النص المفهرس
صفحات 1241-1260
١٢٤١ سورة فصلت: الآيات (٢٠ - ٢٥) فقلت ألما أصح والشيب وازع على حين عاتبت المشيب على الصبا وقول الآخر: من الناس إلا وافر العقل كامله ولن يزع النفس اللجوج عن الهوى وبما ذكرنا تعلم أن أصل معنى يوزعون. أي يكف أولهم عن التقدم وآخرهم عن التأخر حتى يجتمعوا جميعاً . وذلك يدل على أنهم يساقون سوقاً عنيفاً، يجمع به أولهم مع آخرهم. وقد بين تعالى أنهم يساقون إلى النار في حال كونهم عطاشاً في قوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِنَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴾﴾ [مريم]، ولعل الوزع المذكور في الآية يكون في الزمرة الواحدة من زمر أهل النار؛ لأنهم يساقون إلى النار زمراً زمراً كما قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الزمر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ الآية [الزمر: ٧١]. قوله تعالى: ﴿حَّ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَبَصَرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة يس، في الكلام على قوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىَ أَفْوَهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَّا أَيْدِيهِمْ﴾ الآية [يس: ٦٥]، وفي سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يَكْثُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] .. وبيّنا هناك وجه الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَلَا يَكْثُمُونَ اَللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، مع قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَدُهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ وَلَّهِ حَيْنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٣)﴾ [الأنعام]. قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًاً مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴿ وَذَلِكُمْ طَتْكُمُ الَّذِى ظَنْتُمْ بِرَبَّكُمْ أَزْدَكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَسِرِينَ (٣ فَإِن يَصْبِرُواْ فَالنَّارُ مَثْوَى لَمْ﴾. قد قدَّمْنَا الكلام عليه في سورة صّ، في الكلام على قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧]: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ اُلْمُعْتَّبِينَ﴾. قد بيّنا معناه مع شواهده العربية في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَثُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤]. قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَّةَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. لعلماء التفسير في تفسير قوله: ﴿وَقَيَّضَّنَا﴾، عبارات يرجع بعضها في المعنى إلى بعض. كقول بعضهم: ﴿وَقَيَّضَّنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ﴾ أي جئناهم بهم؛ وأتحناهم لهم. وكقول بعضهم: ﴿وَقَيَّضْنَا﴾ أي هيأنا، وقول بعضهم: ﴿وَقَيَّضْنَا﴾ أي سلطنا. وقول بعضهم: ﴿وَقَيَّضْنَا﴾ أي بعثنا ووكلنا، وقول بعضهم: ﴿وَقَيَّصْنَا﴾ أي سببنا. وقول بعضهم: قدرنا ونحو ذلك من العبارات، فإن جميع تلك العبارات راجع ١٢٤٢ سورة فصلت: الآيات (٢٠ - ٢٥) إلى شيء واحد، وهو أنّ الله - تبارك وتعالى - هيأ للكافرين قرناء من الشياطين يضلونهم عن الهدى، ويزينون لهم الكفر والمعاصي وقدرهم عليهم. والقرناء: جمع قرين وهم قرناؤهم من الشياطين على التحقيق. وقوله: ﴿فَزَيَّنُوْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيِّدِهِمْ﴾، أي من أمر الدنيا حتى آثروه على الآخرة: ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي من أمر الآخرة، فدعوهم إلى التكذيب به، وإنكار البعث. وما تضمنته هذه الآية الكريمة، أنه تعالى قيض للكفار قرناء من الشياطين، يضلونهم عن الهدى، بينه في مواضع أخر من كتابه. وزاد في بعضها سبب تقييضهم لهم، وأنهم مع إضلالهم لهم، يظنون أنهم مهتدون، وأن الكافر يوم القيامة يتمنى أن يكون بينه وبين قرينه من الشياطين بعد عظيم، وأنه يذمه ذلك اليوم كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَئِنَّا فَهُوَ لَهُ حَقَّ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَلَيَّتَ قَرِنٌ ﴿ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ بَيْنِ وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ اَلْقَرِينُ (﴾﴾ [الزخرف]. فترتيبه قوله: ﴿نُقَيِّضْ لَهُمْ شَيْطَانًا﴾، على قوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف: ٣٦]، ترتيب الجزاء على الشرط يدل على أن سبب تقييضه له، هو غفلته عن ذكر الرحمن. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ﴾﴾ [الناس]؛ لأنّ الوسواس هو كثير الوسوسة ليضل بها الناس، والخناس هو كثير التأخر والرجوع عن إضلال الناس، من قولهم: خنس بالفتح يخنس بالضم إذا تأخر. فهو وسواس عند الغفلة عن ذكر الرحمن، خناس عند ذكر الرحمن، كما دلت عليه آية الزخرف المذكورة، ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانُّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٧ إِنَّمَا سُلْطَانُ عَلَى الَّذِينَ يَنَّوَلَوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ (٣) [النحل]؛ لأنّ الذين يتولونه، والذين هم به مشركون، غافلون عن ذكر الرحمن؛ وبسبب ذلك قيضه الله لهم فأضلهم. ومن الآيات الدالة على تقييض الشياطين للكفار ليضلوهم، قوله تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزَّا﴾ [مريم: ٨٣]، وقد أوضحنا الآيات الدالة على ذلك في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ الآية [مريم: ٨٣]. وبينا هناك أقوال أهل العلم في معنى ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزَّا﴾ [مريم: ٨٣٠]. وبينا أيضاً هناك أن من الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَمَعْشَرَ أَلْجِنْ قَدِ أُسْتَكْتَرْتُم مِّنَ الْإِنسِِ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، أي استكثرتم من إضلال الإنس في دار الدنيا، وقوله: ﴿وَإِخْوَئُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِ الْغَيِّ ثُنَّ لَا يُقْصِرُونَ (َ﴾﴾ [الأعراف]. ومنها أيضاً قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِىَّ ءَدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُوْ جِلًا كَثِيرًا﴾ [يس: ٦٠ -٦٢]. ١٢٤٣ سورة فصلت: الآيات (٢٦ - ٣٦). - وقد دل قوله في آية الزخرف: ﴿فِتْسَ اُلْقَرِيْنُ﴾ [الزخرف: ٣٨]، على أنّ قرناء الشياطين المذكورين في آية فصلت، وآية الزخرف وغيرهما، جديرين بالذم الشديد، وقد صرح تعالى بذلك في سورة النساء في قوله: ﴿وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيْنَا فَسَآءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨]؛ لأن قوله: ﴿فَسَآءُ قَرِينًا﴾، بمعنى: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾؛ لأنّ كلاً من ((ساء)) و(بئس)) فعل جامد لإنشاء الذم كما ذكره في الخلاصة بقوله: واجعل كبئس ساء واجعل فعلا من ذي ثلاثة كنعم مسجلا واعلم: أنّ الله تعالى بيّن أن الكفار الذين أضلهم قرناؤهم من الشياطين يظنون أنهم على هدى، فهم يحسبون أشد الضلال، أحسن الهدى، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُهْتَدُونَ (٣)﴾ [الزخرف]. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمُ أَّخَذُواْ الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٠]. وبين تعالى أنهم بسبب ذلك الظن الفاسد هم أخسر الناس أعمالاً في قوله تعالى: الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْخَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ ﴿قُلْ هَلْ نُنِئُكُ بِالْأَخْسَرِنَ أَعْمَلًا صُنْعًا (1)﴾ [الكهف]. وقوله تعالى في آية الزخرف: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف: ٣٦]، من قولهم عشا بالفتح عن الشيء يعشو بالضم إذا ضعف بصره عن إدراكه؛ لأن الكافر أعمى القلب. فبصيرته تضعف عن الاستنارة بذكر الرحمن، وبسب ذلك يقيض الله له قرناء الشياطين. قوله تعالى: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة يس، في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ الآية [يس: ٧]. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا أَلْقُرْءَانِ﴾. وقد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَسْمَعُواْ﴾ [البقرة: ٩٣]. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَدِمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ أَلَّ تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُمْ تُوعَدُونَ ﴿٣ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴿ نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمِ (®)﴾. ما تضمنته هذه الآية الكريمة مما أعده الله في الآخرة للذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، ذكره الله تعالى في الجملة في قوله في الأحقاف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ◌َللَّهُ ثُمَّ أُسْتَقَمُواْ فَلاَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ خَلِينَ فِيَهَا جَزَّةً بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ ﴾﴾ [الأحقاف]، لأن انتفاء الخوف والحزن والوعد الصادق، بالخلود في الجنة المذكور في آية الأحقاف هذه، يستلزم جميع ما ذكر في هذه الآية الكريمة، من سورة فصلت. قوله تعالى: ﴿أَدْفَعْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَنَّهُ وَلِيُّ حَمِيمٌ ٣٤ وَمَا يُلَقَّنِهَآ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَِّهَا إِلَّا ذُو حَظٍ عَظِيمٍ ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْعٌ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِمُ ﴾﴾. قد أوضحناه مع الآيات التي بمعناه في آخر ١٢٤٤ سورة فصلت: الآيتان (٣٧ - ٣٨) سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُنْ بِالْعُرْفِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَُّ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٩٩ - ٢٠٠]. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ اَلَيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ ... الآية. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَرَ ءَايَنَيْنِ﴾ الآية [الإسراء: ١٢]، وفي غير ذلك من المواضع. قوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ قد قدَّمنا الكلام عليه في سورة النمل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِ السَّمَوَّتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النمل: ٢٥]. قوله تعالى: ﴿فَإِنِ أَسْتَكْبُواْ فَالَّذِينَ عِنِدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْتَمُونَ﴾ ﴾. قوله تعالى: ﴿فَإِنِ أَسْتَكْبَرُوا﴾ أي فإن تكبر الكفار عن توحيد الله، والسجود له وحده، وإخلاص العبادة له، فالذين عند ربك وهم الملائكة يسبحون له بالليل؛ أي يعبدونه وينزهونه دائماً ليلاً ونهاراً وهم لا يسأمون؛ أي لا يملون من عبادة ربهم؛ لاستلذاذهم لها وحلاوتها عندهم، مع خوفهم منه - جلّ وعلا - كما قال تعالى: ﴿وَيُسَِعُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْمَلَئِكَةُ مِنْ خِفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣]، وقد دلت هذه الآية الكريمة من سورة فصلت على أمرين. أحدهما: أنّ الله - جلّ وعلا - إن كفر به بعض خلقه، فإن بعضاً آخر من خلقه يؤمنون به، ويطيعونه كما ينبغي، ويلازمون طاعته دائماً بالليل والنهار. والثاني منهما: أن الملائكة يسبحون الله ويطيعونه دائماً لا يفترون عن ذلك. وهذان الأمران اللذان دلت عليهما هذه الآية الكريمة، قد جاء كل منهما موضحاً في غير هذا الموضع. أما الأول منهما: فقد ذكر - جلّ وعلا - في قوله: ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ فَقَدْ وَكَّْنَ ◌ِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩]. وأما الثاني منهما: فقد أوضحه تعالى في آيات من كتابه كقوله تعالى في الأنبياء: يُسَبِّحُونَ ﴿وَلَهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْيُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ الَّيْلَ وَالنَّارَ لَا يَفْتُرُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء]. وقوله تعالى في آخر الأعراف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ (١٨) ﴾ [الأعراف]، إلى غير ذلك من رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَيِّهِ وَيُسَبِحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَهُمْ لَا يَسْمُونَ﴾ أي لا يملون. والسآمة الملل ومنه قول زهير: ثمانين حولاً، لا أبا لك، يسأم سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ١٢٤٥ سورة فصلت: الآيات (٣٩ - ٤٦) قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ: أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَيِعَةٌ فَإِذَا أَنْنَا عَلَيَّهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتَّ﴾ هذه الآية الكريمة قد أوضحنا الكلام عليها، مع ما في معناها من الآيات، وبيّنا أن تلك الآيات فيها البرهان القاطع على البعث بعد الموت، وذكرنا معها الآيات التي يكثر الاستدلال بها في القرآن على البعث بعد الموت، وهي أربعة براهين قرآنية. ذكرنا ذلك في سورة البقرة وفي سورة النحل وغيرهما وأحلنا عليه مراراً. قوله تعالى: ﴿أَفَنَ يُلْقَى فِ النَّارِ خَيْرُ أَم مَن يَأْتِىَ ءَامِنَّا يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾. قد قدَّمنا الكلام عليه مع ما يماثله من الآيات، في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرُّ أَمْ جَنَّةُ اُلْخُلْدِ﴾ الآية [الفرقان: ١٥]. قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في أول سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿هُدَّى لِلْمُثَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، وفي سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنُغَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [الإسراء: ٨٢]. قوله تعالى: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]، وفي سورة النمل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [النمل: ٤٠]. قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾. ما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة من كونه ليس بظلام للعبيد، ذكره في مواضع أخر، كقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿ذَلِكَ بِمَا فَدَّمَتْ أَيْدِيَكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ (٨٧) الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ الآية [آل عمران: ١٨٢، ١٨٣]. وقوله في الأنفال: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ ﴿﴿ كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ﴾ الآية [الأنفال: ٥١، ٥٢]. وقوله في الحج: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمِ لِلْعَبِيدِ ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ﴾ الآية [الحج: ١٠، ١١]. وقوله في سورة ق: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَنَّ وَمَا أَنْ يِظَلَِّ لِلْعِيدِ (٢)﴾ [ق]. وفي هذه الآيات سؤال معروف، وهو أن لفظة ظلام فيها صيغة مبالغة. ومعلوم أن نفي المبالغة لا يستلزم نفي الفعل من أصله. فقولك مثلاً: زيد ليس بقتال للرجال لا ينفي إلا مبالغته في قتلهم، فلا ينافي أنه ربما قتل بعض الرجال. ومعلوم أن المراد بنفي المبالغة، في الآيات المذكورة هو نفي الظلم من أصله، والجواب عن هذا الإشكال من أربعة أوجه: الأول: أنّ نفي صيغة المبالغة في الآيات المذكورة، قد بينت آيات كثيرة، أن المراد به نفي الظلم من أصله. ونفي صيغة المبالغة، إذا دلت أدلة منفصلة على أن يراد به نفي أصل الفعل، فلا إشكال لقيام الدليل على المراد. ١٢٤٦ - سورة فصلت: الآيات (٣٩ - ٤٦) والآيات الدالة على ذلك كثيرة