النص المفهرس

صفحات 1161-1180

11
١١٦١
سورة الصافات: الآيات (٦ - ١١).
والقمر، ومردة الشياطين كما ذكر ذلك كله في قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا
بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَرِقِ ﴿ إِنَّا زََّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِنَةٍ الْكَوَكِبِ () وَحِفْظًا مِّنِ كُلِّ شَيْطَانٍ
مَّارِدٍ ﴾﴾، وجواب الاستفتاء المذكور الذي لا جواب له غيره هو أن يقال: من
خلقت يا ربنا من الملائكة، ومردة الجن والسماوات، والأرض، والمشارق،
والمغارب، والكواكب، أشد خلقاً منا؛ لأنها مخلوقات عظام، أكبر وأعظم منا فيتضح
بذلك البرهان القاطع على قدرته جل علا على البعث بعد الموت؛ لأن من المعلوم
بالضرورة أن من خلق الأعظم الأكبر كالسماوات والأرض، وما ذكر معهما قادر على
أن يخلق الأصغر الأقل كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ
النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]، أي ومن قدر على خلق الأكبر فلا شك أنه قادر على خلق
الأصغر، كخلق الإنسان خلقاً جديداً بعد الموت. وقال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ
﴾ [يس]. وقال
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمَّ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّقُ الْعَلِيمُ
تعالى: ﴿أَوْلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحِىَ
[الأحقاف]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى
اُلْمَوْقِّ بَلَ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ قَادِرُّ عَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [الإسراء: ٩٩]. وقال تعالى في النازعات
موضحاً الاستفتاء المذكور في آية الصافات هذه: ﴿وَأَنْتُ أَشَدُّ خَلْقَا أَمِ السَّةُ بَنَهَا خَ رَفَعَ
وَأَلْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَتَهَاَ ® أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا
٢٩
وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ شُعَنِهَا
سَمْكَّهَا فَسَوَّنهَا
وَالْجِبَالَ أَرْسَنُهَا (٣َ مَنَعًا لَهُ وَلِأَنْعَمِكُ (®﴾ [النازعات].
وَمَرْغَنھَا
وقد علمت أنّ وجه العبارة بمن التي هي للعالم في قوله تعالى: ﴿أَم مَّنْ خَلَقْنَاً﴾،
عن السماوات والأرض والكواكب هو تغليب ما ذكر معها من العالم كالملائكة على
غير العالم، وذلك أسلوب عربي معروف.
وأما البرهان الثاني: فهو في قوله: ﴿إِنَّا خَلَقْتَهُمْ مِن طِينٍ لَّازِيٍ﴾، لأنّ من خلقهم
أولاً من طين، وأصله التراب المبلول بالماء لا يشك عاقل في قدرته على خلقهم مرة
أخرى بعد أن صاروا تراباً؛ لأن الإعادة لا يعقل أن تكون أصعب من البدء. والآيات
الموضحة لهذا المعنى كثيرة جداً كقوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْبِيَهَا الَّذِىّ أَشَأَهَا أَوْلَ مَرَّةٍ﴾ الآية
[يس: ٧٩]. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهٍ﴾ [الروم: ٢٧]
وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَفْنَكُمْ مِن تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥].
وقد قدَّمنا الآيات الموضحة لهذين البرهانين وغيرهما من براهين البعث في سورة
البقرة، والنحل، والحج، وغير ذلك.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مِّن طِينٍ لََّزِبٍ﴾ اللازب: هو ما يلزق باليد
مثلاً إذا لاقته، وعبارات المفسرين فيه تدور حول ما ذكرنا، والعرب تطلق اللازب
واللاتب واللازم، بمعنى واحد، ومنه في اللازب قول علي .
٠

١١٦٢-
سورة الصافات: الآيات (٢١ - ٢٣)
وأخلاق خير كلها لك لازب
تعلّم فإن الله زادك
وقول نابغة ذبيان:
ولا يحسبون الشر ضربة لازب
ولا يحسبون الخير لا شر بعده
فقوله: ضربة لازب: أي شيئاً ملازماً لا يفارق، ومنه في اللاتب قوله:
فإني من شرب النبيذ لتائب
فإن يك هذا من نبيذ شربته
وغم مع الإشراق في الجوف لاتب
صداع وتوصيم العظام وفترة
والبرهانان المذكوران على البعث يلقمان الكفار حجراً في إنكارهم البعث
المذكور بعدهما قريباً منهما في قوله تعالى: ﴿أَوِذَا مِثْنَا وَكُنَا نُرَابًا وَعَمًّا أَمِنَّا لَمَبْعُونُونَ
® أَوَ
ءَابَُّّنَا الْأَوَّلُونَ ﴿ قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَخِرُونَ ﴿٣٨) فَإِنََّا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ فَإِذَا مُمْ يَنْظُرُونَ
١٩
قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ﴾﴾. قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير
حمزة والكسائي: عجبت بالتاء المفتوحة وهي تاء الخطاب، المخاطب بها النبي وَلؤ .
وقرأ حمزة والكسائي: ((بل عجبت)) بضم التاء وهي تاء المتكلم، وهو الله - جلّ وعلا -.
وقد قدَّمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن القراءتين المختلفتين يحكم لهما
بحكم الآيتين.
وبذلك تعلم أنّ هذه الآية الكريمة على قراءة حمزة والكسائي فيها إثبات العجب لله
تعالى، فهي إذاً من آيات الصفات على هذه القراءة.
وقد أوضحنا طريق الحق التي هي مذهب السلف في آيات الصفات وأحاديثها،
في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]،
فأغنى ذلك عن إعادته هنا .
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ يَوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٤٥) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِى كُم بِهِ
تُكَذِبُونَ (®﴾. قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة الروم، في الكلام على قوله
تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِئْتُمْ فِي كِنَبِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِّ فَهَذَا يَوْمُ
الْبَعْثِ﴾ ... الآية [الروم: ٥٦].
قوله تعالى: ﴿﴿ٌ أَخْتُرُواْ الَّذِينَ ظَلَئُواْ وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُونٌ ﴿َ مِن دُونِ اللَّهِ فَأَهْدُوهُمْ
إِلَى صِرَطِ الْجَحِيمِ (®)﴾. المراد بالذين ظلموا الكفار كما يدل عليه قوله بعده ﴿وَمَا كَانُواْ
يَعْبُدُونٌّ مِّن دُونِ اُللَّهِ﴾
وقد قدَّمنا إطلاق الظلم على الشرك في آيات متعددة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ
لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. وقوله تعالى: ﴿وَاُلْكَفِرُونَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]. وقوله
تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ الَّهِ مَا لَا يَنَفَعُكَ وَلَا يَضُرٌُّ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَا مِّنَ الظَّالِمِينَ (6)﴾ [يونس).
وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي ◌ّلتر أنّه فسر الظلم بالشرك في قوله تعالى:

١١٦٣
سورة الصافات: الآيات (٢٤ - ٢٥) .
﴿وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَنَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]. وقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَجَهُمْ﴾، جمهور أهل العلم
منهم: عمر وابن عباس، على أن المراد به أشباههم ونظراؤهم، فعابد الوثن مع عابد
الوثن، والسارق مع السارق، والزاني مع الزاني، واليهودي مع اليهودي، والنصراني مع
النصراني، وهكذا. وإطلاق الأزواج على الأصناف مشهور في القرآن، وفي كلام
الآية [الزخرف: ١٢]. وقوله تعالى:
العرب كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا
﴿سُبْحَنَ الَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا مِمَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ
١٣٦
[يس]، وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَحْنَا بِهِ، أَزْوَجًا مِن نَّبَاتٍ شَفَّ﴾ [طه: ٥٣]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا
تَمُدَّنَّ عَيْنَيَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَجَّا مِنْهُمْ﴾ [طه: ١٣١]، إلى غير ذلك من الآيات.
فقوله تعالى: ﴿أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ﴾، أي أجمعوا الظالمين وأشباههم
ونظراءهم، فاهدوهم إلى النار ليدخلها جميعهم، وبذلك تعلم أن قول من قال: المراد
بأزواجهم نساؤهم اللاتي على دينهم خلاف الصواب. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونٌ
مِّن دُونِ اللَّهِ﴾، أي احشروا مع الكفار الشركاء التي كانوا يعبدونها من دون الله ليدخل
العابدون والمعبودات جميعاً النار كما أوضح ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ ﴿ لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا
وَكُلُّ فِيهَا خَلِدُونَ ﴾﴾ [الأنبياء]، وقد بيّن تعالى أن الذين عبدوا من دون الله من
الأنبياء، والملائكة، والصالحين كعيسى وعزير خارجون عن هذا، وذلك في قوله تعالى:
(*). إلى قوله: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ
﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَّ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ
الَّذِى كُنتُمْ تُوُعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٣]، وأشار إلى ذلك في قوله تعالى:
وَقَالُواْ ءَأَلِهَتُنَا خَيْرُ أَمْ هُوْ مَا ضَرَبُوهُ
وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَوَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُونَ
لَكَ إِلَّا جَدَلْ بَلْ هُمْ قَوّمُ خَصِمُونَ ﴿٨ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدَّ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٧، ٥٩].
وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْنَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ
الآية [الإسراء: ٥٧].
.
رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾
وقوله تعالى: في هذه الآية الكريمة ﴿فَأَهْدُوهُمْ﴾. من الهدى العام: أي دلوهم
وأرشدوهم إلى صراط الجحيم؛ أي طريق النار ليسلكوها إليها، والضمير في قوله تعالى
((فاهدوهم)): راجع إلى الثلاثة: أعني الذين ظلموا، وأزواجهم، وما كانوا يعبدون من
دون الله.
وقد دلت هذه الآية أنّ الهدى يستعمل في الإرشاد والدلالة على الشر، ونظير
ذلك في القرآن قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّمُ وَهِدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (﴾﴾
[الحج]، ولذلك كان للشر أئمة يؤتم بهم فيه، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةٌ يَدْعُونَ
إِلَى النَّارِ﴾ ... الآية [القصص: ٤١].
قوله تعالى: ﴿وَقِفُوُْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ
(١٤) مَا لَكُمْ لَ نَنَاصَرُونَ
١٢٥ ٠

