النص المفهرس
صفحات 1441-1460
٢٤٤١٠ سورة القمر: الآيات (٣١ - ٤٢) - فسيف بني عبس وقد ضربوا بيه. نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد وقوله تعالى: ﴿فَقَرَ﴾؛ أي قتلها. والعرب تطلق العقر على القتل والنحر والجرح ومنه قول امرئ القيس: تقول وقد مال الغبيط بنا معاً عقرت بعيري يامرا القيس فانزل ومن إطلاق العقر على نحر الإبل لقرى الضيف قول جرير: بني ضوطرا لولا الكمي المقنعا تعدون عقر النيب أفضل مجدكم قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ وَجِدَةً﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة فصلت، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَعِقَةُ الْعَذَابِ الْمُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧]. قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّ ءَالَ لُوطٍ تَجَيْنَهُم بِسَحَرٍ ﴿﴾﴾﴾، قوله: ﴿إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾: قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْ عَلَى اْلْقَرْيَةِ الَّتِىّ أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءٍ﴾ [الفرقان: ٤٠]، قوله ﴿إِلَّءَالَ لُوطٍ تَبْنَهُم بِسَحَرٍ﴾ قد قدَّمنا الآيات الموضحة له إيضاحاً شافياً بكثرة. وقد تضمنت إيضاح قصة لوط وقومه في سورة هود، وسورة الحجر، في الكلام على القصة المذكورة في السورتين. كَذَّبُواْ بَِايَتِنَا كُلِهَا فَذْنَهُ أَخْذَ عَزِيزٍ قوله تعالى: ﴿وَقَدْ جَ مَالَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ مُقْنَدِرٍ ﴾﴾. تضمنت هاتان الآيتان ثلاثة أمور: الأول: أنّ آل فرعون جاءتهم النذر. الثاني: أنّهم كذبوا بآيات الله. الثالث: أنّ الله أخذهم أخذ عزيز مقتدر. وهذه الأمور الثلاثة المذكورة هنا جاءت موضحة في آيات أخر من كتاب الله؛ أما الأول منها وهو أن آل فرعون وقومه جاءهم النذر، فقد أوضحه تعالى في آيات كثيرة من كتابه. واعلم أولاً أن قوله: ﴿حَّمَ ءَالَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾، قيل: هو جمع نذير وهو الرسول. وقيل: هو مصدر بمعنى الإنذار فعلى أنه مصدر. فقد بيّنت الآيات القرآنية بكثرة أن الذي جاءهم بذلك الإنذار هو موسى وهارون، وعلى أنه جمع نذير أي منذر، فالمراد به موسى وهارون، وقد جاء في آيات كثيرة إرسال موسى وهارون لفرعون كقوله تعالى في طه: ﴿فَأَنْيَهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىّ إِسْرََّيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ حِثْنَكَ بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]. ثم بيّن تعالى إنذارهما له في قوله: ﴿إِنَّا قَدْ أُوْجِىَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى (®)﴾ [طه)، ونحوها من الآيات، وفي هذه الآية سؤال معروف، وهو أن الله ١٤٤٢ سورة القمر: الآيات (٣١ - ٤٢) تبارك وتعالى أرسل لفرعون نبيين هما موسى وهارون، كما قال تعالى: ﴿فَأْيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ (٣)﴾ [الشعراء]، وهنا جمع النذر في قوله: ﴿وَلَقَدْ جَّةَ ءَالَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ﴾﴾، وللعلماء عن هذا أجوبة؛ أحدها أن أقل الجمع اثنان كما هو مقرر في أصول مالك بن أنس تخلُّهُ، وعقده صاحب مراقي السعود بقوله: لاثنان في رأي الإمام الحمير أقل معنى الجمع في المشتهر قالوا: ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، ولهما قلبان فقط. وقوله: ﴿فَإِن كَانَ لَهُوَ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُّ﴾ [النساء: ١١]، والمراد بالإخوة اثنان فصاعداً كما عليه الصحابة فمن بعدهم خلافاً لابن عباس، وقوله ﴿ وَأَطْرَافُ النَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] وله طرفان. ومنها ما ذكره الزمخشري وغيره من أن المراد بالنذر موسى وهارون وغيرهما من الأنبياء؛ لأنهما عرضا عليهم ما أنذر به المرسلون. ومنها أن النذر مصدر بمعنی الإنذار. قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: التحقيق في الجواب، أنّ من كذب رسولاً واحداً فقد كذب جميع المرسلين، ومن كذب نذيراً واحداً فقد كذب جميع النذر؛ لأن أصل دعوة جميع الرسل واحدة، وهي مضمون لا إله إلا الله كما أوضحه تعالى بقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِ أُمٍَّ رَسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْ فَأَعْبُدُونِ ١٢٥ [الأنبياء]. وقوله تعالى: ﴿وَسَثَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن زُسُلِنَآَ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةً (٥﴾ [الزخرف]. يُعْبَدُونَ وأوضح تعالى أن من كذب بعضهم فقد كذب جميعهم في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًًّ﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١]، وأشار إلى ذلك في قوله: ﴿لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ،﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وقوله: ﴿لَا نُفَرِقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَتَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦]. وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢]. وقد أوضح تعالى في سورة الشعراء، أن تكذيب رسول واحد تكذيب لجميع الرسل، وذلك في قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوجِ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ [الشعراء]. ثم بيّن أن تكذيبهم المرسلين إنما وقع بتكذيبهم نوحاً وحده، حيث فرد ذلك بقوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوعُ. [الشعراء]. وقوله تعالى: ﴿كَذِّبَتْ MV أَلَا نَتَّقُونَ ﴿َ﴾، إلى قوله ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوِى كَذَّبُنِ عَادُ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ [الشعراء]، ثم بين أن ذلك بتكذيب هود وحده، حيث فرده بقوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوُهُمْ هُوَّ أَلَا نَنَّقُونَ (19)﴾ [الشعراء]، ونحو ذلك. في قوله تعالى في قصة صالح وقومه، ولوط وقومه، وشعيب وأصحاب الأيكة، كما هو معلوم، وهو واضح لا خفاء فيه، ويزيده إيضاحاً قوله وَ له: ((إنا معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد)) يعني أنهم كلهم متفقون في الأصول وإن اختلفت شرائعهم في بعض الفروع. ١٤٤٣ سورة القمر: الآيات (٤٣ - ٥٣). وأما الأمر الثاني: وهو كون فرعون وقومه كذبوا بآيات الله، فقد جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْنِتَا بِهِ، مِنْ ءَايَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِينَ () [الأعراف]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَّنَهُ ءَايَتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَ (03)﴾ [طه]. وقوله تعالى: ﴿فَرَنُهُ آلْآَيَّةَ الْكُبْرَى (٥َ فَكَذَّبَ وَعَصَى (٣)﴾ [النازعات:]. وقوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِ ◌َيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءُ مِنْ غَيْرِ سُوءٌ فِى نِسْعِ ءَيْتٍ إِلَى فِرْعَوَنَ وَقَوْمِّ إِنَّهُمْ كَانُوْ قَوْمًا فَبِقِينَ ﴿٧) فَلَمَّا جَتْهُمْ وَجَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّ فَانْظُرْ كَيْفَ ءَايَنُنَا مُبْصِرَةً قَالُوْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٣)﴾ [النمل]. كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ وأما الأمر الثالث وهو قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْتَهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْنَدِرٍ﴾، فقد جاء موضحاً في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَفِى مُوسَىَ إِذْ أَرْسَلْنَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ ◌ُّينٍ (٨) إلى قوله ﴿فَأَخَذْتَهُ وَحُدَهُ فَنَبَذْتَهُمْ فِى الْيَمْ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾﴾ [الذاريات]. وقوله تعالى: ﴿فَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُورِهِ، فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِ مَا غَشِيَهُمْ (®)﴾ [طه]. وقوله تعالى: ﴿ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠]، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله: ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْنَدِرٍ﴾؛ يوضحه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اُلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَةُ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِمٌ شَدِيدُ (َ﴾ [هود]. وقد روى الشيخان في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري ته أنّ النبي ◌َّ قال: ((إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)). ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى﴾ ... الآية [هود: ١٠٢]، والعزيز: الغالب، والمقتدر: شديد القدرة عظيمها. قوله تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَرٌ مِنْ أُوْلَبِّكُمْ﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الزخرف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا﴾ [الزخرف: ٨]، وفي صدر سورة الروم، وغير ذلك من المواضع. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَ سَقَرَ (@)﴾. قد قدَّمنا الكلام عليه (٣) ﴾ [الطور]. نَّمَ دَغًا يُدَعُونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ ﴿يوم في سورة الطور، فى الكلام على قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ قد قدَّمنا الكلام عليه في سورة الزخرف، في بعض المناقشات التي ذكرناها في ﴾ [الزخرف]. الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَِدِينَ قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُهُ فِ الزُّبُرِ ﴿﴿ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرُ OF الصحيح في معنى الآية: أن كل شيء فعله الناس مكتوب عليهم في الزبر؛ التي هي صحف الأعمال، وكل صغير وكبير مستطر؛ أي مكتوب عليهم لا يترك منه شيء. وهذا المعنى جاء موضحاً في آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَوَيِلَنَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنهَاً وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩]. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ تُخُضَرًّا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْءٍ تَوَدُ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَأَ بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]. ١٤٤٤ سورة الرحمن: الآيتان (١ - ٢) والزبر: جمع زبور، وهو الكتاب. والمستطر: معناه المسطور؛ أي المكتوب، والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ لْنَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَهَرٍ ﴾﴾. أي في جنات وأنهار كما أوضح تعالى ذلك في قوله: ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَرٌ مِنِ مٍََّ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَرٌ مِنْ لَّبٍَ لَّمْ يَنْغَّرْ طَعْمُهٍُ وَأَنْهَرٌ مِنْ خَمْرٍ لََّّةِ لِلِشَّرِنَ وَأَنْهَرٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَنَّى﴾ [محمد: ١٥]. وقد ذكرنا كثيراً من أمثلة إطلاق المفرد وإرادة الجمع، كما هنا في القرآن العظيم، مع تنكير المفرد وتعريفه وإضافته، وأكثرنا أيضاً من الشواهد العربية على ذلك ◌َّ تُخْرِحُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥]، وفي غير في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ذلك من المواضع. والعلم عند الله تعالى. براسه الرحمن الرحيم سورة الرحمن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ ﴿﴿ عَلَّمَ الْقُرْءَانَ ﴾﴾. قال بعض أهل العلم: نزلت هذه الآية لمّا تجاهل الكفار الرحمن - جلّ وعلا - كما ذكره الله عنهم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أُسْجُدُواْ لِلرَّعْمَنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]، كما تقدم في الفرقان. وقد قدَّمنا معنى الرحمن وأدلته من الآيات في أول سورة الفاتحة. قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْقُرْءَانَ ﴾﴾. أي علم نبيه هل القرآن فتلقته أمته عنه، وهذه الآية الكريمة تتضمن رد الله على الكفار في قولهم إنه تعلم هذا القرآن من بشر كما تقدم في قوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا ◌ِخْرٌ يُؤْثِّرُ ﴾ [المدثر]، أي يرويه محمد عن غيره. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلَّ إِفْكُ أَفْتَرَهُ وَأَنَهُ عَلَيْهِ قَوْمُّ ءَآخَرُونٌ فَقَدْ جَاءُو ظُلْمًا وَزُورًا. ﴿ وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ أَكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾﴾ [الفرقان]. فقوله تعالى هنا: ﴿الرَّحْمَنُ ﴿ عَلَّمَ الْقُرْءَانَ ﴾﴾؛ أي ليس الأمر كما ذكرتم من أنّه تعلم القرآن من بشر، بل الرحمن - جلّ وعلا - هو الذي علمه إياه، والآيات الدالة على هذا كثيرة جداً، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ التِزَّ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [الفرقان: ٦]، وقوله تعالى: ﴿الَرَ كِنَبُّ أُعْكِمَتْ ءَايَثُمُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ١٤٤٥ سورة الرحمن: الآيتان (٣ - ٤) كِتَبُ فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ قُرْءَانًا تَنْزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ T [هود]، وقوله تعالى: ﴿حم عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فصلت: ١ - ٤]. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَهُمْ بِكِنَبٍ فَضَّلْنَهُ عَلَى عِلْمٍ هُدِّى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٣)﴾ [الأعراف]. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَمْ ذِكْرًا (٣)﴾ [طه]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلََّ حِثْنَكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣)﴾ [الفرقان]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ ( فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَّعْ قُرْءَانَهُ ٨ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾﴾ [القيامة]. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ نَدْرِى مَا الْكِنَبُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًا تَهْدِى بِهِ، مَن ◌َّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. وقوله تعالى: ﴿فَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنْتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ الْفَفِلِينَ ﴾﴾ [يوسف]. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، ومن أعظم ذلك هذا القرآن العظيم. وقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدَّى لِلنَّاسِ وَبَيْنَاتٍ مِّنَ اُلْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وتعليمه - جلّ وعلا - هذا القرآن العظيم، قد بيّن في مواضع أخر أنه من أعظم نعمه كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيَّنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾، إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ اُلْفَضْلُ اَلْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢]. وقد علم الله تعالى الناس أنّ يحمدوه على هذه النعمة العظمى التي هي إنزال القرآن، وذلك في قوله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنَزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا ﴾﴾ [الكهف]، وبيّن أن إنزاله رحمة منه لخلقه - جلّ وعلا - في آيات من كتابه كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُواْ أَنْ يُلْقَىَ إِلَيْكَ الْكِتَبُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكٌ﴾ [القصص: ٨٦] .. وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴿ رَحْمَةٌ مِّن زَيِّكْ﴾ [الدخان: ٥، ٦]، وقد بيّنا الآيات الموضحة لذلك في الكهف والزخرف. ﴿عَلَّمَ الْقُرْءَانَ ﴾﴾ حذف فيه أحد المفعولين، والتحقيق أن المحذوف هو الأول لا الثاني، كما ظنه الفخر