النص المفهرس

صفحات 1221-1240

١٢٢١
سورة غافر: الآيات (٥٦ - ٦٠) .
ومصدر منكر حالاً يقع بكثرة كبغتة زيد طلع
وقال القرطبي: هدى بدل من الكتاب، أو خبر مبتدأ محذوف.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن الله أنزل التوراة على موسى وأنزل فيها
الهدى لبني إسرائيل جاء موضحاً في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَا مُوسَى
اَلْكِتَبَ وَجَعَلْنَهُ هُدَى لِبَنِىَ إِسْرَِّيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِ وَكِيلًا ﴾﴾ [الإسراء]. وقوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَلَا تَكُنْ فِى مِنْيَكِ مِن لِقَآئِهِ، وَجَعَلْنَهُ هُدَّى لِّبَنِىّ إِسْرَوِيلَ: ()﴾ الآية
[السجدة]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ
لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤]. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ مِنْ
بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَابِرَ لِلنَّاسِ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾﴾ [القصص].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ءَاتَّيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ تَمَامَا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ وَتَفْضِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدَى
وَرَحْمَةٌ لَعَلَّهُم بِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (﴿5﴾ [الأنعام]. وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِن
كُلِّ شَىْءٍ مَوْعِظَةُ وَتَفْضِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ الآية [الأعراف: ١٤٥]. إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَاهُم بِبَلِغِيةٍ﴾. قد قدَّمنا إيضاحه في
سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَ فَأَهْبِطَ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكُبَّرَ فِيهَا﴾
[الأعراف: ١٣]، وذكرنا هناك بعض النتائج السيئة الناشئة عن الكبر.
قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾، قد قدَّمنا أنّ هذه
الآية من البراهين الدالة على البعث، وأوضحنا كل البراهين الدالة على البعث بالآيات
القرآنية بكثر في سورة البقرة، وسورة النحل، وأحلنا على مواضع ذلك مراراً.
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِىِ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَاتِ وَلَا
الْمُسِىُ﴾ قوله تعالى في هذه الآية الكريمة، وما يستوي الأعمى والبصير، قد قدَّمنا
الكلام عليه في سورة هودَ، في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَرِّ
وَلْبَصِيرِ وَالسَّمِيعْ﴾ ... الآية [هود : .
قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ وَلَا الْمُسُِّ﴾، قد
قدَّمنا إيضاح معناه بالآيات القرآنية، في سورة صّ، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَمْ
تَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ اَلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُنَّقِينَ كَلْفُجَّارِ (٨)﴾ [ص].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَأَنِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ
قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى:
﴿بَلَّ كَذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا ﴾ [الفرقان].
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْيُونَ عَنْ عِبَادَتِ
سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾﴾ قال بعض العلماء: ﴿أَدْعُونِيِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾: اعبدوني
أثبكم من عبادتكم، ويدل لهذا قوله بعده: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكُْونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْ خُلُونَ
جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾

١٢٢٢
سورة غافر: الآيات (٦١ - ٧٨)
وقال بعض العلماء: ﴿أَدْعُونيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، أي اسألوني أعطكم. ولا منافاة بين
القولين؛ لأن دعاء الله من أنواع عبادته.
وقد أوضحنا هذا المعنى، وبينا وجه الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ
عِبَادِى عَنِى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦]، مع قوله تعالى:
﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ﴾ [الأنعام: ٤١]، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرَاْ إِنَّ اللَّهَ لَّذُو
فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾﴾ قد قدَّمنا إيضاحه بالآيات القرآنية،
في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّتْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ
سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٣)﴾ [الفرقان]، وفي سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله
تعالى: ﴿فَمَحَوْنَآ ءَايَةَ الَِّلِ وَحَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الإسراء: ١٢].
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُطْفَةِ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا
ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ ◌ِتَكُونُوا شُيُوخَّأْ وَمِنكُم مَّن يُنَوَى مِن قَبْلُ وَلِنَبْلُغُواْ أَجَلًا مُسَنَّى
وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾﴾ قد قدَّمنا إيضاحه بالآيات القرآنية، في سورة الحج، في الكلام
على قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَا خَقْنَكُمْ مِّنْ ثُرَابٍ ثُمَّ مِن
تُطْفَقِ﴾ الآية [الحج: ٥]، وفي غير ذلك من المواضع.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَوَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ قد قدَّمنا إيضاحه بالآيات
القرآنية في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ
تَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾﴾ [النحل]. وبينا أوجه القراءة في قوله: ((فيكون)) هناك.
قوله تعالى: ﴿أَدْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا فِئْسَ مَنْوَى الْمُنَّكِينَ﴾ لم يبين هنا -
جلّ وعلا - عدد أبواب جهنم، ولكنه بين ذلك في سورة الحجر، في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ
جَهَنََّ لَمَّوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿﴿ لَمَا سَبْعَةُ أَبْوَبٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَفْسُومُ ﴾ [الحجر].
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَن لَّمْ
نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ ما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الله - تبارك وتعالى - قص على
نبيه * أنباء بعض الرسل؛ أي كنوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوظ، وشعيب،
وموسى، وأنه لم يقصص عليه أنباء رسل آخرين، بينه في غير هذا الموضع، كقوله في
سورة النساء: ﴿وَرُسُلَّا قَدْ قَصَصْتَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَّ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى
تَكْلِيمًا ﴾ [النساء]، وأشار إلى ذلك في سورة إبراهيم في قوله: ﴿أَلَمَّ بِأَتِكُمْ نَبَؤُأ
الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودٌ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّ اللَّهُ جَآءَتَّهُمْ
رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ﴾ ... الآية [إبراهيم: ٩]. وفي سورة الفرقان في قوله تعالى: ﴿وَعَادًا
وَثَمُودَأْ وَأَصْحَبَ الرَّسِ وَقُرُونَا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (﴾﴾ [الفرقان]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِىَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾.

١٢٢٣
سورة غافر: الآيتان (٧٩ - ٨٠) -
قوله هنا: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾، أي قامت القيامة، كما قدَّمنا إيضاحه في قوله
تعالى: ﴿أَفَ أَمْرُ اَللَّهِ فَلَا تَسْتَعِْلُوهُ﴾ [النحل: ١] أي فإذا قامت القيامة، قضي بين الناس
بالحق الذي لا يخالطه حيف ولا جور، كما قال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ دَيِّهَا
وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَحِقَةَ بِالنَّبِنَ وَالشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ﴾ ... الآية [الزمر: ٣٩].
وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَئِكَةَ حَفِينَ مِنْ حَوّلِ الْعَرَشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَيْهِمٌّ وَقُضِىَ بَيْنَهُم
بِاْحَقِ﴾ [الزمر: ٧٥].
والحق المذكور في هذه الآيات: هو المراد بالقسط المذكور في سورة يونس في
قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌّ فَإِذَا جَآَمَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ [يونس: ٤٧].
وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أنه إذا قامت القيامة يخسر المبطلون، أوضحه
- جلّ وعلا - في سورة الجاثية في قوله تعالى: ﴿وَلَّهِ مُلَكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ
يَوْمَيِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ ﴾ [الجاثية] والمبطل هو: من مات مصراً على الباطل.
وخسران المبطلين المذكور هنا، قد قدَّمنا بيانه في سورة يونس، في الكلام على
قوله تعالى: ﴿قَدْ ضَرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِقَدِ اَللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥].
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَمَ لِتَرَّكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿ وَلَكُمْ
﴾. قد قدَّمنا
فِيهَا مَنَفِعُ وَلِتَبْلُغُوْ عَلَيْهَا حَاجَةٌ فِ صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ مُحْمَلُونَ
أن لفظه ((جعل))، تأتي في اللغة العربية لأربعة معان، ثلاثة منها في القرآن :.
الأول: إتيان جعل بمعنى اعتقد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ الْمَلَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ
الرَّحْمَنِ إِنَةً﴾ [الزخرف: ١٩٪، أي اعتقدوهم إناثاً، ومعلوم أن هذه تنصب المبتدأ والخبر.
الثاني: جعل بمعنى صيَّر، كقوله: ﴿حَتَّى جَعَلْنَهُمْ حَصِيدًا خَمِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥]،
وهذه تنصب المبتدأ والخبر أيضاً.
الثالث: جعل بمعنى خلق، كقوله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ
وَجَعَلَى الُّْلُمَتِ وَلُّورُ﴾ [الأنعام: ١]، أي خلق السماوات والأرض وخلق الظلمات والنور.
والظاهر، أنّ منه قوله هنا: ﴿اَللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَنَْمَ﴾، أي خلق لكم
الأنعام، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَأْ لَكُمْ﴾ [النحل: ٥]، وقوله: ﴿أَلَمْ
يَوْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَكَمًا﴾ ... الآية [يس: ٧١].
والرابع: وهو الذي ليس في القرآن: جعل بمعنى شرع، ومنه قوله:
ثوبي فأنهض نهض الشارب السَّكِرِ
وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني
وما ذكره الله - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة، من الامتنان بهذه النعم الكثيرة
التي أنعم عليهم بها، بسبب خلقه لهم الأنعام وهي الذكور والإناث، من الإبل والبقر
والضأن والمعز، كما قدَّمنا إيضاحه في سورة آل عمران في الكلام على قوله: ﴿وَالْأَنَْمِ
وَاَلْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤]، بينه أيضاً في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَ خَلَقَهَا
لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿ وَلَكُمْ فِهَا جَمَالُ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَتْرَحُونَ

١٢٢٤
سورة فصلت: الآيات (١ - ٣)
﴿ وَتَحْمِلُ أَنْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَلِغِيهِ إِلَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِِ﴾ [النحل: ٥ -٧]. والدفء:
ما يتدفئون به في الثياب المصنوعة من جلود الأنعام وأوبارها وأشعارها وأصوافها .
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُ مِّنِ جُلُودِ آلْأَنْعَمِ بُنَا تَسْتَخِقُونَهَا يَوْمَ طَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمُ
وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَنَا وَمَتَعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَوْأ
أَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِيَنَا أَنْعَمَّا فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ ﴿ وَذَلَّلْنَهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَّكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُونَ
﴿ وَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ وَمَشَارِبٌ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ (٣)﴾ [يس]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِ أَلْأَنَْمِ
لَعِبْرَةٌ تُشْقِيَكُمْ مِمَّا فِى بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لََّا خَالِصًا سَابِغَا لِلشَّرِيِينَ ﴾﴾ [النحل). وقوله
تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِ آلْأَنْعَمِ لَعِبْرَةً نُسْقِيَكُمْ قِمَا فِ بُعُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا
﴿﴿ وَعَلَّهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٣)﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَمِ حَمُولَةً
تَأْكُلُونَ
وَفَرْشَأْ كُلُواْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ خُعُوَتِ الشَّيْطِنِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌ مُِّينٌ (٣) ثَمَِيَةَ
أَزْوَجْ مِّنَ الضَّأْنِ أَثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ أَثْنَبْنِ﴾ إلى قوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءُ إِذْ وَصَّدُكُمُ
اَللَّهُ بِهَذَا﴾ [الأنعام: ١٤٢ - ١٤٤]. وقوله تعالى: ﴿وَأَزَّلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَمِ ثَمَنِيَةَ أَزْوَجٍ﴾
[الزمر: ٦]: وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَمِنَ الْأَنْعَمِ أَزْوَجًا﴾ ... الآية
[الشورى: ١١]. وقوله تعالى: ﴿وَلَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْفُلْكِ وَاُلْأَنْعَمِ مَا
(٣)﴾ ... الآية [الزخرف]. إلى غير ذلك من الآيات.
تَرَكَبُونَ
قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِ اَلْأَرْضِ فَيَنَظُرُواْ كَيْفَ: كَانَ عَدِقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ الآية.
قد ذكرنا الآيات الموضحة له في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك، وبينا
مواضعها في سورة الروم، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ
كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ... الآية [الروم: ٩].
قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَنُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأْسَّ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِ عِبَادِهِ،
وَضِرَ هُنَالِكَ اَلْكَفِرُونَ ﴾﴾. قد قدَّمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في سورة يونس، في
الكلام على قوله تعالى: ﴿أَثُرَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنَثُم ◌ِّةٍ ءَالَْنَ وَقَدْ كُم بِهِ تَسْتَسْمِلُونَ
[يونس]، وفي سورة صّ، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَادَواْ وَلَاتَ حِيْنَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣].
براسه الرحمن الرحيم
سورة فصلت
قوله تعالى: ﴿حَمّ ﴾ تَزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾﴾
قد قدَّمنا الكلام عليه وعلى نظائره من الآيات، في أول سورة الزمر.
قوله تعالى: ﴿كِنَبُ فُصِّلَتْ ءَايَتُمُ﴾

١٢٢٥
سورة فصلت: الآية (٤) _-_-
كتاب خبر مبتدأ محذوف، أي هذا كتاب، والكتاب، فعال بمعنى مفعول، أي مكتوب.
وإنّما قيل له كتاب؛ لأنّه مكتوب في اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ
قُرْءَانٌ تَجِيدٌ ٨ فِ لَوَجٍ تَّحْفُوظِ (مَ)﴾ [البروجَ]:
ومكتوب أيضاً في صحف عند الملائكة كما قال تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهَا نَذْكِرَةٌ ﴿ فَنَ
شَّهُ ذَكَرَُّ ﴿٨ فِ سُحُفٍ مُكَرَّةِ ي ◌َرْتُوعَةِ مُطَهَّرَةِ (١) بِأَبْدِى سَفَرَةِ ﴾ كِرَمٍ بَقَ لَ﴾ [عبس].
وقال تعالى في قراءة النبي ◌َ ◌ّ لما تضمنته الصحف المكتوب فيها القرآن: ﴿رَسُولٌ
[البينة].
مِّنَ اُللَّهِ يَثْلُواْ صُفًا مُطَهَّرَةً ﴿ فِيَهَا كُنُبُ قَبِّمَةٌ ®
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ﴾ . التفصيل ضد الإجمال؛ أي
فصل الله آيات هذا القرآن، أي بينها وأوضح فيها ما يحتاج إليه الخلق، من أمور دينهم ودنياهم.
والمسوغ لحذف الفاعل في قوله تعالى: ﴿فُصِلَتْ ءَايَتُهُ﴾ هو العلم بأن تفصيل
آيات هذا القرآن، لا يكون إلا من الله وحده.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من تفصيل آيات هذا الكتاب، جاء موضحاً في
آيات أخر، مبيناً فيها أن الله فصله على علم منه وأن الذي فصله حكيم خبير، وأنه
فصله ليهدي به الناس ويرحمهم، وأن تفصيله شامل لكل شيء، وأنه لا شك أنه منزل
من الله، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَهُمْ بِكِنَبٍ فَضَّلْنَهُ عَلَى عِلْمٍ هُدَى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
[الأعراف]. وقوله تعالى: ﴿كِتَبُّ أُعْكِمَتْ ءَنُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَُّنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَنْ يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْضِيلَ
اَلْكِتَبٍ لَّا رَّيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ (﴾﴾ [يونس]. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِ قَصَصِهِمْ
عِبْرَةٌ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبُّ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ بَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ
(13)﴾ [يوسف]. وقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِى حَكَّمَا وَهُوَ
شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوَِّ يُؤْمِنُونَ
الَّذِىّ أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَبَ مُفَضَّلًا﴾ [الأنعام: ١١٤]، والآيات بمثل ذلك كثيرة.
قوله تعالى: ﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿ بَشِيرًا وَنَذِبِرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ
(١)﴾. قوله: ﴿قُرُءَنَا عَرَبِيًّا﴾، قد تكلمنا عليه وعلى الآيات التي بمعناه في القرآن في سورة
الزمر، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عِوَجٍ﴾ ... الآية [الزمر: ٢٨].
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ أي فصلت آياته، في حال
كونه قرآناً عربياً لقوم يعملون.
وإنما خصهم بذلك؛ لأنهم هم المنتفعون بتفصيله، كما خصهم بتفصيل الآيات
في سورة يونس في قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ اَللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
[يونس: ٥]، وفي سورة الأنعام في قوله تعالى: ﴿قَدْ فَصَلْنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
الَّذِىّ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَُسْتَقَرٌ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَفْفَّهُونَ
﴾ [الأنعام]،
إلى غير ذلك من الآيات.
وَهُوَّ

