النص المفهرس

صفحات 1261-1280

١٢٦١
سورة الشورى: الآية (١٣) -
قوله تعالى: ﴿وَلَا نَنَفَرَّقُواْ فِيَّهِ﴾. الضمير في قوله: ((فيه))، راجع إلى الدين في
قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُواْ الّذِينَ﴾ .
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي عن الافتراق في الدين، جاء مبيناً في غير
هذا الموضع، وقد بيّن تعالى أنّه وصى خلقه بذلك، فمن الآيات الدالة على ذلك، قوله
تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ الآية [آل عمران: ١٠٣]. وقوله تعالى:
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوَةٌ وَلَا تَنَّبِعُوا السُبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّنَّكُمْ
بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦)﴾ [الأنعام].
وقد بيّن تعالى في بعض المواضع أن بعض الناس لا يجتنبون هذا النهي،
وهددهم على ذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِ شَىْءٍ إِنَّمَاً
أَغْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الأنعام]؛ لأنّ قوله: ﴿لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءّ﴾
إلى قوله: ﴿يَفْعَلُونَ﴾ فيه تهديد عظيم لهم.
وقوله تعالى في سورة قد أفلح المؤمنون: ﴿وَإِنَّ هَذِهِةٍ أُمَّتَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ
فَاَنَّقُونِ.
فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرٌ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
فَذَرْهُمْ فِ غَمْرَتِهِمْ حَ
چینٍ
[المؤمنون] .
فقوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِةٍ أُمَّتَكُمْ أُمَّةُ وَحِدَةً﴾، أي إن هذه شريعتكم شريعة واحدة ودينكم
دين واحد، وربكم واحد فلا تتفرقوا في الدين.
وقوله - جلّ وعلا -: ﴿فَتَقَطَّعُوْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبْرً﴾ [المؤمنون: ٥٣]، دليل على أنهم
لم يجتنيوا ما نهوا عنه من ذلك.
وقوله تعالى: ﴿فَذَرُهُمْ فِ غَمْرَتِهِمْ حَى حِينٍ (@)﴾ [المؤمنون]، فيه تهديد لهم ووعيد
عظيم على ذلك. ونظير ذلك قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً
وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمَّ كُلُّ إِلَيْنَا رَجِعُونَ
وَحِدَةٌ وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَأَعْبُدُونِ
[الأنبياء]، فقوله تعالى: ﴿كُلُّ إِلَيْنَا رَجِعُونَ﴾؛ فيه أيضاً تهديد لهم ووعيد على
ذلك. وقد أوضحنا تفسير هذه الآيات في آخر سورة الأنبياء، في الكلام على قوله
تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِة أُمَّتُكُمْ أُمَّةُ وَحِدَةً﴾ الآية.
وقد جاء في الحديث المشهور: ((افتراق اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافتراق
النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة، وافتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، وأن
الناجية منها واحدة، وهي التي كانت على ما كان عليه النبي وَلّر وأصحابه)).
قوله تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ .
بين - جلّ وعلا - أنّه كبر على المشركين أي شق عليهم وعظم ما يدعوهم إليه وكمليات
من عبادة الله تعالى وحده، وطاعته بامتثال أمره واجتناب نهيه؛ ولعظم ذلك ومشقته
عليهم، كانوا يكرهون ما أنزل الله ويجتهدون في عدم سماعه لشدة كراهتهم له، بل
يكادون يبطشون بمن يتلو عليهم آيات ربهم لشدة بغضهم وكراهتهم لها .

١٢٦٢
سورة الشورى: الآية (١٣)
والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة في كتاب الله، وفيها بيان أن ذلك هو عادة
الكافرين مع جميع الرسل من عهد نوح إلى عهد محمد وَالته .
فقد بيّن تعالى مشقة ذلك على قوم نوح وكبره عليهم في مواضع من كتابه كقوله
تعالى: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِى وَتَذْكِيرِى بِشَايَتِ اللَّهِ
فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ ... الآية [يونس: ٧١].
وقوله تعالى عن نوح: ﴿وَإِّ كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَنِعَهُمْ فِيّ ◌َاذَانِهِمْ
وَأُسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُواْ وَأُسْتَكْبَرُواْ أَسْتِكْبَارًا (٣)﴾ [نوح].
فقوله تعالى: ﴿جَعَلُواْ أَصَبِعَهُمْ فِىّ ءَاذَانِهِمْ وَأَسْتَغْشَوْ ثِيَابَهُمْ﴾؛ يدل دلالة واضحة على
شدة بغضهم وكراهتهم لما يدعوهم إليه نوح، فهو واضح في أنهم كبر عليهم ما يدعوهم
إليه من توحيد الله والإيمان به.
وقد بيّن الله تعالى مثل ذلك في الكفار الذين كذبوا نبينا محمداً وَله في آيات من
كتابه كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا بَغِنَتٍ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمُنْكَرِّ
يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَيَئِنَا﴾ [الحج: ٧٢]، فقوله تعالى: ﴿تَغْرِفُ فِ
وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمُنكَرِّ﴾ الآية. يدل دلالة واضحة، على شدة بغضهم وكراهيتهم
لسماع تلك الآيات.
وكقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْاْ فِيهِ﴾ ... الآية
[فصلت: ٢٦]. وقوله تعالى في الزخرف: ﴿لَقَدْ جِئْتَكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَرِهُونَ
[الزخوف]، وقوله تعالى في قد أفلح المؤمنون: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ، حِنَّةٌ بَلْ جَآءَهُم بِالْحَقِّ
﴾ [المؤمنون]. وقوله تعالى في القتال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَا أَنزَلَ
وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَرِهُونَ (١٥).
اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ ﴾﴾ [محمد]، وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ ◌َإِنَتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقٌّ فَأَتِ حَدِيثٍ
وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِ ﴿٣ يَسْمَعُ ءَايَتِ الَِّ تُنْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْرًا كَأَن
بَعْدَ اللَّهِ وَءَايَئِهِ، يُؤْمِنُونَ
لَّمْ يَسْمَعْهِّ فَبَشِرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيمِ ﴾﴾ [الجاثية]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا نُثْلَى عَلَيْهِ ءَايَنُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا
كَأَنْ لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِيّ أُذُنَّهِ وَقْرًا فَبَشِّرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾﴾ [لقمان]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ
قُلُوبُنَا فِىّ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِيّ ءَاذَاِنَا وَقُرٌ وَمِنْ بَيْنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ الآية [فصلت: ٥].
والآيات بمثل ذلك كثيرة.
واعلم: أنّ هؤلاء الذين يكرهون ما أنزل الله، يجب على كل مسلم أن يحذر كل
الحذر من أن يطيعهم في بعض أمرهم، لأن ذلك يستلزم نتائج سيئة متناهية في السوء،
كما أوضح تعالى ذلك في قوله: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَفْقَالُهَا (٣) إِنَّ
الَّذِينَ أَرْتَذُواْ عَلَىَّ أَدْبَرِهِ مِّنْ بَعْدِ مَا نَبَّنَ لَهُمُ الْهُدَىِّ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ
٢٥
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ اُلْأَمْرِّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ
(٢٦)
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ مَآَ
فَكَيْفَ إِذَا نَوَقَّتْهُمُ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ
(٢٨) ﴾ [محمد].
أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَنَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ (

١٢٦٣
سورة الشورى: الآيات (١٥ - ١٧)
فعلى كل مسلم أن يحذر ثم يحذر كل الحذر، من أن يقول للذين كفروا، الذين
يكرهون ما أنزل الله: سنطيعكم في بعض الأمر؛ لأن ذلك يسبب له ما ذكره الله في
الآيات المذكورة، ويكفيه زجراً وردعاً عن ذلك قول ربه تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ
اُلْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدَبَرَهُمْ ﴾؛ إلى قوله: ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ﴾ [محمد: ٢٧ - ٢٨].
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَحْتَّبِىّ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾. الاجتباء في اللغة
العربية معناه الاختيار والاصطفاء، وقد دلت هذه الآية الكريمة على أنّه تعالى يجتبي من
خلقه من يشاء اجتباءه.
وقد بين في مواضع أخر بعض من شاء اجتباءه من خلقه، فبين أن منهم المؤمنين
من هذه الأمة في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ آَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ
وَأَفْعَلُوْ اُلْخَيْرَ﴾؛ إلى قوله: ﴿هُوَ أَحْتَبَتِكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحج: ٧٧
- ٧٨]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ الآية [فاطر: ٣٢].
وبيّن في موضع آخر أنّ منهم آدم وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَهُ رَبُّهُ فَتَبَ عَلَيْهِ
وَهَدَى (٣)﴾ [طه]. وذكر أنّ منهم إبراهيم في قوله: ﴿إِنَّ إِثْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ إلى قوله:
﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِةِ اجْتَبَتَهُ﴾ ... الآية [النحل: ١٢٠ - ١٢١]. إلى غير ذلك من الآيات
الدالة على اجتباء بعض الخلق بالتعيين.
وقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾؛ أي من سبق في علمه أنه ينيب إلى الله؛
أي يرجع إلى ما يرضيه، من الإيمان والطاعة، ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة
الرعد: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُ مَن يَشَآَهُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَنْ أَنَبَ﴾ [الرعد: ٢٧].
قوله تعالى: ﴿وَقُّلْ ءَامَنْتُ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتَبِّ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْتَكُمْ ﴾
تقدمت الآيات الموضحة له في سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى ﴿وَمَآ
أُوْنِيَ النَّبِيُّونَ مِن زَيِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦].
قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِىّ أَنْزَلَ اَلْكِتَبَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانٌ﴾. بين - جلّ وعلا - في هذه
الآية الكريمة أنه هو الذي أنزل الكتاب في حال كونه متلبساً بالحق الذي هو ضد
الباطل، وقوله: ﴿اَلْكِنَبَ﴾؛ اسم جنس مراد به جميع الكتب السماوية.
وقد أوضحنا في سورة الحج، أن المفرد الذي هو اسم جنس يطلق مراداً به
الجمع، وذكرنا الآيات الدالة على ذلك مع الشواهد العربية.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَلْمِيزَانٌ﴾؛ يعني أن الله - جلّ وعلا - هو
الذي أنزل الميزان، والمراد به العدل والإنصاف.
وقال بعض أهل العلم: الميزان في الآية: هو آلة الوزن المعروفة. ومما يؤيد
ذلك أن الميزان مفعال، والمفعال قياسي في اسم الآلة.

١٢٦٤ -
سورة الشورى: الآيات (١٥ - ١٧)
وعلى التفسير الأول وهو أن الميزان العدل والإنصاف، فالميزان الذي هو آلة
الوزن المعروفة داخل فيه؛ لأن إقامة الوزن بالقسط من العدل والإنصاف.
· وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الله تعالى هو الذي أنزل الكتاب والميزان
أوضحه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في سورة الحديد: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا
بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥].
فصرح تعالى بأنه أنزل مع رسله الكتاب والميزان لأجل أن يقوم الناس بالقسط،
وهو العدل والإنصاف. وكقوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ
أَلَّا تَطْغَّوْا فِى الْمِيزَانِ ﴿ وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ ﴾﴾ [الرحمن].
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: الذي يظهر لي - والله تعالى أعلم -: أنّ الميزان
في سورة الشورى وسورة الحديد هو العدل والإنصاف، كما قاله غير واحد من المفسرين.
وأن الميزان في سورة الرحمن، هو الميزان المعروف؛ أعني آلة الوزن التي يوزن
بها بعض المبيعات.
ومما يدل على ذلك أنّه في سورة الشورى، وسورة الحديد عبر بإنزال الميزان لا
بوضعه، وقال في سورة الشورى: ﴿اَللَّهُ الَّذِىّ أَنْزَلَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ وَاَلْمِيزَانٌ﴾. وقال في
الحديد: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ وَاَلْمِيزَانَ﴾ [الحديد: ٢٥].
وأما في سورة الرحمن، فقد عبر بالوضع لا الإنزال، قال: ﴿وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ
اَلْمِيزَانَ ﴾﴾ [الرحمن]، ثم أتبع ذلك بما يدل على أن المراد به آلة الوزن المعروفة،
وذلك في قوله: ﴿وَأَقِيمُوْ اُلْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخِرُواْ الْمِيزَانَ ﴾﴾ [الرحمن]؛ لأنّ الميزان
الذي نهوا عن إخساره هو أخو المكيال، كما قال تعالى: ﴿﴿ أَوْفُواْ الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ
اُلْمُخْسِرِينَ
وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيِ (٨٢) وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الشعراء: ١٨١ - ١٨٣].
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَكْثَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴿ وَإِذَا كَلُوهُمْ أَو ◌َزَنُوُهُمْ
وقال تعالى :
(١)) [المطففين]. وقال تعالى عن نبيه شعيب: ﴿وَلَا تَقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَاَلْمِيزَانَّ﴾
يُخْسِرُونَ
[هود: ٨٤]. وقال تعالى عنه أيضاً: ﴿قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ
وَاَلْمِيزَانَ﴾ الآية [الأعراف: ٨٥]. وقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ
بِالْقِسْطِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢] وقال تعالى في سورة بني إسرائيل:
﴿وَوْفُوْ اَلْكْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِئُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٢٥)﴾ [الإسراء].
فإن قيل: قد اخترتم أن المراد بالميزان في سورة الشورى وسورة الحديد، هو
العدل والإنصاف، وأن المراد بالميزان في سورة الرحمن هو آلة الوزن المعروفة،
وذكرتم نظائر ذلك من الآيات القرآنية، وعلى هذا الذي اخترتم يشكل الفرق بين
الكتاب والميزان؛ لأن الكتب السماوية كلها عدل وإنصاف، فالجواب من وجهين:
الأول منهما: هو ما قدَّمنا مراراً من أن الشيء الواحد إذا عبر عنه بصفتين

١٢٦٥
سورة الشورى: الآيتان (١٥ - ١٧) -
-
مختلفتين جاز عطفه على نفسه تنزيلاً للتغاير بين الصفات منزلة التغاير في الذوات، ومن
أمثلة ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿سَيِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴿﴿ الَّذِىِ خَلَقَ فَوََّى ﴾ وَالَّذِى قَدَّرَ
فَهَدَى ﴿ وَاُلَّذِىّ أَخْرَجَ المَرْعَى ﴾﴾ [الأعلى]، فالموصوف واحد والصفات مختلفة، وقد
ساغ العطف لتغاير الصفات. ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر:
إلى الملك القرم وابن الهما
. م وليث الكتيبة في المزدحم
وأما الوجه الثاني: فهو ما أشار إليه العلامة ابن القيم تَظْثُ في إعلام الموقعين،
من المغايرة في الجملة بين الكتاب والميزان.
وإيضاح ذلك: أن المراد بالكتاب هو العدل والإنصاف المصرح به في الكتب السماوية.
وأما الميزان: فيصدق بالعدل والإنصاف الذي لم يصرح به في الكتب السماوية،
ولكنه معلوم مما صرح به فيها.
فالتأفيف في قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَّقُل لَُّمَا أُنٍ﴾ [الإسراء: ٢٣]، من الكتاب لأنه
مصرح به في الكتاب، ومنع ضرب الوالدين مثلاً المدلول عليه بالنهي على التأفيف من
الميزان، أي من العدل والإنصاف الذي أنزله الله مع رسله.
وقبول شهادة العدلين في الرجعة والطلاق المنصوص في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ
ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُؤْ﴾ [الطلاق: ٢]، من الكتاب الذي أنزله الله؛ لأنه مصرح به فیه ..
وقبول شهادة أربعة عدول في ذلك من الميزان الذي أنزله الله مع رسله.
وتحريم أكل مال اليتيم المذكور في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اَلْيَتَعَى ◌ُلْمًا
إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ الآية [النساء: ١٠]، من الكتاب.
وتحريم إغراق مال اليتيم وإحراقه، المعروف من ذلك من الميزان، الذي أنزله الله
مع رسله.
وجلد القاذف الذكر، للمحصنة الأنثى، ثمانين جلدة ورد شهادته، والحكم بفسقه
المنصوص في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثَُّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَّةَ فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ
جَّدَةً﴾ إلى قوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَبُواْ﴾ الآية [النور: ٤]، من الكتاب الذي أنزله الله.
وعقوبة القاذف الذكر لذكر مثله، والأنثى القاذفة للذكر أو لأنثى بمثل تلك العقوبة
المنصوصة في القرآن من الميزان المذكور.
وحلّية المرأة التي كانت مبتوتة، بسبب نكاح زوج ثان وطلاقه لها بعد الدخول
المنصوص في قوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠]، أي فإن
طلقها الزوج الثاني، بعد الدخول وذوق العسيلة فلا جناح عليهما؛ أي لا جناح على
المرأة التي كانت مبتوتة والزوج الذي كانت حراماً عليه، أن يتراجعا بعد نكاح الثاني
وطلاقه لها، من الكتاب الذي أنزل الله ..