الرازي، وقد رده عليه أبو حيان، والصواب هو ما ذكره، من أن المحذوف الأول، وتقديره: علم النبي القرآن وقيل جبريل، وقيل الإنسان. قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ جَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾﴾. اعلم أولاً أن خلق الإنسان وتعليمه البيان من أعظم آيات الله الباهرة، كما أشار تعالى لذلك بقوله، في أول النحل: ﴿خَلَقَ الْإِسَنَ مِن تُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾ [النحل]، وقوله في آخر يَس: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ تُّبِينٌ (مَا﴾ [يس]. فالإنسان بالأمس نطفة واليوم هو في غاية البيان وشدة الخصام يجادل في ربه وينكر قدرته على البعث، فالمنافاة العظيمة التي بين النطفة وبين الإبانة في الخصام، مع ١٤٤٦ سورة الرحمن: الآية (٥) أنّ الله خلقه من نطفة وجعله خصيماً مبيناً آية من آياته - جلّ وعلا - دالة على أنّه المعبود وحده، وأن البعث من القبور حق. وقوله - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾؛ لم يبين هنا أطوار خلقه للإنسان، ولكنه بينها في آيات أخر كقوله تعالى في الفلاح: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ (١) ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةً فِ قَرَارٍ مَّكِينٍ (٤) ثُمَ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ فَخَلَقْنَا اُلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ ◌َحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَا ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ [المؤمنون]. والآيات المبينة أطوار خلق الإنسان كثيرة معلومة. وقد بيّنا ما يتعلق بالإنسان من الأحكام في جميع أطواره قبل ولادته في أول سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ اٌلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن تُرَابٍ﴾ الآية [الحج: ٥]، وبيّنا هناك معنى النطفة والعلقة والمضغة في اللغة. وقوله - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾﴾؛ التحقيق فيه أن المراد بالبيان الإفصاح عما في الضمير. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أنه علم الإنسان البيان قد جاء موضحاً في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ [النحل: ٤]، في سورة النحل، ويس، وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤]، على أنّه اسم فاعل أبان المتعدية، والمفعول محذوف للتعميم، أي مبين كل ما يريد بيانه، وإظهاره بلسانه مما في ضميره، وذلك لأَنَّ ربه علمه البيان، وعلى أنه صفة مشبهة من أبان اللازمة، وأنّ المعنى: فإذا هو خصيم مبين أي بين الخصومة ظاهرها، فكذلك أيضاً؛ لأنه ما كان بين الخصومة إلا لأن الله علمه البيان. وقد امتن الله - جلّ وعلا - على الإنسان بأنّه جعل له آلة البيان التي هي اللسان ج﴾ [البلد]. والشفتان، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَمّ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ ﴿ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْرِ قوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾﴾. الحسبان: مصدر زيدت فيه الألف والنون، كما زيدت في الطغيان والرجحان والكفران، فمعنى بحسبان أي بحساب وتقدير من العزيز العليم، وذلك من آيات الله ونعمه أيضاً على بني آدم؛ لأنّهم يعرفون به الشهور والسنين والأيام، ويعرفون شهر الصوم وأشهر الحج ويوم الجمعة وعدد النساء اللاتي تعتد بالشهور، كاليائسة والصغيرة والمتوفى عنها. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءٍ وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ اُلْسِنِينَ وَالْحِسَابَّ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْأَبَتِ لِقَوْمِ يَعْلَمُونَ ﴾﴾ [يونس]. وقد قدَّمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَحَوْثَآ ءَايَةَ الَتْلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابِ﴾ [الإسراء: ١٢]. ١٤٤٧ سورة الرحمن: الآيات (٦ - ١٢) . قوله تعالى: ﴿وَالنَّجُمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴾﴾. اختلف العلماء في المراد بالنجم في هذه الآية، فقال بعض العلماء: النجم هو ما لا ساق له من النبات كالبقول، والشجر هو ما له ساق، وقال بعض أهل العلم: المراد بالنجم نجوم السماء. قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: الذي يظهر لي صوابه أن المراد بالنجم هو نجوم السماء، والدليل على ذلك أن الله - جلّ وعلا - في سورة الحج، صرح بسجود نجوم السماء والشجر، ولم يذكر في آية من كتابه سجود ما ليس له ساق من النبات بخصوصه، ونعني بآية الحج قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِى اٌلْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ﴾ ... الآية [الحج: ١٨]. فدلت هذه الآية أن الساجد مع الشجر في آية الرحمن هو النجوم السماوية المذكورة مع الشمس والقمر في سورة الحج، وخير ما يفسر به القرآن القرآن، وعلى هذا الذي اخترناه، فالمراد بالنجم النجوم، وقد قدَّمنا الكلام عليه في أول سورة النجم، وأول سورة الحج، وذكرنا أن من الشواهد العربية لإطلاق النجم وإرادة النجوم قول الراعي: سريع بأيدي الآكلين جمودها فباتت تعد النجم في مستحيرة وقول عمرو بن أبي ربيعة المخزومي: بين خمس كواعب أتراب أبرزها مثل المهاة تهادى عدد النجم والحصا والتراب ثم قالوا تحبها قلت بهراً وقوله في هذه الآية الكريمة: يسجدان، قد قدَّمنا الكلام عليه مستوفى في سورة الرعد، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَلُهُم (١٥)﴾ [الرعد]. بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِحِ قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾﴾. قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾؛ قد بيّنا الآيات الموضحة له في سورة قَ، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَىَ السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَيْنَهَا﴾ ... الآية [ق: ٦]. وقوله: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾، قد قدَّمنا الكلام عليه في سورة الشورى، في الكلام على قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِىّ أَنزَلَ اُلْكِتَبَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانٌ﴾ [الشورى: ١٧]. قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخِرُواْ الْمِيزَانَ ﴾﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَاُلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا تُكِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وذكرنا بعضه في سورة الشورى. قوله تعالى: ﴿وَأَلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ﴾ فَِهَا فَكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَاءِ ® وَالَتُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّتْجَانُ ﴾﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية أنه وضع الأرض للأنام وهو الخلق؛ لأن وضع الأرض لهم على هذا الشكل العظيم، القابل لجميع أنواع ١٤٤٨ سورة الرحمن: الآيات (٦ - ١٢) الانتفاع من إجراء الأنهار وحفر الآبار وزرع الحبوب والثمار، ودفن الأموات وغير ذلك من أنواع المنافع. من أعظم الآيات وأكبر الآلاء التي هي النعم؛ ولذا قال تعالى بعده: ﴿فَأَتِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾﴾. .. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من امتنانه - جلّ وعلا - على خلقه بوضع الأرض لهم بما فيها من المنافع، وجعلها آية لهم، دالة على كمال قدرة ربهم واستحقاقه للعبادة وحده، جاء موضحاً في آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى مَدَّ الْأَرْضَ الآية [الرعد ٣]، وقوله وَجَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ وَأَرًّا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَتِ جَعَلَ فِيَهَا زَوْجَيْنِ آَثْنَيْنِ﴾ ... تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَأَمْشُواْ فِى مَنَكِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ الآية [الملك: ١٥]. وَالْجِبَالَ وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنُهَا (٣) أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَنْ عَنْهَا أَرْسَنُهَا ﴿َ مَنَفًا لَّكُمْ وَلِأَنْغَيِكُ ﴾﴾ [النازعات]، وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْتَهَا فَنِعْمَ الْمَدِهِدُونَ (٨)﴾ [الذاريات]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا﴾ ... الآية [البقرة: ٢٢]. ٧ وقوله تعالى: ﴿وَأَلْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلَّفَيْنَا فَِهَا رَوَسِىَ وَأَنْنَا فِهَا مِن كُلِّ زَوْجِ بَهِيجِ تَبِّصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيِبٍ ﴿﴾ وَنَّلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَةَ مُّبَرًَّا﴾ ... الآية [ق: ٧ - ٩]. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فِيهَا فَكِهَةٌ﴾؛ أي فواكه كثيرة، وقد قدَّمنا أن هذا أسلوب عربي معروف، وأوضحنا ذلك بالآيات وكلام العرب. وقوله: ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَاءِ﴾؛ ذات أي صاحبة، والأكمام جمع كم بكسر الكاف، وهو ما يظهر من النخلة في ابتداء إثمارها، شبه اللسان ثم ينفخ عن النور، وقيل: هو ليفها، واختار ابن جرير شموله للأمرين. وقوله: ﴿وَاَلْحَبُّ﴾ كالقمح ونحوه، وقوله: ﴿ذُو الْعَصْفِ﴾، وقال أكثر العلماء: العصف ورق الزرع، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ﴾﴾ [الفيل] وقيل العصف: التبن. وقوله: ﴿وَالرَّتِجَانُ﴾: اختلف العلماء في معناه، فقال بعض أهل العلم: هو كل ما طاب ريحه من النبت وصار يشم للتمتع بريحه. وقال بعض العلماء الريحان: الرزق، ومنه قول النَّمر ابن تولب العكلي: ورحمته وسماء درر فروح الإله وريحانه فأحيا البلاد وطاب الشجر غمام ينزل رزق العباد ويتعين كون الريحان بمعنى الرزق على قراءة حمزة والكسائي، وأما على قراءة غيرهما فهو محتمل للأمرين المذكورين. وإيضاح ذلك أنّ هذه الآية قرأها نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم: ﴿وَالْحَبُّ ذُو اَلْعَصْفِ وَالرَّتْجَانُ ﴾﴾؛ بضم الباء والذال والنون من الكلمات الثلاث، وهو عطف على فاكهة أي فيها فاكهة، وفيها الحب ... إلخ، وقرأه ابن عامر: ١٤٤٩ سورة الرحمن: الآيات (٦ - ١٢) - ((والحبَّ ذا العصف والريحان))، بفتح الباء والذال والنون من الكلمات الثلاث، وفي رسم المصحف الشامي ذا العصف بألف بعد الذال، مكان الواو، والمعنى على قراءته: وخلق الحب ذا العصف والريحان، وعلى هاتين القراءتين، فالريحان محتمل لكلا المعنيين المذكورين. وقراءة حمزة والكسائي بضم الباء في الحب وضم الذال في ذو العصف وكسر نون الريحان عطفاً على العصف، وعلى هذا فالريحان لا يحتمل المشموم؛ لأن الحب الذي هو القمح ونحوه صاحب عصف وهو الورق أو التبن وليس صاحب مشموم طيب الريح. فيتعين على هذه القراءة أن المراد بالعصف ما تأكله الأنعام من ورق وتبن، والمراد بالريحان، ما يأكله الناس من نفس الحب، فالآية على هذا المعنى كقوله: ﴿ مَفًا لَكُمْ وَلِأَنْغَمِكُ (®﴾ [النازعات]. وقوله تعالى: ﴿فَتُخْرِجُ بِهِ، زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَمُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ﴾ [السجدة: ٢٧]. وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَحْنَا بِهِ أَزْوَجًا مِّن نَّبَاتٍ شَفَّ ﴿ كُواْ وَأَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ﴾ [طه: ٥٣، ٥٤]. وقوله تعالى: ﴿لَّكُ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ١٠ يُثْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ﴾ ... الآية [النحل: ١٠، ١١]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فِيهَا فَكِهَةٌ﴾، ما ذكره تعالى فيه من الامتنان بالفاكهة التي هي أنواع، جاء موضحاً في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى في سورة الفلاح: ﴿لَكُمْ فِيَهَا فَوَكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨]. وقوله تعالى: ﴿وَفَكِهَةٌ وَأَبَّا (3)﴾ [عبس]، إلى غير ذلك من الآيات. وما ذكره هنا من الامتنان بالحب جاء موضحاً في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ، جَنَّتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩]، وقوله تعالى: ﴿فَأَبَّا فِيهَا حَبَّاً (39) وَعِنَباً﴾ [عبس: ٢٧، ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبَّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿أُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّا مُتَاكِبًا﴾ ... الآية [الأنعام: ٩٩]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ اَلْحَبِّ وَالنَّوَىّ﴾ [الأنعام: ٩٥]، إلى غير ذلك من الآيات. وما ذكره تعالى هنا من الامتنان بالنخل، جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّمَا طَلْعٌ نَضِيدٌ ®َارِّزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ [ق: ١٠، ١١]، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَاتٍ مِّن ◌َّخِيلٍ وَأَعْتَبٍ﴾ [المؤمنون: ١٩]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. وما ذكره هنا من الامتنان بالريحان، على أنّه الرزق كما في قراءة حمزة والكسائي، جاء موضحاً في آيات كثيرة أيضاً كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَتِهِ، وَيُنَزِّكُ لَكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر: ١٣]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [يونس: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ [الملك: ٢١]. وقوله تعالى: ﴿وَصَوََّكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ﴾ الآية [غافر: ٦٤]. والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. ١٤٥٠ سورة الرحمن: الآيات (٦ - ١٢) مسألة: أخذ بعض علماء الأصول من هذه الآية الكريمة وأمثالها من الآيات كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، أنّ الأصل فيما على الأرض الإباحة، حتى يرد دليل خاص بالمنع؛ لأنّ الله امتن على الأنام بأنه وضع لهم الأرض، وجعل لهم فيها أرزاقهم من القوت والتفكه في آية الرحمن هذه، وامتن عليهم بأنه خلق لهم ما في الأرض جميعاً في قوله: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم ◌َا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. . ومعلوم أنّه ــ جلّ وعلا - لا يمتن بحرام إذ لا منة في شيء محرم، واستدلوا لذلك أيضاً بحصر المحرمات في أشياء معينة في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاِمٍ يَطْعَمُهُ: إِلَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمَا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ اُلْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ الآية [الأعراف: ٣٣]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ... الآية [الأنعام: ١٥١]. وفي هذه المسألة قولان آخران: أحدهما: أن الأصل فيما على الأرض التحريم حتى يدل دليل على الإباحة، واحتجوا لهذا بأنّ جميع الأشياء مملوكة لله - جلّ وعلا -، والأصل في ملك الغير منع التصرف فيه إلا بإذنه، وفي هذا مناقشات معروفة في الأصول، ليس هذا محل بسطها . القول الثاني: هو الوقف وعدم الحكم فيها بمنع ولا إباحة حتى يقوم الدليل، فتحصل أن في المسألة ثلاث مذاهب: المنع، والإباحة، والوقف. قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: الذي يظهر لي صوابه في هذه المسألة هو التفصيل؛ لأنّ الأعيان التي خلقها الله في الأرض للناس بها ثلاث حالات: الأولى: أنّ يكون فيها نفع لا يشوبه ضرر كأنواع الفواكه وغيرها . الثانية: أنّ يكون فيها ضرر لا يشوبه نفع كأكل الأعشاب السامة القاتلة. الثالثة: أنّ يكون فيها نفع من جهة وضرر من جهة أخرى، فإن كان فيها نفع لا يشوبه ضرر، فالتحقيق حملها على الإباحة حتى يقوم دليل على خلاف ذلك لعموم قوله: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِ اُلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. وقوله: ﴿وَأُلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ﴾﴾ ... الآية. وإن كان فيها ضرر لا يشوبه نفع فهي على التحريم لقوله رَّير: ((لا ضرر ولا ضرار)). وإن كان فيها نفع من جهة وضرر من جهة أخرى فلها ثلاث حالات: الأولى: أن يكون النفع أرجح من الضرر. والثانية: عكس هذا. والثالثة: أن يتساوى الأمران. فإن كان الضرر أرجح من النفع أو مساوياً له فالمنع لحديث: ((لا ضرر ولا ١٤٥١ سورة الرحمن: الآيات (٦ - ١٢) ضرار))، ولأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وإن كان النفع أرجح، فالأظهر الجواز؛ لأن المقرر في الأصول أن المصلحة الراجحة تقدم على المفسدة المرجوحة، كما أشار له في مراقي السعود بقوله: والغ إن يك الفساد أبعدا تقدي بما ينفع للنصارى أو رجح الإصلاح كالأسارى في كل مشرق وكل مغرب وانظر تدلي دَوَالى العنب ومراده: تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة، أو البعيدة ممثلاً له بمثالين : الأول منهما: أن تخليص أسارى المسلمين من أيدي العدو بالفداء مصلحة راجحة قدمت على المفسدة المرجوحة، التي هي انتفاع العدو بالمال المدفوع لهم فداء للأسارى. الثاني: أنّ انتفاع الناس بالعنب والزبيب، مصلحة راجحة على مفسدة عصر الخمر من العنب، فلم يقل أحد بإزالة العنب من الدنيا لدفع ضرر عصر الخمر منه؛ لأنّ الانتفاع بالعنب والزبيب مصلحة راجحة على تلك المفسدة، وهذا التفصيل الذي اخترنا، قد أشار له صاحب مراقي السعود بقوله: والحكم ما به يجيء الشرع وأصل كل ما يضر المنع تنبيه: اعلم أن علماء الأصول يقولون: إن الإنسان لا يحرم عليه فعل شيء إلا بدليل من الشرع، ويقولون إن الدليل على ذلك عقلي، وهو البراءة الأصلية المعروفة بالإباحة العقلية، وهي استصحاب العدم الأصلي حتى يرد دليل ناقل عنه. ونحن نقول: إنه قد دلت آيات من كتاب الله على أن استصحاب العدم الأصلي قبل ورود الدليل الناقل عنه حجة في الإباحة، ومن ذلك أن الله لما أنزل تشديده في تحريم الربا في قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ ... الآية [البقرة: ٢٧٩]، وكانت وقت نزولها عندهم أموال مكتسبة من الربا، اكتسبوها قبل نزول التحريم، بيّن الله تعالى لهم أن ما فعلوه من الربا، على البراءة الأصلية قبل نزول التحريم لا حرج عليهم فيه، إذ لا تحريم إلا ببيان، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ، فَأَنْنَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وقوله: ﴿مَا سَلَفَ﴾ أي ما مضى قبل نزول التحريم، ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]، والأظهر أن الاستثناء فيهما في قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ منقطع؛ أي لكن ما سلف من ذلك قبل نزول التحريم، فهو عفو؛ لأنه على البراءة الأصلية. ومن أصرح الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَ هُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، لأنّ النبي ◌َّه لمّا استغفر لعمه أبي طالب بعد موته على الشرك، واستغفر المسلمون لموتاهم المشركين عاتبهم الله في ١٤٥٢ سورة الرحمن: الآيتان (١٤ _ ١٥) قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْبَى﴾ الآية [التوبة: ١١٣]. ندموا على الاستغفار لهم، فبين الله لهم أنّ استغفارهم لهم لا مؤاخذة به؛ لأنه وقع قبل بيان منعه، وهذا صريح فيما ذكرنا . وقد قدَّمنا أن الأخذ بالبراءة الأصلية يعذر به في الأصول أيضاً في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وبيّنا هناك كلام أهل العلم في ذلك، وأوضحنا ما جاء في ذلك من الآيات القرآنية. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن صَلْصَلِ كَالْفَخَّارِ ﴾ وَخَلَقَ الْجَانَ مِن ◌َّارِج ◌ِّن ثَارٍ (6)﴾. الصلصال: الطين اليابس الذي تسمع له صلصلة؛ أي صوت إذا قرع بشيء، وقيل الصلصال المنتن، والفخار الطين المطبوخ، وهذه الآية بين الله فيها طوراً من أطوار التراب الذي خلق منه آدم، فبيّن في آيات أنه خلقه من تراب كقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَدَمَّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]. وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُتُمْ فِ رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَفْنَكُم مِّنْ تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥]. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَكُمْ مِّنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُم بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ﴾﴾ [الروم]. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُطْفَةٍ﴾ [غافر: ٦٧] وقوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥]. وقد بيّنا في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥]. وقوله: ﴿مِنْهَا خَلَقْتَكُمْ﴾ [طه: ٥٥]. أنّ المراد بخلقهم منها هو خلق أبيهم آدم منها؛ لأنه أصلهم وهم فروعه، ثم إنّ الله تعالى عجن هذا التراب بالماء فصار طيناً، ولذا قال: ﴿وَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]. وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ مِن سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ ﴾﴾ [المؤمنون]. وقال تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧]. وقال: ﴿إِنَّا خَلَقْتَهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ﴾ [الصافات: ١١]. وقال تعالى: ﴿إِنّ خَلِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ﴾ [ص: ٧١]، ثم خمر هذا الطين فصار حماً مسنوناً، أي طيناً أسود متغير الريح، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَانَ مِن صَلْصَلٍ مِنْ حَمٍ قَسْنُونٍ ﴾﴾ ... الآية [الحجر]. وقال تعالى: ﴿إِنِّ خَلِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصَلٍ مِنْ حَمَلٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٨]. وقال عن إبليس: ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمٍَ مَّسْنُونٍ ®)﴾ [الحجر]، والمسنون قيل: المتغير، وقيل: المصور، وقيل: الأملس، ثم يبس هذا الطين فصار صلصالاً، كما قال هنا: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن صَلْصَلٍ كَالْفَخَّارِ ﴿٣﴾. وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَنَ مِن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمٍ مَسْئُونِ (٣)﴾ [الحجر]. فالآيات يصدق بعضها بعضاً، ويتبين فيها أطوار ذلك التراب كما لا يخفى. قوله: ﴿وَلَلجَانَ﴾؛ أي وخلق الجان وهو أبو الجن، وقيل هو إبليس، وقيل: هو الواحد من الجن. وعليه فالألف واللام للجنس، والمارج: اللهب الذي لا دخان فيه، وقوله من نار: بيان لمارج؛ أي من لهب صاف كائن من النار. ١٤٥٣ سورة الرحمن: الآيات (١٧ - ٢٧) - وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أنه تعالى خلق الجان من النار، جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى في الحجر: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ صَلَّصَلٍ مِّنْ حَمَلٍ مَّسْنُودٍ ﴿ وَالْجَنَّ خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ ◌َـ ﴾ [الحجر]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَنْ خَيْرٌ مِنَّةٌ خَقْنَنِى مِنْ تَّارٍ وَخَلَفْئَهُ مِن طِينٍ (®)﴾ [ص]. وقد أوضحنا الكلام على هذا في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَ وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]. قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْشَْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْغْرِبَيْنِ (٣)﴾. قد أوضحنا الكلام عليه في أول الصافات ﴾ [الصافات]. ٥ في الكلام على قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَرِقِ (® قد قدَّمنا الآيات ﴾. ٢٠ قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرِيّنِ يَلْنَقِيَانِ ﴿ يَتْنَهُمَا بَرْزٌَ لَّا يَغِيَانِ الموضحة له في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ الْبَحْرِيْنِ هَذَا عَذَّبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْعُّ أُجَاجٌ وَحَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَئًا وَحِجْرًا