النص المفهرس

صفحات 1181-1200

سورة ص: الآية (٦) -
١١٨١
والآيات في ذلك كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ جَهُ الْهُدَى إِلَّ
أَنْ قَالُواْ أَبَّعَثَ اَللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا (٨٦ قُل لَّوْ كَانَ فِ الْأَرْضِ مَلَبِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَيِنِينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم
مِنَ السَّمَآءِ مَلَكًا زَّسُولًا (٥﴾﴾ [الإسراء]. وقوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا
عَلِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الْآَخِرَةِ
وَفْنَهُمْ فِ الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَثَرٌ مِثْلُكُمْ بَأْكُلُ مِمَا تَأْكُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ
وَلَيْنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا أَخَسِرُونَ (﴿4﴾ [المؤمنون]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَذَا
الرَّسُولِ بَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧]. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت
تَأْتِهِمْ رُسُلُهُم بِالَِّْتِ فَقَالُواْ أَبَشَرٌ عَدُونَنَا﴾ ... الآية [التغابن: ٦]. وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ نَمُودُ
بِلَّذُرِ ﴿٣) فَقَالُواْ أَبَشَرًا مِنَا وَحِدًا نَبِعُهُ إِنَّا إِذَا لَّفِى ضَلٍ وَسُعُرٍ ﴾ [القمر]. وقوله تعالى:
﴿ قَالُواْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْنَا﴾ الآية [إبراهيم: ١٠]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ
مَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ الْأَمُْ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ﴿﴿ وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا وَلَبَسْنَا
عَلَيْهِمِ مَا يَلْبِسُونَ ﴾﴾ [الأنعام]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَحِقَةً مِثْلَ
صَعِفَّةِ عَادٍ وَثَمُودَ ﴿٤) إِذْ جَمَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيَدِيهِمْ وَمِنْ خَلِفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوْاْ إِلَّا اللَّهُ قَالُواْ لَوْ
شَآءَ رَبُّنَا لَأَنَزَلَ مَلَبِكَةُ فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ ﴾﴾ [فصلت]. وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَوُّأْ
الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، مَا كَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِدُ أَنْ يَنَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَبِكَةً
مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىّ ءَابَآَيِنَا الْأَوَِّينَ ﴾ [المؤمنون]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ يَّأَيُّهَا الَّذِى نُزِّلَ
عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴿ لَوْ مَا تَأْتِيْنَا بِالْمَلَمِكَةِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ ﴿ مَا نُنَزِلُ
إِلَیْهِ
﴿لَوْلاً أَنزِلَ
(٨)﴾ [الحجر]. وقوله تعالى:
اٌلْمَكَبِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذَا مُنَظَرِينَ
مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧]. وقوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا
لَوْلاً أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَتَبِكَةُ أَوْ نَى رَبَّنَاً لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فِىَّ أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُنُوًّا كَبِيرًا * يَوْمَ يَرَوْنَ
اُلْمَلَبِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَيِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ الآية [الفرقان: ٢١، ٢٢]. وقوله تعالى عن فرعون مع
موسى: ﴿فَلَوْلَا أَلْفِىَ عَّهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَ مَعَهُ الْمَلَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (13)﴾ [الزخرف].
وقد ردَّ الله تعالى على الكفار عجبهم من إرسال الرسل من البشر في آيات من
كتابه كقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُوْنَ اْلَطَعَامَ وَ يَمْشُونَ
فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَحَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا
وَذُرِيَّةٌ﴾ [الرعد: ٣٨]. وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىّ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ
الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِمْ فَتْشَلُواْ أَهْلَ
الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿ وَمَا جَعَلْنَهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَمَ وَمَا كَانُواْ
خَالِينَ ﴾﴾ [الأنبياء]. وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن ◌َّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ
اَللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ [إبراهيم: ١١]، أي بالرسالة والوحي ولو كان بشراً
مثلكم. إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْطَلَقَ الْعَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ آَمْشُواْ وَأَصْبِرُواْ عَلَ ءَالِهَتِكُمْ﴾. قد قدَّمنا الكلام عليه

١١٨٢ -
سورة ص: الآيات (٨ - ١٦)
في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلاً أَنْ
صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان: ٤٢].
وقوله تعالى: ﴿أَءُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن
كفار مكة، أنكروا أن الله خص نبيه محمداً وَله بإنزال القرآن عليه وحده، ولم ينزله على
أحد آخر منهم، وما دلت عليه هذه الآية الكريمة، جاء في آيات أخر، مع الرد على
الكفار في إنكارهم خصوصه وَّ بالوحي، كقوله تعالى عنهم: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ
عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (4)﴾، يعنون بالقريتين مكة والطائف، وبالرجلين من القريتين
الوليد بن المغيرة في مكة، وعروة بن مسعود في الطائف، زاعمين أنهما أحق بالنبوة منه.
وقد رد - جلّ وعلا - ذلك عليهم في قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾
[الزخرف: ٣٢] لأنّ الهمزة في قوله: أهم يقسمون، للإنكار المشتمل على معنى النفي،
وكقوله تعالى: ﴿قَالُواْ لَنْ تُؤْمِنَ حَّ نُؤْثَى مِثْلَ مَا أُوِىَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤].
وقد رد الله تعالى ذلك عليهم في قوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ
الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارُ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وأشار إلى
رد ذلك عليهم في آية ص هذه في قوله: ﴿بَلّ هُمْ فِ شَكٍ مِّن ذِكْرِىٌّ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابٍ
٨
◌َمْ عِندَهُمْ خَآْنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ اَلْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ﴿ أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّاً﴾ .
الآية؛ لأنه لا يجعل الرسالة حيث يشاء، ويخص بها من يشاء، إلا من عنده خزائن
الرحمة، وله ملك السموات والأرض.
وقوله تعالى: ﴿أَدُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾، قد بيّن في موضع آخر أنّ ثمود قالوا
مثله لنبي الله صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وذلك في قوله تعالى عنهم:
﴿َوْفِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ﴾ وقد رد الله تعالى عليهم ذلك في قوله:
﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ اَلْكَذَّابُ الْأَثِرُ(﴾﴾
[القمر].
قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُم ◌ُلَكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾. قد قدَّمنا بعض الكلام عليه في
سورة الحجر، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَهَا مِن كُلِّ شَيْطَنِ رَّحِيمٍ (١)﴾ [الحجر].
وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَبُ
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْنَادِ (
18
لَيْكَةٍ أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ ﴿ إِن كُلُّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابٍ
قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِن
يُكَذِّبُوَكَ فَقَدْ كَذَّمَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوجِ﴾ الآية [الحج: ٤٢]. وفي غير ذلك من المواضع.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبََّ عَجِّل لَّنَا قِّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ ﴾﴾. قد قدَّمنا الآيات
الموضحة له في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك في سورة الأنعام، في الكلام
على قوله تعالى: ﴿مَا عِندِى مَا تَسْتَعِْلُونَ ب٤ٍِّ﴾ [الأنعام: ٥٧]. وفي سورة يونس في
الكلام على قوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِمْ﴾ الآية [يونس: ٥١]. وفي سورة الرعد
.