١٢٢٦ -
سورة فصلت: الآية (٥)
وقد أوضحنا وجه تخصيص المنتفعين بالأمر المشترك دون غيرهم في سورة فاطر
في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ﴾ [فاطر]
وبينا هناك أن تخصيصهم بالإنذار دون غيرهم في آية فاطر هذه، وفي قوله تعالى في
يس: ﴿إِنَّمَا نُذِرُ مَنِ أَتَبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِّ﴾ [يس: ١١]. وقوله في
النازعات: ﴿إِنََّا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَهَا ﴾﴾ [النازعات]. وقوله في الأنعام: ﴿وَأَنذِرَ بِهِ
الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ، وَلِىٌّ وَلَا شَفِيْعٌ﴾ الآية [الأنعام: ٥١]،
مع أن أصل الإنذار عام شامل للمذكورين وغيرهم كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ
الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا ﴾﴾ [الفرقان].
وإنّما خص المذكورين بالإنذار؛ لأنّهم هم المنتفعون به؛ لأنّ من لم ينتفع
بالإنذار، ومن لم ينذر أصلاً، سواء في عدم الانتفاع، كما قال الله تعالى: ﴿سَوَآءُ
عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَّهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦].
وقوله تعالى، في هذه الآية الكريمة: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ حال بعد حال. وقد قدَّمنا
الكلام عليه وبعض شواهده العربية، في أول سورة الكهف، في الكلام على قوله
تعالى: ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ... الآية [الكهف: ٢]. وبسطنا
الكلام عليه في أول سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿كِتَبُّ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَ
يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجُ مِّنْهُ لِنُنَذِرَ بِهِ، وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِينَ ﴾﴾ [الأعراف].
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾. قد قدَّمنا الآيات
الموضحة له في سورة يس في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا
يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ [يس]، وفي سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ
مَنْ فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦].
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ أي لا يسمعون سماع
قبول وانتفاع.
وقد أوضحنا ذلك بالآيات القرآنية في سورة النمل في الكلام على قوله تعالى:
﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْنَى وَلَا تُمِعُ الْقُمَّ الدُّعَمَ﴾ ... الآية [النمل: ٨٠].
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىّ أَكِنَّةٍ مِّمَّا بَدْعُوْنَآ إِلَيْهِ وَفِّ ◌َإِذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنَا وَبَيْكَ
حِجَابٌ﴾. ذكر الله جلا وعلا في هذه الآية الكريمة، أن الكفار صرحوا للنبي وَلآ،
بأنهم لا يستجيبون له ولا يؤمنون به، ولا يقبلون منه ما جاءهم به، فقالوا له: قلوبنا
التي نعقل بها ونفهم، في أكنة؛ أي أغطية .
والأكنة، جمع كنان، وهو الغطاء والغلاف الذي يغطي الشيء ويمنعه من الوصول إليه.
ويعنون أن تلك الأغطية مانعة لهم من فهم ما يدعوهم إليه وَّة، وقالوا إن في
آذانهم التي يسمعون بها وقراً أي: ثقلاً وهو الصمم. وأن ذلك الصمم مانع لهم من أن

١٢٢٧
سورة فصلت: الآية (٥).
يسمعوا من النبي وَل﴿ شيئاً مما يقول، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ
◌ِمَذَا الْقُرْءَانِ وَاَلْغَوْاْ فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦].
وأنّ من بينهم وبينه حجاباً مانعاً لهم من الاتصال والاتفاق؛ لأن ذلك الحجاب
يحجب كلا منهما عن الآخر، ويحول بينهم وبين رؤية ما يبديه وقطعة من الحق.
والله - جلّ وعلا -، ذكر عنهم هذا الكلام في معرض الذم، مع أنه تعالى صرح
بأنه جعل على قلوبهم الأكنة، وفي آذانهم الوقر، وجعل بينهم وبين رسوله حجاباً عند
قراءته القرآن، قال تعالى في سورة بني إسرائيل: ﴿وَإِذَا قَرَأَتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اُلَّذِينَ
لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِّ ◌َاذَانِهِمْ وَقْرَأَ﴾
[الإسراء: ٤٥، ٤٦]. وقال تعالى في الأنعام: ﴿وَمِنْهُم ◌َن يَسْتَمِعُ إِلَيْكٌ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً
أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيَ ءَاذَانِهِمْ وَقْرَأْ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ◌َايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِأَ﴾ [الأنعام: ٢٥]. وقال تعالى في
الكهف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوُهُ وَفِىّ ءَاذَاِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ
يَهْتَدُوَأ إِذَا أَبَدًا﴾ [الكهف: ٥٧].
وهذا الإشكال الذي أشرنا إليه في هذه الآيات قوي، ووجه کونه مشکلاً ظاهر؛
لأنّه تعالى ذمهم على دعواهم الأكنة والوقر والحجاب في هذه الآية الكريمة من
فصلت، وبيّن في الآيات الأخرى أن ما ذمهم على ادعائه واقع بهم فعلاً، وأنه تعالى
هو الذي جعله فيهم؟
فيقال: فكيف يذمون على قول شيء، هو حق في نفس الأمر.
والتحقيق في الجواب عن هذا الإشكال، هو ما ذكرناه مراراً، من أن الله إنما جعل
على قلوبهم الأكنة، وطبع عليها وختم عليها، وجعل الوقر في آذانهم، ونحو ذلك من
الموانع من الهدى، بسبب أنهم بادروا إلى الكفر، وتكذيب الرسل طائعين مختارين،
فجزاهم الله على ذلك الذنب الأعظم، طمس البصيرة، والعمى عن الهدى، جزاءً وفاقاً .
فالأكنة والوقر والحجاب المذكورة إنما جعلها الله عليهم مجازاة لكفرهم الأول.
ومن جزاء السيئة، تمادي صاحبها في الضلال، ولله الحكمة البالغة في ذلك.
والآيات المصرحة بمعنى هذا كثيرة في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلَّمٌُ
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيَّهَا بِكُفِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥].
فقول اليهود في هذه الآية: ﴿قُلُوبُنَا غُلِّفٌ﴾. كقول كفار مكة: ﴿قُلُوبُنَا فِىّ
أَكِنَّةٍ﴾؛ لأن الغلف جمع أغلف وهو الذي عليه غلاف، والأكنة جمع كنان،
والغلاف والكنان كلاهما بمعنى الغطاء الساتر.
وقد رد الله على اليهود دعواهم ببل التي هي للإضراب الإبطالي، في قوله: ﴿بَلّ
طَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ ..
فالباء في قوله: ((بكفرهم)) سببية، وهي دالة على أن سبب الطبع على قلوبهم هو
كفرهم، والأكنة والوقر والطبع كلها من باب واحد.