تَّحْجُورًا (69)﴾ [الفرقان]. ﴾. قرأ هذا الحرف نافع وأبو عمرو، قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُؤْلُ وَالْمَرْحَابُ ( (يُخْرَجُ)) بضم الياء وفتح الراء مبنياً للمفعول، وعليه فاللؤلؤ نائب فاعل يخرج. وقرأه باقي السبعة: (يَخْرُجُ)) بفتح الياء وضم الراء مبنياً للفاعل، وعليه فاللؤلؤ فاعل يخرج. اعلم أنّ جماعة من أهل العلم قالوا: إنّ المراد بقوله في هذه الآية يخرج منهما أي من مجموعها الصادق بالبحر الملح، وأن الآية من إطلاق المجموع وإرادة بعضه، وأن اللؤلؤ والمرجان لا يخرجان من البحر الملح وحده دون العذب. وهذا القول الذي قالوه في هذه الآية، مع كثرتهم وجلالتهم لا شك في بطلانه؛ لأن الله صرح بنقيضه في سورة فاطر، ولا شك أن كل ما ناقض القرآن فهو باطل، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَتٌ سَآئٌِ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌّ وَمِنْ ◌ُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُنَ حِلْيَةٌ تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢]، فالتنوين في قوله: ((من كل)) تنوين عوض أي من كل واحد من العذب والملح تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها؛ وهي اللؤلؤ والمرجان، وهذا مما لا نزاع فيه. وقد أوضحنا هذا في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَمَعْشَرَ الجِنّ وَاُلْإِنِسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ﴾ الآية [الأنعام: ١٣٠]. واللؤلؤ: الدر، والمرجان: الخرز الأحمر، وقال بعضهم: المرجان: صغار الدر، واللؤلؤ: كباره. قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُشَاتُ فِىِ الْبَحْرِ كَلْأَعْلَمِ ﴿٣)﴾. قد قدَّمنا الكلام عليه في سورة الشورى، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ الْجَوَارِ فِ اَلْبَحْرِ كَلْأَعْلَمِ (٣)﴾ [الشورى]. قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانِ ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَّكَ ذُو الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ (٣)﴾. ما تضمنته هذه الآية الكريمة من فناء كل من على الأرض وبقاء وجهه - جلّ وعلا - المتصف بالجلال والإكرام، جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا ١٤٥٤ سورة الرحمن: الآيات (٣٣ - ٣٧) وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيّ الَّذِىِ لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]. وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَابِقَةُ الْمَوَّتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] إلى غير ذلك من الآيات. والوجه صفة من صفات الله العلي وصف بها نفسه، فعلينا أن نصدق ربنا ونؤمن بما وصف به نفسه مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق. وقد أوضحنا هذا غاية الإيضاح بالآيات القرآنية في سورة الأعراف، وفي سورة القتال. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِن أَسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُواْ لَ نَفُذُونَ إِلَّ بِسُلْطَنِ (﴾﴾. قد قدَّمنا الكلام عليه في سورة الحجر، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَهَا مِن كُلِّ شَيْطَنِ رَحِيمٍ ﴾﴾ [الحجر]، وتكلمنا أيضاً هناك على غيرها من الآيات التي يفسرها الجاهلون بكتاب الله بغير معانيها، فأغنى ذلك عن إعادته هنا . قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَلِدِّهَانِ ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن السماء ستنشق يوم القيامة، وأنها إذا انشقت صارت وردة كالدهان، وقوله: وردة: أي حمراء كلون الورد، وقوله كالدهان: فيه قولان معروفان للعلماء: الأول منهما: أنّ الدهان هو الجلد الأحمر، وعليه فالمعنى أنها تصير وردة متصفة بلون الورد مشابهة للجلد الأحمر في لونه. والثاني: أنّ الدهان هو ما يدهن به، وعليه، فالدهان، قيل: هو جمع دهن، وقيل: هو مفرد؛ لأنّ العرب تسمى ما يدهن به دهاناً، وهو مفرد، ومنه قول امرئ القيس: كأنهما مزادتا متعجل فريان لما تُدْهَنَى بدهان وحقيقة الفرق بين القولين أنه على القول بأن الدهان هو الجلد الأحمر، يكون الله وصف السماء عند انشقاقها يوم القيامة بوصف واحد وهو الحمرة فشبهها بحمرة الورد، وحمرة الأديم الأحمر. قال بعض أهل العلم: إنّها يصل إليها حر النار فتحمر من شدة الحرارة. وقال بعض أهل العلم: أصل السماء حمراء إلا أنها لشدة بعدها وما دونها من الحواجز لم تصل العيون إلى إدراك لونها الأحمر على حقيقته، وأنها يوم القيامة ترى على حقيقة لونها . وأما على القول بأنّ الدهان هو ما يدهن به، فإن الله قد وصف السماء عند انشقاقها بوصفين أحدهما حمرة لونها، والثاني أنها تذوب وتصير مائعة كالدهن. أما على القول الأول، فلم نعلم آية من كتاب الله تبين هذه الآية، بأن السماء ستحمر يوم القيامة حتى تكون كلون الجلد الأحمر. وأما على القول الثاني الذي هو أنّها تذوب وتصير مائعة، فقد أوضحه الله في غير ١٤٥٥ سورة الرحمن: الآية (٣٩). هذا الموضع وذلك في قوله تعالى في المعارج: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ﴾ وَنَّهُ قَرِيبًا ﴿﴿ يَوْمَ تَكُونُ السَّمَةُ كَهْلِ جَ﴾ [المعارج]، والمهل شيء ذائب على كلا القولين سواء قلنا: إنه دردي الزيت وهو عكره، أو قلنا: إنه الذائب من حديد أو نحاس أو نحوهما. وقد أوضح تعالى في الكهف، أنّ المهل شيء ذائب يشبه الماء شديد الحرارة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَلْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًّا﴾ [الكهف: ٢٩]. والقول بأن الوردة تشبيه بالفرس الكميت وهو الأحمر؛ لأن حمرته تتلون باختلاف الفصول، فتشتد حمرتها في فصل، وتميل إلى الصفرة في فصل، وإلى الغبرة في فصل. وأنّ المراد بالتشبيه كون السماء عند انشقاقها تتلون بألوان مختلفة واضح البعد عن ظاهر الآية، وقول من قال: إنها تذهب وتجيء معناه له شاهد في كتاب الله، وذلك في ، الآية [الطور]، ولكنه لا يخلو عندي من بعد. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَلُ مَوْرًا (® وما ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة من انشقاق السماء يوم القيامة، جاء موضحاً ﴿فیومیِدٍ [الانشقاق]. وقوله تعالى: في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ وَأَنْشَقَتِ السَّمَاءُ﴾ [الحاقة: ١٥، ١٦]. وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَفَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَمِ﴾ .. وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴾ [الانفطار]، وقد قدَّمنا الآيات الآية [الفرقان: ٢٥]. وقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْفَطَرَتْ () الموضحة لهذا في سورة قَ، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا لَا مِنْ فُرُوجِ﴾ [ق: ٦]. قوله تعالى: ﴿فَيَّمَيِذٍ لَّا يُكَلُ عَنْ ذَلِهِ: إِنسُ وَلَا جَآَنُّ (39)﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة، أنّه يوم القيامة لا يسأل إنساً ولا جاناً عن ذنبه، وبيّن هذا المعنى في قوله تعالى في القصص: ﴿وَلَا يُسْئَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]. وقد ذكر - جلّ وعلا - في آيات أخر أنه يسأل جميع الناس يوم القيامة الرسل والمرسل إليهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [الأعراف]، وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْشَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٨ عَمَّا كَانُوْ يَعْمَلُونَ (13)﴾ [الحج]. وقد جاءت آيات من كتاب الله مبينة لوجه الجمع بين هذه الآيات، التي قد يظن غير العالم أن بينها اختلافاً، اعلم أولاً أن للسؤال المنفي في قوله هنا: ﴿فَوَمَيِذٍ لَّا يُكَلُ عَن ذَلِةٍ إِنسُ وَلَا جَانٌّ ﴿3﴾، وقوله: ﴿وَلَا يُسْئَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]، عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٩٣ أخص من السؤال المثبت في قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر]؛ لأنّ هذه فيها تعميم السؤال في كل عمل، والآيتان قبلها