١١٨٣
سورة ص: الآيات (١٨ - ٢٦) -
في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعِْلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ الآية [الرعد: ٦]. وفي
سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعِْلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾. [الحج: ٤٧].
وقد قدَّمنا أن القط: النصيب من الشيء، أي عجل لنا نصيبنا من العذاب الذي
توعدنا به. وأن أصل القط كتاب الجائزة؛ لأن الملك يكتب فيه النصيب الذي يعطيه
لذلك الإنسان، وجمعه قطوط، ومنه قول الأعشى:
بغبطته يعطي القطوط ويأفق
ولا الملك النعمان حين لقيته
وقوله: ويأفق أي يفضل بعضهم على بعض في العطاء المكتوب في القطوط.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ﴾. إلى قوله: ﴿أَوَّبُ﴾ .
قد قدَّمنا الآيات الموضحة له، في سورة الأنبياء، في الكلام على قوله تعالى:
﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ الآية [الأنبياء: ٧٩].
فَغَفَّرْنَا لَهُ ذَلِكٌ﴾ .
قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَنَّهُ فَأَسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَكِعًا وَأَنَابَ
قد قدَّمنا الكلام على مثل هذه الآية، من الآيات القرآنية التي يفهم منها صدور بعض
الشيء من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وبينا كلام أهل الأصول في ذلك في
سورة طه، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعَصَىَ ءَدَمُ رَبَُّ فَغَوَ﴾ [طه: ١٢١].
واعلم أن ما يذكره كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة، مما لا يليق
بمنصب داوود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كله راجع إلى الإسرائيليات، فلا ثقة
به، ولا معوّل عليه، وما جاء منه مرفوعاً إلى النبي وَلّر لا يصح منه شيء.
قوله تعالى: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِفَةٌ فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنَّعِ اَلْهَوَى
فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اَلَّهِ﴾. في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِفَةً فِىِ الْأَرْضِ﴾، قد بينا
الحكم الذي دل عليه في سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ
لِلْمَلْبِكَةِ إِنَِّ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ... الآية [البقرة: ٣٠].
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَشَِّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن
سَبِيلِ الَّهِ﴾، قد أمر نبيه داود فيه بالحكم بين الناس بالحق، ونهاه فيه عن اتباع الهوى،
وأن اتباع الهوى علة للضلال عن سبيل الله، لأن الفاء في قوله: ﴿فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ
اللَّهِ﴾، تدل على العليّة.
وقد تقرر في الأصول، في مسلك الإيماء والتنبيه، أن الفاء من حروف التعليل
كقوله: سها فسجد، وسرق فقطعت يده، أي لعلة السهو في الأول، ولعلة السرقة في
الثاني، وأتبع ذلك بالتهديد الشديد لمن اتبع الهوى، فأضله ربنا عن سبيل الله في قوله
تعالى بعده يليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوْ بَوْمَ اْحِسَابِ﴾.
ومعلوم أنّ نبيّ الله داوود، لا يحكم بغير الحق، ولا يتبع الهوى فيضله عن
سبيل الله، ولكن الله تعالى يأمر أنبياءه عليهم الصلاة والسلام، وينهاهم؛ ليشرع لأممهم.
ولذلك أمر نبينا وَ ل، بمثل ما أمر به داود، ونهاه أيضاً عن مثل ذلك في آيات من

١١٨٤.
سورة ص: الآيات (١٨ - ٢٦)
كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢]. وقوله
تعالى: ﴿وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنَزَلَ اللَّهُ وَلَا تَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ وَأَحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَآَ
أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكٌ﴾ [المائدة: ٤٩]. وكقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ◌َائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا نُطِعْ مَنْ
أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَتَّبَعَ هَوَنُهُ﴾ ... الآية [الكهف: ٢٨].
وقد قدَّمنا الكلام على هذا، في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى:
﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ فَتَقْهُدَ مَذْهُومًا تَّحْذُولًا (٣)﴾ [الإسراء].
وبيّنا أنّ من أصرح الأدلة القرآنية الدالة على أنّ النبي ◌َّه يخاطب بخطاب، والمراد
بذلك الخطاب غيره يقيناً؛ قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّ تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَ لِدَيْنِ إِحْسَنَاْ إِمَّا
يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَُّمَا أُفٍ وَلَا نَنَهُرْهُمَا﴾ الآية [الإسراء: ٢٣]،
ومن المعلوم أن أباه بَ طير توفي قبل ولادته، وأن أمه ماتت وهو صغير، ومع ذلك فإن الله
يخاطبه بقوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]، ومعلوم
أنّه لا يبلغ عنده الكبر أحدهما ولا كلاهما؛ لأنهما قد ماتا قبل ذلك بزمان.
فتبين أن أمره تعالى لنبيه ونهيه له في قوله: ﴿فَلَا تَقُل لَُّمَآ أُفٍ وَلَا نَنْهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا
قَوْلاً كَرِيمًا ﴾ وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ الآية [الإسراء: ٢٣، ٢٤]: إنّما يراد
به التشريع على لسانه لأمته، ولا يراد به هو نفسه بص لة، وقد قدَّمنا هناك أنّ من أمثال
العرب: إياك أعني واسمعى يا جارة، وذكرنا في ذلك رجز سهل بن مالك الفزاري
الذي خاطب به امرأة، وهو يقصد أخرى وهي أخت حارثة بن لأم الطائي وهو قوله:
يا أخت خير البدو والحضاره
كيف ترين في فتى فزاره
أصبح يهوى حرة معطاره
إياك أعني واسمعي يا جاره
وذكرنا هناك الرجز الذي أجابته به المرأة.
وقول بعض أهل العلم إن الخطاب في قوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندََكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا
أَوْ كِلَهُمَا﴾ ... الآية [الإسراء: ٢٣]، هو الخطاب بصيغة المفرد، الذي يراد به عموم
كل من يصح خطابه. كقول طرفة بن العبد في معلقته:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً .
ويأتيك بالأخبار من لم تزود.
أي ستبدي لك ويأتيك أيها الإنسان الذي يصح خطابك، وعلى هذا فلا دليل في
الآية: غير صحيح، وفي سياق الآيات قرينة قرآنية واضحة دالة على أن المخاطب بذلك
هو النبي ◌َ﴾، وعليه فالاستدلال بالآية استدلال قرآني صحيح، والقرينة القرآنية
المذكورة، هي أنه تعالى قال في تلك الأوامر والنواهي التي خاطب بها رسوله وَل﴾،

١١٨٥
سورة ص: الآية (٢٧) -
التي أولها: ﴿وَيَأْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاْ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ﴾ ... الآية [الإسراء: ٢٣]. ما هو
صريح في أن المخاطب بذلك هو النبي صل#، لا عموم كل من يصح منه الخطاب،
وذلك في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنَّا أَوْحَىّ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ.
فَتُلْقَى فِ جَهَّمَ مَلُوْمًا مَّدْخُورًا (٢٩)﴾ [الإسراء].
. قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءُ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة
له في آخر سورة الحجر، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا خَقْنَا السَّمَوَتِ وَاْأَرْضَ وَمَا
بَنَهُمَّا إِلَّا بِآلْحَقٍ﴾، وفي آخر سورة قد أفلح المؤمنون. في الكلام على قوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ
أَنَّفَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥].
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ﴾. الإشارة في قوله
﴿ذَلِكَ﴾ راجعة إلى المصدر الكامن في الفعل الصناعي، ذلك أي خلقنا السماوات
والأرض باطلاً هو ظن الذين كفروا بنا، والنفي في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا﴾، منصب على
الحال لا على عاملها الذي هو خلقنا؛ لأن المنفي بأداة النفي التي هي ما: ليس خلقه
السماوات والأرض، بل هو ثابت، وإنما المنفي بها، هو كونه باطلاً، فهي حال شبه
العمدة وليست فضلة صريحة؛ لأن النفي منصب عليها هي خاصة، والكلام لا يصح
دونها. والكلام في هذا معلوم في محله، ونفي كونه خلقه تعالى السماوات والأرض
باطلاً نزه عنه نفسه ونزهه عنه عباده الصالحون؛ لأنه لا يليق بكماله وجلاله تعالی.
أما تنزيهه نفسه عنه ففي قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا
(5)﴾ [المؤمنون].
تُرْجَعُونَ
ثم نزه نفسه عن كونه خلقهم عبثا، بقوله تعالى: ﴿فَتَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَّ لَا إِلَهَ إِلَّا
هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِ ﴾ [المؤمنون]، أي تعالى وتقدس وتنزه عن كونه خلقهم عبثا.
وأما تنزيه عباده الصالحين له عن ذلك، ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمُوَتِ
وَاْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اَلَيْلِ وَالتَّهَارِ لَيَتٍ لِّأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ (٢٥) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيَمَا وَقُعُودًا وَعَلَى
جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ
النَّارِ ﴾ [آل عمران]، فقوله تعالى عنهم: ﴿سُبْحَتَكَ﴾، أي تنزيهاً لك، عن أن تكون
خلقت السماوات والأرض باطلاً. فقولهم: ﴿سُبْحَتَكَ﴾، تنزيه له، كما نزه نفسه عن
ذلك بقوله تعالى: ﴿فَنَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ ... الآية [المؤمنون: ١١٦].
وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَّ النَّارِ﴾، يدل على أن من ظن بالله
ما لا يليق به - جلّ وعلا -، فله النار.
وقد بيّن تعالى في موضع آخر أن من ظن بالله ما لا يليق به أرداه وجعله من
الخاسرين، وجعل النار مثواه. وذلك في قوله تعالى: ﴿ وَلَكِن ◌َظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ
وَذَلِكُمْ ظَتُكُ الَّذِىِ ظَنَنْتُم بِرَيَّكُمْ أَرْدَكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ اْخَسِرِينَ (*) فَإِن
كَثِيرًا مِعَا تَعْمَلُونَ (٣)
يَصْبِرُواْ فَالنَّارُ مَثْوَّى لَهُمْ﴾ ... الآية [فصلت: ٢٢ - ٢٤].

