النص المفهرس

صفحات 1061-1080

١٠٦١
سورة الشعراء: الآيات (١٠ - ١٤) -
وقد أوضحنا في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك أن إحياء الأرض بعد
موتها، وإنبات النبات فيها بعد عدمه، من البراهين القاطعة على بعث الناس بعد الموت.
، وقد أوضحنا دلالة الآيات القرآنية على ذلك في سورة البقرة في الكلام على قوله
تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِىِ خَلَقَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءٍ فَأَخَجَ بِهِ،
مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١ - ٢٢] وفي أول سورة النحل في الكلام على قوله
تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَءَ لَّكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُشِيمُونَ ﴿ يُنْبِتُ
لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَبَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾ ... الآية [النحل: ١٠، ١١].
:
﴾.
قَوْمَ فِرْعَوْنَّ أَلَا يَنَّقُونَ
١٠٠
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبِّكَ مُوسَى أَنِ أَثْتِ اٌلْقَوْمَ الظَّلِينَ
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنَدَيْنَهُ
مِن ◌ََّانِبِ الُْورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّْنَهُ نَّا ﴾﴾ [مريم].
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِّ أَغَافُ أَنْ يُكَذِبُونِ
وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنَطَلِّقُ لِسَانِ﴾ .
قوله تعالى في هذه الآية الكريمة عن نبيه موسى - عليه وعلى نبينا الصلاة
والسَّلام - ﴿إِّ أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ أي بسبب أني قتلت منهم نفساً، وفررت منهم لما
خفت أن يقتلوني بالقتيل الذي قتلته منهم، ويوضح هذا المعنى الترتيب بالفاء في قوله
تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (®)﴾ [القصص]؛ لأن من يخاف
القتل فهو يتوقع التكذيب، وقوله: ﴿وَلَا يَطَلِقُ لِسَانِ﴾؛ أي من أجل العقدة المذكورة في
قوله تعالى عن موسى: ﴿وَأَحْلُلْ عُقْدَةً مِّنِ لِّسَانِ ) يَفْقَهُواْ قَوْلِ (٣٨)﴾ [طه] قدمنا في الكلام
على آية طه هذه بعض الآيات الدالة على ما يتعلق بهذا المبحث.
قوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَرُونَ﴾، قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم
(2)﴾ [مريم].
في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَئِنَآَ أَخَاهُ هَرُونَ نِّيَّأَ
قوله تعالى عن نبيه موسى: ﴿وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَتْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ﴾﴾، لم يبين هنا
هذا الذنب الذي لهم عليه الذي يخاف منهم أن يقتلوه بسببه، وقد بين في غير هذا
الموضع أن الذنب المذكور هو قتله لصاحبهم القبطي، فقد صرح تعالى بالقتل المذكور
(٣)﴾ [القصص] فقوله:
في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ
﴿قَثَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا﴾ مفسر لقوله: ﴿وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنْبٌ﴾؛ ولذا رتب بالفاء على كل واحد
منهما، قوله: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ وقد أوضح تعالى قصة قتل موسى له بقوله في
القصص: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِهَا رَجُلَيْنِ يَفْتَئِلَانِ هَذَا مِن شِيَعَتِهِ.
وَهَذَا مِنْ عَدُوْفٍ فَأَسْتَغَنَّهُ الَّذِى مِن شِيعَتِهِ، عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ، فَوَكَزَمُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:
١٥] وقوله: ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ أي قتله، وذلك هو الذنب المذكور في آية الشعراء هذه.
وقد بين تعالى أنه غفر لنبيه موسى ذلك الذنب المذكور، وذلك في قوله تعالى:
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّيِ ظَلَمْتُ نَفْسِى فَأَغْفِرْ لِ فَغَفَرَ لَمْ﴾ ... الآية [القصص: ١٦].

١٠٦٢
سورة الشعراء: الآيات (١٥ - ٢٠)
. . قوله تعالى: ﴿قَالَ كَلَّا فَأَذْهَبَا ◌ِشَّايَئِنَّ إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ ﴾﴾، صيغة الجمع في
قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ للتعظيم، وما ذكره - جل وعلا - في هذه الآية من رده على
موسى خوفه القتل من فرعون وقومه، بحرف الزجر الذي هو كلا، وأمره أن يذهب هو
وأخوه بآياته مبيناً لهما أن الله معهم؛ أي وهي معية خاصة بالنصر والتأييد، وأنه مستمع
لكل ما يقول لهم فرعون، أوضحه أيضاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿قَالَ لَا
تَخَافَآَ إِنَِّى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾﴾ [طه]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ
وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَاْ بِثَايَتِنَّأُ أَنْتُمَا وَمَنِ أَتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣)﴾ [القصص] ..
قوله تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوَّنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾، قد قدمنا الآيات
الموضحة له في سورة مريم وطه، وبينا في سورة طه في الكلام على قوله تعالى:
﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] وجه تثنيته الرسول في طه، وإفراده هنا في الشعراء
مع شواهده العربية.
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَمَّ نُرَبِّكَ فِنَا وَلِدًا﴾، تربية فرعون لموسى هذه التي ذكرها له
هي التي ذكر مبدؤها في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِيِ وَلَكَّ لَا نَقْتُلُوهُ
عَسَىّ أَنْ يَنفَعَنَآَ. أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًّا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾﴾ [القصص] وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ
عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى وَلِنُصْنَعَ عَلَى عَيْنِىّ﴾ ... الآية [طه: ٣٩].
قوله تعالى في كلام فرعون لموسى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِى فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ
اَلْكَفِرِينَ (®﴾، أبهم - جل وعلا - هذه الفعلة التي فعلها لتعبيره عنها بالاسم المبهم
الذي هو الموصول في قوله: ((التي فعلت))، وقد أوضحها في آيات أخر، وبين أن
الفعلة المذكورة هي قتله نفساً منهم كقوله تعالى: ﴿فَوَّكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:
١٥]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبٍّ إِنِّى قَثَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا﴾ ... الآية [القصص: ٣٣]. وقوله عن
الإسرائيلي الذي استغاث بموسى مرتين ﴿قَالَ يَمُوسَى أَتْرِدُ أَن تَفْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِّ
إِن تُرِيدُ إِلَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِى الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٩].
وأظهر الأقوال عندي في معنى قوله: وأنت من الكافرين: أن المراد به كفر النعمة،
يعني أنعمنا عليك بتربيتنا إياك صغيراً، وإحساننا إليك تتقلب في نعمتنا فكفرت نعمتنا،
وقابلت إحساننا بالإساءة لقتلك نفساً منا، وباقي الأقوال تركناه؛ لأن هذا أظهرها عندنا .
وقال بعض أهل العلم: رد موسى على فرعون امتنانه عليه بالتربية بقوله: ﴿وَتِلْكَ
نِعْمَةُ تَمُهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدَتَّ بَنِىّ إِسْرَِّيَ ﴿3﴾ يعني تعبيدك لقومي، وإهانتك لهم لا يعتبر معه
إحسانك إليّ لأني رجل واحد منهم، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿قَالَ فَعَلْنُهَا إِذَا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (®﴾. أي قال موسى مجيباً لفرعون:
فعلتها إذاً؛ أي إذ فعلتها وأنا في ذلك الحين من الضالين؛ أي قبل أن يوحي الله إلي،
ويبعثني رسولاً، وهذا هو التحقيق إن شاء الله في معنى الآية.

