النص المفهرس

صفحات 1281-1300

١,٢٨١
سورة الزخرف: الآية (١٥)
والأنعام، والمجعول له في آية الزخرف هذه، جزء من عباده لا مما ذرأ من الحرث
والأنعام. وبین الأمرین فرق واضح كما ترى.
وأنّ قول قتادة ومن وافقه: إن المراد بالجزء العدل والنظير الذي هو الشريك غير
صواب أيضاً؛ لأنّ إطلاق الجزء على النظير ليس بمعروف في كلام العرب.
أما كون المراد بالجزء في الآية الولد، وكون المراد بالولد خصوص الإناث،
فهذا هو التحقيق في الآية. وإطلاق الجزء على الولد يوجه بأمرين:
أحدهما: ما ذكره بعض علماء العربية من أن العرب تطلق الجزء مراداً به البنات،
ويقولون: أجزأت المرأة إذا ولدت البنات، وامرأة مجزئة أي تلد البنات، قالوا: ومنه
قول الشاعر:
قد تجزئ الحرة المذكار أحيانا
إنّ ما أجزأت حرة يوماً فلا عجب
وقول الآخر:
زوجتها من بنات الأوس مجزئة للعوسج اللذة في أبياتها زجل
وأنكر الزمخشري هذه اللغة قائلاً إنها كذب وافتراء على العرب.
قال في الكشاف في الكلام على هذه الآية الكريمة: ومن بدع التفاسير، تفسير
الجزء بالإناث وادعاء أن الجزء في لغة العرب اسم للإناث، وما هو إلا كذب على
العرب ووضع مستحدث منحول ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه أجزأت المرأة ثم
صنعوا بيتاً وبيتاً.
إنّ ما أجزأت حرة يوماً فلا عجب
زوجتها من بنات الأوس مجزئة
وقال ابن منظور في اللسان: وفي التنزيل العزيز: ﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ، جُزْءًا﴾ .
قال أبو إسحاق: يعني به الذين جعلوا الملائكة بنات الله تعالى وتقدس عما افتروا،
قال: وقد أنشدت بيتاً يدل على أن معنى جزءاً معنى الإناث قال: ولا أدري البيت هو
قديم أم مصنوع؟
إن أجزأت حرة يوماً فلا عجب
والمعنى في قوله: ﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ، جُزْءًا﴾؛ أي جعلوا نصيب الله من الولد
الإناث، قال: ولم أجده في شعر قديم ولا رواه عن العرب الثقات، وأجزأت المرأة:
ولدت الإناث، وأنشد أبو حنيفة:
زوجتها من بنات الأوس مجزئة
انتهى الغرض من كلام صاحب اللسان، وظاهر كلامه هذا الذي نقله عن الزجاج
أن قولهم: أجزأت المرأة؛ إذا ولدت الإناث معروف؛ ولذا ذكره وذكر البيت الذي
أنشده له أبو حنيفة كالمسلم له.

١٢٨٢
سورة الزخرف: الآية (١٦)
والوجه الثاني: وهو التحقيق - إن شاء الله -؛ أن المراد بالجزء في الآية الولد،
وأنه أطلق عليه اسم الجزء؛ لأن الفرع كأنه جزء من أصله، والولد كأنه بضعة من الوالد
كما لا يخفى.
وأما كون المراد بالولد المعبر عنه بالجزء في الآية خصوص الإناث فقرينة السياق
دالة عليه دلالة واضحة؛ لأن جعل الجزء المذكور الله من عباده هو بعينه الذي أنكره الله
إنكاراً شديداً وقرع مرتكبه تقريعاً شديداً في قوله تعالى بعده ﴿أَمِ أَتَّخَذَ مِمَا يَخْلُقُ بَنَاتٍ
وَأَصْفَنَكُمْ بِالْبَنِينَ ﴿﴿ وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلَا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًا﴾. إلى
قوله: ﴿وَهُوَ فِ الْخِصَامِ غَيْرٌ مُبِينٍ﴾.
وقرأ هذا الحرف شعبة عن عاصم: ﴿جُزْءًا﴾ بضم الزاي وباقي السبعة بإسكانها
وحمزة عند الوقف يسقط الهمزة، بنقل حركتها إلى الزاي مع حذف التنوين للوقف.
قوله تعالى: ﴿أَمِ أَّخَذَ مِقَا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَنَكُمْ بِلْبَنِينَ ﴾﴾. ((أم)) هنا بمعنى
استفهام الإنكار، فالكفار لما قالوا: الملائكة بنات الله، أنكر الله عليهم أشد الإنكار،
موبخاً لهم أشد التوبيخ، حيث افتروا عليه الولد، ثم جعلوا له أنقص الولدين وأحقرهما
وهو الأنثى، كما قال هنا: ﴿أَمِ أَتَّخَذَ مِمَا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾؛ وهي النصيب الأدنى من الأولاد،
وأصفاكم أنتم، أي خصكم وآثركم بالبنين الذين هم النصيب الأعلى من الأولاد.
وإنكار هذا عليهم وتوبيخهم عليه جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله هنا: ﴿وَإِذَا
بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾؛ يعني الأنثى، كما أوضحه بقوله: ﴿وَإِذَا بُثِّرَ أَحَدُهُم
بِالْأُنْثَ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾﴾ [النحل]، يعني: فكيف تجعلون لله الإناث وأنتم لو
بشر الواحد منكم بأن امرأته ولدت أنثى لظل وجهه مسوداً؛ يعني من الكآبة وهو كظيم؛
أي ممتلئ حزناً وغماً، وكقوله تعالى هنا: ﴿أَوَمَن يُنَشَؤُّأْ فِى الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِىِ الْخِصَامِ غَيْرُ
مُبِينٍ (6))؛ ففيه إنكار شديد وتقريع عظيم لهم بأنهم مع افترائهم عليه - جلّ وعلا -
الولد جعلوا له أنقص الولدين الذي لنقصه الخلقي، ينشأ في الحلية من الحلي والحلل
وأنواع الزينة، من صغره إلى كبره ليجبر بتلك الزينة نقصه الخلقي الطبيعي، وهو في
الخصام غير مبين؛ لأن الأنثى غالباً لا تقدر على القيام بحجتها ولا الدفاع عن نفسها.
وقد أوضحنا هذا المعنى بشواهده العربية غاية الإيضاح في سورة بني إسرائيل،
في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. وكقوله
[النحل]. وقوله تعالى:
تعالى: ﴿وَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَتِ سُبْحَنَهُ, وَلَهُم ◌َا يَشْتَهُونَ
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢]. وقوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَكُمْ رَبُّكُمْ بِلْبَيِنَ وَأَّخَذَ مِنَ
الْمَلَئِكَةِ إِنَّأَ إِنَّكُمْ لَنَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا ﴾﴾ [الإسراء]. وقوله تعالى ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنَ
◌ِلْكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيرَةٌ (٣)﴾ [النجم]. وقوله تعالى: ﴿فَأَسْتَفْتِهِمْ أَلِكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ
اَلْبَنُونَ ﴿ أَمْ خَلَقْنَا الْمَتَبِكَةَ إِنَنًا وَهُمْ شَهِدُونَ ﴿ أَلَّ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونٌَ
١٥٧
?