١١٨٦
سورة ص: الآية (٢٧)
وقولنا في أول هذا المبحث الإشارة في قوله ﴿ذَلِكَ﴾ راجعة إلى المصدر الكامن
في الفعل الصناعي؛ قد قدَّمنا إيضاحه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله
تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، وبيّنا هناك أن الفعل
نوعان، أحدهما الفعل الحقيقي، والثاني الفعل الصناعي، أما الفعل الحقيقي، فهو
الحدث المتجدد المعروف عند النحويين بالمصدر. وأما الفعل الصناعي، فهو المعروف
في صناعة علم النحو بالفعل الماضي، والفعل المضارع، وفعل الأمر، على القول بأنه
مستقل عن المضارع.
ومعلوم أنّ الفعل الصناعي ينحل عند النحويين عن مصدر وزمن، كما أشار له في
الخلاصة بقوله :
·· مدلولي الفعل كأمن من أمن
المصدر اسم ما سوى الزمان من
. وعند جماعات من البلاغيين، أنه ينحل عن مصدر، وزمن، ونسبة، وهو
الأقرب، كما حرره بعض علماء البلاغة في مبحث الاستعارة التبعية، وبذلك تعلم أنه
لا خلاف بينهم في أن المصدر، والزمن كامنان في الفعل الصناعي، فيصح رجوع
الإشارة والضمير إلى كل من المصدر والزمن الكامنين في الفعل الصناعي ..
فمثال رجوع الإشارة إلى المصدر الكامن في الفعل، قوله هنا: ﴿ذَلِكَ ظُنُّ الَِّينَ
كَفَرُواْ﴾ ... الآية، فإن المصدر الذي هو الخلق، كامن في الفعل الصناعي، الذي هو
الماضي في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًّا ذَلِكَ﴾، أي خلق السماوات
المذكور الكامن في مفهوم خلقنا، ظن الذين كفروا.
ومثال رجوع الإشارة إلى الزمن الكامن في مفهوم الفعل الصناعي، قوله تعالى:
﴿وَتُفِخَ فِى الْضُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ اْوَعِيدِ ﴾﴾ [ق]، أي ذلك الزمن الكامن في الفعل هو يوم الوعيد.
ومثال رجوع الضمير للمصدر الكامن في مفهوم الفعل قوله تعالى: ﴿أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]. فقوله: هو، أي العدل الكامن في مفهوم اعدلوا، كما تقدم إيضاحه.
قوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَلْمُفْسِدِينَ فِى الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ
٢٨
اَلْمُتَّقِينَ كَالْفُسَارِ
﴿أَمْ﴾ في قوله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ﴾، وقوله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ﴾
كلتاهما، منقطعة وأم المنقطعة، فيها لعلماء العربية ثلاثة مذاهب:
الأول: أنّها بمعنى همزة استفهام الإنكار.
الثاني: أنّها بمعنى بل الإضرابية.
والثالث: أنّها تشمل معنى الإنكار والإضراب معا، وهو الذي اختاره بعض المحققين.
وعليه فالإضراب بها هنا انتقالي لا إيطالي، ووجه الإنكار بها عليهم واضح؛ لأن
من ظن بالله الحكيم الخبير، أنه يساوي بين الصالح المصلح، والمفسد الفاجر، فقد
ظن ظناً قبيحاً جديراً بالإنكار.

سورة ص: الآية (٢٩)
-
١١٨٧
وقد بين - جلّ وعلا - هذا المعنى في غير هذا الموضع، وذم حكم من يحكم
به، وذلك في قوله تعالى في سورة الجاثية: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ تَّمْعَلَهُمْ
كَذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَوَآءُ تَخَْهُمْ وَمَمَاتُهُمَّ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ
﴾ [الجاثية: ٢١].
)﴾. قوله
٢٩
قوله تعالى: ﴿كِنَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرٌَّ لِيَذَّبَّرُوْ ءَايَتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْنَبِ
تعالى: ﴿كِنَبُ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا كتاب، وقد ذكر - جلّ وعلا - في هذه
الآية الكريمة، أنه أنزل هذا الكتاب، معظماً نفسه - جلّ وعلا - بصيغة الجمع، وأنه
كتاب مبارك، وأن من حكم إنزاله أن يتدبر الناس آياته، أي يتفهموها ويتعقلوها ويمعنوا
النظر فيها، حتى يفهموا ما فيها من أنواع الهدى، وأن يتذكر أولوا الألباب؛ أي يتعظ
أصحاب العقول السليمة، من شوائب الاختلال. وكل ما ذكره في هذه الآية الكريمة
جاء واضحاً في آيات أخر.
أما كونه - جلّ وعلا - هو الذي أنزل هذا القرآن، فقد ذكره في آيات كثيرة كقوله
تعالى: ﴿إِنَّ أَنَزَلْنَهُ فِىِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾﴾ [القدر]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مَُّرَّكَةٍ﴾
[الدخان: ٣]. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ مِنْهُ ءَايَتُ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ
وَأَُ مُتَشَِهٌَ﴾ [آل عمران: ٧]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.
وأما كون هذا الكتاب مباركاً، فقد ذكره في آيات من كتابه كقوله تعالى: ﴿وَهَذَا
كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكُ مُصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ٩٢]. وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِنَبُ
[الأنعام]. والمبارك: كثير البركات من خير
أَنَّلْنَهُ مُبَارَكٌ فَأَتَّبِعُوهُ وَأَتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُحَمُونَ
الدنيا والآخرة.
ونرجو الله القريب المجيب، إذ وفقنا لخدمة هذا الكتاب المبارك، أن يجعلنا
مباركين أينما كنا، وأن يبارك لنا وعلينا، وأن يشملنا ببركاته العظيمة في الدنيا
والآخرة. وأن يعم جميع إخواننا المسلمين الذين يأتمرون بأوامره، بالبركات
والخيرات، في الدنيا والآخرة إنه قريب مجيب.
وأما كون تدبر آياته من حكم إنزاله: فقد أشار إليه في بعض الآيات، بالتحضيض
على تدبره، وتوبيخ من لم يتدبره، كقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدِّيَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ
أَقْفَالُهَا (٣)﴾ [محمد]. وقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ اُلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ
فِيهِ أَخْئِلَفًا كَثِيرًا (٨﴾ [النساء]. وقوله تعالى: ﴿أَفَمَّ يَدَّبَّرُواْ الْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ
ءَبَآءَ هُمُ الْأَوَّلِينَ (®)﴾ [المؤمنون].
وأما كون تذكر أولي الألباب من حكم إنزاله، فقد ذكره في غير هذا الموضع،
مقترناً ببعض الحكم الأخرى التي لم تذكر في آية ص هذه، كقوله تعالى في سورة
إبراهيم: ﴿هَذَا بَلَغُ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُواْ بِهِ، وَلِيَعْلَمُّوْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبُبِ
٥٢)
[إبراهيم]، فقد بين في هذه الآية الكريمة، أن تذكر أولي الألباب من حكم إنزاله، مبيناً