١١٦٤ -
سورة الصافات: الآيات (٢٧ - ٣٥)
قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى:
﴿فَلَنَسْتَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [الأعراف]، وبينا هناك وجه الجمع
بين الآيات في نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا يُسْئَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]، وقوله
تعالى: ﴿فَوَعَِّذٍ لَّا يُثَلُ عَن ذَلِهِ إِنسٌ وَلَا جَآَنَّ (4)﴾ [الرحمن]، مع قوله تعالى:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٨ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (10)﴾ [الحجر]. وقوله تعالى: ﴿فَلَنَسْئَكَنَّ
(٢٤)
الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ٦] الآية، وقوله هنا ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ
قوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (1)﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له
مع التعرض لإزالة إشكالين في بعض الآيات المتعلقة بذلك، في سورة قد أفلح
المؤمنون في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِّخَ فِ الصُّورِ فَلَآ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَيِذٍ وَلَا
يَتَسَلَّلُونَ (®َ﴾ [المؤمنون].
بنّاء. قد
قوله تعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَيْنَاْ إِنَّا لَذَابِقُونَ ﴿ فَأَغْوَئِنَكُمْ إِنَا كُنَّا غَوِينَ (
قدَّمنا الآيات المبينة للمراد بالقول الذي حق عليهم في سورة يس، في الكلام على قوله
تعالى ﴿لَقَدْ حَقَّ اُلْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ الآية [يس: ٧]، وما ذكره - جلّ وعلا - عنهم من أنهم
قالوا: إنه لما حق عليهم القول الذي هو: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾
[هود: ١١٩]، فكانوا غاوين أغووا أتباعهم؛ لأن متبع الغاوي في غيه، لا بد أن يكون
غاوياً مثله، ذكره تعالى في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة القصص: ﴿قَالَ الَّذِينَ
حَقَ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَدُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَاً أَغْوَيْنَهُمْ كَمَا غَوَيْنً﴾ .
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَيِدٍ فِىِ الْعَذَابٍ مُشْتِكُونَ
ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية أن الضالين والمضلين، مشتركون في العذاب يوم
القيامة، وبين في سورة الزخرف أن ذلك الاشتراك ليس بنافعهم شيئاً، وذلك في قوله
[الزخرف: ٣٩]، وبيّن
تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَّوْمَ إِذ ◌َظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى الْعَذَابِ مُشْتَرِكُنَ
في مواضع أخر أنّ الأتباع يسألون الله أن يعذب المتبوعين عذاباً مضاعفاً لإضلالهم
إياهم، كقوله تعالى: ﴿حَّىَ إِذَا أَذَّارَكُوْ فِيهَا جِيْعًا قَالَتْ أُخْرَهُمْ لِأُولَئُهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءٍ أَضَلُونَا
فَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ﴾ ... الآية [الأعراف: ٣٨]. وقوله تعالى:
﴿ وَقَالُواْ رَيَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَّنَا فَأَضَلُّوْنَا السَّبِيلَاْ ﴿ رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ
وَأَلْعَنْهُمْ لَعْنَا كَبِيرًا ﴾﴾.
وقد قدَّمنا الكلام على تخاصم أهل النار وسيأتي - إن شاء الله - له زيادة إيضاح
في سورة صّ، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقُ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ﴾﴾ [ص] ..
قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِلْمُجْرِمِينَ ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ
يَسْتَكْبُونَ (٥)﴾. بِيّن - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة: أن ذلك العذاب الذي فعله
بهؤلاء المعذبين المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَذَابِقُونَ﴾، أي العذاب الأليم. وقوله

١١٦٥
سورة الصافات: الآيات (٣٦ - ٤٩) بـ
﴾، أنه يفعل مثله من التعذيب والتنكيل
تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَيِذٍ فِى الْعَذَابِ مُشْتَكُنَ
بالمجرمين، والمجرمون جمع مجرم، وهو مرتكب الجريمة: وهي الذنب الذي يستحق
صاحبه عليه التنكيل الشديد، ثم بين العلة لذلك التعذيب؛ لأنها هي امتناعهم من كلمة
التوحيد التي هي لا إله إلا الله إذا طلب منهم الأنبياء وأتباعهم أن يقولوا ذلك في دار
الدنيا. فلفظة ((إن)) في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُّوْاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ يَسْتَكْبُونَ
(٣٥)﴾، من حروف التعليل، كما تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه.
وعليه فالمعنى: كذلك نفعل بالمجرمين لأجل أنهم كانوا في دار الدنيا إذا قيل لهم
﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ يَسْتَكْبُونَ﴾، أي يتكبرون عن قبولها ولا يرضون أن يكونوا أتباعاً للرسل.
وهذا المعنى، الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة من كون ذلك هو سبب تعذيبهم
بالنار، دلت عليه آيات كقوله تعالى مبيناً دخولهم النار: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ، إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَمُ
كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ، تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ﴾﴾ [غافر: ١٢]. وقوله تعالى في
ذكر صفات الكفار وهم أهل النار: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ أَشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا
٤٥﴾ [الزمر].
يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ أَبِنَّا لَتَرِكُوْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِ تَحْنُونِ (). قد قدَّمنا الآيات
الموضحة له في سورة الشعراء، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَنَِّعُهُمُ الْغَاوُونَ
[الشعراء: ٢٢٤].
قوله تعالى: ﴿لَا فِيَهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُتَّقُونَ (
(٤٧)
قد قدَّمنا تفسيره مع ذكر الآيات الدالة على معناه في سورة المائدة في الكلام على
قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنََّا الْخَّرُ وَاُلْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلُ بِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَأَجْتَنِبُوهُ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾﴾ [المائدة]، وبيّنا هنا كلام أهل العلم في نجاسة عين خمر الدنيا دون
خمر الآخرة، وأن ذلك يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١].
قوله تعالى: ﴿وَعِنِدَهُمْ قَصِرَتُ الطَّرْفِ عِينٌ ﴿﴿ كَهُنَّ بَيَضٌ مَّكْنُنٌ (4)﴾. ذكر - جلّ
وعلا - في هذه الآية الكريمة ثلاث صفات من صفات نساء أهل الجنة.
الأولى: أنّهن قاصرات الطرف، وهو العين؛ أي عيونهن قاصرات على أزواجهن،
لا ينظرن إلى غيرهم لشدة اقتناعهن واكتفائهن بهم.
الثانية: أنّهن عين، والعين جمع عيناء، وهي واسعة دار العين، وهي النجلاء.
الثالثة: أنّ ألوانهن بيض بياضاً مشرباً بصفرة؛ لأنّ ذلك هو لون بيض النعام الذي
شبههن به، ومنه قول امرئ القيس في نحو ذلك:
كبكر المقانات البياض بصفرة
غذاها نمير الماء غير المحلل
لأنّ معنى قوله: كبكر المقانات البياض بصفرة، أن لون المرأة المذكورة كلون البيضة

