النص المفهرس

صفحات 1101-1120

- ١١٠١
سورة الروم: الآيتان (٦ - ٧) .
والتحقيق: أن القول الذي لا يبدل لديه، في هذه الآية الكريمة، هو وعيده للكفار.
وكقوله تعالى: ﴿كُلُّ كَذَّبَ الرُّسُلَ لَقَّ وَعِدٍ﴾ [ق: ١٤]. وقوله: ﴿إِن كُلُّ إِلَّا كَذَّبَ
الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابٍ (٤)﴾ [ص]، فقوله: (حق) في هاتين الآيتين. أي وجب وثبت، فلا
يمكن تخلفه بحال.
وأما الثاني منها: وهو أن أكثر الناس وهم الكفار لا يعلمون، فقد جاء موضحاً في
آيات كثيرة، فقد بين تعالى، في آيات أن أكثر الناس هم الكافرون، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١٧]. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ
﴾ [الصافات]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (﴾﴾ [الشعراء].
وقوله تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ [الأنعام: ١١٦]، وقوله تعالى:
﴿وَمَّا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ [يوسف]، إلى غير ذلك من الآيات.
وقد بيّن - جلّ وعلا - أيضاً في آيات من كتابه أنّ الكفار لا يعلمون كقوله تعالى:
﴿أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ
كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤]، وقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءُ وَنِدَآءَّ صُمْ بَكْمُّ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ
[البقرة] وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَّ إِنْ هُمْ إِلَّ كَالْأَنْعَّ بَلَّ هُمْ
أَضُلُّ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِّ لَْ
قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَمْ أَعْنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ مَاذَانٌ لَّا يَسْبَعُونَ بِهَاْ أُوْلَكَ كَالْأَنْعَمِ بَلَّ هُمْ أَضَلُّ
أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ (٣)﴾ [الأعراف]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَا فِ
أَصْحَبِ السَّعِيرِ ﴾﴾ [الملك]، إلى غير ذلك من الآيات.
وأما الثالث منها: وهو كونهم يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، فقد جاء أيضاً في
غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ
وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنبكوت: ٣٨]، أي في الدنيا. وقوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَنْ تَوَّى عَنْ
ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَوَةَ الدُّنْيَ ﴿ ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِمَّ﴾ ... الآية [النجم: ٢٩ - ٣٠].
وأما الرابع منها: وهو كونهم غافلين عن الآخرة فقد جاء في آيات كثيرة كقوله
هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣) إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الدُّنْيَا﴾ ... الآية
تعالى عنهم: ﴿
[المؤمنون: ٣٦، ٣٧].
وقوله تعالى عنهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥]، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
[الأنعام]، ﴿مَن يُخْىِ اَلْعِظَلَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، والآيات في ذلك كثيرة معلومة.
تنبيه: اعلم أنه يجب على كل مسلم في هذا الزمان: أن يتدبر آية الروم هذه تدبراً
كثيراً، ويبين ما دلت عليه لكل من استطاع بيانه له من الناس.
وإيضاح ذلك أن من أعظم فتن آخر الزمان التي ابتلى الله بها ضعاف العقول من

١١٠٢
سورة الروم: الآيتان (٦ - ٧)
المسلمين شدة إتقان الإفرنج لأعمال الحياة الدنيا ومهارتهم فيها على كثرتها، واختلاف
أنواعها مع عجز المسلمين عن ذلك، فظنوا أن من قدر على تلك الأعمال أنه على
الحق، وأن من عجز عنها متخلف وليس على الحق، وهذا جهل فاحش، وغلط فادح.
وفي هذه الآية الكريمة إيضاح لهذه الفتنة وتخفيف لشأنها أنزله الله في كتابه قبل وقوعها
بأزمان كثيرة، فسبحان الحكيم الخبير ما أعلمه، وما أعظمه، وما أحسن تعليمه.
فقد أوضح - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن أكثر الناس لا يعلمون،
ويدخل فيهم أصحاب هذه العلوم الدنيوية دخولاً أولياً، فقد نفى عنهم - جلّ وعلا -
اسم العلم بمعناه الصحيح الكامل؛ لأنّهم لا يعلمون شيئاً عمن خلقهم، فأبرزهم من
العدم إلى الوجود، ورزقهم، وسوف يميتهم، ثم يحييهم، ثم يجازيهم على أعمالهم،
ولم يعلموا شيئاً عن مصيرهم الأخير الذي يقيمون فيه إقامة أبدية في عذاب فظيع دائم،
ومن غفل عن جميع هذا فليس معدوداً من جنس من يعلم، كما دلت عليه الآيات
القرآنية المذكورة، ثم لما نفى عنهم - جلّ وعلا - اسم العلم بِمعْنَاهُ الصحيح الكامل
أثبت لهم نوعاً من العلم في غاية الحقارة بالنسبة إلى غيره.
وعاب ذلك النوع المذكور من العلم بعيبين عظيمين:
أحدهما: قلته وضيق مجاله؛ لأنّه لا يجاوز ظاهراً من الحياة الدنيا، والعلم
المقصور على ظاهر من الحياة الدنيا في غاية الحقارة، وضيق المجال بالنسبة إلى العلم
بخالق السماوات والأرض - جلّ وعلا -، والعلم بأوامره ونواهيه، وبما يقرب عبده منه،
وما يبعده منه، وما يخلد في النعيم الأبدي والعذاب الأبدي من أعمال الخير والشر.
والثاني منهما: هو دناءة هدف ذلك العلم، وعدم نبل غايته؛ لأنه لا يتجاوز
الحياة الدنيا، وهي سريعة الانقطاع والزوال، ويكفيك من تحقير هذا العلم الدنيوي أن
أجود أوجه الإعراب في قوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَهِرًا﴾ أنه بدل من قوله قبله ((لا يعلمون))، فهذا
العلم كلا علم لحقارته.
قال الزمخشري في الكشاف، وقوله: ((يعلمون)) بدل من قوله: ((لا يعلمون))، وفي
هذا الإبدال من النكتة أنه أبدله منه، وجعله بحيث يقوم مقامه، ويسد مسده؛ ليعلمك
أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل، وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا.
وقوله: ﴿ظَهِرًا مِّنَ الْيَوَةِ الدُّنيا﴾، يفيد أن للدنيا ظاهراً وباطناً، فظاهرها ما يعرفه
الجهال من التمتع بزخارفها، والتنعم بملاذها، وباطنها وحقيقتها أنها مجاز إلى
الآخرة، يتزود منها إليها بالطاعة والأعمال الصالحة، وفي تنكير الظاهر أنهم لا يعلمون
إلا ظاهراً واحداً من ظواهرها. وهم الثانية، يجوز أن يكون مبتدأ، وغافلون خبره،
والجملة خبر ((هم)) الأولى، وأن يكون تكريراً للأولى، وغافلون: خبر الأولى، وَأَيّاً
كانت فذكرها مناد على أنهم معدن الغفلة عن الآخرة، ومقرها، ومحلها وأنها منهم تنبع
وإليهم ترجع. انتهى كلام صاحب الكشاف.