ليس فيهما نفي السؤال إلا عن الذنوب خاصة، وللجمع بين هذه الآيات أوجه معروفة عند العلماء. الأول منها: وهو الذي دل عليه القرآن، وهو محل الشاهد عندنا من بيان القرآن بالقرآن هنا، هو أنّ السؤال نوعان: أحدهما سؤال التوبيخ والتقريع وهو من أنواع العذاب، والثاني هو سؤال الاستخبار والاستعلام. ١٤٥٦ سورة الرحمن: الآية (٤١) : فالسؤال المنفي في بعض الآيات هو سؤال الاستخبار والاستعلام؛ لأن الله أعلم بأفعالهم منهم أنفسهم كما قال تعالى: ﴿أَحْصَنْهُ اَللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦]. وعليه فالمعنى لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان، سؤال استخبار واستعلام؛ لأنّ الله أعلم بذنبه منه. والسؤال المثبت في الآيات الأخرى هو سؤال التوبيخ والتقريع، سواء كان عن ذنب أو غير ذنب، ومثال سؤالهم عن الذنوب سؤال توبيخ وتقريع قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ أُسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيَمَنِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، ومثاله عن غير ذنب قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَهُم ◌َسْئُولُونَ ﴿ مَا لَكُمْ لَا نَنَاصَرُونَ (٥) بَلْ هُمُ ﴾ [الصافات]. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَغَّا ( هَذِهِ الْتَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ النَّارُ الَّتِى كُنْتُم بِهَا تُكَذِبُونَ ﴿ أَفَسِحْرُّ هَذَا﴾ ... الآية [الطور: ١٣ - ١٥]، وقوله: ﴿أَلَمْـ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]. أما سؤال الموؤودة في قوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُدَةُ سُئِلَتْ ﴾﴾ [التكوير]، فلا يعارض الآيات النافية السؤال عن الذنب؛ لأنّها سئلت عن أي ذنب قتلت وهذا ليس من ذنبها، والمراد بسؤالها توبيخ قاتلها وتقريعه؛ لأنها هي تقول لا ذنب لي، فيرجع اللوم على من قتلها ظلماً. وكذلك سؤال الرسل، فإن المراد به توبيخ من كذبهم وتقريعه، مع إقامة الحجة عليه بأن الرسل قد بلغته، وباقي أوجه الجمع بين الآيات لا يدل عليه قرآن، وموضوع هذا الكتاب بيان القرآن بالقرآن، وقد بينا بقيتها في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في أول سورة الأعراف. وقد قدَّمنا طرفاً من هذا في هذا الكتاب المبارك في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ﴾﴾ [الأعراف]. قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ اَلْمُجْرِمُونَ بِسِمَهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَصِى وَالْأَقْدَاعِ ﴾﴾. قوله بسيماهم: أي بعلامتهم المميزة لهم، وقد دل القرآن على أنها هي سواد وجوههم وزرقة عيونهم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبَيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَذُ وُجُوَةٌ فَأَمَّا الَّذِينَ أَسْوَدَتْ وُجُوهُهُمْ﴾ ... الآية [آل عمران: ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم ◌ُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ زِلَّةٌ مَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِرٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ رُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ الَتْلِ مُظْلِمَاً أُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ﴾ [يونس: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَؤْمَيِدٍ (@)﴾ [عبس]؛ لأنّ معنى قوله: ﴿تَرْفَقُّهَا عَلَّهَا غَبَةٌ جَ تَرْفَقُّهَا قَةُ ﴿٨ أُلَيْكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَةُ قَتَرَةُ ﴾﴾ أي يعلوها ويغشاها سواد كالدخان الأسود، وقال تعالى في زرقة عيونهم: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]، ولا شيء أقبح وأشوه من سواد الوجوه وزرقة العيون؛ ولذا لما أراد الشاعر أن يقبح علل البخيل بأسوإ الأوصاف وأقبحها، فوصفها بسواد الوجوه وزرقة العيون حيث قال: ١٤٥٧ سورة الرحمن: الآات (٤٣ - ٤٦) وللبخيل على أمواله علل . زرق العيون عليها أوجه سود ولا سيما إذا اجتمع مع سواد الوجه اغبراره، كما في قوله: ﴿عَلَيْهَا غَبَّةٌ تَرْهَقُهَا قَبَةُ (﴾﴾ [عبس]، فإن ذلك يزيده قبحاً على قبح. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَصِى وَالْأَقْدَاعِ﴾، قد قدَّمنا تفسيره والآيات الموضحة له في سورة الطور، في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَقُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَغًا ﴾﴾ [الطور]. يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَيْمٍ مَانٍ ٤٤ ٤٣ قوله تعالى: ﴿هَذِهِهَ جَهَمُ الَِّى يُكَذِّبُ بِهَا الُْجْرِمُونَ أما قوله: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ﴾﴾، فقد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الطور، أيضاً في الكلام على قوله تعالى: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِى كُتُم بِهَا ◌ُكَذِبُونَ ﴾﴾ . وأما قوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ ﴾﴾؛ فقد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج، في الكلام على قوله: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِى بُطُونِهِمْ﴾ ... الآية [الحج: ١٩، ٢٠]. قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَفَ مَقَامَ رَبِّهِ، جََّانِ (٨)﴾. قد بيّنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك، أن الآية قد يكون فيها وجهان صحيحان كلاهما يشهد له قرآن، فنذكر ذلك كله مبينين أنه كله حق، وذكرنا لذلك أمثلة متعددة في هذا الكتاب المبارك، ومن ذلك هذه الآية الكريمة. وإيضاح ذلك أن هذه الآية الكريمة فيها وجهان معروفان عند العلماء، كلاهما يشهد له قرآن: أحدهما: أنّ المراد بقوله: مقام ربه: أي قيامه بين يدي ربه، فالمقام اسم مصدر بمعنى القيام، وفاعله على هذا الوجه هو العبد الخائف، وإنما أضيف إلى الرب لوقوعه بين يديه، وهذا الوجه يشهد له قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَ (@) فَإِنَ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى ﴾﴾ [النازعات]، فإنّ قوله: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمُوَُّ﴾ [النازعات: ٤٠]: قرينة دالة على أنّه خاف عاقبة الذنب حین یقوم بين يدي ربه، فنهى نفسه عن هواها . والوجه الثاني: أنّ فاعل المصدر الميمي الذي هو المقام، هو الله تعالى: أي خاف هذا العبد قيام الله عليه ومراقبته لأعماله وإحصائها عليه، ويدل لهذا الوجه الآيات الدالة على قيام الله على جميع خلقه وإحصائه عليهم أعمالهم كقوله تعالى: ﴿اللّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّوُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله تعالى: ﴿أَفَّنْ هُوَ قَابِهُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيةٍ﴾ الآية [يونس: ٦١]. إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدَّمنا في سورة الأحقاف، في الكلام على قوله تعالى في شأن الجن: ١٤٥٨ سورة الواقعة: الآيتان (١ - ٢) ﴿يَقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِىَ اَللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِ، يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ الآية [الأحقاف: ٣١]، أن قوله: ﴿وَلِمَنْ خَفَ مَقَامَ رَبِّهِ، جَنَّثَانِ ﴿4﴾، وتصريحه بالامتنان بذلك على الإنس والجن في ، نص قرآنى على أن المؤمنين الخائفين مقام ربهم قوله: ﴿فَأَتِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ من الجن يدخلون الجنة. قوله تعالى: ﴿مُتَّكِينَ عَلَى فُرُئٍِ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبِرَفٍ﴾. قد بيّنا في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤]، جميع الآيات القرآنية الدالة على تنعم أهل الجنة بالسندس والإستبرق، والحلية بالذهب والفضة، وبيّنا أن جميع ذلك يحرم على ذكور هذه الأمة في دار الدنيا . قوله تعالى: ﴿فِنَّ قَصِرَتُ الطَّرْفِ﴾. قد قدَّمنا الكلام عليه مستوفى في سورة [الصافات: ٤٨]. الصافات