١٢٦٦
سورة الشورى: الآية (١٨)
وأما إن مات الزوج الثاني بعد أن دخل بها وكان موته قبل أن يطلقها، فحليتها
للأول الذي كانت حراماً عليه، من الميزان الذي أنزله الله مع رسله.
وقد أشرنا إلى كلام ابن القيم المذكور، وأكثرنا من الأمثلة لذلك في سورة الأنبياء
في كلامنا الطويل على قوله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرَّثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨].
قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَى السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في
أول سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ الآية [النحل:
١]. وفي سورة الأحزاب في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ
قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]، وفي سورة المؤمن، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَنَذِرْهُمْ يَوْمَ
اُلْأَزِفَةِ﴾ الآية [غافر: ١٨].
قوله تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ
أَنَّهَا الْحَقُّ﴾. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة ثلاث مسائل:
الأولى: أنّ الكفار الذين لا يؤمنون بالساعة يستعجلون بها؛ أي يطلبون تعجيلها
علیهم؛ لشدة إنکارهم لها .
والثانية: أنّ المؤمنين مشفقون منها، أي خائفون منها .
والثالثة: أنّهم يعلمون أنّها الحق، أي أن قيامها ووقوعها حق لا شك فيه.
وكل هذه المسائل الثلاث المذكورة في هذه الآية الكريمة جاءت موضحة في غير
هذا الموضع.
أما استعجالهم لها فقد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الرعد، في الكلام
على قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعِْلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اُلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَثُ﴾
[الرعد: ٦]، وفي غير ذلك من المواضع.
وأما المسألة الثانية، التي هي إشفاق المؤمنين وخوفهم من الساعة، فقد ذكره في
مواضع أخر كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبٍ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (
٤٩٠
[الأنبياء]. وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا نَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ﴾ [النور: ٣٧]. وقوله
تعالى: ﴿يُوقُونَ بِلنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٣)﴾ [الإنسان].
وأما المسألة الثالثة: وهي علمهم أن الساعة حق، فقد دلت عليه الآيات
المصرحة بأنها لا ريب فيها؛ لأنها تتضمن نفي الريب فيها عن المؤمنين.
والريب: الشك، كقوله تعالى عن الراسخين في العلم: ﴿رَبَّآ إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ
لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهٍ﴾ ... الآية [آل عمران: ٩]. وقوله تعالى: ﴿اَللَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَيَجْمَعَنَّكُمْ
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهٍ﴾ الآية [النساء: ٨٧]. وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَّوْمٍ لَّا
رَيْبَ فِيهِ﴾ الآية [آل عمران: ٢٥]. وقوله تعالى: ﴿وَنُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَبَ فِيَةً﴾ الآية.

١٢٦٧
سورة الشورى: الآيات (١٨ - ٢٣)
وَأَنَّ السَّاعَةَ
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْقُّ وَأَنَّهُ يُحِ اَلْمَوْقَ وَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
ءَاتِيَّةٌ لَّ رَيْبَ فِيَهَا وَأَنَ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى الْقُبُورِ ﴾﴾ [الحج]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِ السَّاعَةِ لَفِى ضَلَلٍ بَعِيدٍ﴾ .
قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى:
﴿بَلَّ كَذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِلسَّاعَةِ سَعِيرًا ﴾﴾ [الفرقان].
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يُمَارُونَ﴾؛ مضارع مارى يماري مراء
ومماراة؛ إذا خاصم وجادل، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا ثُمَارٍ فِهِمْ إِلَّا مِرَآءُ ظَهِرًا﴾ [الكهف:
٢٢]. وقوله: ﴿لَفِى ضَكَلٍ بَعِيدٍ﴾؛ أي بعيد عن الحق والصواب.
وقد قدَّمنا معاني الضلال في القرآن واللغة العربية، مع الشواهد في سورة
الشعراء، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَ فَعَلْنُهَاَ إِذَا وَأَنَاْ مِنَ الضَّالِّينَ
(٢٥)﴾ [الشعراء]، وفي
مواضع أخرى من هذا الكتاب المبارك.
قوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَسْئَلُكُمُ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِىِ الْقُرْبِى﴾. قد بيّنا في سورة هود، في
الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ لَآ أَسْشَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا﴾ [هود: ٢٩]. أنّ جميع الرسل -
عليهم الصلوات والسلام - لا يأخذون أجراً على التبليغ، وذكرنا الآيات الدالة على ذلك.
وقد ذكرنا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، وجه الجمع بين
تلك الآيات، وآية الشورى هذه فقلنا فيه: اعلم أولاً أن في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِى
الْقُرْبِى﴾ أربعة أقوال:
الأول: ورواه الشعبي وغيره عن ابن عباس، وبه قال مجاهد وقتادة وعكرمة وأبو
مالك والسدي والضحاك وابن زيد وغيرهم كما نقله عنهم ابن جرير وغيره، أن معنى
الآية: ﴿قُل لَّ أَسْشَلُكُمُ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِ الْقُرْبِ﴾؛ أي إلا أن تودوني في قرابتي التي
بيني وبينكم، فتكفوا عني أذاكم وتمنعوني من أذى الناس، كما تمنعون كل من بينكم
وبينه مثل قرابتي منكم، وكان ◌ّ له في كل بطن من قريش رحم، فهذا الذي سألهم
ليس بأجر على التبليغ؛ لأنه مبذول لكل أحد؛ لأن كل أحد يوده أهل قرابته وينتصرون
له من أذى الناس.
وقد فعل له ذلك أبو طالب ولم يكن أجراً على التبليغ لأنه لم يؤمن.
وإذا كان لا يسأل أجراً إلا هذا الذي ليس بأجر تحقق أنه لا يسأل أجراً كقول النابغة:
بهن فلول من قراع الكتائب
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
ومثل هذا يسميه البلاغيون تأكيد المدح بما يشبه الذم.
وهذا القول هو الصحيح في الآية، واختاره ابن جرير، وعليه فلا إشكال.
الثاني: أن معنى الآية ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِ الْقُرْبِيُ﴾؛ أي لا تؤذوا قرابتي وعترتي