١١٠٣
سورة الروم: الآية (٨)
وقال غيره: وفي تنكير قوله؛ ظاهراً تقليل لمعلومهم، وتقليله يقربه من النفي،
حتى يطابق المبدل منه. اهـ. ووجهه ظاهر.
واعلم أن المسلمين يجب عليهم تعلم هذه العلوم الدنيوية، كما أوضحنا ذلك غاية
الإيضاح في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ لَمِ لَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ
عَهْدًا (٨)﴾ [مريم]، وهذه العلوم الدنيوية التي بينا حقارتها بالنسبة إلى ما غفل عنه
أصحابها الكفار، إذا تعلمها المسلمون، وكان كل من تعليمها واستعمالها مطابقاً لما
أمر الله به، على لسان نبيه وسلم؛ كانت من أشرف العلوم وأنفعها؛ لأنها يستعان بها على
إعلاء كلمة الله ومرضاته - جلّ وعلا -، وإصلاح الدنيا والآخرة، فلا عيب فيها إذن كما
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَا أَسْتَطَعْتُم ◌ِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، فالعمل في إعداد المستطاع
من القوة امتثالاً لأمر الله تعالى وسعياً في مرضاته، وإعلاء كلمته ليس من جنس علم
الكفار الغافلين عن الآخرة كما ترى، والآيات بمثل ذلك كثيرة. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ فِىَّ أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ
وَأَجَلٍ مُسَنَّىَّ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِقَآَيٍ رَبِّهِمْ لَكَفِرُونَ
لما بين - جلّ وعلا - أن أكثر الناس وهم الكفار لا يعلمون، ثم ذكر أنهم
يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم غافلون، أنكر عليهم غفلتهم عن الآخرة، مع شدة
وضوح أدلتها بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ فِىَّ أَنْفُسِهِمْ﴾ ... الآية؛ والتفكر التأمل والنظر
العقلي، وأصله إعمال الفكر، والمتأخرون يقولون: الفكر في الاصطلاح حركة النفس
في المعقولات. وأما حركتها في المحسوسات فهو في الاصطلاح تخييل.
وقال الزمخشري في الكشاف: ((في أنفسهم)) يحتمل أن يكون ظرفاً كأنه قيل: أو
لم يحدثوا التفكر في أنفسهم: أي في قلوبهم الفارغة من الفكر، والفكر لا يكون إلا
في القلوب، ولكنه زيادة تصوير لحال المتفكرين كقولك: اعتقده في قلبك وأضمره في
نفسك، وأن يكون صلة للتفكر كقولك: تفكر في الأمر؛ أجال فيه فكره، و((ما خلق))
متعلق بالقول المحذوف، معناه: أو لم يتفكروا فيقولوا هذا القول. وقيل معناه:
فيعلموا؛ لأن في الكلام دليلاً عليه ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَنَّىْ﴾، أي ما خلقها باطلاً وعبثاً
بغير غرض صحيح، وحكمة بالغة، ولا لتبقى خالدة، وإنما خلقها مقرونة بالحق،
مصحوبة بالحكمة، وبتقدير أجل مسمى لا بد لها أن تنتهي إليه، وهو قيام الساعة،
ووقت الحساب، والثواب، والعقاب.
ألا ترى إلى قوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ
[المؤمنون]، كيف سمى تركهم غير راجعين إليه عبثاً، والباء في قوله: ((إلا بالحق)) مثلها
في قولك: دخلت عليه بثياب السفر، واشترى الفرس بسرجه ولجامه، تريد: اشتراه
وهو متلبس بالسرج واللجام غير منفك عنهما، وكذلك المعنى: ما خلقها إلا وهي
متلبسة بالحق مقترنة به.

١١٠٤
سورة الروم: الآية (٨)
فإن قلت: إذا جعلت في أنفسهم صلة للتفكر فما معناه؟
قلت: معناه أو لم يتفكروا في أنفسهم، التي هي أقرب إليهم من غيرها من
المخلوقات وهم أعلام، وأخبر بأحوالها منهم بأحوال ما عداها فتدبروا ما أودعها الله
ظاهراً وباطناً، من غرائب الحكم الدالة على التدبير دون الإهمال، وأنه لا بد لها من
انتهاء إلى وقت يجازيها فيه الحكم الذي دبر أمرها على الإحسان إحساناً، وعلى
الإساءة مثلها، حتى يعلموا عند ذلك أن سائر الخلائق كذلك أمرها جار على الحكمة
والتدبير، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى ذلك الوقت، والمراد بلقاء ربهم: الأجل
المسمى. انتهى كلام صاحب الكشاف في تفسير هذه الآية.
وما دلت عليه هذه الآية الكريمة: من أن خلقه تعالى السماوات والأرض وما
بينهما، لا يصح أن يكون باطلاً، ولا عبثاً بل ما خلقهما إلا بالحق؛ لأنه لو كان
خلقهما عبثاً لكان ذلك العبث باطلاً ولعباً، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً، بل ما
خلقهما وخلق جميع ما فيهما وما بينهما إلا بالحق، وذلك أنه يخلق فيهما الخلائق،
ويكلفهم فيأمرهم وينهاهم ويعدهم ويوعدهم، حتى إذا انتهى الأجل المسمى لذلك بعث
الخلائق وجزاهم، فيظهر في المؤمنين صفات رحمته ولطفه وجوده وكرمه وسعة رحمته
ومغفرته، وتظهر في الكافرين صفات عظمته، وشدة بطشه، وعظم نكاله وشدة عدله
وإنصافه، دلت عليه آيات كثيرة من كتاب الله:
كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِبِينَ ﴿ مَا خَلَقْنَهُمَآ إِلَّا بِالْحَقِّ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَتُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾﴾ [الدخان]، فقوله
تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ الآية. بعد قوله: ﴿مَا خَلَقْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، يبين ما ذكرنا.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقُّ وَإِنَ السَّاعَةَ لَنِيَةٌ﴾
[الحجر: ٨٥]. فقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَئِيَّةٌ﴾، بعد قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقْ﴾، يوضح ذلك. وقد أوضحه تعالى في قوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى
السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ لِيَجْرِىَ الَّذِينَ أَسَنُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى (٣)﴾ [النجم].
وقد بيّن - جلّ وعلا - أنّ الذين يظنون أنّه خلقهما باطلاً لا لحكمة الكفار،
وهددهم على ذلك الظن الكاذب بالويل من النار، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا
السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ ﴾﴾ [ص]، وبيّن
- جلّ وعلا - أنّه لو لم يبعث الخلائق ويجازهم؛ لكان خلقه لهم أولاً عبثاً، ونزه نفسه
عن ذلك العبث سبحانه وتعالى عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله علواً كبيراً، وذلك في
قولِه تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ
فَتَعَلَى اَللَّهُ الْمَلِكُ
١١٥
اُلْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِ ﴾﴾ [المؤمنون].
فهذه الآيات القرآنية، تدل على أنه تعالى ما خلق الخلق إلا بالحق، وأنه لا بد

١١٠٥
سورة الروم: الآيتان (٩ - ١٠) -
باعثهم، ومجازيهم على أعمالهم، وإن كان أكثر الناس لا يعلمون هذا، فكانوا غافلين
عن الآخرة، کافرین بلقاء ربهم.
وقوله تعالى في الآيات المذكورة: ((وما بينهما)) أي ما بين السماوات والأرض،
يدخل فيه السحاب المسخر بين السماء والأرض، والطير صافات، ويقبضن بين السماء
والأرض والهواء الذي لا غنى للحيوان عن استنشاقه.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيْرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَظُرُواْ كَيّفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ إلى قوله
تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَانُّوْاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحجر، في الكلام على قوله تعالى:
﴾ [الحجر]، وفي المائدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ
﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ تُقِيمٍ لَّ
ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِيّ إِسْرَِّيلَ﴾ الآية [المائدة: ٣٢]. وفي هود في الكلام على قوله
تعالى: ﴿وَمَا هِىَ مِنَ الظِّمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]، وفي الإسراء في الكلام على قوله
تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوْ﴾ ... الآية [الإسراء: ١٧]، وفي غير ذلك.
وقوله تعالى في آية الروم هذه: ﴿كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا
أَكْثَرٌ مِنَّا عَمَرُوهَا﴾، جاء موضحاً في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِىِ الْأَرْضِ
فَيَظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءَثَارًا فِى الْأَرْضِ فَمَآ
أَغْفَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (
(ية﴾ [غافر]، ونحو ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿ثُنَّ كَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسَنُواْ السُّوَىّ أَنْ كَذَّبُواْ بِنَايَتِ اللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا
يَسْتَهْزِءُونَ ﴾﴾. قرأ هذا الحرف نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ((كان عاقبة)) بضم التاء
اسم كان، وخبرها السوأى، وقرأه ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: ((ثم كان
عاقبة الذين)) بفتح التاء، خبر كان قدم على اسمها على حد قوله في الخلاصة:
أجز.
وفي جميعها توسط الخبر
وعلى هذه القراءة فالسوأى اسم كان، وإنما جرد الفعل من التاء مع أن السوأى
مؤنثة لأمرين :
الأول: أن تأنيثها غير حقيقي.
والثاني: الفصل بينها وبين الفعل كما هو معلوم.
وأما على قراءة ضم التاء، فوجه تجريد الفعل من التاء هو كون تأنيث العاقبة غير
حقيقي فقط .. .
وأظهر الأقوال في معنى الآية عندي، أن المعنى على قراءة ضم التاء، كانت
عاقبة المسيئين السوأى، وهي تأنيث الأسوأ، بمعنى الذي هو أكثر سوءاً: أي كانت
عاقبتهم العقوبة، التي هي أسوأ العقوبات، أي أكثرها سوءاً وهي النار أعاذنا الله،
وإخواننا المسلمين منها .

