النص المفهرس
صفحات 1361-1380
١٣٦١ سورة الأحقاف: الآية (٣٥). يكون مثل يونس؛ لأنه هو صاحب الحوت وكقوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ [طه] فآية القلم، وآية طه المذكورتان كلتاهما تدل على أنّ أولي العزم من الرسل الذين أمر النبي و القر بأن يصبر كصبرهم ليسوا جميع الرسل والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَعْجِل لَّمْ﴾. نهى الله نبيه وسليل في هذه الآية الكريمة أن يستعجل العذاب لقومه، أي يدعو الله عليهم بتعجيله لهم، فمفعول ((تستعجل)) محذوف تقديره العذاب، كما قاله القرطبي، وهو الظاهر. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي عن طلب تعجيل العذاب لهم جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَذَرْنِ وَالْمُكَذِّبِينَ أُوْلِ النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قِلًا [المزمل]. وقوله تعالى: ﴿فَهِلِ اَلْكَفِرِينَ أَتْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (٣)﴾ [الطارق]. فإن قوله: ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِلًا﴾ [المزمل: ١١]، وقوله: ﴿فَهِّلِ اَلْكَفِينَ أَنْهِلْهُمْ رُوًَّا [الطارق]، موضح لمعنى قوله: ﴿وَلَا تَسْتَعْجِلِ لَّمْ﴾ .. والمراد بالآيات نهيه و لو عن طلب تعجيل العذاب لهم؛ لأنّهم معذبون لا محالة عند انتهاء المدة المحددة للإمهال، كما يوضحه قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمَّ إِنَّمَا نَعُذُ لَهُمْ عَذَّا (٣)﴾ [مريم]. وقوله تعالى: ﴿نُمِنِعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِظِ (®)﴾ [لقمان]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَّتِعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ الآية [البقرة: ١٢٦]. وقوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِ الْبِلَدِ ﴿ مَتَعُ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمْ وَيِْسَ الِهَادُ (®َ﴾ [آل عمران] وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى الَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴿مَتَعٌ فِ الذُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا (٣)﴾ [يونس] إلى غير ذلك من الآيات. كَانُواْ يَكْفُرُونَ قوله تعالى: ﴿كَنَهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُؤْعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَرٍ﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةٌ مِّنَ النََّارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥] وفي سورة قد أفلح المؤمنون في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالُواْ لَبِقْنَا يَوَمَا أَوْ بَعَّضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ اَلْعَآَدِّينَ (٣)﴾ [المؤمنين). وبيّنا في الكلام على آية قد أفلح المؤمنون وجه إزالة إشكال معروف في الآيات المذكورة. قوله تعالى: ﴿بَلَغُ﴾. التحقيق - إن شاء الله - أنّ أصوب القولين في قوله: ﴿بَلَغُ ﴾ أنّه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذا بلاغ، أي هذا القرآن بلاغ من الله إلى خلقه. ويدل لهذا قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿هَذَا بَلَغْ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُواْ بِهِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]، وقوله في الأنبياء: ﴿إِنَّ فِى هَذَا لَبَلَغَّا لِّقَوْمٍ عَبِدِينَ ﴾﴾ [الأنبياء]، وخير ما يفسر به القرآن القرآن. ١٣٦٢ سورة محمد: الآيات (١ - ٣) والبلاغ اسم مصدر، بمعنى التبليغ، وقد علم باستقراء اللغة العربية، أنّ الفعال يأتي كثيراً بمعنى التفعيل، كبلغه بلاغاً، أي تبليغاً، وكلمه كلاماً، أي تكليماً، وطلقها طلاقاً، وسرحها سراحاً، وبينه بياناً .. كل ذلك بمعنى التفعيل؛ لأنّ فعّل مضعفة العين غير معتلة اللام ولا مهموزته قياس مصدرها التفعيل . وما جاء منه على خلاف ذلك، يحفظ ولا يقاس عليه، كما هو معلوم في محله. أما القول بأنّ المعنى وذلك اللبث بلاغ، فهو خلاف الظاهر كما ترى، والعلم عند الله تعالى. براسه الرحمن الرحيم سُورة محمد سُورَةُ القِتَالِ وَهِيَ سُورَةُ محمدٍ وَهـ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الَّهِ أَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ ﴾ وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ أُلَْقُّ مِن ◌َّبِهُمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَمْ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ الَِّينَ كَفَرُواْ أَتَّبَعُواْ الْبَطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّبَعُواْ الْحَقَّ مِن ◌َّبِهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَلَهُمْ ﴾﴾. قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الَّهِ﴾، قال بعضهم: هو من الصدود؛ لأنّ صد في الآية لازمة، وقال بعضهم: هو من الصد؛ لأنّ صد في الآية متعدية، وعليه: فالمفعول محذوف؛ أي صدوا غيرهم عن سبيل الله، أي عن الدخول في الإسلام. وهذا القول الأخير هو الصواب؛ لأنه على القول بأنّ صد لازمة، فإن ذلك يكون تكراراً مع قوله: ﴿كَفَرُواْ﴾؛ لأن الكفر هو أعظم أنواع الصدود عن سبيل الله. وأما على القول: بأنّ صدّ متعدية فلا تكرار؛ لأنّ المعنى أنهم ضالون في أنفسهم، مضلون لغيرهم بصدهم إياهم عن سبيل الله. وقد قدَّمنا في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلَتُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ [النحل: ٩٧]، أن اللفظ إذا دار بين التأكيد والتأسيس وجب حمله على التأسيس، إلا بدليل يجب الرجوع إليه. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ﴾؛ أي أبطل ثوابها، فما عمله الكافر من حسن في الدنيا، كقرى الضيف، وبر الوالدين، وحمى الجار، وصلة الرحم، والتنفيس عن المكروب، يبطل يوم القيامة، ويضمحل ويكون لا أثر له، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَنْتُورًا (٣)﴾ [الفرقان]، وهذا هو الصواب في معنى الآية. سورة محمد: الآيات (١ - ٣). ١٣٦٣ وقيل: أضل أعمالهم؛ أي أبطل كيدهم الذي أرادوا أن يكيدوا به النبي وَل . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ تَِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيْئَاتِهِمْ﴾؛ أي غفر لهم ذنوبهم وتجاوز لهم عن أعمالهم السيئة ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾؛ أي أصلح لهم شأنهم وحالهم إصلاحاً لا فساد معه، وما ذكره - جلّ وعلا - هنا في أول هذه السورة الكريمة، من أنّه يبطل أعمال الكافرين، ويبقي أعمال المؤمنين جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الذُّنْيَا وَزِينَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِهَا وَهُمْ فَِهَا لَا يُبْخَسُونَ ﴿ أُوْلَِّكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِىِ اُلْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيَهَا وَبَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (3)﴾ [هود]. وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِ، وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الذُّنْيَا تُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِ اُلْآَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ( [الشورى]. وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلِ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَنْتُورًا ﴿يَ أَصْحَبُ اُلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (®﴾ [الفرقان]. وقد قدَّمنا الآيات الموضحة لهذا مع بعض الأحاديث الصحيحة فيه، مع زيادة إيضاح مهمة في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ [الإسراء]. وفي سورة وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا (﴾﴾ النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ ... الآية [النحل: ٩٧]، وذكرنا طرفاً منه في سورة الأحقاف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ لَتِكُمْ فِى حَيَاتِّكُمُ الذُّنْيَا وَاُسْتَمْنَعْتُم بِهَا﴾ ... الآية [الأحقاف: ٢٠]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ﴾؛ أصله من الضلال بمعنى الغيبة، والاضمحلال، لا من الضالة كما زعمه الزمخشري فهو كقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُم ◌َّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٤]. وقد قدّمنا معاني الضلال في القرآن واللغة، في سورة الشعراء، في الكلام على قوله: ﴿قَالَ فَعَلْنُهَا إِذَا وَأَنَا مِنَ الضَّالِينَ ﴾﴾ [الشعراء]، وفي آخر الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْحَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ١٠٤]، وفي غير ذلك من المواضع. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾؛ قد قدَّمنا إيضاحه في أول سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَِّحَتِ﴾ ... الآية [الإسراء: ٩]، وفي سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ ... الآية [النحل: ٩٧]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾. قال فيه ابن كثير: هو عطف خاص على عام، وهو دليل على أنه شرط في صحة الإيمان بعد بعثته وَله، اهـ منه. ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَخْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهٍ فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ زَيِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١٧]. ١٣٦٤ سورة محمد: الآية (٤) وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾؛ جملة اعتراضية تتضمن شهادة الله بأنّ هذا القرآن المنزل على هذا النبي الكريم و﴿ هو الحق من الله، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَبَ بِهِ، قَوْمُكَ وَهُوَ آلْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦]. قال تعالى: ﴿وَإِنَُّ لَحَسْرَةُ عَلَى الْكَفِرِينَ ﴾ وَإِنَّهُ لَحَقُّ أَلْقِيِنِ ﴾﴾ [الحاقة]. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَبِّكُمْ فَمَنِ أُهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ،﴾ [يونس: ١٠٨]. وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِأَلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَتَبَعُوا الْبَطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَبَعُواْ الْحَقَ مِنْ زَِّهِمْ﴾؛ أي ذلك المذكور من إضلال أعمال الكفار أي إبطالها واضمحلالها، وبقاء ثواب أعمال المؤمنين، وتكفير سيئاتهم وإصلاح حالهم، كله واقع بسبب أن الكفار اتبعوا الباطل، ومن اتبع الباطل فعمله باطل، والزائل المضمحل تسميه العرب باطلاً وضده الحق. وبسبب أن الذين آمنوا اتبعوا الحق، ومتبع الحق أعماله حق، فهي ثابتة باقية، لا زائلة مضمحلة. وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أنّ اختلاف الأعمال، يستلزم اختلاف الثواب، لا يتوهم استواءهما إلا الكافر الجاهل، الذي يستوجب الإنكار عليه، جاء ﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحَكُونَ موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿أَفَجْعَلُ الْمُتْلِمِينَ كُْجْرِمِينَ [القلم]. وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٨َ﴾ [ص]. وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَجُوْ اُلسَّيِّئَاتِ أَنْ تَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَوَآءُ تَّحْيَهُمْ وَمَمَاتُهُمَّ سَآءَ مَا يَحْلُّمُونَ (٣)﴾ [الجاثية]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَلَهُمْ﴾، قال فيه الزمخشري: فإن قلت: أين ضرب الأمثال؟ قلت: في جعل اتباع الباطل مثلاً لعمل الكفار، واتباع الحق مثلاً لعمل المؤمنين. أو في أن جعل الإضلال مثلاً لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلاً لفوز المؤمنين، اهـ. منه، وأصل ضرب الأمثال يراد منه بيان الشيء بذكر نظيره الذي هو مثل له. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرِقَابِ خَّىَ إِذَا أَنَْتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءَ حَتَّى تَضَعَ الْحَرَّبُ أَوْزَارَهَا﴾. قوله تعالى: فضرب الرقاب مصدر نائب عن فعله، وهو بمعنى فعل الأمر، ومعلوم أن صيغ الأمر في اللغة العربية أربع: وهي فعل الأمر كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ... الآية [الإسراء: ٧٨]. واسم فعل الأمر كقوله تعالى: ﴿عَلَيَّكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ... الآية [المائدة: ١٠٥]. والفعل المضارع المجزوم بلام الأمر كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَتَهُمْ وَلْيُوفُوا الآية [الحج: ٢٩]. والمصدر النائب عن فعله كقوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الْرِقَابِ﴾؛ أي فاضربوا رقابهم، وقوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا أَنْتَتُمُوهُمْ﴾، أي أوجعتم فيهم قتلاً. نذـ سورة محمد: الآية (٧) ١٣٦٥ فالإثخان هو الإكثار من قتل العَدوّ حتى يضعف ويثقل عن النهوض. وقوله: ﴿فَشُدُواْ الْوَثَاقَ﴾؛ أي فأسروهم، والوثاق بالفتح والكسر اسم لما يؤسر به الأسير من قد ونحوه. وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من الأمر بقتل الكفار حتى يثخنهم المسلمون، ثم بعد ذلك يأسرونهم جاء موضحاً في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبيّ أَن يَكُونَ لَهُ: أَشْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِىِ الْأَرْضَِّ﴾ [الأنفال: ٦٧]، وقد أمر تعالى بقتلهم في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿فَقْنُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. [التوبة: ٥]. وقوله: ﴿فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ اُلْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]. وقوله: ﴿فَإِمَّا نَثْقَفَنَّهُمْ فِ الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنَّ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآَ﴾؛ أي فإما تمنون عليهم مناً، أو تفادونهم فداء. ومعلوم أنّ المصدر إذا سيق لتفصيل وجب حذف عامله، كما قال في الخلاصة: عامله يحذف حيث عنا وما التفصيل كإما منا ومنه قول الشاعر: تخشى وإما بلوغ السؤل والأمل لأجهدن فإما درء واقعة وقال بعض العلماء: هذه الآية منسوخة بالآيات التي ذكرنا قبلها، وممن يروى عنه هذا القول، ابن عباس، والسدي وقتادة، والضحاك، وابن جريج. وذكر ابن جرير عن أبي بكر تْلُهُ ما يؤيده. ونسخ هذه الآية هو مذهب أبي حنيفة ◌َّهُ فإنّه لا يجوز عنده المن ولا الفداء؛ لأنّ الآية منسوخة عنده بل يخير عنده الإمام بين القتل والاسترقاق. ومعلوم أنّ آيات السيف النازلة في براءة نزلت بعد سورة القتال هذه. وأكثر أهل العلم يقولون: إنّ الآية ليست منسوخة، وأنّ جميع الآيات المذكورة، محكمة، فالإمام مخير وله أن يفعل ما رآه مصلحة للمسلمين من منّ وفداء وقتل واسترقاق. وحول هذه المسألة أقوال للعلماء ذكرها الشيخ تفصيلاً فليرجع من أراد الوقوف عليها للأصل. قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَِّينَ ءَامَنُوْاْ إِن نَنْصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرْكُمْ وَيُثَبَتْ أَقْدَامَكُمْ V ذكر الله - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة، أن المؤمنين إن نصروا ربهم نصرهم على أعدائهم، وثبت أقدامهم، أي عصمهم من الفرار والهزيمة. وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، وبيّن في بعضها صفات الذين وعدهم بهذا النصر كقوله تعالى: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزُ﴾ [الحج: ٤٠]، ١٣٦٦ سورة محمد: الآيات (١٠ - ١٣) ثم بيّن صفات المؤعودين بهذا النصر في قوله تعالى بعده: ﴿الَّذِينَ إِن ◌َّكَّتَهُمْ فِ الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْ عَنِ الْمُنكَرِّ وَلِلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج]،، وكقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ الآية [غافر: ٥١]. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَلِبُونَ (٣)﴾ [الصافات]، سَبَقَتْ كَلِتْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ﴿١٧) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَصُورُونَ إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في بيان صفات من وعدهم بالنصر في الآيات المذكورة: ﴿الَّذِينَ إِن ◌َّكَّتَّهُمْ فِى الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ... الآية [الحج: ٤١]، يدل على أنّ الذين لا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، ليس لهم وعد من الله بالنصر البتة. فمثلهم كمثل الأجير الذي لم يعمل لمستأجره شيئاً ثم جاءه يطلب منه الأجرة. فالذين يرتكبون جميع المعاصي ممن يتسمون باسم المسلمين، ثم يقولون: إنّ الله سينصرنا، مغررون لأنّهم ليسوا من حزب الله الموعودين بنصره كما لا يخفى. ومعنى نصر المؤمنين الله، نصرهم لدينه ولكتابه، وسعيهم وجهادهم في أن تكون كلمته هي العليا، وأن تقام حدوده في أرضه، وتمتثل أوامره وتجتنب نواهيه، ويحكم في عباده بما أنزل على رسوله وَله. قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَفِرِينَ أَمْثَلُهَا ﴾﴾. قد قدَّمنا إيضاحه في سورة هود، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا هِىَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]، وأحلنا على الآيات الموضحة لذلك في سورة الرومِ، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ﴾ ... الآية [الروم: ٩]؛ وأوضحناها في الزخرف، في الكلام على قوله: ﴿فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا﴾ ... الآية [الزخرف: ٨]. وفي الأحقاف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّهُمْ فِيمَا إِن ◌َّكَّنَّكُمْ فِيهِ﴾ ... الآية [الأحقاف: ٢٦]، وفي غير ذلك من المواضع. قوله تعالى: ﴿وَكَيْنَ مِّن قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَئِكَ الَّتِّ أَخْرَجَنْكَ أَهْلَكْنَهُمْ فَلَ نَاصِرَ لَهُمْ ﴾﴾ والآيات التي توضح معنى هذه الآية، هي المشار إليها في نفس الآية، التي ذكرنا قبلها، وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من إخراج كفار مكة للنبي و ل منها بينه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ الآية [الممتحنة: ١]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوَكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ﴾ [الأنفال: ٣٠]. وقد أخرجوه فعلاً بمكرهم المذكور، وبين - جلّ وعلا - أنّ النبي ◌َّ وأصحابه الذين أخرجوا من ديارهم لا ذنب لهم يستوجبون به الإخراج إلا الإيمان بالله، كما قال ١٣٦٧ سورة محمد: الآية (١٥) ._ تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَئِهِم بِغَيْرِ حَقِّ إِلَّ أَنْ يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠]. وقال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ رَبَّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١]؛ أي يخرجون الرسول وإياكم لأجل إيمانكم بربكم. وقال تعالى في إخراجهم له: ﴿أَلَا تُقَئِلُونَ قَوْمًا تَكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهِنُواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ ... الآية [التوبة: ١٣]، إلى غير ذلك من الآيات. وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن كثير بهمزة مفتوحة بعد الكاف وياء مشددة مكسورة ونون ساكنة، وقرأه ابن كثير: ((وكائن))، بألف بعد الكاف، وهمزة مكسورة، وكلهم عند الوقف يقفون على النون الساكنة، كحال الصلة، إلا أبا عمرو فإنّه يقف على الياء. وقد قدَّمنا أوجه القراءة في ((كأين)) ومعناها، وما فيها من اللغات، مع بعض الشواهد العربية في سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَكَيْنِ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَهِى ظَالِمَةٌ﴾ الآية [الحج: ٤٥]. قوله تعالى: ﴿َّثَّلُ الْجَنَّةِ أَلَّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونِّ فِيهَا أَنْهَرٌ مِّنِ مَآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَرٌ مِّنْ لَّبَنٍ لَّمْ يَنَغَيَرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلشَّرِينَ﴾ أنهار الماء، وأنهار الخمر التي ذكرها الله في هذه الآية بين بعض صفاتها في آيات أخرى كقوله تعالى: ﴿تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرِّ﴾ [البقرة: ٢٥]، في آيات كثيرة، وقوله: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوپٍ [الواقعة]. وقوله: ﴿إِنَّ اُلْمُتَّقِينَ فِى ظِلَلٍ وَعُيُونٍ ﴾﴾ [المرسلات]، وقوله: ﴿فِيَهَا عَيْنٌ جَارِيَةُ (1) ﴾ [الغاشية]، وقد بيّن تعالى من صفات خمر الجنة أنها لا تسكر شاربها، ولا تسبب له الصداع الذي هو وجع الرأس في آيات من كتابه كقوله تعالى: ﴿لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُرِفُونَ ﴾﴾ [الواقعة]، وقوله: ﴿لَا فِيَهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنَزَفُونَ (@)﴾ [الصافات]. وقد قدَّمنا معنى هذه الآيات بإيضاح في سورة المائدة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَأَجْتَنِبُوهُ﴾ ... الآية [المائدة: ٩٠]. وقوله تعالى في الآية الكريمة: ﴿غَيْرِ ءَاسِنٍ﴾؛ أي غير متغير اللون ولا الطعم. والآسن والآجن معناهما واحد، ومنه قول ذي الرمة: تذرو الرياح على جماته البعرا ومنهل آجن قفر محاضره وقول الراجز: كأنه من الأجون زيت ومنهل فيه الغراب ميت سقيت منها القوم واستقيت وبما ذكرنا تعلم أنّ قوله: ﴿غَيْرِ ءَاسِنٍ﴾، كقوله: ﴿مِنْ لَّبٍَ لَّمْ يَنَغَّرْ طَعْمُهُ﴾. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾، قد بيّن تعالى في سورة البقرة، أنّ الثمار التي يرزقها أهل الجنَّة يشبه بعضها بعضاً في الجودة، والحسن، والكمال، ليس فيها شيء رديء، وذلك في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةِ رِزْقًاْ قَالُواْ هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ وَأُتُواْ بِهِ، مُتَشَبِهَاً﴾ [البقرة: ٢٥]. ١٣٩٨ سورة محمد؛ الآيات (١٥ - ٢٠) قوله تعالى: ﴿وَسُقُواْ مَآءُ حَمِيعًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾، قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (® يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِ بُطُوِمْ﴾ [الحج: ١٩، ٢٠]. قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْنِيَهُمْ بَغْتَّةٌ﴾ قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الزخرف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْنِيَهُمْ تَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (1)﴾ [الزخرف]. قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَئُهُمْ﴾، التحقيق - إن شاء الله تعالى - في معنى هذه الآية الكريمة أنّ الكفار يوم القيامة إذا جاءتهم الساعة، يتذكرون ويؤمنون بالله ورسله، وأن الإيمان في ذلك الوقت لا ينفعهم لفوات وقته فقوله: ﴿ذِكْرَنُهُمْ﴾؛ مبتدأ خبره ﴿فَنَّ لَمْ﴾؛ أي كيف تنفعهم ذكراهم وإيمانهم بالله، وقد فات الوقت الذي يقبل فيه الإيمان. والضمير المرفوع في ﴿جَّهُمْ﴾؛ عائد إلى الساعة التي هي القيامة. وهذا المعنى: الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الكفار يوم القيامة يؤمنون ولا ينفعهم إيمانهم، جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ ءَامَنَّا بِهِ، وَأَنَّ لَهُ التَّنَاوُشُ مِن ◌َّكَّانٍ بَعِيدٍ ﴾﴾ [سبأ]، وقوله تعالى: ﴿وَسَِّ يَوْمَيِلِ بِجَهَنَّمْ يَوْمَيِذٍ يَنَذَكَرُ [الفجر]: اُلْإِنِسَنُ وَأَنَّ لَهُ الذِّكْرَى ?. وقد قدَّمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَةٌ﴾. إلى قوله: ﴿أَوْ ثُرَدُّ فَعَمَلَ غَيْرَ أَلَّذِى كُنَّا نَعْمَلٌ﴾ [الأعراف: ٥٣]. فظهر أنّ قوله: ﴿فَّ لَهُمْ إِذَا جَآءَ تْهُمْ ذِكْرَئِهُمْ﴾؛ على حذف مضاف، أي أنى لهم نفع ذكراهم. والذكرى اسم مصدر بمعنى الاتعاظ الحامل على الإيمان. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ تُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِّ﴾، ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنّه إذا أنزل سورة محكمة، أي متقنة الألفاظ والمعاني، واضحة الدلالة، لا نسخ فيها وذكر فيها وجوب قتال الكفار، تسبب عن ذلك كون الذين في قلوبهم مرض أي شك ونفاق، ينظرون كنظر الإنسان الذي يغشى عليه؛ لأنه في سياق الموت، لأنّ نظر من کان کذلك تدور فيه عينه ویزیغ بصره. وهذا إنّما وقع لهم من شدة الخوف من بأس الكفار المأمور بقتالهم. وقد صرح - جلّ وعلا - بأنّ ذلك من الخوف المذكور في قوله: ﴿فَإِذَا جَّةَ الْخَوْفُ رَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَلَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْنِّ﴾ [الأحزاب: ١٩]. وقد بيّن تعالى أنّ الأغنياء من هؤلاء المنافقين، إذا أَنزل الله سورة فيها الأمر بالجهاد، استأذنوا النبي 18 في التخلف عن الجهاد، وذمهم الله على ذلك، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةً أَنْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَجَِهِدُواْ مَعَ رَسُولِ اُسْتَئْذَنَكَ أُوْلُواْ اُلَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ فَعَ اٌلْقَعِدِينَ ﴿٨ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَيِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (13)﴾ [التوبة]. سورة محمد: الآية (٢٤) ١٣٦٩ قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٣)﴾. الهمزة في قوله: ((أفلا يتدبرون)) للإنكار، والفاء عاطفة على جملة محذوفة، على أصح القولين، والتقدير أيعرضون عن كتاب الله فلا يتدبرون القرآن كما أشار له في الخلاصة بقوله: وحذف متبوع بداهنا استبح وقوله تعالى: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾؛ ((أَمْ)) فيه منقطعة بمعنى بل، فقد أنكر تعالى عليهم إعراضهم عن تدبر القرآن، بأداة الإنكار التي هي الهمزة، وبين أن قلوبهم عليها أقفال لا تنفتح لخير، ولا لفهم قرآن. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من التوبيخ والإنكار على من أعرض عن تدبر كتاب الله، جاء موضحاً في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ أَخْتِلَفًا كَثِيرًا ﴾﴾ [النساء]، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ الْقَوْلَ أَمْ جََّهُ مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَ هُمُ الْأَوَّلِينَ ﴾﴾ [المؤمنون]، وقوله تعالى: ﴿كِتَبُ أَنزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبٌَّ لِيَدَّبَّرُوْ ءَايَتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ (﴿َ﴾ [ص]. وقد ذم - جلّ وعلا - المعرض عن هذا القرآن العظيم في آيات كثيرة كقوله الآية [الكهف: ٥٧]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن ذُكْرَ بَِايَتِ رَبِّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾. [السجدة: ٢٢]. تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ◌ُكِّرَ بِثَايَتِ رَبٍِّ أُمَّ أَغْرَضَ عَنْهَا (٣)﴾ ومعلوم أنّ كل من لم يشتغل بتدبر آيات هذا القرآن العظيم أي تصفحها وتفهمها، وإدراك معانيها والعمل بها، فإنّه معرض عنها، غير متدبر لها، فيستحق الإنكار والتوبيخ المذكور في الآيات إنّ كان الله أعطاه فهماً يقدر به على التدبر، وقد شكا النبي وصل إلى ربه من هجر قومه هذا القرآن، كما قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَرَبٍ إِنَّ قَوْمِى أَنَّخَذُواْ هَذَا [الفرقان]. اَلْقُرْءَانَ مَهْجُورًا وهذه الآيات المذكورة تدل على أنّ تدبر القرآن وتفهمه وتعلمه والعمل به، أمر لا بد منه للمسلمين . وقد بيّن النبي ﴿ أنّ المشتغلين بذلك هم خير الناس. كما ثبت عنه وَّ في الصحيح من حديث عثمان بن عفان ربه أنّه قال: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)) وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُواْ رَبَِّيْتِنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩]. فإعراض كثير من الأقطار عن النظر في كتاب الله وتفهمه والعمل به وبالسنة الثابتة المبينة له؛ من أعظم المناكر وأشنعها، وإن ظن فاعلوه أنهم على هدى. .... . ولا يخفى على عاقل أن القول بمنع العمل بكتاب الله وسنة رسوله ول# اكتفاء عنهما بالمذاهب المدونة، وانتفاء الحاجة إلى تعلمهما، لوجود ما يكفي عنهما من مذاهب الأئمة من أعظم الباطل. وهو مخالف لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة ومخالف لأقوال الأئمة الأربعة. ١٣٧٠ سورة محمد: الآيات (٢٥ - ٢٨) فمرتكبه مخالف لله ولرسوله ولأصحاب رسوله جميعاً وللأئمة رحمهم الله، كما سترى إيضاحه - إن شاء الله تعالى -. وهناك مسائل عديدة متعلقة بهذا المعنى تناولها الشيخ باستفاضة فليرجع من أراد الوقوف عليها للأصل. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَرْتَدُواْ عَلَى أَدْبَرِهِ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيِّنَ لَهُمُ الْهُدَىِّ الشَّيْطَانُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّكَ اَللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِ بَعْضِ ٢٥ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ اُلْأَمْرِّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ﴾ فَكَيْفَ إِذَا تَوَقَّتْهُمُ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ ٢٧ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَنَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ () . الظاهر أنّ الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى قوم كفروا بعد إيمانهم. وقال بعض العلماء: هم اليهود الذين كانوا يؤمنون بنبينا محمد 18 فلما بعث وتحققوا أنّه هو النبي الموصوف في کتبهم کفروا به. وعلى هذا القول فارتدادهم على أدبارهم هو كفرهم به بعد أن عرفوه وتيقنوه، وعلى هذا فالهدى الذي تبين لهم هو صحة نبوته وَ له ومعرفته بالعلامات الموجودة في كتبهم. وعلى هذا القول فهذه الآية يوضحها قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِنَبٌّ مِنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِعُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِّ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَفِينَ ﴾﴾ [البقرة]، لأنّ قوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ﴾ مبين معنى قوله: ﴿مِّنْ بَعْدِ مَا نَبِيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىِّ﴾، وقوله: ﴿كَفَرُواْ بِذِّ﴾ مبين معنى قوله: ﴿أَرْتَدُواْ عَلَى أَدْبَرِهِ﴾. وقال بعض العلماء: نزلت الآية المذكورة في المنافقين. وقد بين - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنّ سبب ارتداد هؤلاء القوم من بعد ما تبين لهم الهدى، هو إغواء الشيطان لهم كما قال تعالى مشيراً إلى علة ذلك: ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾؛ أَي زين لهم الكفر والارتداد عن الدين، وأملى لهم؛ أي مد لهم في الأمر ووعدهم طول العمر. قال الزمخشري: سول: سهل لهم ركوب العظائم من السول، وهو الاسترخاء، وقد اشتقه من السؤل من لا علم له بالتصريف والاشتقاق جميعاً، وأملى لهم؛ ومد لهم في الآمال والأماني، انتهى. وإيضاح هذا أنّ هؤلاء المرتدين على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى وقع لهم ذلك بسبب أنّ الشيطان سول لهم ذلك؛ أي سهله لهم وزينه لهم وحسنه لهم ومناهم بطول الأعمار؛ لأنّ طول الأمل من أعظم أسباب ارتكاب الكفر والمعاصي. وفي هذا الحرف قراءتان سبعيتان: قرأه عامة السبعة غير أبي عمرو، ((وأَمْلَى لَهُمْ)) بفتح الهمزة واللام بعدها ألف وهو فعل ماض مبني للفاعل، وفاعله ضمير يعود إلى الشيطان. ١٣٧١ سورة