النص المفهرس
صفحات 1081-1100
٢٠٨١ سورة النمل: الآيات (٦٠ - ٦٦) إلى قوله تعالى: ﴿فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾. قد قدمنا الآيات التي فيها إيضاح قصة لوط وقومه في سورة هود في الكلام على قصة لوط وقومه، وبينا هناك كلام أهل العلم ومناقشة أدلهم في عقوبة فاعل فاحشة اللواط، وذكرنا الآيات المبينة لها أيضاً في سورة الحجر في الكلام على قصة لوط وقومه، وذكرنا بعض ذلك في سورة الفرقان. قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَحِكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَنْبَتْنَا بِهِ، حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ . قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ اُلْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَلَهَا أَنْهَرًا﴾. قد أوضحنا ما تضمنته من البراهين على البعث في أول سورة البقرة، وأول سورة النحل. ٦٥) قوله تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّ اللَّهُ وَمَا يَتْعُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوْ﴾ ... الآية [الأنعام: ٥٩]، وفي مواضع أخر. قوله تعالى: ﴿بَلِ أَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِ الْآَخِرَةَّ بَلْ هُمْ فِ شٍَ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا. عَمُونَ (43)﴾، أظهر أقوال أهل العلم عندي في هذه الآية الكريمة أن المعنى ((بل ادارك علمهم))؛ أي تكامل علمهم في الآخرة، جين يعاينونها؛ أي يعلمون في الآخرة علماً كاملاً، ما كانوا يجهلونه في الدنيا، وقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِ شَلٍ مِنْهَا بَلْ هُمٍ مِّنْهَا عَمُونَ﴾ أي في دار الدنيا، فهذا الذي كانوا يشكون فيه في دار الدنيا، ويعمون عنه مما جاءتهم به الرسل، يعلمونه في الآخرة علماً كاملاً لا يخالجه شك، عند معاينتهم لما كانوا ينكرونه من البعث، والجزاء. وإنما اخترنا هذا القول دون غيره من أقوال المفسرين في الآية؛ لأن القرآن دل عليه دلالة واضحةٍ في آيات متعددة كقوله تعالي: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَنْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَّا لَكِنِ النَّالِمُونَ اَلْيَوْمَ فِ ضَلٍ مُّبِينٍ (٤٨)﴾ [مريما فقوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ بمعنى ما أسمعهم وما أبصرهم للحق الذي كانوا ينكرونه يوم يأتوننا: أي يوم القيامة، وهذا يوضح معنى قوله: ﴿بَلِ أَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِ الْآَخِرَةَّ﴾؛ أي تكامل عملهم فيها لمبالغتهم في سمع الحق وإيصَاره في ذلك الوقت، وقوله: ﴿لَكِنِ اَلََّلِمُونَ أَلْيَوْمَ فِ ضَلَلِ مُّبِينٍ﴾ [مريم: ٣٨] يوضح معنى قوله: ﴿بَلْ هُمْ فِ شَكٍ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ﴾؛ لأن ضلالهم المبين اليوم؛ أي في دار الدنيا، هو شكهم في الآخرة، وعماهم عنها. وكقوله تعالى: ﴿فَكَتَفْنَا عَنَكَ ◌ِطََّكَ فَصَرُكَ أَلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] أي علمك اليوم بما كنت تنكره في الدنيا مما جاءتك به الرسل حدید؛ أي قوي كامل. وقد بيتهفي كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في سورة الشورى، في الجواب عنما يتوهم من التعارض بين قوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٌّ﴾ [الشورى: ٤٥]، وقوله تعالى: ﴿فَصَرُكَ أَلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] أن المراد بحدة البصر في ذلك اليوم: ١٠٨٢ سورة النمل: الآية (٧٦) كمال العلم وقوة المعرفة. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَقِّهِمْ رَبََّا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ﴾﴾ [السجدة] فقوله: ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾: أي يوم القيامة، يوضح معنى قوله هنا: ﴿بَلِ أَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِ الْآَخِرَةَ﴾، وكقوله تعالى: ﴿وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَفْشَكُمْ أَوَّلَ مَرَّقْ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن ◌َّجْعَلَ لَكُمْ قَوْعِدًا (٨)﴾ [الكهف] فعرضهم على ربهم صفاً يتدارك به علمهم، لما كانوا ينكرونه. وقوله: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ تَجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا﴾ صريح في أنهم في الدنيا كانوا في شك وعمى عن البعث والجزاء كما ترى، إلى غير ذلك من الآيات. واعلم أن قوله: ((بل ادارك)) فيه اثنتا عشرة قراءة اثنتان منها فقط سبعيتان، فقد قرأه عامة السبعة، غير ابن كثير وأبي عمرو: ((بل ادارك)) بكسر اللام من بل وتشديد الدال بعدها ألف والألف التي قبل الدال همزة وصل، وأصله تدارك بوزن: تفاعل. وقد قدمنا وجه الإدغام، واستجلاب همزة الوصل في تفاعل وتفعل وأمثلة ذلك في القرآن، وبعض شواهده العربية في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف: ١١٧]، وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو: بل ((أدرك بسكون)) اللام من بل، وهمزة قطع مفتوحة، مع سكون الدال على وزن: أفعل. والمعنى على قراءة الجمهور: ((بل ادارك علمهم))؛ أي تدارك بمعنى: تكامل. كقوله: ﴿حََّ إِذَا أَذَّارَكُواْ فِيهَا جَميعًا﴾ . وعلى قراءة ابن كثير، وأبي عمرو: بل أدرك قال البغوي: أي بلغ ولحق. كما يقال أدركه علمي إذا لحقه وبلغه، والإضراب في قوله تعالى: ﴿بَلَّ هُمْ فِ شَكٍ مِنْهَا بَلّ هُم مِّنْهَا عَمُونَ﴾ إضراب انتقالي، والظاهر أن ((من)) في قوله تعالى: ﴿بَلَ هُم مِّنْهَا عَمُونَ﴾ بمعنى عن، و((عمون)) جمع عم، وهو الوصف من عمى يعمى فهو أعمى وعم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا عَمِينَ﴾ [الأعراف: ٦٤] وقول زهير في معلقته: وأعلم علم اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غد عم قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرَْانَ يَقُصُّ عَلَى بَنِيِّ إِسْرَوِيلَ أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ فِهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾﴾، ومن ذلك اختلافهم في عيسى، فقد قدمنا في سورة مريم ادعاءهم على أمه الفاحشة، مع أن طائفة منهم آمنت به، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ أَنْصَارَ اللَّهِ كِمَا قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّنَ مَنْ أَنْصَارِيّ إِلَى الَِّّ قَالَ الْحَوَارِيُونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَامَنَت ◌َيِفَةٌ مِّنْ بَنِىَ إِسْرَِّيلَ وَكَفَرَتَ طَيِفَةٌ﴾ [الصف: ١٤] والطائفة التي آمنت قالت الحق في عيسى، والتي كفرت افترت عليه، وعلى أمه. كما تقدم إيضاحه في سورة مريم. وقد قص الله عليهم في سورة مريم وسورة النساء وغيرهما حقيقة عيسى ابن مريم، وهي أنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، ولما بين لهم حقيقة أمره مفصلة في سورة مريم، قال ذلك عيسى ابن مريم: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِى فِيهِ ١٠٨٣ سورة النمل: الآيات (٧٧ - ٨٠) يَمْتَّرُونَ﴾ [مريم: ٣٤]. وذلك يبين بعض ما دل عليه قوله تعالى هنا: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَقُصُّ ٧٦ عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة له في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَدَى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أول سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ﴾ [الكهف: ١]. قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَ وَلَا تُبِعُ الْقَُّّ الدُّعَّةَ إِذَا وَلَّوْ مُدْبِرِينَ اعلم أن التحقيق الذي دلت عليه القرائن القرآنية واستقراء القرآن، أن معنى قوله هنا: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَى﴾ لا يصح فيه من أقوال العلماء، إلا تفسيران: الأول أن المعنى: إنك لا تسمع الموتى؛ أي لا تسمع الكفار، الذين أمات الله قلوبهم، وكتب عليهم الشقاء في سابق علمه إسماع هدى وانتفاع؛ لأن الله كتب عليهم الشقاء، فختم على قلوبهم، وعلى سمعهم، وجعل على قلوبهم الأكنة، وفي آذانهم الوقر، وعلى أبصارهم الغشاوة، فلا يسمعون الحق سماع اهتداء وانتفاع: ومن القرائن القرآنية الدالة على ما ذكرنا أنه - جل وعلا - قال بعده: ﴿إِن تُشْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِعَايَدِنَا فَهُم ◌ُسْلِمُونَ﴾ فاتضح بهذه القرينة أن المعنى: إنك لا تسمع الموتى: أي الكفار الذين هم أشقياء في علم الله إسماع هدى وقبول للحق، ما تسمع ذلك الإسماع، إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون، فمقابلته - جل وعلا - بالإسماع المنفي