١١٦٦ -
سورة الصافات: الآيات (٣٦ - ٤٩)
البكر المخالط بياضها بصفرة، وهذه الصفات الثلاث المذكورة هنا، جاءت موضحة في غير
هذا الموضع مع غيرها من صفاتهن الجميلة، فبين كونهن قاصرات الطرف على أزواجهن
﴿ وَعِنْدَهُمْ قَضِرَتُ الطَّرْفِ أَنْابُ (٥)﴾ [ص]، وكون المرأة قاصرة
بقوله تعالى في صّ : ﴿
الطرف من صفاتها الجميلة، وذلك معروف في كلام العرب، ومنه قول امرئ القيس :
من القاصرات الطرف لو دب مُحْوِلٌ من الذر فوق الأتب منها لأثرا
وذكر كونهن عيناً في قوله تعالى فيهن: ﴿وَحُورُ عِينُ (٣)﴾ [الواقعة]، وذكر صفاء
ألوانهن وبياضها في قوله تعالى: ﴿كَأَمْثَلِ اللََّلُمِ الْمَكُْنِ ﴾ [الواقعة]. وقوله تعالى:
كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (@)﴾ [الرحمن]. وصفاتهن كثيرة معروفة في الآيات القرآنية.
واعلم: أنّ الله أثنى عليهن بنوعين من أنواع القصر:
أحدهما: أنّهن قاصرات الطرف، والطرف العين، وهو لا يجمع ولا يثنى لأن أصله
مصدر، ولم يأت في القرآن إلا مفرداً كقوله تعالى: ﴿لَا يَرََّدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَنُهُمْ هَوَآءٌ﴾
[إبراهيم: ٤٣]. وقوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٌّ﴾ [الشورى: ٤٥]: ومعنى كونهن
قاصرات الطرف هو ما قدَّمنا من أنهن لا ينظرن إلى غير أزواجهن بخلاف نساء الدنيا .
والثاني من نوعي القصر: كونهن مقصورات في خيامهن لا يخرجن منها، كما قال
تعالى لأزواج نبيه وَ له: ﴿وَقَرْنَ فِ بُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، كذلك في قوله تعالى:
﴿حُرٌ مَّقْصُورَاتٌ فِ الْخِيَاءِ (٣)﴾ [الرحمن]، وكون المرأة مقصورة في بيتها لا تخرج منه
من صفاتها الجميلة، وذلك معروف في كلام العرب ومنه قوله:
ء فإني سلم لهنه
من كان حرياً للنسا
وإذا عرت دعوتهنه
فإذا عشرن دعــونـي
فقاصرهن ملاحهنــه
وإذا برزن المحفل
فقوله: قاصرهن يعني المقصورات منهن في بيوتهن اللاتي لا يخرجن إلا نادراً،
كما أوضح ذلك كثير عزة في قوله:
إلى وما تدري بذاك القصائر
وأنت التي حببت كل قصيرة
قصار الخطا شر النساء البحاتر
عنيت قصيرات الحجال ولم أرد .
والحجال: جمع حجلة: وهي البيت الذي يزين للعروس، فمعنى قصيرات
الحجال: المقصورات في حجالهن. وذكر بعضهم أن رجلاً سمع آخر، قال: لقد أجاد
الأعشى في قوله:
تمشي الهوينا كما يمشي الوجى الوحل
غراء فرعاء مصقول عوارضها
مر السحابة لا ريث ولا عجل
كأن مشيتها من بيت جارتها
ولا تراها لسر الجار تختتل
ليست كمن يكره الجيران طلعتها.

١١٦٧
سورة الصافات: الآيات (٦٢ - ٧٠) بـ
فقال له: قاتلك الله، تستحسن غير الحسن هذه الموصوفة خراجة ولاجة، والخراجة
الولاجة لا خير فيها ولا ملاحة لها، فهل لا قال كما قال أبو قيس بن الأسلت:
وتكسل عن جاراتها فيزرنها
. وتعتل من إتيانهن فتعذر
قوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ قُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُم ®
قد قدَّمنا إيضاحه بالقرآن في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ
أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونَ﴾ [الفرقان: ١٥].
قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَهَا فِتْنَةً لِظَّالِمِينَ ﴿ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِىّ أَصْلِ الْجَحِيمِ (﴾﴾. قد
قدَّمنا إيضاحه في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّغْيَا الَّتِىّ
أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِ اٌلْقُرْءَانِ﴾ [الإسراء: ٦٠].
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ
٦٦
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَّكِلُونَ مِنْهَا فَمَا لُِونَ مِنْهَا الْبُطُونَ
حَيمٍ (1). ما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة من أنّ الكفار في النار
يأكلون من شجرة الزقوم، فيملؤون منها بطونهم، ويجمعون معها شوباً من حميم. أي
خلطاً من الماء البالغ غاية الحرارة، جاء موضحاً في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في
الواقعة: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُونَ الْمُكَذِّبُونَ
لَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِّنِ زَقُومٍ ﴿٥] فَالِثُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ
[الواقعة]، وقوله: ﴿شُرَّبَ الغِيمِ﴾، الهيم:
فَشَرُِّونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَسِيِ ﴿ فَشَرِبُونَ شُرْبَ الهِمِ (@)﴾
جمع أهيم وهيماء، وهي الناقة مثلاً التي أصابها الهيام، وهو شدة العطش بحيث لا
يرويها كثرة شراب الماء فهي تشرب كثيراً من الماء، ولا تزال مع ذلك في شدة
العطش. ومنه قول غيلان ذي الرمة :
صداها ولا يقضي عليها هيامها
فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد
00﴾ [الواقعة]
وقوله تعالى في الواقعة: ﴿فَشَرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحِيمِ ﴿ فَشَرِبُونَ شُرْبَ الْمِمِ
يدل على أن الشوب أي الخلط من الحميم المخلوط لهم بشجرة الزقوم المذكور هنا في
الصافات، أنه شوب كثير من الحميم لا قليل.
وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسير هذه الآية: ﴿لَشَوْبًا مِنْ حِيمٍ﴾. الشوب:
الخلط، والشَوب والشُوب لغتان، كالفقر والفقر، والفتح أشهر. قال الفراء: شاب
طعامه وشرابه إذا خلطهما بشيء يشوبهما شوبا وشیابة. انتھی منه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْ ءَابَآءَ هُمْ ضَآلِينَ ﴿ فَهُمْ عَلَى ءَانَرِهِمْ يُهْرَعُونَ
ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الكفار الذين أرسل إليهم نبينا وَلير، ألفوا
آباءهم ضالين: أي وجدوهم على الكفر، وعبادة الأوثان، فهم على آثارهم يهرعون:
أي يتبعونهم في ذلك الضلال والكفر، مسرعين فيه، جاء موضحاً في غير هذا الموضع
كقوله تعالى عنهم: ﴿قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنٌ﴾ [البقرة: ١٧٠]. وقوله عنهم:
﴿قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَنَا﴾ [المائدة: ١٠٤]. وقوله عنهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى

١١٦٨
سورة الصافات: الآيات (٧١ - ١٠٧)
أُنَّةٍ وَإِنَّا عَ ءَاثَِهِم مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]. وقوله عنهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ
أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا﴾ الآية [إبراهيم: ١٠].
ورد الله عليهم في الآيات القرآنية معروف كقوله تعالى: ﴿أَوَّلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا
يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]. وقوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا
يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤]. وقوله تعالى: ﴿قَلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ ءَابَكُمْ﴾
[الزخرف: ٢٤].
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهُمْ عَلَىّ ءَاتَرِهِمْ﴾، أي فهم على اتباعهم،
والاقتداء بهم في الكفر والضلال، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَإِنَّا عَلَىَّ ◌َائَرِهِم مُّقْتَدُونَ﴾
[الزخرف: ٢٣].
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: يهرعون، قد قدَّمنا في سورة هود، أن معنى
يهرعون: يسرعون ويهرولون، وأن منه قول مهلهل:
فجاءوا يهرعون وهم أسارى تقودهم على رغم الأنوف
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْتَرُ الْأَوَلِينَ
قد قدَّمنا الآيات التي بمعناه في سورة يس، في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَقَدْ
حَقَ الْقَوْلُ عَلَىَّ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾﴾ [يس]. وفي سورة الأنعام، في الكلام على قوله
الآية [الأنعام: ١١٦].
تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِى الْأَرْضِ يُضِلُّكَ عَن سَبِيلِ الَّهِ﴾
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَئِنَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (9) وَنَجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ
وَجَعَلْنَا ذُرِيََّهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٣)﴾. تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية، وتفسيره في
الْعَظِيمِ (®
سورة الأنبياء، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ
. الآية [الأنبياء].
﴾ . .
فَنَجَّيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَاذَا تَعْبُدُونَ ﴿ أَبِفِكًا ءَالِهَةٌ دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ
قد قدَّمنا إيضاحه بالآيات القرآنية بكثرة في سورة مريم، في الكلام على قوله
تعالى: ﴿وَأَذَكُرْ فِى الْكِتَبِ إِبْرَهِيْمَّ إِنَُّ كَانَ صِدِّيقًا نِيًّا ﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِهِ يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ
وَلَا يُصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَيئًا (﴾﴾ ... الآية [مريم].
فَبَشَّرْنَهُ
رَبِّ هَبْ لِى مِنَ الصَّلِحِينَ
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبُ إِلَى رَبِی سَيَهْدِینِ
.٧.
بِعُكَمٍ حَلِيمٍ ﴾﴾. إلى قوله تعالى: ﴿وَقَدَيْنَهُ بِذِيْجِ عَظِيمٍ
: اعلم أولاً: أنّ العلماء اختلفوا في هذا الغلام الذي أمر إبراهيم في المنام بذبحه،
ومعلوم أن رؤيا الأنبياء وحي، ثم لما باشر عمل ذبحه امتثالاً للأمر، فداه الله بذبح
عظيم، هل هو إسماعيل أو إسحاق؟ وقد وعدنا في سورة الحجر، بأنا نوضح ذلك
بالقرآن فى سورة الصافات، وهذا وقت إنجاز الوعد.