١١٠٦
سورة الروم: الآيات (١١ - ٢٠)
وأما على قراءة فتح التاء، فالمعنى: كانت السوأى عاقبة الذين أساءوا، ومعناه واضح
مما تقدم، وأن معنى قوله. ((أن كذبوا)) أي كانت عاقبتهم أسوأ العقوبات لأجل أن كذبوا.
وهذا المعنى، تدل عليه آيات كثيرة توضح أن الكفر والتكذيب قد يؤدي شؤمه إلى
شقاء صاحبه، وسوء عاقبته، والعياذ بالله. كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاعُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾
[الصف: ٥]. وقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِم تَرَضٌّ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّاً﴾ [البقرة: ١٠]. وقوله: ﴿بَلْ طَبَعَ
اَللَّهُ عَلَيَّهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥].
وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله
تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الإسراء: ٤٦]، وفي الأعراف
في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُوْ مِنْ قَبْلٌ﴾
[الأعراف: ١٠١]، وفي غير ذلك.
وبما ذكرنا تعلم أن قول من قال: إن السوأى منصوب بأساءوا؛ أي اقترفوا
الجريمة السوأى خلاف الصواب. وكذلك قول من قال: إن ((أن)) في قوله: (أن كذبوا))
تفسيرية، فهو خلاف الصواب أيضاً. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة له في
البقرة، والنحل، والحج، وغير ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُم مِّن شُرِّكَآيِهِمْ شُفَعَؤُاْ﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة له في
سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨]، وفي غير ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ بِشُرَّكَبِهِمْ كَفِرِينَ﴾.
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم، في الكلام على قوله تعالى: ﴿كَلَّ
سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِذًّا (٨)﴾ [مريم]، وفي غير ذلك.
قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَنَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴿ وَلَهُ اُلْحَمْدُ فِ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (﴾﴾. قد قدمنا في سورة النساء، في الكلام على قوله
تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، أي قوله هنا:
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾، الآيتين من الآيات التي أشير فيها إلى أوقات الصلوات
الخمس، وأوضحنا وجه ذلك مع إيضاح جميع الآيات التي أشير فيها إلى أوقات
الصلوات الخمس.
قوله تعالى: ﴿وَيُحِى اُلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنِهَاً وَكَذَلِكَ تُخْرَُّونَ﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة
له في ذكرنا براهين البعث في سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَنَزَلَ مِنَ
السَّمَاءِ مَآءٍ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢]. وفي سورة النحل في الكلام على
قوله تعالى: ﴿يُثْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ﴾ ... الآية [النحل: ١١]، وفي غير ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ- أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة له في
سورة طه، في الكلام على قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْتَكُمْ﴾ [طه: ٥٥]، وفي غير ذلك.

١١٠٧
سورة الروم: الآيات (٢١ - ٣٩).
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَّكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا﴾.
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى:
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا﴾ الآية [النحل: ٧٢]:
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَيَئِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفُ أَلْسِنَئِكُمْ وَأَلْوَيَكُّ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَيَتٍ لِلْعَلِمِينَ
٢٢
قوله: ﴿وَمِنْ ءَِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾، قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة
البقرة في الكلام، على قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ١٦٤].
وقوله: ﴿وَأَخْتِلَفُ أَلْسِنَئِكُمْ وَأَلْوَيَكُمْ﴾، قد أوضح تعالى في غير هذا الموضع: أن
اختلاف ألوان الآدميين، واختلاف ألوان الجبال، والثمار، والدواب، والأنعام، كل
ذلك من آياته الدالة على كمال قدرته، واستحقاقه للعبادة وحده. قال تعالى: ﴿أَلَّمْ تَرَ أَنَّ
اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَحْنَا بِهِ، ثَمَزَتٍ تُخَْلِفًا أَلْوَنُهَأْ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيِضٌ وَحُمْرٌ تُخْتَلِفُ
أَلْوَنُهَا وَغَبِبُ سُورٌ (٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالذَّوَآبِ وَالْأَنْعَمِ مُخْتَلِفُ أَلْوَتُهُ كَذَلِكَ﴾، واختلاف
الألوان المذكورة من غرائب صنعه تعالى وعجائبه، ومن البراهين القاطعة على أنه هو
المؤثر - جلّ وعلا -، وأن إسناد التأثير للطبيعة من أعظم الكفر والضلال.
وقد أوضح تعالى إبطال تأثير الطبيعة غاية الإيضاح بقوله في سورة الرعد: ﴿وَفِي
اَلْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَوِرَتٌ﴾، إلى قوله: ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤]. وقرأ هذا الحرف حفص
وحده عن عاصم ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِّلْعَلِمِينَ﴾، بكسر اللام: جمع عالم الذي هو ضد
الجاهل. وقرأه الباقون: للعالمين بفتح اللام كقوله: رب العالمين.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَِهِ، مَنَامُكُ بِأَيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَبْتِغَا ؤُكُم مِّنْ فَضْلِهِةٌ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (®﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل، في
الكلام على قوله تعالى: ﴿فَمَحَوْنَآ ءَايَةَ الَلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن
رَّبِّكُمْ﴾ ... الآية [الإسراء: ١٢]. وفي سورة الفرقان. وغير ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، يُرِيكُمُ الْبَّقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ الآية.
قد قدمنا ما يوضحه من الآيات مع تفسير قوله: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ في سورة الرعد،
في الكلام على قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ الْبَّفَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ ... الآية
[الرعد: ١٢]، وسنحذف هنا بعض الإحالات لكثرتها .
قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِّنْ شُرَكَآءَ
فِي مَا رَزَقْتَكُمْ﴾. قد قدمنا إيضاحه بالقرآن في سورة النحل، في الكلام على قوله
تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَى بَعْضٍ فِ الرِّزْقِ﴾ [النحل: ٧١].
قوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّبًّا لِيَرَبُواْ فِىّ أَمْوَلِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ﴾. قد قدمنا الآيات
الموضحة له في سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اَللَّهُ الرَّواْ﴾ [البقرة: ٢٧٦].