١٢٨٣
سورة الزخرف : الآية (١٩)
لَفَلَا نَذَّكَُّونَ
١٥٤)
أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ ﴿َ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَّحُْونَ
١٥٢٠
وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ
(١٥٧)﴾ [الصافات].
فَأَتُواْ بِكِنَبِكُمْ إِن كُمْ صَدِقِينَ
أَمْ لَكُرْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ لـ
١٥٥
وقد قدَّمنا كثيراً من الآيات الموضحة لهذا المعنى في سورة النحل، في الكلام
على قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ أَلْبَتِ سُبْحَنَهُ وَلَهُم ◌َا يَشْتَهُونَ (9﴾﴾ [النحل].
ووجه التعبير عن الأنثى بما ضرب مثلا لله في قوله: ﴿وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ
لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ ... الآية، ظاهر؛ لأن البنات المزعومة يلزم ادعاءها أن تكون من جنس
من نسبت إليه؛ لأن الوالد والولد من جنس واحد، وكلاهما يشبه الآخر في صفاته.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ الْمَلَتَبِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَّأْ أَشَهِدُواْ خَلْفَهُمَّ سَتُكْنَبُ
شَهَدَُهُمْ وَيُسْلُونَ (٣)﴾. قرأ هذا الحرف نافع وابن كثير وابن عامر: ﴿عِندَ الرَّحْمَنِ﴾؛ بسكون
النون وفتح الدال ظرف كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾؛ [الأعراف: ٢٠٦]،
وقرأه أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي ﴿الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ﴾ بكسر العين وباء موحدة
بعدها ألف وضم الدال جمع عبد كقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٣].
وقوله: ﴿أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ﴾؛ قرأه عامة السبعة غير نافع ((أشهدوا)) بهمزة واحدة مع
فتح الشين، وقرأه نافع ((أأشهد)): بهمزتين الأولى مفتوحة محققة، والثانية مضمومة
مسهلة بين بين، وقالون: يجعل بين الهمزتين ألف الإدخال على إحدى الروايتين.
وقد ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أربع مسائل:
الأولى: أن الكفار افتروا على الملائكة أنهم إناث، زاعمين أنهم بنات الله.
الثانية: أنه وبخهم على ذلك توبيخاً شديداً وأنكر عليهم ذلك في قوله: ﴿أَشَهِدُواْ
خَلْقَهُمْ﴾ يعني هل حضروا خلق الله لهم فعاينوهم إناثاً .
الثالثة: أن شهادتهم الكاذبة بذلك ستكتب عليهم.
الرابعة: أنهم يسألون عنها يوم القيامة.
وهذه المسائل الأربع التي تضمنتها هذه الآية الكريمة، جاءت موضحة في غير
هذا الموضع.
أما الأولى منها وهي كونهم اعتقدوا الملائكة إناثاً، فقد ذكرها تعالى في مواضع
من كتابه كقوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَكُمْ رَبُّكُمْ بِلْبَنِينَ وَّخَذَ مِنَ الْمَئِكَةِ إِنَّأَ إِنَّكُمْ لَنَقُولُونَ قَوْلًا
عَظِيمًا (٣)﴾ [الإسراء]. وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَقُّونَ الْمَتِكَةَ تَسْمِيَةَ آلْأُنَى
(٣)﴾ ... الآية [النجم]، وقوله تعالى: ﴿فَأَسْتَفْتِهِمْ أَلِرَتِكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (19) أَمْ
خَلَقْنَا الْمَكَتَبِكَةَ إِنَانًا﴾ ... الآية [الصافات: ١٤٩، ١٥٠]، إلى غير ذلك من الآيات.
وأما المسألة الثانية، وهي سؤاله تعالى لهم على وجه الإنكار والتوبيخ والتقريع هل
شهدوا خلق الملائكة وحضروه، حتى علموا أنهم خلقوا إناثاً، فقد ذكرها في قوله تعالى:

١٢٨٤
سورة الزخرف: الآية (٢٠)
﴾ [الصافات]؛ وبيّن تعالى أنّه لم يشهد الكفار
﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَبِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَهِدُونَ
خلق شيء في قوله: ﴿قَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١].
وأما المسألة الثالثة التي هي كون شهادتهم بذلك الكفر ستكتب عليهم، فقد ذكرها
تعالى في مواضع من كتابه كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ ﴿ كِرَامًا كَنِينَ ﴿ يَعْلَمُونَ مَا
تَفْعَلُونَ
[الانفطار]، وقوله تعالى: ﴿هَذَا كِثَبُنَا يَنَطِقُ عَلَيْكُمْ بِلْحَقّ إِنَّا كُنَا نَسْتَنِخُ مَا كُمْ
تَعْمَلُونَ
[الجاثية]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَجْوَنُهُمَّ بَلَى وَرُسُلْنَا لَدَيْهِمْ
(٢٩)
﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رُسُلَا يَكْثُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ [يونس: ٢١] وقوله تعالى:
يَكْتُبُونَ
﴿وَكُلَّ إِنَنِ أَلْزَمْنَهُ طَيْرَهُ فِ عُنُقَةٍ، وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَةِ كِتَبًا يَلْقَتُهُ مَنْشُورًا (٣ آقْرَأْ كِتَبَكَ﴾
[الإسراء: ١٣، ١٤]. وقوله تعالى: ﴿سَنَكْنُبُ مَا يَقُولُ وَنَهُ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَذَا﴾ [مريم: ٧٩].
وأما المسألة الرابعة وهي كونهم يسألون عن ذلك الافتراء والكفر، فقد ذكرها
تعالى في آيات من كتابه كقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْيُنَ أَنْقَهُمْ وَأَنْقَالًا مَعَ أَنْقَالِمٌّ وَلَيُسْتَلُنَّ يَوْمَ
﴾ [العنكبوت]، وقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْثَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
اَلْفِيمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
٩
عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣)﴾ [الحجر]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ وَسَوْفَ
تُشَْلُونَ (®﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْتَهُمُ ثَلَّهِ لَتُكَّلُنَّ عَمَّا كُتُمْ
تَفْتَرُونَ
(63)﴾ [النحل] إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوْ لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمَّ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا
يَخْرُصُونَ
في هذه الآية الكريمة إشكال معروف، ووجهه أن قول الكفار الذي ذكره الله
عنهم هنا، أعني قوله تعالى: ﴿وَقَالُوْ لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمْ﴾، وهو بالنظر إلى ظاهره
كلام صحيح؛ لأن الله لو شاء أن لا يعبدوهم ما عبدوهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ
اللَّهُ مَّآ أَشْرَكُواْ﴾ [الأنعام: ١٠٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى اَلْهُدَىَّ فَلَا تَكُونَنَّ
مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَنَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَنهَا﴾ [السجدة:
١٣]. وقال تعالى: ﴿فَلَوْ شَآءَ لَهَدَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ
رَبُّكَ لَمَنَ مَن فِ اَلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعَاْ أَفَنَتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾ [يونس].
وهذا الإشكال المذكور في آية الزخرف هو بعينه واقع في آية الأنعام، وآية النحل.
وأما آية الأنعام فهي قوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا
وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَخْرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨].
وأما في آية النحل، فهي قوله: ﴿وَقَالَ الَِّينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ،
مِن شَىْءٍ فَّحْنُ وَلَآ ءَابَاؤُنَا﴾ ... الآية [النحل: ٣٥].
فإذا عرفت أنّ ظاهر آية الزخرف وآية الأنعام، وآية النحل أنّ ما قاله الكفار حق،
وأن الله لو شاء ما عبدوا من دونه من شيء ولا أشركوا به شيئاً، كما ذكرنا في الآيات
الموضحة قريباً .

١٢٨٥
سورة الزخرف: الآية (٢٠) -
فاعلم أن وجه الإشكال أن الله صرح بكذبهم في هذه الدعوى التي ظاهرها حق،
قال في آية الزخرف: ﴿َّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْيٌ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾؛ أي يكذبون، وقال
في آية الأنعام: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَّأْ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ
عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَّا إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّ الظَّلِنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَّخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقال في آية
النحل: ﴿ كَذَلِكَ فَعَلَ اَلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥].
ومعلوم أنّ الذي فعله الذين من قبلهم، هو الكفر بالله والكذب على الله، في
جعل الشركاء له وأنه حرم ما لم يحرمه.
والجواب عن هذا أن مراد الكفار بقولهم: ﴿لَوَ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمْ﴾؛ وقوله:
﴿لَوْ شَآءَ اَللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، مرادهم به أنّ الله لما كان قادراً على منعهم
من الشرك، وهدايتهم إلى الإيمان ولم يمنعهم من الشرك. دل ذلك على أنه راض منهم
بالشرك في زعمهم.
قالوا: لأنه لو لم يكن راضياً به، لصرفنا عنه، فتكذيب الله لهم في الآيات
المذكورة منصب على دعواهم أنه راض به، والله - جلّ وعلا - يكذب هذه الدعوى في
الآيات المذكورة وفي قوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧].
فالكفار زعموا أن الإرادة الكونية القدرية، تستلزم الرضا وهو زعم باطل، وهو
الذي كذبهم الله فيه في الآيات المذكورة.
وقد أشار تعالى إلى هذه الآيات المذكورة، حيث قال في آية الزخرف: ﴿أَمْ ءَانِيَهُمْ
كِتَبًا مِن قَبْلِهِ، فَهُم بِهِ، مُسْتَمْسِكُونَ ﴾﴾؛ أي آتيناهم كتاباً يدل على أنا راضون منهم
بذلك الكفر، ثم أضرب عن هذا إضراب إبطال مبيناً أن مستندهم في تلك الدعوى
الكاذبة هو تقليد آبائهم التقليد الأعمى، وذلك في قوله: ﴿بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَاءَابَآءَنَا عَلَى
أُنَّةٍ﴾ أي شريعة وملة وهي الكفر وعبادة الأوثان ﴿وَإِنَّا عَلَىّ ءَاثَرِهِم ◌ُهْتَدُونَ﴾ .
فقوله عنهم مهتدون هو مصب التكذيب؛ لأن الله إنما يرضى بالاهتداء لا بالضلال.
فالاهتداء المزعوم أساسه تقليد الآباء الأعمى، وسيأتي إيضاح رده عليهم قريباً
- إن شاء الله -.
وقال تعالى في آية النحل، بعد ذكره دعواهم المذكورة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُنَّةٍ
زَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الَّاغُوتَ فَمِنْهُم ◌َنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ
الضَّلَلَةُ﴾ [النحل: ٣٦].
فأوضح في هذه الآية الكريمة أنه لم يكن راضياً بكفرهم، وأنه بعث في كل أمة
رسولاً، وأمرهم على لسانه أن يعبدوا الله وحده ويجتنبوا الطاغوت، أي يتباعدوا عن
عبادة كل معبود سواه.
وأن الله هدى بعضهم إلى عبادته وحده، وأن بعضهم حقت عليه الضلالة؛ أي
ثبت عليه الكفر والشقاء.