١١٦٩
سورة الصافات: الآية (١١٣) -
... اعلم - وفقني الله وإياك - أنّ القرآن العظيم قد دل في موضعين على أن الذبيح هو
إسماعيل لا إسحاق، أحدهما في الصافات، والثاني في هود.
أما دلالة آيات الصافات على ذلك فهي واضحة جداً من سياق الآيات، وإيضاح
ذلك أنه تعالى قال عن نبيه إبراهيم: ﴿وَقَالَ إِ ذَاهِبُ إِلَى رَبِ سَيَهْدِینِ ﴿® رَبِّ هَبْ لِ مِنَ
فَلَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَبْنَىَّ إِنَّ أَرَىْ فِ اَلْمَنَامِ أَنِّ
(١٠١
فَبَشَّرْنَهُ بِغُلَمٍ حَلِيمٍ
الصَّلِحِينَ شًِّا
فَلَمَّاً
أَذْبَجُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىِّ قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرِّ سَتَجِدُنِىِّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ
١٠٥
وَدَيْنَهُ أَنْ يَإِبْرَهِيمُ ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَاْ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
أَسْلَّمَا وَتَلَُّ لِلْجَبِينِ
عَلَى
سَلَمٌ
وَفَدَيْنَهُ بِذِبْجِ عَظِيمٍ ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِ اَلْأَخِرِينَ
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَوَّا الْمُبِينُ
كَذَلِكَ نَجْزِىِ الْمُحْسِنِينَ (9)﴾. قال بعد ذلك عاطفاً على البشارة الأولى:
إِبراهِیمَ
﴿وَبَشَّرْنَهُ بِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّلِحِينَ (1)﴾، فدل ذلك على أن البشارة الأولى شيء غير
المبشر به في الثانية؛ لأنه لا يجوز حمل كتاب الله على أن معناه: فبشرنه بإسحاق، ثم
بعد انتهاء قصة ذبحه يقول أيضاً: وبشرناه بإسحاق، فهو تكرار لا فائدة فيه ينزه عنه
كلام الله، وهو واضح في أنّ الغلام المبشر به أولاً الذي فدي بالذبح العظيم، هو
إسماعيل، وأنّ البشارة بإسحاق نص الله عليها مستقلة بعد ذلك.
وقد أوضحنا في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن
ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْيِيَتَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ﴾ ... الآية [النحل: ٩٧]. أن المقرر في
الأصول أن النص من كتاب الله وسنة رسوله ◌َله إذا احتمل التأسيس والتأكيد معاً،
وجب حمله على التأسيس ولا يجوز حمله على التأكيد إلا لدليل يجب الرجوع إليه.
ومعلوم في اللغة العربية، أن العطف يقتضي المغايرة، فآية الصافات هذه دليل
واضح للمنصف على أن الذبيح إسماعيل لا إسحاق، ويستأنس لهذا بأن المواضع التي
ذكر فيها إسحاق يقيناً عبر عنه في كلها بالعلم لا الحلم، وهذا الغلام الذبيح وصفه
بالحلم لا العلم.
وأما الموضع الثاني الدال على ذلك الذي ذكرنا أنه في سورة هود، فهو قوله
﴾ [هود]؛ لأنّ
تعالى: ﴿وَأَمْرَتْهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتُ فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْخَقَ يَعْقُوبَ.
رسل الله من الملائكة بشرتها بإسحاق، وأن إسحاق يلد يعقوب، فكيف يعقل أن يؤمر
إبراهيم بذبحه، وهو صغير، وهو عنده علم يقين بأنه يعيش حتى يلد يعقوب.
فهذه الآية أيضاً دليل واضح على ما ذكرنا، فلا ينبغي للمنصف الخلاف في ذلك
بعد دلالة هذه الأدلة القرآنية على ذلك. والعلم عند الله تعالى.
وقد ذكر الشيخ الحكمة من التكليف فليرجع من أراد الوقوف إلى الأصل.
قوله تعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، مُبِينٌ﴾. قد قدَّمنا الكلام عليه في
سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الَّلِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤].

١١٧٠
سورة الصافات: الآيات (١١٤ - ١٣٨)
(1)﴾. ذكر - جلّ وعلا - منته عليهما
قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَرُونَ
في غير هذا الموضع، كقوله في طه: ﴿قَالَ قَدْ أُوْتِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى ® وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً
أُخْرَى ®)﴾ [طه]، لأن من سؤله الذي أوتيه إجابة دعوته في رسالة أخيه هارون معه،
ومعلوم أن الرسالة من أعظم المنن.
قوله تعالى: ﴿وَجَّيْنَهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴾. قوله: وقومهما يعني
بني إسرائيل.
والمعنى: أنه نجى موسى، وهارون، وقومهما من الكرب العظيم، وهو ما كان
يسومهم فرعون وقومه من العذاب، كذبح الذكور من أبنائهم وإهانة الإناث، وكيفية
إنجائه لهم مبينة في انفلاق البحر لهم، حتى خاضوه سالمين، وإغراق فرعون وقومه
وهم ينظرون.
وقد قدّمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى:
﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنَّنَكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ
﴾ [البقرة]، وقدَّمنا تفسير
٥٠
الكرب العظيم في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى في قصة نوح: ﴿فَاسْتَجَبْنَا
لَهُ وَفَجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (﴾﴾
[الأنبياء].
بين - جلّ وعلا - أنّه نصر موسى
قوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَهُمْ فَكَانُواْ هُمُ الْغَلِينَ
وهارون وقومهما على فرعون وجنوده، فكانوا هم الغالبين؛ أي وفرعون وجنوده هم
المغلوبون، وذلك بأن الله أهلكهم جميعاً بالغرق، وأنجى موسى وهارون وقومهما من
ذلك الهلاك، وفي ذلك نصر عظيم لهم عليهم. وقد بيّن - جلّ وعلا - ذلك في غير هذا
الموضع كقوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيَكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًّا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَاْ
◌ِثَايَتِنَأُ أَنْتُمَا وَمَنِ أَتَبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ
(٣٥) ﴾ [القصص] إلى غير ذلك من الآيات.
(٣)﴾. الكتاب هو التوراة كما ذكره في
قوله تعالى: ﴿وَءَانَيْنَهُمَا اَلْكِنَبَ الْمُسْتَّبِينَ
آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَلَا تَكُنْ فِى مِرْيَةٍ مِّن لِقَابِهِ، وَحَعَلْنَهُ
هُدَّى لِبَنِىّ إِسْرَوِيلَ ﴾ [السجدة). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ تَمَامَا عَلَى
الَّذِى أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٤] وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ
لَعَلَّهُمْ يَنَدُونَ ﴾﴾ [المؤمنون]. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَآءُ
٤٨)﴾ [الأنبياء]، إلى غير ذلك من الآيات.
وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ
وقد قدّمنا بعض الكلام على ذلك في سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى:
﴿وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَالْقُرْقَانَ﴾ الآية [البقرة: ٥٣].
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُرْ لَمُونَ عَلَيْهِم مُصْبِحِينٌ (٨٦) وَبِلَيْلُّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
١٣٨
قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة الحجر، في الكلام على قوله تعالى:
﴾ [الحجر]، وفي سورة المائدة، في الكلام على قوله تعالى:
VT
﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ .

١١٧١
سورة الصافات: الآيات (١٤٣ - ١٧٣) -
﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَنَّهُ, مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِ اُلْأَرْضِ
فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، وغير ذلك من المواضع.
قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينُّ (٣) لَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
.
(٤٤)
تسبيح يونس هذا، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، المذكور في الصافات، جاء
موضحاً في الأنبياء في قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذٍ ذَّهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ
فَتَكَادَى فِىِ الْقُلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ
وَتَيْنَهُ مِنَ الْغَرِّ وَكَذَلِكَ نُنَجِى الْمُؤْمِنِينَ (بَ﴾ [الأنبياء].
وقد قدَّمنا تفسير هذه الآية وإيضاحها في سورة الأنبياء، قوله تعالى: ﴿فَامَنُواْ
فَمَّعْنَهُمْ إِلَ حِیٍ
ما ذكره في هذه الآية الكريمة من إيمان قوم يونس وأن الله متعهم إلى حين، ذكره
أيضاً في سورة يونس في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَنُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ
لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَقْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِرْىِ فِ الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ (٣)﴾ [يونس].
قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَفْتِهِمْ أَلِكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ﴾﴾. إلى قوله ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ
تَحْكُمُونَ (93)﴾. قد قدَّمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة النحل، في الكلام على
إلى قوله تعالى: ﴿سَآءَ
قوله تعالى: ﴿وَبَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَتِ سُبْحَنَهُ, وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ
مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٧ - ٥٩].
لَكُنَّا عِبَادَ اَللَّهِ
قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ (٣٠) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ
اُلْمُخْلَصِينَ
﴿﴾. قد قدَّمنا الكلام على ما في معناه من الآيات
فَكَفَرُواْ بِهِ، فَوْفَ يَعْلَمُونَ
في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَبُ لَكُنَّاً
أَهْدَى مِنْهُمَّ﴾ ... [الأنعام: ١٥٧] الآية.
وَإِنَّ جُنْدَنَا لَمُ
إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ
اُلْغَلِبُونَ
﴾. هذه الآية الكريمة تدل على أنّ الرسل صلوات الله وسلامه عليهم
وأتباعهم منصورون دائماً على الأعداء بالحجة والبيان، ومن أمر منهم بالجهاد منصور
أيضاً بالسيف والسنان، والآيات الدالة على هذا كثيرة كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ
لَأَعْلِبَنَ أَنَا وَرُسُلِّ﴾ [المجادلة: ٢١]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِ
اُلْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ﴾﴾ [غافر]. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] وقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَ إِلَيْهِمْ رَبُهُمْ لَتُهُلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَسْكِتَنَّكُمُ الْأَرْضَ
مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٣، ١٤].
وقد قدَّمنا إيضاح هذا بالآيات القرآنية في سورة آل عمران، في الكلام على قوله
تعالى: ﴿وَكَأَيِّنِ مِّن نَّبِّ قَتَلَ مَعَهُ رِبُِّّونَ كَثِيرٌ﴾ الآية [آل عمران: ١٤٦]. وسيأتي له - إن
شاء الله - زيادة إيضاح في آخر سورة المجادلة.

-١١٧٢ -
سورة ص: الآية (١)
فَإِذَا نَزَّلَ بِسَاحِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ
قوله تعالى: ﴿أَفِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ
قد قدَّمنا الآيات الموضحة له في سورة الرعد، في الكلام على قوله تعالى:
﴿وَيَسْتَعِْلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اُلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَتُ﴾ [الرعد: ٦]، وذكرنا بعض
الكلام على ذلك في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُمْ
بِهِ=﴾ الآية [يونس: ٥١]، وفي غير ذلك من المواضع.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾. ختم هذه
قوله تعالى: ﴿وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ
السورة الكريمة بالسلام على عباده المرسلين، ولا شك أنهم من عباده الذين اصطفى
مع ثنائه على نفسهِ بقوله تعالى: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥]، معلماً خلقه أن
يثنوا عليه بذلك، وما ذكره هنا من حمده هذا الحمد العظيم، والسلام على رسله
الكرام، ذكره في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة النمل: ﴿قُلِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَمُّ عَلَى
عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَى﴾ الآية [النمل: ٥٩]. ويشبه ذلك قوله تعالى: ﴿دَعْوَنُهُمْ فِيَهَا سُبْحَتَكَ
اللَّهُمَّ وَتَحِيَّئُهُمْ فِيهَا سَلَمْ وَءَاخِرُ دَعْوَنُهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَِّ رَبِّ الْعَلَمِينَ
١) ﴾ [يونس].
براسه الرحمن الرحيم
سورة ص
﴿وَصََّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ ﴾﴾. قرأه الجمهور: ﴿صَّّ﴾ بالسكون منهم القراء
السبعة، والتحقيق أن ﴿صَّّ﴾، من الحروف المقطعة في أوائل السورة كص في قوله
تعالى: ﴿الّصّ ﴾﴾ [الأعراف]، وقوله تعالى: ﴿كهيعصّ ﴾﴾ [مريم].
وقد قدَّمنا الكلام مستوفى على الحروف المقطعة في أوائل السور في أول سورة
هود، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقد تطرق الشيخ إلى توجيه القراءات غير المتواترة
في ((ص)) فليرجع من أراد الوقوف إلى كلامه إلى الأصل.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾، قد قدَّمنا أن أصل القرآن
مصدر، زيد فيه الألف والنون؛ كما زيدتا في الطغيان، والرجحان، والكفران،
والخسران، وأن هذا المصدر أريد به الوصف.
وأكثر أهل العلم، يقولون: إن هذا الوصف المعبر عنه بالمصدر هو اسم المفعول.
وعليه فالقرآن بمعنى المقروء، من قول العرب: قرأت الشيء إذا أظهرته وأبرزته،
ومنه قرأت الناقة السلا والجنين؛ إذا أظهرته وأبرزته من بطنها، ومنه قول عمرو بن
كلثوم في معلقته :

سورة ص: الآية (١)
١١٧٣
وقد أمنت عيون الكاشحينا
تريك إذا دخلت على خلاء
هجان اللون: لم تقرأ جنينا
٠٠
ذراعي عيطل أدماء بكر
على إحدى الروايتين في البيت.
ومعنى القرآن على هذا المقروء الذي يظهره القارئ، ويبرزه من فيه، بعباراته الواضحة.
وقال بعض أهل العلم: إنَّ الوصف المعبر عنه بالمصدر، هو اسم الفاعل.
وعليه فالقرآن بمعنى القارئ، وهو اسم فاعل قرأت، بمعنى جمعت.
ومنه قول العرب: قرأت الماء في الحوض أي جمعته فيه.
وعلى هذا فالقرآن بمعنى القارئ؛ أي الجامع؛ لأن الله جمع فيه جميع ما في
الكتب المنزلة.
وقوله تعالى: ﴿ذِى الذِّكْرِ﴾، فيه وجهان من التفسير معروفان عند العلماء:
أحدهما: أن الذكر بمعنى الشرف، والعرب تقول فلان مذكور يعنون له ذكر؛ أي شرف.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ﴾ [الزخرف: ٤٤] أي شرف لكم على أحد
القولين.
الوجه الثاني: أن الذكر اسم مصدر بمعنى التذكير؛ لأن القرآن العظيم فيه التذكير
والمواعظ، وهذا قول الجمهور، واختاره ابن جرير.
تنبيه: اعلم أن العلماء اختلفوا في تعيين الشيء الذي أقسم الله عليه في قوله
تعالى: ﴿وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾، فقال بعضهم: إن المقسم عليه مذكور، والذين قالوا إنه
مذكور، اختلفوا في تعيينه وأقوالهم في ذلك كلها ظاهرة السقوط.
(٦٤)
فمنهم من قال: إن المقسم عليه هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ
ومنهم من قال: هو قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَّفَادٍ (®]﴾
ومنهم من قال: هو قوله تعالى: ﴿إِن كُلُّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابٍ
١٤
كقوله: ﴿َللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَلٍ مُبِينٍ (٢َ﴾ [الشعراء: ٩٧]. وقوله: ﴿وَلَّمَاءِ وَالطَّارِقِ
وَمَآ
أَذْرَِّكَ مَا الطَّارِقُ ٣ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ﴿ إِن كُلُّ نَفْسِ لََّ عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾﴾ [الطارق].
ومنهم من قال: هو قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الشعراء: ٩٧]، ومن قال هذا
قال: إنّ الأصل لكم أهلكنا ولما طال الكلام، حذفت لام القسم، فقال: كم أهلكنا،
بدون لام.
قالوا: ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنَهَا ﴾﴾ [الشمس]، لما طال الكلام
بين القسم والمقسم عليه، الذي هو قد أفلح من زكاها، حذفت منه لام القسم.
ومنهم من قال: إن المقسم عليه من قوله: ﴿صَّ﴾ قالوا معنى: ﴿صَّ﴾ صدق
رسول الله ﴿وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾. وعلى هذا فالمقسم عليه هو صدقه ێ﴾.