١١٠٨ -
سورة الروم: الآيات (٤٣ - ٥٥)
قوله تعالى: ﴿يَوْمَبِذٍ يَصَّدَعُونَ﴾، أي يتفرقون فريقين: أحدهما في الجنة، والثاني:
في النار.
وقد دلت على هذا آيات من كتاب الله كقوله تعالى في هذه السورة الكريمة ﴿وَيَوْمَ
تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَيِذٍ يَنَفَرَّقُونَ ﴿ فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَِلُواْ الصَّلِحَتِ فَهُمْ فِ رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ
وَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ وَّكَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا وَلِقَآٍ الْآَخِرَةِ فَأُوْلَبِكَ فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (®) وقوله
تعالى: ﴿وَنُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيَةٍ فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]، ويدل
لهذا قوله بعده ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرَهُ وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلَأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ * لِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِن فَضْلِهِّ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَفِرِينَ ﴾﴾، وقد أشار تعالى أيضاً للتفرق المذكور
هنا في قوله تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْنَانًا لِيُرَوْاْ أَعْمَلَهُمْ ﴾ [الزلزلة].
قوله تعالى: ﴿إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِشَايَيْنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة
في سورة النمل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَ﴾ [النمل: ٨٠].
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدٍ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ
بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ﴾. قد بين تعالى الضعف الأول الذي خلقهم منه في آيات من
٢٠
كتابه، وبين الضعف الأخير في آيات أخر، قال في الأول ﴿أَّ نَخْلُفْكُم مِّنْ مَآءِ فَهِيٍ
[المرسلات]. وقال: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن تُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾﴾ [النحل]. وقال
تعالى: ﴿أَوَّلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ الآية [يس: ٧٧]. وقال: ﴿فَلَنْظُرِ الْإِنْسَنُ مِمَّ
خُلِقَ جَ خُلِقّ مِن مَّآءِ دَافِقٍ ﴾﴾ [الطارق] وقال: ﴿كَلَّ إِنَّا خَلَقْنَهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ
[المعارج]، إلى غير ذلك من الآيات.
وقال في الضعف الثاني: ﴿وَمِنْكُ مَّن يُرَّةُ إِلَ أَذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠]، وقال: ﴿وَمَنْ
تُعَمِّرَهُ نُنَكِّسْهُ فِى الْخَلْقِّ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ ﴾﴾ [يس]، إلى غير ذلك من الآيات. وأشار إلى القوة
بين الضعفين في آيات من كتابه كقوله: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤]، وإطلاقه نفس
الضعف، على ما خلق الإنسان منه، قد أوضحنا وجهه في سورة الأنبياء في الكلام على قوله
تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِسَنُ مِنْ عَجَلٍ﴾ الآية [الأنبياء: ٣٧]. وقرأ عاصم وحمزة ((من ضعف)) في
المواضع الثلاثة المخفوضين، والمنصوب بفتح الضاد في جميعها، وقرأ الباقون بالضم.
واختار حفص القراءة بالضم وفاقاً للجمهور. للحديث الوارد عن ابن عمر عن
النبي ◌َّ من طريق عطية العوفي أنه - أعني ابن عمر - قرأ عليه وتلقى: ((من ضعف)) بفتح
الضاد، فرد عليه وَر، وأمره أن يقرأها بضم الضاد، والحديث رواه أبو داود والترمذي
وحسنه، ورواه غيرهما. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ
يُؤْفَكُونَ
.
قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ
يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمَّ يَلْبَغُواْ إِلَّا سَاعَةُ مِّنَ النََّارِ﴾ [يونس: ٤٥]، وفي غير ذلك.

١١٠٩
سورة الروم: الآيات (٥٦ - ٦٠)
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَالْإِيمَنَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِ كِنَبِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِّ
(@)﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية
فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
الكريمة أنّ الكفار إذا بعثوا يوم القيامة، وأقسموا أنهم ما لبثوا غير ساعة يقول لهم
الذين أوتوا العلم والإيمان، ويدخل فيهم الملائكة، والرسل، والأنبياء، والصالحون:
والله لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث، فهذا يوم البعث، ولكنكم كنتم لا تعلمون.
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في سورة يسّ على
أصح التفسيرين، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن ◌َّرْقَدِنَّا﴾ [يس: ٥٢].
والتحقيق: أن هذا قول الكفار عند البعث، والآية تدل دلالة لا لبس فيها، على أنهم
ينامون نومة قبل البعث كما قاله غير واحد، وعند بعثهم أحياء من تلك النومة التي هي نومة
موت يقول لهم الذين أوتوا العلم والإيمان: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:
٥٢]، أي هذا البعث بعد الموت، الذي وعدكم الرحمن على ألسنة رسله، وصدق
المرسلون في ذلك، كما شاهدتموه عياناً، فقوله في يسّ: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾، قول
الذين أوتوا العلم والإيمان، على التحقيق، وقد اختاره ابن جرير، وهو مطابق لمعنى
قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَالْإِيَنَ لَقَدْ لَبِئْتُمْ فِي كِنَبِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ اٌلْبَعْثِّ﴾ الآية.
والتحقيق أن قوله ((هذا)): إشارة إلى ما وعد الرحمن وأنها من كلام المؤمنين،
وليست إشارة إلى المرقد في قول الكفار ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا﴾ [يس: ٥٢]، وقوله
في كتاب الله: أي فيما كتبه وقدره وقضاه. وقال بعض العلماء: إن قوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ
الرَّحْمَنُ﴾ ... الآية [يس: ٥٢] من قول الكفار، ويدل له قوله في الصافات: ﴿وَقَالُواْ يَوَيْلَنَا
هَذَا يَوْمُ الدِّينِ ﴿ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ ... الآية [الصافات: ٢٠، ٢١].
قوله تعالى: ﴿وَلَ هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ﴾.
قد قدّمنا ما فيه من اللغات، والشواهد العربية في سورة النحل، في الكلام على
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَبُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَ هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤].
قوله تعالى: ﴿وَلَيِنِ حِئْتَهُمْ بِثَايَةٍ لَّقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾. قد
قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا
عَلَيْكَ كِنَبًا فِى فِرْطَاسِ فَمَسُوهُ بِأَيْدِهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُِّيرٌ ﴾﴾ [الأنعام]،
وفي سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُّرَ لَنَا
﴾ [الإسراء]، وفي سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ
٩٠
مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا
الآية [يونس]، وفي غير ذلك.
الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَيِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَحِقَنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾، قد قدمنا في سورة بني إسرائيل،
في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ فَنَقْعُدَ مَذْهُومَا تَخْذُولًا
[الإسراء]، أن الله تعالى قد بين في بعض الآيات القرآنية أنه يخاطب النبي ولو بخطاب
لا يريد به نفس رسول الله ◌َ﴾، وإنما يريد به التشريع.

١٠
١١
سورة لقمان: الآيات (١ - ٧)
وبيّنا أن من أصرح الآيات في ذلك قوله تعالى مخاطباً له وَله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندََ
اُلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَهُمَا فَلَا تَقُل لَُّمَا أُنٍّ﴾ ... الآية [الإسراء: ٢٣]، ومعلوم أن والديه
قد ماتا قبل نزول ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا﴾، بزمن طويل، فلا وجه
البتة لاشتراط بلوغهما، أو بلوغ أحدهما الكبر عنده. بل المراد تشريع بر الوالدين
لأمته، بخطابه وعَ له.
واعلم: أنّ قول من يقول: إن الخطاب في قوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ
أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ لمن يصح خطابه من المكلفين، وأنه كقول طرفة بن العبد:
* ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً *
خلاف الصواب.
والدليل على ذلك قوله بعد ذكر المعطوفات على قوله: ﴿فَلَا تَقُل لَُّمَا أُنٍ﴾
[الإسراء: ٢٣]، ﴿ذَلِكَ مِنَّا أَوْحَىّ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الِحِكْمَةِ﴾ ... الآية [الإسراء: ٣٩]. ومعلوم
أن قوله: ﴿ذَلِكَ مِقَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ﴾، خطاب له وَ ل ◌َّ كما ترى، وذكرنا هناك بعض
الشواهد العربية على خطاب الإنسان، مع أن المراد بالخطاب في الحقيقة غيره.
وبهذا تعلم أن مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾، وقوله: ﴿لَبِنْ
أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]. وقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤].
وقوله: ﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَخَرَ﴾ [الإسراء: ٢٢]، يراد به التشريع لأمته؛ لأنه وَّ
معصوم من ذلك الكفر الذي نهي عنه.
فائدة: روي من غير وجه: أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضيه ناداه رجل
من الخوارج في صلاة الفجر، فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوْجِىَ إِلَيَّكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَيِنْ أَشْرَكْتَ
لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾ [الزمر]، فأجابه عليّ نظُه وهو في الصلاة:
﴿فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَلَا يَسْتَحِقَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ
براس الرحمن الرحيم
سورة لقمان
تِلْكَ ءَيْتُ الْكِتَبِ الْحَكِيمِ ﴿ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ
قوله تعالى: ﴿الّمّ
قد قدمنا الآيات الموضحة لقوله: ﴿هُدَى وَرَحْمَةُ لِلْمُحْسِنِينَ ﴾﴾ في أول سورة البقرة،
في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَمْ ﴾ ذَلِكَ الْكِثَبُ لَا رَيْبَ فِهِ هُدًى لِلْمُثَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢،١].
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِ ءَنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَنَّ فِيَّ أُذُنَّهِ وَقْرَّاً
فَبَشِرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة: أنّ الكافر إذا تتلى