١٢٦٨
سورة الشورى: الآيات (١٨ - ٢٣)
واحفظوني فيهم، ويروى هذا القول عن سعيد بن جبير، وعمرو بن شعيب، وعلي بن
الحسين، وعليه فلا إشكال أيضاً؛ لأن المودة بين المسلمين واجبة فيما بينهم، وأحرى
قرابة النبي بَّ، قال تعالى: ﴿وَأَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، وفي
الحديث: ((مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم كالجسد الواحد إذا أصيب منه عضو
تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) وقال ◌َله: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه
ما يحب لنفسه)) والأحاديث في مثل هذا كثيرة جداً .
وإذا كان نفس الدين يوجب هذا بين المسلمين، تبين أنه غير عوض عن التبليغ.
وقال بعض العلماء: الاستثناء منقطع على كلا القولين، وعليه فلا إشكال.
فمعناه على القول الأول: ﴿لَّ أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾؛ لكن أذكركم قرابتي فيكم.
وعلى الثاني: لكن أذكركم الله في قرابتي فاحفظوني فيهم.
القول الثالث: وبه قال الحسن: ﴿إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبِّ﴾؛ أي إلا أن تتوددوا إلى الله
وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح، وعليه فلا إشكال؛ لأن التقرب إلى الله ليس أجراً
على التبليغ.
القول الرابع: ﴿إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبُ﴾، أي إلا أن تتوددوا إلى قراباتكم وتصلوا
أرحامكم. ذكر ابن جرير هذا القول عن عبد الله بن قاسم، وعليه أيضاً فلا إشكال؛
لأن صلة الإنسان رحمه ليست أجراً على التبليغ، فقد علمت الصحيح في تفسير الآية
وظهر لك رفع الإشكال على جميع الأقوال.
وأما القول بأن قوله تعالى: ﴿إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِىِ الْقُرْبُ﴾؛ منسوخ بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا
سَأَلْئُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ: ٤٧]، فهو ضعيف، والعلم عند الله تعالى. انتهى منه.
وقد علمت مما ذكرنا فيه أن القول الأول هو الصحيح في معنى الآية.
مع أن كثيراً من الناس يظنون أن القول الثاني هو معنى الآية، فيحسبون أن معنى
﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبِيْ﴾؛ إلا أن تودوني في أهل قرابتي.
وممن ظن ذلك محمد السجاد حيث قال لقاتله يوم الجمل: أذكرك تحم؛ يعني
سورة الشورى هذه، ومراده أنه من أهل قرابة رسول الله وسلم فيلزم حفظه فيهم؛ لأن الله
تعالى قال في حَم هذه: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبِى﴾؛ فهو يريد المعنى المذكور، يظنه هو
المراد بالآية؛ ولذا قال قاتله في ذلك:
فهل لا تلا حاميم قبل التقدم
يذكرني حاميم والرمح شاجر
وقد ذكرنا هذا البيت والأبيات التي قبله في أول سورة هود، وذكرنا أن البخاري
ذكر البيت المذكور في سورة المؤمن، وذكرنا الخلاف في قائل الأبيات الذي قتل
محمداً السجاد بن طلحة بن عبيد الله يوم الجمل، هل هو شريح بن أبي أوفى العبسي

١٢٦٩
سورة الشورى: الآيات (٢٣ - ٢٧)
كما قال البخاري، أو الأشتر النخعي، أو عصام بن مقشعر، أو مدلج بن كعب
السعدي، أو كعب بن مدلج.
وممن ظن أنّ معنى الآية هو ما ظنه محمد السجاد المذكور: الكميت في قوله في
أهل قرابة رسول الله وَلات :
وجدنا لكم في آل حاميم آية .. تأولها منا تقي ومعرب
والتحقيق - إن شاء الله - أن معنى الآية هو القول الأول: ﴿إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِىِ الْقُرْبِهُ﴾؛
أي إلا أن تودوني في قرابتي فيكم وتحفظوني فيها، فتكفوا عني أذاكم وتمنعوني من
أذى الناس، كما هو شأن أهل القرابات.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْتِفْ حَسَنَّةُ نَزِدْ لَهُ فِيَهَا حُسْنَاً﴾. الاقتراف معناه الاكتساب، أي
من يعمل حسنة من الحسنات، ويكتسبها نزد له فيها حسناً، أي نضاعفها له.
فمضاعفة الحسنات هي الزيادة في حسنها، وهذا المعنى توضحه آيات من كتاب الله
تعالى كقوله تعالى: ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَّدُنَّهُ أَخْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. وقوله
تعالى: ﴿مَنْ جََّ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. وقوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ
اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَحِفَهُ لَهُ: أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٤٥]. وقوله تعالى: ﴿وَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَآتُواْ
الزَّكَوَةَ وَأَفْرِضُواْ اللّهَ فَرْضًا حَسَنَّأْ وَمَا نُقَكِعُواْ لِأَنْفُسِكُ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْ﴾ [المزمل: ٢٠]،
فكونه خيراً وأعظم أجراً زيادة في حسنه كما لا يخفى، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾. بيّن تعالى في هذه
الآية الكريمة أنه هو وحده الذي يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات. وقد جاء
ذلك موضحاً في مواضع أخر كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التََّةَ عَنْ عِبَادِهِ،
وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التََّّابُ الرَّحِيمُ ﴾﴾ [التوبة]. وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَمَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اَللَّهِ تَوْبَةُ نَّصُوحًا عَنَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية [التحريم: ٨].
وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥] إلى غير ذلك من الآيات.
وقد قدَّمنا معنى التوبة وأركانها وإزالة ما في أركانها من الإشكال، في سورة
النور، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة،
أنّه ينزل ما يشاء تنزيله من الأرزاق وغيرها بقدر، أي بمقدار معلوم عنده - جلّ وعلا
-، وهو - جلّ وعلا - أعلم بالحكمة والمصلحة في مقدار كل ما ينزله. وقد أوضح هذا
في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ، إِلَّا بِقَدَرٍ
مَّعْلُومٍ ®)﴾ [الحجر]. وقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]، إلى غير
ذلك من الآيات.

١٢٧٠
سورة الشورى: الآيات (٣١ - ٣٧).
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِزِينَ فِ الْأَرْضِ﴾ الآية.
قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة النور، في الكلام على قوله تعالى:
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِ الْأَرْضِّ وَمَأْوَنُهُمُ النَّارُ﴾ الآية [النور: ٥٧].
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ الْجَوَارِ فِىِ الْبَحْرِ كَالْأَعْلَِ ﴾﴾. قوله: ومن آياته؛ أي من
علاماته الدالة على قدرته واستحقاقه للعبادة وحده، الجواري وهي السفن واحدتها
جارية، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا ◌َنَا الْمَآءُ حَمَلْنَكُمْ فِىِ الْجَارِيَةِ
(١) ﴾ [الحاقة]، يعني سفينة
نوح؛ وسميت جارية لأنها تجري في البحر.
وقوله: ﴿ كَالأَعْلَمِ﴾؛ أى كالجبال، شبه السفن بالجبال لعظمها.
وعن مجاهد: أن الأعلام القصور، وعن الخليل: أن كل مرتفع تسميه العرب
علماً، وجمع العلم أعلام.
وهذا الذي ذكره الخليل معروف في اللغة، ومنه قول الخنساء ترثي أخاها صخراً:
وإن صخراً لتأتم الهداة به
: كأنه علم في رأسه نار
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن جريان السفن في البحر من آياته تعالى الدالة
على كمال قدرته، جاء موضحاً في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَءَايَةٌ لَُّمْ أَنَّا حَمَلْنَا
ذُرِّيََّهُمْ فِىِ الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴿﴿ وَخَلَقْنَا لَمُ مِّن مِثْلِهِ، مَا يَكَبُونَ ﴿﴿ وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَاَ صَرِيخَ لَمْ
وَلَا هُمْ يُقَذُونَ ﴿ إِلَّا رَحْمَةُ ◌ِّنَا وَمَنَعًا إِلَى حِينٍ (@)﴾ [يس]. وقوله تعالى: ﴿فَأَمْنَهُ
وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَهَاَ ءَايَةٌ لِلْعَلَمِينَ
١٥) ﴾ [العنكبوت]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِىِ خَلْقِ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنَفَعُ النَّاسَ﴾ إلى
قوله: ﴿لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]. وقوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَتَرَى
الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النحل: ١٤]. وقوله في فاطر: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ
فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ١٢]. والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.
وقرأ هذا الحرف نافع وأبو عمرو: ((الجواري)) بياء ساكنة بعد الراء في الوصل
فقط، دون الوقف. وقرأه ابن كثير بالياء المذكور في الوصل والوقف معاً، وقرأه
الباقون: ((الجوار)) بحذف الياء في الوصل والوقف معاً.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْنَنِبُونَ كَبَِّرَ آلْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ﴾. قرأ هذا الحرف حمزة
والكسائي (كبير الإثم)، بكسر الباء بعدها ياء ساكنة وراء على صيغة الإفراد.
وقرأه الباقون بفتح الباء بعدها ألف فهمزة مكسورة قبل الراء على صيغة الجمع.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ﴾: في محل جر عطفاً على قوله: ﴿ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِهِمْ يَتَوَّلُونَ﴾؛ أي وخير وأبقى أيضاً للذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش.
والفواحش جمع فاحشة. والتحقيق - إن شاء الله - أن الفواحش من جملة الكبائر.