١٢٢٨
سورة فصلت: الآية (٥)
.. وكقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطْبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (®
[المنافقون]، والفاء في قوله: فطبع سببية أي ثم كفروا، ((فطبع)) على قلوبهم بسبب ذلك الكفر.
وقد قدَّمنا مراراً أنه تقرر في الأصول أن الفاء من حروف التعليل، ومن المعلوم
أن العلة الشرعية سبب شرعي.
وكذلك الفاء في قوله: ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾. فهي سببية أيضاً؛ أي فطبع على
قلوبهم، فهم بسبب ذلك الطبع لا يفقهون؛ أي لا يَفْهَمُونَ من براهين الله وحججه شيئاً.
وذلك مما يبين أن الطبع والأكنة يؤول معناهما إلى شيء واحد، وهو ما ينشأ عن
كل منهما من عدم الفهم؛ لأنه قال في الطبع: ﴿فَطْبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ .
وقالٍ في الأكنة: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةٌ أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥]، أي كراهة أن
يفقهوه، أو لأجل ألا يفقهوه، كما قدَّمنا إيضاحه.
وكقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، فبين أن زيغهم الأول،
كان سبباً لإزاغة الله قلوبهم، وتلك الإزاغة قد تكون بالأكنة والطبع والختم على القلوب.
وكقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم قَرَضٌّ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّآ﴾ [البقرة: ١٠]. وقوله تعالى:
﴿وَنُقَلِّبُ أَفِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ، أَوَّلَ مَرَّةِ﴾ الآية [الأنعام: ١١٠]. وقوله تعالى:
﴿وَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ ... الآية [التوبة: ١٢٥].
وإيضاح هذا الجواب: أن الكفار قالوا للنبي ﴿: ﴿قُلُوبُنَا فِىَّ أَكِنَّةٍ مِّمَّا نَدْعُونَّاً
إِلَيْهِ وَفِيَّ ◌َاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ يقصدون بذلك إخباره وَلي بأنهم لا يؤمنون
به بوجه، ولا يتبعونه بحال، ولا يقرون بالحق الذي هو كون كفرهم هذا هو الجريمة،
والذنب الذي كان سبباً في الأكنة، والوقر والحجاب.
فدعواهم كاذبة؛ لأنَّ الله جعل لهم قلوباً يفهمون بها، وآذاناً يسمعون بها، خلافاً
لما زعموا، ولكنه سبب لهم الأكنة والوقر والحجاب، بسبب مبادرتهم إلى الكفر،
وتكذيب الرسول والده.
وهذا المعنى، أوضحه رده تعالى على اليهود في قوله عنهم: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلِفٌ
بَلَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥].
وقد حاول الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة، الجواب على الإشكال
المذكور فقال: فإن قيل إنه تعالى حكى هذا المعنى عن الكفار في معرض الذم، وذكر
أيضاً ما يقرب منه في معرض الذم، فقال: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفُْ بَلِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾
[البقرة: ٨٨]، ثم إنه تعالى ذكر هذه الأشياء الثلاثة بعينها في معنى التقرير والإثبات في
سورة الأنعام، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِ ءَاذَانِمْ وَقْرَأْ﴾ [الأنعام: ٢٥]
فكيف الجمع بينهما؟

١٢٢٩
سورة فصلت: الآية (٦) .
قلنا: إنّه لم يقل ها هنا إنهم كذبوا في ذلك، إنما الذي ذمهم عليه، أنهم قالوا
إنا إذا كنا كذلك، لم يجز تكليفنا وتوجيه الأمر والنهي علينا، وهذا الثاني باطل.
· أما الأول: فلأنه ليس في الآية ما يدل على أنهم كذبوا فيه. اهـ منه. والأظهر:
هو ما ذكرنا .
قال صاحب الكشاف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَيْنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ .
فإن قلت: هل لزيادة: ((من)) في قوله: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ فائدة؟ قلت:
نعم؛ لأنّه لو قيل: وبيننا وبينك حجاب، لكان المعنى أنّ حجاباً حاصل وسط الجهتين.
وأما بزيادة ((مِنْ)) فالمعنى: أنّ حجاباً ابتدأ منا وابتدأ منك.
فالمسافة المتوسطة لجهتنا وجهتك مستوعبة بالحجاب، لا فراغ فيها. انتهى منه.
واستحسن كلامه هذا الفخر الرازي وتعقبه ابن المنير على الزمخشري، فأوضح
سقوطه والحق معه في تعقبه علیه.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمِنْ بَيْنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾، وقد قدَّمنا تفسيره
وإيضاحه بالآيات القرآنية، في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا
قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا (٥)﴾ [الإسراء].
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَآَ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾. أمر الله
- جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة نبيه وَ ◌ّجله أن يقول للناس: ﴿إِنَّمَا أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى
إِلَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ .
والقصر في قوله: ﴿إِنَّمَآ أَنَأْ بَشَرٌ﴾، إضافي؛ أي لا أقول لكم إني ملك، وإنما أنا
رجل من البشر.
وقوله: ﴿مِثْلُكُمْ﴾، في الصفات البشرية، ولكن الله فضلني بما أوحي إليَّ من توحيده.
كما قال تعالى عن الرسل في سورة إبراهيم: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن ◌َّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ،﴾ [إبراهيم: ١١]، أي كما منَّ علينا بالوحي والرسالة.
وما ذكره الله - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة، ذكره في آخر سورة الكهف،
في قوله تعالى: ﴿قُلّ إِنَّمَآ أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌّ فَن كَانَ يَرْجُوْ لِقََّ رَيِّهِ،
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا﴾ ... الآية [الكهف: ١١٠].
وقد أوضحنا وجه حصر ما أوحي إليه وهو في مضمون لا إله إلا الله، في قوله
تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَىَ إِلَىَ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُسْلِمُونَ
[الأنبياء]، في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى
هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].
وبينا في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك إنكار المشركين كون الرسل من

١٢٣٠ -
سورة فصلت: الآيتان (٧ - ٨)
البشر، وأنهم ينبغي أن يكونوا من الملائكة، وما رد الله عليهم به ذلك من الآيات
القرآنية، أوضحنا ذلك في سورة ص، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعَبُوْ أَنْ جََّ هُمْ مُنْذِرٌ
مِنْهُمْ﴾ [ص: ٤]، وفي سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ الثَّاسَ أَنْ
يُؤْمِنُوا﴾ إلى قوله: ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤ - ٩٥].
قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ﴿ الَّذِينَ لَا يُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ
قد استدل بعض علماء الأصول بهذه الآية الكريمة، على أن الكفار مخاطبون
بفروع الشريعة؛ لأنه تعالى صرح في هذه الآية الكريمة، بأنهم مشركون، وأنهم كافرون
بالآخرة، وقد توعدهم بالويل على شركهم وكفرهم بالآخرة، وعدم إيتائهم الزكاة، سواء
قلنا إن الزكاة في الآية هي زكاة المال المعروفة، أو زكاة الأبدان بفعل الطاعات
واجتناب المعاصي.
ورجح بعضهم القول الأخير؛ لأن سورة فصلت هذه من القرآن النازل بمكة قبل
الهجرة، وزكاة المال المعروفة إنما فرضت بعد الهجرة سنة اثنتين، كما قدَّمناه في سورة
الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].
وعلى كل حال، فالآية تدل على خطاب الكفار بفروع الإسلام؛ أعني امتثال
أوامره واجتناب نواهيه.
وما دلت عليه هذه الآية الكريمة، من كونهم مخاطبين بذلك وأنهم يعذبون على
الكفر، ويعذبون على المعاصي، جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى عنهم مقرراً
له: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَّرَ
(٤٤) وَكُنَّا
وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ
٤٣
قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِينَ
تَخُوضُ مَعَ الْخَيِضِينَ ﴿ وَكُنَّا تُكَّذِّبُ بِيَّوْمِ الدِّينِ ﴿٨ خََّ أَتَنَا اُلْيَّقِينُ
﴾ [المدثر].
فصرح تعالى عنهم مقرراً له أنّ من الأسباب التي سلكتهم في سقر؛ أي أدخلتم النار،
عدم الصلاة، وعدم إطعام المسكين، وعد ذلك مع الكفر بسبب التكذيب بيوم الدين.
... ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَتُوُ جَ ثُمَّ الْبَحِيمَ صَلُّوُهُ جَ نُوَ فِ سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ
ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (®)﴾ [الحاقة]، ثم بين سبب ذلك فقال: الآية ﴿إِنَّمُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ
وَلَ يَعُ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴿ فَلَسَ لَهُ الْيَوْمَ هَهُنَا حَيْمٌ (٢٥) وَلَا طَعَامُ إِلَّ مِنْ غِسْلِينٍ
٣٦
٣٣
[الحاقة] إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾﴾. الأجر
جزاء العمل، وجزاء عمل الذين آمنوا وعملوا الصالحات هو نعيم الجنة، وذلك الجزاء
غير ممنون؛ أي غير مقطوع، فالممنون اسم مفعول منه بمعنى قطعه، ومنه قول لبيد بن
ربيعة في معلقته :
لمعفر قهدٍ تنازع شِلْوَهُ غُبْسٌ كواسِبُ ما يمن طعامها
فقوله: ما يمن طعامها؛ أي ما يقطع. وقول ذي الأصبع:

١٢٣١
سورة فصلت: الآية (١٠) -
على الصديق ولا خيري بممْنونٍ
إني لعمرك ما بابي بذي غلق
وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن أجرهم غير ممنون، نص الله تعالى عليه
في آيات أخر من كتابه، كقوله تعالى في آخر سورة الانشقاق: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَِّحَتِ لَهُمْ أَهُر غيّرُ مَمْنُونٍ ﴾﴾. وقوله تعالى في سورة التين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ فَلَهُمْ أَجْر غَيْرُ عَمَنُونٍ ﴾﴾. وقوله تعالى في سورة هود: ﴿﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ
فَفِى الْجَنَّةِ خَلِنَ فِيَهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّ مَا شَآءَ رَبُّكٌ عَطَاءٍ غَيْرَ مَجْذُونٍ
فقوله: ﴿غَيْرَ مَجْذُونٍ﴾ أي غير مقطوع، وبه تعلم أن غير مجذوذ وغير ممنون،
معناهما واحد.
وقوله تعالى في صّ: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهْ مِن نَّفَادٍ ﴾﴾ [ص]، أي ماله من انتهاء
ولا انقطاع. وقوله في النحل: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنَفَدُّ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦].
وهذا الذي ذكرنا هو الذي عليه الجمهور خلافاً لمن قال: إن معنى غير ممنون؛
غیر ممنون علیهم به.
وعليه، فالمن في الآية من جنس المن المذكور في قوله تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُواْ
صَدَقَتِكُمْ بِأَلْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] ..
ومن قال: إن معنى غير ممنون، غير منقوص، محتجاً بأن العرب تطلق الممنون
على المنقوص، قالوا: ومنه قول زهير:
يعطي بذلك مَمْنوناً وَلا نَزَقاً
فضل الجياد على الخيل البِطاء فلا
فقوله ممنوناً؛ أي منقوصاً .
وهذا وإن صح لغة، فالأظهر أنه ليس معنى الآية. بل معناها: هو ما قدَّمناه.
والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِهَا رَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَرََّكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا فِىَّ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ .
الظاهر أن معنى قوله هنا: ((في أربعة أيام)): أي في تتمة أربعة أيام. وتتمة
الأربعة حاصلة بيومين فقط؛ لأنه تعالى قال: ﴿قُلْ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِى
يَوْمَيْنِ﴾ ثم قال ﴿فِىّ أَرْبَعَةِ أَيََّمٍ﴾، أي في تتمة أربعة أيام.
ثم قال: ﴿فَقَضَنُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنٍ﴾، فتضم اليومين إلى الأربعة السابقة،
فيكون مجموع الأيام التي خلق فيها السماوات والأرض وما بينهما، ستة أيام.
وَهذا التفسير الذي ذكرنا في الآية لا يصح غيره بحال؛ لأنّ الله تعالى صرح في
آيات متعددة من كتابه بأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام كقوله في
الفرقان: ﴿الَّذِى خَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ الرَّحْمَنُ
فَسْشَلْ بِهِ، خَبِيرًا ﴾﴾ [الفرقان]. وقوله تعالى في السجدة: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ

جـ
١٢٣٢
سورة فصلت: الآية (١٠)
وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَإِيٍّ وَلَا
شَفِيَّعْ﴾ ... الآية [السجدة: ٤]. وقوله تعالى في قّ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا
بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَنَا مِن لَّغُوبٍ ﴾ [ق]. وقوله تعالى في الأعراف: ﴿إِنّ
رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ الآية [الأعراف:
٥٤]. إلى غير ذلك من الآيات.
فلو لم يفسر قوله تعالى: ﴿فِىّ أَرْبَعَةِ أَيََّمٍ﴾، بأن معناه في تتمة أربعة أيام، لكان
المعنى أنه تعالى خلق السماوات والأرض وما بينهما في ثمانية أيام؛ لأن قوله تعالى:
﴿فِىّ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ إذا فسر بأنها أربعة كاملة ثم جمعت مع اليومين الذين خلقت فيهما
الأرض المذكورين في قوله: ﴿قُلْ أَبِّتَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ﴾، واليومين
الذين خلقت فيهما السماوات المذكورين في قوله تعالى: ﴿فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ
يَوْمَيْنِ﴾، لكان المجموع ثمانية أيام وذلك لم يقل به أحد من المسلمين.
والنصوص القرآنية مصرحة بأنها ستة أيام، فعلم بذلك صحة التفسير الذي ذكرنا،
وصحة دلالة الآيات القرآنية عليه.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَحَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا﴾، قد قدَّمنا الكلام
على أمثاله من الآيات، في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ
رَوَسَِ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ ... الآية [النحل: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿وَبَرَكَ فِيهَا﴾ أي أكثر
فيها البركات، والبركة الخير، وقوله تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا﴾. التقدير والخلق في لغة
العرب معناهما واحد.
والأقوات جمع قوت، والمراد بالأقوات: أرزاق أهل الأرض ومعايشهم وما يصلحهم.
وقد ذكرنا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب، عن آيات الكتاب: أن آية فصلت
هذه، أعني قوله تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا﴾، يفهم منها الجمع بين الآيات الدالة على
أن الأرض خلقت قبل السماء كقوله هنا: ﴿قُلْ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِأَلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ
يَوْمَيْنِ﴾ ثم رتب على ذلك بثم، قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ﴾، إلى قوله:
﴿فَقَضَنْهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ﴾، مع بعض الآيات الدالة على أن السماء خلقت قبل
الأرض، كقوله تعالى في النازعات: ﴿وَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقَا أَمِ التَّةُ بَنَهَا (49)﴾، إلى قوله:
﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنَهَا (٣٥)﴾ [النازعات].
فقلنا في كتابنا المذكور ما نصه: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَا فِ الْأَرْضِ
جَمِيعًا ثُمَّ أُسْتَوَّ إِلَى السَّمَاءِ﴾ الآية، هذه الآية تدل على أن خلق الأرض قبل خلق
السماء، بدليل لفظه ((ثم)) التي هي للترتيب والانفصال.
وكذلك آية حمّ السجدة، تدل أيضاً على خلق الأرض قبل السماء؛ لأنه قال
فيها: ﴿قُلْ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِأَلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ﴾ إلى أن قال: ﴿ثُمَّ أُسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ
وَهِىَ دُخَانٌ﴾ ... الآية.