١١١١
سورة لقمان: الآيات (١٠ - ١٨) -
عليه آيات الله، وهي هذا القرآن العظيم، ولى مستكبراً؛ أي متكبراً عن قبولها، كأنه لم
يسمعها؛ كأن في أذنيه وقراً؛ أي صمماً وثقلاً مانعاً له من سماعها، ثم أمر نبيه وَّ ر أن
يبشره بالعذاب الأليم.
وقد أوضح - جلّ وعلا - هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَيٌَّ لِكُلِّ أَفَّاكٍ
أَثٍِ ﴿ يَسْمَعُ ءَتِ اَللَّهِ تُنْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصُِ مُسْتَكْرًا كَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرُهُ بِعَذَابٍ أَلِ ﴾ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ
مَتِنَا شَيْئًا أَّخَذَهَا هُوْاْ أُوْلَئِكَ لَمْ عَذَابٌ مُهِينٌ جَ مِّن وَرَآيِهِمْ جَهَنَّمٌ وَلَا يُغْنِى عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئًا
وَلَ مَا أَتَّخَذُواْ مِن دُونِ الَّهِ أَوْلِيَ: وَلَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾﴾ [الجاثية]، وقد قال تعالى هنا: ﴿كَأَنَّ
فِىّ أُذُنَّهِ وَقْرًا﴾، على سبيل التشبيه، وصرح في غير هذا الموضع أنه جعل في أذنيه الوقر
بالفعل في قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوُهُ وَفِىّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الكهف: ٥٧].
والظاهر أن الوقر المذكور على سبيل التشبيه الوقر الحسي؛ لأن الوقر المعنوي يشبه
الوقر الحسي. والوقر المجعول على آذانهم بالفعل؛ هو الوقر المعنوي المانع من سماع
الحق فقط، دون سماع غيره. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَوْنَهاً﴾ .
قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في أول سورة الرعد، في الكلام على قوله
تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى رَفَعَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ ... الآية [الرعد: ٢].
قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِّ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونٍِ﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الرعد، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَمْ
جَعَلُواْ لِلَّهِ شُركّةَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ، فَتَبَهَ اْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ ... الآية [الرعد: ١٦]. وفي أول سورة الفرقان.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ يَبْنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ
عَظِيمٌ ﴾﴾، دلت هذه الآية الكريمة: على أن الشرك ظلم عظيم.
وقد بيّن تعالى ذلك في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنَفَعُكَ
(٢﴾ [يونس]، وقوله تعالى: ﴿وَاُلْكَفِرُونَ هُمُ
وَلَا يَضُرٌُّ فَإِن فَعَلْتَ فَإنَّكَ إِذَا مِّنَ الَّالِمِينَ
الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ◌َّ أنه فسر الظلم في قوله
تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، بأنه الشرك، وبيّن ذلك
بقوله هنا ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وقد أوضحنا هذا سابقاً.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ﴾. معناه لا تتكبر على الناس، ففي الآية نهي عن
التكبر على الناس، والصعر الميل، والمتكبر يميل وجهه عن الناس متكبراً عليهم، معرضاً.
عنهم، والصعر: الميل، وأصله: داء يصيب البعير يلوي منه عنقه، ويطلق على المتكبر
يلوي عنقه، ويميل خده عن الناس تكبراً عليهم، ومنه قول عمرو بن جني التغلبي:
وكنا إذا الجبار صعّر خده. أقمنا له من ميله فتقوّما
وقول أبي طالب:

١٢٢٢
سورة لقمان: الآيات (١٩ - ٣٢)
وكنا قديماً لا نقر ظلامة إذا ما ثنوا صعبة الرؤوس نقيمها
ومن إطلاق الصّعر على الميل قول النمر بن تولب العكلي:
نقود خيلاً ضمراً فيها صعر
إنا أتيناك وقد طال السفر
وإذا علمت أن معنى قوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَلََّ لِلنَّاسِ﴾، لا تتكبر عليهم.
فاعلم أنا قدمنا في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن
تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَأُخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣]، الآيات القرآنية الدالة على التحذير من
الكبر المبينة لكثرة عواقبه السيئة، وأوضحنا ذلك مع بعض الآيات الدالة على حسن
التواضع، وثناء الله على المتواضعين.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِ اَلْأَرْضِ مَرَحًَّ﴾
قد قدمنا إيضاحه وتفسير الآية في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى:
﴿وَلَا تَمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَحًّاً إِنَّكَ لَن تَّخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الِبَالَ تُولًا (٣)﴾ [الإسراء].
قوله تعالى: ﴿وَقْصِدْ فِ مَشِْكَ﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في مواضع كقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يُسْشُونَ عَلَى
اُلْأَرْضِ هَوْنَا﴾ الآية [الفرقان: ٦٣]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧].
٨
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن ◌ُجَدِلُ فِىِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدَى وَلَا كِنَبٍ مُنِيرٍ
قد قدمنا إيضاحه في أول سورة الحج.
وكذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.
قدمنا الآيات الموضحة له أيضاً في أول سورة الحج، في الكلام على قوله
تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾﴾ [الحج].
قوله تعالى: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلّ
أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل، في
الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِىِ الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَنْحُرٍ
مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهِ﴾. قد قدمنا إيضاحه في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى:
﴿قُل لَّوْ كَنَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن نَنْفَدَ كَلِمَثُ رَبِ﴾ الآية [الكهف: ١٠٩].
قوله تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسِ وَحِدَةٍ﴾. قد قدمنا إيضاحه في سورة
البقرة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُخِى اَللَّهُ الْمَوْقَى وَيُرِيِكُمْ ءَايَتِهِ﴾ [البقرة: ٧٧].
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجُ كَلَُّلِ دَعَوْ اَللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اُلِذِينَ﴾.
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى:

١١١٣
سورة السجدة: الآيات (٣ - ٥)
﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الشُّرُّ فِىِ الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِنَُّ﴾ ... الآية [الإسراء: ٦٧]، وفي الأنعام
في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَنَّكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَنَّكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ أَللَّهِ
تَدْعُونَ إِن كُمْ صَدِقِينَ ﴾﴾ ... الآية [الأنعام]، وفي غير ذلك
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِ الْأَرْحَاِ وَمَا تَدْرِى
نَفْسُ مَّاذَا تَحْكِسِبُ غَدٌَّ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَتِ أَرْضِ تَمُوتُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ))
· قد قدمنا في سورة الأنعام، أن هذه الخمسة المذكورة في خاتمة سورة لقمان:
أنها هي مفاتح الغيب المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ﴾
[الأنعام: ٥٩]، وأن النبي ﴿ أوضح ذلك بالسنة الصحيحة.
براسه الرحمن الرحيم
سورة السجدة
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ: أَفْتَرَنَّةٌ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنِ زَِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا فََّ أَتَهُم مِّن نَّذِيرٍ
مِّن قَبْلِكَ﴾. قد قدمنا إيضاحه في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا
كُتَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
قوله تعالى: ﴿يُدَبِرُ اْأَفْرَ مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ
أَلْفَ سَنَّةٍ مِّمَا تَعُدُّونَ ﴾﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه يدبر الأمر من
السماء إلى الأرض، وأنه يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة ...
وأشار تعالى إلى هذا المعنى في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَّوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ
يَتَغَزَّلُ الْأَمُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، وقد بيّن في سورة الحج أن اليوم عنده تعالى كألف سنة
مما يعده الناس، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَلْفٍ سَنَّةٍ مِّمَّا تَعْدُّونَ﴾
[الحج: ٤٧]، وقد قال تعالى في سورة سأل سائل: ﴿َمْرُجُ الْمَلَبِكَةُ وَاُلُّوحُ إِلَيْهِ فی یَوْمٍ
كَانَ مِقْدَارُوُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةِ ﴾﴾ [المعارج].
وقد ذكرنا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب الجمع بين هذه
الآيات من وجهين :
الأول: هو ما أخرجه ابن أبي حاتم، من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن
عباس من أن يوم الألف في سورة الحج، هو أحد الأيام الستة التي خلق الله فيها
السموات والأرض، ويوم الألف في سورة السجدة هو مقدار سير الأمر وعروجه إليه
تعالى، ويوم الخمسين ألفاً هو يوم القيامة.
د۔

