النص المفهرس
صفحات 1321-1340
١٣٢١ سورة الجاثية: الآيات (٣ - ٥) موضحاً أيضاً في آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى في البقرة: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَاْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِِ اُلَيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى تَجْرِى فِى الْبَعْرِ بِمَا يَنَفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن ◌َّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. إلى قوله: ﴿لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: (١٦٤]، وقوله تعالى: ﴿فَلْظُرِ اَلْإِنِسَنُ إِلَى طَعَامِهِ: ﴿ أَنَّا صَبَّنَا أَلْمَآءَ صَبَّا (٣٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَّنَا فِيهَا حَّا (٧) وَعِنَبًا﴾. إلى قوله: ﴿مَّنَعًا لَّكُمْ وَلِأَنْغَمِكُمْ(َ)﴾ [عبس]. وإيضاح هذا البرهان باختصار أن قوله تعالى: ﴿فَلْظُرِ الْإِسَنُ إِلَى طَعَامِهِ، (2)﴾؛ أمر من الله تعالى لكل إنسان مكلف أن ينظر ويتأمل في طعامه كالخبز الذي يأكله، ويعيش به من خلق الماء الذي كان سبباً لنباته، هل يقدر أحد غير الله أن يخلقه؟ الجواب: لا . ثم هب أن الماء قد خلق بالفعل، هل يقدر أحد غير الله أن ينزله إلى الأرض، على هذا الوجه الذي يحصل به النفع، من غير ضرر بإنزاله على الأرض رشاً صغيراً، حتى تروى به الأرض تدريجياً، من غير أن يحصل به هدم ولا غرق، كما قال تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ ﴾؟ الجواب: لا . ثم هب أن الماء قد خلق فعلاً، وأنزل في الأرض، على ذلك الوجه الأتم الأكمل، هل يقدر أحد غير الله أن يشق الأرض، ويخرج منها مسمار النبات؟ الجواب: لا ثم هب أن النبات خرج من الأرض وانشقت عنه، فهل يقدر أحد غير الله أن يخرج السنبل من ذلك النبات؟ الجواب: لا . ثم هب أن السنبل خرج من النبات، فهل يقدر أحد غير الله أن ينمي حبه وينقله من طور إلى طور حتى يدرك ويكون صالحاً للغذاء والقوت؟ الجواب: لا . وقد قال تعالى: ﴿أَنْظُرُوّا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ: إِنَّ فِ ذَلِكُمْ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩]، وكقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَتِ مَّهُ نَّامَا ﴿ لِتُخْرِجَ بِهِ، حَّأَ وَاتًا ١٥ وَجَّتٍ أَلْفَافًا ﴿4﴾ [النبأ]. وقوله تعالى: ﴿وَءَايَةٌ لَُّ الْأَرْضُ الْعَيْنَةُ أَحْبَيْنَهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ﴾﴾ [يس]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. واعلم: أنّ إطلاقه تعالى الرزق على الماء، في آية الجاثية هذه، قد أوضحنا وجهه في سورة المؤمن في الكلام على قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَتِهِ، وَيَُزِّكُ لَكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ ... الآية [غافر: ١٣]. وأما السادس منها: وهو تصريف الرياح المذكور في قوله: ﴿وَتَصْرِيفِ الْرِّيَجِ﴾؛ فقد جاء موضحاً أيضاً في آيات من كتاب الله كقوله في البقرة: ﴿وَتَصْرِيفِ الرَّحِ وَالسَّحَابِ اَلْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ يُرْسِلَ الرَّحَ مُبَشِّرَتٍ﴾ [الروم: ٤٦]، وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَحَ لَوَقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] إلى غير ذلك من الآيات. ١٣٢٢ سورة الجاثية: الآيات (٣ - ٥) تنبيه : اعلم: أنّ هذه البراهين العظيمة المذكورة في أول سورة الجاثية هذه، ثلاثة منها من براهين البعث، التي يكثر في القرآن العظيم الاستدلال بها على البعث، كثرة مستفيضة. وقد أوضحناها في مواضع من هذا الكتاب المبارك في سورة البقرة، وسورة النحل، وغيرهما، وأحلنا عليها مراراً كثيرة في هذا الكتاب المبارك، وسنعيد طرفاً منها هنا لأهميتها - إن شاء الله تعالى -. والأول من البراهين المذكورة هو خلق السماوات والأرض المذكور هنا في سورة الجاثية هذه ﴿إِنَّ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَيَتِ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾؛ لأنَّ خلقه - جلّ وعلا - السماوات والأرض، من أعظم البراهين على بعث الناس بعد الموت؛ لأن من خلق الأعظم الأكبر، لا شك في قدرته على خلق الأضعف الأصغر. والآيات الدالة على هذا كثيرة كقوله تعالى: ﴿لَخَلَقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]، أي ومن قدر على خلق الأكبر فلا شك أنه قادر على خلق الأصغر، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّقُ اَلْعَلِيمُ ﴾﴾ [يس]. وقوله تعالى: ﴿أَوْلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعِىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَدِرٍ عَلَىَّ أَن يُحْنِىَ الْمَوْقَى بَلَ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [الأحقاف]. ٣٣ وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ قَادِرُّ عَلَىّ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ ... الآية [الإسراء: ٩٩]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنُمُ أَشَدُّ خَلْقَّا أَمِ السَّمَءُ بَهَا ﴿ رَفَعَ سَمِّكَهَا فَسَوَّنَهَا وَاُلْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَتُهَا ﴿٣ أَخْرَجَ مِنْهَ مَآءَهَا وَمَرْعَنَا (٣) وَالْجِبَالَ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُعَهَا [النازعات]. (٣٣) مَنَعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَمِكُمُ ( أَرْسَهَا شَ ونظير آية النازعات هذه قوله تعالى في أول الصافات: ﴿فَأَسْتَفْنِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَنْ خَلَقْنَا﴾ ... الآية [الصافات: ١١]، لأنّ قوله: ﴿أَمَ مَنْ خَلَقْنَا﴾ [الصافات: ١١] يشير به إلى خلق السماوات والأرض، وما ذكر معهما المذكور في قوله تعالى: ﴿رَّبُّ السَّمَوَتِ وَأَلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَرِقِ ﴾﴾، إلى قوله: ﴿فَأَنْتَعَلُمِ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ٥ - ١٠]. وأما الثاني من البراهين المذكورة: فهو خلقه تعالى للناس المرة الأولى؛ لأنّ من ابتدع خلقهم على غير مثال سابق، لا شك في قدرته على إعادة خلقهم مرة أخرى كما لا يخفى. : والاستدلال بهذا البرهان على البعث كثير جداً في كتاب الله كقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنْتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَفْنَكُم مِّن تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥]، إلى آخر الآيات، وقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَةٌ قَالَ مَنْ يُحِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ ﴿ قُلْ يُخْبِيهَا ﴾ [يس]. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنسَنُ أَوِذَا ٧٩ الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوْلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمُ مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيَّا (٨ أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنِسَنُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٣) فَوَرَبِّكَ لَنَحْثُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ [مريم: ٦٦ - ٦٨]. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَثُ عَلَيْةِ﴾ [الروم: ٢٧]. وقوله تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ من يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِى فَطَرَّكُمْ أَوَّلَ سورة الجاثية: الآية (٦). ١٣٢٣ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٦١]. وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُمٍ وَعْدًا عَلَيْنَأَ إِنَّا كُنَ فَعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. وقوله تعالى: ﴿أَفَِّنَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِ لَيْسٍ مِّنْ خَلْقِ جَدِيدٍ (٣)﴾ [ق]. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (13)﴾ [الواقعة]. وقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الْزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى (٤) مِن نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ﴿ وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧) [النجم]، وقوله تعالى: ﴿ أَيَحْسَبُ آلْإِنِسَنُ أَن يُتْرَكَ سُدَّى ﴿ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِّ يُعْنَى : ثُمَّ كَانَ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُخْنِىَ لٌمُؤَنَى ◌َعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنَّ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ وَطُورٍ سِنِينَ [القيامة]. وقوله تعالى: ﴿ وَآلِّينِ وَالزَّيْتُونِ اُلْإِنسَنَ فِىّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾﴾. إلى قوله: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالَّذِينِ (٣)﴾ [التين]، يعني أي شيء يحملك على التكذيب بالدين أي بالبعث والجزاء، وقد علمت أني خلقتك الخلق الأول في أحسن تقويم، وأنت تعلم أنه لا يخفى على عاقل أن من ابتدع الإيجاد الأول لا شك في قدرته على إعادته مرة أخرى، إلى غير ذلك من الآيات. وأما البرهان الثالث منها: وهو إحياء الأرض بعد موتها المذكور في قوله تعالى في سورة الجاثية هذه: ﴿وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنِهَا﴾، فإنه يكثر الاستدلال به أيضاً على البعث في القرآن العظيم؛ لأن من أحيا الأرض بعد موتها قادر على إحياء الناس بعد موتهم؛ لأن الجميع إحياء بعد موت. فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ- أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَشِعَةٌ فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيَّهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِىّ أَحْيَاهَا لَمُحِىِ الْمَوْقَنَّ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ [فصلت]. وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيَّهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجَ بَهِيجِ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحِى الْمَوْنَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَّةٌ لَّا رَيْبَ فِيَهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبعَثُ مَن فِ الْقُبُورٍ ﴾ [الحج]. وقوله تعالى: ﴿فَنْظُرْ إِلَى ءَثَرِ رَحْمَتِ اَللَّهِ كَيْفَ يُّحِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنِهَاْ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحِىِ الْمَوْقِّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾ [الروم]. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ. حَّةٍ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ فَيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثَّمَرَّتِ كَذَلِكَ تُخْرِجُ الْمَوْنَ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (60)﴾ [الأعراف]. فقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ تُخْرِجُ الْمَوْنَ﴾؛ أي نبعثهم من قبورهم أحياء كما أخرجنا تلك الثمرات بعد عدمها، وأحيينا بإخراجها ذلك البلد الميت. وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيّ وَنْجِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاً وَكَذَلِكَ تُخْرَُّونَ ﴾﴾ [الروم]، يعني تخرجون من قبوركم أحياء بعد الموت. وقوله تعالى: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوِيجُ﴾ [ق: ١١]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ ءَايَتُ اللَّهِ نَتْلُوُهَا عَلَيْكَ بِآلْحَقِّ﴾ . : أشار - جلّ وعلا - لنبيه وَ له إلى آيات هذا القرآن العظيم، وبين لنبيه أنه يتلوها عليه، متلبسة بالحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه. ١٣٢٤ سورة الجاثية: الآية (٦) وما ذكره - جلّ وعلا - في آية الجاثية هذه، ذكره في آيات أخر بلفظه كقوله تعالى في البقرة: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ اْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَلَمِينَ ﴿َ تِلْكَ ءَيَكُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الُْرْسَلِينَ ﴾ [البقرة]. وقوله تعالى في آل عمران: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ أَبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ ﴿َ تِلْكَ ءَايَتُ اَللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اَللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَلَمِينَ (®)﴾ [آل عمران]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿تِلْكَ﴾ بمعنى هذه. ومن أساليب اللغة العربية إطلاق الإشارة إلى البعيد على الإشارة إلى القريب كقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ﴾ [البقرة: ٢]، بمعنى هذا الكتاب، كما حكاه البخاري عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، ومن شواهده قول خفاف بن ندبة السلمي: فعمداً على عيني تيممت مالكا فإن تك خیلي قد أصيب صميمها تأمل خفافاً إنني أنا ذالكا أقول له والرمح يأطر متنه يعني أنا هذا. وقد أوضحنا هذا المبحث وذكرنا أوجهه في كتابنا دفع إبهام الاضطراب عن آيات الكتاب في أول سورة البقرة. وقوله تعالى: ﴿تْلُوهَا﴾ أي نقرؤها عليك، وأسند - جلّ وعلا - تلاوتها إلى نفسه لأنها كلامه الذي أنزله على رسوله بواسطة الملك، وأمر الملك أن يتلوه عليه مبلغاً عنه - جلّ وعلا -. ١٧ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿لَا تُحُرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾﴾ [القيامة]. فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَّعْ قُرْءَانَهُ فقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ﴾، أي قرأه عليك الملك المرسل به من قبلنا مبلغاً عنا، وسمعته منه ﴿فَّعْ قُرْءَانَهُ﴾؛ أي فاتبع قراءته واقرأه كما سمعته يقرؤه. وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِلْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُقْضَ إِلَيْكَ وَحْيٌُ﴾ [طه: ١١٤]. وسماعه 1 القرآن من الملك المبلغ عن الله كلام الله وفهمه له هو معنى تنزله إياه على قلبه في قوله تعالى: ﴿قُلْ مِّن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلُ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَنَنْزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ (١) نَزَلَ بِهِ اُلُحُ الْأَمِينُ ( عَلَى قَلِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (9) يَلِسَانٍ عَرَبِقٍ مُبِينٍ (٥)﴾ [الشعراء]. وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿تِلْكَ ءَايَتُ اللَّهِ﴾ يعني آياته الشرعية الدينية. واعلم: أنّ لفظ الآية يطلق في اللغة العربية إطلاقين، وفي القرآن العظيم إطلاقين أيضاً، أما إطلاقاه في اللغة العربية: ١٣٢٥ سورة الجاثية: الآية (٦) - فالأول منهما: وهو المشهور في كلام العرب، فهو إطلاق الآية بمعنى العلامة، وهذا مستفيض في كلام العرب، ومنه قول نابغة ذبيان: لستة أعوام وذا العام سابع توهمت آيات لها فعرفتها ثم بين أن مراده بالآيات علامات الدار في قوله بعده: ونؤي كجم الحوض أثلم خاشع رماد ككحل العين لأيا أبينه وأما الثاني منهما: فهو إطلاق الآية بمعنى الجماعة، يقولون: جاء القوم بآيتهم أي بجماعتهم، ومنه قول برج بن مسهر: خرجنا من النقبين لا حي مثلنا بآيتنا نزجي اللقاح المطافلا وقوله: بآياتنا، يعني بجماعتنا، وأما إطلاقاه في القرآن العظيم: فالأول منهما: إطلاق الآية على الشرعية الدينية كآيات هذا القرآن العظيم، ومنه قوله هنا: ﴿تِلْكَ مَايَتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِآلْحَقِّ﴾ ... الآية. وأما الثاني منهما: فهو إطلاق الآية على الآية الكونية القدرية كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتِ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ (٣٥)﴾ [آل عمران]. أما الآية الكونية القدرية فهي بمعنى الآية اللغوية التي هي العلامة؛ لأن الآيات الكونية علامات قاطعة، على أن خالقها هو الرب المعبود وحده. وأما الآية الشرعية الدينية، فقال بعض العلماء: إنها أيضاً من الآية التي هي العلامة؛ لأن آيات هذا القرآن العظيم، علامات على صدق من جاء بها، لما تضمنته من برهان الإعجاز، أو لأنّ فيها علامات يعرف بها مبدأ الآيات ومنتهاها. وقال بعض العلماء: إنها من الآية بمعنى الجماعة، لتضمنها جملة وجماعة من كلمات القرآن وحروفه. واختار غير واحد أنّ أصل الآية أيية بفتح الهمزة وفتح الياءين بعدها، فاجتمع في الياءين موجبا إعلال؛ لأن