١٢٧١
سورة الشورى: الآيات (٣١ - ٣٧) -
والأظهر أنها من أشنعها؛ لأن الفاحشة في اللغة: وهي الخصلة المتناهية في
القبح، وکل متشدد في شيء مبالغ فيه فهو فاحش فيه.
ومنه قول طرفة بن العبد في معلقته:
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي
عقيلة مال الفاحش المتشدد
فقوله: الفاحش؛ أي المبالغ في البخل المتناهي فيه.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من وعده تعالى الصادق للذين يجتنبون كبائر الإثم
والفواحش بما عنده لهم من الثواب الذي هو خير وأبقى، جاء موضحاً في غير هذا
الموضع، فبيّن تعالى في سورة النساء، أن من ذلك تكفيره تعالى عنهم سيئاتهم، وإدخالهم
المدخل الكريم وهو الجنة في قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا ثُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ
سَيْئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا (٣)﴾ [النساء]، وبيّن في سورة النجم، أنهم باجتنابهم
كبائر الإثم والفواحش، يصدق عليهم اسم المحسنين ووعدهم على ذلك بالحسنى.
والأظهر أنها الجنة، ويدل له حديث ((الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله
الكريم)) في تفسير قوله تعالى: ﴿لِلِّينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَ وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، كما قدَّمناه.
وآية النجم المذكورة هي قوله تعالى: ﴿وَجْرِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]،
ثم بين المراد بالذين أحسنوا في قوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَرَ آلْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ إِلَّ اللََّمَّ إِنَّ
رَبَّكَ وَسِعُ الْمَغْفِرَةِّ﴾ [النجم: ٣٢].
وأظهر الأقوال في قوله: ﴿إِلَّا اللََّمْ﴾، أن المراد باللمم صغائر الذنوب، ومن أوضح
الآيات القرآنية في ذلك قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا نُنْهَوَّنَ عَنْهُ﴾ الآية [النساء: ٣١].
فدلت على أن اجتناب الكبائر سبب لغفران الصغائر، وخير ما يفسر به القرآن: القرآن.
ويدل لهذا حديث ابن عباس الثابت في الصحيح: قال ما رأيت شيئاً أشبه باللمم
مما قال أبو هريرة عن النبي وسلم قال: ((إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك
ذلك لا محالة، فزنى العين النظر، وزنى اللسان النطق، والنفس تمني وتشتهي، والفرج
يصدق ذلك أو یکذبه)).
وعلى هذا القول فالاستثناء في قوله: ﴿إِلَّ اللََّمْ﴾ منقطع؛ لأن اللمم الذي هو
الصغائر على هذا القول لا يدخل في الكبائر والفواحش، وقد قدَّمنا تحقيق المقام في
الاستثناء المنقطع. في سورة مريم، في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيَهَا لَغْوَا إِلَّا
سَلَمَا﴾ [مريم: ٦٢].
وقالت جماعة من أهل العلم: الاستثناء متصل، قالوا: وعليه، فمعنى ﴿إِلَّا
اللََّمْ﴾: إلا أن يلم بفاحشة مرة ثم يجتنبها ولا يعود لها بعد ذلك.
واستدلوا لذلك بقول الراجز:

١٢٧٢
سورة الشورى: الآيات (٣١ - ٣٧)
إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك ما ألما
وروى هذا البيت ابن جرير والترمذي وغيرهما مرفوعاً. وفي صحته مرفوعاً نظر.
وقال بعض العلماء. المراد باللمم ما سلف منهم من الكفر والمعاصي قبل
الدخول في الإسلام. ولا يخفى بعده.
وأظهر الأقوال هو ما قدَّمنا لدلالة آية النساء المذكورة عليه، وحديث ابن عباس
المتفق عليه .
. واعلم أن كبائر الإثم ليست محدودة في عدد معين، وقد جاء تعيين بعضها كالسبع
الموبقات أي المهلكات لعظمها، وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة: ((أنها
الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال
اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)) وقد جاءت
روايات كثيرة عن النبي ◌ّ في تعيين بعض الكبائر: ((كعقوق الوالدين، واستحلال حرمة
بيت الله الحرام، والرجوع إلى البادية بعد الهجرة، وشرب الخمر، واليمين الغموس،
والسرقة، ومنع فضل الماء، ومنع فضل الكلأ، وشهادة الزور)).
وفي بعض الروايات الثابتة في الصحيح عن ابن مسعود: (أن أكبر الكبائر الإشراك
بالله الذي خلق الخلق، ثم قتل الرجل ولده خشية أن يطعم معه، ثم زناه بحليلة جاره)).
وفي بعضها أيضاً: ((أن من الكبائر تسبب الرجل في سبّ والديه))، وفي بعضها أيضاً:
((أن سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) وذلك يدل على أنهما من الكبائر.
وفي بعض الروايات: ((أن من الكبائر الوقوع في عرض المسلم، والسبتين بالسبة)).
وفي بعض الروايات: ((أن منها جمع الصلاتين من غير عذر)).
وفي بعضها: ((أن منها اليأس من روح الله، والأمن من مكر الله)) ويدل عليهما
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَأَيْئَسُ مِن رَّوْجِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ اَلْكَفِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. وقوله: ﴿فَلَ
يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩].
وفي بعضها: ((أن منها سوء الظن بالله))؛ ويدل له قوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ اَلْمُنَفِقِينَ
وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ الَّانِيِنَ بِاللَّهِ ظَرَبَّ السَّوْءٍ عَلَيْهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءٌ وَغَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ
وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّدٌ وَسَآَتْ مَصِيرًا ﴾ [الفتح]، وفي بعضها: ((أنّ منها الإضرار في الوصية)).
وفي بعضها أنّ منها الغلول، ويدل له قوله تعالى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَّوْمَ
اٌلْقِيَمَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]. وقدَّمنا معنى الغلول في سورة الأنفال، وذكرنا حكم الغال.
وفي بعضها: ((أن من أهل الكبائر الذي يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً)).
ويدل له قوله تعالى: ﴿أُوْلَبِكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]، ولم نذكر أسانيد هذه