١١٨٨
سورة ص: الآية (٢٩)
منها حكمتين أخريين من حكم إنزاله، وهما إنذار الناس به، وتحقيق معنى لا إله
إلا الله، وكون إنذار الناس وتذكر أولي الألباب من حكم إنزاله، ذكره في قوله تعالى:
﴿اَلَّمَصَ ﴿﴿ كِتَبَّ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِنُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾
[الأعراف: ١، ٢]، لأن اللام في قوله لتنذر متعلقة بقوله: أنزل، والذكرى اسم مصدر
بمعنى التذكير، والمؤمنون في الآية لا يخفى أنهم هم أولوا الألباب.
وذكر حكمة الإنذار في آيات كثيرة كقوله: ﴿َبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ
لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا ﴾﴾ [الفرقان]. وقوله تعالى: ﴿وَأُوْحِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَّكُم بِهِ، وَمَنْ بَغَّ﴾
[الأنعام: ١٩]. وقوله تعالى: ﴿تَزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾ لِنُنذِرَ قَوْمَاً مَّ أُنْذِرَ ءَابَآؤُهُمْ﴾ الآية
[يس: ٦،٥]. وقوله تعالى: ﴿لَّيُنْذِرَ مَن كَانَ حَيًّا﴾ ... الآية [يس: ٧٠].
وذكر في آيات أخر أن من حكم إنزاله: الإنذار والتبشير معاً، كقوله تعالى:
﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ، قَوْمًا لََّّا (3﴾﴾ [مريم]. وقوله
تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنَزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُر ◌ِوَجَا قَبِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا
مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ﴾ ... الآية [الكهف: ١، ٢].
وبين - جلّ وعلا - أنّ من حكم إنزاله أن يبين وَلَوَ للناس ما أنزل إليهم ولأجل
أن يتفكروا، وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ
يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].
وقد قدَّمنا مراراً كون ((لعلّ)) من حروف التعليل، وذكر حكمة التبيين المذكورة مع
حكمة الهدى والرحمة، في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ إِلَّا لِتُبَيْنَ لَهُمُ الَّذِى
أُخْتَلَفُواْ فِةٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
(٤)﴾ [النحل].
وبيّن أن من حكم إنزاله، تثبيت المؤمنين والهدى والبشرى للمسلمين في قوله
تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحِّ لِيُنَّبِتَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدَّى وَبُشْرَى
لِلْمُسْلِمِينَ (٣)﴾ [النحل].
وبيّن أنّ من حكم إنزاله إلى النبي وَل قول، أن يحكم بين الناس بما أراه الله، وذلك في
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ اَلنَّاسِ بِمَا أَرَكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥].
والظاهر أنّ معنى قوله: ﴿ِمَّ أَرَكَ اللَّهُ﴾، أي بما علمك من العلوم في هذا
القرآن العظيم، بدليل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ نَّدْرِى مَا
اُلْكِنَبُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًا نَهْدِى بِهِ، مَن ◌َّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ الآية [الشورى: ٥٢]. وقوله
تعالى: ﴿فَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اُلْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ،
لَمِنَ الْغَفِلِينَ (٣)﴾ [يوسف].
وبين - جلّ وعلا - أنّ من حكم إنزاله: إخراج الناس من الظلمات إلى النور،
وذلك في قوله تعالى: ﴿الَرْ كِتَبُّ أَنزَلْنَهُ إِلَيْكَ لِنُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ
رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم: ١].

١١٨٩
سورة ص: الآيات (٣٠ - ٣٧) -
وبيَّن أنّ من حِكَم إنزاله التذكرة لمن يخشى في قوله تعالى: ﴿طه + مَّ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ
اَلْقُرْءَانَ لِتَشْفَىِ ﴿ إِلَّا نَذْكِرَةُ لِّمَن يَخْشَى ﴾ [طه]؛ أي ما أنزلناه إلا تذكرة لمن يخشى.
وهذا القصر على التذكرة إضافي، وكذلك القصر في قوله تعالى الذي ذكرناه قبل
هذا: ﴿وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيَّكَ الْكِتَبَ إِلَّا لِثُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِىِ اخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾ الآية [النحل: ٦٤]، بدليل
الحِكم الأخرى التي ذكرناها.
وبيّن أنّ من حكم إنزاله قرآناً عربياً وتصريف الله فيه من أنواع الوعيد: أن يتقي
الناس الله، أو يحدث لهم هذا الكتاب ذكراً؛ أي موعظة وتذكراً، يهديهم إلى الحق،
وذلك في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَهُ فُرْءَانًا عَرَبَِّّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَنَُّونَ أَوْ
يُحْدِثُ لَمْ ذِكْرًا
﴾ [طه]. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَنَّ﴾ ذكر في هذه الآية الكريمة، أنه وهب سليمان
لداوود، وقد بين في سورة النمل، أن الموهوب ورث الموهوب له، وذلك في قوله
تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُرٌ﴾ [النمل: ١٦].
وقد بيّنا في سورة مريم، في الكلام على قوله تعالى عن زكريا: ﴿فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ
وَلِيَّا ﴿َ يَرِثْنِ وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبِ﴾ الآية [مريم: ٥، ٦]، أنها وراثة علم ودين لا وراثة مال.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِهِ، جَسَدًا﴾ قد قدَّمنا الكلام على هذه
الآية، وعلى ما يذكره المفسرون فيها من الروايات التي لا يخفى سقوطها، وأنها لا
تليق بمنصب النبوة، في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأْقْءٍ
إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴿ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]. وما روي عنه من السلف
من جملة تلك الروايات، أن الشيطان أخذ خاتم سليمان، وجلس على كرسيه وطرد
سليمان إلى آخره، يوضح بطلانه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَئِسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ
أَتَبَّعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾﴾ [الحجر] واعتراف الشيطان بذلك في قوله: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ
الْمُْلَصِینَ
﴾ [الحجر].
١٤٠
قوله تعالى: ﴿فَخَّرْنَا لَهُ الْرِيَ تَجْرِى بِأَغْرِ رَُّّةٍ حَيْثُ أَصَابَ
· قد قدَّمنا الكلام عليه موضحاً بالآيات القرآنية في سورة الأنبياء، في الكلام على
قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الرِّيَحَ عَاصِفَةُ تَجْرِى بِأَمْرِهِ﴾ ... الآية [الأنبياء: ٨١].
وفسرنا هناك قوله هنا: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ وذكرنا هناك أوجه الجمع بين قوله هنا: ﴿رُنَّةً﴾
وقوله هناك: ﴿ وَلِسُلَيْمَنَ الرِّيحَ عَاصِفَةٌ﴾ [الأنبياء: ٨١]، ووجه الجمع أيضاً بين عموم الجهات
المفهوم من قوله هنا: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾، أي حيث أراد، وبين خصوص الأرض المباركة
المذكور هناك في قوله: ﴿َّجْرِى بِأَمْرِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِىِ بَرَكْنَا فِيهَا﴾ ... الآية [الأنبياء: ٨١].
قوله تعالى: ﴿وَالشَّيَطِينَ كُلَّ بَنَّةٍ وَغَوَّاصٍ (*)﴾ قد قدَّمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في
سورة الأنبياء، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيْطِينِ مَن يَغُوُصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ
ريج﴾ [الأنبياء].
عَمَلًا دُونَ ذَلِكٌَ وَكْنَا لَهُمْ حَفِظِينَ

١١٩٠ -
سورة ص : الآيات (٤١ - ٨٨)
قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُُّبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ: أَنّ مَسَّنِىَ الشَّيْطَنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (ج) إلى
قوله: ﴿لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾. فد قدَّمنا إيضاحه بالآيات القرآنية مع التعرض لإزالة ما فيه من
الإشكال في سورة الأنبياء، في الكلام على قوله تعالى: ﴿ وَأَيُّبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ إلى
قوله: ﴿وَذِكْرَىْ لِلْعَبِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣ - ٨٤].
قوله تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ عِبَدَنَآ إِنَهِيَمَ وَإِسْحَقَ﴾ أمر الله - جلّ وعلا - نبيهِ وَّ في هذه
الآية الكريمة، أن يذكر عبده إبراهيم، ولم يقيد ذلك الذكر بكونه في الكتاب، مع أنه
قيدهِ بذلك في سورة مريم، في قوله تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فِىِ الْكِتَبِ إِبْرَهِمَّ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نِيًّا
الآية [مريم].
قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرْ إِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ﴾ أطلق هنا أيضاً الأمر بذكر إسماعيل، وقيده
في سورة مريم بكونه في الكتاب في قوله تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فىِ الْكِتَبِ إِسْمَعِيلٌ إِنَُّ كَانَ صَادِقَ
اُلْوَعْدِ﴾ الآية [مريم: ٥٤]، وفي ذلك إشارة إلى أنه والتر مأمور أيضاً بذكر جميع
المذكورين في الكتاب؛ ولذلك جاء ذكرهم كلهم في القرآن العظيم كما لا يخفي.
قوله تعالى: ﴿﴿﴿ وَعِندَهُمْ قَصِرَتُ الطَّرْفِ أَنْآَبُ (63)﴾. قد قدَّمنا الكلام عليه في سورة
الصافات، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (®َ﴾ [الصافات].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ ﴾﴾. ما تضمنته هذه الآية الكريمة من
أن نعيم الجنة لا نفاد له، أي لا انقطاع له ولا زوال، ذكره - جلّ وعلا - في آيات أخر
كقوله تعالى فيه: ﴿عَطَةٌ غَيّرَ مَجْذُونٍ﴾ [هود: ١٠٨]. وقوله تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ
اَللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦].
قد قدّمنا ما يوضحه من الآيات
قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقِّ ◌َخَاصُ أَهْلِ الَّارِ
القرآنية في مواضع متعددة، من هذا الكتاب المبارك، ذكرنا بعضها في سورة البقرة، في
الكلام على قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ﴾ ... الآية [البقرة:
١٦٦]، وذكرنا بعضه في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿حَقَّ إِذَا أَذَّارَكُواْ
فِيهَا جَميعًا﴾ ... الآية [الأعراف: ٣٨]. وغير ذلك من المواضع.
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْنَنِى مِنْ ثَّارٍ وَخَلَقْنَهُ مِن طِينٍ﴾. قد تقدم إيضاحه مع
بعض المباحث في سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِلَّ إِيْلِسَ أَبَ وَأَسْتَكْبَرَ
وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤].
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُكَلِفِينَ ﴾﴾. قد قدَّمنا الآيات
الموضحة له في سورة هود، وذكرنا الأحكام المتعلقة بالآيات، في الكلام على قوله تعالى
عن نبيه نوح: ﴿وَيَقَوْمِ لَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالَا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللّهِ﴾ ... الآية [هود: ٢٩].
. الحين المذكور هنا، قال بعض
٨٨
قوله تعالى: ﴿وَلَعْلَمُنَّ نَبَّهُ بَعْدَ حِينٍ (
العلماء: المراد به بعد الموت، ويدل له ما قدَّمنا في سورة الحجر، في الكلام على
:[الحجر].
قوله تعالى: ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِيْنُ

١١٩١
سورة الزمر : الآية (١) -_-
وقال بعض العلماء: الحين المذكور هنا، هو يوم القيامة. ولا منافاة بين القولين؛
لأن الإنسان بعد الموت تتبين له حقائق الهدى والضلال.
واللام في ﴿ وَلَنَعَلَمُنَّ﴾ موطئة للقسم، وقد أكد في هذه الآية الكريمة أنهم سيعلمون
نبأ القرآن؛ أي صدقه وصحة جمیع ما فيه بعد حین بالقسم، ونون التوکید ...
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من تهديد الكفار بأنهم سيعلمون نبأه بعد حين، قد
أشار إليه تعالى في سورة الأنعام، في قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ
[الأنعام].
عَلَيَّكُمْ بِوَكِيلِ ﴾ لِكُلِّ نَبَرِ مُسْتَقَرُّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (َ
قال غير واحد من العلماء: ﴿لَكُلِّ نَبَكرِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧]، أي لكل خبر حقيقة
ووقوع، فإن كان حقاً تبين صدقه ولو بعد حين، وإن كان كذباً تبين كذبه، وستعلمون
صدق هذا القرآن ولو بعد حين.
براسم الرحمن الرحيم
سورة الزمر
قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾﴾. قد دل استقراء القرآن
العظيم، على أن الله - جلّ وعلا - إذا ذكر تنزيله لكتابه، أتبع ذلك ببعض أسمائه
الحسنى، المتضمنة صفاته العليا .
ففي أول هذه السورة الكريمة، لما ذکر تنزيله کتابه، بین أنَّ مبدأ تنزیلہ کائن منه - جلّ
وعلا -، وذكر اسمه الله، واسمه العزيز، والحكيم، وذكر مثل ذلك في أول سورة الجاثية،
في قوله تعالى: ﴿حَمّ ٣ تَزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِمِ ﴿ إِنَّ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ
﴾ [الجاثية]، وفي أول سورة الأحقاف في قوله تعالى: ﴿حمّ ) تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ
لِلْمُؤْمِنِينَ
اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِ﴾ [الأحقاف: ١ -٣].
وقد تكرر كثيراً في القرآن ذكره بعض أسمائه وصفاته، بعد ذكر تنزيل القرآن
العظيم، كقوله في أول سورة غافر: ﴿حَمّ ﴾ تَزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (@)
غَافِرِ الذَّتْبِ وَقَابِلِ التَّوَّبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِى الطَّوْلِ لَآ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾﴾ [غافر]،
وقوله تعالى في أول فصلت: ﴿حَمّ ﴾ تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾﴾ [فصلت]. وقوله
تعالى في أول هود: ﴿الَّرِ كِتَبُّ أُعْكِمَتْ ءَايَتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾﴾ [هود]،
وقوله في فصلت: ﴿وَإِنَُّ لَكِتَبُّ عَزِيزٌلَا يَأْنِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِةِ، تَنْزِيلٌ مِّنْ
حَكِيمٍ حَميدٍ ﴾﴾ [فصلت]. وقوله تعالى في صدر يس ﴿نَزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ @ لِنُنذِرَ قَوْمًا

١١٩٢-
سورة الزمر: الآيتان (٢ - ٣)
◌َّآ أُنْذِرَ مَابَآؤُهُمْ﴾ [يس: ٦،٥]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَنَنْزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ
.. (@)
الآية [الشعراء]، وقوله تعالى: ﴿نَزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ وَلَوْ نَفَوََّ عَلَيْنَا
اُلْأَمِينُ
بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (@) الآية [الحاقة].
ولا يخفى أنّ ذكره - جلّ وعلا - هذه الأسماء الحسنى العظيمة، بعد ذكره تنزيل
هذا القرآن العظيم، يدل بإيضاح على عظمة القرآن العظيم، وجلالة شأنه وأهمية نزوله.
والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿فَأَعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الذِينَ ﴿ أَلَاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾. أمر الله - جلّ
وعلا - نبيه ◌َّر في هذه الآية الكريمة، أن يعبده في حال كونه مخلصاً له الدين، أي مخلصاً
له في عبادته، من جميع أنواع الشرك صغيرها وكبيرها، كما هو واضح من لفظ الآية.
والإخلاص: إفراد المعبود بالقصد، في كل ما أمر بالتقرب به إليه.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من كون الإخلاص في العبادة لله وحده لا بد
منه، جاء في آيات متعددة، وقد بين - جلّ وعلا -، أنه ما أمر بعبادة، إلا عبادة يخلص
له العابد فيها .
أما غير المخلص فكل ما أتى به من ذلك جاء به من تلقاء نفسه، لا بأمر ربه،
قال تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوَّأْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ اُلِّينَ﴾ الآية [البينة: ٥]، وقال - جل وعلا -:
﴿قُلْ إِّ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ أَللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ اَلِذِينَ ﴿﴿ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِينَ (٣)﴾ إلى قوله
فَأَعْبُدُواْ مَا شِئْتُم مِّنْ دُونِةٍ﴾. وقد قدَّمنا الكلام على
١٤
تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِ
العمل الصالح، وأنه لا بد فيه من الإخلاص في أول سورة الكهف، في الكلام على
قوله تعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ﴾ [الكهفِ: ٢].
قوله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الذِينُ الْخَالِصُُّ وَالَّذِينَ أَخَذُواْ مِنْ دُونِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا
لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ
كَذِبُ كَفَّارٌ﴾.
أي التوحيد الصافي من شوائب الشرك، أي هو المستحق لذلك وحده، وهو
الذي أمر به.
وقول من قال من العلماء: إن المراد بالدين الخالص كلمة لا إله إلا الله؛ موافق
لما ذكرناه. والعلم عند الله تعالى.
ثم لما ذكر - جلّ وعلا - إخلاص العبادة له وحده، بيَّن شبهة الكفار التي احتجوا
بها للإشراك به تعالى، في قوله تعالى هنا: ﴿وَلَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ، أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ
إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اَللَّهِ زُلْفَ﴾ .
فبين أنهم يزعمون أنهم ما عبدوا الأصنام إلا لأجل أن تقربهم من الله زلفى،
والزلفى القرابة، فقوله: زلفى، ما ناب عن المطلق من قوله ليقربونا؛ أي ليقربونا إليه