١١١٤
سورة السجدة: الآية (١١)
الوجه الثاني: أن المراد بجميعها يوم القيامة، وأن الاختلاف باعتبار حال المؤمن
والكافر، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمُّ عَسِيُ جَ عَلَى الْكَفِرِينَ غَيرُ
يَسِيرٍ ﴾﴾ [المدثر]. وقوله تعالى: ﴿يَقُولُ اَلْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُ عَيْرٌ﴾ [القمر: ٨].
وقد أوضحنا هذا الوجه في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ
الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرَّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ﴾﴾ [الفرقان]، وقد ذكرنا في دفع إيهام
الاضطراب عن آيات الكتاب أن أبا عبيدة روى عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب،
عن ابن أبي مليكة أنه حضر كلاً من ابن عباس وسعيد بن المسيب سئل عن هذه الآيات
فلم يدر ما يقول فيها، ويقول: لا أدري.
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَوَقَّنكُم مَّلَكُ اَلْمَوْتِ اُلَّذِى ◌ُّكِلَ بِكُمْ﴾.
ظاهر هذه الآية الكريمة أن الذي يقبض أرواح الناس ملك واحد معين، وهذا هو
المشهور، وقد جاء في بعض الآثار أن اسمه عزرائيل.
وقد بيّن تعالى في آيات أخر أن الناس تتوفاهم ملائكة لا ملك واحد كقوله
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَئِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]، وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا
تَوَقَّتْهُمُ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ (٣)﴾ [محمد]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِ
الظَّالِمُونَ فِ غَمَرَتِ الْوْتِ وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُوْ أَيَذِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٩٣]. وقوله تعالى: ﴿حَقََّ إِذَا
جَآءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْثُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرُِّونَ﴾ [الأنعام: ٦١]، إلى غير ذلك من الآيات.
وإيضاح هذا عند أهل العلم أن الموكل بقبض الأرواح ملك واحد، هو المذكور
هنا، ولكن له أعوان يعملون بأمره ينتزعون الروح إلى الحلقوم، فيأخذها ملك الموت،
أو يعينونه إعانة غير ذلك.
وقد جاء في حديث البراء بن عازب الطويل المشهور أن النبي 18 ذكر فيه ((أن
ملك الموت إذا أخذ روح الميت أخذها من يده بسرعة ملائكة فصعدوا بها إلى السماء،
وقد بيّن فيه وقي ما تعامل به روح المؤمن وروح الكافر بعد أخذ الملائكة له من ملك
الموت حين يأخذها من البدن)» وحديث البراء المذكور صححه غير واحد، وأوضح ابن
القيم في كتاب الروح بطلان تضعيف ابن حزم له.
والحاصل: أن حديث البراء المذكور، دل على أن مع ملك الموت ملائكة آخرين
يأخذون من يده الروح، حين يأخذه من بدن الميت. وأما قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ يَتَوَنَّ الْأَنْفُسَ
حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، فلا إشكال فيه؛ لأن الملائكة لا يقدرون أن يتوفوا أحداً إلا
بمشيئته - جلّ وعلا - ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ إلَّا بِإِذْنِ اَللَّهِ كِنَبًا مُؤَجَّلَا﴾ [آل عمران: ١٤٥].
فتحصل: أن إسناد التوفي إلىّ ملك الموت في قوله هنا: ﴿قُلْ يَنْوَقَّنكُمْ مَّلَكُ اَلْمَوْتِ
الَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ﴾، لأنه هو المأمور بقبض الأرواح، وأن إسناده الملائكة في قوله تعالى:
﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَقَّتْهُمُ الْمَلَئِكَةُ﴾ الآية [محمد: ٢٧]. ونحوها من الآيات؛ لأنّ لملك

١١١٥
سورة السجدة: الآيات (١٢ - ٢٩)
الموت أعواناً يعملون بأمره، وأن إسناده إلى الله في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَلَى الْأَنْفُسَ
حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، لأن كل شيء كائناً ما كان لا يكون إلا بقضاء الله وقدره.
والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا
فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (٣)﴾، قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة
الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ
جَمَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ﴾ ... الآية [الأعراف: ٥٣]. وفي سورة مريم في
الكلام على قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ الآية [مريم: ٣٨].
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَنَيْنَا كُلّ نَفْسِ هُدَهَا وَلَكِنْ حَقَّ اُلْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَ جَهَنَّمَ
مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾﴾، قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس، في
الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَمَنَ مَن فِ الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩].
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ◌ُكِرَ بِثَايَتِ رَيِّهِ، ثُمَّ أَغْرَضَ عَنْهَاْ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ
(3). قد قدمنا الآيات الموضحة له مع بيان الآيات الدالة على العواقب
مُنْتَقِمُونَ
السيئة الناشئة عن الإعراض، عن التذكير بآيات الله في سورة الكهف، في الكلام على
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ ذُكْرَ بِئَايَتِ رَبِّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَهُ﴾ [الكهف: ٥٧].
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَكِنِهِمْ
قد قدمنا بعض الآيات الموضحة له في آخر سورة مريم، في الكلام على قوله تعالى:
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبَلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزَّا (﴾﴾﴾ [مريم].
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُرِ فَتُخْرِجُ بِهِ، زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ
أَنْعَمُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (3)﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة طه، في
الكلام على قوله تعالى: ﴿ اَلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَّكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ
﴿﴿ كُواْ وَأَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِّأُوْلِ النُّهَى
مَآءُ فَأَخْرَحْنَا بِهِ أَزْوَجًا مِنْ نَّبَاتٍ شَقَ
(@) [طه]، وقد أوضحنا تفسير الأرض الجرز مع بعض الشواهد العربية في سورة
الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُزَّا (﴾﴾ [الكهف].
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا
يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِيَتُهُمْ وَلَا هُ يُظَرُونَ ﴾. أظهر أقوال أهل العلم عندي هو أن
الفتح في هذه الآية الكريمة، هو الحكم والقضاء، وقد قدمنا أن الفتاح القاضي؛ وهي
لغة حميرية قديمة. والفتاحة الحكم والقضاء، ومنه قوله:
ألا من مبلغ عمراً رسولاً بأني عن فتاحتكم غني
وقد جاءت آيات تدل على أن الفتح الحكم، كقوله تعالى عن نبيه شعيب: ﴿عَلَى
اَللَّهِ تَوَكَّنَأْ رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَئِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩]، أي احكم
بيننا بالحق، وأنت خير الحاكمين.

