الموضوعات
الموضوع
الصفحة :
سورة الفرقان
١٠٦٠
سورة الشعراء
١٠٧٥
سورة النمل
سورة القصص
١٠٩١
سورة العنكبوت
١١٠٠
١٠٩٤
سورة الروم
١١١٠
سورة لقمان
١١١٣
سورة السجدة
١١١٧
سورة سبأ
١١٣٨
سورة فاطر
سورة يُس .
١١٤٥
سورة الصافات
١١٥٦
سورة ص
١١٧٢
سورة الزمر
١١٩١
سورة غافر .
١٢٠٦
سورة فصلت
١٢٢٤
سورة الشورى
١٢٤٩
سورة الزخرف
١٢٧٦
١٣١٤
سورة الدخان
١٣١٩
سورة الجاثية
سورة الأحقاف
١٣٣٨
سورة محمد
١٣٦٢
سورة الفتح
١٣٧٩
سورة الحجرات
١٣٨٤
سورة الذاريات
١٤٠٦
سورة الطور .
١٤١٨
سورة النجم
١٤٢٦
سورة القمر
١٤٣٦
سورة الرحمن
١٤٤٤
سورة الواقعة
١٤٥٨
سورة الحديد
١٤٨٢
سورة المجادلة
١٤٩٠
فهرس الموضوعات
١٤٩٥
١٠٠٠
سورة الأحزاب
١١٢٨