١١٩٣
سورة الزمر: الآيات (٤ - ٦) .
قرابة تنفعنا بشفاعتهم في زعمهم؛ ولذا كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك،
إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك.
وقد قدّمنا في سورة المائدة، في الكلام على قوله تعالى؛ ﴿وَأَبْتَغُواْ إِلَيْهِ
اُلْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]، أن هذا النوع من ادعاء الشفعاء، واتخاذ المعبودات من
دون الله وسائط؛ من أصول كفر الكفار.
وقد صرح تعالى بذلك في سورة يونس؛ في قوله - جلّ وعلا -: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن
دُونٍ اُللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنَفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَتُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتْنُونَ اَللَّهَ بِمَا لَا
يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضَِّ سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾﴾ [يونس].
فصرح تعالى بأن هذا النوع، من ادعاء الشفعاء شرك بالله، ونزّه نفسه الكريمة عنه
بقوله - جلّ وعلا -: ﴿سُبْحَنَهُ, وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]، وأشار إلى ذلك في
آية الزمر هذه؛ لأنه - جلّ وعلا - لما قال عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ إِنَّ
اَللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونُ﴾ أتبع ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ
كَذِبُ كَفَّارُ﴾.
هُوَ
وقوله: كفار، صيغة مبالغة، فدل ذلك على أن الذين قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا
إلى الله زلفى جامعون بذلك، بين الكذب والمبالغة في الكفر بقولهم ذلك، وسيأتي إن
شاء الله لهذا زيادة إيضاح في سورة الناس.
قوله تعالى: ﴿لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّأَصْطَفَى مَِّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَنَةٌ هُوَ
اللَّهُ الْوَحِدُ الْقَهَارُ ﴾﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة النحل، في
الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَتِ سُبْحَتَهُ, وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ (69)﴾ [النحل).
قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُ مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ .
ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة، أنه خلق بني آدم من نفس واحدة هي
أبوهم آدم، ثم جعل من تلك النفس زوجها يعني حواء. أي وبث جميع بني آدم منهما،
وأوضح هذا في مواضع أخر من كتابه، كقوله تعالى في أول سورة النساء: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ
أَتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِ خَلَقَكُم مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءٍ﴾ [النساء: ١].
وقوله في الأعراف: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ
إِلَيْهَا﴾ ... الآية [الأعراف: ١٨٩]، وتأنيث الوصف، بقوله: واحدة، مع أن الموصوف
به مذكر، وهو آدم نظراً إلى تأنيث لفظ النفس، وإن كان المراد بها مذكراً، ونظير ذلك
من كلام العرب قوله:
أبوك خليفة ولدته أخرى. وأنت خليفة ذاك الكمال
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَّلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَمِ ثَمَنِيَةَ أَزْوَجٍ﴾.
قد قدَّمنا إيضاح هذه الأزواج الثمانية بنص القرآن العظيم، في سورة آل عمران،
في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنَْمِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤].

١١٩٤
سورة الزمر: الآيات (٧ - ١٠)
قوله تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ خَلْقًا مِنُ بَعْدِ خَلْقٍ﴾. قد قدَّمنا الآيات
الموضحة له في سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِ
رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن تُرَابٍ﴾ الآية [الحج: ٥]، وبينا هناك المراد بالظلمات
الثلاث المذكورة هنا .
قوله تعالى: ﴿إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنْكُمْ﴾
قد بيّن - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة، أنه غني عن خلقه الغنى المطلق،
وأنه لا يضره كفرهم به، والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ
[إبراهيم]. وقوله تعالى:
مُؤْسَّ إِن تَكْفُواْ أَنْتُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَ اللّهَ لَغَنِىُّ حَمِيدُّ (
﴿فَكَفَرُواْ وَقَوَلَّأْ وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦]، وقوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَتَّخَذَ اَللَّهُ
وَلَدَّأْ سُبْحَنَةٌ هُوَ الْغَنِىّ﴾ الآية [يس: ٦٨]. وقوله تعالى: ﴿﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ
﴾﴾ [فاطر]. وقوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ﴾
إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْفِىُّ الْحَمِيدُ
[محمد: ٣٨]، وقد أوضحنا هذا بالآيات في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك.
قوله تعالى: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَّ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِفَكُمْ﴾. قد قدَّمنا إيضاحه مع
إزالة الإشكال، والجواب عن الأسئلة الواردة على تلك الآيات في سورة بني إسرائيل،
في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىُ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾
[الإسراء: ١٥]، وأوضحنا ذلك، مع إزالة الإشكال في بعض الآيات، في سورة النحل،
في الكلام علىٍ قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَمَةٍ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ
يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ... الآية [النحل: ٢٥].
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَى الْإِنسَنَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا
كَانَ يَدْعُواْ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ،﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له
في سورة يونسٍ، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَ الْإِنسَنَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ، أَوْ
قَاعِدًا أَوْ قَابِمًا﴾ الآية [يونس: ١٢].
قوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَثَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ﴾. قد قدَّمنا الآيات
الموضحة له مع الإشارة إلى بحث أصوله في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى:
﴿ذَرَهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلَهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾﴾ [الحجر].
قوله تعالى: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةٌ﴾. الظاهر أنّ معنى الآية، أنّ الإنسان إذا كان في
محل لا يتمكن فيه من إقامة دينه على الوجه المطلوب، فعليه أن يهاجر منه في مناكب
أرض الله الواسعة، حتی یجد محلاً یمکنه فیه إقامة دينه.
وقد أوضح تعالى هذ المعنى في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ
اُلْمَلَئِكَةُ. ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيَ كُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِ اَلْأَرْضَِّ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اَللَّهِ وَسِعَةٌ
فَنُهَاجِرُواْ فِهَا﴾ [النساء: ٩٧]. وقوله تعالى: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ أَرْضِ وَسِعَةٌ فَإِنَّنَىَ

١١٩٥
سورة الزمر: الآيات (١٥ - ١٧) -
[العنكبوت]، ولا يخفى أن الترتيب بالفاء في قوله: ﴿فَإِنَّنَىَ فَأَعْبُدُونِ﴾
فَاعْبُدُونِ
[العنكبوت: ٥٦]. على قوله: ﴿إِنَّ أَرْضِى وَسِعَةٌ﴾ [العنكبوت: ٥٦]، دليل واضح على ذلك.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِهِمْ يَوْمَ اُلْقِيَمَةُ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ
الْمُبِينُ﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له من أوجه في سورة يونس، في الكلام على قوله
تعالى: ﴿قَدْ خِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِقَِّ اَللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥].
قوله تعالى: ﴿لَّمْ مِّنِ فَوْقِهِمْ تُظَلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَخْنِهِمْ تُطَلٌ ذَلِكَ يُحَوِّفُ اَللَّهُ بِهِ، عِبَادَهُ﴾
قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنبياء، في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ﴾ الآية [الأنبياء: ٣٩]،
وذكرنا طرفاً من ذلك في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ
لِلْكَفِنَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨].
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَبُواْ الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَبُواْ إِلَى اللَّهِ﴾. ما تضمنته هذه الآية
الكريمة، من تحقيق معنى لا إله إلا الله، قد قدَّمنا إيضاحه بالآيات القرآنية، في سورة
الفاتحة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥].
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَشَِّعُونَ أَحْسَنَهُ﴾. أظهر الأقوال في الآية
الكريمة، أنّ المراد بالقول، ما جاء به النبي ◌َّو، من وحي الكتاب والسنة، ومن
إطلاق القول على القرآن قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ الْقَوْلَ﴾ الآية [المؤمنون: ٦٨]. وقوله
تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴿ وَمَا هُوَ بِالَِّ ﴿٣)﴾ [الطارق].
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَيَشَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ أي يقدمون الأحسن،
الذي هو أشد حسناً، على الأحسن الذي هو دونه في الحسن، ويقدمون الأحسن مطلقاً
على الحسن. ويدل لهذا آيات من كتاب الله.
أما الدليل على أن القول الأحسن المتبع، ما أنزل عليه وسلّر من الوحي، فهو في
آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَأَتَّبِعُواْ أَحْسَنَ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُم﴾. وقوله
تعالى لموسى يأمره بالأخذ بأحسن ما في التوراة: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأَمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ
بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥].
وأما كون القرآن فيه الأحسن والحسن، فقد دلت عليه آيات من كتابه.
واعلم أولاً: أنّه لا شك في أن الواجب أحسن من المندوب، وأن المندوب
أحسن من مطلق الحسن، فإذا سمعوا مثلاً قوله تعالى: ﴿وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]، قدموا فعل الخير الواجب، على فعل الخير المندوب، وقدموا
هذا الأخير، على مطلق الحسن الذي هو الجائز؛ ولذا كان الجزاء بخصوص الأحسن
الذي هو الواجب والمندوب، لا على مطلق الحسن، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. وقال تعالى: ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُ بِأَحْسَنِ اَلَّذِى