سورة فصلت: الآية (١٠) .
١٢٣٣
مع أن آية النازعات تدل على أن دحو الأرض بعد خلق السماء؛ لأنه قال فيها:
﴿وَنُ أَشَدُّ غَقَّا أَمِ التَمَاءُ بَهَاَ ﴿4﴾ إلى قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَتَهَا (٣٥)﴾ [النازعات].
اعلم أولاً أن ابن عباس أنه سئل عن الجمع بين آية السجدة وآية النازعات، فأجاب
بأن الله تعالى خلق الأرض أولاً قبل السماء غير مدحوة، ثم استوى إلى السماء فسواهن
سبعاً في يومين، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وجعل فيها الرواسي والأنهار وغير ذلك.
فأصل خلق الأرض قبل خلق السماء، ودحوها بجبالها وأشجارها ونحو ذلك،
بعد خلق السماء.
ويدل لهذا أنه قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَتُهَاَ (٣)﴾ [النازعات]، ولم يقل خلقها، ثم
[النازعات]، وهذا الجمع الذي
ـنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَنْهَا
٠
فسر دحوه إياها بقوله:
جمع به ابن عباس بين هاتين الآيتين واضح لا إشكال فيه. مفهوم من ظاهر القرآن
العظيم إلا أنه يرد عليه إشكال من آية البقرة هذه.
وإيضاحه أنَّ ابن عباس جمع بأن خلق الأرض قبل خلق السماء، ودحوها بما
فيها بعد خلق السماء.
وفي هذه الآية التصريح بأن جميع ما في الأرض مخلوق قبل خلق السماء؛ لأنه
قال فيها: ﴿هُوَ اَلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ أُسْتَوَ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩].
وقد مكثت زمناً طويلاً أفكر في حل هذا الإشكال حتى هداني الله إليه ذات يوم
ففهمته من القرآن العظيم.
وإيضاحه: أنّ هذا الإشكال مرفوع من وجهين، كل منهما تدل عليه آية من القرآن.
الأول: أن المراد بخلق ما في الأرض جميعاً قبل خلق السماء: الخلق اللغوي
الذي هو التقدير لا الخلق بالفعل الذي هو الإبراز من العدم إلى الوجود، والعرب
تسمى التقدير خلقاً. ومنه قول زهير:
ولأنت تَفْري ما خلقت
وبعض القوم يخلُقُ ثم لا يَفْري
والدليل على أن المراد بهذا الخلق التقدير، أنه تعالى نص على ذلك في سورة
فصلت. حيث قال: ﴿وَقَّدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا﴾، ثم قال: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ﴾ .
الوجه الثاني: أنّه لما خلق الأرض غير مدحوة وهي أصل لكل ما فيها، كان كل
ما فيها كأنه خلق بالفعل لوجود أصله فعلاً ..
والدليل من القرآن على أنّ وجود الأصل يمكن به إطلاق الخلق على الفرع، وإن لم
يكن موجوداً بالفعل، قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْتَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ﴾ الآية [الأعراف:
[١١]، فقوله: ﴿خَلَقْتَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾، أي بخلقنا وتصويرنا لأبيكم آدم الذي هو أصلكم.
وجمع بعض العلماء بأن معنى قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَتَهَا (٣٥)﴾ [النازعات]، أى
مع ذلك، فلفظة بعد بمعنى مع.

١٢٣٤
- سورة فصلت: الآيات (١٢ - ١٦)
ونظيره قوله تعالى: ﴿عُثُلٍ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13)﴾ [القلم]، وعليه فلا إشكال في الآية.
ويستأنس بهذا القول بالقراءة الشاذة وبها قرأ مجاهد: ((والأرض مع ذلك دحاها)).
وجمع بعضهم بأوجه ضعيفة؛ لأنها مبنية على أن خلق السماء قبل الأرض، وهو
خلاف التحقيق. منها أن ثم: بمعنى الواو. ومنها: أنها للترتيب الذكري كقوله تعالى:
﴿َُّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ ... الآية [البلد: ١٧].
قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَحِفْظًا﴾. المصابيح: النجوم، وما تضمنته هذه
الآية من تزيين السماء الدنيا بالنجوم، قد قدَّمنا إيضاحه بالآيات القرآنية، في سورة الأنعام،
في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اُلْنُّجُومَ لِهْتَدُواْ بِهَا﴾ ... الآية [الأنعام: ٩٧].
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَحِفْظًا﴾، قد قدَّمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في
سورة الحجر، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَهَا مِن كُلِّ شَيْطَنِ رَّحِيمٍ (٣)﴾ [الحجر].
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنَلَ مَتَكَةُ فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ﴾ .
قد قدَّمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في سورة صَ، في الكلام على قوله تعالى:
﴿وَعِبُوْ أَن ◌َّمَهُ مُنذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ص: ٤].
قوله تعالى: ﴿فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِىِّ أَيَّاءٍ شَحِسَاتٍ﴾. الصرصر: وزنه بالميزان
الصرفي فعفل، وفي معنى الصرصر لعلماء التفسير وجهان معروفان:
أحدهما: أن الريح الصرصر هي الريح العاصفة الشديدة الهبوب، التي يسمع
لهبوبها صوت شديد، وعلى هذا فالصرصر من الصَرَّة، التي هي الصيحة المزعجة.
ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَقْلَتِ آمْرَأَتُهُ فِى صَرَّقِ﴾ [الذاريات: ٢٩]، أي في صيحة، ومن
هذا المعنى صرير الباب والقلم، أي صوتهما .
الوجه الثاني: أن الصرصر من الصر الذي هو البرد الشديد المحرق، ومنه على
أصح التفسيرين قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ رِيج فِهَا صِرُّ﴾ ... الآية [آل عمران: ١١٧]؛ أي
فيها برد شديد محرق، ومنه قول حاتم الطائي :
أوقد فإن الليل ليل قر. والريح يا واقد ريح صرُّ
علَّ يرى نارك من يمر إن جلبت ضيفاً فأنت حرُّ
فقوله: ريح صرّ، أي باردة شديدة البرد.
والأظهر أن كلا القولين صحيح، وأن الريح المذكورة جامعة بين الأمرين، فهي
عاصفة شديدة الهبوب، باردة شديدة البرد.
وما ذكره - جلّ وعلا - من إهلاكه عاداً بهذه الريح الصرصر، في تلك الأيام
النحسات، أي المشئومات النكدات؛ لأن النحس ضد السعد، وهو الشؤم جاء موضحاً
في آيات من كتاب الله.

١٢٣٥
سورة فصلت: الآيات (١٢ - ١٦) -
وقد بيّن تعالى في بعضها عدد الأيام والليالي التي أرسل عليهم الريح فيها، كقوله
﴿ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ
تعالى: ﴿وَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيجَ صَرْصَرٍ عَاِبَْ
فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّنْ بَاقِيَةِ
حُسُومًاً فَتَرَى الْقَوْمَ فِهَا صَرْعَى كَنَّهُمْ أَعْجَازُ غَخْلٍ خَاوِيَةٍ
[الحاقة]. وقوله تعالى: ﴿وَفِ عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَتِهِمُ الْرِيحَ اَلْعَقِيَمَ ﴿﴿ مَا نَذَرُ مِن شَىْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ إِلَّا
جَعَلَتْهُ كَالَرَّمِيمِ ﴾﴾ [الذاريات]: وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِ يَوْمِ نَخْسِ مُسْتَمِرٍ
تَرِعُ النَّاسَ كَنَهُمْ أَعْجَازُ نَخْلِ مُنْقَعِ (٣٥)﴾ [القمر]. وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا أُسْتَعْجَلْتُمْ بٌِّ
رِيعُ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ الآية [الأحقاف: ٢٤، ٢٥].
وهذه الريح الصرصر هي المراد بصاعقة عاد في قوله تعالى: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُّكُمْ صَلِقَةً
مِثْلَ صَعِقَةٍ عَادٍ﴾ .
وقرأ هذا الحرف نافع، وابن كثير، وأبو عمر: ((نَحْسات))، بسكون الحاء، وعليه
فالنحس، وصف أو مصدر، نزل منزلة الوصف.
وقرأه ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (نَحِسات)) بكسر الحاء، ووجهه
ظاهر، وقد قدَّمنا أن معنى النحسات: المشئومات النكدات.
وقال صاحب الدر المنثور: وأخرج الطستي عن ابن عباس ﴿ها أن نافع بن الأزرق
قال له: أخبرني عن قوله وجل: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ [القمر: ١٩]. قال: النحس، البلاء والشدة،
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت زهير بن أبي سلمى يقول:
سواء عليه أي يوم أتيته أساعة نحس تتقى أم بأسعد
وتفسير النحس بالبلاء والشدة تفسير بالمعنى؛ لأن الشؤم بلاء وشدة. ومقابلة
زهير النحس بالأسعد في بيته يوضح ذلك، وهو معلوم.
ويزعم بعض أهل العلم، أنها من آخر شوال، وأن أولها يوم الأربعاء وآخرها يوم
الأربعاء، ولا دليل على شيء من ذلك.
وما يذكره بعض أهل العلم من أن يوم النحس المستمر، هو يوم الأربعاء الأخير
من الشهر، أو يوم الأربعاء مطلقاً، حتى إن بعض المنتسبين لطلب العلم وكثيراً من العوام
صاروا يتشاءمون بيوم الأربعاء الأخير من كل شهر، حتى إنهم لا يقدمون على السفر،
والتزوج ونحو ذلك فيه، ظانين أنه يوم نحس وشؤم، وأن نحسه مستمر على جميع الخلق
في جميع الزمن، لا أصل له ولا معول عليه، ولا يلتفت إليه من عنده علم؛ لأن نحس
ذلك اليوم مستمر على عاد فقط الذين أهلكهم الله فيه، فاتصل لهم عذاب البرزخ والآخرة
بعذاب الدنيا، فصار ذلك الشؤم مستمراً عليهم استمراراً لا انقطاع له.
أما غير عاد فليس مؤاخذاً بذنب عاد؛ لأنه ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
وقد أردنا هنا أن نذكر بعض الروايات التي اغتر بها من ظن استمرار نحس ذلك
اليوم، لنبين أنها لا معول عليها .