معروفة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا﴾ الآية [النساء: ٤٠]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾﴾ [يونس]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِّمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوْزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَمَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا﴾ ... الآية [الأنبياء: ٤٧]. إلى غير ذلك من الآيات كما قدَّمنا إيضاحه في سورة الكهف والأنبياء. الوجه الثاني: أنّ الله - جلّ وعلا - نفى ظلمه للعبيد، والعبيد في غاية الكثرة. والظلم المنفي عنهم تستلزم كثرتهم كثرته، فناسب ذلك الإتيان بصيغة المبالغة للدلالة على كثرة المنفي التابعة لكثرة العبيد المنفي عنهم الظلم، إذ لو وقع على كل عبد ظلم ولو قليلاً، كان مجموع ذلك الظلم في غاية الكثرة، كما ترى. وبذلك تعلم اتجاه التعبير بصيغة المبالغة، وأن المراد بذلك نفي أصل الظلم عن كل عبد من أولئك العبيد الذين هم في غاية الكثرة، سبحانه وتعالى عن أن يظلم أحداً شيئاً، كما بينته الآيات القرآنية المذكورة. وفي الحديث: ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي)) ... الحديث. الوجه الثالث: أن المسوغ لصيغة المبالغة، أن عذابه تعالى بالغ من العظم والشدة، أنه لولا استحقاق المعذبين لذلك العذاب بكفرهم ومعاصيهم، لكان معذبهم به ظلاماً بليغ الظلم متفاقمه، سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيراً. وهذا الوجه والذي قبله أشار لهما الزمخشري في سورة الأنفال. الوجه الرابع: ما ذكره بعض علماء العربية وبعض المفسرين، من أن المراد بالنفي في قوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾، نفى نسبة الظلم إليه؛ لأن صيغة فعال تستعمل مراداً بها النسبة فتغني عن ياء النسب كما أشار له في الخلاصة بقوله: ومع فاعل وفعَّال فعِلْ في نَسَب أغنى عَنِ اليًا فقَبلْ ومعنى البيت المذكور، أن الصيغ الثلاثة المذكورة فيه التي هي فاعل كظالم، وفعَّال كظلام، وفعل كفرح، كل منها قد تستعمل مراداً بها النسبة، فيستغنى بها عن ياء النسب، ومثاله في فاعل قول الحطيئة في هجوه الزبرقان بن بدر التميمي: واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي دع المكارم لا ترحل لبغيتها فالمراد بقوله الطاعم الكاسي النسبة، أي ذو طعام وكسوة. وقول الآخر وهو من شواهد سيبويه : وغررتني وزعمت أنك لابن في الصيف تـامر أي ذو لبن وذو تمر، وقول نابغة ذبيان: وليل أقاسيه بطيء الكواكبي كليني لهم يا أميمة ناصب ١٢٤٧ سورة فصلت: الآيتان (٤٧ - ٤٨) - فقوله: ناصب أي ذو نصب، ومثاله في فعال قول امرئ القيس: وليس بذي سيف وليس بنبال وليس بذي رمح فيطعنني به فقوله: وليس بنبال؛ أي ليس بذي نبل، ويدل عليه قوله قبله: وليس بذي رمح وليس بذي سيف وقال الأشموني بعد الاستشهاد بالبيت المذكور: قال المصنف؛ يعني ابن مالك: وعلى هذا حمل المحققون قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبِّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾. أي بذي ظلم اهـ. وما عزاه لابن مالك جزم به غير واحد من النحويين والمفسرين، ومثاله في فعل قول الراجز وهو من شواهد سيبويه: لست بليلي ولكني نهر لا أدلج الليل ولكن أبتكر فقوله نهر بمعنى نهاري. وقد قدَّمنا إيضاح معنى الظلم بشواهده العربية، في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾. تقدم الكلام على نحوه في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَّ لَا يُحَلِيهَا لِوَقِهَا إِلَّا هُوْ﴾ [الأعراف: ٨]، وفي الأنعام عند قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِعُ اٌلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ﴾. قد قدَّمنا الكلام عليه في سورة الرعد، في الكلام على قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْتَ وَمَا تَغِيَضُ اُلْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿وَظَنُواْ مَا لَهُم مِّنِ تَحِيْصٍ﴾. الظن هنا بمعنى اليقين؛ لأن الكفار يوم القيامة إذا عاينوا العذاب، وشاهدوا الحقائق، علموا في ذلك الوقت أنهم ليس لهم من محيص؛ أي ليس لهم مفر ولا ملجأ . والظاهر أن المحيص مصدر ميمي، من حاص يحيص بمعنى حاد وعدل وهرب. وما ذكرنا من أن الظن في هذه الآية الكريمة بمعنى اليقين والعلم، هو التحقيق إن شاء الله؛ لأن يوم القيامة تنكشف فيه الحقائق، فيحصل للكفار العلم بها لا يخالجهم في ذلك شك، كما قال تعالى عنهم، إنهم يقولون يوم القيامة: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْتَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]. وقال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَّا﴾ [مريم: ٣٨]. وقال تعالى: ﴿فَكَتَفْنَا عَنَكَ غِطَاءَكَ فَصَرُكَ أَلْيَوْمَ خَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَكَ إِذْ رُقِّفُواْ عَلَى بَيْهِمَّ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَى وَرَبِنًا﴾ [الأنعام: ٣٠]، وقد قدَّمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة النمل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿بَلِ أَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِى اُلْآَخِرَةَ﴾ الآية [النمل: ٦٦]. ١٢٤٨ - سورة فصلت: الآيات (٥٠ - ٥٣) ومعلوم أنّ الظن يطلق في لغة العرب، التي نزل بها القرآن على معنيين :. أحدهما: الشك كقوله: ﴿وَإِنَّ الَّنَّ لَا يُغْنِ مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]، وقوله تعالى عن الكفار: ﴿إِن تَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]. والثاني: هو إطلاق الظن مراداً به العلم واليقين، ومنه قوله تعالى هنا: ﴿وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّنِ تَجِيصٍ﴾ أي أيقنوا، أنهم ليس لهم يوم القيامة محيص؛ أي لا مفر ولا مهرب لهم من عذاب ربهم، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣]، أي أيقنوا ذلك وعلموه، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ ﴾﴾ [البقرة]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُونَ أَنَّهُم مُلَقُواْ الَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقوله تعالى: ﴿فَمَّا فَ﴾ [الحاقة]، مَنْ أُوقَِ كِتَبَهُ بِعِنِهِ، فَيَقُولُ هَاؤُمُ أَقْرَهُواْ كِنَبِيَهْ ﴿ إِّ ◌َنْتُ أَنِّي مُلَقٍ حِسَابَة فالظن في الآيات المذكورة كلها بمعنى اليقين. ونظير ذلك من كلام العرب قول دريد بن الصمة : سرائهم في الفارسي المسرد فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج وقول عميرة بن طارق: وأجعل مني الظن غِيباً مرجماً بأن تفتروا قومي وأقعد فيكم والظن في البيتين المذكورين بمعنى اليقين، والفعل القلبي في الآية المذكورة التي هي قوله: ﴿وَظَنُواْ مَا لَهُم مِّن ◌َِّيصٍ﴾. معلق عن العمل في المفعولين بسبب النفي بلفظة ((ما)) في قوله: ﴿مَا لَهُم مِّن ◌َِّيصٍ﴾. كما أشار له في الخلاصة بقوله: والتزم التعليق قبل نفى ((ما)) قوله تعالى: ﴿وَلَيِنْ أَذَقْتَهُ رَحْمَةٌ مِنَا مِنْ بَعْدٍ ضَرَآءَ مَسَستَّهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِى وَمَآ أَظُنُ السَّاعَةً قَائِمَةٌ وَلَإِن رُجِعْتُ إِلَى رَبِّ إِنَّ لِ عِندَهُ لَلْحُسْنَى﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة لمه في سِورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَيْنِ رُدِدْتُ إِلَى رَبِ لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِّنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى اُلْإِسَنِ أَعْرَضَ وَذَا ◌ِجَانِهِ، وَإِذَا مَسَّهُ الشَُّ فَذُو دُعَاءٍ قد قدَّمنا الآيات الموضحة له، وبعض الأحاديث الصحيحة الموافقة لها عَرِیضٍ في سورة يونس، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسََّ الْإِنسَنَ اُلُّمُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِمْ أَوَ قَاعِدًا لَوْ قَلِمَا فَلَا كَشَفْنَا عَنْهُ مُزَمُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍ مَّسَهُ﴾ [يونس: ١٢] ٢٠٠٠ قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ مَايَئِنَا فِ اَلْآَفَاقِ وَفِيَّ أَنْفُسِهِمْ﴾. قد قدَّمنا الكلام عليه في سورة المؤمن، في الكلام على قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُرِيكُمْ عَلَيَتِهِ، وَيُنَزُِّ لَكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ الآية [غافر: ١٣]. ١٢٤٩ سورة الشورى: الآيات (١ - ٣) قوله تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ مِّنَ لِّقَآءِ رَبِّهِمْ﴾، المرية: الشك وما تضمنته هذه الآية الكريمة من شك الكفار في البعث والجزاء، قد قدَّمنا الآيات الموضحة له، ولما يترتب عليه من الخلود في النار في سورة الفرقان، في الكلام [الفرقان]. على قوله تعالى: ﴿بَلِ كَذَّبُواْ بِلَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا براسه الرحمن الرحيم سُورة الشُّورى كَذَلِكَ يُوحِىّ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ قوله تعالى:﴿حدّ 4 عسّق اُلْحَكِيمُ ﴾﴾، قد قدَّمنا الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة هود. وقول الزمخشري في تفسير هذه الآية: ﴿كَذَلِكَ يُوجِىّ إِلَيْكَ﴾ أي مثل ذلك الوحي، أو مثل ذلك الكتاب يوحى إليك وإلى الرسل من قبلك الله. يعني أن ما تضمنته هذه السورة من المعاني، قد أوحى الله إليك مثله، في غيرها من السور، وأوحاه من قبلك إلى رسله، على معنى أن الله تعالى كرر هذه المعاني في القرآن وفي جميع الكتب السماوية؛ لما فيها من التنبيه البليغ، واللطف العظيم، لعباده من الأولين والآخرين. اهـ منه. وظاهر كلامه، أنّ التشبيه في قوله: كذلك يوحى؛ بالنسبة إلى الموحى باسم المفعول. والأظهر أن التشبيه في المعنى المصدري الذي هو الإيحاء. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾، لم يصرح هنا بشيء من أسماء الذين من قبله الذين أوحى إليهم، كما أوحى إليه، ولكنه قد بيّن أسماء جماعة منهم في سورة النساء، وبيّن فيها أن بعضهم لم يقصص خبرهم عليه، وأنه أوحى إليهم وأرسلهم إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا لقطع حجج الخلق، في دار الدنيا وذلك في قوله تعالى:" أَوْحَيْنَآ إِلَى نُوحٍ وَالنَّبْنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَعِيلٌ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوُبَ وَيُونُسَ وَهَرُونَ وَسُلَيْمَنَّ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (43) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْتَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلَّا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَْ وَكَّمَ اَللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (3) زُسُلًا مُّبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَا [النساء]. يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اَللَّهِ حُبَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اَللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ذكر - جلّ وعلا - فيه الثناء على نفسه، باسمه العزيز واسمه الحكيم بعد ذكره إنزاله وحيه على أنبيائه، كما قال فى آية النساء المذكورة: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٨]، بعد ذكره إيحاءه إلى رسله. ٧٠ ١٢٥٠ سورة الشورى: الآيتان (٤ - ٥) وقد قدّمنا في أول سورة الزمر أن استقراء القرآن، قد دل على أن الله - جل وعلا - إذا ذكر تنزيله لكتابه أتبع ذلك ببعض أسمائه الحسنى وصفاته العليا، وذكرنا كثيراً من أمثلة ذلك. وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن كثير: ﴿يُوحِّ﴾، بكسر الحاء بالبناء للفاعل، وعلى قراءة الجمهور هذه فقوله: ﴿آللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، فاعل يوحي .. وقرأه ابن كثير (يُوحَى إِلَيْكَ)، بفتح الحاء بالبناء للمفعول، وعلى هذه القراءة، فقوله: ﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، فاعل فعل محذوف تقديره يوحي كما قدَّمنا إيضاحه في سورة النور في الكلام على قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِهَا بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِّ (٣) رِجَالٌ﴾ ... الآية [النور: ٣٦، ٣٧]. وقد قدَّمنا معاني الوحي مع الشواهد العربية في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النََّلِ﴾ [النحل: ٦٨]، وغير ذلك من المواضع. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ﴾. وصف نفسه - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة، بالعلو والعظمة، وهما من الصفات الجامعة كما قدَّمناه في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من وصفه تعالى نفسه بهاتين الصفتين الجامعتين المتضمنتين لكل كمال وجلال، جاء مثله في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُودُهُ حِفْظُهُمَاً وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤]. وقوله تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴾﴾ [الرعد]. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبِيَاءُ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ الآية [الجاثية: ٣٧]. إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَوَتُ يَنَفَظّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَالْمَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِىِ الْأَرْضِ﴾. قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير نافع والكسائي ﴿تَكَادُ﴾ بالتاء الفوقية؛ لأن السماوات مؤنثة، وقرأه نافع والكسائي ﴿يَكَادُ﴾ بالياء التحتية لأن تأنيث السماوات غير حقيقي. ٦٠٠ وقرأه عامة السبعة غير أبي عمرو، وشعبة عن عاصم ﴿يَنَفَطَرْنَ﴾ بتاء مثناة فوقية مفتوحة بعد الياء وفتح الطاء المشددة مضارع: تفطر أي تشقق. وقرأه أبو عمرو وشعبة عن عاصم ((يَنْفطرن)) بنون ساكنة بعد الياء وكسر الطاء (١)) [الانفطار]، أي انشقت. ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْفَطَرَتْ المخففة، مضارع انفطرت كقوله : وقوله: تكاد مضارع كاد، التي هي فعل مقاربة، ومعلوم أنها تعمل في المبتدأ والخبر، ومعنى كونها فعل مقاربة، أنها تدل على قرب اتصاف المبتدأ بالخبر. وإذا، فمعنى الآية أن السماوات قاربت أن تتصف بالتفطر على القراءة الأولى، والانفطار على القراءة الثانية. واعلم أن سبب مقاربة السماوات للتفطر، في هذه الآية الكريمة، فيه للعلماء وجهان كلاهما يدل له قرآن: ١٢٥١ سورة الشورى: الآيتان (٤ - ٥). الوجه الأول: أن المعنى تكاد السماوات يتفطرن خوفاً من الله، وهيبة وإجلالاً . ويدل لهذا الوجه قوله تعالى قبله: ﴿وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ﴾؛ لأن علوه وعظمته سبب للسماوات ذلك الخوف والهيبة والإجلال، حتى كادت تتفطر. . . وعلى هذا الوجه فقوله بعده: ﴿وَالْمَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِ الأَرْضُِ﴾، مناسبته لما قبله واضحة. لأن المعنى: أنّ السماوات في غاية الخوف منه تعالى والهيبة والإجلال له، وكذلك سكانها من الملائكة فهم يسبحون بحمد ربهم؛ أي ينزهونه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، مع إثباتهم له كل كمال وجلال؛ خوفاً منه وهيبة وإجلالاً، كما قال تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْمَلَئِكَةُ مِنْ خِفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اٌلْأَرْضِ مِن دَابَةٍ وَالْمَلَئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴿ يَخَافُونَ رَّهُم مِّنْ (٥٠) [النحل]. فوقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ فهم لشدة خوفهم من الله وإجلالهم له، يسبحون بحمد ربهم، ويخافون على أهل الأرض؛ ولذا يستغفرون لهم خوفاً عليهم من سخط الله، وعقابه، ويستأنس لهذا الوجه بقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾. إلى قوله: ﴿وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ [الأحزاب: ٧٢]؛ لأن الإشفاق الخوف. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِ الْأَرْضِ﴾ يعني لخصوص الذين آمنوا منهم وتابوا إلى الله واتبعوا سبيله، كما أوضحه تعالى بقوله: ﴿الَّذِينَ يَحِلُونَ اُلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِحُونَ بِحَمْدٍ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [غافر: ٧]. فقوله: ﴿لَّلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾، يوضح المراد من قوله: ﴿لِمَن فِ الْأَرْضُِ﴾. ويزيد ذلك إيضاحاً قوله تعالى عنهم إنهم يقولون في استغفارهم للمؤمنين: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَنَّبَعُواْ سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧]؛ لأن ذلك يدل دلالة واضحة على عدم استغفارهم للكفار. الوجه الثاني: أنّ المعنى ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَرْنَ﴾، من شدة عظم الفرية التي افتراها الكفار على خالق السماوات والأرض - جلّ وعلا -، من كونه اتخذ ولداً، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً، وهذا الوجه جاء موضحاً في سورة مريم، في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَخَذَ اَلَّحْمَنُ وَلَدًا ﴿َ لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَّا (٨٧ تَكَادُ اُلسَّمَوَتُ يَنَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَّخِرُّ الْجِبَالُ هَدَّا ﴿ أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ وَلَّا (٨) وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِن كُلُّ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ◌َتِىِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴿﴾﴾ [مريم]، كما قدَّمنا إيضاحه. ٩٢ وغاية ما في هذا الوجه أن آية الشورى هذه فيها إجمال في سبب تفطر السماوات، وقد جاء ذلك موضحاً في آية مريم المذكورة. وكلا الوجهين حق. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهٌِ﴾، فيه للعلماء أوجه. ١٢٥٢ سورة الشورى: الآية (٥) قيل: يتفطرن، أي السماوات من فوقهن أي الأرضين، ولا يخفى بعد هذا القول کما تری .. وقال بعضهم: ((من فوقهن)) أي كل سماء تتفطر فوق التي تليها. وقال الزمخشري في الكشاف: فإن قلت لم قال: ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ قلت: لأن أعظم الآيات وأدلها على الجلال والعظمة فوق السماوات، وهي العرش والكرسي، وصفوف الملائكة المرتجة بالتسبيح والتقديس حول العرش، وما لا يعلم كنهه إلا الله تعالى من آثار ملكوته العظمى، فلذلك قال: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾، أي يبتدئ الانفطار من جهتهن الفوقانية. أو لأن كلمة الكفر جاءت من الذي تحت السموات، فكان القياس أن يقال: يتفطرن من تحتهن من الجهة التي جاءت منها الكلمة. ولكنه بولغ في ذلك فجعلت مؤثرة في وجهة الفوق. كأنه قيل: يكدن يتفطرن من الجهة التي فوقهن، دع الجهة التي تحتهن. ونظيره في المبالغة قوله : ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ﴿﴿ يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِى بُطُوِهِمْ﴾ [الحج: ١٩، ٢٠]، فجعل الحميم مؤثراً في أجزائهم الباطنة. اهـ. محل الغرض منه. وهذا إنما يتمشى على القول بأن سبب التفطر المذكور هو افتراؤهم على الله في قولهم: ﴿أَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [مريم: ٨٨]. وقد قدَّمنا آنفاً أنه دلت عليه آية مريم المذكورة، وعليه فمناسبة قوله: ﴿وَالْمَلَبِكَةُ يُسَبِحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ﴾، لما قبله أن الكفار وإن قالوا أعظم الكفر وأشنعه، فإن الملائكة بخلافهم فإنهم يداومون ذكر الله وطاعته. ويوضح ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُواْ فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْتَمُونَ ﴾ ﴾﴾ [فصلت]. وقوله تعالى: ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩]، كما قدَّمنا إيضاحه في آخر سورة فصلت. قوله تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. أكد - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة، أنّه هو الغفور الرحيم، وَبيّن فيها أنّه هو وحده المختص بذلك .. وهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية الكريمة، قد جاءا موضحين في غير هذا الموضع. أما اختصاصه هو - جلّ وعلا - بغفران الذنوب، فقد ذكره في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، والمعنى لا يغفر الذنوب إلا الله، وفي الحديث: ((رب إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت)) الحديث. وفي حديث سيد الاستغفار: ((اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني)) ... الحديث. وفيه «وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)). ١٢٥٣ سورة الشورى: الآية (٦). ووجه دلالة هذه الآية على أنّ الله وحده هو الذي يغفر الذنوب، هو أن ضمير الفصل بين المسند والمسند إليه في قوله: ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، يدل على ذلك كما هو معلوم في محله، وأما الأمر الثاني، هو توكيده تعالى أنه هو الغفور الرحيم، فإنه أكد ذلك هنا بحرف الاستفتاح الذي هو ألا، وحرف التوكيد الذي هو إن. وقد أوضح ذلك في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاْ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. وقوله تعالى: ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ وَءَامَنَ﴾ ... الآية [طه: ٨٢]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَسِعُ اٌلْمَغْفِرَةَّ﴾ [النجم: ٣٢]. وقوله في الكفار: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وقوله في الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة: ﴿أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَةٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (9)﴾ [المائدة] والآيات بمثل ذلك كثيرة. فنرجو الله - جلّ وعلا - الكريم الرؤوف الغفور الرحيم، أن يغفر لنا جميع ذنوبنا ويتجاوز عن جميع سيئاتنا، ويدخلنا جنته على ما كان منا، ويغفر لإخواننا المسلمين، إنه غفور رحيم. قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ أُمَّخَذُواْ مِن دُونِهِ: أَوْلِيَةَ اللَّهُ حَفِيظُ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴾﴾. قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَّخَذُواْ مِن دُونِ، أَوَلِيَآءَ﴾، أي أشركوا معه شركاء يعبدونهم من دونه، كما أوضح تعالى ذلك في قوله: ﴿وَلَّذِينَ أَّخَذُواْ مِنْ دُونِ: أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِيُنَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَبُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَذِبٌ كَفَّارُ﴾ [الزمر: ٣]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إِلَى الُلُمَتِ أُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمُ أَتَّخَذُواْ الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءُ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٠]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُغَوِّفُ أَوْلِيَآءٌَّ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، أي يخوفكم أولياءه. وقوله تعالى: ﴿فَقَائِلُواْ أَوْلِيَّةَ الشَّيْطَانِ﴾ الآية [النساء: ٧٦]. وقد وبخهم تعالى على اتخاذهم الشيطان وذريته أولياء من دونه تعالى في قوله: ﴿أَفَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ: أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ بِْسَ لِلَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]. وقد أمر - جلّ وعلا - باتباع هذا القرآن العظيم، ناهياً عن اتباع الأولياء المتخذين من دونه تعالى، في أول سورة الأعراف، في قوله تعالى: ﴿ أَنَّبِعُواْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُنْ وَلَا تَنَّبِعُواْ مِن دُونِهِ، أَوْلِيَُّ قَلِلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ﴾﴾ [الأعراف]. وقد علمت من الآيات المذكورة أنّ أولياء الكفار