١١١٦
سورة السجدة: الآية (٣٠)
وقوله تعالى عن نبيه نوح: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ (١٧) فَفْنَحْ بَيْنِ وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾
[الشعراء: ١١٧، ١١٨] الآية. أي احكم بيني وبينهم حكماً. وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا
رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ اَلْعَلِمُ ﴾﴾ [سبأ]. وقوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَفْئِحُواْ
فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]، أي إن تطلبوا الحكم بهلاك الظالم منكم، ومن
النبي ◌َّ فقد جاءكم الفتح: أي الحكم بهلاك الظالم وهو هلاكهم يوم بدر، كما قاله
غير واحد، وقد ذكروا أنهم لما أرادوا الخروج إلى بدر، جاء أبو جهل، وتعلق بأستار
الكعبة وقال: اللهم إنا قطان بيتك نسقي الحجيج، ونفعل ونفعل، وإن محمداً قطع
الرحم وفرق الجماعة، وعاب الدين، وشتم الآلهة، وسفه أحلام الآباء، اللهم أهلك
الظالم منا ومنه، فطلب الحكم على الظالم، فجاءهم الحكم على الظالم فقتلوا ببدر،
وصاروا إلى الخلود في النار ... إلى غير ذلك من الآيات.
وعلى قول من قال من أهل العلم: إن المراد بالفتح في الآية الحكم والقضاء
بينهم يوم القيامة فلا إشكال في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
إِيمَانُهُمْ﴾، وعلى القول بأن المراد بالفتح في الآية الحكم بينهم في الدنيا بهلاك
الكفار. كما وقع يوم بدر، فالظاهر أن معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنفَعُ الَّذِينَ
كَفَرُوَاْ إِيمَانُهُمْ﴾، أي إذا عاينوا الموت؛ وشاهدوا القتل بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْاْ
فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا
بَأْسَنَا قَالُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ، مُشْرِكِينَ
(٨٥)﴾ [غافر]، وقوله
رَأَوْاْ بَأْسَنَّا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَتْ فِى عِبَادِهِ، وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ.
تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ الثَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىَ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنِّيِ
تُبْتُ الْتَنَ﴾ الآية [النساء: ١٨]. وقوله تعالى في فرعون:
﴿﴿ وَجَوَزْنَا بِبَنِىّ إِسْرَوِيلَ اٌلْبَحْرَ
فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ
ءَمَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَوِيلَ وَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ ،َالْتَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَّكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
[يونس)، ولا يخفى أن قول من قال من أهل العلم: إن الفتح في هذه الآية: فتح
٩١
مكة أنه غير صواب بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِيمَانُهُمْ﴾،
ومعلوم أن فتح مكة لا يمنع انتفاع المؤمن في وقته بإيمانه كما لا يخفى.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَظِرْ إِنَّهُم مُّمْتَظِرُونَ﴾ .
جاء معناه موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نََّيَّصُ بِهِ، رَبَ الْمَنُونِ
(1)﴾ [الطور]، ومعلوم أن التربص هو الانتظار.
(٣) قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّ مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَِّصِينَ
وقوله تعالى: ﴿قُلِ أَنْنَظِرُواْ إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، إلى غير ذلك من الآيات.

١١١٧
سورة الأحزاب: الآيات (١ - ٤).
براسه الرحمن الرحيم
سورة الأحزاب
قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ أَتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِفِينَ﴾ ... الآية.
قد قدمنا الآيات الموضحة لمثله في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله
تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ الَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ الآية [الإسراء: ٣٩]، وما دلت عليه آية الأحزاب
هذه، من أن الخطاب الخاص لفظه بالنبي ول# يشمل حكمه جميع الأمة، قد قدمنا
الآيات الموضحة له في سورة المائدة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ
كَتَبْنَا عَلَى بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ ... الآية [المائدة: ٣٢].
قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَجَكُمْ أَّتِى تُظَِّهِرُونَ مِنْهُنَّ أُتَهَتِكُمْ﴾، في هذا الحرف أربع
قراءات سبعية: قرأه عاصم وحده: ((تُظَاهِرون)) بضم التاء وتخفيف الظاء بعدها ألف
فهاء مكسورة مخففة. وقرأه حمزة والكسائي: ((تَظَاهَرون)) بفتح التاء بعدها ظاء مفتوحة
مخففة، فألف فهاء مفتوحة مخففة، وقرأه ابن عامر وحده كقراءة حمزة والكسائي؛ إلا
أن ابن عامر يشدد الظاء [تَطَّاهَرون]، وهما يخففانها. وقرأه نافع وابن كثير، وأبو
عمرو: تَظَّهَّرون بفتح التاء بعدها ظاء فهاء مفتوحتان مشددتان بدون ألف.
فقوله تعالى: ((تظاهرون))، على قراءة عاصم مضارع ظاهر بوزن ((فاعل))، وعلى
قراءة حمزة والكسائي فهو مضارع تظاهر بوزن ((تفاعل)) حذفت فيه إحدى التاءين على
حد قوله في الخلاصة:
فيه على تاكتبين العبر
وما بتاءين ابتدى قد يقتصر
فالأصل على قراءة الأخوين تتظاهرون، فحذفت إحدى التاءين، وعلى قراءة ابن
عامر، فهو مضارع تظاهر أيضاً، كقراءة حمزة والكسائي، إلا أن إحدى التاءين أدغمت
في الظاء، ولم تحذف وماضيه اظاهر كادارك، واثاقلتم، وادارأتم؛ بمعنى تدارك.
وعلى قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، فهو مضارع تظهر على وزن ((تفعل»،
وأصله تتظهرون بتاءين، فأدغمت إحدى التاءين في الظاء، وماضيه: اظهر نحو:
إطيرنا، وازينت، بمعنى: تطيرنا، وتزينت، كما قدمنا إيضاحه في سورة طه في الكلام
على قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِىَ تَلَقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف: ١١٧]، فعلم مما ذكرنا أن قولهم
ظاهر من امرأته، وتظاهر منها، وتظهر منها كلها بمعنى واحد، وهو أن يقول لها: أنت
عليّ كظهر أمي، يعني أنها حرام عليه، وكانوا يطلقون بهذه الصيغة في الجاهلية.

١١١٨ -
سورة الأحزاب: الآية (٦)
وقد بين الله - جلّ وعلا - في قوله هنا: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَجَكُمُ الَّتِى تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ
أُقَهَتِكُمْ﴾، أن من قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي: لا تكون أماً له بذلك، ولم يزد
هنا على ذلك، ولكنه - جلّ وعلا - أوضح هذا في سورة المجادلة، فبين أن أزواجهم
التي ظاهروا منهن لسن أمهاتهم، وأن أمهاتهم من النساء اللاتي ولدنهم خاصة دون
غيرهن، وأن قولهم: أنت علي كظهر أمي، منكر من القول وزور.
وقد بيّن الكفارة اللازمة في ذلك عند العود وذلك في قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُظَّهِرُونَ
مِنكُم مِّن نِسَآءِهِمِ مَا هُرَ أُمَّهَتِهِمَّ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّ الَّتِى وَلَدَنَهُمَّ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنَكَرًا مِّنَ
الْقَوْلِ وَزُورًاً وَإِنَّ اللَّهَ لَغَفُوُ غَفُورٌ ﴿ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِسَآءِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ
مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَأْ ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَضِيَامُ شَهْرَيْنِ
مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَآَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطِعَامُ سِتِينَ مِسْكِيْنَاْ ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهُ وَلِلْكَفِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المجادلة].
فقوله تعالى في آية الأحزاب هذه: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَجَكُمُ الَّتِى تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَتِكُمْ﴾
كقوله تعالى في سورة المجادلة: ﴿الَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنكُم مِّن نِسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُنَّهَتِهِمَّ إِنْ
أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا الَّتِى وَلَدْنَهُمَّ﴾ [المجادلة: ٢]، وقد رأيت ما في سورة المجادلة، من الزيادة
والإيضاح لما تضمنته آية الأحزاب هذه.
وهناك جملة مسائل متعلقة بالأحكام المأخوذة يرجع من أراد الوقوف عليها إلى الأصل.
قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَجُهُ: أُمَّهَُهُمُّ﴾. قال ابن كثير: أي في الحرمة والاحترام والتوقير
والإكرام والإعظام، ولكن لا يجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن،
وأخواتهن بالإجماع. اهـ. محل الغرض منه، وما ذكر من أن المراد بكون أزواجه أَلآ ،
أمهات المؤمنين هو حرمتهن عليهم، كحرمة الأم، واحترامهم لهن، كاحترام الأم إلخ.
واضح لا إشكال فيه، ويدل له قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْشَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ
حِجَابٍ﴾؛ لأن الإنسان لا يسأل أمه الحقيقية من وراء حجاب. وقوله تعالى: ﴿إِنْ
أُمَّهَشُهُمْ إِلَّا الَِّى وَلَدْنَهُمَّ﴾ [المجادلة: ٢]، ومعلوم أنهن رضي الله عنهن، لم يلدن جميع
: أُقَهَهُمْ﴾، أنّ هو ◌َّ أَب
المؤمنين الذين هن أمهاتهم، ويفهم من قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَ
لهم. وقد روي عن أبيّ بن كعب، وابن عباس أنهما قرءا: ((وأزواجه أمهاتهم وهو أب
لهم))، وهذه الأبوة أبوة دينية، وهو ◌َّ أرأف بأمته من الوالد الشفيق بأولاده، وقد قال
- جلّ وعلا - في رأفته ورحمته بهم، ﴿عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِينَ
رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وليست الأبوة أبوة نسب كما بينه تعالى بقوله: ﴿مَّا كَانَ
مُحَمَّدُّ أَبَاَ أَحَدٍ مِنْ رِّجَالِكُمْ﴾، ويدل لذلك أيضاً حديث أبي هريرة عند أبي داود والنسائي
وابن ماجه أنّ النبي ◌َو قال: ((إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم فإذا أتى أحدكم
الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولا يستطب بيمينه)) وكان يأمر بثلاثة أحجار