محمد: الآيات (٢٥ - ٢٨) - وأصل الإملاء الإمهال والمد في الأجل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُمَلِ لَهُمَّ إِنَّ كَيْدِى ﴾ [الأعراف]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُعْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنْفُسِهِمَّ مَتِینُ إِنَّمَا تُعْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَّأْ﴾ ... الآية [آل عمران: ١٧٨]. ومعنى إملاء الشيطان لهم وعده إياهم بطول الأعمار، كما قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ TO) [النساء]. وَيُمَنِّيِهِمٌّ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا وقال تعالى: ﴿وَأَسْتَفْزِزْ مَنِ أُسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾؛ إلى قوله: ﴿وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤]. وقال بعض العلماء: ضمير الفاعل في قوله: ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾؛ على قراءة الجمهور راجع إلى الله تعالى. والمعنى: الشيطان ﴿سَوَّلَ لَهُمْ﴾؛ أي سهل لهم الكفر والمعاصي، وزين ذلك وحسنه لهم، والله - جلّ وعلا - أملى لهم؛ أي أمهلهم إمهال استدراج. وكون التسويل من الشيطان والإمهال من الله، قد تشهد لهم آيات من كتاب الله كقوله في تزيين الشيطان لهم: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]. وقوله تعالى: ﴿وَلَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى أُمَمِ مِّن قَبْلِكَ فَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اَلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾﴾ [النحل]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدَتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. إلى غير ذلك من الآيات. وكقوله تعالى في إملاء الله لهم استدراجاً: ﴿سَنَتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُعَلِى لَهُمَّ إِنَّ كَيْدِى مَتِينُ (٣)﴾ [الأعراف]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا ثُمْلِىِ لَمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمَّ إِنَّمَا نُعْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَّأْ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (2)﴾ [آل عمران: ١٧٨]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ فِ الضَّلَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًَّ﴾ [مريم: ٧٥]. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّ فَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىَ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوْنُواْ أَخَذْنَهُم يَغْتَةً فَإِذَا هُمْ قُبْلِسُونَ ﴾﴾ [الأنعام]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَذَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَّةَ حَتَّى عَفَواْ وَقَالُواْ قَدْ مَسَ ءَابَلَنَا الضَّرَّآءُ وَالسَّرَّءُ فَأَخَذْنَهُمْ بَغْنَةً وَهُمْ لَا يَشْعُونَ (٣٥)﴾ [الأعراف]. وقوله تعالى: ﴿أَيَخْسَبُونَ أَنَّمَا نُعِدُّهُم بِهِ، مِن مَالٍ وَبِنٌ ﴿٥ ◌َُّارِعُ لَمْ فِ الْخَيْرَنِّ بَلَ لَّا يَشْعُرُونَ ٥٦ [المؤمنون]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. وقرأ هذا الحرف أبو عمرو وحده من السبعة: ((وأُمْلِي لَهُمْ)) بضم الهمزة وكسر اللام بعدها ياء مفتوحة بصيغة الماضي المبني لِلْمَجْهُولِ والفاعل المحذوف فيه الوجهان المذكوران آنفاً في فاعل، ((وأملي لهم)) على قراءة الجمهور بالبناء للفاعل. وقد ذكرنا قريباً ما يشهد لكل منهما من القرآن كقوله تعالى في إملاء الشيطان لهم: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيِهِمَّ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُورًا (٣٥)﴾ [النساء]. وقوله في إملاء الله لهم: ﴿وَأُمَّلِ لَهُمَّ إِنَّ كَيْدِى مَتِينُ (٨)﴾ [الأعراف]، كما تقدم قريباً، والإشارة في قوله ١٣٧٢ - سورة محمد: الآيات (٢٥ - ٢٨) تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ الْأَمْرِّ﴾ راجعة إلى قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ أي ذلك التسويل والإملاء المفضي إلى الكفر بسبب أنهم ﴿قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّكَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ الْأَمْرِّ﴾. وظاهر الآية يدل على أنّ بعض الأمر الذي قالوا لهم سنطيعكم فيه مما نزل الله وكرهه أولئك المطاعون. والآية الكريمة تدل على أنّ كل من أطاع من كره ما نزل الله في معاونته له على كراهته ومؤازرته له على ذلك الباطل، أنه كافر بالله بدليل قوله تعالى فيمن كان كذلك: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَقَّتْهُمُ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ ﴿﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَنَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ وقد قدّمنا ما يوضح ذلك من القرآن في سورة الشورى، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا أُخَْلَفْتُ فِيهِ مِنْ شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] وفي مواضع عديدة من هذا الكتاب المبارك. وبيّنا في سورة الشورى، أيضاً شدة كراهة الكفار لما نزل الله، وبينا ذلك بالآيات القرآنية في الكلام على قوله تعالى: ﴿ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣]. وقد قدَّمنا مراراً أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾؛ قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة، عن عاصم: (أَسْرَارَهُمْ)) بفتح الهمزة جمع سر. وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: ((إسرارهم)) بكسر الهمزة مصدر أسر كقوله: ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح: ٩]. وقد قالوا لهم ذلك سراً فأفشاء الله العالم بكل ما یسرون وما يعلنون. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَقَّتْهُمُ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ ﴾؛ أي فكيف يكون حال هؤلاء إذا توفتهم الملائكة؟ أي قبض ملك الموت وأعوانه أرواحهم في حال كونهم ضاربين وجوههم وأدبارهم. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الملائكة يتوفون الكفار وهم يضربون وجوههم وأدبارهم جاء موضحاً في مواضع أخر من كتاب الله كقوله تعالى في الأنفال: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ يَتَوَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠]، وقوله في الأنعام: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَِّمُونَ فِى غَمَرَتِ أَوْتِ وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيَدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمْ أَلْيَوْمَ تُّجْزَوْنَ عَذَابَ أَلْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣] فقوله: ﴿بَاسِطُوْ أَيْدِيهِْ﴾ [الأنعام: ٩٣]، أي بالضرب المذكور. ز سورة محمد: الآيات (٢٥ - ٢٨) ١٣٧٣ والإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ﴾؛ راجعة إلى المصدر الكامن في الفعل الصناعي؛ أعني قوله: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٥٠؛ أي ذلك الضرب وقت الموت واقع بسبب ﴿بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اَللَّهَ﴾؛ أي أغضبه من الكفر به، وطاعة الكفار الكارهين لما نزله. والإسخاط استجلاب السخط، وهو الغضب هنا، وقوله: ﴿وَكَرِهُواْ رِضْوَنَهُ﴾؛ لأن من أطاع من كره ما نزل الله فقد كره رضوان الله؛ لأن رضوانه تعالى ليس إلا في العمل بما نزل، فاستلزمت كراهة ما نزل كراهة رضوانه؛ لأن رضوانه فيما نزل، ومن أطاع كارهه، فهو ككارهه. وقوله: ﴿فَأَخْبَطَ أَعْمَلَهُمْ﴾؛ أي أبطلها؛ لأنّ الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة، وقد أوضحنا المقام في ذلك إيضاحاً تامًّا في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (﴾﴾ [الإسراء]. وفي سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةٌ طَيِّبَةً﴾ ... الآية [النحل: ٩٧]. واعلم أنّ هذه الآية الكريمة، قد قال بعض العلماء: إنّها نزلت في المنافقين، وقال بعضهم: إنها نزلت في اليهود، وأنّ المنافقين أو اليهود قالوا للكفار الذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر، وهو عداوة النبي ◌َلّر والتعويق عن الجهاد ونحو ذلك. وبعضهم يقول: إنّ الذين اتبعوا ما أسخط الله، هم اليهود حين كفروا بالنبي وَلّ لما عرفوه وكرهوا رضوانه، وهو الإيمان به چل﴾ . والتحقيق الذي لا شك فيه أنّ هذه الآيات عامة في كل ما يتناوله لفظها، وأن كل ما فيها من الوعيد عام لمن أطاع من كره ما نزل الله. مسألة: اعلم أنّ كل مسلم يجب عليه في هذا الزمان تأمل هذه الآيات من سورة محمد وتدبرها، والحذر التام مما تضمنته من الوعيد الشديد؛ لأنّ كثيراً ممن ينتسبون للمسلمين داخلون بلا شك فيما تضمنته من الوعيد الشديد؛ لأنّ عامة الكفار من شرقيين وغربيين كارهون لما نزل الله على رسوله محمد صل﴿ وهو هذا القرآن وما يبينه به النبي ګ﴾ من السنن .. فكل من قال لهؤلاء الكفار الكارهين لما نزله الله: سنطيعكم في بعض الأمر، فهو داخل في وعيد الآية. وأحرى من ذلك من يقول لهم: سنطيعكم في كل الأمر؛ كالذين يتبعون القوانين الوضعية مطيعين بذلك للذين كرهوا ما نزل الله، فإن هؤلاء لا شك أنهم ممن تتوفاهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم؛ وأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه، وأنه محبط أعمالهم، فاحذر كل الحذر من الدخول في الذين قالوا: سنطيعكم في بعض الأمر. ١٣٧٤ سورة محمد : الآية (٣١) قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَّى نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَِّينَ وَنَبْلُواْ أَخْبَارَكُمْ اللام في قوله: (لنبلونكم)) موطئة لقسم محذوف، وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير شعبة عن عاصم بالنون الدالة على العظمة في الأفعال الثلاثة أعني لنبلونكم، ونعلم، ونبلو، وقرأه شعبة عن عاصم بالمثناة التحتية .. وضمير الفاعل يعود إلى الله وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الله - جلّ وعلا - يبلو الناس؛ أي يختبرهم بالتكاليف كبذل الأنفس والأموال في الجهاد ليتميز بذلك صادقهم من كاذبهم، ومؤمنهم من كافرهم، جاء موضحاً في آيات أخر. كقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِّكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَاَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَنَى نَصْرُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢١٤] وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اَللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّبِينَ ﴾ [آل عمران] وقوله تعالى: ﴿أَمَّ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَّكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ، وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾﴾ [التوبة] وقوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُوَاْ ءَمَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن ٤﴾ [العنكبوت] وقوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ قَبْلِهِمْ فَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَعْلَمَنَّ الْكَذِبِينَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَيْثَ مِنَ الطَّيْبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُْلِمَكُمْ عَلَى الآية [آل عمران: ١٧٩]. الْغَيْبِ﴾ وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ﴾ ... الآية، قد قدَّمنا إزالة الإشكال في نحوه في سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا اُلْقِبْلَةَ الَِّ كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْةٍ﴾ ... الآية [البقرة: ١٤٣]. فقلنا في ذلك ما نصه: ظاهر هذه الآية قد يتوهم منه الجاهل أنّه تعالى يستفيد بالاختبار علماً لم يكن يعلمه، سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيراً، بل هو تعالى عالم بكل ما سيكون قبل أن يكون. وقد بيّن أنّه لا يستفيد بالاختبار علماً لم يكن يعلمه بقوله - جلّ وعلا -: ﴿وَلِيَبْتَلِىَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِ قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. فقوله: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾؛ بعد قوله: ((ليبتلي))، دليل قاطع على أنّه لم يستفد بالاختبار شيئاً لم يكن عالماً به سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيراً؛ لأن العليم بذات الصدور غني عن الاختبار. وفي هذه الآية بيان عظيم لجميع الآيات التي يذكر الله فيها اختباره لخلقه. ومعنى ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾: أي علماً يترتب عليه الثواب والعقاب، فلا ينافي أنّه كان عالماً به قبل ذلك، وفائدة الاختبار ظهور الأمر للناس، أما عالم السر والنجوى، فهو عالم بكل ما سيكون، كما لا يخفى، اهـ. ١٣٧٥ سورة محمد: الآية (٣٢) قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: ((وهذا العلم هو العلم الذي يقع عليه به الجزاء لأنّه إنّما يجازيهم بأعمالهم لا بعلمه القديم عليهم، فتأويله حتى نعلم المجاهدين علم شهادة؛ لأنهم إذا أمروا بالعمل يشهد منهم ما عملوا، فالجزاء بالثواب والعقاب يقع على علم الشهادة، ونبلو أخباركم نختبرها ونظهرها)) انتهى محل الغرض منه. وقال أبو جعفر بن جرير الطبري فى تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: ((ولنبلونكم أيها المؤمنين بالقتل وجهاد أعداء الله حتى نعلم المجاهدين منكم يقول: حتى يعلم حزبي وأوليائي أهل الجهاد في الله منكم وأهل الصبر على قتال أعدائه، فيظهر ذلك لهم، ويعرف ذوو البصائر منكم في دينه من ذوي الشك والحيرة فيه، وأهل الإيمان من أهل النفاق، ونبلو أخباركم فنعرف الصادق منكم من الكاذب))، انتهى محل الغرض منه بلفظه. وما ذكره من أن المراد بقوله: ﴿حَقَّى نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ﴾ ... الآية، حتى يعلم حزبنا وأولياؤنا المجاهدين منكم والصابرين له وجه، وقد يرشد له قوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ﴾؛ أي نظهرها ونبرزها للناس. وقوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ اَللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَيْثَ مِنَ الطَّيِّبٍ﴾ [آل عمران: ١٧٩]؛ لأنّ المراد بيميز الخبيث من الطيب ظهور ذلك للناس. ولذا قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُخْلِمَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، فتعلموا ما ينطوي عليه الخبيث والطيب، ولكن الله عرفكم بذلك بالاختبار والابتلاء الذي تظهر بسببه طوايا الناس من خبث وطيب، والقول الأول وجيه أيضاً، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُواْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَهُمُ اٌلْهُدَى لَنْ يَضُرُواْ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُخْبِطُ أَعْمَلَهُمْ ﴾﴾. الظاهر أن ((صدوا)) في هذه الآية متعدية، والمفعول محذوف، أي كفروا وصدوا غيرهم عن سبيل الله فهم ضالون مضلون. وقد قدَّمنا في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلَتُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَّةٌ وَلَنَجْزِيَّهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ [النحل: ٩٧]. أن التأسيس مقدم على التوكيد كما هو مقرر في الأصول. وصدوا هنا، إن قدرت لازمة؛ فمعنى الصدود الكفر، فتكون كالتوكيد لقوله ((كفروا)). وإن قدرت متعدية كان ذلك تأسيساً؛ لأنّ قوله: كفروا يدل على كفرهم في أنفسهم. وقوله: ((وصدوا)) على أنه متعد يدل على أنهم حملوا غيرهم على الكفر و((صدوهم)) عن الحق، وهذا أرجح مما قبله. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَشَاقُواْ الرَّسُولَ﴾؛ أي خالفوا محمداً وَل مخالفة شديدة . وقد دلت هذه الآية الكريمة على أمرين: أحدهما : أنّ الذين كفروا وصدوا غيرهم عن الحق وخالفوه سل# لن يضروا الله بكفرهم شيئاً؛ لأنه غني لذاته الغنى المطلق. . ١٣٧٦ سورة محمد: الآية (٣٣) والثاني: أنهم إنما يضرون بذلك أنفسهم؛ لأن ذلك الكفر سبب لإحباط أعمالهم، كما قال تعالى: ﴿وَسَيُخْبِطُ أَعْمَلَهُمْ﴾. وهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية الكريمة جاءا موضحين في آيات من كتاب الله. . . فمن الآيات الدالة على الأول الذي هو غنى الله عن خلقه، وعدم تضرره بمعصيتهم: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقوله تعالى: ﴿إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧] وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَىّ إِن تَكْفُرُوَأْ أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ حَمِيدٌ ﴾﴾ [إبراهيم]، وقوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَنَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَّأْ سُبْحَنَةٌ هُوَ الْغَنِىّ لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٦٨] وقوله تعالى: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَلَواْ وَ أَسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦] وقوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ اٌلْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِدُ ﴾﴾ [فاطر] إلى غير ذلك من الآيات. ومن الآيات الدالة على الثاني؛ وهو إحباط أعمالهم بالكفر أي إبطالها به: قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَنْتُورًا (٣)﴾ [الفرقان]، وقوله تعالى: الآيـمة ﴿َّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمٌ أَعْمَلُهُمْ كَوَمَادٍ أَشْتَدَتْ بِهِ الرّيحُ فِ يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَلُهُمْ كَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الَّمْشَانُ هَآءَ حَتََّ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيَهَا وَبَطِلُ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾﴾ [هود]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ ... الآية. وقال تعالى: ﴿﴿ يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ (®)﴾ [محمداً، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُهُوَاْ إِلَى اَللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُرَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَّاً وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الْفَابِرُونَ ٥٢ [النور] وقال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال تعالى: ﴿وَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ يَأْمُرُونَ بِلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ ... الآية [التوبة: ٧١]. ولا شك عند أحد من أهل العلم أنّ طاعة الله ورسوله المذكورة في هذه الآيات ونحوها من نصوص الوحي، محصورة في العمل بكتاب الله وسنة رسوله وَلو، فنصوص القرآن والسنة كلها دالة على لزوم تدبر الوحي، وتفهمه وتعلمه والعمل به. فتخصيص تلك النصوص كلها، بدعوى أنّ تدبر الوحي وتفهمه والعمل به لا يصح شيء منه إلا لخصوص المجتهدين، الجامعين لشروط الاجتهاد المعروفة عند ١٣٧٧ سورة محمد: الآيتان (٣٤ - ٣٥) - متأخري الأصوليين، يحتاج إلى دليل يجب الرجوع إليه. ولا دليل على ذلك البتة، بل أدلة الكتاب والسنة، دالة على وجوب تدبر الوحي، وتفهمه وتعلمه والعمل بكل ما علم منه علماً صحيحاً قليلاً كان أو كثيراً .. قد قدَّمنا كثيراً جداً من الآيات المماثلة له قريباً في جملة كلامنا الطويل على قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَُّونَ الْقُرْءَانَ﴾ ... الآية. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اَلَّهِ ثُمّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَمُمْ (9)﴾. ما تضمنته هذه الآية الكريمة من أنّ من مات على الكفر لن يغفر الله له؛ لأن النار وجبت له بموته على الكفر، جاء موضحاً في آيات أخر من كتاب الله. كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُوَأْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِلْءُ اْلْأَرْضِ ذَهَبًا وُلَوِ أَفْتَدَىْ بِ: أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلٌِّ، وَمَا لَهُم مِّنِ نَّضِينَ ﴾﴾ [آل عمران]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَانُواْ وَهُمْ كُفَّارُ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَقْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَلِينَ فِيهَّا لَا يُحَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُظَرُونَ (٦)﴾ [البقرة]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُونُونَ وَهُمْ كُفَّارُ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٨]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَنِ دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرُ فَأُوْلَئِكَ حَِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَهِنُواْ وَتَّدْعُوْ إِلَى السَّمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوَّنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَلَكُمْ ﴾﴾. قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير حمزة وشعبة عن عاصم: ((إلى السَّلْمِ)) بفتح السين، وقرأ حمزة وشعبة: ((إلى السِّلْم)) بكسر السين. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُواْ﴾ أي لا تضعفوا وتذلوا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٦]. (٣)﴾ [الأنفال] أي مضعف وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُومِنُ كَيْدِ الْكَفِرِينَ کیدهم، وقول زهير بن أبي سلمى: فأصبح الحبل منها واهناً خلقاً. وأخلفتك ابنة البكري ما وعدت وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾؛ جملة حالية؛ أي فلا تضعفوا عن قتال الكفار وتدعوا إلى السلم، أي تبدءوا بطلب السلم أي الصلح والمهادنة وأنتم الأعلون؛ أي والحال أنكم أنتم الأعلون أي الأقهرون الأغلبون لأعدائكم، ولأنكم ترجون من الله من النصر والثواب ما لا يرجون. وهذا التفسير في قوله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾؛ هو الصواب، وتدل عليه آيات من كتاب الله كقوله تعالى بعده: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾؛ لأن من كان الله معه هو الأعلى وهو الغالب وهو القاهر المنصور الموعود بالثواب. فهو جدير بأن لا يضعف عن مقاومة الكفار ولا يبدأهم بطلب الصلح والمهادنة .. ١٣٧٨ سورة محمد: الآيتان (٣٤ - ٣٥) ١٧٢)﴾ [الصافات]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وكقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَمُ الْغَلِبُونَ ( وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٥١]، وقوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، وقوله تعالى: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَصُرَّكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٤]. ومما يوضح معنى آية القتال هذه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُواْ فِى أَبْتِغَاءِ اٌلْقَوْمِّ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونٌَّ وَتَرْجُونَ مِنَ الَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ ... الآية [النساء: ١٠٤]؛ لأنّ قوله تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾؛ من النصر الذي وعدكم الله به والغلبة وجزيل الثواب، وذلك كقوله هنا: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوَنَ﴾؛ وقوله: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾؛ أي بالنصر والإعانة والثواب. واعلم أنّ آية القتال هذه لا تعارض بينها وبين آية الأنفال حتى يقال: إن إحداهما ناسخة للأخرى، بل هما محكمتان وكل واحدة منهما منزلة على حال غير الحال التي نزلت عليه الأخرى. فالنهي في آية القتال هذه في قوله تعالى: ﴿فَلَ نَّهِنُواْ وَنَدْعُوَاْ إِلَى السَّمِ﴾؛ إنما هو عن الابتداء بطلب السلم. والأمر بالجنوح إلى السلم في آية الأنفال محله فيما إذا ابتدأ الكفار بطلب السلم والجنوح لها، كما هو صريح قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوْ لِلِسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَلَ عَلَى الآية [الأنفال: ٦١]. اللهِ﴾ . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾؛ قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في آخر سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللََّ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم (٢٨)) [النحل]، وهذا الذي ذكرنا في معنى هذه الآية أولى وأصوب مما فسرها مُحْسِنُونَ به ابن كثير دخّلُهُ . وهو أنّ المعنى لا تدعوا إلى الصلح والمهادنة وأنتم الأعلون؛ أي في حال قوتكم وقدرتکم على الجهاد. أي، وأما إن كنتم في ضعف وعدم قوة فلا مانع من أن تدعوا إلى السلم أي الصلح والمهادنة، ومنه قول العباس بن مرداس السلمي: والحرب تكفيك من أنفاسها جرع السلم تأخذ منها ما رضيت به وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَنْ يَتِكُمْ أَعْمَلَكُمْ﴾؛ أي لن ينقصكم شيئاً من ثواب أعمالكم، وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة من عدم نقصه تعالى. شيئاً من ثواب الأعمال جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَإِن تُطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتَكُم مِّنْ أَعْمَلِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات: ١٤]؛ أي لا ينقصكم من ثوابها شيئاً، وقوله تعالى: ﴿وَتَضَعُ الْمَوْزِيِنَ الْقِسْطَ لِيَوَمِ الْقِيَمَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ جَنَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَاْ وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ (®]﴾ [الأنبياء] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة، وقد قدَّمِناها مراراً. سورة الفتح: الآية (١). ١٣٧٩ وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَن يَتِرَكُمْ﴾؛ أصله من الوتر، وهو الفرد، فأصل قوله: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ﴾؛ لن يفردكم ويجردكم من أعمالكم بل يوفيكم إياها. قوله تعالى: ﴿وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَنَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ . هذه الأجور التي وعد الله بها من آمن واتقى جاءت مبينة في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [الحديد]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْلَكُمْ أَمْوَلَكُمْ﴾. في هذه الآية الكريمة أوجه معلومة عند أهل التفسير، منها أنّ المعنى ولا يسألكم النبي صلّ أموالكم أجراً على ما بلغكم من الوحي المتضمن لخير الدنيا والآخرة. وهذا الوجه تشهد له آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْئُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى الَهِ﴾ [سبأ: ٤٧] وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَآ أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَأْ مِنَ الُْكَلِّفِينَ ﴾﴾ [ص] وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُتْقَلُونَ ﴾﴾ [الطور]. وقد قدَّمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة هود، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ لَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيَّهِ مَالَا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اَللَّهِ﴾ [هود: ٢٩] وذكرنا بعض ذلك في سورة الشورى في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًّا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبِىُّ﴾ [الشورى: ٢٣]. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءِ﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له قريباً في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَآَقُواْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْمُدَى﴾ ... الآية. قوله تعالى: ﴿وَإِنِ تَنَوَلَّوْ يَسْتَبْدِلْ فَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْثَلَكُمْ﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة النساء، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِثَاخَرِينْ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (٣٦)﴾ [النساء]. براسه الرحمن الرحيم سورة الفتح قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (﴾﴾، التحقيق الذي عليه الجمهور أنّ المراد بهذا الفتح صلح الحديبية؛ لأنه فتح عظيم. وإيضاح ذلك أنّ الصلح المذكور هو السبب الذي تهيأ به للمسلمين أن يجتمعوا ١٣٨٠ - سورة الفتح: الآيات (٤ - ٦) بالكفار فيدعوهم إلى الإسلام ويبنوا لهم محاسنه. فدخل كثير من قبائل العرب بسبب ذلك في الإسلام. ومما يوضح ذلك أنّ الذين شهدوا صلح الحديبية مع النبي ◌َّ﴿ في ذي العقدة عام ست كانوا ألفاً وأربعمائة. ولمّا أراد النبي ◌َ* غزو مكة حين نقض الكفار العهد، كان خروجه إلى مكة في رمضان عام ثمان. وكان معه عشرة آلاف مقاتل، وذلك يوضح أن الصلح المذكور من أعظم الفتوح لكونه سبباً لقوة المسلمين وكثرة عددهم. وليس المراد بالفتح المذكور فتح مكة، وإن قال بذلك جماعة من أهل العلم. وإنما قلنا ذلك؛ لأن أكثر أهل العلم على ما قلنا؛ ولأن ظاهر القرآن يدل عليه؛ لأن سورة الفتح هذه نزلت بعد صلح الحديبية في طريقه و 8* راجعاً إلى المدينة. ولفظ الماضي في قوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾ يدل على أن ذلك الفتح قد مضى، فدعوى أنه فتح مكة ولم يقع إلا بعد ذلك بقرب سنتين خلاف الظاهر. والآية التي في فتح مكة دلت على الاستقبال لا على المضي، وهو قوله تعالى: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾﴾ [النصر]. وقد أوضحنا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب معنى اللام في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَلِكَ﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوَاْ إِيمَنَا مَعَ إِيَمَنِهِمْ﴾، ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الإيمان يزيد؛ دلت عليه آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ. زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]. وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنًا وَهُمْ يَسْتَبِِّرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]، وقوله تعالى: ﴿لِيَسْتَّقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إَِنَّْ﴾ [المدثر: ٣١]، إلى غير ذلك من الآيات، وقد أوضحناه مراراً. والحق الذي لا شك فيه؛ أنّ الإيمان يزيد وينقص، كما عليه أهل السنة والجماعة، وقد دل عليه الوحي من الكتاب والسنة كما تقدم. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾، ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن له جنود السماوات والأرض، وبين في المدثر أن جنوده هذه لا يعلمها إلا هو، وذلك في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]. قوله تعالى: ﴿لِدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَّجْرِى مِن تَحِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيْئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا ﴿ وَيُعَذِبَ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ اُلَّآئِينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾. أظهر الأقوال وأصحها في الآية أن اللام في قوله: لِدْخِلَ﴾ متعلقة بقوله: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ السَّكِنَةَ فِ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوَاْ إِيمَنَا مَعَ إِيمَِمْ﴾.