١١٩٦ -
سورة الزمر: الآيات (١٥ - ١٧)
كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ كما قدَّمنا إيضاحه في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَنْ
عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْنَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَتَهُ حَيَّوَةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾﴾ [النحل]، وبينا هناك دلالة الآيات على أن المباح حسن، كما قال
صاحب المراقي :
وغيره القبيح والمستهجن
ماربنا لم ينه عنه حسن
ومن أمثلة الترغيب في الأخذ بالأحسن وأفضليته مع جواز الأخذ بالحسن قوله
تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْنُم ◌ِدٍ وَلَيِنِ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلِصَّبِينَ
١٢٦
[النخل]، فالأمر في قوله: ﴿فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] للجواز، والله لا
يأمر إلا بحسن. فدل ذلك على أنّ الانتقام حسن، ولكن الله بيّن أن العفو والصبر خير
منه وأحسن في قوله: ﴿وَلَيِنِ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّبِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]، وأمثال ذلك كثيرة
في القرآن، كقوله تعالى في إباحة الانتقام: ﴿وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ كُلْمِهِ، فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم ◌ِّن
سَبِيلٍ ﴾﴾ [الشورى]، مع أنّه بيّن أنّ الصبر والغفران خير منه، في قوله بعده: ﴿وَلَمَنْ
صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾﴾ [الشورى]، وكقوله في جواز الانتقام: ﴿لَّ يُحِبُّ
اَللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِ﴾ [النساء: ١٤٨] مع أنّه أشار إلى أنّ العفو خير
منه، وأنّه من صفاته - جلّ وعلا - مع كمال قدرته، وذلك في قوله بعده: ﴿إِن تُبْدُوا
خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوَّا قَدِيرًا (٣٦)﴾ [النساء].
وكقوله - جلّ وعلا - مثنياً على من تصدق، فأبدى صدقته: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ
فَنِعِمَّا هِىِّ﴾ [البقرة: ٢٧١]، ثم بيّن أن إخفاءها وإيتاءها الفقراء، خير من إبدائها الذي
مدحه بالفعل الجامد، الذي هو لإنشاء المدح الذي هو نعم، في قوله: ﴿إِن تُبْدُوا
الصَّدَقَتِ فَنِعِمَا هِىَّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ◌ٌلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١].
وكقوله في نصف الصداق اللازم للزوجة بالطلاق قبل الدخول: ﴿فَنِصْفُ مَا
فَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ولا شك أنّ أخذ كل واحد من الزوجين النصف حسن؛ لأن الله
شرعه في كتابه في قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ﴾، مع أنّه رغب كل واحد منهما أن يعفو
للآخر عن نصفه، وبين أن ذلك أقرب للتقوى وذلك في قوله بعده: ﴿وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَىَّ وَلَا تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
وقد قال تعالى: ﴿وَجَزَّوْاْ سِيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، ثم أرشد إلى الأحسن بقوله:
﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَجْرُ عَلَى الَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]. وقال تعالى: ﴿وَاُلْجُرُوِحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:
٤٥]، ثم أرشد إلى الأحسن، في قوله: ﴿فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة: ٤٥].
واعلم: أنّ في هذه الآية الكريمة أقوالاً غير الذي اخترنا .
منها ما روي عن ابن عباس، في معنى ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَّهُ؟﴾. قال: ((هو الرجل
يسمع الحسن والقبيح فيتحدث بالحسن، وينكف عن القبيح، فلا يتحدث به)).

١١٩٧
سورة الزمر: الآيتان (١٩ - ٢٠) -
وقيل: يستمعون القرآن وغيره، فيتبعون القرآن.
وقيل: إن المراد بأحسن القول لا إله إلا الله، وبعض من يقول بهذا يقول: إن
الآية نزلت فيمن كان يؤمن بالله قبل بعث الرسول وسل* كزيد بن عمرو بن نفيل العدوي،
وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، إلى غير ذلك من الأقوال.
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابٍ أَفَأَنْتَ تُنُقِذُ مَن فِ النَّارِ ﴾﴾. أظهر القولين
في الآية الكريمة، أنهما جملتان مستقلتان، فقوله: ﴿أَفَنْ حَقَّ عَلَيَّهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾، جملة
مستقلة، لكن فيها حذفاً، وحذف ما دل المقام عليه واضح، لا إشكال فيه.
والتقدير: أفمن حق عليه كلمة العذاب، تخلصه أنت منه. والاستفهام مضمن
معنى النفي، أي لا تخلص أنت يا نبي الله أحداً سبق في علم الله أنه يعذبه من ذلك
العذاب، وهذ المحذوف دل عليه قوله بعده: ﴿أَفَأَنْتَ تُقِذُ مَنْ فِ النَّارِ﴾.
وقد قدَّمنا مراراً قولي المفسرين في أداة الاستفهام المقترنة بأداة عطف كالفاء
والواو وثم كقوله هنا: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾. وقوله: ﴿أَفَنْتَ تُنْقِذُ﴾.
· أما القول بأنّ الكلام جملة واحدة شرطية، كما قال الزمخشري: أصل الكلام:
أمن حق عليه كلمة العذاب، فأنت تنقذه؛ جملة شرطية، دخل عليها همزة الإنكار،
والفاء فاء الجزاء، ثم دخلت الفاء التي في أولها للعطف على محذوف يدل عليه
الخطاب، تقديره: أأنت مالك أمرهم، فمن حق عليه العذاب فأنت تنقذه، والهمزة
الثانية هي الأولى، كررت لتوكيد معنى الإنكار والاستبعاد، ووضع من في النار موضع
الضمير، فالآية على هذا جملة واحدة، فإنّه لا يظهر كل الظهور.
واعلم أن ما دلت عليه هذه الآية الكريمة قد قدَّمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في
أول سورة يس في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ الآية [يس: ٧]،
وبيّنا دلالة الآيات ... على المراد بكلمة العذاب.
قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ أَنَّقَوْ رَبَّهُمْ لَهُمْ عُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفُ مَّيْنِيَّةٌ﴾. ما تضمنته هذه
الآية الكريمة، من وعد أهل الجنة بالغرف المبنية، ذكره - جلّ وعلا - في غير هذا
الموضع، كقوله تعالى في سورة سبأ: ﴿وَمَآ أَقْوَلُكُمْ وَلَ أَوْلَدُكُمْ بِلَّتِى تُقَرِّيَّكُمْ عِندَنَا زُلْفَىَ إِلَّا
مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَِحًا فَأْلَكَ لَهُمْ جَزَّهُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِ الْغُرُقَاتِ ءَاِنُونَ (٦)﴾ [سبأ].
وقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَّجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ
خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّتِ عَلْنٍ﴾ الآية [التوبة: ٧٢]. وقوله تعالى في سورة
الصف: ﴿يَغْفِرْ لَكُرْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَاتٍ تَجْرِىٍ مِن ◌َِّهَا ◌ٌلْأَنْهَرُ وَمَسَلِنَ طَنِبَةً فِى جَّتِ عَدْنٍ ذَلِكَ
الْفَوَّزُ الْعَظِيمُ ﴾﴾ [الصف]؛ لأنّ المساكن الطيبة المذكورة في التوبة والصف صادقة
بالغرف المذكورة في الزمر وسبأ، وقد قدَّمنا طرفاً من هذا في سورة الفرقان، في الكلام
على قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْقُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ﴾ ... الآية [الفرقان: ٧٥].