١٢٨٦
سورة الزخرف: الآية (٢١)
وقال تعالى في آية الأنعام: ﴿قُلْ فَلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَلِغَةُ فَوْ شَآءَ لَهَدَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ
[الأنعام]، فملكه تعالى وحده للتوفيق والهداية، هو الحجة البالغة على خلقه، يعني فمن
هديناه وتفضلنا عليه بالتوفيق، فهو فضل منا ورحمة. ومن لم نفعل له ذلك فهو عدل
منا وحكمة؛ لأنه لم يكن له ذلك ديناً علينا ولا واجباً مستحقاً يستحقه علينا، بل إن
أعطينا ذلك ففضل، وإن لم نعطه فعدل.
وحاصل هذا أن الله تبارك وتعالى قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق الخلق، وعلم أن قوماً
صائرون إلى الشقاء وقوماً صائرون إلى السعادة ﴿فَرِيقٌ فِ الْجَنَّةِ وَفَرِقٌ فِ السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧].
وأقام الحجة على الجميع ببعث الرسل وتأييدهم بالمعجزات التي لا تترك في
الحق لبساً، فقامت عليهم حجة الله في أرضه بذلك.
ثم إنه تعالى وفق من شاء توفيقه، ولم يوفق من سبق لهم في علمه الشقاء
الأزلي، وخلق لكل واحد منهم قدرة وإرادة يقدر بها على تحصيل الخير والشر،
وصرف قدرهم وإرادتهم بقدرته وإرادته إلى ما سبق لهم في علمه، من أعمال الخير
المستوجبة للسعادة وأعمال الشر المستوجبة للشقاء، فأتوا كل ما أتوا وفعلوا كل ما
فعلوا، طائعين مختارين، غير مجبورين، ولا مقهورين ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّا أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾
[الإنسان: ٣٠]، ﴿قُلْ فَلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَلِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٣٦)﴾ [الأنعام].
وقد رد الشيخ مذهب الجبرية عند هذه الآية فليرجع من أراد الوقوف عليه للأصل.
((أم)) هنا تتضمن
قوله تعالى: ﴿أَمَّ ءَانَيْنَهُمْ كِتَبًا مِّن قَبْلِهِ، فَهُم بِهِ، مُسْتَمْسِكُونَ
معنى استفهام الإنكار؛ يعني - جلّ وعلا - أنّ هذا الذي يزعم الكفار مِن أَنَّهُمْ على حق
في عبادتهم الأوثان، وجعلهم الملائكة بنات الله، لا دليل لهم عليه، ولذا أنكر أن
يكون آتاهم كتاباً يحل فيه ذلك وأن يكونوا مستمسكين في ذلك بكتاب من الله، فأنكر
عليهم هذا هنا إنكاراً دالاً على النفي للتمسك بالكتاب المذكور، مع التوبيخ والتقريع.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن كفرهم المذكور لم يكن عن هدى من الله،
ولا كتاب أنزله الله بذلك، جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى في سورة فاطر:
﴿قُلّ ◌َرَءَيْتُمْ شُرَكََّكُمُ الَّذِينَ تَّدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكُ فِ التَمَوَّتِ
أَمْ ءَتَيْنَهُمْ كِتَبًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِّنْهُ﴾ ... الآية [فاطر: ٤٠].
وقوله تعالى في الأحقاف: ﴿قُلْ أَرَدَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ
الْأَرْضِ أَمْ لَمُمْ شِرْكٌ فِ السَّمَوَتِّ أَثْنُونِى بِكِتَبٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَرَقِ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمُ
صَدِقِينَ ﴾﴾ [الأحقاف].
وقوله تعالى في الروم: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَئًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ، يُشْرِكُونَ
٣٥
[الروم].
وقوله تعالى في الصافات: ﴿أَمَّ لَكُمْ سُلْطَنٌ مُبِيرٌ
(١٥٧ ﴾ [الصافات].
صَدِقِينَ
فَأْتُواْ بِكِنَبِكُمْ إِن كُمْ
١٥٦

١٢٨٧
سورة الزخرف: الآية (٢٤) ـ
وقوله تعالى في النمل: ﴿أَمَّن يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ أَوِلَهٌ
مَّعَ اَللَّهَّ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَنَّكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾ [النمل].
وقوله تعالى في الحج ولقمان: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَ هُدَّى وَلَا
كِتَبٍ تُنِيرٍ ﴾﴾ [الحج].
وقوله تعالى في الأنعام: ﴿قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَكَّبِعُونَ إِلَّا
اُلْظَنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨].
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَاً
◌َآءَنَا عَلَىَّ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىْ ءَاثَِهِم مُقْتَدُونَ ﴿ قَلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِنَا وَجَدُمْ عَلَيْهِ ءَابَكُمْ﴾ .
قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة قد أفلح المؤمنون، في الكلام على قوله
تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَثْراً كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةُ رَسُولُهَا كَذَّبُوهٌ﴾ ... الآية [المؤمنون: ٤٤].
وفي سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِ كُلِّ قَرْيَةٍ
أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٣].
وقوله تعالى: ﴿قَلَ أَوَلَوْ جِثْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُمُ عَلَيْهِ ءَابَآكم﴾، قرأه نافع وابن كثير
وأبو عمرو وحمزة والكسائي وشعبة عن عاصم: ((قُلْ أو لو جئتكم)) بضم القاف وسكون
اللام بصيغة الأمر.
وقرأه ابن عامر وحفص عن عاصم: ﴿قَلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾؛ بفتح القاف واللام
بينهما ألف بصيغة الفعل الماضي.
فعلى قراءة الجمهور فالمعنى قل لهم يا نبي الله أتقتدون بآبائكم في الكفر
والضلال، ولو جئتكم بأهدى، أي بدين أهدى مما وجدتم عليه آباءكم، وصيغة
التفضيل هنا لمطلق الوصف؛ لأن آباءهم لا شيء عندهم من الهداية أصلاً.
وعلى قراءة ابن عامر وحفص، فالمعنى قال هو: أي رسول الله والت .
وقد أوضحنا هذا المعنى بشواهده العربية مراراً في هذا الكتاب المبارك.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من تسفيه رأي الكفار وبيان شدة ضلالهم في
تقليدهم آباءهم هذا التقليد الأعمى، جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى في البقرة:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَتَّبِعُواْ مَآَ أَنْزَلَ اَللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَُّ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا
﴾ [البقرة]. وكقوله تعالى في المائدة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ
يُعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ
تَعَالَوْ إِلَى مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَأَ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لَا
يُعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (٣)﴾ [المائدة].
وأوضح تعالى في آية لقمان أن ما وجدوا عليه آباءهم من الكفر والضلال طريق
من طرق الشيطان يدعوهم بسلوكها إلى عذاب السعير، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ

١٢٨٨
سورة الزخرف: الآية (٢٦)
لَهُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ مَاءَنَاْ أَوَلَوْ حِكَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابٍ
فَهُمْ عَلَى مَاتَرِهِمْ
السَّعِيرِ ﴾ [لقمان]. كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْ عَابَآءَ هُمْ ضَالِينَ (٣)
يُهْرَعُونَ (®﴾ [الصافات]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا إِنَزْهِيَمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِ عَلِمِينَ
إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ، مَا هَذِهِ التَّمَاثِلُ الَّيِ أَنْتُمْ لَهَا عَكِّفُونَ ﴿﴿ قَالُواْ وَجَدْنَآ ءَابََّنَا لَهَا عَبِدِينَ
٥١
قَالَ لَقَدْ كُمْ أَنْتُمْ وَابَاؤُكُمْ فِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ (@﴾ [الأنبياء]، والآيات بمثل ذلك كثيرة.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِنْزَهِيُمُ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ: إِنَِّى بَرَآءٌ مِّمَا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِى فَطَرَنِ
(٣)﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنّ إبراهيم - عليه وعلى
فَإِنَُّ سَيَهْدِینِ
نبينا الصلاة والسلام - قال لأبيه وقومه: إنَّهُ برآء أي بريء، من جميع معبوداتهم التي
يعبدونها من دون الله، أي يعني أنه بريء من عبادة كل معبود، إلا المعبود الذي خلقه
وأوجده فهو وحده معبوده.
وقد أوضح تعالى هذا المعنى الذي ذكره عن إبراهيم في مواضع أخر من كتابه
كقوله تعالى: ﴿قَالَ أَقَدَيْتُ مَّا كُتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿٢ أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ﴿٨ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيِّ
٧٨﴾ [الشعراء]. وكقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَءَا
إِلَّا رَبَّ الْعَلَمِينَ * الَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَّدِينِ
الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّ هَذَآَ أَكْبَرُ فَلَمَّ أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِنِ بَرِىٌّ مِّمَا تُشْرِكُونَ () إِ
وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ الشَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (®﴾ [الأنعام].
وزاد - جلّ وعلا - في سورة الممتحنة براءته أيضاً من العابدين وعداوته لهم
وبغضه لهم في الله، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِىّ إِنَزَهِيمَ وَالَّذِينَ
مَعَهُ، إِذْ قَالُواْ لِقَوْبِهِمْ إِنَّا بُرَؤُاْ مِنْكُمْ وَمِقَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُرْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ
وَالْبَغْضَآءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينٍ﴾؛ ذكر نحوه في قوله: ﴿الَّذِى خَلَقَتِى
90)﴾ [الصافات].
(٧) [الشعراء]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَى رَبِی سَيَهْدِینِ
فَهُوَ هَدِينِ
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَيِن لَّمْ يَهْدِنِ رَبِّي لَأَكُونَ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام: ٧٧].
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَا تَعْبُدُونَ ﴿ إِلَّا الَّذِى فَطَرَنِ﴾؛
أي خلقني، يدل على أنّه لا يستحق العبادة، إلا الخالق وحده - جلّ وعلا -.
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، دلت عليه آيات أخر من كتاب الله
كقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، وقوله
تعالى: ﴿وَأَنَّقُواْ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالْجِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (َ)﴾ [الشعراء]. وقوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ
شُركّةَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَّهَ الْخَلْقُ عَلَتِمْ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ الْوَمِدُ اَلْقَهَّرُ﴾ [الرعد: ١٦]. وقوله
تعالى: ﴿أَفَمَّنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لََّ يَخْلُقُ﴾ الآية [النحل: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ
شَيًّا وَهُمْ يُخْلَّقُونَ (٣)﴾ [الأعراف]. وقوله تعالى: ﴿الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ
وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَُّ شَرِكُ فِى الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّدَهُ نَقْدِيرً ﴿ وَأَخَذُواْ مِن دُونِ ءَالِهَةً لَّا
يَطْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٢، ٣]، إلى غير ذلك من الآيات.

١٢٨٩
سورة الزخرف: الآيات (٢٨ - ٣٠) --
بَلّ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَءَابَآءَ هُمْ
قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَّةٌ فِى عَفِهِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ:
حَى جَآءَ هُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (﴿ وَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِ، كَفِرُونَ
٣٠)
الضمير المنصوب في ((جعلها)) على التحقيق راجع إلى كلمة الإيمان المشتملة
على معنى لا إله إلا الله، المذكورة في قوله: ﴿إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴿﴿ إِلَّا الَّذِى
فَطَرَنِ﴾؛ لأن لا إله إلا الله نفي وإثبات، فمعنى النفي منها هو البراءة من جميع
المعبودات غير الله في جميع أنواع العبادات، وهذا المعنى جاء موضحاً في قوله:
﴿ إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾.
ومعنى الإثبات منها هو إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه الذي شرعه
على ألسنة رسله. وهذا المعنى جاء موضحاً في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِى فَطَرَبِ فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ
٢٧
وضمير الفاعل المستتر في قوله ﴿ وَجَعَلَهَا﴾ قال بعضهم: هو راجع إلى إبراهيم،
وهو ظاهر السياق. وقال بعضهم: هو راجع إلى الله تعالى.
فعلى القول الأول فالمعنى صيَّر إبراهيم تلك الكلمة باقية في عقبه؛ أي ولده وولد
ولده. وإنما جعلها إبراهيم باقية فيهم لأنه تسبب لذلك بأمرين:
أحدهما: وصيته لأولاده بذلك وصاروا يتوارثون الوصية بذلك عنه، فيوصي به
السلف منهم الخلف، كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَهِمَ إِلَّا
مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَهُ فِ الدُّنْيَّاً وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ ﴿٣) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُُّ، أَسْلِّ
قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿﴿ وَوَضَّى بِهَآ إَِّهِمُ بَنِهِ وَيَعْقُوبُ يَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ أَضْطَفَى لَكُمُ
الدِّينَ﴾ ... الآية [البقرة: ١٣٠ - ١٣٢].
وثانيهما: هو سؤاله ربه تعالى لذريته الإيمان والصلاح؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذٍ أَبْتَكَّ
إبْرَهِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَةٍ فَأَتَمَّهُنِّ قَالَ إِ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامّا قَالَ وَمِن ذُرِيٌَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، أي
واجعل من ذريتي أيضاً أئمة، وقوله تعالى عنه: ﴿رَبِّ أَجْعَلْنِى مُقِيمَ الصَّلَوَةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِىّ﴾
[إبراهيم: ٤٠]. وقوله عنه: ﴿وَأَجْتُبْنِ وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]. وقوله عنه هو
وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُنَّةٌ مُسْلِمَةً لَّكَ﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ
فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِبِهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩].
وقد أجاب الله دعاءه في بعث الرسول المذكور ببعثه محمداً وَله؛ ولذا جاء في
الحديث عنه وسلم أنه قال: ((أنا دعوة إبراهيم)).
وقد جعل الله الأنبياء بعد إبراهيم من ذريته، كما قال تعالى في سورة العنكبوت:
﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِ ذُرِيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِنَبَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]، وقال عنه
وعن نوح في سورة الحديد: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُهَا وَإِبْرَهِيَمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ
وَالْكِتَبِّ﴾ ... الآية [الحديد: ٢٦].
وعلى القول الثاني، أنّ الضمير عائد إلى الله تعالى، فلا إشكال.

١٢٩٠
سورة الزخرف: الآيات (٢٨ - ٣٠)
وقد بيّن تعالى في آية الزخرف هذه؛ أنّ الله لم يجب دعوة إبراهيم في جميع
ذريته، ولم يجعل الكلمة باقية في جميع عقبه؛ لأن كفار مكة الذين كذبوا بنبينا وعَّخلو من
عقبه بإجماع العلماء، وقد كذبوه وَ ل﴿ وقالوا إنه ساحر. وكثير منهم مات على ذلك،
وذلك في قوله تعالى: ﴿بَلَّ مَثَّعْتُ هَكَؤُلَاءٍ﴾؛ يعني كفار مكة وآباءهم حتى جاءهم الحق
ورسول مبين، هو محمد رَّهِ ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَىُّ قَالُواْ هَذَا سِخْرٌ وَإِنَّا بِهِ، كَفِرُونَ
١٢٠
وما دلت عليه آية الزخرف هذه من أن بعض عقب إبراهيم لم يجعل الله الكلمة
المذكورة باقية فيهم، دلت عليه آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى في البقرة: ﴿قَالَ
وَمِن ذُرِّيَّتِىٌ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، أي الظالمين من ذرية إبراهيم.
وقوله تعالى في الصافات: ﴿وَيَرَّكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىّ إِسْحَقُّ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ،
مُبِينٌ ()﴾ [الصافات].
فالمحسن منهم هو الذي الكلمة باقية فيه، والظالم لنفسه المبين منهم ليس كذلك.
وقوله تعالى في النساء: ﴿فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِْرَهِيَمَ الْكِتَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَهُم مُّلْكًا عَظِيمًا
فَمِنْهُم ◌َّنْ ءَامَنَ بِهِ، وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (@)﴾ [النساء].
٥٤
وقد بيّن تعالى في الحديد أنّ غير المهتدين منهم كثيرون، وذلك في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا
نُوحًا وَإِبْزَهِيَمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِنَبِّ فَمِنْهُم مُهْتٍَّ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَسِقُونَ (٣)﴾ [الحديد).
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾؛ أي جعل الكلمة باقية فيهم
لعل الزائغين الضالين منهم يرجعون إلى الحق بإرشاد المؤمنين المهتدين منهم؛ لأن
الحق ما دام قائماً في جملتهم فرجوع الزائغين عنه إليه مرجو مأمول كما دل عليه قوله:
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ .
والرجاء المذكور بالنسبة إلى بني آدم؛ لأنهم لا يعرفون من يصير إلى الهدى،
ومن يصير إلى الضلال.
وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: وفي الكلام تقديم وتأخير؛ والمعنى
فإنه سيهدين لعلهم يرجعون، وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون، أي قال لهم،
يتوبون عن عبادة غير الله، اهـ منه.
وإيضاح كلامه أن المعنى أن إبراهيم قال لأبيه وقومه: إنني براء مما تعبدون
لأجل أن يرجعوا عن الكفر إلى الحق.
والضمير في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾؛ على هذا راجع إلى أبيه وقومه. وعلى ما
ذكرناه أولاً فالضمير راجع إلى من ضل من عقبه؛ لأن الضالين منهم داخلون في لفظ
العقب، فرجوع ضميرهم إلى العقب لا إشكال فيه، وهذا القول هو ظاهر السياق،
والعلم عند الله تعالى. وهناك مسائل تتعلق بدخول أبناء البنات في العقب يرجع من
أراد الوقوف عليها للأصل.