١١١٩
سورة الأحزاب: الآيات (٧ - ٩) -
وينهى عن الروث والرمة فقوله وَلور، في هذا الحديث: ((إنما أنا لكم بمنزلة الوالد)) يبين
معنى أبوته المذكورة كما لا يخفى.
قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، قد قدمنا إيضاحه وكلام أهل
العلم، فيما يتعلق به من الأحكام في آخر الأنفال في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ
الْأَرْحَاءِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ﴾ الآية [الأنفال: ٧٥].
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَِّيْنَ مِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوَجِ وَإِبْهِيمَ وَمُوسَى وَحِيسَى أَبْنِ
مَهْمٌ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِثَقًّا غَلِيظًا ﴾﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة: أنه أخذ
من النبيين ميثاقهم ثم خص منهم بذلك خمسة: هم أولوا العزم من الرسل، وهم:
محمد ◌ّ، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ولم يبين هنا الميثاق الذي أخذه
عليهم، ولكنه - جلّ وعلا - بين ذلك في غير هذا الموضع، فبين الميثاق المأخوذ على
جميع النبيين بقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّيْنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُمْ
◌ِّنْ كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِّنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُنَّهُ قَالَ ◌َأَقْرَرْتُمْ
وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَالِكُمْ إِصْرِىٌّ قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَأْ مَعَكُم مِّنَ الشَّهِدِينَ ﴿﴿ فَمَنْ تَوَ بَعْدَ
(٨)﴾ [آل عمران]، وقد قدّمنا الكلام على هذه الاية فى سورة
ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (®
مريم، في الكلام على قصة الخضر، وقد بين - جلّ وعلا - الميثاق الذي أخذه على
خصوص الخمسة الذين هم أولوا العزم من الرسل في سورة الشورى في قوله تعالى:
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ اُلْذِينِ مَا وَضَّى بِهِ نُوحًا وَلَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ: إِنْزَهِيَمَ وَمُوسَى
وَعِيسَىٌّ أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلَا نَنَفَرَّقُواْ فِيَّهِ﴾ [الشورى: ١٣].
وبما ذكرنا تعلم: أنّ آية آل عمران وآية الشورى فيهما بيان لآية الأحزاب هذه.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمِنْكَ وَمِن نُوحٍ﴾، من عطف الخاص على العام،
وقد تكلمنا عليه مراراً، والعلم عند الله تعالى.
قولهِ تعالى: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَّكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَءَتْكُمْ جُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ
رِيِمًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوَّهَا﴾. أمر الله - جلّ وعلا - المؤمنين في هذه الآية الكريمة: أن
يذكروا نعمته عليهم حين جاءتهم جنود وهم جيش الأحزاب، فأرسل - جلّ وعلا -
عليهم ريحاً وجنوداً لم يرها المسلمون، وهذه الجنود التي لم يروها التي امتن عليهم
بها هنا في سورة الأحزاب، بيّن أنّه من عليهم بها أيضاً في غزوة حنين، وذلك في قوله
تعالى: ﴿وَيَوْمَ خُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَنْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَمَ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ
اَلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَيْتُم مُّدْيِينَ ﴾ ثُمَّ أَلُ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ
وَأَنَزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: ٢٥، ٢٦]، وهذه الجنود هي الملائكة، وقد بيَّن - جلّ
وعلا - ذلك في الأنفال في الكلام على غزوة بدر، وذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ
إِلَى الْمَلَبِكَةِ أَنِى مَعَكُمْ فَتَِّتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأُلْقِى فِ قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ

١١٢٠
سورة الأحزاب: الآيات (٢٢ - ٣١)
اَلْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَانٍ (١) الآية [الأنفال]، وهذه الجنود التي لم يروها التي
هي الملائكة، قد بيّن الله - جلّ وعلا - في براءة أنّه أيد بها نبيه * وهو في الغار
وذلك في قوله: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ
هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَّا فَأَنِزَّلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ
وَأَيَدَمُ بِجُنُورٍ لَّمْ تَرَوَّهَا﴾ [التوبة: ٤٠].
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَءَا أَلْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولَةٌ
وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إِيَمَنَا وَتَسْلِيمًا (®﴾، ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة: أنّ المؤمنين
لما رأوا الأحزاب يعني جنود الكفار الذين جاؤوهم من فوقهم، ومن أسفل منهم في
غزوة الخندق قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولٌُ﴾، ولم يبين هنا الآية
التي وعدهم إياه فيها، ولكنه بين ذلك في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ
تَدْخُلُواْ الْجَنََّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّةُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ
الرَّسُولُ وَاَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَنَ نَصْرُ اَللَّهِ أَلَّ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ [البقرة]، وممن قال إن آية
البقرة المذكورة مبينة لآية الأحزاب هذه: ابن عباس، وقتادة، وغير واحد، وهو ظاهر.
وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إِيَمَنَا﴾ ... الآية، صريح في أن
الإيمان يزيد، وقد صرح الله بذلك في آيات من كتابه، فلا وجه للاختلاف فيه مع
تصريح الله - جلّ وعلا - به في كتابه، في آيات متعددة كقوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُواْ إِيمَانًا فَعَ
إِيمَنِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]. وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَنًا﴾ [التوبة: ١٢٤]، إلى
غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَّ يَنَالُواْ خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ اُلْفِتَالُ﴾ .
ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة: أنّه رد الذين كفروا بغيظهم، لم ينالوا
خيراً، وأنه كفى المؤمنين القتال، وهم النبي ◌َّيه، وأصحابه. ولم يبين هنا السبب الذي
رد به الذين كفروا وكفىٍ به المؤمنين القتال، ولكنه - جلّ وعلا -، بيّن ذلك بقوله:
﴿فَأَرْسَلْنَا عُلَيْهِمْ رِيحًا وَيُنُودًا لَّمْ تَرَؤْهَا﴾ أي وبسبب تلك الريح، وتلك الجنود ردهم بغيظهم
وكفاكم القتال كما هو ظاهر.
قوله تعالى: ﴿يَِسَآءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَحِشَةٍ مُبِنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِّ﴾ .
قد قدمنا الآية الموضحة له في آخر سورة النمل، في الكلام على قوله تعالى:
10﴾ [النمل]،
﴿وَمَنْ جَ بِالسَّيِئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ (
وفي سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِذَا لَّأَذَقْتَكَ ضِعْفَ الْحَيَوْةِ وَضِعْفَ
اٌلْمَمَاتِ﴾ الآية [الإسراء: ٧٥].
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ صَلِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ .
ذكر الله - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنّ من قنت من نساء نبيهم له لله ولرسوله،
٠