١٠٦٣
سورة الشعراء: الآيات (١٥ - ٢٠) .
وقول من قال من أهل العلم: وأنا من الضالين، أي من الجاهلين، راجع إلى ما
ذكرنا؛ لأنه بالنسبة إلى ما علمه الله من الوحي يعتبر قبله جاهلاً؛ أي غير عالم بما
أوحى الله إليه.
وقد بينا مراراً في هذا الكتاب المبارك أن لفظ الضلال يطلق في القرآن وفي اللغة
العربية ثلاثة إطلاقات:
الإطلاق الأول: يطلق الضلال مراداً به الذهاب عن حقيقة الشيء. فتقول العرب
في كل من ذهب عن علم حقيقة شيء: ضل عنه، وهذا الضلال ذهاب عن علم شيء
ما، وليس من الضلال في الدين.
ومن هذا المعنى قوله هنا: ﴿وَنَأْ مِنَ الضَّآلِينَ﴾ أي من الذاهبين عن علم حقيقة.
العلوم، والأسرار التي لا تعلم إلا عن طريق الوحي؛ لأني في ذلك الوقت لم يوح إلي
ومنه على التحقيق ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى (٣)﴾ [الضحى] أي ذاهباً عما علمك من العلوم
التي لا تدرك إلا بالوحي.
ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِ فِ كِتَبٍ لَّا يَضِلُ رَبِّ وَلَا
يَنْسَى (63)﴾ [طه] فقوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّ﴾ أي لا يذهب عنه علم شيء كائناً ما كان،
وقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا
فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرى﴾ [البقرة: ٢٨٢] فقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَهُمَا﴾؛ أي تذهب عن علم
حقيقة المشهود به بدليل قوله بعده: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرَى﴾، وقوله تعالى عن أولاد
يعقوب: ﴿إِنَّ أَبَّنَا لَفِى ضَلَلٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٨] وقوله: ﴿قَالُواْ ثَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَلِكَ
اُلْقَدِيمِ ﴾﴾ [يوسف] على التحقيق في ذلك كله. ومن هذا المعنى قول الشاعر:
وتظن سلمى أنني أبغي بها
بدلاً أراها في الضلال تهيم
والإطلاق الثاني: وهو المشهور في اللغة وفي القرآن، هو إطلاق الضلال على
الذهاب عن طريق الإيمان إلى الكفر، وعن طريق الحق إلى الباطل، وعن طريق الجنة
إلى النار، ومنه قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾ [الفاتحة: ٧].
والإطلاق الثالث: هو إطلاق الضلال على الغيبوبة والاضمحلال، تقول العرب:
ضل الشيء؛ إذا غاب واضمحل، ومنه قولهم: ضل السمن في الطعام، إذا غاب فيه
واضمحل، ولأجل هذا سمت العرب الدفن في القبر إضلالاً؛ لأن المدفون تأكله
الأرض فیغيب فيها ويضمحل.
ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَهِذَا ضَلَلْنَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ ... الآية [السجدة:
١٠]، يعنون إذا دفنوا وأكلتهم الأرض، فضلوا فيها؛ أي غابوا فيها واضمحلوا.
ومن إطلاقهم الإضلال على الدفن، قول نابغة ذبيان يرثي النعمان بن الحرث بن
أبي شمر الغساني:

١٠٦٤
سورة الشعراء: الآيات (٢١ - ٢٣)
فما فى حياة بعد موتك طائل
فإن تحیی لا أملك حياتي وإن تمت
وغودر بالجولان حزم ونائل
فآب مضلوه بعين جلية
وقول المخبل السعدي يرثي قيس بن عاصم:
وفارسها في الدهر قيس بن عاصم .
أضلت بنو قيس بن سعد عميدها
فقول الذبياني: فآب مضلوه: يعني فرجع دافنوه، وقول السعدي: أضلت أي دفنت.
ومن إطلاق الضلال أيضاً على الغيبة والاضمحلال قول الأخطل:
كنت القذى في موج أكدر مزيد
قذف الأتي به فضل ضلالاً
وقول الآخر:
ألم تأل فتخبرك الديار
عن النحي المضلل أين ساروا
وزعم بعض أهل العلم: أن الضلال إطلاقاً رابعاً: قال: ويطلق أيضاً على المحبة
قال: ومنه قوله: ﴿قَالُواْ نَّاللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَلِكَ اُلْقَدِيمِ (٥)﴾ [يوسف] قال: أي في حبك
القديم ليوسف، قال ومنه قول الشاعر:
هذا الضلال أشاب مني المفرقا
والعارضين ولم أكن متحققا
:
بعد الضلال فحبلها قد أخلقا
عجباً لعزة في اختيار قطيعتي
وزعم أيضاً أن منه قوله: ﴿وَوَجِدَكَ ضَالًا﴾ [الضحى: ٧] قال: أي محباً للهداية
فهداك، ولا يخفى سقوط هذا القول. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى عن نبيه موسى: ﴿فَفَرَّرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾. خوفه منهم هذا الذي ذكر
هنا أنه سبب لفراره منهم، قد أوضحه تعالى وبين سببه في قوله: ﴿وَجَآءُ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَا
الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَمُوسَىَ إِنَ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوَكَ فَأَخْرُجُ إِ لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ
فَجَ
مِنْهَا خَبِفًا يَتَرَقَّبِّ قَالَ رَبِّ لنَِّى مِنَ الْقَوْمِ النََّاْلِمِينَ ﴾﴾ [القصص] وبين خوفه المذكور بقوله
تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِ الْمَدِيْنَةِ خَبِفًا يَتَّقَبُ﴾ ... الآية [القصص: ١٨].
قوله تعالى: ﴿فَوَهَبَ لِ رَبِ حُكْمًا وَحُعَلَنِى مِنَ الْمُرْسَلِنَّ﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة
لابتداء رسالته المذكورة هنا في سورة مريم وغيرها، وقوله: ﴿فَوَهَبَ لِ رَبِ حُكْمًا﴾ قال
بعضهم: الحكم هنا هو النبوة، وممن يروى عنه ذلك: السدي.
والأظهر عندي أن الحكم هو العلم النافع الذي علمه الله إياه بالوحي، والعلم
عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ (٣). ظاهر هذه الآية الكريمة أن
فرعون لا يعلم شيئاً عن رب العالمين، وكذلك قوله تعالى عنه: ﴿قَالَ فَمَنْ رَّبُّكُمَا
يَمُوسَى (٣)﴾ [طه] وقوله: ﴿مَا عَلِّمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَّهٍ غَيْىِ﴾ [القصص: ٣٨] وقوله: ﴿لَيْنِ
أَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِىِ لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾. ولكن الله - جل وعلا - بين أن سؤال فرعون

١٠٦٥
سورة الشعراء: الآيات (٣٠ - ١٠٠).
في قوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ وقوله: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يَمُوسَى﴾ تجاهل عارف أنه عبد مربوب
لرب العالمين بقوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَؤُلَاءٍ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ
وَإِنِى لَأَظُنُكَ يَنِفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (٣)﴾ [الإسراء] وقوله تعالى في فرعون وقومه: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا
وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَمْ﴾ [النمل: ١٤].
وقد أوضحنا هذا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا
الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] وفي سورة طه في الكلام على قوله تعالى:
)﴾ [طه].
٤٩
﴿قَالَ فَمَنْ رَّبُّكُمَا يَمُوسَى
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُبِينٍ ﴿ قَالَ فَأَتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ ﴿ فَأَلْقَى
عَصَاهُ ... ﴾ إلى آخر القصة. قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في سورة طه، والأعراف.
قوله تعالى: ﴿وَأَثْلُ عَلَيْهِمْ نَبَّأَ إِبْرَهِيمَ ﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ ﴿٨) قَالُواْ
نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُ لَا عَكِفِينَ ﴾﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾. قد قدمنا الآيات
الموضحة له في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فِ اٌلْكِتَبِ إِبْرَهِيمٌ﴾ ...
الآيات [مريم: ٤١].
قوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ ﴿ وَحُ إِبْلِيْسَ أَجْمَعُونَ (9)﴾. قد قدمنا الآيات
الموضحة له في مواضع من هذا الكتاب المبارك في سورة بني إسرائيل، في الكلام
على قوله تعالى: ﴿قَالَ أَذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَآءُ مَّوْفُورًا (١٣)﴾.
[الإسراء] وفي الحجر في الكلام على قوله تعالى:
سَبْعَ
٤٣)
لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ
﴿وَإِنّ
أَبْوَبٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ تَقْسُومُ ﴾﴾ [الحجر].
بِرَبِ الْعَلَمِينَ
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيَهَا يَخْتَصِمُونَ ﴿٨ تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِىِ ضَلٍ مُّبِينٍ ﴿٨) إِذْ نُوِّيِكُمْ
(4). ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن أهل النار يختصمون فيها جاء
موضحاً في مواضع أخر من كتاب الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُّقْنَحِمٌ مَعَكُمْ لَا
مَرْحَبًا بِهِمَّ إِنَّهُمْ صَالُواْ النَّارِ ﴿ قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌ
تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ﴾﴾ [ص: ٥٩ - ٦٤].
وقد قدمنا إيضاح هذا بالآيات القرآنية في سورة الأعراف في الكلام على
قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا أَدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَنَّهُمْ لِأُولَئُهُمْ رَبَّنَ هَؤُلَاءِ أَضَلُونَا فَاتِهِمْ عَذَابًا
ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] وفي سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ
الَّذِينَ أَتُّبِعُوا﴾ ... الآية [البقرة: ١٦٦]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قَالَّهِ إِن كُنَّا
لَفِى ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴿ إِذْ تُسَوِيَكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾، قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول
سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١].
قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَفِعِينَ (®﴾. قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة في
الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ﴾ ... الآية [البقرة: ٤٨]. وفي سورة الأعراف
في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَمَ فَيَشْفَعُواْ لَنَا﴾ .... الآية [الأعراف: ٥٣].