في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَصِرَّتُ الطَرْفِ عِينٌ قوله تعالى: ﴿حُرٌ مَّقْصُورَاتٌ فِ الخِيَامِ (٣)﴾. قد قدَّمنا معنى القصر في الخيام، وقصر الطرف على الأزواج في سورة الصافات في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ ٨﴾ [الصافات]، وقدّمنا الآيات الدالة على صفات نساء أهل الجنة قَصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ في مواضع كثيرة من هذا الكتاب في سورة البقرة والصافات. وغير ذلك. براه الرحمن الرحيم سورة الواقعة قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴿ لَيْسَ لِوَقْعِنِهَا كَاذِبَةٌ الذي يظهر لي صوابه أن ((إذا)) هنا هي الظرفية المضمنة معنى الشرط، وأنّ قوله الآتي: ﴿إِذَا رُبَّتِ الْأَرْضُ رَجَّا ﴾﴾؛ بدل من قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴾﴾، وأنّ جواب ((إذا)) هو قوله: ﴿فَأَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ﴾، وهذا هو اختيار أبي حيان خلافاً لمن زعم أنها مسلوبة معنى الشرط هنا، وأنها منصوبة باذكر مقدرة أو أنها مبتدأ، وخلافاً لمن زعم أنها منصوبة بليس المذكورة بعدها . والمعروف عند جمهور النحويين أن ((إذا)) ظرف مضمن معنى الشرط منصوب بجزائه، وعليه فالمعنى: إذا قامت القيامة وحصلت هذه الأحوال العظيمة ظهرت منزلة أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴾﴾؛ أي قامت القيامة، فالواقعة من أسماء القيامة كالطامة والصاخة والآزفة والقارعة. ١٤٥٩ سورة الواقعة: الآية (٣) -___ وقد بين - جلّ وعلا - أن الواقعة هي القيامة في قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الْصُورِ نَفْخَةٌ وَجِدَةٌ ﴿ وَحُلَتِ الْأَرْضُ وَلْجِبَالُ فَدُكَّنَا دَكَّةً وَحِدَةً وَأَنْشَقَّتِ السَّمَآءُ فَهِىَ ﴿ فَيَؤْمَيِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ يَوْمَيِذٍ وَاهِيَةٌ ( !! )﴾ [الحاقة]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَسَ لِوَفْعَنِهَا كَاذِبَةٌ ﴾﴾؛ فيه أوجه من التفسير معروفة عند العلماء كلها حق، وبعضها يشهد له قرآن: الوجه الأول: أنّ قوله ((كاذبة)) مصدر جاء بصفة اسم الفاعل، فالكاذبة بمعنى الكذب كالعافية بمعنى المعافاة، والعاقبة بمعنى العقبى، ومنه قوله تعالى عند جماعات من العلماء: ﴿لَّا تَتْمَعُ فِهَا لَغِيَّةُ ﴾﴾ [الغاشية]، قالوا معناه لا تسمع فيها لغواً، وعلى هذا القول، فالمعنى ليس لقيام القيامة كذب ولا تخلف بل هو أمر واقع يقيناً لا محالة. ومن هذا المعنى، قولهم: حمل الفارس على قرنه فما كذب، أي ما تأخر ولا تخلف ولا جبن. ومنه قول زهير: ليث بعثَّرَ يصطاد الرجال إذا ما كذب الليث عن أقرانه صدقا وهذا المعنى قد دلت عليه آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوٌّ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْفِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهٍ﴾ الآية [النساء: ٨٧]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَّةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الحج: ٧]، وقوله تعالى: ﴿رَبَّآ إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لََّ رَيْبَ فِيَةٍ﴾ [آل عمران: ٩]، وقد قدَّمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الشورى، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيَّبَ فِيَةٍ﴾ [الشورى: ٧]. الوجه الثاني: أنّ اللام في قوله: ((لوقعتها)) ظرفية، و((كاذبة)) اسم فاعل صفة المحذوف أي: ليس في وقعة الواقعة نفس كاذبة، بل جميع الناس يوم القيامة صادقون بالاعتراف بالقيامة مصدقون بها ليس فيهم نفس كاذبة بإنكارها ولا مكذبة بها . وهذا المعنى تشهد له في الجملة آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ، حََّ يَرَوَّا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ◌َ﴾ [الشعراء]، وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى مِرْيَةِ مِنْهُ حَ تَأْنِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (®﴾ [الحج]. وقد قدَّمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة النمل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿َبَلِ أَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِ الْآَخِرَؤُّ بَلْ هُمْ فِ شٍَّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ (﴾﴾ [النحل]، وباقي الأوجه قد يدل على معناه قرآن ولكنه لا يخلو من بعد عندي، ولذا لم أذكره، وأقربها عندي الأول. خبر مبتدأ محذوف أي هي خافضة رافعة، قوله تعالى: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَهُ (@)﴾. ومفعول كل من الوصفين محذوف. ١٤٦٠ سورة الواقعة: الآيات (٤ - ٦). قال بعض العلماء: تقديره هي خافضة أقواماً في دركات النار، رافعة أقواماً إلى الدرجات العلى إلى الجنة، وهذا المعنى قد دلت عليه آيات كثيرة كقوله: ﴿إِنَّ اٌلْتُفِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَأْتِهِ، مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحِهَا الْأَنْهَرُ خَالِينَ فِيَهَا وَذَلِكَ جَزَآءُ الصَّلِحَتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الذَّرَحَتُّ الْعُلَى مَنْ تَزَّكَّى (﴿َ﴾ [طه]. وقوله تعالى: ﴿وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَحَتِ وَأَكْبَرُ نَّفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١]، والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة. وقال بعض العلماء: تقديره خافضة أقواماً كانوا مرتفعين في الدنيا، رافعة أقواماً كانوا منخفضين في الدنيا، وهذا المعنى تشهد له آيات من كتاب الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ (*) وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَنُونَ ٣٠ [المطففين]. إلى قوله: ﴿قَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴿ عَلَى الْأَرَآبِكِ يَنْظُرُونَ ١٣٥ [المطففين]، إلى غير ذلك من الآيات. وقال بعض العلماء: تقديره، خافضة بعض الأجرام التي كانت مرتفعة كالنجوم التي تسقط وتتناثر يوم القيامة، وذلك خفض لها بعد أن كانت مرتفعة، كما قال تعالى: وَإِذَا الْكَوَاكِبُ أَنَثَرَتْ ﴾﴾ [الانفطار] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ أَنكَدَرَتْ ﴾﴾ [التكوير]. رافعة: أي رافعة بعض الأجرام التي كانت منخفضة كالجبال التي ترفع من أماكنها وتسير بين السماء والأرض كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ ثُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧]، فقوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾؛ لأنّها لم يبق على ظهرها شيء من الجبال، وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَزَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]. وقد قدَّمنا أن التحقيق الذي دل عليه القرآن، أن ذلك يوم القيامة، وأنّها تسير بين السماء والأرض كسير السحاب الذي هو المزن. وقد صرح تعالى بأن الجبال تحمل هي والأرض أيضاً يوم القيامة: وذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِ الصُّورِ نَفْخَةٌ وَحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَلَلِبَالُ﴾ ... الآية [الحاقة: ١٣، ١٤]. وعلى هذا القول: فالمراد تعظيم شأن يوم القيامة، وأنّه يختل فيه نظام العالم، وعلى القولين الأولين، فالمراد الترغيب والترهيب؛ ليخاف الناس في الدنيا من أسباب الخفض في الآخرة فيطيعوا الله ويرغبوا في أسباب الرفع فيطيعوه أيضاً، وقد قدَّمنا مراراً أن الصواب في مثل هذا حمل الآية على شمولها للجميع. قوله تعالى: ﴿إِذَا رُخَّتِ الْأَرْضُ رَبَّ: ﴿﴿ وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَشًا ج فَكَانَتْ هَبَاءَ مُثْبَثًاً. قد قدَّمنا أنّ الأظهر عندنا أن قوله: ((إذا رجت)). بدل من قوله: ((إذا وقعت الواقعة))، والرج: التحريك الشديد، وما دلت عليه هذه الآية من أنّ الأرض يوم القيامة تحرك تحريكاً شديداً جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَا ﴾ [الزلزلة]، وقد قدَّمنا الآيات الموضحة لهذا في أول سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١].