كلَّا منهما متحركة حركة أصلية بعد فتح متصل، كما أشار له في الخلاصة بقوله: من واو أَوْ ياءٍ بتحريك أصل ألفاً أبدل بعد فتح متصل إن حرك التالي ... إلخ. والمعروف في علم التصريف أنّه إن اجتمع موجبا إعلال في كلمة واحدة فالأكثر في اللغة العربية تصحيح الأول منهما، وإعلال الثاني بإبداله ألفاً كالهوى والنوى والطوى والشوى، وربما صحح الثاني وأعل الأول كغاية، وراية، وآية على الأصح، من أقوال عديدة، ومعلوم أن إعلالهما لا يصح، ولهذا أشار في الخلاصة بقوله: صحح أول وعكس قد يحق وإن لحرفين ذا الإعلال استحق ١٣٢٦ - سورة الجاثية: الآيات (٦ - ٨) قوله تعالى: ﴿فَأَتِ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَءَايَتِهِ، يُؤْمِنُونَ ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَاكٍ أَنِمٍ ﴿ يَسْمَعُ ◌َايَتِ اللَّهِ تُثْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصُِ مُسْتَكْرًا كَنْ لَمْ يَسْمَعْهِا فَشْرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيمِ ﴾﴾. ما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة من أن من كفر بالله وبآيات الله ولم يؤمن بذلك مع ظهور الأدلة والبراهين على لزوم الإيمان بالله وآياته، أنه يستبعد أن يؤمن بشيء آخر؛ لأنه لو كان يؤمن بحديث لآمن بالله وبآياته لظهور الأدلة على ذلك، وأن من لم يؤمن بآيات الله متوعد بالويل، وأنه أفاك أثيم. والأفاك: كثير الإفك وهو أسوأ الكذب، والأثيم: هو مرتكب الإثم بقلبه وجوارحه، فهو مجرم بقلبه ولسانه وجوارحه، قد ذكره تعالى في غير هذا الموضع فتوعد المكذبين لهذا القرآن، بالويل يوم القيامة، وبين استبعاد إيمانهم بأي حديث بعد أن لم يؤمنوا بهذا القرآن، وذلك بقوله في آخر المرسلات: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أُرَكَعُواْ لَا يَرَّكَعُونَ ٤٨ وَيْلٌ يَؤْمَيِذٍ لِلْمَكَذِّبِينَ ﴿ فَأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ [المرسلات]. فقوله تعالى: ﴿َيْلٌ يَوْمَيِدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾﴾ [المرسلات] كقوله هنا: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفََّكٍ أَشِ ( وقد كرر تعالى وعيد المكذبين بالويل في سورة المرسلات كما هو معلوم، وقوله في آخر المرسلات: ﴿فَبِأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠]. كقوله هنا في الجاثية: ﴿فَأَقِ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَءَايَتِهِ، يُؤْمِنُونَ﴾ . ومعلوم أنّ الإيمان بالله على الوجه الصحيح، يستلزم الإيمان بآياته، وأن الإيمان بآياته كذلك يستلزم الإيمان به تعالى، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَسْمَعُ مَايَنْتٍ اللَّهِ تُثْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَن لَّمْ يَسْمَعْهِّا فَبَشِرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيمِ ﴾﴾؛ يدل على أن من يسمع القرآن يتلى ثم يصر على الكفر والمعاصي في حالة كونه متكبراً عن الانقياد إلى الحق الذي تضمنته آيات القرآن، كأنه لم يسمع آيات الله، له البشارة يوم القيامة بالعذاب الأليم وهو الخلود في النار، وما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى في لقمان: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِ ◌َثُنَا وَلَى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَنَّ فِىّ أُذُنَّهِ وَقْرًا فَبَشِّرُهُ بِعَذَانٍ﴾ [لقمان: ٧]. وقوله تعالى في الحج: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَيْهِمْ ءَايَتُنَا بَيِّنَتٍ تَعْرِفُ فِىِ وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمُنكَرِّ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَاْ قُلْ أَفَأْنِيِّئُكُمْ بِشَرٍ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (4)﴾ [الحج]. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ خَّى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ مَائِقًا أُوْلَكَ الَّذِينَ طَبَعَ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَأَّعُواْ أَهْوَ هُمْ (٨٦)﴾ [محمد]، فقوله تعالى عنهم: ﴿مَاذَا قَالَ ◌َائِقًا﴾، يدل على أنهم ما كانوا يبالون بما يتلو عليهم النبي ◌َّ ر من الآيات والهدى. · وقد ذكرنا كثيراً من الآيات المتعلقة بهذا المبحث في سورة فصلت، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴿﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىّ أَكِنَّةٍ مِّمَا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِيَّ ◌َاذَاِنَا وَقُّرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ ... الآية [فصلت: ٤، ٥]. سورة الجاثية: الآية (٩) ١٣٢٧ وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿كَأَنْ لَّمْ يَسْمَعْهَا﴾؛ خففت فيه لفظة (كأن)، ومعلوم أن (كأن) إذا خففت كان اسمها مقدراً وهو ضمير الشأن، والجملة خبرها كما قال في الخلاصة: منصوبها وثابتاً أيضاً روى وخففت كأن أيضاً فنوى وقد قدَّمنا في أول سورة الكهف: أن البشارة تطلق غالباً على الإخبار بما يسر، وأنها ربما أطلقت في القرآن وفي كلام العرب على الإخبار بما يسوء أيضاً. وأوضحنا ذلك بشواهده العربية. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيٌَّ لِكُلِّ أَفَاكٍ أَثِمِ ﴾﴾. قال بعض العلماء :. ﴿ویٌّ﴾ واد في جهنم. والأظهر أن لفظة ﴿وَيْلٌ﴾ كلمة عذاب وهلاك، وأنها مصدر لا لفظ له من فعله، وأن المسوغ للابتداء بها مع أنها نكرة كونها في معرض الدعاء عليهم بالهلاك. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَءَايَتِهِ، يُؤْمِنُونَ﴾، قرأه نافع، وابن كثير، وأبو عمرو وحفص، عن عاصم: ((يؤمنون)) بياء الغيبة، وقرأه ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وشعبة عن عاصم: ((تؤمنون)) بتاء الخطاب، وقرأه ورش عن نافع والسوسي عن أبي عمرو: (يومنون)) بإبدال الهمزة واواً وصلاً ووقفاً، وقرأه حمزة بإبدال الهمزة واواً في الوقف دون الوصل، والباقون بتحقيق الهمزة مطلقاً . قوله تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَيَقِنَا شَيْئًا أَتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَمْ عَذَابٌ مُهِينٌ. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة توعد الأفاك الأثيم بالويل، والبشارة بالعذاب الأليم. وقد قدَّمنا قريباً أنّ من صفاته، أنّه إذا سمع آيات الله تتلى عليه أصر مستكبراً كأن لم يسمعها،. وذكر في هذه الآية الكريمة أنه إذا علم من آيات الله شيئاً اتخذها هزواً أي مهزوءاً بها، مستخفاً بها، ثم توعده على ذلك بالعذاب المهين. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الكفار يتخذون آيات الله هزواً، وأنهم سيعذبون على ذلك يوم القيامة، قد بيّه تعالى في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في آخر [الكهف]. وقوله تعالى الكهف: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَتَّخَذُوَاْ ءَيَنِى وَرُسُلِى هُزُوًّا (٢) في الكهف أيضاً: ﴿وَتُجَدِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِ الْحَقِّ وَأَّخَذُوَاْ ءَايَتِى وَمَّا أُنْذِرُواْ هُوَا﴾ [الكهف: ٥٦]، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن ذُكْرَ بَِايَتِ رَبِّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَهُ﴾ ... الآية [الكهف: ٥٧]. وقوله تعالى في سورة الجاثية هذه: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَسَنَكُمْ كَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَنَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن ◌َصِرِنَ ﴿ ذَلِكُمْ بِأَنَّكُ أَخَذْتُمُّ ◌َيَتِ اللَّهِ هُزُوا﴾ . قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير حمزة وحفص عن عاصم: ((هزؤًا)) بضم الزاي بعدها همزة محققة، وقرأه حفص عن عاصم بضم الزاي وإبدال الهمزة واواً، وقرأه حمزة: ((هزءاً)) بسكون الزاي بعدها همزة محققة في حالة الوصل. ١٣٢٨ - سورة الجاثية: الآية (١٠) وأما في حالة الوقف، فعن حمزة نقل حركة الهمزة إلى الزاي فتكون الزاي مفتوحة بعدها ألف، وعنه إبدالها واواً محركة بحركة الهمزة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾؛ أي لأنّ عذاب الكفار الذين كانوا يستهزئون بآيات الله لا يراد به إلا إهانتهم وخزيهم وشدة إيلامهم بأنواع