الذين اتخذوهم وعبدوهم من دون الله نوعان: الأول منهما: الشياطين، ومعنى عبادتهم للشيطان طاعتهم له فيما يزين لهم من الكفر والمعاصي، فشركهم به شرك طاعة، والآيات الدالة على عبادتهم للشياطين بالمعنى ١٢٥٤ سورة الشورى: الآية (٧) المذكور كثيرة؛ كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِيّ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنَّ﴾ الآية [يس: ٦٠]. وقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنَّ﴾ ... الآية [مريم: ٤٤]. وقوله تعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، إِلَّ إِنَثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّ شَيْطَنَا قَرِيدًا ﴾ [النساء]، أي وما يعبدون إلا شيطاناً مريداً، وقوله تعالى: ﴿قَالُواْ سُبْحَنَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُؤْمِنُونَ ﴾﴾ [سبأ]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُمُ عَلَى الَّذِينَ يَتَّوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾﴾ [النحل]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآيِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]، إلى غير ذلك من الآيات. والنوع الثاني: هو الأوثان، كما بيّن ذلك تعالى بقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ الآية [الزمر: ٣]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿اللَّهُ حَفِيظُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي رقيب عليهم حافظ عليهم كل ما يعملونه من الكفر والمعاصي، وفي أوله اتخاذهم الأولياء، يعبدونهم من دون الله، وفي الآية تهديد عظيم لكل مشرك. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾؛ أي لست يا محمد، بموكل عليهم تهدي من شئت هدايته منهم، بل إنما أنت نذير فحسب، وقد بلغت ونصحت. والوكيل عليهم هو الله الذي يهدي من يشاء منهم ويضل من يشاء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلُ﴾ [هود: ١٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَمَنَ مَن فِى الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعَا أَفَأَنَتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ (9) وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ الَّهِ وَيَمْعَلُ الْرّْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٣)﴾ [يونس]. وقال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ كَبِرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِىَ نَفَقًّا فِىِ الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمَا فِى السَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُم بِثَايَةٍ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىُّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾ [الأنعام]، والآيات بمثل ذلك كثيرة. وبما ذكرنا تعلم أن التحقيق في قوله تعالى: ﴿وَمَّ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾. وما جرى مجراه من الآيات ليس منسوخاً بآية السيف، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾، قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الشعراء، في الكلام على قوله تعالى: ﴿لِتَكُونَ مِنَ اُلْمُنْذِرِينَ (49) بِلِسَانٍ عَرَبٍِ قُبِينٍ (٢٥)﴾ [الشعراء]، وفي الزمر في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عِوَجَ﴾ [الزمر: ٢٨]، وفي غير ذلك من المواضع. قوله تعالى: ﴿لِنْنُذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلهَا﴾، خص الله - تبارك وتعالى - في هذه الآية الكريمة إنذاره * بأم القرى ومن حولها، والمراد بأم القرى مكة حرسها الله. ولكنه أوضح في آيات أخر أنّ إنذاره عام لجميع الثقلين كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ ١٢٥٥ سورة الشورى: الآية (٧). الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا ﴾﴾ [الفرقان]. وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ ... الآية [سبأ: ٢٨]، كما أوضحنا ذلك مراراً في هذا الكتاب المبارك. وقد ذكرنا الجواب عن تخصيص أم القرى ومن حولها هنا وفي سورة الأنعام، في قوله تعالى: ﴿وَلِنُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِّ﴾ الآية [الأنعام: ٩٢]، في كتابنا ((دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب))، فقلنا فيه: والجواب من وجهين: الأول: أن المراد بقوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَا﴾؛ شامل لجميع الأرض، كما رواه ابن جرير وغيره، عن ابن عباس. الوجه الثاني: أنا لو سلمنا تسليماً جدلياً، أن قوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَمَا﴾؛ لا يتناول إلا القريب من مكة المكرمة - حرسها الله -، كجزيرة العرب مثلاً، فإنّ الآيات الأخر، نصت على العموم كقوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]، وذكر بعض أفراد العام بحكم العام، لا يخصصه عند عامة العلماء، ولم يخالف فيه إلا أبو ثور. وقد قدَّمنا ذلك واضحاً بأدلته في سورة المائدة، فالآية على هذا القول كقوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيَتَكَ الْأَقْرِنَ (19)﴾ [الشعراء] فإنه لا يدل على عدم إنذار غيرهم، كما هو واضح. والعلم عند الله تعالى. اهـ منه. قوله تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيَةٍ﴾، تضمنت هذه الآية الكريمة أمرين: أحدهما: أن من حكم إيحائه تعالى، إلى نبينا * هذا القرآن العربي، إنذار يوم الجمع، فقوله تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾؛ معطوف على قوله: ﴿لِنْنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾؛ أي لأجل أن تنذر أم القرى وأن تنذر يوم الجمع، فحذف في الأول أحد المفعولين وحذف في الثاني أحدهما، فكان ما أثبت في كل منهما دليلاً على ما حذف في الثاني، ففي الأول حذف المفعول الثاني، والتقدير ((لتنذر أم القرى)) أي أهل مكة ومن حولها عذاباً شديداً إن لم يؤمنوا، وفي الثاني حذف المفعول الأول؛ أي وتنذر الناس يوم الجمع وهو يوم القيامة؛ أي تخوفهم مما فيه من الأهوال والأوجال؛ ليستعدوا لذلك في دار الدنيا . والثاني: أن يوم الجمع المذكور لا ريب فيه، أي لا شك في وقوعه، وهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية الكريمة، جاءا موضحين في آيات أخر. أما تخويفه الناس يوم القيامة، فقد ذكر في مواضع من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨١]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ اَلْأَزِفَةِ﴾ ... الآية [غافر: ١٨]. وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَنَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَنَ شِيبًا ﴿ السَّمَآءُ مُنْفَظِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٧، ١٨]: وقوله تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُوْلَكَ أَنَّهُم مَّبْعُوتُونٌّ ٤ لِيَوْمُ عَظِيمِ ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ [المطففين]، والآيات بمثل ذلك كثيرة. وأما الثاني منهما؛ وهو كون يوم القيامة لا ريب فيه، فقد جاء في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ لَا رَيْبَ فِيَةٍ﴾ [النساء: ٨٧]. ١٢٥٦ - سورة الشورى: الآية (٧) وقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَّوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ ءَلِيَّةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا﴾ الآية [الحج: ٧]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ الَّهِ حَقٌّ وَاْلمَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا السَّاعَةُ﴾ الآية [الجاثية: ٣٢]. إلى غير ذلك من الآيات. وإنما سمى يوم القيامة يوم الجمع؛ لأنّ الله يجمع فيه جميع الخلائق. والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ ﴿٨َ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَتِ يَوْمٍ مَعْلُوم (6)﴾ [الواقعة: ٤٩، ٥٠]. وقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِّ جَمَعْنَكُمُ وَالْأَوَّلِينَ ﴾ [المرسلات]. وقوله تعالى: ﴿اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ اٌلْقِيَمَةِ﴾ الآية [النساء: ٨٧]. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمَّعَ ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩]. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥)﴾ [آل عمران] وقوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَهُمْ فَمَّ تُغَادِّرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]. وقد بيّن تعالى شمول ذلك الجمع لجميع الدواب والطير في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِ اُلْأَرْضِ وَلَا طَرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّ أُمُمُّ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِىِ الْكِتَبِ مِنْ شَىْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْتَرُونَ ﴾﴾ [الأنعام]، والآيات الدالة على الجمع المذكور كثيرة. قوله تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِ اُلْجَنَّةِ وَفَرِقٌ فِ السَّعِيرِ﴾. ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الله خلق الخلق، وجعل منهم فريقاً سعداء، وهم أهل الجنة، وفريقاً أشقياء وهم أصحاب السعير، جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿هُوَ اُلَّذِى خَلَقَكُمْ فَنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (٣) إِلَّا مَنْ رَّحِمَ رَبُّكَّ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩]، أي ولذلك الاختلاف، إلى مؤمن وكافر وشقي وسعيد، خلقهم على الصحيح، ونصوص الوحي الدالة على ذلك كثيرة جداً. وقد ذكرنا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)، وجه الجمع بين قوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٩]، على التفسير المذكور، وبيّن قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ ﴾ [الذاريات]، وسنذكر ذلك - إن شاء الله - في سورة الذاريات. ٥٦ وَأَلْإِنسَ إِلَّ لِيَعْبُدُونِ وقد قدّمنا معنى السعير بشواهده العربية في أول سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤]، والجنة في لغة العرب البستان. ومنه قول زهير بن أبي سلمى : كأن عيني في غربي مقتلة من النواضح تسقي جنة سحقا فقوله: جنة سحقاً؛ يعني بستاناً طويل النخل، وفي اصطلاح الشرع هي دار الكرامة التي أعد الله لأوليائه يوم القيامة. والفريق: الطائفة من الناس، ويجوز تعدده إلى أكثر من اثنين، ومنه قول نصيب: نعم وفريق قال ويحك ما ندري فقال فريق القوم لا، وفريقهم ١٢٥٧ سورة الشورى: الآية (١٠) --- والمسوغ للابتداء بالنكرة في قوله: فريق في الجنة، أنه في معرض التفصيل. ونظيره من كلام العرب قول امرئ القيس: فلما دنوت تسديتها فثوب نسيت وثوب أجر قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ: إِلَى اللَّهِ﴾ ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن ما اختلف فيه الناس من الأحكام فحكمه إلى الله وحده لا إلى غيره، جاء موضحاً في آيات كثيرة. فالإشراك بالله في حکمه کالإشراك به في عبادته، قال في حکمه: ﴿وَلَا يُثْرِڭُ فِ حُكْمِهِ: أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦]، وفي قراءة ابن عامر من السبعة (ولا تُشْرِكْ في حكمه أحداً) بصيغة النهي. وقال في الإشراك به في عبادته: ﴿فَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَدِحًا وَلَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةٍ رَيِّدِ أَحَدَأْ﴾ [الكهف: ٢٦]، فالأمران سواء كما ترى إيضاحه إن شاء الله. وبذلك تعلم أن الحلال هو ما أحله الله، والحرام هو ما حرمه الله، والدين هو ما شرعه الله، فكل تشريع من غيره باطل، والعمل به بدل تشريع الله عند من يعتقد أنه مثله أو خير منه، كفر بواح لا نزاع فيه. وقد دل القرآن في آيات كثيرة، على أنه لا حكم لغير الله، وأن اتباع تشريع غيره كفر به، فمن الآيات الدالة على أن الحكم لله وحده قوله تعالى: ﴿إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِّ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿إِن الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌ﴾ الآية [يوسف: ٦٧٠]. وقوله تعالى: ﴿إِنِ اَلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُمُ الْحَقٌّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧]، وقوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ، أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ حَالِكُ إِلَّا وَجْهَهْ لَهُ الْحُكْرُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]، وقوله تعالى: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِى الْأُولَى وَالْأَخِرَةِ وَلَهُ أَلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠]، والآيات بمثل ذلك كثيرة. وقد قدَّمنا إيضاحها في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِ حُكْمِهِ: أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦]. وأما الآيات الدالة على أن اتباع تشريع غير الله المذكور؛ كفر فهي كثيرة جداً، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَاَلَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ (®﴾ [النحل]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِىّ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنِّ﴾ الآية [يس: ٦٠]، والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً، كما تقدم إيضاحه في الكهف. وقد أفاض في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله فليرجع من أراد الوقوف على كلامه في المسألة إلى الأصل. ١٢٥٨ سورة الشورى (١١) وفي قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَوًّا شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنَّ بِهِ اَللَّهَ﴾؛ فقد سمى تعالى الذين يشرعون من الدين ما لم يأذن به الله شركاء، ومما يزيد ذلك إيضاحاً، أن ما ذكره الله عن الشيطان يوم القيامة، من أنه يقول للذين كانوا يشركون به في دار الدنيا: ﴿إِنِّ كَفَرْتُ بِمَآ أَثْرَكْتُمُونٍ مِن قَبْلٌ﴾؛ أن ذلك الإشراك المذكور ليس فيه شيء زائد على أنه دعاهم إلى طاعته فاستجابوا له كما صرح بذلك في قوله تعالى عنه: ﴿وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ إِلَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٢]، وهو واضح كما ترى. قوله تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ جَعَلَ لَكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَمِنَ الْأَنْعَمِ أَزْوَجَّا يَذْرَؤُكُمْ فِيَةٍ﴾. قوله تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ﴾؛ تقدم تفسيره في أول سورة فاطر. وقوله: ﴿جَعَلَ لَكُ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا﴾. أي خلق لكم أزواجاً من أنفسكم كما قدَّمنا الكلام عليه في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢]، وبينا أن المراد بالأزواج الإناث كما يوضحه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةٌ﴾ الآية [الروم: ٢١]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْنَى (٣٩) مِن نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ﴾﴾ [النجم]. وقوله: ﴿فَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَ ()﴾ [القيامة]. وقوله تعالى: ﴿وَلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىِ ﴿ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَى ﴿ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُشَ ﴾﴾ الآية [الليل]. وقوله في آدم: ﴿يَّأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ الآية [النساء: ١]. وقوله تعالى فيه أيضاً: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ الآية [الأعراف: ١٨٩]. وقوله تعالى فيه أيضاً: ﴿خَلَقَكُ مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ الآية [الزمر: ٦]. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَمِ أَزْوَجًا﴾. هي الثمانية المذكورة في قوله تعالى: ثَمَنِيَّةَ أَزْوَجْ مِنَ الضَّأَنِ اثْنَيْنِ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٣]. وفي قوله: ﴿خَلَقَكُ مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَمِ ثَمَيِيَةَ أَزْوَج﴾ [الزمر: ٦]. وهي ذكور الضأن والمعز والإبل والبقر وإناثها، كما قدّمنا إيضاحه في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْكَمِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيَةٍ ﴾ الظاهر أن ضمير الخطاب في قوله: ((يذرؤكم)) شامل للآدميين والأنعام، وتغليب الآدميين على الأنعام في ضمير المخاطبين في قوله: ((يذرؤكم واضح لا إشكال فيه. والتحقيق إن شاء الله أنّ الضمير في قوله: ((فيه)) راجع إلى ما ذكر من الذكور والإناث، من بني آدم والأنعام في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَمِنَ اُلْأَنْعَمِ أَزْوَجًا﴾؛ سواء قلنا إلى المعنى: أنه جعل للآدميين إناثاً من أنفسهم أي من جنسهم، وجعل للأنعام أيضاً إناثاً كذلك، أو قلنا إن المراد بالأزواج الذكور والإناث . منهما معاً. . ١٢٥٩ سورة الشورى: الآيتان (١١ - ١٢). وإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الآية الكريمة، يذرؤكم أي يخلقكم ويبثكم وينشركم فيه؛ أي فيما ذكر من الذكور والإناث، أي في ضمنه، عن طريق التناسل كما هو معروف. ويوضح ذلك قوله تعالى: ﴿أَتَّقُواْ رَّكُمُ الَّذِى خَلَقَّكُ مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَ زَوْجَهَا وَبَثَ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءٌ﴾ [النساء: ١]. فقوله تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنَاءٌ﴾؛ يوضح معنى قوله: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ . فإن قيل: ما وجه إفراد الضمير المجرور في قوله ((يذرؤكم فيه))، مع أنه على ما ذكرتم، عائد إلى الذكور والإناث من الآدميين والأنعام؟. فالجواب: أن من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن، رجوع الضمير أو الإشارة بصيغة الإفراد إلى مثنى أو مجموع باعتبار ما ذكر مثلاً. ومثاله في الضمير: ﴿قُلْ أَرَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اَللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَرَّكُمْ وَخَلَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ الَّهِ يَأْتِيَكُمْ بِهٍ﴾ الآية [الأنعام: ٤٦]، فالضمير في قوله: ((به)) مفرد مع أنه راجع إلى السمع والأبصار والقلوب. فقوله: ﴿يَأْتِيَكُمْ بٍ﴾ [الأنعام: ٤٦]، أي بما ذكر من سمعكم وأبصاركم وقلوبكم، ومن هذا المعنى قول رؤبة بن العجاج: فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق فقوله: ((كأنه)) أي ما ذكر من خطوط من سواد وبلق. ومثاله في الإشارة: ﴿لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرُ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكٌ﴾ [البقرة: ٦٨]، أي بين ذلك المذكور، من فارض وبكر، وقول عبد الله بن الزبعرى السهمي: وكلا ذلك وجه وقبل إن للخير وللشر مدى أي كلا ذلك المذكور من الخير والشر. وقول من قال: إن الضمير في قوله ((فيه)) راجع إلى الرحم، وقول من قال: راجع إلى البطن، ومن قال: راجع إلى الجعل المفهوم من جعل. وقول من قال: راجع إلى التدبير، ونحو ذلك من الأقوال خلاف الصواب. والتحقيق إن شاء الله هو ما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وقد قدَّمنا الكلام عليه في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَ اٌلْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]. قوله تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يَبْسُطُ الْرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرٌ﴾. مقاليد السموات والأرض؛ هي مفاتيحهما، وهو جمع لا واحد له من لفظه، فمفردها إقلید، وجمعها مقاليد على غير قياس، والإقليد المفتاح. وقيل: واحدها مقليد، وهو قول غير معروف في اللغة. ٠ 1 ١٢٦٠ سورة الشورى: الآية (١٣) وكونه - جلّ وعلا - ﴿لَّهُ مَقَالِيهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضُِ﴾ [الزمر: ٦٣]، أي مفاتيحهما كناية عن كونه ــ جلّ وعلا - هو وحده المالك لخزائن السماوات والأرض؛ لأن ملك مفاتيحها يستلزم ملكها . وقد ذكر - جلّ وعلا - مثل هذا في سورة الزمر، في قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ﴿﴿ لَّهُم مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضُِ﴾ الآية [الزمر: ٦٢، ٦٣]. وما دلت عليه آية الشورى هذه، وآية الزمر المذكورتان من أنه - جلّ وعلا - هو مالك خزائن السماوات والأرض، جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧]. وقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَآئِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومِ ( (٣)﴾ [الحجر]. وبيّن في مواضع أخر أن خزائن رحمته لا يمكن أن تكون لغيره، كقوله تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَيْنُ رَحْمَةٍ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَقَّابِ ﴾﴾ [ص]. وقوله تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآَيْنُ رَيِّكَ أَمَ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣)﴾ [الطور]. وقوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآبِنَ رَحْمَةٍ رَبٍِّ إِذَا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشَْةَ آلْإِفَاقِ وَكَانَ اَلْإِنسَنُ قَتُورًا (٣)﴾ [الإسراء]. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿يَبْسُطُ الْرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرٌ﴾؛ جاء معناه موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ [سبأ: ٣٩]. وقوله تعالى: ﴿قُلّ إِنَّ رَبِّ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ® ﴾ [سبأ]. وقوله تعالى: ﴿اَللَّهُ يَّسُطُ الرِّزْقَ لِمَن كَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَ﴾ الآية [الرعد: ٢٦]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُتْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: ٧١]. وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنياً﴾ [الزخرف: ٣٢]. وقوله تعالى: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَّا﴾ [النساء: ١٣٥]. وقوله تعالى: ﴿لِنُفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ، وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَانَنَهُ اللَّهُ﴾ الآية [الطلاق: ٧]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]، أي ضيق عليه رزقه لقلته. وكذلكِ قوله: ﴿يَسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِزٌ﴾؛ في الآيات المذكورة؛ أي يبسط الرزق لمن يشاء بسطه له ويقدر، أي يضيق الرزق على من يشاء تضييقه عليه، كما أوضحناه في سورة الأنبياء، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَطَنَّ أَن لَّنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وقد بيّن - جلّ وعلا - في بعض الآيات حكمة تضييقه للرزق على من ضيقه عليه. وذكر أن من حكم ذلك أن بسط الرزق للإنسان، قد يحمله على البغي والطغيان، كقوله تعالى: ﴿﴿ وَلَوْ بَسَطَ اَللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِ الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾﴾. وقوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّ الْإِنسَنَ لَيَطْفَىٌ ﴿ أَنْ زَّوَهُ أَسْتَغْفَ (٣)﴾ [العلق]. قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الّذِينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا وَأَلَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِه٤ِ إِبْهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْ الْذِينَ﴾. قد قدَّمنا الكلام عليه في سورة الأحزاب، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيْنَ مِثَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُوحٍ﴾ الآية [الأحزاب: ٧].