١٢٧٣
سورة الشورى: الآيات (٤١ - ٤٤) -
الروايات ونصوص- متونها خوف الإطالة، وأسانيد بعضها لا تخلو من نظر لكنها لا يكاد
يخلو شيء منها عن بعض الشواهد الصحيحة، من كتاب الله أو سنة رسوله ولو
واعلم أن أهل العلم اختلفوا في حد الكبيرة.
فقال بعضهم: هي كل ذنب استوجب حدًّا من حدود الله، وقال بعضهم: هي كل
ذنب جاء الوعيد عليه بنار أو لعنة أو غضب أو عذاب، واختار بعض المتأخرين حد
الكبيرة بأنها هي کل ذنب دل على عدم اكتراث صاحبه بالدين.
وعن ابن عباس: أن الكبائر أقرب إلى السبعين منها إلى السبع، وعنه أيضاً أنها
أقرب إلى سبعمائة منها إلى سبع.
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: التحقيق أنها لا تنحصر في سبع، وأنّ ما دل
عليه من الأحاديث على أنها سبع لا يقتضي انحصارها في ذلك العدد؛ لأنه إنما دل
على نفي غير السبع بالمفهوم، وهو مفهوم لقب، والحق عدم اعتباره.
ولو قلنا إنه مفهوم عدد لكان غير معتبر أيضاً؛ لأن زيادة الكبائر على السبع مدلول
عليها بالمنطوق.
وقد جاء منها في الصحيح عدد أكثر من سبع، والمنطوق مقدم على المفهوم، مع
أن مفهوم العدد ليس من أقوى المفاهيم.
والأظهر عندي في ضابط الكبيرة أنها كل ذنب اقترن بما يدل على أنه أعظم من
مطلق المعصية؛ سواء كان ذلك الوعيد عليه بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب، أو كان
وجوب الحد فيه، أو غير ذلك مما يدل على تغليظ التحريم وتوكيده.
مع أن بعض أهل العلم قال: إن كل ذنب كبيرة. وقوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ
كَبَابِرَ مَا تُنْهَوَّنَ عَنْهُ﴾ ... الآية [النساء: ٣١]. وقوله: ﴿إِلَّا اللََّمْ﴾ [النجم: ٣٢]، يدل
على عدم المساواة، وأن بعض المعاصي كبائر، وبعضها صغائر، والمعروف عند أهل
العلم: أنه لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَجَزَّوْاْ سَفِئَةٍ سَِئَةٌ مِثْلُهَا﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في آخر
سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَقَبْتُمْ فَصَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بٍِ﴾
الآية [النحل: ١٢٦]. وفي سورة الزمر في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَشِرْ عِبَادٍ ﴿ الَّذِينَ
يَسْتَمِعُونَ أَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ؟﴾ الآية [الزمر: ١٧، ١٨].
(ج)﴾. قد قدَّمنا
قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ خُلْمِهِ، فَأُوْلَكَ مَا عَلَيْهِم مِّنِ سَبِيلٍ
الآيات الموضحة له في الكلام على آية النحل، وآية الزمر، المذكورتين آنفاً.
قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْ اَلْعَذَابَ﴾ .. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في
سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَهَل لَّنَا مِنْ شُفَعَآَ فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَّةُ
فَتَعَمَلَ غَيْرَ أَلَّذِى كُنَّا نَعْمَلٌ﴾ [الأعراف: ٥٣].

١٢٧٤
-
سورة الشورى: الآية (٥٢)
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في
أول سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَبِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن
كَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ الآية [النحل: ٢].
قوله تعالى: ﴿مَا كُتَ نَّدْرِى مَا الْكِنَبُ وَلَ الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْتَهُ نُورًا نَهْدِى بِهِ، مَن ◌َّشَآءُ
مِنْ عِبَادِنَا﴾. قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مَا كُنُتَ نَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَنُ﴾؛
يبيّن الله - جلّ وعلا - فيه مِنّته على هذا النبي الكريم، بأن علمه هذا القرآن العظيم ولم
يكن يعلمه قبل ذلك، وعلمه تفاصيل دين الإسلام ولم يكن يعلمها قبل ذلك.
قوله: ﴿مَا كُنْتَ نَّرِى مَا الْكِتَبُ﴾: أي ما كنت تعلم ما هو هذا الكتاب الذي هو
القرآن العظيم، حتى علمتكه، وما كنت تدري ما الإيمان الذي هو تفاصيل هذا الدين
الإسلامي، حتى علمتكه.
ومعلوم أن الحق الذي لا شك فيه الذي هو مذهب أهل السنة والجماعة أن
الإيمان شامل للقول والعمل مع الاعتقاد.
وذلك ثابت في أحاديث صحيحة كثيرة، منها: حديث وفد عبد القيس المشهور،
ومنها حديث: ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً)) الحديث، فسمى فيه قيام رمضان إيماناً،
وحديث: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة))، وفي بعض رواياته: ((بضع وستون شعبة أعلاها
شهادة ألا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)).
والأحاديث بمثل ذلك كثيرة، ويكفي في ذلك ما أورده البيهقي في شعب
الإيمان، فهو صلوات الله وسلامه عليه ما كان يعرف تفاصيل الصلوات المكتوبة
وأوقاتها ولا صوم رمضان، وما يجوز فيها وما لا يجوز، ولم يكن يعرف تفاصيل
الزكاة ولا ما تجب فيه، ولا قدر النصاب وقدر الواجب فيه ولا تفاصيل الحج ونحو
ذلك، وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَا الْإِيمَنُ﴾.
وما ذكره هنا من أنه لم يكن يعلم هذه الأمور حتى علمه إياها بأن أوحى إليه هذا
النور العظيم الذي هو كتاب الله، جاء في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ
عَلَيْكَ الْكِتَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ﴾ ... الآية [النساء: ١١٣]. وقوله
- جل وعلا -: ﴿نَحْنُ نَقُضُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اٌلْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ
مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ الْغَفِلِينَ ﴾﴾ [يوسف].
فقوله في آية يوسف هذه: ﴿وَإِن كُنْتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ اُلْغَفِلِينَ﴾ [يوسف: ٣].
كقوله هنا: ﴿مَا كُنْتَ نَّدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَ الْإِيمَنُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى
[الضحى]، على أصح التفسيرات، كما قدَّمناه في سورة الشعراء في الكلام على قوله
تعالى: ﴿قَالَ فَعَلْنُهَا إِذَا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ﴾﴾ [الشعراء]، إلى غير ذلك من الآيات.
: وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًا تَهْدِى بِهِ، مَن ◌َّشَآءُ﴾؛ الضمير
في قوله: ((جعلناه)) راجع إلى القرآن العظيم المذكور في قوله: ﴿رُوحًا مِنْ أَغْرِنَا﴾. وقوله:

١٢٧٥
سورة الشورى: الآيتان (٥٢ - ٥٣) -ـ
كُنْتَ نَدْرِى مَا الْكِنَبُ﴾؛ أي ولكن جعلنا هذا القرآن العظيم نوراً نهدي به من نشاء
هدايته من عبادنا .
وسمى القرآن نوراً؛ لأنّه يضيء الحق ويزيل ظلمات الجهل والشك والشرك.
وما ذكره هنا من أن هذا القرآن نور، جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى:
(١)﴾ [النساء].
وَيُّهَا النَّاسُ قَّدْ جَاءَكُمْ بُرْهَنٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنَزَلْنَآَ إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا
وقوله تعالى: ﴿ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وقوله تعالى: ﴿قَدْ
جَآءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبٌ مُبِينٌ
﴿ يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ أَتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ
السَّلَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَفِيمٍ
[المائدة] وقوله تعالى: ﴿فَامِنُواْ بِلَلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالنُّورِ الَّذِىّ أَنْزَلْنَا﴾ [التغابن: ٨].
وما دلت عليه هذه الآيات الكريمة من كون هذا القرآن نوراً؛ يدل على أنه هو
الذي يكشف ظلمات الجهل، ويظهر في ضوئه الحق، ويتميز عن الباطل، ويميز به بين
الهدى والضلال والحسن والقبيح.
فيجب على كل مسلم أن يستضيء بنوره، فيعتقد عقائده، ويحل حلاله، ويحرم
حرامه، ويمتثل أوامره، ويجتنب ما نهى عنه، ويعتبر بقصصه وأمثاله.
والسنة كلها داخلة في العمل به؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا
نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَانْنَهُواْ﴾ [الحشر: ٧].
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. الصراط المستقيم، قد بيّنه تعالى
فِي قِوله: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ
@ صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ
عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
﴾ [الفاتحة].
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ﴾ ... الآية، قد بيّنا الآيات الموضحة
له في سورة فصلت، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا تَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ﴾ الآية
[فصلت: ١٧]، وبينا هناك وجه الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَنَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
مع قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦].
والصراط في لغة العرب: الطريق الواضح، والمستقيم الذي لا اعوجاج فيه، ومنه
قول جرير.
أمير المؤمنين على صراط
إذا اعوج الموارد مستقيم
قوله تعالى: ﴿أَلَّ إِلَى الَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾. ما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون
الأمور كلها تصير إلى الله؛ أي ترجع إليه وحده لا إلى غيره، جاء موضحاً في آيات
أخر كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣].
وقوله تعالى: ﴿وَلَّهِ مَا فِىِ السَمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ اُلْأُمُورُ ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمٍَّ
أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٠٩، ١١٠]، إلى غير ذلك من الآيات.

١٢٧٦
سورة الزخرف: الآيات (١ - ٨)
براسه الرحمن الرحيم
سورة الزخرف
قوله تعالى: ﴿حَمّ ﴿﴿ وَاَلْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴿﴿ إِنَّا جَعَلْنَهُ قُزْءَنًا عَرَبِيًا﴾ ... الآية.
قد قدَّمنا الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور في أول سورة هود.
وقوله تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَهُ قُزْءَانَا عَرَبِيًّا﴾؛ قد قدَّمنا الكلام عليه في سورة الشعراء، في
(٥)﴾ [الشعراء]، وفي
الكلام على قوله تعالى: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (9َ يِسَانٍ عَرَبٍ تُبِينٍ
سورة الزمر، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عَوَجِ﴾ الآية [الزمر: ٢٨].
قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ ﴾﴾، الضمير في قوله
((منهم)) عائد إلى القوم المسرفين، المخاطبين بقوله: ﴿أَفَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنَ
كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ﴾﴾، وفيه ما يسميه علماء البلاغة بالالتفات من الخطاب إلى الغيبة.
وقوله: ﴿أَشَذَ مِنْهُم﴾، مفعول به لأهلكنا، وأصله نعت لمحذوف، والتقدير:
فأهلكنا قوماً أشد منهم بطشاً، على حد قوله في الخلاصة:
وما من المنعوت والنعت عُقِلْ يجوز حذفه وفي النعت يَقِل
وقوله ((بطشاً)): تمييز محول من الفاعل على حد قوله في الخلاصة:
مفضِّلا كأنت أعلا منزِلًا
والفاعل المعنى انصبن بأفعَلًا
والبطش: أصله الأخذ بعنف وشدة.
والمعنى: فأهلكنا قوماً أشد بطشاً من كفار مكة الذين كذبوا نبينا بسبب تكذيبهم
رسلهم، فليحذر الكفار الذين كذبوك أن يهلكهم بسبب ذلك كما أهلكنا الذين كانوا
أشد منهم بطشاً؛ أي أكثر منهم عَدداً وعُدداً وجَلَداً .
فعلى الأضعف الأقل أن يتعظ بإهلاك الأقوى الأكثر.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي صفتهم التي هي
إهلاكهم المستأصل، بسبب تكذيبهم الرسل.
وقول من قال: ﴿مَثَلُ اْأَوَّلِينَ﴾؛ أي عقوبتهم وسنتهم راجع في المعنى إلى ذلك.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من تهديد الكفار الذين كذبوا محمداً ول# بأن الله
أهلك من هم أقوى منهم، ليحذروا أن يفعل بهم مثل ما فعل بأولئك، جاء موضحاً في
آيات أخر كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِ الْأَرْضِ فَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمّ

١٢٧٧
سورة الزخرف: الآيتان (٩ - ١٠).
كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِنَّا عَمَرُوهَا﴾ ... الآية [الروم: ٩].
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِ اَلْأَرْضِ فَيَنَظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوَأْ
أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِ الْأَرْضِ﴾ ... الآية [غافر: ٨٢]. وقوله تعالى: ﴿أَّ يَرَوْأ
كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ ◌َّكَّنَّهُمْ فِ اَلْأَرْضِ مَا لَمَ نُمَكِّنَ لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَلَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا﴾
إلى قوله: ﴿فَأَهْلَكْنَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ ... الآية [الأنعام: ٦]. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن
[سبأ]. وقوله تعالى:
قّلِهِمْ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ ءَانَيْنَهُمْ فَكَُّواْ رُسُلِىٌّ فَكَيْفَ كَانَ تَكِيرِ
﴿أَوَلَمْ يَسِيْرُواْ فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَمَا كَانَ
﴾ [فاطر].
٤٤)
اَللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَىْءٍ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِىِ الْأَرْضَِّ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَِّينَ﴾؛ ما تضمنته هذه الآية
الكريمة من تهديد كفار مكة الذين كذبوا محمداً وَله، بصفة إهلاكهم وسنته فيهم التي هي
العقوبة وعذاب الاستئصال، جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جََّهُمْ نَذِيرٌ مَّا
اسْتِكْبَارًا فِىِ الْأَرْضِ وَمَكْرَ السِّّ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّبِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ، فَهَلْ
٤٢
زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (
يَنْظُرُونَ إِلَّ سُنَّتَ الْأَوَِّنَّ فَن ◌َجِدَ لِسُنَّتِ الَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (®﴾ [فاطر].
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِلْبَيِّنَتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ
(٨٤)
بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴾ فَلَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَا بِهِ مُشْرِكِينَ
فَلَمْ يَكُ يَنَفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَّ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِةٍ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ
﴾ [غافر]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ جَمَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلَّ
أَنْ تَأْنِيَهُمْ سُنَّهُ اٌلْأَوَّلِينَ﴾ الآية [الكهف: ٥٥]. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُوْنَا أَنَقَمْنَا مِنْهُمْ
(٥)﴾ [الزخرف].
فَجَعَلْنَهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ (
فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ (@)
وقد قدَّمنا بعض الآيات الدالة على هذا في سورة المائدة في الكلام على قوله
تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ﴾ ... الآية [المائدة: ٣٢].
قوله تعالى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْنَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ
اُلْعَلِيمُ ﴾﴾. وقد قدّمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة بني إسرائيل، في الكلام
على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِ هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].
قوله تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُّلاً لَّعَلَّكُمْ
تَهْتَدُونَ ﴾﴾. قرأ هذا الحرف، عاصم وحمزة والكسائي ﴿مَهْدًا﴾؛ بفتح الميم
وسكون الهاء وقرأه باقي السبعة ﴿مِهَدًا﴾؛ بكسر الميم وفتح الهاء بعدها ألف،
ومعناهما واحد وهو الفراش.
وقد ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة، أنه جعل الأرض لبني آدم مهداً أي
فراشاً، وأنه جعل لهم فيها سبلاً أي طرقاً ليمشوا فيها ويسلكوها، فيصلوا بها من قطر
إلى قطر. وهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية الكريمة، من كونه تعالى جعل

١٢٧٨
سورة الزخرف : الآيتان (١١ - ١٢)
الأرض فراشاً لبني آدم وجعل لهم فيها الطرق لينفذوا من قطر إلى قطر، جاء موضحاً
في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا ﴿ لِتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلًا
[نوح]، وكقوله تعالى: ﴿وَحَعَلْنَا فِى الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا
فِيجَاجًا (٥)
فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
﴾ [الأنبياء].
وذكر كون الأرض فراشاً لبني آدم في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَاُلْأَرْضَ فَرَشْتَهَا
فَنِعْمَ الْمَهِدُونَ (٣)﴾ [الذاريات]. وقوله تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءُ
وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ
الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَّةَ بِنَآءَ﴾ ... الآية [غافر: ٦٤].
وقد قدَّمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى:
﴿وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَرًا وَسُبُّلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾﴾ [النحل].
قوله تعالى: ﴿وَلَّذِى نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ، بَلْدَةٌ مَّيْنًا كَذَلِكَ
تُخْرَجُونَ ﴾﴾. ما تضمنته هذه الآية الكريمة من دلالة إحياء الأرض بعد موتها على
خُرُوج الناس من قبورهم أحياء بعد الموت، في قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾؛ جاء
موضحاً في آيات كثيرة قد قدَّمناها في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَنَزَّلَ
مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَّتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢]، مع بقية براهين البعث في
القرآن. وأوضحنا ذلك أيضاً في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِىّ
أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَءٍ لَّكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾﴾ [النحل]، وفي غير
ذلك من المواضع، وأحلنا على ذلك مراراً كثيرة في هذا الكتاب المبارك.
وقد قدَّمنا في سورة الفرقان، معنى الإنشاء والنشور، وما في ذلك من اللغات مع
الشواهد العربية.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة. ﴿يِقَدَرٍ﴾. قال بعض العلماء: أي بقدر سابق
وقضاء. وقال بعض العلماء: أي بمقدار يكون به إصلاح البشر فلم يكثر الماء جداً
فيكون طوفاناً فيهلكهم، ولم يجعله قليلاً دون قدر الكفاية، بل نزله بقدر الكفاية من غير
مضرة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَّ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ فِىِ الْأَرْضِّ وَإِنَا عَلَى ذَهَارِ بِه
لَقَدِرُونَ ﴿َ﴾ [المؤمنون]. وقال تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ
مَّعْلُومٍ ﴾﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَزِنِينَ﴾ [الحجر: ٢١ -٢٢].
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا﴾. والأزواج: الأصناف، والزوج تطلقه
العرب على الصنف.
وقد بين تعالى أن الأزواج المذكورة هنا تشمل أصناف النبات وبني آدم وما لا
يعلمه إلا الله، قال تعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنِبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ
أَنْفُسِهِمْ وَمِمَا لَا يَعْلَمُونَ (﴾﴾ [يس]، وقال تعالى: ﴿ وَأَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ- أَزْوَجًا
مِّن نَّبَاتٍ شَقَّ﴾ [طه: ٥٣].