١٠٦٦
سورة الشعراء: الآيات (١٠٢ - ١١٧)
قوله تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةٌ فَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (®)﴾. دلت هذه الآية الكريمة على
أمرين :
الأول منهما أن الكفار يوم القيامة، يتمنون الرد إلى الدنيا؛ لأن «لو)» في قوله
هنا: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا﴾ للتمني، والكرة هنا: الرجعة إلى الدنيا. وأنهم زعموا أنهم إن ردوا
إلى الدنيا كانوا من المؤمنين المصدقين للرسل فيما جاءت به، وهذان الأمران قد قدمنا
الآيات الموضحة لكل واحد منهما.
أما تمنيهم الرجوع إلى الدنيا فقد أوضحناه بالآيات القرآنية في سورة الأعراف في
الكلام على قوله تعالى: ﴿أَوْ نُرَدُّ فَتَعَمَلَ غَيْرَ أَلَّذِى كُنَّا نَعْمَلٌ﴾ [الأعراف: ٥٣] وأما زعمهم
أنهم إن ردوا إلى الدنيا آمنوا، فقد بينا الآيات الموضحة له في الأعراف في الكلام
على الآية المذكورة، وفي الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ
عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].
10)﴾. قد قدمنا الكلام عليها في سورة
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوجِ الْمُرْسَلِينَ
الحج، وفي غيرها، وتكلمنا على قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى
رَبِّ الْعَلَمِينَ (5) في قصة نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب. وبينا الآيات
الموضحة لذلك في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ لَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ
مَالَا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اَللَّهِ﴾ [هود: ٢٩].
قوله تعالى: ﴿﴿ قَالُواْ أَنُوْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (19)﴾. قد قدمنا الكلام عليه في
سورة هود في الكلام على قوله تعالى عن قوم نوح: ﴿وَمَا نَئِكَ أَبَعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ
أَرَذِلْنَا﴾ [هود: ٢٧].
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْ بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (13)﴾. قد قدمنا ما يدل عليه من القرآن في سورة
هود في الكلام على قوله تعالى عن نوح: ﴿وَمَآ أَنَأْ يِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّهُم مُلَقُواْ رَبِهِمْ وَلَكِنِّ
﴿ وَقَوْمِ مَن يَنصُرُنِ مِنَ اللَّهِ إِن ◌َتُهُمْ﴾ ... الآية [هود: ٢٩، ٣٠].
أَرَئِكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ
وأوضحناه بالآيات القرآنية في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا
تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَمٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ
الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢] وفي سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ
مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِلْغَدَوَةِ وَالْمَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَمٌ﴾ [الكهف: ٢٨].
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِى كَّبُونِ (٣٧) فَأَفْتَحْ بَيْنِ وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَِّى وَمَنْ فَعِىَ مِنَ
فَأَجَيْنَهُ وَمَنْ مَعَهُ فِىِ الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴿٧ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ اٌلْبَاقِينَ
اُلْمُؤْمِنِينَ
قوله تعالى هنا عن نوح: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِى كَّبُنِ (٣٧)﴾ أوضحه في غير هذا
الموضع كقوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِّ دَعَوْتُ قَوْبِى لَيْلًا وَنَهَرًّا (٥٦َ فَمْ يَزِدْهُمْ دُعَِّىّ إِلَّا فِرَارًا ﴾ وَإِنِ كُلَّمَا
دَعَوْنُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَنِعَهُمْ فِيَّ ءَاذَانِهِمْ وَأَسْتَغْشَوْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَاُسْتَكْبَرُواْ أُسْتِكْبَارًا (٣)﴾ [نوح]

١٠٦٧
سورة الشعراء: الآيات (١٠٢ - ١١٧).
وقوله هنا: ﴿فَأُفْتَحْ بَيْنِ وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ أي احكم بيني وبينهم حكماً، وهذا الحكم الذي
سأل ربه إياه هو إهلاك الكفار، وإنجاؤه هو ومن آمن معه، كما أوضحه تعالى في آيات
أخر كقوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ, أَنِى مَغْلُوبٌ فَأَنَصِرْ ﴾﴾ [القمر] وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُحُ رَّدٍّ لَا
نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِينَ دَيَّارًا (٣)﴾ [نوح] إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله هنا عن نوح: ﴿وَحِى وَمَن مَّعِىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قد بين في آيات كثيرة أنه أجاب
دعاءه هذا كقوله هنا ﴿فَنََّهُ وَمَن مَّعَهُ فِىِ الْفُلْكِ اٌلْمَشْحُونِ (٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَهُ
وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ﴾ ... الآية [العنكبوت: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَثْنَا نُوحُ فَلَنِعْمَ
الْمُجِيبُونَ ﴿ وَتَيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (®﴾ [الصافات]، والآيات بمثل ذلك كثيرة.
وقوله هنا: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ اَلْبَاقِينَ (٣)﴾ جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى:
﴿فَأَخَذَهُمُ اُلُوفَاتُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنبكوت: ١٤] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخَطِبْنِ فِى الَّذِينَ
ظَلَمُوَأْ إِنَّهُم مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧] إلى غير ذلك من الآيات، والمشحون: المملوء، ومنه
قول عبيد بن الأبرص:
شحنا أرضهم بالخيل حتى
تركناهم أذل من الصراط
والفلك: يطلق على الواحد والجمع، فإن أطلق على الواحد جاز تذكيره كقوله
هنا: ﴿فِ اٌلْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ وإن جمع أنث، والمراد بالفلك هنا السفينة، كما صرح
تعالى بذلك في قوله: ﴿فَأَيْنَهُ وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ﴾ ... الآية [العنبكوت: ١٥].
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَبُ لَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾. قال أكثر أهل العلم: إن
أصحاب الأيكة هم مدين. قال ابن كثير: وهو الصحيح، وعليه فتكون هذه الآية بينتها
الآيات الموضحة قصة شعيب مع مدين، ومما استدل به أهل هذا القول أنه قال هنا
A وَلَا
لأصحاب الأيكة: ﴿أَوْفُواْ الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُخْسِرِينَ ﴿٨َ وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيِ
تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْ فِ اَلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣)﴾ وهذا الكلام ذكر الله عنه أنه قاله
لمدين في مواضع متعددة كقوله في هود: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبَأْ قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ
اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بِنَةٌ مِنْ رَّبِّكُمٌّ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ
وَلَا نَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُواْ فِ اُلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَاْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن
[هود] إلى غير ذلك من الآيات.
٨٥)
كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ
وقد قدمنا في سورة الأعراف قولنا: فإن قيل: الهلاك الذي أصاب قوم شعيب
ذكر الله - جل وعلا - في الأعراف أنه رجفة، وذكر في هود أنه صيحة، وذكر في
الشعراء أنه عذاب يوم الظلة.
فالجواب ما قاله ابن كثير كَذْتُ في تفسيره، قال: وقد اجتمع علیهم ذلك كله؛
أصابهم عذاب يوم الظلة، وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم، ثم
جاءتهم صيحة من السماء، ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم فزهقت الأرواح،
وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام، انتهى.
٠
ـت