العذاب. وليس فيه تطهير ولا تمحيص لهم بخلاف عصاة المسلمين فإنهم وإن عذبوا فسيصيرون إلى الجنة بعد ذلك العذاب. فليس المقصود بعذابهم مجرد الإهانة بل ليؤولوا بعده إلى الرحمة ودار الكرامة. قوله تعالى: ﴿مِّنِ وَرَآَبِهِمْ جَهٌَّ وَلَا يُغْنِ عَنْهُم ◌َا كَسَبُواْ شَيْئًا وَلَ مَا أَنََّذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَّة وَلَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾﴾، قوله تعالى: ﴿مِّن وَرَآبِهِمْ جَهَنَّمٌ﴾؛ قد قدَّمنا الآيات الموضحة له مع الشواهد العربية في سورة إبراهيم، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأُسْتَفْتَحُواْ وَخَبَ كُلُّ جَبَارٍ عَنِيدٍ ﴿مِّنِ وَرَآَبِهِ، جَهَنَّمُ﴾ [إبراهيم: ١٥، ١٦]، وبيّنا هناك أنّ أصح الوجهين أن وراء بمعنى أمام .. فمعنى ﴿مِّنْ وَرَآَبِهِ، جَهَنَّمُ﴾، أي أمامه جهنم يصلاها يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَآءَ هُم مَّلِكُ يَأْخُذُ كُلّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، أي أمامهم ملك. وذكرنا هناك الشواهد العربية على إطلاق وراء بمعنى أمام، وبينا أن هذا هو التحقيق في معنى الآية، وكذلك آية الجاثية هذه، فقوله تعالى: ﴿مِّنْ وَرَآبِهِمْ جَهَنَّمْ﴾؛ أي أمامهم جهنم يصلونها يوم القيامة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَا يُغْنِى عَنْهُم ◌َا كَسَبُواْ شَيْئًا وَلَ مَا أَتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيًَّ:ٍ﴾، أوضح فيه أن ما كسبه الكفار في دار الدنيا من الأموال والأولاد لا يغني: عنهم شيئاً يوم القيامة؛ أي لا ينفعهم بشيء فلا يجلب لهم بسببه نفع ولا يدفع عنهم بسببه ضر، وإنما اتخذوه من الأولياء في دار الدنيا من دون الله، كالمعبودات التي كانوا يعبدونها، ويزعمون أنّها شركاء لله؛ لا ينفعهم يوم القيامة أيضاً بشيء. وهاتان المسألتان اللتان تضمنتهما هذه الآية الكريمة، قد أوضحهما الله في آيات كثيرة من كتابه. أما الأولى منهما: وهي كونهم لا يغني عنهم ما كسبوا شيئاً فقد أوضحها في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿تَبَّتْ بَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ مَآ أَغْنَ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾ [المسد]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِى عَنّهُ مَالُهُنْ إِذَا تَرََّ ﴾﴾﴾ [الليل). وقوله تعالى: ﴿الَّذِى جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ﴿﴿ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُوَ أَخْلَدَهُ جَ كَّ لَيُنْبَذَنَّ فِى الْخُطَمَةِ ﴾ ... الآية [الهمزة]. وقوله تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَى عَنْهُم مَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ [الزمر]. وقوله تعالى: ﴿َّتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ﴿٨ مَآ أَغْنَى عَنّ مَالِيَهُ (٢٦)﴾ الآية ٢٥٠ [الحاقة]. وقوله تعالى: ﴿قَالُواْ مَآ أَغْنَ عَنكُمْ جَمْتُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبُونَ﴾. وقوله تعالى عن ١٣٢٩ سورة الجاثية: الآية (١٠) - يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (®﴾ ... الآية [الشعراء]. إبراهيم: ﴿وَلَا تُخْرِ يَوْمَ يُبْعَثُونَ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ بِالَّتِى تُقَرِّيَّكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ الآية [سبأ: ٣٧]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ﴾﴾ [آل عمران]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَاَ أَوْلَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ (٣)﴾ [آل عمران]. وقوله تعالى في المجادلة: ﴿أَّخَذُوَأْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (َلَّنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَهُمْ وَلَآَ أَوْلَدُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيَّأَ﴾ ... الآية [المجادلة: ١٦، ١٧]. والآيات بمثل هذا كثيرة جداً، وقد قدَّمنا كثيراً منها في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك. وأما الثانية منهما: وهي كونهم لا تنفعهم المعبودات التي اتخذوها أولياء من دون الله، فقد أوضحها تعالى في آيات كثيرة، كقوله تعالى في هود: ﴿وَمَا ظَلَمْتَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمٌّ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ الَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَىْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رٌَّ ﴾ [هود]. وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا زَادُوهُمٍْ غَيْرَ تَنْبِبٍ [الأحقاف]. وقوله قُرْبَانًا ءَالِهَةَّ بَ ضَلُّواْ عَنْهُمَّ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُواْ شُرَكَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَأَوْ اْلْعَذَابَّ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْنَدُونَ [القصص]: وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآِىَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ قَّوْبِقًا (٥٣)﴾ [الكهف]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ الَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِبُ لَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَبِهِمْ غَفِلُونَ (٥َ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاءَ﴾ ... الآية [الأحقاف: ٦،٥]. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّكُمْ لَهُ الْمُلْكُّ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، مَا يَمْلِكُونَ مِن فِطْمِيرٍ ﴿﴿ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُواْ دُعَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا أَسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِتُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾﴾ [فاطر]. وقوله تعالى: ﴿وَأَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَالِهَةُ لِيَكُونُوْ لَهُمْ عِزَّا ﴿٨َ كَلَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ﴾ [مريم]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا أَتَّخَذْتُ مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَّا قَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى الْحَيَوْقِ الذُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَبُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ وَمَا (9)﴾ [العنكبوت]. لَكُم مِّن نَّصِرِين وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَ مَا أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيٌَّ﴾، الأولياء: جمع ولي. والمراد بالأولياء هنا، المعبودات التي يوالونها بالعبادة من دون الله، و(ما) في قوله: ﴿مَا كَسَبُواْ﴾؟ ﴿مَا أَتَخَذُواْ﴾ موصولة وهي في محل رفع في الموضعين؛ لأن (ما) الأولى فاعل (يغني)؟ (وما) الثانية معطوفة عليها. وزيادة لا قبل المعطوف على منفي معروفة. وقوله: ﴿وَلَا يُغْنِى﴾ أي لا ينفع. والظاهر أن أصله من الغناء - بالفتح والمد - وهو النفع. ١٣٣٠ سورة الجاثية: الآية (١١) ومنه قول الشاعر: إذا صار ميراثاً وواراك لاحد وقلَّ غناء عنك مال جمعته. فقوله: قل غناء؛ أي قل نفعاً. وقول الآخر: قول الأحبة لا تبعد وقد بعدا قل الغناء إذا لاقى الفتى تلفاً فقوله: الغناء؛ أي النفع. والبيت من شواهد إعمال المصدر المعرف بالألف واللام؛ لأن قوله: قول الأحبة، فاعل قوله الغناء، وأما الغناء بالكسر والمد فهو الألحان المطربة. وأما الغِنى بالكسر والقصر فهو ضد الفقر. وأما الغَنَى بالفتح والقصر فهو الإقامة، من قولهم غِنيَ بالمكان بكسر النون يغنَى بفتحها غنىً بفتحتين إذا أقام به. ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤]. وقوله تعالى: ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا﴾ [الأعراف: ٩٢]، كأنّهم لم يقيموا فيها . وأما الغُنى بالضم والقصر فهو جمع غنية وهي ما يستغنى به الإنسان. وأما الغناء بالمد والضم فلا أعلمه في العربية. وهذه اللغات التي ذكرنا في مادة غنى كنت تلقيتها في أول شبابي في درس من دروس الفقه لقنِّيها شيخي الكبير أحمد الأفرم بن محمد المختار الجكني، وذكر لي بيتي رجز في ذلك لبعض أفاضل علماء القطر وهما قوله: النفع والمطرب أيضاً ككتاب وضد فقر كإلى وكسحاب جمع لغنية لما به الغنى وكفتى إقامة وكهنا قوله تعالى: ﴿هَذَا هُدَىّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ رَبِهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّنْ رِجْزٍ أَلِهُ الإشارة في قوله: ﴿هَذَا هُدَّىٌ﴾، راجعة للقرآن العظيم المعبر عنه بآيات الله في قوله: ﴿يَلْكَ ءَايَتُ الَّهِ﴾. وقوله: ﴿فَأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَءَايَتِهِ﴾ ... الآية. وقوله: ﴿يَسْمَعُ ءَايَتِ اللَّهِ تُثْلَى عَلَيْهِ﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَتِنَا شَيْئًا﴾ . وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن هذا القرآن هدى، وأن من كفر بآياته له العذاب الأليم، جاء موضحاً في غير هذا الموضع. أما كون القرآن هدى، فقد ذكره تعالى في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَهُم بِكِنَبٍ فَضَّلْنَهُ عَلَى عِلٍْ هُدَى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿6﴾ [الأعراف]. وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَئِنَّا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدَى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. وقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدَّى لِلنَّاسِ وَبَيْنَتٍ مِّنَ الْهُدَى وَاَلْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ١٣٣١ سورة الجاثية: الآية (١١) - وقوله: ﴿الَّمّ ﴿ ذَلِكَ الْكِنَبُ لَا رَيْبٌ فِهِ هُدَّى لِلْمُنَّقِينَ ﴾﴾ [البقرة]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. وأما كون من كفر بالقرآن يحصل له بسبب ذلك العذاب الأليم، فقد جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ الآية [هود: ١٧]. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ ءَانَيْنَكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا ﴿ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ خَالِدِينَ فِيهِ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ اُلْقِيَّمَةِ حِملًا (٣)﴾ [طه]. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُ ١٠٠ الْقِيَامَةِ وِزْرًا جَهَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَتَّخَذُوَاْ ءَيَنِى وَرُسُلِى هُزُوًّا (٣)﴾ [الكهف]، والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة. وقد قدَّمنا في سورة فصلت، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]، وغير ذلك من المواضع أن الهدى يطلق في القرآن إطلاقاً عاماً، بمعنى أن الهدى هو البيان والإرشاد وإيضاح الحق كقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]، أي بينا لهم الحق وأوضحناه وأرشدناهم إليه وإن لم يتبعوه، وكقوله: ﴿هُدَّى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقوله هنا: ﴿هَذَا هُدَىّ﴾ وأنه يطلق أيضاً في القرآن بمعناه لِلْمُثْقِينَ﴾ ﴿ھدی ءُ الخاص وهو التفضل بالتوفيق إلى طريق الحق والاصطفاء كقوله: [البقرة: ٢]. وقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اُهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدَى﴾ [محمد: ١٧]. وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠]، إلى غير ذلك من الآيات. وقد أوضحنا في سورة فصلت، أنّ معرفة إطلاق الهدى المذكورين، يزول بها الإشكال الواقع في آيات من كتاب الله. والهدي مصدر هداه على غير قياس، وهو هنا من جنس النعت بالمصدر، وبينا فيما مضى مراراً أنّ تنزيل المصدر منزلة الوصف؛ إما على حذف مضاف، وإما على المبالغة. وعلى الأول فالمعنى: هذا القرآن ذو هدى أي يحصل بسببه الهدى لمن اتبعه كقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. وعلى الثاني فالمعنى: أن المراد المبالغة في اتصاف القرآن بالهدى حتى أطلق عليه أنه هو نفس الهدى. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾، أصح القولين فيه أن المراد بالرجز: العذاب، ولا تكرار في الآية؛ لأن العذاب أنواع متفاوتة والمعنى: لهم عذاب من جنس العذاب الأليم، والأليم معناه المؤلم؛ أي الموصوف بشدة الألم وفظاعته. والتحقيق - إن شاء الله - أن العرب تطلق الفعيل وصفاً بمعنى المفعل، فما يذكر عن الأصمعي من أنه أنكر ذلك إن صح عنه فهو غلط منه؛ لأن إطلاق الفعيل بمعنى المفعل معروف في القرآن العظيم وفي كلام العرب، ومن إطلاقه في القرآن العظيم قوله تعالى: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠]، أي مؤلم، وقوله تعالى: ﴿يَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [البقرة: ١١٧]، أي مبدعهما، وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيْرٌ لَّكُمْ﴾ الآية [سبأ: ٤٦]؛ أي منذر لكم. ١٣٣٢ سورة الجاثية: الآيات (١٢ - ١٦) ونظير ذلك من كلام العرب قول عمرو بن معد يكرب : يؤرقني وأصحابي هجوع أمن ريحانة الداعي السميع فقوله الداعي السميع؛ يعني الداعي المسمع، وقوله أيضاً: وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع أي موجع. وقول غيلان بن عقبة: ويرفع من صدور شمردلات يصك وجوهها وهج أليم أي مؤلم. وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن كثير وحفص عن عاصم: ((من رجز أليم)» بخفض ألیم على أنه نعت لرجز. وقرأه ابن كثير وحفص عن عاصم ((من رجز أليمٌ»، برفع أليم على أنه نعت لعذاب. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِىِ سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِىَ الْقُلْكُ فِيهِ بِأَفْرِهِ، وَلَِبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (13)﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ ... الآية [النحل: ١٤]، وفي سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٣]. قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهًا﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ﴾ الآية [الإسراء: ٧]، وفي غير ذلك من المواضع. قوله تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى اُلْعَلَمِينَ﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه فضل بني إسرائيل على العالمين. وذكر هذا المعنى في موضع آخر من كتابه كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَبَنِىّ [البقرة]، في الموضعين، ٤٧ إِسْرَِّيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ الَِّىّ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِي فَضَّلْتَّكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ وقوله في الدخان: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَلَمِينَ ﴾﴾ [الدخان]، وقوله في ﴾ [الأعراف]. الأعراف: ﴿قَالَ أَغَيْرَ اَللَّهِ أَبْفِيكُمْ إِلَهَا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ ولكن الله - جلّ وعلا - بيّن أنّ أمة محمد بَّه خير من بني إسرائيل وأكرم على الله، كما صرح بذلك في قوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ... الآية [آل عمران: ١١٠]، فـ((خير)) صيغة تفضيل، والآية نص صريح في أنهم خير من جميع الأمم، بني إسرائيل وغيرهم. ومما يزيد ذلك إيضاحاً حديث معاوية بن حيدة القشيري ظنه أن النبي وَّر قال ١٣٣٣ سورة الجاثية: الآية (١٨). في أمته: ((أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله)): وقد رواه عنه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم، وهو حديث مشهور. وقال ابن كثير: حسنه الترمذي، ويروى من حديث معاذ بن جبل وأبي سعيد نحوه. قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: ولا شك في صحة معنى حديث معاوية بن حيدة المذكور ه؛ لأنه يشهد له النص المعصوم المتواتر في قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقد قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةُ وَسَطًا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقوله: ﴿وَسَطًّا﴾ أي خياراً عدولاً. واعلم: أنّ ما ذكرنا من كون أمة محمد رسول أفضل من بني إسرائيل كما دلت عليه الآية والحديث المذكوران وغيرهما من الأدلة، لا يعارض الآيات المذكورات آنفاً في تفضيل بني إسرائيل؛ لأن ذلك التفضيل الوارد في بني إسرائيل ذكر فيهم حال عدم وجود أمة محمد الر. والمعدوم في حال عدمه ليس بشيء حتى يفضل أو يفضل عليه. ولكنه تعالى بعد وجود أمة محمد صل و صرح بأنها خير الأمم، وهذا واضح؛ لأن كل ما جاء في القرآن من تفضيل بني إسرائيل، إنما يراد به ذكر أحوال سابقة؛ لأنهم في وقت نزول القرآن كفروا به وكذبوا كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مَا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بَِّ فَلَعْنَةُ اَللَّهِ عَلَى الْكَفِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]. ومعلوم أن الله لم يذكر لهم في القرآن فضلاً إلا ما يراد به أنه كان في زمنهم السابق، لا في وقت نزول القرآن. ومعلوم أن أمة محمد عليه لم تكن موجودة في ذلك الزمن السابق الذي هو ظرف تفضيل بني إسرائيل، وأنها بعد وجودها، صرح الله بأنها خير الأمم، كما أوضحنا. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَتَّبِعْهَا﴾ قد قدَّمنا الآيات الموضحة في سورة الزخرف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَسْتَمْسِكْ بِالَّذِىّ أُوْجِىَ إِلَيْكٌ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾﴾ [الزخرف]. قوله تعالى: ﴿وَلَا نَتَّبِعْ أَهْوَءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، نهى الله - جلّ وعلا - نبيه ابَّ في هذه الآية الكريمة عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون. وقد قدَّمنا في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ الَّهِ ﴾ [الإسراء: ٢٢]، أنّه - جلّ وعلا - يأمر نبيه محمداً اله إِلَهًا ءَاخَرَ فَنَقْعُدَ مَذْمُومَا تَخْذُولًا وينهاه، ليشرع بذلك الأمر والنهي لأمته كقوله هنا: ﴿وَلَا نَتَّبِعْ أَهْوَءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ . ومعلوم أنه سي# لا يتبع أهواء الذين لا يعلمون، ولكن النهي المذكور فيه التشريع لأمته، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]. وقوله تعالى: ﴿فَلَ تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ﴾﴾ [القلم]، وقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ ﴾﴾ [القلم]. وقوله: ﴿وَلَا ١٣٣٤ سورة الجاثية: الآية (١٩) تَّجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ [الإسراء: ٣٩]. وقوله: ﴿لَيْنْ أَشْرَّكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، والآيات بمثل ذلك كثيرة. وقد بيّنا الأدلة القرآنية على أنّه وَ ﴿ يخاطب، والمراد به التشريع لأمته في آية بني إسرائيل المذكورة. .. وما تضمنته آية الجاثية هذه، من النهي عن اتباع أهوائهم جاء موضحاً في آيات كثيرة، كقوله تعالى في الشورى: ﴿وَلَا نَِّعْ أَهْوَآءَهُمْ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ مِنْ كِتَبِّ﴾ [الشورى: ١٥]. وقوله تعالى في الأنعام: ﴿فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمَّ وَلَا تَنَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَتِنَا وَاُلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُم بِرَّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٠]. وقوله تعالى في القصص: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَأَعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّعُونَ أَهْوَآءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ أَتََّعَ هَوَئِهُ بِغَيْرِ هُدَّى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾﴾ [القصص]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. وقد بين تعالى في ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾﴾؛ أنّ الحق لو اتبع أهواءهم لفسد العالم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِبَ﴾ [المؤمنون: ٧١]. والأهواء: جمع هوى بفتحتين وأصله مصدر، والهمزة فيه مبدلة من ياء كما هو معلوم . قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّلِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ﴾. قد قدَّمنا في هذا الكتاب المبارك مراراً أنّ الظلم في لغة العرب أصله وضع الشيء في غير موضعه، وأن أعظم أنواعه الشرك بالله؛ لأن وضع العبادة في غير من خلق ورزق؛ هو أشنع أنواع وضع الشيء في غير موضعه. ولذا كثر في القرآن العظيم، إطلاق الظلم بمعنى الشرك، كقوله تعالى: ﴿وَاُلْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنَفَعُكَ وَلَا يَضُرُكٌ فَإِنَ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَّا مِّنَ الَّالِمِينَ ﴾﴾ [يونس]. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِى أَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان]. وقوله تعالى عن لقمان: ﴿يَبُنَىَّ لَا تُشْرِْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. وقد ثبت في صحيح البخاري أنّ النبي ◌َّ فسر قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، ((بأن معناه ولم يلبسوا إيمانهم بشرك)). وما تضمنته آية الجاثية هذه من أن الظالمين بعضهم أولياء بعض جاء مذكوراً في غير هذا الموضع كقوله تعالى في آخر الأنفال: ﴿ وَلَِّنَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (®﴾ [الأنفال]. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَِّ [الأنعام]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضَ اُلَّلِينَ بَعْضًَا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ١٣٣٥ سورة الجاثية: الآية (٢٠) . أَوْلِيَآؤُهُمُ الَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمُ أَنَّخَذُواْ الشَّيَطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [الأعراف: ٣٠]. وقوله تعالى: ﴿فَقَئِلُواْ أَوْلِيَآءَ الشَّيْطَانِ﴾ ... الآية [النساء: ٧٦]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُحَوِّفُ أَوْلِيَاءٌَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، وقوله: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ الآية [النمل: ١٠٠]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُنَّفِينَ﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنّه ولي المتقين، وهم الذين يمتثلون أمره ويجتنبون نهيه. وذكر في موضع آخر أنّ المتقين أولياؤه؛ فهو وليهم وهم أولياؤه؛ لأنهم يوالونه بالطاعة والإيمان، وهو يواليهم بالرحمة والجزاء، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَّ إِنّ ﴾ [يونس]. أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( (13)﴾ [يونس]، ثم بين المراد بأوليائه في قوله: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ فقوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾؛ كقوله في آية الجاثية هذه ﴿وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُنَّفِينَ﴾. وقد بيّن تعالى في آيات من كتابه أنّه ولي المؤمنين، وأنهم أولياؤه كقوله تعالى: ﴿إِنََّا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ﴾ ... الآية [المائدة: ٥٥]. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهُ مَوْلَى الَّذِينَ ءَمَنُواْ﴾ ... الآية [محمد: ١١]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِقِىَ اَللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِنَبِّ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّلِينَ (٣٦)﴾ [الأعراف]. وقوله تعالى في الملائكة: ﴿قَالُواْ سُبْحَكَ أَنْتَ وَلِتُنَا مِن دُونِهِمْ﴾ الآية [سبأ: ٤١]. إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه بأبسط من هذا. قوله تعالى: ﴿هَذَا بَصَِّرُ لِلنَّاسِ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾﴾. الإشارة في قوله: ﴿هَذَا﴾ للقرآن العظيم. والبصائر جمع بصيرة؛ والمراد بها البرهان القاطع الذي لا يترك في الحق لبساً كقوله تعالى: ﴿قُلّ هَذِهِ، سَبِيلِيّ أَدْعُواْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨]، أي على علم ودليل واضح. والمعنى: أن هذا القرآن براهين قاطعة، وأدلة ساطعة، على أنّ الله هو المعبود وحده، وأنّ ما جاء به محمد ێ حق. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن القرآن بصائر للناس جاء موضحاً في مواضع أخر من كتاب الله كقوله تعالى في أخريات الأعراف: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَبِعُ مَا يُوحَىّ إِلَّ مِن زَبِّ هَذَا بَصَابِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣]، وقوله تعالى في الأنعام: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَابِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِةِ، وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَأْ وَمَآ أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٣)﴾ [الأنعام]. وما تضمنته آية الجاثية من أن القرآن بصائر وهدى ورحمة، ذكر تعالى مثله في سورة القصص عن كتاب موسى الذي هو التوراة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَابِرَ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ 35) ﴾ [القصص]. ١٣٣٦ سورة الجاثية: الآيات (٢١ - ٢٤) وما تضمنته آية الجاثية هذه من كون القرآن هدى ورحمة جاء موضحاً في غير هذا الموضع، أما كونه هدى فقد ذكرنا الآيات الموضحة له قريباً. وأما كونه رحمة فقد ذكرنا الآيات الموضحة له في الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَآ ءَانَيْنَهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾ [الكهف: ٦٥]، وفي أولها في الكلام على قوله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ﴾ [الكهف: ١]. وفي فاطر في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَّا يَفْتَحِ اَللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢]. وفي الزخرف في الكلام على قوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ ... الآية [الزخرف: ٣٢]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي لأنهم هم المنتفعون به . وفي هذه الآية الكريمة سؤال عربي معروف. وهو أن المبتدأ الذي هو قوله: ﴿هَذَا﴾ اسم إشارة إلى مذكر مفرد، والخبر الذي هو ((بصائر)) جمع مکسر مؤنث. فيقال: كيف يسند الجمع المؤنث المكسر إلى المفرد المذكر؟. والجواب أن مجموع القرآن كتاب واحد، تصح الإشارة إليه بهذا، وهذا الكتاب الواحد يشتمل على براهين كثيرة، فصح إسناد البصائر إليه لاشتماله عليها كما لا يخفى. قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَن ◌َّجْعَلَهُمْ كَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾. قد قدَّمنا الكلام عليه في سورة (ص)، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَمْ تَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِى الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَارِ ﴾﴾ [ص]. قوله تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ أَخَذَ إِلَهَمُ هَوَنَّهُ﴾. قد أوضحنا معناه في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَيْتَ مَنِ أَخَذَ إِلَهَهُ, هَوَنَهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ٤٣ [الفرقان]. قوله تعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ، غِشَةَ﴾. قد أوضحنا معناه في سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَّةٌ﴾ [البقرة: ٧]. قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلَّا حَيَانُنَ الدُّنْيَا نَمُوتُ وَغَخْيَا﴾ ما تضمنته هذه الآية الكريمة من إنكار الكفار للبعث بعد الموت، جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى عنهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ [الدخان]. وقوله: ﴿أَيَعِدُّكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ وَكُمْتُمْ تُرَبًا وَعِظَمًا أَنَّكُمْ تُخْرَجُونَ ٣٥١ هَيْهَاتَ هَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ﴿ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الذُّنْيَا نَمُوتُ وَفَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴾ [المؤمنون]. وقوله تعالى عنهم: ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَّكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾﴾ [ق]. وقوله تعالى عنهم: ﴿أَوِّنَّا لَمَرْدُودُونَ فِ الْحَافِرَةِ ﴿ أَءِذَا كُنَّا عِظَمَا تَخِرَةٌ ﴿ قَالُواْ تِلْكَ إِذَا كَرَّةً خَاسِرَةٌ ﴾﴾ [النازعات]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَن يُخِي الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. ١٣٣٧ سورة الجاثية: الآيات (٢٧ - ٣٦) - وقد قدَّمنا البراهين القاطعة القرآنية، على تكذيبهم في إنكارهم البعث، وبينا دلالتها على أنّ البعث واقع لا محالة، في سورة البقرة، وسورة النحل، وسورة الحج، وأول سورة الجاثية هذه، وأحلنا على ذلك مراراً. وبيّنا في سورة الفرقان، الآيات الموضحة أنّ إنكار البعث كفر بالله، والآيات التي فيها وعيد منكري البعث بالنار في الكلام على قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا ﴾﴾ [الفرقان]. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَّقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾، قد قدَّمنا الكلام عليه في سورة المؤمن، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اَللَّهِ قُضِىَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ اٌلْمُبْطِلُونَ﴾ [غافر: ٧٨]. قوله تعالى: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىَ إِلَى كِنَبِهَا﴾. قد قدَّمنا إيضاحه في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَبُ فَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ [الكهف: ٤٩]. قوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَبُنَا يَنَطِقُ عَلَيْكُمْ بِآلْحَقُّ إِنَّا كُنَا نَسْتَنِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٢٩٦ قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم، في الكلام على قوله تعالى: ﴿كَلَّأَ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَذَّا (﴾﴾ [مريم]، وفي غير ذلك من المواضع. قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَّوْمَ نَسَنَّكُمْ كَّا نَسِتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾، قد قِدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة طه، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾﴾ [طه]. قوله تعالى: ﴿فَلْيَّوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْنَعْنَبُونَ﴾، قد أوضحنا معنى قوله: ﴿يُسْتَعْنَبُونَ﴾ في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلّ أُمَّةٍ ٨)﴾ [النحل]. شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَثُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَ هُمْ يُسْتَعْنَبُنَ وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَلْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾، قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الزخرف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبِّكِّ قَالَ إِنَّكُم مََّكِنُونَ W﴾ [الزخرف]. قوله تعالى: ﴿فَلَّهِ اٌلْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ١٣٦ ١٠٠٠٠ أتبع الله - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة، حمده - جلّ وعلا - بوصفه بأنه رب السماوات والأرض ورب العالمين، وفي ذلك دلالة على أن رب السماوات والأرض، ورب العالمين مستحق لكل حمد ولكل ثناء جميل. وما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ(٣)﴾ [الفاتحة]. وقوله تعالى في آخر الزمر: ﴿وَقُضِىَ ١٣٣٨ سورة الأحقاف: الآيات (١ - ٣) بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥]. وقوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ اٌلْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ [الأنعام]. وقوله تعالى في أول الأنعام: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ اُلَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ اُلُّلُمَتِ وَالنُّورِ﴾ [الأنعام: ١]. وقوله تعالى في أول سبأ: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِ آَخِرَةُّ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَيْرُ @ [سبأ]، وقوله في أول فاطر: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ ... الآية [فاطر: ١]. قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبِيَاءُ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (﴾﴾، ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن له الكبرياء في السماوات والأرض، يعني أنه المختص بالعظمة، والكمال والجلال والسلطان، في السماوات والأرض؛ لأنه هو معبود أهل السماوات والأرض، الذي يلزمهم تكبيره وتعظيمه، وتمجيده، والخضوع والذل له. وما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء مبيناً في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى فِى السَمَاءِ إِلَهٌ وَفِ الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴿ وَتَبَارَكَ اُلَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الزخرف: ٨٤، ٨٥]. فقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى فِىِ السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِ الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، معناه أنّه هو وحده الذي يعظم ويعبد في السماوات والأرض ويكبر ويخضع له ويذل. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ اُلْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧]. فقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ اُلْأَعْلَى فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾، معناه أنّ له الوصف الأكمل، الذي هو أعظم الأوصاف، وأكملها وأجلها في السماوات والأرض. وفي حديث أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي وَله: ((أنّ الله يقول: العظمة إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني في واحد منهما أسكنته ناري)). براسه الرحمن الرحيم سورة الأحقاف قوله تعالى: ﴿حَمّ ﴾ تَزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اَللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ٢ قد قدَّمنا الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة هود، وقدَّمنا الكلام على قوله: ﴿تَزِيلُ الْكِنَبِ مِنَ اَللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾﴾ في أول سورة الزمر. قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَنَّى﴾، صيغة الجمع في قوله: ((خلقنا)) للتعظيم، وقوله: ((إلا بالحق)) أي إلا خلقاً متلبساً بالحق. والحق ضد الباطل، ومعنى كون خلقه السماوات والأرض متلبساً بالحق أنه ١٣٣٩ سورة الأحقاف: الآيات (١ - ٣) - خلقهما لحكم باهرة، ولم يخلقهما باطلاً، ولا عبثاً، ولا لعباً، فمن الحق الذي كان خلقهما متلبساً به، إقامة البرهان، على أنه هو الواحد المعبود وحده - جل وعلا -، كما أوضح ذلك في آيات كثيرة لا تكاد تحصیها في المصحف الکریم: كقوله تعالى في البقرة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (َ﴾. ثم أقام البرهان على أنه هو الإله الواحد بقوله بعده: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَاَلْفُلْكِ الَّتِى تَجْرِى فِى الْبَعْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنَزَلَ اَللَّهُ مِنَ الشَمَآءِ مِن مَآءٍ فَأَعْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ ﴾ [البقرة]. المسَمَآءِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فتلبس خلقه السماوات والأرض بالحق واضح جداً من قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ الشَمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ بعد قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِلٌ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾؛ لأن إقامة البرهان القاطع على صحة معنى لا إله إلا الله هو أعظم الحق. وكقوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءُ وَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (®﴾ [البقرة]؛ لأنّ قوله: ﴿أَعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾ فيه معنى الإثبات من لا إله إلا الله، وقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، يتضمن معنى النفي منها على أكمل وجه وأتمه. وقد أقام الله - جلّ وعلا - البرهان القاطع، على صحة معنى لا إله إلا الله، نفياً وإثباتاً، بخلقه السماوات والأرض، وما بينهما في قوله: ﴿اَلَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءَ﴾ ... الآية. وبذلك تعلم أنّه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا خلقاً متلبساً بأعظم الحق، الذي هو إقامة البرهان القاطع، على توحيده - جلّ وعلا -. ومن كثرة الآيات القرآنية الدالة على إقامة هذا البرهان القاطع المذكور، على توحيده - جلّ وعلا -، علم من استقراء القرآن، أنّ العلامة الفارقة بين من يستحق العبادة، وبين من لا يستحقها، هي كونه خالقاً لغيره، فمن كان خالقاً لغيره، فهو المعبود بحق، ومن كان لا يقدر على خلق شيء، فهو مخلوق محتاج، لا يصح أن يعبد بحال. فالآيات الدالة على ذلك كثيرة جداً كقوله تعالى في آية البقرة المذكورة آنفاً: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ... الآية. فقوله: ﴿الَّذِىِ خَلَقَكُمْ﴾، يدل على أن المعبود هو الخالق وحده، وقوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَةَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمَّ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ ... الآية [الرعد: ١٦]؛ يعني وخالق كل شيء هو المعبود وجده. وقد أوضح تعالى هذا في سورة النحل؛ لأنه تعالى لما ذكر فيها البراهين القاطعة ١٣٤٠ سورة الأحقاف: الآيات (١ - ٣) على توحيده - جلّ وعلا -، في قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقُّ تَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾﴾، إلى قوله: ﴿وَعَلَمَتَّ وَبِلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (®)﴾، أتبع ذلك بقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [النحل]. وذلك واضح جداً في أن من يخلق غيره هو المعبود وأن من لا يخلق شيئاً لا يصح أن يعبد. ولهذا قال تعالى بعده قريباً منه: ﴿وَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (®﴾ [النحل]. وقال تعالى في الأعراف: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٣٦)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى في الحج: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَأُسْتَمِعُوْ لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَّ﴾ [الحج: ٧٣]؛ أي ومن لا يقدر أن يخلق شيئاً لا يصح أن يكون معبوداً بحال. وقال تعالى: ﴿مَّحِ اسْمَ رَبِكَ الْأَعْلَىِ ﴿ الَّذِ خَلَقَ فَسَوَّى (٤) ... الآية [الأعلى]. ولما بيّن تعالى في أول سورة الفرقان، صفات من يستحق أن يعبد، ومن لا يستحق ذلك، قال في صفات من يستحق العبادة: ﴿الَّذِىِ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَّْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَُّ شَرِكُ فِى الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ نَقْدِيرًا ﴾﴾ [الفرقان]. وقال في صفات من لا يصح أن يعبد: ﴿ وَأَتَّخَذُواْ مِن دُونِ ءَالِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ... الآية [الفرقان: ٣]. والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً وكل تلك الآيات تدل دلالة واضحة على أنه تعالى ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا خلقاً متلبساً بالحق. وقد بين - جلّ وعلا - أنّ من الحق الذي خلق السماوات والأرض وبينهما خلقاً متلبساً به، تعليمه خلقه أنه تعالى على كل شيء قدير، وأنه قد أحاط بكل شيء علماً، وذلك في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَقَ سَبْعَ سَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَغَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِنَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًّا (١)﴾ [الطلاق]. فلام التعليل في قوله: ﴿لِتَعْلَمُواْ﴾، متعلقة بقوله: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ﴾ ... الآية [الطلاق: ١٢]، وبه تعلم أنه ما خلق السماوات السبع، والأرضين السبع، وجعل الأمر يتنزل بينهن، إلا خلقاً متلبساً بالحق. ومن الحق الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما خلقاً متلبساً به، هو تكليف الخلق، وابتلاؤهم أيهم أحسن عملاً، ثم جزاؤهم على أعمالهم، كما قال تعالى في أول سورة هود: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةٍ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]. فلام التعليل في قوله: ﴿لِيَبْلُوَّكُمْ﴾، متعلقة بقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾، وبه تعلم أنه ما خلقهما إلا خلقاً متلبساً بالحق.