١٢٧٩
سورة الزخرف: الآيتان (١٢ - ١٣).
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيَّهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجَ بَهِيجٍ﴾
[الحج: ٥]، أي من كل صنف حسن من أصناف النبات.
وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ فَأَنْبَنَاَ فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجِ كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠].
ومن إطلاق الأزواج على الأصناف في القرآن قوله تعالى: ﴿وَءَآخَرُ مِن شَكْلِهِ: أَزْوَجُ
[ص]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَ عَيْنَكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجَا مِنْهُمْ﴾ [طه: ١٣١].
وقد قدّمنا طرفاً من ذلك في سورة الصافات، في الكلام على قوله تعالى:
﴿أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ◌َلَمُوا وَأَزْوَجَهُمْ﴾ الآية [الصافات: ٢٢].
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَمِ مَا تَرَّكَبُونَ * لِتَسْتَوُاْ عَلَى ظُهُورِ، ثُمَّ تَذْكُواْ
نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أُسْتَوَيْتُمْ عَيْهِ﴾.
قد قدّمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة المؤمن، في الكلام على قوله
تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَمَ لِتَرَكَبُواْ مِنْهَا﴾ الآية [غافر: ٧٩]. وضمير المفرد
المذكر الغائب في قوله: ﴿لِتَسْتَوُاْ عَلَى ظُهُورِهِ﴾، وقوله: ﴿إِذَا اُسْتَوَيْتُمْ عَلَّهِ﴾ راجع إلى
لفظ ((ما)) في قوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَمِ مَا تَرَّكَبُونَ﴾ .
قوله تعالى: ﴿وَتَقُولُواْ سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ .. يعني - جلّ
وعلا - أنّه جعل لبني آدم ما يركبونه من الفلك التي هي السفن، ومن الأنعام ليستووا
أي يرتفعوا معتدلين على ظهوره، ثم يذكروا في قلوبهم نعمة ربهم عليهم بتلك
المركوبات ثم يقولوا بألسنتهم مع تفهم معنى ما يقولون: ﴿سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا
وَمَا كُتَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾
وقوله: ((سبحان)) قد قدَّمنا في أول سورة بني إسرائيل معناه بإيضاح، وأنّه يدل
على تنزيه الله - جلّ وعلا - أكمل التنزيه وأتمه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله.
والإشارة في قوله ﴿هَذَا﴾ راجعة إلى لفظ ﴿مَا﴾ من قوله: ﴿مَا تَرَكَبُونَ﴾ وجمع الظهور
نظراً إلى معنى ﴿مَا﴾؛ لأن معناها عام شامل لكل ما تشمله صلتها ولفظها مفرد،
فالجمع في الآية باعتبار معناها، والإفراد باعتبار لفظها .
وقوله: ﴿الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾؛ أي الذي ذلل لنا هذا الذي هو ما نركبه من
الأنعام والسفن؛ لأن الأنعام لو لم يذللها الله لهم لما قدروا عليها ولا يخفى أن الجمل
أقوى من الرجل، وكذلك البحر لو لم يذلله ويسخر لهم إجراء السفن فيه لما قدروا
على شيء من ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾؛ أي مطيقين. والعرب تقول: أقرن الرجل
للأمر وأقرنه إذا كان مطيقاً له كفؤا للقيام به، من قولهم: أقرنت الدابة للدابة، بمعنى أنك
إذا قرنتهما في حبل قدرت على مقاومتها، ولم تكن أضعف منها فتجرها؛ لأن الضعيف
إذا لز في القرن، أي الحبل، مع القوي جره ولم يقدر على مقاومته، كما قال جرير:

١٢٨٠
سورة الزخرف: الآية (١٥)
لم يستطع صولة البزل القناعيس
وابن اللبون إذا ما لز في قرن
وهذا المعنى: معروف في كلام العرب، ومنه قول عمر بن معد يكرب وقد أنشده
قطرب لهذا المعنى : -
لقد علم القبائل ما عقيل
لنا في النائبات بمقرنينا
وقول ابن هرمة:
وأقرنت ما حملتني ولقلما
وقول الآخر:
يطاق احتمال الصدياد عدو الهجر.
ركبتم صعبتي أشراً وحيفاً ولستم للصعاب بمقرنينا ...
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن ما ذكر من السفن والأنعام لو لم يذلله الله
لما أقرنوا له ولما أطاقوه جاء مبيناً في آيات أخر. قال تعالى في ركوب الفلك: ﴿وَءَايَةٌ
لَّمْ أَنَا حَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِ اَلْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴿﴿ وَخَلَقْنَا لَمُم مِّن مِثْلِهِ، مَا يَزَّكَبُونَ (٣)﴾ [يس]. وقال
تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيبًا﴾ الآية [النحل: ١٤]. وقال
تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ الْبَعْرَ لِتَجْرِىَ الْفُلَكُ فِيهِ بِأَفْرِهِ، وَلِنَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ،ٍ﴾ ... الآية
[الجاثية: ١٢]. وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْقُلْكَ لِتَجْرِىَ فىِ الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ، وَسَخَّرَ لَكُمُ
اُلْأَنْهَرَ﴾ [إبراهيم: ٣٢]. الآية، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ
وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى تَجْرِى فِىِ الْبَعْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ ... الآية [البقرة: ١٦٤]. وقال تعالى:
﴿أَلَمَّ تَرَ أَنَّ اللَّهُ سَخَّرَ لَكُ مَّا فِ الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِى فِىِ الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ، وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَفَعَ
عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنٍِ﴾ الآية [الحج: ٦٥]، والآيات بمثل ذلك كثيرة.
وقال تعالى في تسخير الأنعام: ﴿وَذَلَّلْتَهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (®)﴾ [يس].
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَتْ جُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْتَهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ ﴿ لَنْ يَنَالَ اَللَّهَ لُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنِ يَنَالُهُ النَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ
([الحج]، إلى غير ذلك من الآيات ...
لِتُكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ وَبَشْرِ الْمُحْسِنِينَ.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾. قال بعض العلماء ﴿جُزْءًا﴾ أي عدلاً
ونظيراً، يعني الأصنام وغيرها من المعبودات من دون الله، وقال بعض العلماء:
﴿جُزْءًا﴾ أي ولداً، وقال بعض العلماء: ﴿جُزْءًا﴾ يعني البنات ...
وذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية: أن الجزء النصيب، واستشهد على ذلك بآية
الأنعام. أعني قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِنَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا فَقَالُواْ
هَذَا لِلَّ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِتُرَّكَيْنَا﴾ [الأنعام: ١٣٦] ... الآية.
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: الذي يظهر أنّ قول ابن كثير هذا تخلّشُ غير
صواب في الآية؛ لأنّ المجعول لله في آية الأنعام، هو النصيب مما ذرا من الحرث