في الآية عن الموتى بالإسماع المثبت فيها لمن يؤمن بآياته فهو مسلم، دليل واضح على أن المراد بالموت في الآية: موت الكفر والشقاء لا موت مفارقة الروح للبدن، ولو كان المراد بالموت في قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَ﴾ مفارقة الروح للبدن لما قابل قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُشْمِعُ الْمَوْنَى﴾ بقوله: ﴿إِن تُشْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِثَايَتِنَا﴾، بل لقابله بما يناسبه كأن يقال: إن تسمع إلا من لم يمت؛ أي یفارق روحه بدنه كما هو واضح. وإذا علمت أن هذه القرينة القرآنية دلت على أن المراد بالموتى هنا الأشقياء الذين لا يسمعون الحق سماع هدى وقبول. فاعلم أن استقراء القرآن العظيم يدل على هذا المعنى كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ (٣) ﴾ [الأنعام]، وقد أجمع من يعتد به من الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْنَى يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ أهل العلم أن المراد بالموتى في قوله: ﴿وَالْمَوْنَى يَبْعَثُّهُمُ اللّهُ﴾ الكفار، ويدل له مقابلة الموتى في قوله: والموتى يبعثهم الله بالذين يسمعون في قوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] ويوضح ذلك قوله تعالى قبله: ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعَرَاضُهُمْ فَإِنِ أُسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِىَ نَفَقًّا فِى الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِ السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِئَايَةٍ﴾ أي فافعل، ثم قال: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىَّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَهِلِينَ ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونٌ﴾ ١٠٨٤ سورة النمل: الآيات (٧٧ - ٨٠) الآية [الأنعام: ٣٥، ٣٦]، وهذا واضح فيما ذكرنا، ولو كان يراد بالموتى من فارقت أرواحهم أبدانهم لقابل الموتى بما يناسبهم كأن يقال: إنما يستجيب الأحياء؛ أي الذين لم تفارق أرواحهم أبدانهم. وكقوله تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْئًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِ النَّاسِ كَمَن ◌َّثَلُهُ فِ الْقُلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٣٧)﴾ [الأنعام]. فقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيّنًا﴾ أي كافراً، فأحييناه؛ أي بالإيمان والهدى. وهذا لا نزاع فيه، وفيه إطلاق الموت، وإرادة الكفر بلا خلاف. وكقوله: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَبَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَفِرِينَ (٣)﴾. وكقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى اُلْأَحْيَاءُ وَ الْأَمْوَتُ﴾ [فاطر: ٢٢] أي لا يستوي المؤمنون والكافرون. ومن أوضح الأدلة على هذا المعنى أن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَ﴾ الآية. وما في معناها من الآيات كلها، تسلية له وَلّ؛ لأنه يحزنه عدم إيمانهم كما بينه تعالى في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿قَدْ نَعَلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ﴾ ... الآية [الأنعام: ٣٣]. الآية [الحجر]. وقوله : ١٩٧ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيَّهِمْ﴾ ... الآية [الحجر: ٨٨]. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨]، وكقوله تعالى: ﴿فَلَ نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَزَتٍ﴾ الآية [فاطر: ٨]. وقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَى ءَاثَِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾﴾ [الكهف] وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَخٌْ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾﴾ [الشعراء] إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه. ولما كان يحزنه كفرهم، وعدم إيمانهم أنزل الله آيات كثيرة تسلية له وَ﴿ بين له فيها أنه لا قدرة له وير على هدى من أضله الله، فإن الهدى والإضلال بيده - جل وعلا - وحده، وأوضح له أنه نذير، وقد أتى بما عليه فأنذرهم على أكمل الوجوه وأبلغها، وأن هداهم وإضلالهم بيد من خلقهم. ومن الآيات النازلة تسلية له وسل﴿ل قوله هنا: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَ﴾؛ أي لا تسمع من أضله الله إسماع هدى وقبول، ﴿إِن تُتْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِثَايَئِنَا﴾ يعني ما تسمع إسماع هدی وقبول، إلا من هديناهم للإيمان بآياتنا فهم مسلمون. والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة كقوله تعالى: ﴿إِن تَحْرِصِ عَلَى هُدَهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَدِى مَن يُضِلُ﴾ ... الآية [النحل: ٣٧]، وقوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ. لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئَأْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمَّ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِ الدُّنْيَا خِزْقٌّ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١] وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾ الآية [القصص: ٥٦]. وقوله تعالى: ﴿أَفَأَنَتَ تُكْرُهُ النَّاسَ وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ الَهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى (٩٩ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴾﴾ [يونس] إلى غير ذلك من الآيات، ولو كان معنى الآية، وما ١٠٨٥ سورة النمل: الآيات (٧٧ - ٨٠) شابهها: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْبِعُ الْمَوْقَ﴾ أي الذين فارقت أرواحهم أبدانهم لما كان في ذلك تسلية له وَ﴾، كما ترى، واعلم أن آية النمل هذه جاءت آيتان أخريان بمعناها: الأولى منهما: قوله تعالى في سورة الروم: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَ وَلَا تُبِعُ الضَُّ الدُّعَّةَ إِذَا وَلَّوْ مُدْبِينَ ـ) وَمَآ أَنْتَ بِهَدِى الْعُمْىِ عَن ضَلَلَتِهِوَّ إِن تُشْجِعُ إِلَّ مَن يُؤْمِنُ بِنَايَقِنَا فَهُم ٨٠ مُسْلِمُونَ ﴾﴾ ولفظ آية الروم هذه كلفظ آية النمل التي نحن بصددها، فيكفي في بيان آية الروم ما ذكرنا في آية النمل. والثانية منهما: قوله تعالى في سورة فاطر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِعِ مَن فِى الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٣] وآية فاطر هذه كآية النمل والروم المتقدمتين؛ لأن المراد بقوله فيها: ﴿َّن فِ اٌلْقُبُورِ﴾ الموتى، فلا فرق بين قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُنِعُ الْمَوْقَ﴾ وبين قوله: ﴿وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِعِ مَنْ فِى الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] لأن المراد بالموتى ومن في القبور واحد كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِ الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٧] أي يبعث جميع الموتى من قبر منهم ومن لم يقبر، وقد دلت قرائن قرآنية أيضاً على أن معنى آية فاطر هذه كمعنى آية الروم، منها قوله تعالى قبلها: ﴿إِنَّمَا نُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُم بِالْغَيْبٍ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ﴾ ... الآية [فاطر: ١٨]؛ لأن معناها لا ينفع إنذارك إلا من هداه الله ووفقه فصار ممن يخشى ربه بالغيب، ويقيم الصلاة ﴿وَمَآ أَنَتَ بِمُسْيِع ◌َن فِ الْقُبُورِ﴾ ... أي الموتى؛ أي الكفار الذين سبق لهم الشقاء كما تقدم. ومنها قوله تعالى أيضاً: ﴿وَمَا يَسْتَوِىِ الْأَعْمَى وَلْبَصِيرُ ﴾﴾ [فاطر] أي المؤمن والكافر. وقوله تعالى قبلها: ﴿وَمَا يَسْتَوَى الْأَحَّْةُ وَلَ اُلْأَمَوَتُ﴾ [فاطر: ٢٢] أي المؤمنون والكفار. ومنها قوله تعالى بعده: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا [فاطر] أي ليس الإضلال والهدى بيدك ما أنت إلا نذير؛ أي وقد بلغت. نذير التفسير الثاني: هو أن المراد بالموتى الذين ماتوا بالفعل، ولكن المراد بالسماع المنفي في قوله: ﴿إِنَّكَ لَا ◌ُتْمِعُ الْمَوْقَ﴾ خصوص السماع المعتاد الذي ينتفع صاحبه به، وأن هذا مثل ضرب للكفار، والكفار يسمعون الصوت، لكن لا يسمعون سماع قبول بفقه واتباع كما قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّ دُعَّءُ وَنِدَاءً﴾ [البقرة: ١٧١]، فهكذا الموتى الذين ضرب بهم المثل لا يجب أن ينفي عنهم جميع أنواع السماع كما لم ينف ذلك عن الكفار، بل قد انتفى عنهم السماع المعتاد الذي ينتفعون به، وأما سماع آخر فلا، وهذا التفسير الثاني جزم به واقتصر عليه العلامة أبو العباس ابن تيمية كظّفُهُ، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله في هذا المبحث. وهذا التفسير الأخير دلت عليه أيضاً آيات من كتاب الله جاء فيها التصريح بالبكم والصمم والعمى مسنداً إلى قوم يتكلمون ويسمعون ويبصرون، والمراد بصممهم صممهم عن سماع ما ينفعهم، دون غيره، فهم يسمعون غيره، وكذلك في البصر والكلام، ﴾ [البقرة]. فقد قال وذلك كقوله تعالى في المنافقين: ﴿صُّمُ بَكْمُ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ١٠٨٦ - سورة النمل: الآية (٨٣) فيهم صم بكم مع شدة فصاحتهم، وحلاوة ألسنتهم كما صرح به في قوله تعالى فيهم: ﴿وَإِن يَقُولُواْ نَسْمَعْ لِقَوْلِمْ﴾ [المنافقون: ٤] أي لفصاحتهم وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ اٌلْنَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] فهؤلاء الذين إن يقولوا تسمع لقولهم ﴿فَإِذَا ذَهَبَ اَلْنَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَِّنَةٍ حِدَادٍ﴾ هم الذين قال الله فيهم ﴿هُمْ بُكْمُ عُنْىٌ﴾ [البقرة: ١٨] وما ذلك إلا أن صممهم وبكمهم وعماهم بالنسبة إلى شيء خاص، وهو ما ينتفع به من الحق، فهذا وحده هو الذي صموا عنه: فلم يسمعوه، وبكموا عنه فلم ينطقوا به، وعموا عنه فلم يروه، مع أنهم يسمعون غيره ويبصرونه وينطقون به، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْضَرًا وَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَرُهُمْ وَلَّ أَفْئِدَتُهُم ◌ِّن شَىْءٍ﴾ ... الآية [الأحقاف: ٢٦]، وهذا واضح كما ترى. وقد أوضحنا هذا غاية الإيضاح مع شواهده العربية في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، في سورة البقرة في الكلام على وجه الجمع بين قوله في المنافقين: ﴿هُمُّ بُكْمُّ عُنىٌ﴾ [البقرة: ١٨] مع قوله فيهم: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] وقوله فيهم: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلَِّنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] وقوله فيهم أيضاً: ﴿وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِمْ﴾ [المنافقون: ٤]، وقد أوضحنا هناك أن العرب تطلق الصمم وعدم السماع على السماع، الذي لا فائدة فيه، وذكرنا بعض الشواهد العربية على ذلك، وهناك مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة يرجع من أراد الوقوف عليها للأصل. قوله تعالى: ﴿وَبَوْمَ تَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُنَّةٍ فَوْجًا مِّمَن يُكَذِّبُ بِثَايَتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ ظاهر هذه الآية الكريمة خصوص الحشر بهذه الأفواج المكذبة بآيات الله، ولكنه قد دلت آيات كثيرة على عموم الحشر لجميع الخلائق، كقوله تعالى بعد هذا بقليل: ﴿وَكُلُّ أَتَوَّهُ دَاخِرِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَحَتَرْنَهُمْ فَمْ تُغَادِّرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ [الأنعام: ٢٢] وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَآَّةٍ فِ اٌلْأَرْضِ وَلَا طَيٍِّ يَطِيُرُ بِحَنَاحَيْهِ إِلَّ أُّ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِ اَلْكِتَبِ مِن شَّءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) [الأنعام] إلى غير ذلك من الآيات. وقد أوضحنا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في آية النمل هذه في الكلام على وجه الجمع بين قوله تعالى فيها: ﴿وَيَوْمَ تَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ الآية. وبين قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ أَتَوَّهُ دَاخِرِينَ﴾ ونحوها من الآيات، وذكرنا قول الألوسي في تفسيره أن قوله: ﴿وَكُلُّ أَتَوَّهُ دَاخِرِينَ﴾ في الحشر العام لجميع الناس للحساب والجزاء. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ ... الآية. في الحشر الخاص بهذه الأفواج المكذبة، لأجل التوبيخ المنصوص عليه في قوله هنا: ﴿حَّ إِذَا جَاءُو قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِقَايَتِ وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْمًا﴾ الآية. وهذا يدل عليه القرآن كما ترى. وقال بعضهم: هذه الأفواج التي تحشر حشراً خاصاً هي رؤساء أهل الضلال وقادتهم، وعليه فالآية كقوله تعالى: ١٠٨٧ سورة النمل: الآيتان (٨٤ - ٨٥) . ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِيًّاً ﴿٨ ثُمَّ لَنَفِعَ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِنْيَاً (﴾﴾ [مريم] والفوج: الجماعة من الناس. ومنه قوله تعالى: ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اَللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ٢] وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي يرد أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا، ثم يدفعون جميعاً كما قاله غير واحد. قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا جَّءُو قَالَ أَكَذَّبْتُم بِشَايَتِى وَلَوْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْمَا أَمَّاذَا كُمْ تَعْمَلُونَ قال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة أي يسألون عن اعتقادهم وأعمالهم، ومقصوده بسؤالهم عن اعتقادهم قوله تعالى: ﴿أَكَذَّبْتُم بِثَايَتِ﴾؛ لأن التصديق بآيات الله التي هي هذا القرآن؛ من عقائد الإيمان، التي لا بد منها كما هو معلوم في حديث جبريل وغيره، ومقصوده بسؤالهم عن أعمالهم قوله تعالى: ﴿أَمَّاذَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ والسؤال المذكور سؤال توبيخ وتقريع، فقد وبخهم تعالى فيه على فساد الاعتقاد، وفساد الأعمال، والتوبيخ عليهما معاً المذكور هنا جاء مثله في قوله تعالى: ﴿فَلَ صَلَّغَ وَلَا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَقَوَلَّ (4)﴾ [القيامة] كما أشار له ابن كثير تَخَّفُ، فقوله تعالى: ﴿فَلاَ صَلَقَ﴾، وقوله: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ﴾ توبيخ على فساد الاعتقاد. وقوله: ﴿وَلَا صَلَى﴾: توبيخ على إضاعة العمل. قوله تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوّلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمْ لَا يَطِقُونَ ﴾﴾، الظاهر أن القول. الذي وقع عليهم هو كلمة العذاب، كما يوضحه قول تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَنَّيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَئِهَا وَلَكِنْ حَقَّ اُلْقَوْلُ مِنِّى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾﴾ [السجدة] ونحو ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهُمْ لَا يَطِقُونَ﴾، ظاهره أن الكفار لا ينطقون يوم القيامة، كما يفهم ذلك من قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوَمُ لَا يَنَطِقُونَ (٢٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ (٣)﴾ [المرسلات] وقوله تعالى: ﴿وَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيَا وَبَكْمًا فَيَغَنَذِرُونَ وَصُمَّا﴾ ... الآية [الإسراء: ٩٧]، مع أنه بينت آيات أخر من كتاب الله أنهم ينطقون يوم القيامة، ويعتذرون، كقوله تعالى عنهم: ﴿وَلَّهِ رَيَِّ مَا كُنَا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وقوله تعالى عنهم: ﴿فَلْقَوْ اَلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوْمٍ﴾ [النحل: ٢٨] وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ فَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا﴾ ... الآية [السجدة: ١٢]. وقوله تعالى عنهم: ﴿رَبََّا غَلَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمَا ضَاَلِينَ (®) رَبَّنَآَ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ (٣)﴾ [المؤمنون] وقوله تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ يَمَلِكُ﴾ الآية [الزخرف: ٧٧]. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كلامهم يوم القيامة. وقد بينا الجواب عن هذا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في ٣٥) ﴾ [المرسلات] وما سورة المرسلات في الكلام على قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَطِقُونَ ذكرنا من الآيات، فذكرنا أن من أوجه الجواب عن ذلك أن القيامة مواطن، ففي بعضها ١٠٨٨ سورة النمل: الآيات (٨٦ - ٨٨) ينطقون، وفي بعضها لا ينطقون، فإثبات النطق لهم ونفيه عنهم كلاهما منزل حال ووقت، غير حال الآخر ووقته، ومنها أن نطقهم المثبت لهم خاص بما لا فائدة لهم فيه، والنطق المنفي عنهم خاص بما لهم فيه فائدة ومنها غير ذلك، وقد ذكر شيئاً من أجوبة ذلك في الفرقان، وطه والإسراء. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا الَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾﴾، قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الَيْلَ وَالنَّهَارَ ءَايَنَيْنِّ فَحَوْنَاَ ءَايَةَ الَلِ﴾ الآية [الإسراء: ١٢]. قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةٌ وَهِىَ تَمْرُّ مَزَّ السَّحَابِّ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِىّ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ إِنَّهُ خَبِيْرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (﴾﴾. قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً، ويكون في الآية قرينة تدل على بطلان ذلك القول، وذكرنا في ترجمته أيضاً أن من أنواع البيان التي تضمنها الاستلال على المعنى، بكونه هو الغالب في القرآن؛ لأن غلبته فيه، تدل على عدم خروجه من معنى الآية، ومثلنا لجميع ذلك أمثلة متعددة في هذا الكتاب المبارك، والأمران المذكوران من أنواع البيان قد اشتملت عليهما معاً آية النمل هذه. وإيضاح ذلك: أن بعض الناس قد زعم أن قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَهُزُّ مَزَّ السَّحَابِ﴾ يدل على أن الجبال الآن في دار الدنيا يحسبها رائيها جامدة: أي واقفة ساكنة غير متحركة، وهي تمر مر السحاب، ونحوه قول النابغة يصف جيشاً: بأرعن مثل الطود تحسب أنهم وقوف لحاج والركاب تهملج والنوعان المذكوران من أنواع البيان، يبينان عدم صحة هذا القول. أما الأول منهما: وهو وجود القرينة الدالة على عدم صحته، فهو أن قوله تعالى: ﴿وَتَرَىَ الْجِبَالَ﴾ معطوف على قوله: ففزع، وذلك المعطوف عليه مرتب بالفاء على قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَرِعُ مَّن فِ السَّمَوَتِ﴾ .... الآية؛ أي ويوم ينفخ في الصور، فيفزع من في السماوات، وترى الجبال؛ فدلت هذه القرينة القرآنية الواضحة على أن مر الجبال مر السحاب كائن يوم ينفخ في الصور لا الآن. وأما الثاني: وهو كون هذا المعنى هو الغالب في القرآن فواضح؛ لأن جميع الآيات التي فيها حركة الجبال كلها في يوم القيامة، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (١) وَتَسِيرُ اَلْجِبَالُ سَيْرًا ﴾﴾ [الطور] وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] وقوله تعالى: ﴿وَسُتِرَتِ لْجِجَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (9)﴾ [النبأ] وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُِرَتْ [التكوير] وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِىّ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ جاء نحوه في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] وقوله تعالى: ﴿مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوْتٍ﴾ [الملك: ٣] وتسيير الجبال وإيجادها ونصبها قبل تسييرها كل ذلك صنع متقن. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿إِنَّهُ خَيْرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ . ١٠٨٩ سورة النمل: الآية (٨٩) -_- ٤٤ قد قدمنا الآيات التي بمعناه في أول سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلاَ إِنَّهُمْ يَقْتُنَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥]. قوله تعالى: ﴿مَنْ جَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾. اعلم أن الحسنة في هذه الآية الكريمة تشمل نوعين من الحسنات: الأول حسنة، هي فعل خير من أفعال العبد، كالإنفاق في سبيل الله، وبذل النفس والمال في إعلاء كلمة الله، ونحو ذلك معنى قوله تعالى: ﴿فَهُ خَيْرٌ مِّنْهَ﴾ بالنسبة إلى هذا النوع من الحسنات، أن الثواب مضاعف، فهو خير من نفس العمل؛ لأن من أنفق درهماً واحداً في سبيل الله فأعطاه الله ثواب سبعمائة درهم فله عند الله ثواب هو سبعمائة درهم مثلاً، خير من الحسنة التي قدمها التي هي إنفاق درهم واحد، وهذا لا إشکال فيه کما تری. وهذا المعنى توضحه آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَّةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهاً﴾ [الأنعام: ١٦٠]، ومعلوم أن عشر أمثال الحسنة خير منها هي وحدها، وكقوله تعالى: ﴿وَإِن تَكُ ◌َسَنَّةً يُضَعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠] وقوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اَللَّهِ كَمَثَلِ حَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُتْلَةٍ مِّأْئَةُ حَّ وَاللَّهُ يُضَنِفُ لِمَن يَشَآءُ الآية [البقرة]. وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمُ (®َا﴾ ... وأما النوع الثاني من الحسنة: فكقول من قال من أهل العلم: إن المراد بالحسنة في هذه الآية: لا إله إلا الله، ولا يوجد شيء خير من لا إله إلا الله. بل هي أساس الخير كله، والذي يظهر على هذا المعنى أن لفظة: ((خير)) ليست صيغة تفضيل. وأن المعنى فله خير عظيم عند الله حاصل له منها: أي من قِبَلها ومن أجلها، وعليه فلفظة (من)) في الآية كقوله تعالى: ﴿مِّنَا خَطِيْئَِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأَدْخِلُواْ نَارًا﴾ [نوح: ٢٥] أي من أجل خطيئاتهم أغرقوا، فأدخلوا ناراً. وأما على الأول فخير صيغة تفضيل، ويحتمل عندي أن لفظة خير على الوجه الثاني صيغة تفضيل، أيضاً ولا يراد بها تفضيل شيء على لا إله إلا الله، بل المراد أن كلمة لا إله إلا الله تعبد بها العبد في دار الدنيا، وتعبده بها فعله المحض، وقد أثابه الله في الآخرة على تعبده بها، وإثابة الله فعله - جل وعلا -، ولا شك أن فعل الله خير من فعل عبده، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِّنْ فَعَ يَوْمَيِذٍ ◌َامِنُونَ﴾. دلت على معناه آية من كتاب الله كقوله تعالى في أمنهم من الفزع ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَلَقَّلُهُمُ الْمَلَبِكَةُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]. وقوله تعالى في أمنهم ﴿فَأُوْلَكَ لَهُمْ جَزَّهُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِ الْغُرُقَاتِ ءَامِنُونَ﴾. [سبأ: ٣٧]. وقوله تعالى: ﴿أَفَنْ يُلْقَى فِى اَلنَّارِ خَيْرُ أَم مَّن يَأْتِىَّ ◌َامِنَّا يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ الآية [فصلت: ٤٠]. وقوله تعالى: ﴿وَهُم مِّنْ فَعْ يَوْمَيِدٍ﴾ قرأه عاصم، وحمزة، والكسائي بتنوين فزع، وفتح ميم يومئذٍ، وقرأه الباقون بغير تنوين، بل بالإضافة إلى يومئذٍ، إلا أن نافعاً ٠٠ ١٠٩٠ - سورة النمل: الآيات (٩٠ - ٩١) قرأ بفتح ميم يومئذٍ مع إضافة فزع إليه، وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو بإضافة فزع إلى يومئذٍ مع كسر ميم يومئذٍ، وفتح الميم وكسرها من نحو يومئذٍ قد أوضحناه بلغاته وشواهده العربية مع بيان المختار من اللغات في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَسَلَمُّ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾ الآية [مريم: ١٥]. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ ﴾﴾، قال ابن كثير تَلَهُ في تفسير هذه الآية: وقال ابن مسعود، وابن عباس، وأبو هريرة، وأنس بن مالك ظه، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وأبو وائل، وأبو صالح، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، والزهري، والسدي، والضحاك، والحسن، وقتادة، وابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَمَن جَّءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يعني: الشرك، وهذه الآية الكريمة تضمنت أمرين: الأول: أن من جاء ربه يوم القيامة بالسيئة كالشرك يكب وجهه في النار. والثاني: أن السيئة إنما تجزى بمثلها من غير زيادة، وهذان الأمران جاءا موضحين في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في الأول منهما ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَّمَ لَا يَمُوتُ فِيَهَا وَلَا يَحْيَى (٨)﴾ [طه] وكقوله تعالى في الثاني منهما: ﴿وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [القصص: ٨٤] وقوله تعالى: ﴿جَزَآءُ وِفَاقًا (٣)﴾ [النبأ). وإذا علمت أن السيئات لا تضاعف، فاعلم أن السيئة قد تعظم فيعظم جزاؤها بسبب حرمة المكان كقوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَكَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] أو حرمة الزمان كقوله تعالى في الأشهر الحرم: ﴿فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيِهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]. وقد دلت آيات من كتاب الله أن العذاب يعظم بسبب عظم الإنسان المخالف، كقوله تعالى في نبينا وَّ: ﴿وَلَوْلَا أَنْ نَبَّنْشَكَ لَقَدْ كِدتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٣) إِذَا لَّأَذَقْنَكَ ضِعْفَ الْحَيَوَةِ وَضِعْفَ اٌلْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٤، ٧٥] وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَقَوَلَ عَلَيْنَا بَعْضَِ آلْأَقَاوِيلِ (٤٤) ) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِلْيَمِينِ ٥ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (@)﴾ [الحاقة]، وكقوله تعالى في أزواجه وَالطيار : ﴿َنِسَآءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَحِشَةٍ مُبِّنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنٍ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٠]، وقد قدمنا طرفاً من الكلام على هذا في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِذَا لَّأَذَقْتَكَ ضِعْفَ الْحَيَوَةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٥] مع تفسير الآية، ومضاعفة السيئة المشار إليها في هاتين الآيتين، إن كانت بسببٍ عظم الذنب، حتى صار في عظمه كذنبين، فلا إشكال، وإن كانت مضاعفة جزاء السيئة كانت هاتان الآيتان مخصصتين للآيات المصرحة بأن السيئة لا تجزى إلا بمثلها، والجميع محتمل، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِّرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾. جاء معناه موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿قُلْ كَأَيُهَا النَّاسُ إِن كُمْ فِ شَكٍ مِّن دِيِ فَلَآ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اَلَّهِ ١٠٩١ سورة القصص: الآية (٥) وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِى يَتَوَقَّكُمْ﴾ الآية [يونس: ١٠٤]. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِى أَطْعَمَهُم مِّن جُوعِ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ﴾﴾ [قريش] إلى غير ذلك من الآيات. وَأَنْ أَتْلُواْ الْقُرْءَانَّ﴾ . ٩٦ قوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُنَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قد قدمنا الآيات التي فيها زيادة إيضاح لقوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلِمٌ﴾ ... الآية. وقد قدمنا الآيات الموضحة لقوله تعالى هنا: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَاْ اُلْقُرْءَانِّ﴾ في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَتْلُ مَا أُوْجِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابٍ رَبِّكٌ﴾ ... الآية [الكهف: ٢٧]. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَاْ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ . جاء معناه مبيناً في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَغُ وَعَلَيْنَا اُلْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلُ﴾ [هود: ١٢] وقوله [الذاريات] إلى غير ذلك من الآيات. ٥٤ تعالى: ﴿فَوَلَ عَنْهُمْ فَمَآ أَنْتَ بِعَلُومٍ قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمَّدُ لِلَّهِ سَيُرِيِّكُمْ ءَايَتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾، جاء معناه في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿سَيِرِيِهِمْ ءَايَِنَا فِ الْأَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾ [فصلت: ٥٣]. قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبِّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ . جاء معناه موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَ اللَّهَ غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ ﴾﴾ [إبراهيم] إلى غير ذلك من الآيات. وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم: ((عما تعملون)) بتاء الخطاب، وقرأ الباقون ((عما يعملون)) بياء الغيبة. براسه الرحمن الرحيم سورة القصص قوله تعالى: ﴿وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ فِىِ الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَبِعَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِئِينَ ﴾﴾، قد قدمنا أن قوله هنا: ﴿وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ﴾ هو الكلمة في قوله تعالى: ﴿وَثَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِّ إِسْرَِّيلَ﴾ ... الآية [الأعراف: ١٣٧]، ولم يبين هنا السبب الذي جعلهم به أئمة جمع إمام، أي قادة في الخير، دعاة إليه على أظهر القولين. ولم يبين هنا أيضاً الشيء الذي جعلهم وارثيه، ولكنه تعالى بين جميع ذلك في غير هذا الموضع، فبين السبب الذي جعلهم به أئمة في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ١٠٩٢ سورة القصص: الآيات (٨ - ٢٩) ®﴾ [السجدة] فالصبر واليقين، مِنْهُمْ أَبِعَّةُ يَهْدُونَ بِأَتِنَا لَمَا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِشَايَئِنَا يُوقِنُونَ هما السبب في ذلك، وبين الشيء الذي جعلهم له وارثين بقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا﴾ ... الآية [الأعراف: ١٣٧]. وقوله وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيَهَا فَكِهِينَ تعالى: ﴿كَمْ تَرَّكُوْ مِنْ جَّتٍ وَعُونٍ ﴿ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ( W كَذَلِكٌ وَأَوْرَثْنَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ (﴾﴾ [الدخان]، وقوله تعالى: ﴿فَأْخْرَحْنَهُم مِّنْ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ ٥٧ وَكُنُزٍ وَمَقَامٍ كَرِبِرٍ ﴿﴿ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَهَا بَنِىّ إِسْرَوِيلَ (®﴾ [الشعراء]. قوله تعالى: ﴿فَلْنَقَطَهُ: ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَتِكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾. اعلم أن التحقيق - إن شاء الله -، أن اللام في قوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَأَ﴾ لام التعليل المعروفة بلام كي، وذلك على سبيل الحقيقة لا المجاز، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلََّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]. وإيضاح ذلك أن قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] صريح في أن الله تعالى يصرف مشيئة العبد وقدرته بمشيئته - جل وعلا -، إلى ما سبق به علمه، وقد صرف مشيئة فرعون وقومه بمشيئته - جل وعلا -، إلى التقاطهم موسى؛ ليجعله لهم عدواً وحزناً، فكأنه يقول: قدرنا عليهم التقاطه بمشيئتنا ليكون لهم عدواً وحزناً، وهذا معنى واضح، لا لبس فيه ولا إشكال كما ترى. وقال ابن كثير تَغْفُ في تفسير هذه الآية: ولكن إذا نظر إلى معنى السياق، فإنه تبقى اللام للتعليل؛ لأن معناه: أن الله تعالى قيضهم لالتقاطه، ليجعله عدواً لهم وحزناً، فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه، انتهى محل الغرض من كلامه، وهذا المعنى هو التحقيق في الآية إن شاء الله تعالى، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَلَّمُونَ إِلَّآ أَنْ يَشَآءَ الَهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] كما بينا وجهه آنفاً. وقد أفاض الشيخ في الجوانب البيانية المتعلقة بالآية. فليرجع من أراد الوقوف إلى الأصل. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿إِنَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوْ خَطِعِينَ﴾ أي مرتكبين الخطيئة التي هي الذنب العظيم كقوله تعالى: ﴿مِّمَا خَطِيَّنِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَارًا﴾ [نوح: ٢٥] وقوله تعالى: ﴿بَلَ مَن كَسَبَ سَيِّئَةُ وَأَخَطَتْ بِهِ خَطِيْئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١]. ومن إطلاق الخاطئ على المذنب العاصي. قوله تعالى: ﴿وَلَا طَعَامُّ إِلَّ مِنْ غِسْلِينِ ﴿ لَّا يَأَكْلُهُ إِلَّ الْخَطِئُونَ (٧)﴾ [الحاقة]. وقوله تعالى: ﴿نَصِيَةٍ كَذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (13)﴾ [العلق]. وقوله: ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِعِينَ﴾ [يوسف: ٢٩] والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ أَمْكُواْ إِنّ ◌َانَسْتُ نَارًا﴾. قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في سورة مريم. واعلم أنا ربما تركنا كثيراً من الآيات التي تقدم إيضاحها من غير إحالة عليها لكثرة ما تقدم إيضاحه. ١٠٩٣ سورة القصص: الآيات (٤٢ - ٨٨) ٤٢ قوله تعالى: ﴿وَأَتْبَعْنَهُمْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا لَغْنَةٌ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ ما ذكره - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة من إتباعه اللعنة لفرعون وجنوده، بينه أيضاً في سورة هود بقوله فيهم: ﴿وَأُتْبِعُواْ فِ هَذِهِ، لَغَنَةً وَيَوْمَ الْقِيَمَةُ بِئْسَ الْرِفْدُ الْمَرْفُودُ (@)﴾ [هود]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ قال الزمخشري أي من المطرودين المبعدين، ولا يخفى أن المقبوحين اسم مفعول قبحه إذا صيره قبيحاً، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءٍ وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ ٥٦) ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن نبيه وَلقول لا يهدي من أحب هدايته، ولكنه - جل وعلا - هو الذي يهدي من يشاء هداه، وهو أعلم بالمهتدين. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُ﴾ ... الآية [النحل: ٣٧]. وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اَللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: ٤١] إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه. وقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ﴾ جاء معناه موضحاً في آيات كثيرة كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْظَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ [النجم: ٣٠] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِةٍ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [الأنعام] والآيات بمثل ذلك كثيرة، وقد أوضحنا سابقاً أن الهدى المنفي عنه وَ لّ في قوله تعالى هنا: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾ هو هدى التوفيق؛ لأن التوفيق؛ بيد الله وحده، وأن الهدى المثبت له وَر في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] هو هدى الدلالة على الحق والإرشاد إليه، ونزول قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحَْيْتَ﴾ في أبي طالب مشهور معروف. قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوَاْ أَنْ يُلْقَىَ إِلَيْكَ الْكِتَبُ إِلَّا رَحْمَةُ مِّنْ زَّيِّكٌَ﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنَزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ﴾ ... الآية [الكهف: ١]. قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَةٌ﴾. كقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانِ ﴿ وَيَبقَى وَجْهُ رَيِِّكَ ذُو الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ (٣)﴾ [الرحمن]، والوجه من الصفات التي يجب الإيمان بها مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق، كما أوضحناه في سورة الأعراف وفي غيرها . قوله تعالى: ﴿لَهُ لْحُكْرُ وَإِلَيْهِ تُبْحَعُونَ﴾، قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِ حُكْمِهِ: أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦]، وقد تركنا ذكر إحالات كثيرة في سورة القصص هذه. ١٠٩٤ سورة العنكبوت: الآيات (١ - ٨) براسه الرحمن الرحيم سورة العنكبوت قوله تعالى: ﴿الّ ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَّكُواْ أَنْ يَقُولُوْاْ ءَامَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ٢ قد قدمنا الكلام على الحروف المقطعة مستوفىّ في أول سورة هود، والاستفهام في قوله: أحسب الناس للإنكار. والمعنى أن الناس لا يتركون دون فتنة، أي ابتلاء واختبار؛ لأجل قولهم: آمنا، بل إذا قالوا آمنا فتنوا؛ أي امتحنوا واختبروا بأنواع الابتلاء، حتى يتبين بذلك الابتلاء الصادق في قوله آمنا من غير الصادق. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء مبيناً في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ اُلْجَنََّةَ وَلَمَّا يَأْتِّكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهٍُّ مَتَى نَصْرُ اَللَّهُ أَلَّ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ [البقرة] وقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنْكُمْ قَرِہبُ (﴿يَا وَيَعْلَمَ الصَّبِينَ (٣٤)﴾ [آل عمران] وقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ مِنْكُزْ وَالصَّبِينَ ﴾﴾ [محمد] وقوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ أَللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى وَنَبْلُواْ أَخْبَارَكُمْ يَمِيزَ الْخِيثَ مِنَ الطَّيِّبٍ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. وقوله تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِىَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. وقوله تعالى: ﴿أَمَّ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَّكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ، وَلَا ﴾ [التوبة]، إلى غير ذلك من الآيات، وقد أشار الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةٌ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (فَ) تعالى إلى ذلك بقوله هنا: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ﴾ . وقد بينت السنة الثابتة أن هذا الابتلاء المذكور في هذه الآية يبتلى به المؤمنون على قدر ما عندهم من الإيمان، كقوله ◌َله: ((أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل)». قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَأْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ قد قدمنا الآيات الموضحة له. قوله تعالى: ﴿وَوَضَّيْنَا الْإِسَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنًّاً﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. ١٠٩٥ سورة العنكبوت: الآيات (١٠ - ١٥). قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوزِىَ فِ اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابٍ اللَّهِ﴾. يعني: أن من الناس من يقول: آمنا بالله بلسانه، فإذا أوذي في الله؛ أي آذاه الكفار إيذاءهم للمسلمين جعل فتنة الناس صارفة له عن الدين إلى الردة، والعياذ بالله، كعذاب الله فإنه صارف رادع عن الكفر والمعاصي. ومعنى فتنة الناس: الأذى الذي يصيبه من الكفار ؟ وإيذاء الكفار للمؤمنين من أنواع الابتلاء الذي هو الفتنة، وهذا قال به غير واحد. وعليه، فمعنى الآية الكريمة كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيَّرُّ الْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصَابَنَّهُ فِئْنَهُ أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ اُلْمُبِينُ (١)﴾ [الحج]. الآية قوله تعالى: ﴿وَلَيِن جَءَ نَصْرٌ مِّن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة، أن المنافقين الذين يقولون: آمنا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم، إذا حصل للمسلمين من الكفار أذىّ وهم معهم، جعلوا فتنة الناس؛ أي أذاهم، كعذاب الله، وأنه إن جاء نصر من الله لعباده المؤمنين، فنصرهم على الكفار، وهزموهم وغنموا منهم الغنائم. قال أولئك المنافقون: ألم نكن معكم؛ يعنون أنهم مع المؤمنين، ومن جملتهم، يريدون أخذ نصيبهم من الغنائم. وهذا المعنى، جاء في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحُ مِّنَ اَللَّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ تَعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَفِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمَّ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعَّكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَّيْبَطََّةٌ فَإِنَ أَصَبَتَّكُ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعُمَ اَللَّهُ عَلَىَ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا ﴿ وَلَبِنْ أَصَبَّكُمْ فَضْلُ مِّنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ, مَوَدَّةٌ يَلَيْتَنِ كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا [النساء]. وقد قدّمنا طرفاً من هذا في سورة النساء. وقد بيّن تعالى أنهم كاذبون في قولهم: إنا كنا معكم، وبين أنه عالم بما تخفي صدورهم من الكفر والنفاق بقوله: ﴿أَوَ لَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ الْعَلَّمِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَِّعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَيَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾، قد قدمنا الآيات الموضحة له، وزيادة إيضاحها من السنة الصحيحة في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةُ يَوْمَ الْقِيَمَةٌ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ ﴾﴾ [النحل). قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَهُ وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْتَهَاَ ءَايَةً لِلْعَلَمِينَ ﴾﴾، تقدم إيضاحه في هود وغيرها . وقوله تعالى هنا: ﴿وَجَعَلْنَهَاَ ءَايَةً لِلْعَلَمِينَ﴾ يعني سفينة نوح كقوله تعالى: ﴿وَءَايَّةٌ لَُّمْ أَنَّا حَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴿ وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَّكَبُونَ (49)﴾ [يس]، ونحو ذلك من الآيات. ١٠٩٦ سورة العنكبوت: الآيات (١٧ - ٣١) قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَأَبْتَغُواْ عِنْدَ اللَّهِ اَلْرِزْفَ وَأَعْبُدُوهُ﴾، قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَوَيِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ [النحل]، وفي سورة الفرقان. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا أَّخُذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَا قَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِىِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا لَكُم مِّن نَّصِرِينَ﴾، قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف في الكلام، على قوله تعالى: ﴿حٌَّ إِذَا أَدَّارَكُواْ فِيهَا جَميعًا قَالَتْ أُخْرَهُمْ لِأُولَئِهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءٍ أَضَلُونَا﴾ [الأعراف: ٣٨]. وفي سورة الفرقان وغير ذلك. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِ ذُرِيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِنَبَ﴾، الضمير في قوله: ((ذَرّيته)) راجع إلى إبراهيم. والمعنى، أنّ الأنبياء والمرسلين الذين أنزلت عليهم الكتب، بعد إبراهيم كلهم من ذرية إبراهيم، وما ذكره هنا عن إبراهيم، ذكر في سورة الحديد: أن نوحاً مشترك معه فيه؛ وذلك واضح لأن إبراهيم من ذرية نوح مع أن بعض الأنبياء من ذرية نوح، دون إبراهيم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَهِيَمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَبِّ﴾ [الحديد: ٢٦]. قوله تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَهُ أَجْرَهُ فِ الذُّنْيَا وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِينَ﴾ ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة: أنه أتى إبراهيم أجره؛ أي جزاء عمله في الدنيا، وإنه في الآخرة أيضاً من الصالحين. وقال بعض أهل العلم: المراد بأجره في الدنيا: الثناء الحسن عليه في دار الدنيا من جميع أهل الملل على اختلافهم، إلى كفار ومؤمنين. والثناء الحسن المذكور، هو لسان الصدق في قوله: ﴿وَأَجْعَل لِى لِسَانَ صِدْقٍ فِ آلْأَخِينَ ﴾ [الشعراء]، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٠]. وقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِى الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠]، لا يخفى أن الصلاح في الدنيا يظهر بالأعمال الحسنة، وسائر الطاعات، وأنه في الآخرة يظهر بالجزاء الحسن، وقد أثنى الله في هذه الآية الكريمة على نبيه إبراهيم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام -، وقد أثنى على إبراهيم أيضاً في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَبْتَلَّ إِرَهِعَ رَبُّهُ بِكَلِمَةٍ فَأَتَّمَّهُنِّ قَالَ إِّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] وقوله تعالى: ﴿وَإِبْرَهِيمَ الَّذِى وَقَ (19)﴾ [النجم]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ اْمُشْرِكِينَ (٣٥) شَاكِرًا لِأَنْعُمِّةٍ أَجْتَبَهُ وَهَدَنَهُ إِلَى صِرٍَ مُسْتَقِيمِ وَءَاتَيْنَهُ فِ الدُّنْيَا حَسَنَّةٌ وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ لَيِنَ الصَّلِحِينَ (٣)﴾ [النحل). قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَهِمَ بِالْبُشْرَىْ قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُواْ أَهْلِ هَذِهِ اٌلْقَرْبَةٌ﴾. قد قدّمنا إيضاحه في سورة هود، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَجَتَّهُ الْبُشْرَى يُحَدِلْنَا فِ قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]. ١٠٩٧ سورة العنكبوت: الآيات. (٣٣ - ٤٠) قوله تعالى: ﴿وَلَمَّآ أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾ إلى قوله: ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة له، مع بعض الشواهد، في سورة هود في الكلام على قصة لوط، وفي سورة الحجر. قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَذْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ إلى قوله: ﴿فِ دَارِهِمْ جَثِمِينَ﴾، تقدّم إيضاحه في سورة الأعراف، في الكلام على قصته مع قومه، وفي الشعراء أيضاً .. قوله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَا وَقَد تَبَّنَ لَكُمْ مِن مَّسَكِنِهِمْ وَزَقَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَنُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ ﴿ وَقَرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَنٌ وَلَقَدْ جَآءَهُم مُوسَى ◌ِلَمِنَتِ فَلْتَكْبَرُواْ فِ اْأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَبِقِينَ ﴿﴿ فَكُلَّ أَخَذْنَا بِذَتْبِهِ، فَمِنْهُم ◌َّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم ◌َنْ أَغْرَقْنَا﴾، الظاهر أن قوله: ((وعاداً)) مفعول به، لأهلكنا مقدرة، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٧٨]، أي: أهلكنا مدين بالرجفة، وأهلكنا عاداً، ويدل للإهلاك المذكور، قوله بعده: ﴿وَقَد تَبَّبَ لَكُم مِّن مَّسَكِنِهِمْ﴾ أي هي خالية منهم لإهلاكهم. وقوله: بعده أيضاً ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَئِهِ﴾ . وقد أشار - جلّ وعلا - في هذه الآيات الكريمة، إلى إهلاك عاد، وثمود، وقارون، وفرعون، وهامان، ثم صرح بأنه أخذ كلا منهم بذنبه، ثم فصل على سبيل ما يسمى في البديع باللف والنشر المرتب، أسباب إهلاكهم فقال: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾، وهي الريح يعني: عاداً، بدليل قوله: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأَهْلِكُواْ بِرِيج صَرْصَرٍ عَاِيَةٍ ﴾﴾ [الحاقة]. وقوله: ﴿وَفِ عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَتَّهِمُ الْرِيحَ اَلْعَقِيَ (﴾﴾ [الذاريات]، ونحو ذلك من الآيات. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم ◌َنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ يعني ثمود؛ بدليل قوله كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْ فِيهَاً تعالى فيهم: ﴿وَخَذَ اٌلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَرِهِمْ جَثِمِينَ أَلَا إِنَّ ثَمُودَأْ كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِّشَمُودَ (4)﴾ [هود]. وقوله: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ يعني قارون؛ بدليل قوله تعالى فيه ﴿فَسَفْنَا بِهِ، وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١]. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ يعني فرعون، وهامان، بدليل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (٣)﴾ [الشعراء]، ونحو ذلك من الآيات. والأظهر في قوله في هذه الآية: ﴿وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ﴾، أن استبصارهم المذكور هنا بالنسبة إلى الحياة الدنيا خاصة، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَِهِرًا مِّنَ الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُرْ غَفِلُونَ ﴾﴾ [الروم]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَّمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَا فِ أَصْحَبِ السَّعِيرِ ﴾﴾ [الملك]، ونحو ذلك من الآيات. وقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ سَبِقِينَ﴾، كقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَّ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١)﴾ . قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ آَمَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ أَتَّخَذَتْ بَيْئًّ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُونْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ ١٠٩٨ - - سورة العنكبوت: الآيات (٤١ - ٥٦) مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَاَ إِلَّا الْعَلِمُونَ ﴾﴾، قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ ... الآية [الأعراف: ١٧٦]. وفي مواضع أخر. قوله تعالى: ﴿أَتْلُ مَّ أُوْجِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَتْلُ مَّا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابٍ رَبِّكٌ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهِ﴾ ... الآية [الكهف: ٢٧]. قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةٌ إِنَ الضَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِّ﴾، قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةَ﴾ الآية [البقرة: ٤٥]. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَدِلُواْ أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّ بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ . قد قدمنا إيضاحه، وتفسير ﴿إِلَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ في آخر سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [النحل: ١٢٥]. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمَّ إِنَ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةٌ وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الكهف، وفي آخر سورة طه في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِم بِيِّنَهُ مَا فِ الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [طه: ١٣٣]، وغير ذلك. قوله تعالى: ﴿وَسْتَعْجِلُونَكَ بِْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَنَّى لََّّةَ هُ الْعَذَابُّ وَلَأْنِيَهُ بَغْنَةً وَهُمْ لَا ٥٤ يَسْتَعْبِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِينَ يَشْعُرُونَ قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَا عِندِى مَا تَسْتَعِْلُونَ بِّ﴾ [الأنعام: ٥٧]، وفي سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنُ بِّهَ ءَالْكَنَ وَقَدْ كُمْ بِهِ، تَسْتَعْجِلُونَ ﴾﴾ [يونس]، وفي سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعِْلُونَكَ بِالسَّيِئَةِ قَبْلَ اُلْحَسَنَةِ﴾ ... الآية [الرعد: ٦]. قوله تعالى: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ أَرْضِ وَسِعَةٌ فَإِنََّىَ فَأَعْبُدُونِ ٥٦ نادى الله - جلّ وعلا - عباده المؤمنين، وأكد لهم أن أرضه واسعة، وأمرهم أن يعبدوه وحده دون غيره، كما دل عليه تقديم المعمول الذي هو إياي، كما بيناه في ﴾ [الفاتحة]. الكلام على قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ والمعنى: أنهم إن كانوا في أرض لا يقدرون فيها على إقامة دينهم، أو يصيبهم فيها أذى الكفار، فإن أرض ربهم واسعة، فليهاجروا إلى موضع منها يقدرون فيه على إقامة دينهم، ويسلمون فيه من أذى الكفار، كما فعل رسول الله و لر والمسلمون. وهذا المعنى، الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء في آيات أخر، كقوله ١٠٩٩ سورة العنكبوت: الآيات (٥٨ - ٦٧) ٠٫٠٠ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيَ كُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِ الْأَرْضِّ قَالُواْ أَلَم تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةً فَنُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]، وقوله تعالى: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَلَى الصَِّرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوَّتِ﴾. جاء معناه موضحاً في آيات أخر، كقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَابِقَةُ الْوِّتَّ وَإِنَّمَا تُوَقَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (4)﴾ [الرحمن]. وقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّ وَجْهَمْ﴾ [القصص: ٨٨]. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَنُوَّتَّنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ . قد قدمنا معنى وعملوا الصالحات، موضحاً في أول سورة الكهف، وقدمنا معنى لنبوئنهم في سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَأْنَا لِإِبْزَهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ ... الآية [الحج: ٢٦]. وذكرنا الآيات التي ذكرت فيها الغرف في آخر الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ اُلْغُرْفَةَ﴾ ... الآية [الفرقان: ٧٥]. قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِّن دَابَةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة: أن كثيراً من الدواب التي لا تحمل رزقها لضعفها، أنه هو - جلّ وعلا - يرزقها، وأوضح هذا المعنى، في قوله تعالى: ﴿﴿ وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْنَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلُّ فِي كِتَبٍ مُّبِينٍ ﴾﴾ [هود]. قوله تعالى: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ إلى قوله ﴿قُلِ اُلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ . قد قدمنا الآيات الموضحة له غاية الإيضاح في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَحِكِبُواْ فِىِ الْفُلْكِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلْذِينَ فَلَمَا نَجَدُهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل، في الكلام على ١٦٥ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْغُّرُ فِى الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّهُ﴾ إلى قوله ﴿يَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٧ - ٦٩]، وفي مواضع أخر. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَمِنَا وَيُتَخَطّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ ... الآية امتن الله - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة، على قريش، بأنه جعل لهم حرماً آمنا؛ يعني حرم مكة، فهم آمنون فيه على أموالهم، ودمائهم، والناس الخارجون عن الحرم، يتخطفون قتلاً وأسراً. وهذا المعنى، الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، جاء مبيناً في آيات أخر كقوله تعالى في القصص: ﴿وَقَالُواْ إِن تَشَّبِعِ الْمُدَى مَعَكَ تُنَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَاْ أَوَلَمْ ثُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ١١٠٠ سورة الروم: الآيتان (٦ - ٧) ءَمِنًا﴾ ... الآية [القصص: ٥٧]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَمُ كَانَ ءَامِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَمًا لِلنَّاسِ﴾ ... الآية [المائدة: ٩٧]. وقوله تعالى: ﴿ فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ﴿ الَّذِىّ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعِ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ﴾﴾ [قريش] قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِنَا لَنَهْدِيَّهُمْ سُبُلَنَاً﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة: أنّ الذين جاهدوا فيه، أنّه يهديهم إلى سبل الخير والرشاد، وأقسم على ذلك بدليل اللام في قوله: ((لنهدینھم)). وهذا المعنى، جاء مبيناً في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أُهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدَّى﴾ [محمد: ١٧]. وقوله تعالى: ﴿فَمَّا أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَّا﴾ الآية [التوبة: ١٢٤]. كما تقدم إيضاحه. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قد قدمنا إيضاحه في آخر سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللََّ مَعَ الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم تُحْسِنُونَ (٣٨)﴾ [النحل]. باسم الرحمن الرحيم سورة الروم قوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اَللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿﴿ يَعْلَمُونَ ◌َِهِرًا مِّنَ الْخَوَةِ الذُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾، مصدر مؤكد لنفسه؛ لأن قوله قبله: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَعُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ هو نفس الوعد كما لا يخفى، أي وعد الله ذلك وعداً. وقد ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أربعة أمور: الأول: أنه لا يخلف وعده. والثاني: أنّ أكثر الناس وهم الكفار لا يعلمون. والثالث: أنهم يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا. والرابع: أنّهم غافلون عن الآخرة. وهذه الأمور الأربعة جاءت موضحة في غير هذا الموضع : أما الأول منها: وهو كونه لا يخلف وعده، فقد جاء في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ اَلْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]. وقد بيّن تعالى أنّ وعيده للكفار لا يخلف أيضاً في آيات من كتابه كقوله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخْصِمُواْ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ مَا يُكَّلُ اُلْقَوْلُ لَدَىَّ﴾ [ق: ٢٨، ٢٩].