١١٧٤
سورة ص: الآية (١)
ومنهم من قال المعنى: هذه ﴿صَّّ﴾ أي السورة التي أعجزت العرب، ﴿وَالْقُرْءَانِ
ذِى الذِّكْرِ﴾، إلى غير ذلك من الأقوال التي لا يخفى سقوطها.
وقال بعض العلماء إنّ المقسم عليه محذوف، واختلفوا في تقديره، فقال
الزمخشري في الكشاف، التقدير ﴿ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾. إنه لمعجز، وقدره ابن عطيه وغيره
فقال: ﴿وَاَلْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾، ما الأمر كما يقوله الكفار، إلى غير ذلك من الأقوال.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر صوابه بدليل استقراء القرآن: أن
جواب القسم محذوف وأنّ تقديره ﴿ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾، ما الأمر كما يقوله الكفار، وأنّ
قولهم المقسم على نفيه شامل لثلاثة أشياء متلازمة.
الأول: منها أنّ النبي وَلّه مرسل من الله حقاً وأنّ الأمر ليس كما يقول الكفار في
قوله تعالى عنهم: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد: ٤٣].
والثاني: أنّ الإله المعبود - جلّ وعلا - واحد، وأن الأمر ليس كما يقوله الكفار
في قوله تعالى عنهم: ﴿أَجَعَلَ الَلِمَةَ إِلَهَا وَحِدًّا إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ عُجَابٌ
والثالث: أنّ الله - جلّ وعلا - يبعث من يموت، وأن الأمر ليس كما يقوله الكفار
في قوله تعالى عنهم: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِلَِّ جَهْدَ أَئِمَنِهِمٌّ لَا يَبَعَثُ اَللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨].
وقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْ أَنْ لَّنْ يُبْعَثُواْ﴾ [التغابن: ٧]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِنَا
السَاعَةُ﴾ [سبأ: ٣].
أما الدليل من القرآن على أن المقسم عليه محذوف فهو قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ
كَفَرُواْ فِى عِزَّةِ وَشِقَاقٍ ﴾﴾؛ لأنّ الإضراب بقوله بل، دليل واضح على المقسم عليه
المحذوف. أي ما الأمر كما يقوله الذين كفروا، بل الذين كفروا في عزة، أي في حمية
وأنفة واستكبار عن الحق، وشقاق، أي مخالفة ومعاندة.
وأما دلالة استقراء القرآن على أنّ المنفي المحذوف شامل للأمور الثلاثة
المذكورة، فلدلالة آيات كثيرة: أما صحة رسالة الرسول وَله، وكون الإله المعبود واحداً
لا شريك له؛ فقد أشار لهما هنا .
أما كون الرسول مرسلاً حقاً ففي قوله تعالى هنا: ﴿وَبُواْ أَن ◌َجََّهُم مُّنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ
اُلْكَفِرُونَ هَذَا سَحِرٌ كَذَّابُ ﴾﴾ يعني: أي لا وجه للعجب المذكور لأن يجيء المنذر
الكائن منهم، لا شك في أنّه بإرسال من الله حقاً .
وقولهم: ﴿هَذَا سَحِرٌ كَذَّابُ﴾. إنما ذكره تعالى إنكاراً عليهم وتكذيباً لهم، فعرف
بذلك أن في ضمن المعنى: ﴿وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾. إنك مرسل حقاً ولو عجبوا من
مجيئك منذراً لهم، وزعموا أنك ساحر كذاب، أي فهم الذين عجبوا من الحق الذي لا
شك فيه، وزعموا أن خاتم الرسل وأكرمهم على الله ساحر كذاب.
وأما كون الإله المعبود واحداً لا شريك له، ففي قوله هنا: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِمَةَ إِلَهَا وَحِدًّاً

١١٧٥
سورة ص: الآية (١).
إِنَّ هَذَا لَثَقَّ عُجَابٌ ﴾﴾؛ لأن الهمزة في قوله: ﴿أَجَعَلَ﴾. للإنكار المشتمل على معنى
النفي، فهي تدل على نفي سبب تعجبهم من قوله وّله: إن الإله المعبود واحد.
وهذان الأمران قد دلت آيات أخر من القرآن العظيم، على أن الله أقسم على
تكذيبهم فيها وإثباتها بالقسم صريحاً كقوله تعالى مقسماً على أن الرسول مرسل حقاً:
﴿يَسّ ﴿ وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ [يس]، فهي توضح معنى: صّ
والقرآن ذي الذكر إنك لمن المرسلين.
وقد جاء تأكيد صحة تلك الرسالة في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ ءَايَكُ اللَّهِ
: [البقرة]، وأما كونه تعالى هو المعبود
٢٥٢)
نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
الحق لا شريك له، فقد أقسم تعالى عليه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى:
﴿وَلَقََّفَّتِ صَفّا ﴿﴿ فَالَّحِزَتِ زَحْرًا ﴾ فَالتَّلِيَّتِ ذِكْرًا ﴿ إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ ﴾﴾ [الصافات]
ونحو ذلك من الآيات. فدل ذلك على أن المعنى تضمن ما ذكر أي والقرآن ذي الذكر،
إن إلهكم لواحد كما أشار إليه بقوله: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِمَةَ﴾ الآية.
وأما كون البعث حقاً، فقد أقسم عليه إقساماً صحيحاً صريحاً في آيات من
كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿قُلّ بَى وَرَبِّ لَُعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّ
لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣]، أي الساعة. وقوله: ﴿قُلْ إِى وَرَبِ إِنَّهُ لَحَقٌ﴾ [يونس: ٥٣].
وأقسم على اثنين من الثلاثة المذكورة وحذف المقسم عليه الذي هو الاثنان
المذكوران، وهي كون الرسول مرسلاً، والبعث حقاً، وأشار إلى ذلك إشارة واضحة،
وذلك في قوله تعالى: ﴿قَّ وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ ﴿﴿ بَلْ عِبُواْ أَنْ جَمَهُم مُنْذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَفِرُونَ
هَذَا شَىْءُ عِبُ ﴿ أَِذَا مِتْنَا وَكُنَّا نُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾﴾ [ق]، فاتضح بذلك أن المعنى ق
والقرآن المجيد، إن المنذر الكائن منكم الذي عجبتم من مجيئه لكم منذراً، رسول منذر
لكم من الله حقاً، وإن البعث الذي أنكرتموه واستبعدتموه غاية الإنكار، والاستبعاد، في
قوله تعالى عنكم: ﴿أَوِذَا مِتْنَا وَكُنَا نُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾﴾، أي ذلك الرجع الذي هو
البعث؛ رجع بعيد في زعمكم واقع لا محالة، وإنه حق لا شك فيه، كما أشار له في
قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلْنَا مَا نَقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمٌّ وَعِنْدَنَا كِنَبْ حَفِيظٌ ﴾﴾ [ق]، إذ المعنى أن
ما أكلته الأرض من لحومهم، ومزقته من أجسامهم وعظامهم، يعلمه - جلّ وعلا -، لا
يخفى عليه منه شيء؛ فهو قادر على رده كما كان ..
وإحياء تلك الأجساد البالية، والشعور المتمزقة، والعظام النخرة، كما قدَّمنا
موضحاً بالآيات القرآنية، في سورة يس في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِ الصُّورِ
فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ﴾﴾ [يس]، وكونه ◌َّ مرسل من الله حقاً،
يستلزم استلزاماً لا شك فيه، أن القرآن العظيم منزل من الله حقاً وأنه ليس بسحر ولا
شعر ولا كهانة ولا أساطير الأولين.