١٢٩١
سورة الزخرف: الآيتان (٣١ - ٣٢).
فَ أَهُمْ يَقْسِمُونَ
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْفَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
رَحْمَتَ رَبِكَّ نَخْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ
بَعْضُم بَعْضًا سُخْرِنَّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (®﴾. وقالوا: أي قال كفار مكة، لولا
أي هلا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين، أي من إحدى القريتين، وهما مكة
والطائف، عظيم يعنون بعظمه كثرة ماله وعظم جاهه، وعلو منزلته في قومه، وعظيم
مكة الذي يريدون هو الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن
مرة بن كعب، وفي مرة بن كعب يجتمع نسبه بالنبي وقّ، وقيل: هو عتبة بن ربيعة بن
عبد شمس بن عبد مناف.
وعظيم الطائف: هو عروة بن مسعود. وقيل: حبيب بن عمرو بن عمير. وقيل:
هو كنانة بن عبد ياليل، وقيل غير ذلك.
وإيضاح الآية أن الكفار أنكروا أولاً أن يبعث الله رسولاً من البشر كما أوضحناه
مراراً، ثم لما سمعوا الأدلة على أن الله لم يبعث إلى البشر رسولاً إلا من البشر تنازلوا
عن افتراضهم إرسال رسل من الملائكة إلى اقتراح آخر، وهو اقتراح تنزيل هذا القرآن
على أحد الرجلين المذكورين.
وهذا الاقتراح يدل على شدة جهلهم، وسخافة عقولهم، حيث يجعلون كثرة
المال، والجاه في الدنيا، موجباً لاستحقاق النبوة؛ وتنزيل الوحي؛ ولذا زعموا أن
محمداً وَل ليس أهلاً لإنزال هذا القرآن عليه، لقلة ماله، وأن أحد الرجلين المذكورين
أحق أن ينزل عليه القرآن منه وَ ثه .
وقد بين تعالى في هذه الآية الكريمة، شدة جهلهم، وسخافة عقولهم، بقوله: ﴿أَهُرْ
يَفْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾؛ والظاهر المتبادر أن المراد برحمة ربك: النبوة وإنزال الوحي.
وإطلاق الرحمة على ذلك متعدد في القرآن كقوله تعالى في الدخان: ﴿إِنَّا كُنَّا
مُرْسِلِينَ ﴿ رَحْمَةُ مِّن زَيِّكَ﴾ ... الآية [الدخان: ٦،٥]، وقوله في آخر القصص: ﴿وَمَا
كُنْتَ تَرْجُواْ أَن يُلْقَىَ إِلَيْكَ الْكِتَبُ إِلَّا رَحْمَةُ مِّن رَبِّكْ﴾ ... الآية [القصص: ٨٦]، وقوله
[الأنبياء] ..
في آخر الأنبياء: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ
· وقد قدَّمنا الآيات الدالة، على إطلاق الرحمة والعلم على النبوة في سورة الكهف،
في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَآ ءَانَيْنَهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾ [الكهف: ٦٥].
وقدَّمنا معاني إطلاق الرحمة في القرآن في سورة فاطر، في الكلام على قوله
تعالى: ﴿مَّا يَفْتَجِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا﴾ ... الآية [فاطر: ٢].
وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿نَخْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِىِ اٌلْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ
فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾؛ يعني أنّه تعالى لم يفوض إليهم أمر معايشهم وحظوظهم في الدنيا،
بل تولى هو - جلّ وعلا - قسمة ذلك بينهم، فجعل هذا غنياً، وهذا فقيراً، وهذا رفيعاً،
وهذا وضيعاً، وهذا خادماً، وهذا مخدوماً، ونحو ذلك.

١٢٩٢ -
7
سورة الزخرف: الآيتان (٣١ - ٣٢)
فإذاً لم يفوض إليهم حظوظهم في الدنيا، ولم يحكمهم فيها. بل كان تعالى هو
المتصرف فيها بما شاء كيف شاء، فكيف يفوض إليهم أمر إنزال الوحي حتى يتحكموا
في من ينزل إليه الوحي؟
فهذا مما لا يعقل ولا يظنه إلا غبي جاهل كالكفار المذكورين.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِنًا﴾؛ التحقيق - إن
شاء الله - أنّه من التسخير.
ومعنى تسخير بعضهم لبعض، خدمة بعضهم البعض، وعمل بعضهم لبعض؛ لأن
نظام العالم في الدنيا يتوقف قيامه على ذلك، فمن حكمته - جلّ وعلا -، أن يجعل هذا
فقيراً مع كونه قوياً قادراً على العمل، ويجعل هذا ضعيفاً لا يقدر على العمل بنفسه،
ولكنه تعالى يهيئ له دراهم، يؤجر بها ذلك الفقير القوي فينتفع القوي بدراهم الضعيف،
والضعيف بعمل القوي فتنتظم المعيشة لكل منهما، وهكذا .
وهذه المسائل التي ذكرها الله - جلّ وعلا - في هذه السورة الكريمة، جاءت كلها
موضحة في آيات أخر من كتاب الله.
أما زعمهم أن محمداً له أنقص شرفاً وقدراً من أن ينزل عليه الوحي، فقد
ذكره الله عَنْهُمْ في سورة (صّ)، في قوله تعالى: ﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِ شَكٍ
الآية [ص: ٨].
مِّن ذِكرى﴾ .
فقول كفار مكة: ﴿أَُّنِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيِنْنَا﴾ [ص: ٨]، معناه إنكارهم أنّ يخصه الله
بإنزال الوحي من بينهم، لزعمهم أن فيهم من هو أحق بالوحي منه، لكثرة ماله، وجاهه
وشرفه فيهم.
وقد قال قوم صالح مثل ذلك لصالح، كما قال تعالى عنهم: ﴿أَلْقِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ
يَبْنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ﴾﴾ [القمر: ٢٥].
فقلوب الكفار متشابهة؛ فكانت أعمالهم متشابهة .
كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِثْلَ قَوْلِهِمُ تَشَبَهَتْ قُلُوبُهُمُّ﴾
[البقرة: ١١٨]. وقال تعالى: ﴿أَتَوَاصَوْ بِّ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاعُونَ ﴾﴾﴾ [الذاريات].
وأما اقتراحهم إنزال الوحي على غيره منهم، وأنهم لا يرضون خصوصيته بذلك
دونهم، فقد ذكره تعالى في سورة الأنعام في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُواْ لَنَ
تُؤْمِنَ حَقَّى تُؤْقَى مِثْلَ مَآ أُوْنِىَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وقوله تعالى في المدثر: ﴿بَلَ يُرِيدُ
كُلُّ أَمْرِىءٍ مِنْهُمْ أَن يُؤْقَى صُحُفًا مُنَشَّرَةُ (٥٣)﴾ [المدثر]؛ أي تنزل عليه صِحف بالوحي من
السماء، كما قاله مجاهد وغير واحد، وهو ظاهر القرآن، وفي الآية قول آخر معروف.
وأما إنكاره تعالى عليهم اقتراح إنزال الوحي على غير محمد للر الذي دلت عليه