١٠٦٨ -
سورة الشعراء: الآيات (١٨٤ - ١٩٥)
وعلى القول بأن شعيباً أرسل إلى أمتين: مدين وأصحاب الأيكة، وأن مدين
ليسوا هم أصحاب الأيكة فلا إشكال. وقد جاء ذلك في حديث ضعيف عن عبد الله بن
عمرو، وممن روي عنه هذا القول: قتادة، وعكرمة، وإسحاق بن بشر.
وقد قدمنا بعض الآيات الموضحة لهذا في سورة الحجر في الكلام على قوله
﴿ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الحجر: ٧٨، ٧٩]، وأوضحنا
تعالى: ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَبُ الْأَيْكَةِ لَظَلِينَ
هنالك أن نافعاً، وابن عامر، وابن كثير قرأوا ليكة في سورة الشعراء، وسورة ﴿صَّ﴾
بلام مفتوحة أول الكلمة، وتاء مفتوحة آخرها من غير همز. ولا تعريف على أنه اسم
للقرية غير منصرف، وأن الباقين قرأوا: ((الأيكة)) بالتعريف، والهمز وكسر التاء، وأن
الجميع اتفقوا على ذلك في ق والحجر. وأوضحنا هنالك توجيه القراءتين في الشعراء
و﴿صَّّ﴾ ومعنى الأيكة في اللغة مع بعض الشواهد العربية.
﴾. الجبلة الخلق ومنه قوله
قوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالِْلَّةَ الْأَوَّلِينَ
تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًا كَثِيرًا﴾ وقد استدل بآية ﴿يس ﴾﴾ [يس] المذكورة على
آية الشعراء هذه: ابن زيد، نقله عنها ابن كثير. ومن ذلك قول الشاعر:
والموت أعظم حادث
مما يمر على الجبلة
﴿ نَزَلَ بِهِ الرُُّعُ الْأَمِينُ (٣) عَلَى قَلْكَ لِتَكُونَ مِنَ
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَنَنْزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ
المُنذِرینَ
بِسَانٍ عَرَبٍ مُبِينٍ (9)﴾. أكد - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن هذا
القرآن العظيم تنزيل رب العالمين، وأنه نزل به الروح الأمين الذي هو جبريل على قلب
نبينا - صلى الله عليهما وسلم -، ليكون من المنذرين به، وأنه نزل عليه بلسان عربي
مبين، وما ذكره - جل وعلا - هنا أوضحه في غير هذا الموضع. أما كون هذا القرآن
تنزيل رب العالمين: فقد أوضحه - جل وعلا - في آيات من كتابه كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ
تَنْزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ
لَقُرْءَانٌ كَرِمٌ ﴿َ فِ كِنَبٍ تَكْتُنٍ ﴿٨َ لَا يَمَشُدُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
وَلَ بِقَوْلِ كَِنْ قَلِيلًا مَّا
٤١
[الواقعة] وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا نُؤْمِنُونَ
مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ اَلْقُرْءَانَ
٣٠
نَذَكَّرُونَ ﴿٨ نَزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِینَ(@)﴾ [الحاقة] وقوله تعالى: ﴿طه
لِتَشْقَقِ ﴿﴿ إِلَّا نَذْكِرَةُ لِّمَنْ يَخْشَى ٣ تَزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَتِ الْعُلَى (ج)﴾ [طه] وقوله
تعالى: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾﴾ [الزمر] وقوله: ﴿حمّ (+ تَنزِيلٌ مِّنَ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ كِنَبُ فُصِلَتْ ءَايَتُهُ قُزْءَانًا عَرَبِيًّا﴾ [فصلت: ١ - ٣]. وقوله تعالى: ﴿يسّ
وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ
إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ جَ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ تَزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ
لِنُنذِرَ قَوْمَا قَآ أُنْذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَفِلُونَ ﴾﴾ [يس] والآيات بمثل ذلك كثيرة، وقوله:
(٣)﴾ بينه أيضاً في غير هذا الموضع كقوله: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا
﴿فَزَّلَ بِهِ اُلُُّعُ الْأَمِينُ
لِجِبْرِيلَ فَإِنَُّ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ الَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]. وقوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ أي نزل
به عليك لأجل أن تكون من المنذرين به، جاء مبيناً في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿الّصّ

١٠٦٩
سورة الشعراء: الآيات (١٩٨ - ٢٠١) -
كِتَبْ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِ صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِنُنذِرَ بِهِ﴾ [الأعراف: ١، ٢]، أي أنزل
إليك لتنذر به، وقوله تعالى: ﴿تَزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ @َ لِنُنذِرَ قَوْمَا مَّا أُنْذِرَ ءَابَاؤُهُمْ﴾ [يس:
٥، ٦]. وقوله: ﴿بِسَانٍ عَرَدٍ مُبِينٍ (٣٥)﴾ ذكره أيضاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى:
﴿لِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِيٌّ قُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] وقوله
تعالى: ﴿كِنَبُّ فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾ [فصلت: ٣].
وقد بينا معنى اللسان العربي بشواهده في سورة النحل في الكلام على قوله
تعالى: ﴿وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِىٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] وقد أوضحنا معنى إنزال جبريل
القرآن على قلبه وهي﴿ بالآيات القرآنية في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ
مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَمُ عَلَ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧].
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ
فَقَرَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُواْ بِ
٩٨
مُؤْمِنِينَ ()﴾. قد قدمنا هذه الآية الكريمة، مع ما يوضحها من الآيات في النحل في
الكلام على قوله تعالى: ﴿لِّسَاثُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ﴾ ... الآية [النحل: ١٠٣].
واعلم أن كل صوت غير عربي تسميه العرب أعجم، ولو من غير عاقل، ومنه
قول حميد بن ثور يذكر صوت حمامة:
فلم أر مثلي شاقه صوت مثلها
ولا عربياً شاقه صوت أعجما
قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَهُ فِ قُلُوبٍ اُلْمُجْرِمِنَ ﴿ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ، حَّ يَرَوَأ الْعَذَابَ
اُلْأَلِيمَ ﴾﴾، قوله: سلكناه؛ أي أدخلناه كما قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية،
والشواهد العربية في سورة هود، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْنَا أُحِلْ فِيهَا مِن كُلٍ
زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ... الآية [هود: ٤٠]، والضمير في سلكناه قيل: للقرآن، وهو الأظهر،
وقيل، للتكذيب والكفر المذكور في قوله: ﴿مَّا كَانُواْ بِهِ، مُؤْمِنِينَ﴾، وهؤلاء الكفار
الذين ذكر الله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنهم لا يؤمنون حتى يروا العذاب
الأليم: هم الذين حقت عليهم كلمة العذاب، وسبق في علم الله: أنهم أشقياء كما يدل
لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَيِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ٨٦ وَلَوْ جَمَتْهُمْ كُلُّ
ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوَّأْ الْعَذَابَ الْأَلِيَمَ ﴾﴾ [يونس] وقد أوضحنا شدة تعنت هؤلاء، وأنهم لا
يؤمنون بالآيات في سورة الفرقان وفي سورة بني إسرائيل وغيرهما. وقوله: ﴿كَذَلِكَ
سَلَكْنَهُ﴾ نعت لمصدر محذوف؛ أي كذلك السلك أي الإدخال. سلكناه: أي أدخلناه
في قلوب المجرمين، وإيضاحه على أنه القرآن أن الله أنزله على رجل عربي فصيح
بلسان عربي مبين، فسمعوه وفهموه لأنه بلغتهم، ودخلت معانيه في قلوبهم، ولكنهم لم
يؤمنوا به؛ لأن كلمة العذاب حقت عليهم، وعلى أن الضمير في سلكناه للكفر
والتكذيب فقوله عنهم ﴿مَّا كَانُواْ بِهِ، مُؤْمِنِينَ﴾ يدل على إدخال الكفر والتكذيب في
قلوبهم، أي كذلك السلك سلكناه إلخ.

١٠٧٠ -
ـيـ
سورة الشعراء: الآيات (٢٠٣ - ٢١٢)
قوله تعالى: ﴿فَيَقُولُوْ هَلْ نَحْنُ مُنْظُرُونَ (2)﴾. لفظة ((هل)) هنا يراد بها التمني، والآية
تدل على أنهم تمنوا التأخير والإنظار؛ أي الإمهال، وقد دلت آيات أخر على طلبهم
ذلك صريحاً، وأنهم لم يجابوا إلى ما طلبوا، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْنِهِمُ
الْعَذَابُ فَيَقُلُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ مُحِبْ دَعْوَتَكَ وَشَّيِعِ الرُّسُلُّ أَوَلَمْ تَكُونُواْ
أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالِ ﴾﴾ [إبراهيم] وأوضح أنهم لا ينظرون في آيات من
كتابه كقوله تعالى: ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٠] وقوله تعالى:
﴿وَمَا كَانُواْ إِذَا مُنظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨] إلى غير ذلك من الآيات.
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة
قوله تعالى: ﴿أَفَعَذَاِنَا يَسْتَعِْلُونَ
الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعِْلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ ... الآية [الرعد:
٦]، وذكرنا طرفاً منه في سورة ﴿يُونُسَ﴾ في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَهَيْتُمْ إِنْ
) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنْتُمْ بِّهِ ءَالْكَنَ وَقَدْ
أَتَنَكُمْ عَذَابُهُ بَيَتَّا أَوْ نَهَارًاً مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ
كُم بِهِ، تَسْتَعْجِلُونَ
(٥) ﴾ [يونس].
قوله تعالى: ﴿أَفَرَعَيْتَ إِن مَّتَّعْنَهُمْ سِنِينَ ﴿٦َ ثُرَ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ ﴿َ مَآ أَغْفَى
عَنْهُم مَا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ (4)﴾. قد قدمنا إيضاحه في سورة البقرة في الكلام على قوله
تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَتَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْرِجِهِ، مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرُّ﴾ [البقرة: ٩٦].
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٣)﴾. قد قدمنا إيضاحه بالآيات
القرآنية في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَقَّى نَبْعَثَ
رَسُولًا ﴾
قوله تعالى: ﴿ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَلِمِينَ
قد قدمنا الآيات الدالة عليه كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ
النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾﴾ [يونس: ٤٤] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن
[النساء] إلى غير ذلك من الآيات،
تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنَّهُ أَجْرًا عَظِيمًا
وقوله: ذكرى أعربه بعضهم مرفوعاً، على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي هذه ذكرى،
وأعربه بعضهم منصوباً، وفي إعرابه على أنه منصوب أوجه:
منها أنه ما ناب عن المطلق من قوله: منذرون لأن أنذر وذكر متقاربان.
ومنها أنه مفعول من أجله؛ أي منذرون من أجل الذكرى بمعنى التذكرة.
ومنها أنها حال من الضمير في منذرون؛ أي ينذرونهم في حال كونهم ذوي تذكرة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ
(٨) وَحَفِظُنَهَا﴾ الآية [الحجر: ١٦، ١٧].
جَعَلْنَا فِى السَّمَآءِ بُرُوجًا وَزَبَّنَهَا لِلنَّظِرِينَ