١١٧٦
سورة ص: الآية (٢)
ولذلك أقسم تعالى، في مواضع كثيرة، على أن القرآن أيضاً منزل من الله؛ كقوله
تعالى في أول سورة الدخان: ﴿حم ) وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مُبَرَكَةٍ﴾
الآية [الدخان: ١ - ٣]، وقوله تعالى في أول سورة الزخرف: ﴿جِمّ ﴾ وَالْكِتَبِ
الْمُبِينِ
﴿ إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْءَنَا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿ وَإِنَُّ فِيَ أُمِّ الْكِتَبِ لَدَيْنَا لَعَلِىُّ
حَكِيمُ ﴾﴾ [الزخرف].
(٤). قد قدَّمنا الكلام قريباً على
وقوله تعالى: ﴿َلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى ◌ِزَّةِ وَشِقَاقٍ
الإضراب ببل في هذه الآية.
وقوله تعالى هنا ﴿فِى عِزَّةٍ﴾، أي في حمية واستكبار عن قبول الحق، وقد بين -
جلّ وعلا - في سورة البقرة أن من أسباب أخذ العزة المذكورة بالإثم للكفار أمرهم
بتقوى الله، وبين أن تلك العزة التي هي الحمية والاستكبار عن قبول الحق من أسباب
دخولهم جهنم، وذلك في قوله عن بعض الكفار الذين يظهرون غير ما يبطنون: ﴿وَإِذَا
قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِآلْإِثْمٍّ فَحَسْبُهُ جَهَتٌَّ وَلَبِْسَ اُلْمِهَادُ (َِا﴾
[البقرة].
والظاهر أنّ وجه إطلاق العزة على الحمية والاستكبار: أن من اتصف بذلك كأنه
ينزل نفسه منزلة الغالب، القاهر، وإن كان الأمر ليس كذلك؛ لأن أصل العزة في لغة
العرب الغلبة والقهر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية
[المنافقون: ٨]، والعرب يقولون: من عز بز، يعنون من غلب استلب، ومنه قول الخنساء:
إذ الناس إذ ذاك من عز بزا
كأن لم يكونوا حمى يختشى
وقوله تعالى في الخصم الذين تسوروا على داود: ﴿وَعَزَّنِ فِ الْخِطَابِ﴾، أي غلبني
وقهرني في الخصومة.
والدليل من القرآن على أن العزة التي أثبتها الله للكفار في قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى
عِزَّةٍ ﴾ ... الآية. وقوله: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٠٦]، ليست هي العزة
التي يراد بها القهر والغلبة بالفعل، أن الله خص بهذه العزة المؤمنين دون الكافرين
والمنافقين، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَبِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا
اُلْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨].
ولذلك فسرها علماء التفسير، بأنّها هي الحمية والاستكبار عن قبول الحق.
والشقاق: هي المخالفة والمعاندة، كما قال تعالى: ﴿وَإِن نَوَّوْ فَإَِّا هُمْ فِ شِقَاقٍ ﴾
الآية [البقرة: ١٣٧]. قال بعض العلماء: وأصله من الشق الذي هو الجانب؛ لأن المخالف
المعاند، يكون في الشق؛ أي في الجانب الذي ليس فيه من هو مخالف له ومعاند.
وقال بعض أهل العلم: أصل الشقاق من المشقة؛ لأن المخالف المعاند يجتهد
في إيصال المشقة إلى من هو مخالف معاند.
وقال بعضهم: أصل الشقاق من شق العصا؛ وهو الخلاف والتفرق ..

١١٧٧
سورة ص: الآية (٣) خصــ
قوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْدٍ فَادَواْ وَلَتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾
﴿كَمْ﴾، هنا هي الخبرية، ومعناها الإخبار عن عدد كثير، وهي في محل نصب،
على أنها مفعول به لأهلكنا وصيغة الجمع في أهلكنا للتعظيم، و﴿مِن﴾ في قوله: ﴿مِّن
قَرْدٍ﴾، مميزة لكم، والقرن يطلق على الأمة وعلى بعض من الزمن، أشهر الأقوال فيه
أنه مائة سنة، والمعنى أهلكنا كثيراً من الأمم السالفة من أجل الكفر وتكذيب الرسل،
فعليكم أن تحذروا يا كفار مكة من تكذيب نبينا محمد 18 والكفر بما جاء به لئلا
نهلككم بسبب ذلك كما أهلكنا به القرون الكثيرة الماضية.
وقد ذكرُ - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة ثلاث مسائل:
الأولى: أنّه أهلك كثيراً من القرون الماضية، يهدد كفار مكة بذلك.
الثانية: أنّهم نادوا؛ أي عند معاينة أوائل الهلاك.
الثالثة: أنّ ذلك الوقت الذي هو وقت معاينة العذاب ليس وقت نداء؛ أي فهو
وقت لا ملجأ فيه، ولا مفر من الهلاك بعد معاينته.
وقد ذكر - جلّ وعلا - هذه المسائل الثلاث المذكورة هنا، موضحة في آيات
كثيرة من كتابه.
أما المسألة الأولى: وهي كونه أهلك كثيراً من الأمم، فقد ذكرها في آيات كثيرة،
كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٌ﴾ [الإسراء: ١٧]. وقوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ
مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ﴾ ... الآية [الحج: ٤٥]. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِّكُمْ نَبَؤُأ
الَّذِينَ مِن قَّلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودٌ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّ اللَّهُ﴾
الآية [إبراهيم: ٩]. والآيات بمثل ذلك كثيرة.
وقد ذكر - جلّ وعلا - في آيات كثيرة أن سبب إهلاك تلك الأمم الكفر بالله
وتكذيب رسله كقوله في هذه الآية الأخيرة مبيناً سبب إهلاك تلك الأمم التي صرح
بأنَّهِمْ ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَتِ فَرَدُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فِيَّ أَفْوَدِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كُفَرْنَا
بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مَِّا تَدْعُونَنَآ إِلَّهِ مُرِيبٍ﴾ [إبراهيم: ٩].
وقد قدَّمنا في الكلام على هذه الآية من سورة إبراهيم، أقوال أهل العلم في قوله
تعالى: ﴿فَرَدُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فِيَ أَفْوَهِهِمْ﴾، وبينا دلالة القرآن على بعضها، وكقوله تعالى:
﴿وَكَيْنِ مِّن قَرْيَةٍ عَنَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ، فَحَاسَبْتَهَا حِسَابًا شَدِيْدًا وَعَذَّبْتَهَا عَذَابًا ثُكْرًا (٣) فَذَاقَتْ وَبَالَ
أَمْرِهَا وَكَانَ عَقِبَةُ أَتْرِهَا خُمْرًاً ﴾﴾ [الطلاق]. وقوله تعالى: ﴿وَقَّوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ الرُّسُلَ
أَغْرَفْنَهُمْ وَجَعَلْنَهُمْ لِلنَّاسِ ءَايَةً﴾ إلى قوله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَأْ وَأَصْطَبَ الرَّسِ وَقُرُوْنَا بَيْنَ ذَلِكَ
كَثِيرًا (٨ـ وَكُلَّ ضَرَيْنَا لَهُ الْأَمْثَلِّ وَكُلَّا تَبَرْنَا تَخْبِيرًا (٣)﴾ [الفرقان]. وقوله تعالى: ﴿إِن
كُّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَ عِقَابٍ ﴾﴾. وقوله تعالى: ﴿كُلُّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَقَّ وَعِدٍ﴾
[ق: ١٤]، والآيات بمثل ذلك كثيرة.

١١٧٨
سورة ص: الآية (٣)
وقد بيَّن تعالى أن المراد بذكر إهلاك الأمم الماضية بسبب الكفر وتكذيب الرسل
تهديد كفار مكة، وتخويفهم من أن ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك إن تمادوا على الكفر
وتكذيبه البلاد .
ذكر تعالى ذلك في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿﴿ أَفَلَمْ يَسِيُرُواْ فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ
كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَفِرِينَ أَمْثَلُهَا ﴾﴾ [محمدًا، لأنّ قوله تعالى:
﴿وَلِلْكَفِينَ أَمْثَلُهَا﴾ [محمد: ١٠]، تهديد عظيم بذلك.
وقوله تعالى: ﴿جَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ مَّنْضُودٍ
◌ُسَوَّمَةٌ عِندَ رَبِّكَّ وَمَا هِىَ مِنَ الَِّنَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ [هود]. فقوله: ﴿وَمَا هِىَ مِنَ الظَّالِمِينَ
بِبَعِيدٍ﴾ فيه تهديد عظيم لمن يعمل عمل قوم لوط من الكفر وتكذيب نبيهم، وفواحشهم
المعروفة، وقد وبخ تعالى من لم يعتبر بهم، ولم يحذر أن ينزل به مثل ما نزل بهم،
﴾ [الصافات].
وَبِلَيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
كقوله في قوم لوط: ﴿وَإِنَّكُمْ لَنَهُونَ عَلَّهِمِ مُصْبِحِينٌ
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنَوَاْ عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِىّ أَمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءٍ أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُواْ
[الفرقان]. وقوله فيهم: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ ءَايَةٌ بَيْنَةٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
لَا يَرْجُونَ نُشُورًا
١٣٥] [العنكبوت]. وقوله فيهم: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٣)﴾ [الحجر]. وقوله فيهم وفي قوم
شعيب: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]، والآيات بمثل ذلك كثيرة.
وأما المسألة الثانية: وهي نداؤهم إذا أحسوا بأوائل العذاب؛ فقد ذكر تعالى في
آيات من كتابه نوعين من أنواع ذلك النداء:
أحدهما: نداؤهم باعترافهم أنّهم كانوا ظالمين، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ
قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةٌ وَأَنْشَأْنَ بَعْدَهَا قَوْمًا ءَآخَرِينَ ﴿ فَلَّآ أَحَسُواْ بَأَسَنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا
يَكُونَ ﴾﴾. إلى قوله: ﴿قَالُواْ يَوَيِلَنَآ إِنَّا كُنََّ ظَلِمِينَ ﴿ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَهُمْ حَتَّى جَعَلْنَهُمْ
﴾ [الأنبياء]. وقوله تعالى: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا فَجَءَهَا بَأْسُنَا بَيَتَّا أَوْ هُمْ
١٥
حَصِيدًا خَمِدِينَ
قَآئِلُونَ ﴿ فَمَا كَانَ دَعْوَنُهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأَسُنَا إِلَّ أَنْ قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ ﴾﴾ [الأعراف].
الثاني : من نوعي النداء المذكور؛ نداؤهم بالإيمان بالله مستغيثين من ذلك العذاب
الذي أحسوا أوائله، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءَامَنَّا بِالَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا
كُنَّا بِهِ، مُشْرِكِينَ ﴿ فَلَمّ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَثُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأْسَّ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِ عِبَادِهِ،
وَخِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ ﴾ [غافرًا، وهذا النوع الأخير هو الأنسب والأليق بالمقام،
لدلالة قوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ عليه.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ الذي هو المسألة الثالثة،
معناه: ليس الحين الذي نادوا فيه، وهو وقت معاينة العذاب، حين مناص، أي ليس
حين فرار ولا ملجاً من ذلك العذاب الذي عاينوه.
فقوله: ﴿وَلَاتَ﴾ هي لا النافية زيدت بعدها تاء التأنيث اللفظية كما زيدت في
. فقيل فيها ((ثمت))، وفي ﴿رَبِّ﴾، فقيل فيها (ربت)).