١٢٩٣
سورة الزخرف: الآيات (٣٣ - ٣٥)
همزة الإنكار المتضمنة مع الإنكار لتجهيلهم، وتسفيه عقولهم في قوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ
رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، فقد أشار تعالى إليه مع الوعيد الشديد في الأنعام؛ لأنه تعالى لما قال:
﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُواْ لَنْ تُؤْمِنَ حَّى تُؤْقَ مِثْلَ مَآ أُوْنِىَ رُسُلُ اللّهِ﴾ أتبع ذلك بقوله رداً
عليهم، وإنكاراً لمقالتهم: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ثم أوعدهم على ذلك بقوله:
﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارُ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٤].
وأما كونه تعالى هو الذي تولى قسمة معيشتهم بينهم، فقد جاء في مواضع أخر
كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُرْ عَلَى بَعْضٍ فِى الْرِّزْقِّ فَمَا الَّذِينَ فُضِلُواْ بِرَآدِى رِزْقِهِمْ عَلَى مَا
مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَهُمْ فِهِ سَوَاءٍ﴾ [النحل: ٧١]. وقوله تعالى: ﴿ أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى
بَعْضِّ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَتٍ وَأَكْبَرُ نَّفْضِيلًا (٨)﴾ [الإسراء]. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَّسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ
يَّهُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦]. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِن يَُّزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَُّ بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾
[الشورى: ٢٧]. وقوله تعالى: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥].
وقد أوضح تعالى حكمة هذا التفاضل والتفاوت في الأرزاق، والحظوظ والقوة
والضعف، ونحو ذلك، بقوله هنا: ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِنًا﴾، كما تقدم.
وقوله تعالى هنا: ﴿وَرَحْمَثُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾؛ يعني أن النبوة، والاهتداء بهدي
الأنبياء، وما يناله المهتدون يوم القيامة، خير مما يجمعه الناس في الدنيا من حطامها .
وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى، في غير هذا الموضع، كقوله في سورة
يونس: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اَللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فِذَلِكَ فَليَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَا يَجْمَعُونَ ﴾﴾ [يونس]. وقوله
تعالى في آل عمران: ﴿وَلَيِنِ قُتِلْتُمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ خَيْرٌ مِّمَّا
يَجْمَعُونَ (6)﴾ [آل عمران]. وقد أشار الشيخ إلى بعض ما يتعلق بالآية فليرجع من أراد
الوقوف عليه إلى الأصل.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةُ وَحِدَةٌ لَّجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ
وَلِبُيُوتِهِمْ أَبَوَبًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ﴿ وَزُخْرُفًا
FP
سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ
وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَعُ الْحَيَوَةِ اُلُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾، قوله ((لبيوتهم))، في
الموضعين، قرأه ورش، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم، بضم الباء على الأصل.
وقرأه قالون عن نافع، وابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وشعبة عن
عاصم ((لِيُوتِهِمْ)) بكسر الباء لمجانسة الكسرة للياء.
وقوله ((سقفاً)): قرأه نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم، ((سُقُفاً)»
بضمتين على الجمع.
وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ((سَقْفاً)) بفتح السين وإسكان القاف على الإفراد المراد
به الجمع.
وقوله: ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾: قرأه نافع وابن كثير، وابن عامر،

١٢٩٤
سورة الزخرف : الآيات (٣٣ - ٣٥)
في رواية ابن ذكوان، وإحدى الروايتين عن هشام وأبو عمرو والكسائي: ((لَمَا متاع
الحياة الدنيا)) بتخفيف المیم من ((لما)).
وقرأه عاصم، وحمزة، وهشام، عن ابن عامر، في إحدى الروايتين: ﴿لَمَّا مَتَحُ
اَلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾؛ بتشديد الميم من ((لما)).
ومعنى الآية الكريمة أن الله لما بين حقارة الدنيا، وعظم شأن الآخرة في قوله:
﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾. أتبع ذلك ببيان شدة حقارتها، وأنه جعلها مشتركة بين
المؤمنين والكافرين، وجعل ما في الآخرة من النعيم خاصاً بالمؤمنين، دون الكافرين،
وبين حكمته في اشتراك المؤمن مع الكافر، في نعيم الدنيا بقوله: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ
أُمَّةً وَحِدَةً﴾؛ أي لولا كراهتنا لكون جميع الناس أمة واحدة، متفقة على الكفر،
لأعطينا زخارف الدنيا كلها للكفار.
ولكننا لعلمنا بشدة ميل القلوب إلى زهرة الحياة الدنيا، وحبها لها لو أعطينا ذلك
كله للكفار، لحملت الرغبة في الدنيا جميع الناس على أن يكونوا كفاراً، فجعلنا في كل
من الكافرين والمؤمنين غنياً وفقيراً، وأشركنا بينهم في الحياة الدنيا .
:. ثم بيّن - جلّ وعلا - اختصاص نعيم الآخرة بالمؤمنين في قوله: ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ
لَمَّا مَتَعُ الْخَيَوَةِ الدُّنْيَاً وَالْآَخِرَةُ عِندَ رَّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ أي خالصة لهم دون غيرهم.
وهذا المعنى جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى في الأعراف: ﴿قُلّ
مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالَِّبَتِ مِنَ الْرِّزْقِّ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
خَالِصَةً يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢].
فقوله: ﴿قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾، أي مشتركة بينهم في الحياة الدنيا،
خالصة يوم القيامة؛ أي خاصة بهم، دون الكفار، يوم القيامة، إذ لا نصيب للكفار البتة
في طيبات الآخرة.
فقوله في آية الأعراف هذه: ﴿قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف: ٣٢]
صريح في اشتراك المؤمنين مع الكفار في متاع الحياة الدنيا .
وذلك الاشتراك المذكور، دل عليه حرف الامتناع، للوجود الذي هو ((لولا))، في
قوله هنا: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ .
وخصوص طيبات الآخرة بالمؤمنين المنصوص عليه في آية الأعراف بقوله:
﴿خَالِصَةُ يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، هو الذي أوضحه تعالى في آية الزخرف هذه بقوله:
﴿وَالْآَخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وجميع المؤمنين يدخلون في الجملة في لفظ ((المتقين))؛
لأن كل مؤمن اتقى الشرك بالله.
وما دلت عليه هذه الآيات من أنه تعالى يعطي الكفار من متاع الحياة الدنيا، دلت
عليه آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى

١٢٩٥
سورة الزخرف: الآيات (٣٣ - ٣٥)
عَذَابِ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٢٦]. وقوله: ﴿نُمِنِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَ عَذَاٍ غَلِيظٍ
[لقمان]. وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَعْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُمْ مَتَعَ اَلْحَيَوْةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا
مَهْ جِعُكُمْ فَنُنِّئُكُمْ بِمَا كُمْ نَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٢٣]. وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ
مَتَعٌ فِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا
٦٩
اَلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ
[يونس]، والآيات بمثل هذا كثيرة.
كَانُواْ يَكْفُرُونَ (﴾﴾
وقد بيّن تعالى في آيات من كتابه أنّ إنعامه على الكافرين ليس لكرامتهم عليه،
ولكنه للاستدراج، كقوله تعالى: ﴿فَذَرْنِ وَمَن يَكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِّ سَنَتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ
٤٤٦
وَأُعْلِى لَمَّ إِنَّ كَيْدِى مَتِينُ (®﴾ [القلم]. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ، فَتَحْنَا
فَقُطِعَ دَابِرُ
عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ خََّ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُم مَّيْلِسُونَ (@)
اَلْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَِّ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ [الأنعام] وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ
السَِّئَةِ الْحَسَنَّةَ حَتَّى عَفَواْ وَقَالُواْ قَدْ مَسَ ءَابَنَا الضَّرَّةُ وَالسَّرَّةُ فَأَخَذْنَهُمْ بَغْنَةً وَهُمْ لَا يَشْعُونَ
[الأعراف]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِ الضَّلَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥]،
(٩٥)
على أظهر التفسيرين. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ أَنَّمَا نُعْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمَّ إِنَّمَا
ثُعْلِيٍ لَمْ لِيَزْدَادُوْاْ إِثْمَّا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (﴿1﴾ [آل عمران]. وقوله تعالى: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَفِرِينَ
ثُمَّ أَخَذْتُهُمَّ فَكَيْفَ كَانَ تَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤].
ودعوى الكفار أنّ الله ما أعطاهم المال ونعيم الدنيا إلا لكرامتهم عليه واستحقاقهم
لذلك، وأنه إن كان البعث حقاً أعطاهم خيراً منه في الآخرة، قد ردها الله عليهم في
آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُم بِهِ، مِن مَالٍ وَبِنٌّ ®َ شَارِعُ لَْ فِ الْخَيْرَتِّ بَل لَّا
يَشْعُرُونَ (٥٣)﴾ [المؤمنون]، وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَمْوَلُكُمْ وَلَ أَوْلَدُكُمْ بِالَّتِى تُقَرِيَكُمْ عِندَنَا زُلْفَ إِلَّا
مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ [سبأ: ٣٧]، وقوله تعالى: ﴿قَالُواْ مَآ أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنُمْ
تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُ وَمَا كَسَبَ ﴾﴾ [المسد]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُو إِذَا تَرَدََّ ﴾﴾ [الليل]. وقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَى كَمَا
خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]، إلى غير ذلك من الآيات.
وقد قدَّمنا طرفا من هذا في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَيِن
زُدِدْتُ إِلَى رَبِّ لَأَجِدَثَ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦].
ولنرجع إلى تفسير ألفاظ الآية الكريمة، فقوله: ﴿جَعَلْنَا﴾؛ أي صيرنا، وقوله:
وَلِبُيُوتِهِمْ﴾، بدل اشتمال مع إعادة العامل، من قوله: ﴿لِمَنْ يَكْفُرُ﴾، وعلى قراءة
((سُقفاً)) بضمتين، فهو جمع سقف، وسقف البيت معروف. وعلى قراءة سقفا بفتح
السين، وسكون القاف فهو مفرد أريد به الجمع.
وقد قدَّمنا في أول سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُخْرِحُكُمْ طِفْلًا﴾
[الحج: ٥]، أن المفرد إذا كان اسم جنس، يجوز إطلاقه مراداً به الجمع، وأكثرنا من
أمثلة ذلك في القرآن، ومن الشواهد العربية على ذلك.

١٢٩٦
سورة الزخرف: الآيات (٣٦ - ٣٨)
وقوله ﴿وَمَعَارِجَ﴾ الظاهر أنه جمع معرج بلا ألف بعد الراء، والمعرج والمعراج
بمعنى واحد؛ وهو الآلة التي يعرج بها أي يصعد بها إلى العلو.
وقوله: ﴿يَظْهَرُونَ﴾ أي يصعدون ويرتفعون، حتى يصيروا على ظهور البيوت،
ومن ذلك المعنى قوله تعالى: ﴿فَمَا أُسْطَعُوْ أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا أُسَتَطَعُواْ لَهُمِ نَقْبًا
٩٧
[الكهف]. والسرر جمع سرير، والاتكاء معروف، والأبواب جمع باب وهو معروف،
والزخرف الذهب.
قال الزمخشري: إن المعارج التي هي المصاعد، والأبواب والسرر كل ذلك من
فضة، كأنّه يرى اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في ذلك، وعلى هذا المعنى فقوله:
((زخرفاً)) مفعول، عامله محذوف، والتقدير: وجعلنا لهم مع ذلك زخرفاً.
وقال بعض العلماء: إنّ جميع ذلك بعضه من فضة، وبعضه من زخرف، أي ذهب.
وقد ذكر القرطبي أنّ إعراب قوله: ((وزخرفاً)) على هذا القول أنّه منصوب بنزع
الخافض، وأنّ المعنى من فضة، ومن زخرف، فحذف حرف الجر فانتصب زخرفاً .
وأكثر علماء النحو على أنّ النصب بنزع الخافض ليس مطرداً ولا قياسياً، وما
سمع منه يحفظ ولا يقاس عليه.
... .. وعليه درج ابن مالك في الخلاصة في قوله: وإن حذف فالنصب للمنجر نقلاً. إلخ.
وعلي بن سليمان وهو الأخفش الصغير، يرى إطراده في كل شيء أمن فيه
اللبس. كما أشار في الكافية بقوله:
وابن سليمان الطراده رأى إن لم يخف لبس كمن زيد نأى
وقوله تعالى: ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّ مَتَعُ الْحَيَوَةِ الذُّنْيَاً﴾؛ على قراءة الجمهور
بتخفيف الميم من لما، فإن هي المخففة، من الثقيلة، واللام هي الفارقة بيّن إن
المخففة من الثقيلة، وإن النافية المشار إليها بقوله في الخلاصة:
وخففت إن فقل العمل
وتلزم اللام إذا ما تـهــمـل
وما مزيدة للتوكيد، وأما على قراءة عاصم وحمزة وابن عامر في إحدى الروايتين
عن هشام ((لمّا)) بتشديد الميم فإن نافية، ولما حرف إثبات بمعنى إلا.
والمعنى: وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا .
وذكر بعضهم أن تشديد ميم لما على بعض القراءات في هذه الآية وآية الطارق:
﴿إِن كُلُّ نَفْسِ لََّ عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾﴾ [الطارق]، لغة بني هذيل ابن مدركة. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ( وَإِنَّهُمْ
حَتَّىَ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يََلَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ
لَصُدُونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُهْتَدُونَ
(٣٨)
اَلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ اُلْقَرِيْنُ

١٢٩٧
سورة الزخرف: الآيات (٣٩ - ٤٥) -
وقد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة فصلت، في الكلام على قوله تعالى:
﴿وَقَّيَّضْنَا لَهُمْ قُرْنَآءَ﴾ ... الآية [فصلت: ٢٥].
®﴾، قد
قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ أَلْيَوْمَ إِذ ◌َظَلَمْتُمْ أَتَّكُمْ فِىِ الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ
قدَّمنا الكلام عليه في الصافات، في الكلام على قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَيِدٍ فِ الْعَذَابِ مُشْتِكُونَ
(٣٣) ﴾ [الصافات].
قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُشْمِعُ الضُّمَّ أَوْ تَهْدِى الْعُمْىَ وَمَنْ كَانَ فِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ
قد قدَّمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة النمل، في الكلام على قوله تعالى:
﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَ وَلَا تُمِعُ اَلُّنَّمَ الدُّعَّةَ إِذَا وَلَّوْ مُدْبِرِينَ ﴾ [النمل].
قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَمْسِكْ بِالَّذِىّ أُوْجِىَ إِلَيْكٌ إِنَّكَ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ
٤٣
أمر الله - جلّ وعلا - نبيه ◌َ في هذه الآية الكريمة أن يتمسك بهدي هذا القرآن
العظيم، وبيّن له أنّه على صراط مستقيم؛ أي طريق واضح، لا اعوجاج فيه، وهو دين
الإسلام الذي تضمنه هذا القرآن العظيم الذي أوحي إليه.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة، قد جاء موضحاً في آيات أخر، من كتاب الله.
أما أمره بالتمسك بالقرآن العظيم، فقد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة
الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَقْلُ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابٍ رَيِّكٌ لَا مُّبَدِّلَ
لِكَلِمَتِهِ﴾ [الكهف: ٢٧].
وأما إخباره له * بأنّه على صراط مستقيم، فمن الآيات التي أوضح ذلك فيها
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَتَّبِعْهَا وَلَا نَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ
صِرَطِ اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى
[الجاثية]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَنَّهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ.
السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥٢، ٥٣]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ
[المؤمنون]، وقوله تعالى:
(٧٤)
وَلِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الْصِّرَطِ لَيْكِبُونَ
﴿فَلَا يُنَزِعُتَّكَ فِى الْأَمْىِّ وَدْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدَّى مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٦٧]، وقوله
(٣)﴾ [النمل] إلى غير ذلك من الآيات.
تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ
وآية الزخرف هذه تدل على أن المتمسك بهذا القرآن على هدى من الله، وهذا
معلوم بالضرورة.
قوله تعالى: ﴿وَسَثَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن زُّسُلِنَّ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةَ
يُعْبَدُونَ ﴾﴾، ما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أنّ جميع الرسل جاءوا بإخلاص
التوحيد لله، الذي تضمنته كلمة لا إله إلا الله، جاء موضحاً في آيات كثيرة، كقوله
تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ اُلَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىَّ إِلَيْهِ أَنَُّ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنْ
﴾ [الأنبياء]، وذلك التوحيد هو أول ما يأمر به كل نبي أمته.
فَاعْبُدُونِ

١٢٩٨ -
سورة الزخرف: الآيات (٤٦ - ٥٨)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِ فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهِ غَيْرُهُمْ﴾.
[المؤمنون: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ
غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحَأْ قَالَ يَدَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا
لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبَأَ قَالَ
يَقَّوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ﴾ ... الآية [الأعراف: ٨٥]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِشَايَئِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَّإِيْهِ﴾. قد قدَّمنا الكلام
على قصة موسى وفرعون في سورة الأعراف، وسورة طه.
قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، لم يبين هنا نوع العذاب الذي
أخذهم به، ولكنه أوضحه في الأعراف، في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ، مِنْ ءَايَةٍ
لِتَسْحَرَنَ بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿٣) فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْطُوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَائِعَ وَالَّمَ ءَايَتٍ
مُّفَصَّلَتٍ﴾ [الأعراف: ١٣٢، ١٣٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ
الثَّمَرَتِ﴾ ... الآية [الأعراف: ١٣٠].
ج فَلَمَّا
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ يَأَيُّهَ السَّاحِرُ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَلَ إِنََّاَ لَمُهْتَدُونَ
كَتَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ﴾﴾، ما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة
أوضحه في الأعراف، بقوله: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْرِجْزُ قَالُواْ يَمُوسَى أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ
عِندَكٌ لَبِن كَشَفْتَ عَنَّا الْرِّجْزَ لَتُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَغُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيّ إِسْرَغِيلَ ﴿٣٢) فَمَّا كَشَفْنَا
عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُونَ (9َ﴾﴾ [الأعراف].
والرجز المذكور في الأعراف هو بعينه العذاب المذكور في آية الزخرف هذه.
قوله تعالى عن فرعون: ﴿وَلَ يَكَادُ يُِّينٌ﴾، قد تقدم الكلام عليه في طه، في الكلام
﴾ [طه].
٢٧
على قوله تعالى عن موسى: ﴿وَاَحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِىِ
٥٢)
قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أُلِّفِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَ مَعَهُ الْمَلَتِكَةُ مُقْتَرِنِينَ
قد قدَّمنا الكلام عليه في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَوْلاً أُنزِلَ
إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَمُ نَذِيرًا﴾ الآية [الفرقان: ٧].
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُوْنَا أَنْثَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، ((آسفونا)) معناه أغضبونا،
وأسخطونا، وكون المراد بالأسف الغضب، يدل عليه إطلاق الأسف على أشد الغضب
في قوله تعالى: ﴿وَلَنَّا رَجَعَ مُوسَىّ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفًا﴾ [الأعراف: ١٥٠] على أصح
التفسيرين .
قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ ﴾﴾، قد قدَّمنا الكلام عليه في هذه
السورة الكريمة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ
اُلْأَوَّلِينَ
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (
وَقَالُوْاْ ءَأَلِهَتُنَا
٥٧
[٥٨)
خَبْرُّ أَمْ هُوَّ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلْا بَلْ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ

١٢٩٩
سورة الزخرف: الآيات (٤٦ - ٥٨) -
قرأ هذا الحرف نافع وابن عامر والكسائي (يَصُدُّون) بضم الصاد.
وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة (يَصِدُّون) بكسر الصاد.
فعلى قراءة الكسر فمعنى ((يصدون)) يضجون ويصيحون، وقيل يضحكون، وقيل
معنى القراءتين واحد. كيعرشون ويعرشون ويعكفون ويعكفون.
وعلى قراءة الضم فهو من الصدود.
والفاعل المحذوف في قوله: ﴿ضَرَبَ﴾. قال جمهور المفسرين: هو عبد الله بن
الزبعرى السهمي قبل إسلامه.
أي ولما ضرب ابن الزبعرى المذكور عيسى ابن مريم مثلاً فاجأك قومك بالضجيج
والصياح والضحك، فرحاً منهم وزعماً منهم أن ابن الزبعرى خصمك، أو فاجأك
صدودهم عن الإيمان بسبب ذلك المثل.
والظاهر أنّ لفظة ((من)) هنا سببية، ومعلوم أن أهل العربية، يذكرون أن من معاني
من السببية، ومنه قوله تعالى: ﴿مِّمَا خَطِيئَِهِمْ أُغْرِفُواْ فَأَدْخِلُواْ نَارًا﴾ [نوح: ٢٥]، أي بسبب
خطيئاتهم أغرقوا .
ومن ذلك قول الحالفين في أيمان القسامة: أقسم بالله لمن ضربه مات.
وإيضاح معنى ضرب ابن الزبعرى عيسى مثلاً، أن الله لما أنزل قوله تعالى:
﴾ [الأنبياء]،
﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ (
قال ابن الزبعرى: إن محمداً بَّ# يقول: إن كل معبود من دون الله في النار وأننا
وأصنامنا جميعاً في النار، وهذا عيسى ابن مريم قد عبده النصارى من دون الله فإن كان
ابن مريم مع النصارى الذين عبدوه في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه.
وقالوا مثل ذلك في عزير والملائكة؛ لأن عزيراً عبده اليهود، والملائكة عبدهم
بعض العرب.
فاتضح أن ضربه عيسى مثلاً، يعني أنّه على ما يزعم أنّ محمداً وَ لّ قاله، من أن
كل معبود وعابده في النار، يقتضي أن يكون عيسى مثلاً لأصنامهم، في كون الجميع
في النار، مع أنّ النبي ◌َّل يثني على عيسى الثناء الجميل، ويبين للناس أنه عبد الله
ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.
فزعم ابن الزبعرى أنّ كلام النبي ◌َّ لمّا اقتضى مساواة الأصنام مع عيسى في
دخول النار مع أنه ﴿ يعترف بأنّ عيسى رسول الله وَله وأنه ليس في النار، دل ذلك
على بطلان كلامه عنده ..
وعند ذلك أنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْفَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ
لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَلِدُونَ ﴿ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾
[الأنبياء: ١٠١ - ١٠٣]، وأنزل الله أيضاً قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾.

١٣٠٠
سورة الزخرف: الآيات (٥٦ - ٥٨)
وعلى هذا القول فمعنى قوله تعالى: ﴿مَا ضَرَيُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾؛ أي ما ضربوا
چ
عيسى مثلاً إلا من أجل الجدل والخصومة بالباطل.
وقيل: ((إن جدلاً)) حال وإتيان المصدر المنكر حالاً كثير، وقد أوضحنا توجيهه
مراراً، والمراد بالجدل هنا الخصومة بالباطل لقصد الغلبة بغير حق.
قال جماعة من العلماء: والدليل على أنهم قصدوا الجدل بشيء يعلمون في
أنفسهم أنّه باطل، أن الآية التي تذرعوا بها إلى الجدل، لا تدل البتة على ما زعموه،
وهم أهل اللسان، ولا تخفى عليهم معاني الكلمات.
والآية المذكورة إنما عبر الله فيها بلفظة ((ما)) التي هي في الوضع العربي لغير العقلاء
لأنه قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، ولم يقل ((ومَنْ)) تعبدون وذلك صريح في
أن المراد الأصنام، وأنه لا يتناول عيسى ولا عزيراً ولا الملائكة، كما أوضح تعالى أنه
لم يرد ذلك بقوله تعالى بعده: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ﴾ [الأنبياء: ١٠١].
وإذا كانوا يعلمون من لغتهم أن الآية الكريمة، لم تتناول عيسى بمقتضى لسانهم
العربي الذي نزل به القرآن، تحققنا أنهم ما ضربوا عيسى مثلاً، إلا لأجل الجدل،
والخصومة بالباطل.
ووجه التعبير في صيغة الجمع في قوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾؛ مع أن ضارب
المثل واحد وهو ابن الزبعرى يرجع إلى أمرين:
أحدهما: أن من أساليب اللغة العربية إسناد فعل الرجل الواحد من القبيلة إلى
جميع القبيلة، ومن أصرح الشواهد العربية في ذلك قوله:
فسيف بني عبس وقد ضربوا به نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
فإنه نسب الضرب إلى جميع بني عبس مع تصريحه بأن السيف في يد رجل واحد
منهم، وهو ورقاء بن زهير، والشاعر يشير بذلك إلى قتل خالد بن جعفر الكلابي
لزهير بن جذيمة العبسي، أن ورقاء بن زهير، ضرب بسيف بني عبس، رأس خالد بن
جعفر الكلابي، الذي قتل أباه ونبا عنه، أي لم يؤثر في رأسه، فإن معنى: نبا السيف
ارتفع عن الضربة ولم يقطع.
والشاعر يهجو بني عبس بذلك، والحروب التي نشأت عن هذه القصة، وقتل
الحارث بن ظالم المري لخالد المذكور، كل ذلك معروف في محله.
وثانيهما: أن جميع كفار قريش، صوبوا ضرب ابن الزبعرى عيسى مثلاً، وفرحوا
بذلك، ووافقوه عليه، فصاروا كالمتمالئين عليه.
وبهذين الأمرين المذكورين جمع المفسرون بين صيغة الجمع في قوله: ﴿فَعَقَرُواْ
النَّاقَةَ﴾ [الأعراف: ٧٧]. وقوله ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس: ١٤]، وبين صيغة الإفراد
في قوله: ﴿فَدَوْ صَاحِبَهُمْ فَعَالَى فَعَقَرَ ﴿٢﴾ [القمر].