١٠٧١
سورة الشعراء: الآيات (٢١٣ _ ٢١٥).
قوله تعالى: ﴿فَلَ نَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٣)﴾. قد أوضحنا في
سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْهُومًا
تَخْذُولًا (٣)﴾ [الإسراء: ٢٢] بالدليل القرآني أن النبي غير يخاطب بمثل هذا الخطاب، والمراد
التشريع لأمته مع بعض الشوهد العربية، وقوله هنا ﴿فَلَ نَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ ... الآية.
جاء معناه في آيات كثيرة كقوله: ﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَآخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا تَّخْذُولًا
٢٣
[الإسراء]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ فَتُلْقَى فِى جَهَنَّمَ مَلُوْمًا مَّدْحُورًا﴾ [الإسراء:
٣٩]، وقوله تعالى: ﴿لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَِّنَ ﴾﴾. هذا الأمر في هذه الآية الكريمة
بإنذاره خصوص عشيرته الأقربين، لا ينافي الأمر بالإنذار العام، كما دلت على ذلك
الآيات القرآنية كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا
[الفرقان]، وقوله تعالى: ﴿وَأُوْحِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأَنذِرَكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقوله
تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ، قَوْمًا لَّذَّ﴾ [مريم: ٩٧] والآيات بمثل ذلك كثيرة.
(١٥)﴾. قد قدمنا الآيات
قوله تعالى: ﴿وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ أَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِينَ
الموضحة له في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِىِ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ
وَيُحِبُّونَهُوَ أَِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] وفي الحجر في الكلام على قوله
تعالى: ﴿وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] وقد وعدنا في سورة بني إسرائيل في
الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبِّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [الإسراء: ٢٣]
بأنا نوضح معنى خفض الجناح، وإضافته إلى الذل في سورة الشعراء في هذا الموضع،
وهذا وفاؤنا بذلك الوعد، ويكفينا في الوفاء به أن ننقل كلامنا في رسالتنا المسماة:
((منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز)).
فقد قلنا فيها ما نصه: والجواب عن قوله تعالى: ﴿وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾
[الإسراء: ٢٤] أن الجناح هنا مستعمل في حقيقته؛ لأن الجناح يطلق لغة حقيقة على يد
الإنسان وعضده وإبطه. قال تعالى: ﴿وَأَضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص: ٣٢]،
والخفض مستعمل في معناه الحقيقي، الذي هو ضد الرفع؛ لأن مريد البطش يرفع
جناحيه، ومظهر الذل والتواضع يخفض جناحيه، فالأمر بخفض الجناح للوالدين كناية
عن لين الجانب لهما والتواضع لهما، كما قال لنبيه وَله ﴿وَأَخْفِضْ جَنَامَكَ لِمَنْ أَنَّعَكَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ ﴾، وإطلاق العرب خفض الجناح كناية عن التواضع، ولين الجانب:
أسلوب معروف، ومنه قول الشاعر :
وأنت الشهير بخفض الجنا
ح فلا تك في رفعه أجدلا
وأما إضافة الجناح إلى الذل، فلا تستلزم المجاز كما يظنه كثير؛ لأن الإضافة فيه
كالإضافة في قولك: حاتم الجود.

١٠٧٢ -
سورة الشعراء: الآيات (٢١٣ - ٢١٥)
فيكون المعنى: واخفض لهما الجناح الذليل من الرحمة، أو الذلول على قراءة
الذل بالكسر، وما يذكر عن أبي تمام من أنه لما قال :!
صب قد استعذبت ماء بكائي
لا تسقني ماء الملام فإنني
جاءه رجل فقال له: صب لي في هذا الإناء شيئاً من ماء الملام، فقال له: إن
أتيتني بريشة من جناح الذل صيبت لك شيئاً من ماء الملام، فلا حجة فيه؛ لأن الآية لا
يراد بها أن للذل جناحاً، وإنما يراد بها خفض الجناح المتصف بالذل للوالدين من
الرحمة بهما، وغاية ما في ذلك إضافة الموصوف إلى صفته كحاتم الجود، ونظيره في
القرآن الإضافة في قوله: ﴿مَطَرَ السَّوْءٍ﴾ [الفرقان: ٤٠] ﴿عَذَابَ أَلْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣] أي
مطر حجارة السجيل الموصوف بسوء من وقع عليه، وعذاب أهل النار الموصوف بهون
من وقع عليه. والمسوغ لإضافة خصوص الجناح إلى الذل مع أن الذل من صفة
الإنسان لا من صفة خصوص الجناح، أن خفض الجناح كنِّي به عن ذل الإنسان،
وتواضعه ولين جانبه لوالديه رحمة بهما، وإسناد صفات الذات لبعض أجزائها من
أساليب اللغة العربية، كإسناد الكذب والخطيئة إلى الناصية في قوله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَذِبَةٍ
خَاطِئَةٍ (13)﴾ [العلق]، وكإسناد الخشوع والعمل والنصب إلى الوجوه في قوله تعالى:
﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ خَشِعَةُ ﴿ عَمِلَةٌ نَصِبَةٌ ﴾﴾ [الغاشية]، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن وفي
كلام العرب. وهذا هو الظاهر في معنى الآية، ويدل عليه كلام السلف من المفسرين.
وقال العلامة ابن القيم تَخْفُ في الصواعق: إن معنى إضافة الجناح إلى الذل أن
للذل جناحاً معنوياً يناسبه لا جناح ريش. والله تعالى أعلم، انتهى. وفيه إيضاح معنى
خفض الجناح.
والتحقيق أن إضافة الجناح إلى الذل من إضافة الموصوف إلى صفته كما
أوضحنا. والعلم عند الله تعالى. وقال الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله تعالى:
﴿لِمَنِ أَنَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فإن قلت: المتبعون للرسول هم المؤمنون، والمؤمنون هم
المتبعون للرسول، فما قوله: ﴿لِمَنِ أَنَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِينَ﴾؟.
قلت: فيه وجهان؛ أن يسميهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين، لمشارفتهم ذلك،
وأن يريد بالمؤمنين المصدقين بألسنتهم وهم صنفان: صنف صدق واتبع رسول الله (والده
فيما جاء به، وصنف لم يوجد منهم إلا التصديق فحسب، ثم إما أن يكونوا منافقين أو
فاسقين، والمنافق والفاسق، لا يخفض لهما الجناح.
والمعنى: المؤمنين من عشيرتك وغيرهم، أي أنذر قومك، فإن اتبعوك وأطاعوك
فاخفض لهم جناحك، وإن عصوك ولم يتبعوك فتبرأ منهم ومن أعمالهم من الشرك بالله
وغيره، انتهى منه.
والأظهر عندي في قوله: ﴿لِمَنِ أَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنه نوع من التوكيد يكثر مثله
في القرآن العظيم كقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِمْ﴾ ... الآية [آل عمران: ١٦٧]، ومعلوم أنهم

١٠٧٣
سورة الشعراء: الآيات (٢١٧ - ٢٢٤) -
إنما يقولون بأفواههم. وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْثُبُونَ الْكِنَبَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]
ومعلوم أنهم إنما يكتبونه بأيديهم، وقوله تعالى: ﴿وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]
وقوله تعالى: ﴿حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنْفُسِهِم﴾ [البقرة: ١٠٩] إلى غير ذلك من الآيات.
الَّذِى يَرَئِكَ حِيْنَ تَقُومُ ﴿ وَتَفَلُّكَ فِي
تعالى: ﴿وَتَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾
السَّجِدِينَ
(1)). قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي
تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً، وتكون في الآية قرينة تدل على عدم
صحته، وذكرنا أمثلة متعددة لذلك في الترجمة وفيما مضى من الكتاب.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله هنا: ﴿ وَتَقَلُّكَ فِي السَّجِدِينَ ﴾ قال فيه بعض
أهل العلم: المعنى: وتقلبك في أصلاب آبائك الساجدين؛ أي المؤمنين بالله كآدم،
ونوح، وإبراهيم، وإسماعيل.
واستدل بعضهم لهذا القول فيمن بعد إبراهيم من آبائه بقوله تعالى عن إبراهيم:
﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَقِيَةٌ فِى عَقِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨] وممن روي عنه هذا القول ابن عباس. نقله
عنه القرطبي، وفي الآية قرينة تدل على عدم صحة هذا القول وهي قوله تعالى قبله مقترناً
به: ﴿الَّذِى يَرَئِكَ حِينَ تَقُومُ (1)﴾ فإنه لم يقصد به أنه يقوم في أصلاب الآباء إجماعاً،
وأول الآية مرتبط بآخرها؛ أي الذي يراك حين تقوم إلى صلاتك، وحين تقوم من
فراشك، ومجلسك ﴿وَقَلُكَ فِي السَّجِدِينَ(2)﴾ أي المصلين، على أظهر الأقوال؛ لأنه وَّ
يتقلب في المصلين قائماً وساجداً وراكعاً، وقال بعضهم: ﴿ الَّذِى يَرَئِكَ حِينَ تَقُومُ.
أي إلى الصلاة وحدك ﴿ وَقَلُّكَ فِي السَّجِدِينَ ﴾﴾ أي المصلين إذا صليت بالناس.
. الآية. يدل على الاعتناء به بَليه
وقوله هنا: ﴿الَّذِى يَرَكَ حِينَ تَقُومُ
ويوضح ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ لِحُكْرِ رَيِكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ... الآية [الطور: ٤٨].
وقوله: ((وتوكل)) قرأه عامة السبعة غير نافع وابن عامر: وتوكل بالواو، وقرأه نافع
وابن عامر ((فتوكل)) بالفاء، وبعض نسخ المصحف العثماني فيها الواو وبعضها فيها الفاء،
وقوله هنا: ﴿وَتَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾ قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الفاتحة
في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وبسطنا إيضاحه بالآيات
القرآنية مع بيان معنى التوكل في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَا
مُوسَى الْكِنَبَ وَجَعَلْنَهُ هُدَى لِبَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِ وَكِيلًا ﴾﴾ [الإسراء].
قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ﴾﴾، الشعراء: جمع شاعر كجاهل
وجهلاء، وعالم وعلماء، والغاوون: جمع غاو وهو الضال، وقوله تعالى في هذه الآية
الكريمة: ﴿يَتَبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ يدل على أن اتباع الشعراء من إتباع الشيطان بدليل قوله
تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ أَتَّعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (@)﴾ [الحجر] وقرأ هذا
الحرف نافع وحده: ((يتبعهم)) بسكون التاء المثناة، وفتح الباء الموحدة، وقرأه الباقون
(يتبعهم)) بتشديد المثناه، وكسر الموحدة ومعناهما واحد.

١٠٧٤ -
سورة الشعراء: الآيتان (٢٢٦ - ٢٢٧)
وما ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة في قوله: ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَشَِّعُهُمُ الْغَاوُنَ
يدل على تكذيب الكفار في دعواهم، أن النبي ◌ّلير شاعر؛ لأن الذين يتبعهم الغاوون،
لا يمكن أن يكون النبي ◌َّ منهم.
ويوضح هذا المعنى ما جاء من الآيات مبيناً أنهم ادعوا عليه وَ ل أنه شاعر
وتكذيب الله لهم في ذلك، أما دعواهم أنه وَّ شاعر، فقد ذكره تعالى في قوله عنهم
﴿بَلْ قَالُواْ أَضْغَثُ أَحْلَمٍ بَلِ أَفْتَرَنَهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ ... الآية [الأنبياء: ٥]، وقوله تعالى:
﴾ [الصافات] وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ
(٣٦)
﴿وَيَقُولُونَ أَبِنَّا لَتَرِكُوْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِ نَجْنُونٍ
نََُّّ بِهِ، رَيْبَ الْمَنُونِ (٣)﴾ [الطور] وأما تكذيب الله لهم في ذلك، فقد ذكره في قوله
تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا نُؤْمِنُونَ ﴾﴾ الآية [الحاقة]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتَهُ
[يس]، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ أَبِنَّا
٦٩
الشّعْرَ وَمَا يَلْبَغِى لَهُمْ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ
لَتَرِكُوْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِ تَجْنُونِ جَ بَلْ جَّءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ
٠
[الصافات]؛ لأن قوله
٣٧
تعالى: ﴿بَلْ جَآءَ بِالْحَقِّ﴾ [الصافات: ٣٧]. تكذيب لهم في قولهم: (إنه شاعر مجنون).
وقد ساق المؤلف رحمه الله جملة أمورٍ فيها ما يتعلق بحفظ الشعر وقوله فليرجع
من أراد الوقوف إلى الأصل.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ
هذا الذي ذكره هنا عن الشعراء من أنهم يقولون ما لا يفعلون، بين في آية أخرى
أنه من أسباب المقت عنده - جل وعلا -، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ
تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ جَ كَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف]،
والمقت في لغة العرب: البغض الشديد. فقول الإنسان ما لا يفعل كما ذكر عن الشعراء
يبغضه الله، وإن كان قوله ما لا يفعل فيه تفاوت، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿إِلَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة له في
أول سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيُنَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَِّحَاتِ
أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ ... الآية [الكهف: ٢]. مع شواهده العربية.
وقوله تعالى: ﴿وَذَكَرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ .
: أثنى الله تعالى في هذه الآية الكريمة على الذين آمنوا وعملوا الصالحات،
بذكرهم الله كثيراً، وهذا الذي أثنى عليهم به هنا من كثرة ذكر الله، أمر به في آيات أخر
وبين جزاءه. قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]، وقال
فج﴾ [الأحزاب]،
تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴿ وَسَبِّحُوهُ بَّكْرَةً وَأَصِيلًا
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ اُلَيْلِ وَاَلنَّهَارِ لَيَتٍ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِ
﴿ اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمَا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]. وقال
تعالى: ﴿وَاُلَّكِرِينَ اَللَّهَ كَثِيرًاً وَالنَّكِرَتِّ أَعَذَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥].
قوله تعالى: ﴿وَأَنْنَصَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة له كقوله

سورة النمل: الآيات (٢ - ١٦).
١٠٧٥
تعالى: ﴿وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ نُظُلْمِهِ، فَأُوْلَكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ جَ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ
النَّاسَ﴾ [الشورى: ٤١، ٤٢] في آخر سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ
عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوفِبْتُم بٌِ وَلَيْنِ صَبَّرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلِصَّبِنَ (٣)﴾ [النحل].
قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنَّ مُنقَلَبٍ يَنَقَلِبُونَ﴾. المنقلب هنا المرجع والمصير،
والأظهر أنه هنا مصدر ميمي، وقد تقرر في فن الصرف أن الفعل إذا زاد على ثلاثة
أحرف كان كل من مصدره الميمي، واسم مكانه واسم زمانه على صيغة اسم المفعول ..
والمعنى: وسيعلم الذين ظلموا أي مرجع يرجعون، وأي مصير يصيرون. وما دلت
عليه هذه الآية الكريمة، من أن الظالمين سيعلمون يوم القيامة المرجع الذي يرجعون؛
أي يعلمون العاقبة السيئة التي هي مآلهم، ومصيرهم ومرجعهم، جاء في آيات كثيرة
كقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿﴿ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ
٣)﴾ [التكاثر]، وقوله تعالى:
اَلْيَقِينِ ﴿ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴿﴿ ثُمَّ لَتَوُنَّهَا عَيْنَ اَلْيَقِينِ
﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٢]، وقوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ
الْكُفَرُ لِمَنْ عُقِّىَ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٤٢] والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً، وقوله: ﴿أَىَّ مُنْقَلَبٍ﴾
ما ناب عن المطلق من قوله: ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾ وليس مفعولاً به لقوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ﴾، قال
القرطبي كفَّلهُ: وأي منصوب بـ: ((ينقلبون، وهو بمعنى المصدر، ولا يجوز أن يكون
منصوباً بسيعلم؛ لأن أيا وسائر أسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها فيما ذكره
النحويون، قال النحاس: وحقيقة القول في ذلك أن الاستفهام معنى وما قبله معنى آخر،
فلو عمل فيه ما قبله، لدخل بعض المعاني في بعض، انتهى منه. والعلم عند الله تعالى.
براسه الرحمن الرحيم
سورة النمل
(٣)﴾. تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية في أول
قوله تعالى: ﴿هُدِّى وَيُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ
سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿هُدَّى لِلْمُثَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِ إِنِّ ءَانَسْتُ نَارً﴾. إلى آخر القصة. تقدم إيضاحه في
مريم وطه والأعراف.
قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُدِّ﴾ .
قد قدمنا أنها وراثة علم ودين لا وراثة مال في سورة مريم في الكلام على قوله
تعالى: ﴿فَهَبْ لِ مِن لَّدُنِكَ وَلِيًّا جَ يَرِثْنِ وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبٌ﴾ ... الآية [مريم: ٥، ٦]،
وبينا هناك الأدلة على أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لا يورث عنهم المال.

١٠٧٦
سورة النمل: الآيات (٢٥ - ٤٠)
قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى يُخْرِجُ الْخَبَْ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ
وَمَا تُعْلِنُونَ (٥). تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية في أول سورة هود في الكلام على قوله
تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ يَثْنُنَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا
يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (
(٥) ﴾ [هود].
وقوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُواْ لِلَّهِ﴾ الآية، كقوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُواْ لِشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ
وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى خَلَفَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] وقوله تعالى:
﴿فَسْجُدُواْ لِلَّهِ وَأَعْبُدُواْ ﴾ (13)﴾ [النجم].
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿الَّذِى يُخْرِجُ الْخَبَْ﴾ قال بعض أهل العلم:
الخبأ في السموات: المطر، والخبأ في الأرض: النبات، والمعادن، والكنوز، وهذا
المعنى ملائم لقوله: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ وقال بعض أهل العلم: الخبأ: السر والغيب أي
يعلم ما غاب في السموات والأرض، كما يدل عليه قوله بعده: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا
تُعْلِنُونَ﴾ وكقوله في هذه السورة الكريمة: ﴿وَمَا مِنْ غَةٍ فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلََّّ فِ كِنَبٍ مُبِينٍ
(٣٥)﴾ وقوله ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ
وَلَّ أَكْبَرَ إِلَّا فِ كِنَبٍ قُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] كما أوضحناه في سورة هود.
وقرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير الكسائي: ((ألا يسجدوا لله)) بتشديد اللام
في لفظة ألا، ولا خلاف على هذه القراءة أن ((يسجدوا)) فعل مضارع منصوب بأن المدغمة
في لفظة لا، فالفعل المضارع على هذه القراءة، وأن المصدرية المدغمة في ((لا)) ينسبك
منهما مصدر في محل نصب على الأظهر، وقيل: في محل جر، وفي إعرابه أوجه:
الأول: أنه منصوب على أنه مفعول من أجله؛ أي وزين لهم الشيطان أعمالهم،
من أجل ألا يسجدوا لله؛ أي من أجل عدم سجودهم لله، أو فصدهم عن السبيل،
لأجل ألا يسجدوا لله، وبالأول قال الأخفش. وبالثاني قال الكسائي، وقال اليزيدي
وغيره: هو منصوب على أنه بدل من أعمالهم؛ أي وزين لهم الشيطان أعمالهم، ألا
يسجدوا أي عدم سجودهم، وعلى هذا فأعمالهم هي عدم سجودهم لله.
وهناك مسائل لغوية معلقة بالآية الكريمة يرجع من أراد الوقوف عليها للأصل.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ قرأه حفص
والكسائي بالتاء الفوقية على الخطاب، وقرأه الباقون: يخفون، ويعلنون بالتحتية على
الغيبة، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾. جاء معناه موضحاً في آيات متعددة،
كقوله تعالى: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦] وقوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ
يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤] وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] إلى غير
ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌّ كَرِيمٌ﴾

١٠٧٧
سورة النمل: الآيات (٤٥ - ٤٧) .
جاء معناه موضحاً أيضاً في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنْثُمْ
[إبراهيم] وقوله تعالى: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلَوَأْ وَاسْتَغْنَى
وَمَنْ فِ اُلْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَ اللَّهَ لَغَنِىُّ حِيدُ
اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦] وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ
الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ ﴾﴾ [فاطر] وقوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَّوْ يَسْتَبْدِلْ
قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْتَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِقَانِ
يَخْتَصِمُونَ (®)﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه أرسل نبيه صالحاً إلى
ثمود، فإذا هم فريقان يختصمون،. ولم يبين هنا خصومة الفريقين، ولكنه بين ذلك في
سورة الأعراف في قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ
لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَلِحًا مُرْسَلٌ مِن زَيِّدٍ، قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُزْسِلَ بِهِ، مُؤْمِنُونَ
قَالَ الَّذِينَ أَسْتَكْبِرُوَاْ إِنَّا بِالَّذِىّ ءَامَنتُم بِهِ، كَفِرُونَ (®﴾ [الأعراف] فهذه
Vo
خصومتهم، وأعظم أنواع الخصومة: الخصومة في الكفر والإيمان.
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَنَقَوْمِ لِمَ نَسْتَعْجِلُونَ بِلسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَّةِ﴾ .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى:
﴿وَيَسْتَعُِْوَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اُلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَثُ﴾ [الرعد: ٦].
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَلَِّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَلَكَّ قَالَ طَبِرُّكُمْ عِندَ اللَّهِّ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ تُفْتَنُونَ
قوله ((اطيرنا بك)): أي تشاءمنا بك، وكان قوم صالح إذا نزل بهم قحط أو بلاء أو
مصائب قالوا: ما جاءنا هذا إلا من شؤم صالح، ومن آمن به. والتطير: التشاؤم، وأصل
اشتقاقه من التشاؤم بزجر الطير. وقد بينا كيفية التشاؤم والتيامن بالطير في سورة الأنعام
في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ اُلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوْ﴾ [الأنعام: ٥٩].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ طَِّرُكُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ قال بعض أهل العلم؛ أي سببكم الذي
يجيء منه خيركم وشركم عند الله، فالشر الذي أصابكم بذنوبكم لا بشؤم صالح ومن
آمن به من قومه.
وقد قدمنا معنى طائر الإنسان في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى:
﴿وَكُلَّ إِنَسَنٍ أَلْزَمْنَهُ طَيِرَهُ فِ عُنُقِهِ،﴾ [الإسراء: ١٣]، وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من
تشاؤم الكفار بصالح، ومن معه من المؤمنين جاء مثله موضحاً في آيات أخر من
كتاب الله كقوله تعالى في تشاؤم فرعون وقومه بموسى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا
هَذِهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ: أَلَا إِنَّمَا طَيُِّهُمْ عِندَ الَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا
يَعْلَمُونَ (٣)﴾ [الأعراف] وقوله تعالى في تطير كفار قريش بنبينا وَله: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ
يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندَِكْ قُلْ كُلُّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ فَالِ هَؤُلَاءِ
اُلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] والحسنة في الآيتين النعمة كالرزق والخصب،

١٠٧٨
سورة النمل: الآية (٤٩)
والعافية. والسيئة المصيبة بالجدب والقحط، ونقص الأموال، والأنفس، والثمرات،
وكقوله تعالى: ﴿قَالُواْ إِنَّا تَطَيَّْنَا بِكُمْ لَيِن لَّمْ تَنْتَهُواْ لَتَّجُمَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُواْ
طَرَّكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس: ١٨، ١٩]؛ أي بليتكم جاءتكم من ذنوبكم، وكفركم.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿بَّ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُقْتَنُونَ﴾. قال بعض العلماء:
تختبرون. وقال بعضهم: تعذبون كقوله: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُقْنَنُونَ ﴾﴾ [الذاريات]. وقد
قدمنا أن أصل الفتنة في اللغة، وضع الذهب في النار ليختبر بالسبك أزائف هو أم
خالص؟ وأنها أطلقت في القرآن على أربعة معان:
الأول: إطلاقها على الإحراق بالنار كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْنَنُونَ
[الذاريات] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَثَواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمِنَتِ﴾ [البروج: ١٠] أي حرقوهم بنار
الأخدود على أحد التفسيرين. وقد اختاره بعض المحققين.
المعنى الثاني: إطلاق الفتنة على الاختبار، وهذا هو أكثرها استعمالاً كقوله
تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِلشَّرِّ وَالْخَيَّرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ أُسْتَقَمُواْ عَلَى
الطَّرِيقَةِ لَأَسْفَيْنَهُم مَّهُ غَدَقًّا (٨٢) لِفْتِنَهُمْ فِيَةٍ﴾ [الجن: ١٦ - ١٧] والآيات بمثل ذلك كثيرة.
الثالث: إطلاق الفتنة على نتيجة الاختبار إن كانت سيئة خاصة، ومن هنا أطلقت
الفتنة على الكفر والضلال كقوله تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] أي
حتى لا يبقى شرك، وهذا التفسير الصحيح، دل عليه الكتاب والسنة.
أما الكتاب فقد دل عليه في قوله بعده في البقرة: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]
وفي الأنفال: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّمُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] فإنه يوضح أن معنى لا تكون
فتنة، أي لا يبقى شرك؛ لأن الدين لا يكون كله لله، ما دام في الأرض شرك كما ترى.
وأما السنة ففي قوله وَالر: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله))
الحديث. فقد جعل 8َّ# الغاية التي ينتهي إليها قتاله للناس، هي شهادة ألا إله إلا الله،
وأن محمداً رسول الله وسلم وهو واضح في أن معنى: لا تكون فتنة: لا يبقى شرك،
فالآية والحديث كلاهما دال على الغاية التي ينتهي إليها قتال الكفار هي ألا يبقى في
الأرض شرك، إلا أنه تعالى في الآية عبر عن هذا المعنى بقوله: ﴿حَّ لَا تَكُونَ فِثْنَةٌ﴾
[البقرة: ١٩٣] وقد عبر وَ ل عنه بقوله: ((حتى يشهدوا ألا إله إلا الله)) فالغاية في الآية
والحديث واحدة في المعنى. كما ترى.
الرابع: هو إطلاق الفتنة على الحجة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَفُهُمْ إِلَّ أَنْ
﴾ [الأنعام] أي لم تكن حجتهم، كما قاله غير واحد.
قَالُواْ وَاللَّهِ وَيْنَا مَا كُنَا مُشْرِكِينَ
والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِلَّهِ لَمُبَيِّنَنَّهُ, وَأَهْلَهُ، ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِّهِ، مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ،
وَإِنَّا لَصَدِقُونَ ﴿٨﴾، قد دلت هذه الآية الكريمة على أن نبي الله صالحاً - عليه وعلى

١٠٧٩
سورة النمل: الآيات (٥١ - ٥٣) -
نبينا الصلاة والسلام - نفعه الله بنصرة وليه؛ أي أوليائه؛ لأنه مضاف إلى معرفة، ووجه
نصرتهم له، أن التسعة المذكورين في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِىِ الْمَدِينَةِ نِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ
قَالُواْ تَقَاسَمُواْ﴾ أي تحالفوا ﴿بِاللَّهِ لَتُبَيِّنَنَّهُ﴾؛ أي لنباغتنه بياتاً؛
٤٨
فِ الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ
أي ليلاً فنقتله ونقتل أهله معه ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِّهِ﴾ أي أوليائه وعصبته: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ
أَهْلِهِ،﴾ أي ولا مهلكه هو، وهذا يدل على أنهم لا يقدرون أن يقتلوه علناً، لنصرة أوليائه
له، وإنكارهم شهود مهلك أهله دليل على خوفهم من أوليائه. والظاهر أن هذه النصرة
عصبية نسبية لا تمت إلى الدين بصلة، وأن أولياءه ليسوا مسلمين.
وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا المعنى في سورة هود في الكلام على
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَكَ فِنَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ
لَرَجَمْنَكٌ﴾ ... الآية [هود: ٩١]. وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى:
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] وقوله تعالى في هذه الآية:
((تقاسموا)): التحقيق أنه فعل أمر محكي بالقول. وأجاز الزمخشري، وابن عطية أن
يكون ماضياً في موضع الحال، والأول هو الصواب إن شاء الله، ونسبه أبو حيان
للجمهور، وقوله في هذه الآية: ﴿وَإِنَّا لَصَدِقُونَ﴾: التحقيق فيه أنهم كاذبون في قولهم:
﴿وَإِنَّا لَصَدِقُونَ﴾ كما لا يخفى، وبه تعلم ما تكلفه الزمخشري في الكشاف من كونهم
صادقين لا وجه له كما نبه عليه أبو حيان، وأوضحه وقرأ عامة السبعة غير حمزة
والكسائي ((لنبيتنه)) بالنون المضمومة بعد اللام، وفتح الفوقية المثناة التي بعد التحتية
المثناة. وقرأ حمزة والكسائي: ((لتبيّتنه)) بالتاء الفوقية المضمومة بعد اللام، وضم التاء
الفوقية التي بعد الياء التحتية، وقرأ عامة السبعة أيضاً غير حمزة والكسائي: ((ثم لنقولن))
بالنون المفتوحة، موضع التاء، وفتح اللام الثانية، وقرأ حمزة والكسائي: ((ثم لتقولن))
بفتح التاء الفوقية بعد اللام الأولى، وضم اللام الثانية، وقرأ عاصم: ((مهلك أهله)) بفتح
الميم، والباقون بضمها، وقرأ حفص عن عاصم: ((مهلك)) بكسر اللام والباقون بفتحها .
فتحصل أن حفصاً عن عاصم قرأ ((مَهلِك)) بفتح الميم وكسر اللام، وأن أبا بكر
أعني شعبة قرأ عن عاصم: ((مَهلَك)) بفتح الميم واللام، وأن غير عاصم قرأ ((مُهلَك)) أهله
بضم الميم وفتح اللام، فعلى قراءة من قرأ ((مهلك)) بفتح الميم، فهو مصدر ميمي من
هلك الثلاثي، ويحتمل أن يكون اسم زمان أو مكان. وعلى قراءة من قرأ ((مهلك)) بضم
الميم، فهو مصدر ميمي من أهلك الرباعي، ويحتمل أن يكون أيضاً اسم مكان أو زمان.
قوله تعالى: ﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَقَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ
وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ
فَتِلْكَ بُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوْاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (
ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآيات الكريمة ثلاثة أمور:
الأول: أنه دمر جميع قوم صالح، ومن جملتهم تسعة رهط الذين يفسدون في

١٠٨٠
سورة النمل: الآية (٥٤)
الأرض ولا يصلحون، وذلك في قوله: ﴿أَنَا دَقَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي وهم قوم
صالحٍ وثمود ﴿فَتِلْكَ بُوتُهُمْ خَارِيَةً﴾؛ أي خالية من السكان لهلاك جميع أهلها ﴿يِمَا
ظَلَمُواْ﴾؛ أي بسبب ظلمهم الذي هو كفرهم وتمردهم وقتلهم ناقة الله التي جعلها آية
لهم. وقال بعضهم: خاوية: أي ساقطاً أعلاها على أسفلها.
الثاني: أنه - جل وعلا - جعل إهلاكه قوم صالح آية: أي عبرة يتعظ بها من
بعدهم، فيحذر من الكفر، وتكذيب الرسل، لئلا ينزل به ما نزل بهم من التدمير. وذلك
في قوله: ﴿إِنَ فِ ذَلِكَ لَيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .
الثالث: أنه تعالى أنجى الذين آمنوا وكانوا يتقون من الهلاك والعذاب، وهم
نبي الله صالح ومن آمن به من قومه، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وهذه الأمور الثلاثة التى ذكرها - جل وعلا - هنا جاءت
١٥٣
وَكَانُواْ يَنَّقُونَ (
موضحة في آيات أخر.
أما إنجاؤه نبيه صالحاً، ومن آمن به وإهلاكه ثمود، فقد أوضحه - جل وعلا - في
مواضع من كتابه كقوله في سورة هود: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَقْرُنَا نَّنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُمٍ
﴿ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ
بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيُ
فَأَصْبَحُواْ فِ دِيَرِهِمْ جَئِينَ ﴿٧ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْ فِيهَاْ أَلَا إِنَّ ثَمُودَا كَفَرُواْ رَهُمُّ أَلَّا بُعْدًا لِتَمُودَ
[هود]. وآية هود هذه قد بينت أيضاً التدمير المجمل في آية النمل هذه، فالتدمير
المذكور في قوله تعالى: ﴿أَنَّا دَقَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ بينت آية هود أنه الإهلاك
بالصيحة، في قوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِ دِيَرِهِمْ جَثِينَ
[هود] أي وهم موتى، وأما كونه جعل إهلاكه إياهم آية، فقد أوضحه أيضاً في غير هذا
الموضع كقوله تعالى فيهم: ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ نَدِمِينَ ﴿﴿ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةٌ
وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَبِزُ الرَّحِيمُ ﴿5﴾ [الشعراء]. وقوله تعالى في
هذه الآية الكريمة: ﴿أَنَا دَمَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو. وابن
عامر: إنا دمرناهم بكسر همزة ((إنا)) على الاستئناف، وقرأه الكوفيون وهم: عاصم
وحمزة والكسائي: ((أنا دمرناهم)) بفتح همزة ((أنا)). وفي إعراب المصدر المنسبك من
أن وصلتها على قراءة الكوفيين أوجه، منها أنه بدل من عاقبة مكرهم، ومنها أنه خبر
مبتدأ محذوف، وتقديره هي؛ أي عاقبة مكرهم تدميرنا إياهم.
وهذان الوجهان، هما أقرب الأوجه عندي للصواب، ولذا تركنا غيرهما من
الأوجه، والضمير في قوله: ((مكرهم)) وفي قوله: (دمرناهم)) راجع إلى التسعة
المذكورين، في قول تعالى: ﴿وَكَانَ فِ الْمَدِينَةِ نِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ ... الآية. وقوله: ﴿خَاوِيَةُ﴾
حال من بيوتهم، والعامل فيه الإشارة الكامنة في معنى ((تلك)).
قولهِ تعالى: ﴿وَلُوطَا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ
٥٤