١١٧٩
سورة ص: الآية (٣) .
. .. وأشهر أقوال النحويين فيها، أنها تعمل عمل ليس وأنها لا تعمل إلا في الحين
خاصة، أو في لفظ الحين ونحوه من الأزمنة، كالساعة والأوان، وأنها لا بد أن يحذف
اسمها أو خبرها، والأكثر حذف المرفوع منهما وإثبات المنصوب، وربما عكس، وهذا
قول سيبويه، وأشار إليه ابن مالك في الخلاصة بقوله:
وقد تلي ((لات)) و((إن)) ذا العملا
في النكرات أعملت كليس ((لا))
وحذف ذي الرفع فشا والعكس قل
وما للات في سوى حين عمل:
والمناص مفعل من النوص، والعرب تقول: ناصه ينوصه إذا فاته وعجز عن
إدراكه، ويطلق المناص على التأخر؛ لأن من تأخر ومال إلى ملجأ ينقذه مما كان يخافه
فقد وجد المناص.
والمناص والملجأ والمفر والموثل معناها واحد، والعرب تقول: استناص إذا
طلب المناص، أي السلامة والمفر مما يخافه، ومنه قول حارثة بن بدر:
بيدي استناص ورام جري المسحل
غمر الجراء إذا قصرت عنانه
والأظهر أن إطلاق النوص على الفوت والتقدم، وإطلاقه على التأخر والروغان
كلاهما راجع إلى شيء واحد؛ لأن المناص مصدر ميمي معناه المنطبق على جزئياته،
أن يكون صاحبه في كرب وضيق، فيعمل عملاً يكون به خلاصه ونجاته من ذلك.
فتارة يكون ذلك العمل بالجري والإسراع أمام من يريده بالسوء، وتارة يكون
بالتأخر والروغان حتى ينجو من ذلك.
والعرب تطلق النوص على التأخر. والبوص بالباء الموحدة التحتية على التقدم،
ومنه قول امرئ القيس :
أمن ذكر سلمى إذ نأتك تنوص
فتقصر عنها خطوة وتبوص
وأصوب الأقوال في ((لات)) أن التاء منفصلة عن حين وأنها تعمل عمل ليس
خلافاً لمن قال: إنها تعمل عمل إن، ولمن قال: إن التاء متصلة بحين وأنه رآها في
الإمام وهو مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان نظريته متصلة بها .
وعلى قول الجمهور منهم القراء السبعة، أن التاء ليست موصولة بحين، فالوقف
على ((لات)) بالتاء عند جميعهم، إلا الكسائي فإنه يقف عليها بالهاء.
أما قراءة كسر التاء وضمها فكلتاهما شاذة لا تجوز القراءة بها، وكذلك قراءة
كُسر النون من حين، فهي شاذة لا تجوز، مع أن تخريج المعنى عليها مشكل.
وتعسف له الزمخشري وجهاً لا يخفى سقوطه، ورده عليه أبو حيان في البحر
المحيط، واختار أبو حيان أن تخريج قراءة الكسر أن حين مجرورة بمن محذوفة .. ..
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَادَواْ﴾ أصل النداء: رفع الصوت؛ والعرب
تقول: فلان أندى صوتاً من فلان، أي أرفع، ومنه قوله:

١١٨٠ -
سورة ص: الآية (٤)
فقلت ادعي وأدعو إن أندا لصوت أن ينادي داعيان
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الأمم الماضية المهلكة ينادون عند معاينة
العذاب، وأن ذلك الوقت ليس وقت نداء، إذ لا ملجأ فيه ولا مفر ولا مناص. ذكره
في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءَامَنَا بِالَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا
كُثَّا بِهِ، مُشْرِكِينَ ﴿ فَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنًا﴾ الآية [غافر: ٨٤، ٨٥]. وقوله
تعالى: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَكُونَ ﴿﴿ لَا تَرْكُضُواْ وَأَرْجِعُواْ إِلَى مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ
وَمَسَكِنْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُشْتَلُونَ ﴿ قَالُواْ يَوَيِلَنَآ إِنَّا كُنََّ ظَلِينَ ﴿ فَمَا زَالَت ◌ِلْكَ دَعْوَدُهُمْ حَتَّى جَعَلْنَهُمْ
حَصِيدًا خَمِدِينَ ﴾﴾ [الأنبياء]، إلى غير ذلك من الآيات.
وقد بيّن تعالى وقوع مثل ذلك في يوم القيامة في آيات من كتابه كقوله تعالى:
﴿أَسْتَجِيبُواْ لِرَبِّكُمْ مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْقَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اْللَّهِ مَا لَكُمْ مِّن ◌َّلْجٍَ يَوْمَيِذٍ وَمَا لَكُمْ
مِّن نَّكِيرٍ ﴾﴾ [الشورى]. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بِقَ الْصَرُ ﴾ وَخَسَفَ الْقَمَرُ ﴾ وَيُعَ الشَّمْسُ
﴿ كَلَا لَا وَزَرَ (١١)﴾ [القيامة]، والوزر: الملجأ، ومنه
وَالْقَمَرُ ﴿ يَقُولُ الْإِنسَنُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْغَرُّ
قول حسان بن ثابت رضپہ :
والناس إلب علينا فيك ليس لنا
إلا الرماح وأطراف القنا وزر
وكقوله تعالى: ﴿بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ، مَوْيِلًا﴾ [الكهف: ٥٨]، والموئل؛
اسم مكان من وأل يئل إذا وجد ملجأ يعتصم به، ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس :
وقد يحاذر مني ثم ما يئل
وقد أخالس رب البيت غفلته
أي ثم ما ينجو.
قوله تعالى: ﴿وَعَبُوْ أَنْ جََّهُ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة
أن كفار قريش عجبوا من أجل أن جاءهم رسول منذر منهم، وما ذكره - جلّ وعلا - في
هذه الآية الكريمة، من عجبهم المذكور، ذكره في غير هذا الموضع وأنكره علیھم،
وأوضح تعالى سببه ورده عليهم في آيات أخر، فقال في عجبهم المذكور: ﴿قَّ وَالْقُرْءَانِ
اَلْنَجِيدِ ﴿ بَلْ عَبُواْ أَنْ جَمَهُم مُنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ [ق: ١ - ٢].
وقال تعالى في إنكاره عليهم في أول سورة يونس ﴿الَرَّ تِلْكَ مَايَتُ الْكِتَبِ الْحَكِيمِ ﴿ أَكَانَ
لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنَذِرِ النَّاسَ﴾ [يونس: ١، ٢]، وذكر مثل عجبهم المذكور
في سورة الأعراف، عن قوم، نوح وقوم هود، فقال عن نوح مخاطباً لقومه: ﴿أَوَ عَبْتُمْ أَنْ
جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِنَتَّقُواْ وَلَعَلَكُمْ تُرْحَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف).
وقال عن هود مخاطباً لعاد: ﴿أَوَ عِبْتُمْ أَنَ جَلَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ
لِسُنذِرَكُمَّ وَاذْكُرُوَاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدٍ قَوْمِ نُوحٍ﴾ الآية [الأعراف: ٦٩]، وبين أن سبب
عجبهم من كون المنذر منهم أنه بشر مثلهم زاعمين أن الله لا يرسل إليهم أحداً من
جنسهم. وأنه لو أراد أن يرسل إليهم أحداً لأرسل إليهم ملكاً؛ لأنه ليس بشراً مثلهم
وأنه لا يأكل ولا يشرب ولا يمشي في الأسواق.