١١٩٨ -
سورة الزمر: الآيات (٢١ - ٢٨)
قوله تعالى: ﴿أَلَمّ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَسَلَكَهُ يَِيعَ فِى الْأَرْضِ﴾. الينابيع:
جمع ينبوع، وهو الماء الكثير.
وقوله: فسلكه؛ أي أدخله، كما قدَّمنا إيضاحه بشواهده العربية والآيات القرآنية في
سورة هود، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْنَا أَحِلْ فِيَهَا مِن كُلٍ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ﴾ [هود: ٤٠].
. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من سورة الزمر، قد أوضحناه في أول سورة سبأ
في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِحُ فِى الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ ... الآية [سبأ: ٢].
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ، زَرْعًا تُخْلِفًا أَلْوَنُهُ﴾. قد قدَّمنا الكلام على ما يماثله من
الآيات في سورة الروم، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَيْهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
وَأَخْتِلَفُ أَلْسِنَئِكُمْ وَأَلَّوَنِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢]، وأحلنا عليه في سورة فاطر، في قوله تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَحْنَا بِهِ، ثَمَزَتٍ تُخْتَلِفًا أَلْوَنُهَا﴾ [فاطر: ٢٧].
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَمَاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِىِ
الْأَلْبَبِ﴾. قوله: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾: أي ثم بعد نضارة ذلك الزرع وخضرته ييبس، ويتم
جفافه ويثور من منابته فتراه أيها الناظر مصفراً يابساً قد زالت خضرته ونضارته، ثم
يجعله حطاماً أي فتاتاً متكسراً، هشيماً، تذروه الرياح، إن في ذلك المذكور من حالات
ذلك الزرع المختلف الألوان لذكرى؛ أي عبرة وموعظة وتذكيراً لأولي الألباب؛ أي
لأصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال.
فقد ذكر - جلّ وعلا - مصير هذا الزرع على سبيل الموعظة والتذكير، وبين في
موضع آخر، أن ما وعظ به خلقه هنا من حالات هذا الزرع شبيه أيضاً بالدنيا. فوعظ به
في موضع وشبه به حالة الدنيا في موضع آخر، وذلك في قوله تعالى في سورة الحديد:
﴿أَعْلَمُوْ أَنََّا الْحَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبُ وَوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَثُرٌ فِى الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَّدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ
أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَانُهُ ثُمَّ بَهِيجُ فَرَنَّهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَهًا﴾ [الحديد: ٢٠]. ويبين في سورة
الروم أن من أسباب اصفراره المذكور إرسال الريح عليه، وذلك في قوله: ﴿وَلَبِنْ أَرْسَلْنَا
رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُّواْ مِنْ بَعْدِهِ، يَكْفُرُونَ (@)﴾ [الروم].
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَعَ اللَهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِهِ،﴾. قد تقدم الكلام
عليه في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ
صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في
سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِن تَحْرِضِ عَلَى هُدَنهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَن
يُضِلُّ﴾ الآية [النحل: ٣٧]، وفي غير ذلك من المواضع.
قوله تعالى: ﴿قُرْءَانَا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عِوَجٍ﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في أول
سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (١٦ قِيَمًا﴾ ... الآية

١١٩٩ ٠
سورة الزمر: الآية (٣٣).
[الكهف: ١، ٢]. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿قُرْءَانًا﴾ انتصب على الحال وهي حال
مؤكدة، والحال في الحقيقة هو عربياً، وقرآناً توطئة له، وقيل: انتصب على المدح.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: عربياً؛ أي لأنه بلسان عربي كما قال تعالى:
﴿ِسَابُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِىٌّ ◌ُبِينُ﴾ [النحل: ١٠٣]. وقال
تعالى في أول سورة يوسف: ﴿إِنَّ أَنْزَلْنَهُ قُرْءَنَا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾﴾ [يوسف]. وقال
في أول الزخرف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْءَنَا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾﴾ [الزخرف]. وقال في
١١٣
طه: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًاً
[طه] وقال تعالى في فصلت: ﴿وَلَوْ جَعَلْتَهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُواْ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ وَأعْجَمِيُّ
نَزَّلَ بِهِ الرُُّحُ
وَعَرَبِىٌ﴾ [فصلت: ٤٤]. وقال تعالى في الشعراء: ﴿وَإِنَّهُ لََّغْزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ
190﴾ [الشعراء]. وقال تعالى
◌ِلِسَانٍ عَرَبَةٍ مُبِينٍ (
اَلْأَمِينُ (َ عَلَى قَلِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ
في سورة الشورى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيَّكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِنُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ الآية
[الشورى: ٧]. وقال تعالى في الرعد: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَهُ حُكْمًا عَرَبِمَّأْ وَلَيْنِ أَّعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ مَا
◌َجَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣)﴾ [الرعد]، إلى غير ذلك من الآيات.
وهذه الآيات القرآنية تدل على شرف اللغة العربية وعظمها، دلالة لا ينكرها إلا مكابر.
قوله تعالى: ﴿وَلَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ﴾ أوضح - جلّ وعلا -، أن الذي في هذه الآية
بمعنى الذين، بدليل قوله بعده ﴿أُوْلَِّكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ (٣) لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِنْدَ رَيْهِمَّ ذَلِكَ
جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ
(٣٤)
وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أنّ ((الذي)) تأتي بمعنى ((الذين)) في القرآن وفي
كلام العرب، فمن أمثلة ذلك في القرآن، قوله تعالى في آية الزمر هذه: ﴿ وَلَّذِى جَءَ
◌ِالصِّدْقِ﴾ ... الآية. وقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا﴾
[البقرة: ١٧]، أي الذين استوقدوا بدليل قوله بعده: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَّكَهُمْ فِ ظُلُمَتٍ لَّا
ايُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧]. وقوله فيها أيضاً: ﴿كَلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِقَّةَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] أي
كالذين ينفقون، بدليل قوله بعده: ﴿لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَا كَسَبُواْ﴾ الآية
[البقرة: ٢٦٤]. وقوله تعالى في التوبة: ﴿وَخُضْتُمْ كَلَّذِى خَاضُواْ﴾ [التوبة: ٦٩]. على
القول بأن الذي موصولة لا مصدرية، ونظيره من كلام العرب قول أشهب بن رميلة:
هم القوم كل القوم يا أم خالد
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم
وقول عديل بن الفرخ العجلي :
غوايتهم غيُّ ورشدهم رشد
فبت أساقي القوم إخوتي الذي
وقول الراجز:
في قائم منهم ولا فيمن قعد
يا رب عيس لا تبارك في أحد
إلا الذي قاموا بأطراف المسد

١٢٠٠
سورة الزمر: الآيات (٣٤ - ٣٦)
قوله تعالى: ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَيْهِمَّ ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ
٣٤٦
قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى:
﴿وَجَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ لَمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ ... الآية [النحل: ٣١].
قوله تعالى: ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَبْرَهُم بِأَحْتَنِ الَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ .
قد قدَّمنا الآيات الموضحة له، في هذه السورة الكريمة، في الكلام على قوله
تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَّهُ﴾، وفي سورة النحل، في
الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَةٌ﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحه له في سورة
الأنفال، في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ أَتَبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
[الأنفال]، وعلى قراءة الجمهور ((بكاف عبده))، بفتح العين وسكون الباء، بإفراد
العبد، والمراد به، النبي وَلـ كقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧]. وقوله تعالى:
النَّىُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ ... الآية [الأنفال: ٦٤].
وأما على قراءة حمزة والكسائي ((عبادَهُ)) بكسر العين وفتح الباء بعدها ألف على
أنه جمع عبد، فالظاهر أنه يشمل عباده الصالحين من الأنبياء وأتباعهم.
قوله تعالى: ﴿ وَيُحَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهٍِ﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية
الكريمة، أن الكفار عبدة الأوثان، يخوّفون النبي ◌َ لو بالأوثان التي يعبدونها من
دون الله؛ لأنّهم يقولون له: إنّها ستضره وتخبله، وهذه عادة عبدة الأوثان لعنهم الله،
يخوفون الرسل بالأوثان ويزعمون أنها ستضرهم وتصل إليهم بالسوء.
ومعلوم أنّ أنبياء الله - عليهم صلوات الله وسلامه - لا يخافون غير الله ولا سيما
الأوثان التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تضر ولا تنفع؛ ولذا قال تعالى عن نبيه إبراهيم
لما خوَّفوه بها: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَِّ مَا لَمْ يُنَزِّلْ
بِهِ، عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِآلْأَمَّنِّ﴾ ... الآية [الأنعام: ٨١].
وقال عن نبيه هود وما ذكره له قومه في ذلك: ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا أَعْتَرَنِكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا
بِسُوءٍ قَالَ إِنَّ أُشْهِدُ اللَّهَ وَأَشْهَدُوّأْ أَنِى بَرِىءٌ مِّمَا تُشْرِكُونَ ﴿ مِن دُونِّهِ، فَكِيدُونِ جَمِيعًا ثُمَّ لَا
نُظِرُونِ
﴿ إِى تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِ وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَةٍ إِلَّ هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَنِهَاْ إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَاطٍ
[هود].
مُسْتَقِم
وقال تعالى في هذه السورة الكريمة مخاطباً نبينا * بعد أن ذكر تخويفهم له
بأصنامهم: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَّهُمِ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَهَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِنْ
دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَتِيَ اللَّهُ بِضُرٍ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرٍِّ أَوْ أَرَدَنِ بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَ مُمْسِكَتُ
رَحْمَتِهِ، قُلْ حَسْىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَّكُونَ
(4). ومعلوم أن الخوف من تلك الأصنام
من أشنع أنواع الكفر والإشراك بالله.