١٢٣٦
سورة فصلت: الآية (١٧)
قال صاحب الدر المنثور: وأخرج ابن أبي حاتم عن زر بن حبيش ﴿فِي يَوْمِ نَخْسٍ
مُسْتَمِّرِ﴾ [القمر: ١٩]. قال: ((يوم الأربعاء)).
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وله :
((قال لي جبريل: اقض باليمين مع الشاهد. وقال: يوم الأربعاء يوم نحس مستمر)).
وأخرج ابن مردويه عن علي قال: ((نزل جبريل على النبي ◌ّ باليمين مع الشاهد
والحجامة ويوم الأربعاء يوم نحس مستمر)) . .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: كان رسول الله وَل يقول: ((يوم نحس يوم.
الأربعاء)).
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: سئل رسول الله والر عن الأيام، وسئل عن يوم
الأربعاء؟ قال: يوم نحس، قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: ((أغرق فيه الله فرعون
وقومه، وأهلك عاداً وثمود)).
وأخرج وكيع في الغرر وابن مردويه والخطيب بسند ضعيف عن ابن عباس قال:
قال رسول الله وقال: ((آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر)).
فهذه الروايات وأمثالها لا تدل على شؤم يوم الأربعاء على من لم يكفر بالله ولم
يعصه؛ لأن أغلبها ضعيف وما صح معناه منها، فالمراد بنحسه: شؤمه على أولئك
الكفرة العصاة الذين أهلكهم الله فيه بسبب كفرهم ومعاصيهم.
فالحاصل أن النحس والشؤم إنما منشأه وسببه الكفر والمعاصي.
أما من كان متقياً لله مطيعاً له في يوم الأربعاء المذكور فلا نحس ولا شؤم فيه
عليه. فمن أراد أن يعرف النحس والشؤم والنكد، والبلاء والشقاء على الحقيقة،
فليتحقق أن ذلك كله في معصية الله وعدم امتثال أمره. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَأَسْتَحَبُواْ أَلْعَمَى عَلَى اَلْهُدَى﴾ .
قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهَدَيْنَهُمْ﴾؛ المراد بالهدى فيه هدى الدلالة
والبيان والإرشاد، لا هدى التوفيق والاصطفاء.
والدليل على ذلك قوله تعالى بعده: ﴿فَأَسْتَحَبُّواْ أَلْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾؛ لأنها لو كانت
هداية توفيق لما انتقل صاحبها عن الهدى إلى العمى.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَأُسْتَحَبُّواْ أَلْعَمَى عَلَى اَلْهُدَى﴾ أي اختاروا الكفر
على الإيمان، وآثروه عليه، وتعوضوه منه.
وهذا المعنى الذي ذكرنا يوضحه قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ
ءَبَآءَكُمْ وَإِخْوَتَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ أَسْتَحَبُّواْ أَلْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَنْ﴾ [التوبة: ٢٣]. فقوله في آية
التوبة هذه: ﴿إِن أَسْتَحَبُّواْ أَلْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَنَّ﴾ [التوبة: ٢٣]، موافق في المعنى لقوله
هنا: فاستحبوا العمى على الهدى.

١٢٣٧
سورة فصلت: الآية (١٧) .
ونظير ذلك فِي المعنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ
وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ... الآية [إبراهيم: ٣].
فلفظة استحب في القرآن كثيراً ما تتعدى بعلى؛ لأنها في معنى اختار وآثر.
وقد قدَّمنا في سورة هود، في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى﴾
[هود: ٢٤]. أن العمى الكفر، وأن المراد بالأعمى في آيات عديدة الكافر.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن الهدى يأتي في القرآن بمعناه العام الذي
هو البيان، والدلالة والإرشاد، لا ينافي أن الهدى قد يطلق في القرآن في بعض
المواضع على الهدى الخاص الذي هو التوفيق، والاصطفاء، كقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ
الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةُ﴾ [الأنعام: ٩٠].
فمن إطلاق القرآن الهدى على معناه العام قوله هنا: ﴿وَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ﴾، أي
بيّنا لهم طريق الحق وأمرناهم بسلوكها، وطرق الشر ونهيناهم عن سلوكها على لسان
نبينا صالح - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - ﴿فَأَسْتَحَبُّواْ أَلْعَمَى عَلَى اَلْهُدَى﴾، أي
اختاروا الكفر على الإيمان بعد إيضاح الحق لهم.
ومن إطلاقه على معناه العام قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣]، بدليل قوله
بعده: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]؛ لأنّه لو كان هدى توفيق لما قال: ﴿وَإِمَّا كَفُورًا﴾.
ومن إطلاقه على معناه الخاص قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَهُمُ أُقْتَدِةُ﴾ [الأنعام: ٩٠].
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدَى﴾ [محمد: ١٧]. وقوله: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِّ﴾
[الكهف: ١٧].
وبمعرفة هذين الإطلاقين تتيسر إزالة إشكال قرآني: وهو أنه تعالى أثبت الهدى
لنبينا وَّ﴾ في آية، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَّهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]
ونفاه عنه في آية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦].
فيعلم مما ذكرنا: أنّ الهدى المثبت له وَّل، هو الهدى العام الذي هو البيان
والدلالة والإرشاد، وقد فعل ذلك ◌َله فبين المحجة البيضاء، حتى تركها ليلها كنهارها
لا يزيغ عنها إلّا هالك.
والهدى المنفي عنه في آية: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، هو الهدى
الخاص الذي هو التفضل بالتوفيق؛ لأنّ ذلك بيد الله وحده، وليس بيده وَ د كما قال
تعالى: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئَأْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اَللَّهُ
أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ الآية [المائدة: ٤١]. وقوله تعالى: ﴿إِن تَحْرِضِ عَلَى هُدَهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا
يَدِى مَن يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.
وكذلك قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدِّى لِلنَّاسِ﴾ الآية
[البقرة: ١٨٥]، لا منافاة فيه بين عموم الناس في هذه الآية، وخصوص المتقين في قوله

١٢٣٨
سورة فصلت: الآية (١٧)
[البقرة]؛ لأنّ الهدى العام للناس
تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبُ فِيهِ هُدِّى لِلْثَّقِينَ
هو الهدى العام، والهدى الخاص بالمتقين هو الهدى الخاص كما لا يخفى.
وقد بينا هذا في غير هذا الموضع. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَعِقَةُ الْعَذَابِ الْمُونِ﴾. الفاء في قوله: ((فأخذتهم)) سببية،
أي فاستحبوا العمى على الهدى، وبسبب ذلك، أخذتهم صاعقة العذاب الهون.
واعلم: أنّ الله - جلّ وعلا - عبر عن الهلاك الذي أهلك به ثمود، بعبارات
مختلفة، فذكره هنا باسم الصاعقة في قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَعِقَةُ الْعَذَابِ الْمُونِ) وقوله:
﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُّكُمْ صَعِقَةً مِثْلَ صَِفَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾.
وعبر عنه أيضاً بالصاعقة في سورة الذاريات في قوله تعالى: ﴿وَفِ ثَمُودَ إِذْ قِلَ لَهُمْ
تَمَّعُواْ حَتَّى حِينٍ ﴿﴿ فَعَتَوّأْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَُّعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (@)﴾ [الذاريات].
وعبر عنه بالصيحة في آيات من كتابه، كقوله تعالى في سورة هود، في إهلاكه
ثمود: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَرِهِمْ جَثِينَ ﴿ كَأَن لَّمَّ يَغْنَوْاْ فِيهَ أَلَّ
إِنَّ ثَمُودَأْ كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلَ بُعْدًا لِّشَمُودَ (٨)﴾ [هود]. وقوله تعالى في الحجر: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِبُونَ
مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا ءَمِنِينَ ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (43)﴾ [الحجر]. وقوله تعالى في
القمر: ﴿إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةُ وَحِدَةً فَكَانُوْ كَهَشِيرِ الْمُخْتَظِرِ ﴾﴾ [القمر]. وقوله تعالى في
العنكبوت: ﴿وَمِنْهُمِ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ [العنكبوت: ٤٠]، يعني به ثموداً المذكورين في
قولِه قبله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَا وَقَد تَبَّنَ لَكُمْ مِن مَّسَكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ
أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ ﴾ الآية [العنكبوت].
وعبر عنه بالرجفة، في سورة الأعراف، في قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ
أَمْيِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَصَلِحُ أَثْنِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾
W
الآية [الأعراف: ٧٧، ٧٨].
وعبر عنه بالتدمير في سورة النمل، في قوله تعالى: ﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
مَكْرِهِمْ أَنَا دَفَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (﴾﴾ [النمل].
وعبر عنه بالطاغية في الحاقة في قوله تعالى: ﴿فَأَمَا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِلَّاِيَةِ
[الحاقة].
وعبر عنه بالدمدمة في الشمس، في قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ
عَلَيَّهِمْ رَبُّهُمْ بِذَئِهِمْ فَسَوَّنَهَا ﴾﴾ [الشمس].
وعبر عنه بالعذاب، في سورة الشعراء، في قوله تعالى: ﴿فَمَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ
نَدِمِينَ ﴿ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَةٌ﴾ الآية [الشعراء: ١٥٧، ١٥٨].
ومعنى هذه العبارات كلها راجع إلى شيء واحد، وهو أن الله أرسل عليهم صيحة
أهلكتهم، والصيحة الصوت المزعج المهلك.

١٢٣٩
سورة فصلت: الآية (١٧) :
والصاعقة تطلق أيضاً على الصوت المزعج المهلك، وعلى النار المحرقة،
وعليهما معاً، ولشدة عظم الصيحة وهولها من فوقهم، رجفت بهم الأرض من تحتهم؛
أي تحركت حركة قوية، فاجتمع فيها أنها صيحة وصاعقة ورجفة، وكون ذلك تدميراً
واضح. وقيل لها طاغية؛ لأنها واقعة مجاوزة للحد في القوة وشدة الإهلاك.
والطغيان في لغة العرب: مجاوزة الحد.
ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَفَا الْمَّهُ﴾ الآية [الحاقة: ١١]. أي جاوز الحدود التي
يبلغها الماء عادة.
واعلم أن التحقيق، أن المراد بالطاغية في قوله تعالى: ﴿فَأَمَا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ
بِالطَّاعِيَةِ ﴾﴾ [الحاقة]، أنها الصيحة التي أهلكهم الله بها، كما يوضحه قوله بعده: ﴿وَأَمَّا
[الحاقة].
عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيج صَرْصَرٍ عَلِيَةٍ ﴿
خلافاً لمن زعم أنّ الطاغية، مصدر كالعاقبة، والعافية، وأن المعنى أنهم أهلكوا
بطغيانهم؛ أي بكفرهم وتكذيبهم نبيهم، كقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَنِهَا ﴾﴾ [الشمس].
وخلافاً لمن زعم أن الطاغية هي أشقاهم الذي انبعث فعقر الناقة، وأنهم أهلكوا
بسبب فعله وهو عقره الناقة، وكل هذا خلاف التحقيق.
والصواب إن شاء الله هو ما ذكرنا. والسياق يدل عليه واختاره غير واحد.
وأما قوله تعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنْبِهِمْ﴾ [الشمس: ١٤]، فإنه لا يخالف
ما ذكرنا؛ لأن معنى ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم ◌ِذَئِهِمْ﴾، أي أطلق عليهم العذاب وألبسهم
إیاه؛ بسبب ذنبهم.
قال الزمخشري في معنى دمدم: وهو من تكرير قولهم ناقة مدمومة، إذا ألبسها الشحم.
وأما إطلاق العذاب عليه في سورة الشعراء فواضح، فاتضح رجوع معنى الآيات
المذكورة إلى شيء واحد.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿صَعِقَةُ الْعَذَابِ الْمُونِ﴾، من النعت بالمصدر؛
لأن الهون مصدر بمعنى الهوان، والنعت بالمصدر أسلوب عربي معروف، أشار إليه في
الخلاصة بقوله :
فالتزموا الإفراد والتذكيرا
ونعتوا بمصدر كثيرا
وهو موجه بأحد أمرين:
أحدهما: أن يكون على حذف مضاف. أي العذاب ذي الهون.
والثاني: أنه على سبيل المبالغة، فكأن العذاب لشدة اتصافه بالهوان اللاحق بمن
وقع عليه، صار كأنه نفس الهوان، كما هو معروف في محله.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، كالتوكيد في المعنى لقوله: ﴿فَأَسْتَحَبُواْ أَلْعَمَى

١٢٤٠
سورة فصلت: الآيتان (١٨ - ١٩)
عَلَى الْمُدَى﴾؛ لأن كلا منهما سبب لأخذ الصاعقة إياهم، فالفاء في قوله: ((فأخذتهم)
سببية، والباء في قوله: ((بما كانوا)) سببية. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَيِّنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ (®)﴾، ذكر - جلّ وعلا - في هذه
الآية الكريمة، أنه أهلك ثمود بالصاعقة، ونجى من ذلك الإهلاك الذين آمنوا وكانوا
يتقون الله، والمراد بهم صالح ومن آمن معه من قومه.
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، جاء مبيناً في غير هذا الموضع،
كقوله تعالى في سورة هود: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَتْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّكَا
وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ ﴿ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ الآية [هود:
٦٦، ٦٧]، وقوله تعالى في النمل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنْ أَعْبُدُواْ اللَّهَ فَإِذَا
هُمْ فَرِقَانِ يَخْتَصِمُونَ ﴾﴾ [النمل]. إلى قوله تعالى في ثمود: ﴿فَتِلْكَ بُوتُهُمْ خَاوِيَةً"
وَأَفْجَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ
بِمَا ظَلَمُوْاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةُ لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
يَنَّقُونَ ﴾﴾ [النمل] أي وهم صالح ومن آمن معه.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ
قرأ هذا الحرف عامة القراء غير نافع ﴿يُحْشَرُ﴾ بضم الياء وفتح الشين مبنياً
للفعول ﴿أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ بالرفع على أنّه نائب الفاعل.
وقرأه نافع وحمزة، من السبعة (نحشُر أعداء الله) بالنون المفتوحة الدالة على
العظمة، وضم الشين مبنياً للفاعل، (أعداءَ الله) بالنصب على أنّه مفعول به، أي واذكر
(يوم نحشر أعداءُ الله) أي يجمعون إلى النار.
وما دلت عليه هذه الآية، من أنّ لله أعداء، وأنّهم يحشرون يوم القيامة إلى النار.
جاء مذكوراً في آيات أخر.
فبين في بعضها أنّ له أعداء وأن أعداءه هم أعداء المؤمنين، وأن جزاءهم النار
كقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ فَإِنَ اللَّهَ عَدُوٌ لِلْكَفِرِينَ
[البقرة]. وقوله تعالى: ﴿وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾
[الأنفال: ٦٠]. وقوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُؤَّكُمْ﴾ ... الآية
[الممتحنة: ١]. وقوله تعالى: ﴿فَيُلْقِهِ آلْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذُهُ عَدُوٌّ لِ وَعَدُوٌّ لَّمْ﴾ [طه: ٣٩]. وقوله
تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارِّ لَهُمْ فِيَهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. أي يرد أولهم إلى آخرهم،
ويلحق آخرهم بأولهم، حتى يجتمعوا جميعاً، ثم يدفعون في النار، وهو من قول
العرب: وزعت الجيش، إذا حبست أوله على آخره حتى يجتمع.
وأصل الوزع الكف، تقول العرب وزعه، يزعه وزعاً، فهو وازع له، إذا كفه عن
الأمر، ومنه قول نابغة ذبيان: