النص المفهرس
صفحات 1001-1020
١ سورة الفرقان: الآية (١) - دام وثبت إنعامهِ. قال النحاس: وهذا أولاها في اللغة والاشتقاق من برك الشيء إذا ثبت ومنه برك الجمل والطير على الماء؛ أي دام وثبت، انتهى محل الغرض من كلام القرطبي. ٤) وقال أبو حيان في البحر المحيط: قال ابن عباس: تبارك لم يزل، ولا يزول. وقال الخليل: تمجد وقال الضحاك: تعظم، وحكى الأصمعي: تباركت عليكم من قول عربي صعد رابية فقال ذلك لأصحابه؛ أي تعاليت وارتفعت، ففي هذه الأقوال تكون صفة ذات، وقال ابن عباس أيضاً، والحسن، والنخعي: هو من البركة، وهو التزايد في الخير من قبله. فالمعنى زاد خيره وعطاؤه وكثر، وعلى هذا يكون صفة فعل. انتهى محل الغرض من كلام أبي حيان. قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: الأظهر في معنى تبارك بحسب اللغة التي نزل بها القرآن أنه تفاعل من البركة، كما جزم به ابن جرير الطبري، وعليه فمعنى تبارك: تكاثرت البركات والخيرات من قبله، وذلك يستلزم عظمته وتقدسه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله؛ لأن من تأتي من قبله البركات والخيرات ويدر الأرزاق على الناس هو وحده المتفرد بالعظمة، واستحقاق إخلاص العبادة له، والذي لا تأتي من قبله بركة ولا خير، ولا رزق كالأصنام، وسائر المعبودات من دون الله لا يصح أن يعبد وعبادته كفر مخلد في نار جهم، وقد أشار تعالى إلى هذا في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَأَبْنَغُواْ عِندَ اللَّهِ الْرِزْقَ وَأَعْبُدُوهُ وَأَشْكُرُواْ لَهُ، إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧] وقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا (َ)﴾ [النحل] وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمْ﴾ [الأنعام: ١٤] وقوله تعالى: يَسْتَطِيعُونَ (ON ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّزَّقُ ذُوَ الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات] وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَتِهِ، وَيُنَزِّكُ لَكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقَأْ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِبُ ﴿﴿ فَأَدْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ اَلْكَفِرُونَ (®﴾ [غافر]. تنبيه: اعلم أن قوله ((تبارك)) فعل جامد لا يتصرف، فلا يأتي منه مضارع، ولا مصدر ولا اسم فاعل ولا غير ذلك، وهو مما يختص به الله تعالى، فلا يقال لغيره تبارك خلافاً لما تقدم عن الأصمعي، وإسناده تبارك إلى قوله: ﴿الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ يدل على أن إنزاله الفرقان على عبده من أعظم البركات والخيرات والنعم التي أنعم بها على خلقه، كما أوضحناه في أول سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنَزَّلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ﴾ ... الآية [الكهف: ١]. وذكرنا الآيات الدالة على ذلك، وإطلاق العرب تبارك مسنداً إلى الله تعالى معروف في كلامهم ومنه قول الطرماح: وليس لما أعطيت يا رب مانع تباركت لا معط لشيء منعته وقول الآخر: لنا أبداً ما أورق السلم النضر فليست عشيات الحمى برواجع ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر : ١٠٠٢ سورة الفرقان: الآية (٢) وقد قدمنا الشاهد الأخير في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَطَنَّ أَن لَّنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] وقوله: ((الفرقان)) يعني هذا القرآن العظيم، وهو مصدر زيدت فيه الألف والنون كالكفران والطغيان والرجحان، وهذا المصدر أريد به اسم الفاعل؛ لأن معنى كونه فرقاناً أنه فارق بين الحق والباطل، وبين الرشد والغي، وقال بعض أهل العلم: المصدر الذي هو الفرقان بمعنى اسم المفعول؛ لأنه نزل مفرقاً، ولم ينزل جملة . واستدل أهل هذا القول بقوله تعالى: ﴿وَقُرََّنًا فَقْتَهُ لِنَقْرَأَمُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُّكْثٍ﴾ ... الآية [الإسراء: ١٠٦]، وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَحِدَةً كَذَلِكَ لِتُقَبْتَ بِهِ، فُؤَادَةٌ وَرَتَّلْنَهُ تَرْبِيلًا (®﴾ وقوله في هذه الآية الكريمة: نزل بالتضعيف يدل على كثرة نزوله أنجماً منجماً. قال بعض أهل العلم: ويدل على ذلك قوله في أول سورة آل عمران: ﴿فَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّهِ وَأَنَزَّلَ التَّوْرَةَ وَاَلْإِنْجِيلَ ٣ ... الآية [آل عمران]. قالوا: عبر في نزول القرآن بنزل بالتضعيف لكثرة نزوله، وأما التوراة والإنجيل، فقد عبر في نزولهما بأنزل التي لا تدل على تكثير؛ لأنهما نزلا جملة في وقت واحد، وبعض الآيات لم يعتبر فيها كثرة نزول القرآن كقوله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ﴾ ... الآية [الكهف: ١]، وقوله في هذه الآية ((على عبده)). قال فيه بعض العلماء: ذكره صفة العبودية مع تنزيل الفرقان، يدل على أن العبودية لله هي أشرف الصفات، وقد بينا ذلك في أول سورة بني إسرائيل . قوله تعالى: ﴿الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ شَرِيٌ فِ اٌلْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَرَهُ نَقْدِيرًا ﴾﴾. قوله: ﴿الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [الأعراف: ١٥٨] بدل من الذي في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ﴾، وقال بعضهم: هو مرفوع على المدح، وقال بعضهم: هو منصوب على المدح. وقد أثنى ◌َ على نفسه في هذه الآية الكريمة بخمسة أمور، هي أدلة قاطعة على عظمته، واستحقاقه وحده الإخلاص العبادة له: الأول منها: أنه هو الذي له ملك السموات والأرض. والثاني: أنه لم يتخذ ولداً، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيرا. والثالث: أنه لا شريك له في ملكه. والرابع: أنه هو خالق كل شيء. والخامس: أنه قدر كل شي خلقه تقديراً، وهذه الأمور الخمسة المذكورة في هذه الآية الكريمة جاءت موضحة في آيات أخر. أما الأول منها: وهو أنه له ملك السموات والأرض، فقد جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ الشَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ ... الآية [المائدة: ٤٠]. وقوله تعالى في سورة النور: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَإِلَى اللَّهِ سورة الفرقان: الآية (٢) ١٠٠٣ الْمَصِيرُ (3﴾﴾ [النور] وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُّ وَالَّذِينَ تَّدْعُونَ مِن دُونِهِ، مَا يَمْلِكُونَ مِن فِطْمِيرٍ﴾ ... الآية [فاطر: ١٣]. وجميع الآيات التي ذكر فيها جل وعلا أن له الملك، فالملك فيها شامل لملك السموات والأرض، وما بينهما وغير ذلك. كقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُوَّ مَلِكَ الْمُلْكِ﴾ ... الآية [آل عمران: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿َبَّكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ... الآية [الملك: ١]. وقوله تعالى: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَّوْمِّ لِلَّهِ الْوَجِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِّ﴾ ... الآية [الفاتحة] والآيات الدالة على أن [الأنعام: ٧٣]. وقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( له ملك كل شيء كثيرة جداً معلومة. وأما الأمر الثاني: وهو كونه تعالى لم يتخذ ولداً، فقد جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّمُ كُفُوا أَحَدٌّ (@)) [الإخلاص] وقوله تعالى: ﴿وَأَنَُّ تَعَلَى جَدُّ رَيِّنَا مَا الَّخَذَ صَحِبَةٌ وَلَا وَلَدًّا (٣)﴾ [الجن] وقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَحِبَةٌ﴾ ... الآية [الأنعام: ١٠١]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ﴿َ لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَّا تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِزُ لْجِبَالُ هَذَّا ( أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًّا (﴾ وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدَا (١) إِن كُلُّ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِىِ الرَّهَْنِ عَبْدًا (يَ)﴾ [مريم] وقوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدَّا ج ◌َّا لَهُمْ بِهِ، مِنْ عِلْمِ وَلَا ◌َِّبَابِهِمَّ كَبُرَتْ كَلِمَةُ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَهِهِمَّ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ﴾﴾ [الكهف] وقوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَكُمْ رَبُّكُمْ بِلْبَنِينَ وَأَتَّخَذَ مِنَ الْمَلَئِكَةِ إِنَّأَ إِنَّكُمْ لَنَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (®﴾ [الإسراء]. وقوله تعالى: ﴿مَا أَّخَذَ اَللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ إلى قوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة وقد قدمنا ذلك في مواضع من هذا الكتاب المبارك في سورة الكهف وغيرها . وأما الأمر الثالث، وهو كونه تعالى لم يكن له شريك في الملك، فقد جاء موضحاً في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في آخر سورة بني إسرائيل: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَهُ شَرِيكُ فِى الْمُلْكِ﴾ الآية [الإسراء: ١١١]، وقوله تعالى في سورة سبأ: ﴿قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّنِ ظَهِيرِ (٣)﴾ [سبأ] وقوله تعالى: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمٌ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]؛ لأن قوله: ﴿اَلْوَحِدُ الْقَهَارُ﴾ يدل على تفرده بالملك، والقهر، واستحقاق إخلاص العبادة، كما لا يخفى، إلى غير ذلك من الآيات. وأما الأمر الرابع وهو أنه تعالى خلق كل شيء، فقد جاء موضحاً في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّ يَكُونُ لَهُمْ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَُّ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ خَكِقُ حِكُلِّ شَىْءٍ فَأَعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [الأنعام] وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ ١٠٠٤ - سورة الفرقان: الآية (٣) لََّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ فَّى تُؤْفَكُونَ ﴿﴿ كَذَلِكَ يُؤْفَُ الَّذِينَ كَانُواْ بِثَايَتِ اللَهِ يَجْحَدُونَ [غافر] إلى غير ذلك من الآيات. وأما الأمر الخامس وهو أنه قدَّر كل شيء خلقه تقديراً، فقد جاء أيضاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿اَلَّذِ خَلَقَ فَسَوَّى ﴿ وَلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى ﴾﴾ [الأعلى] وقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨] وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ ٤٩ [القمر] إلى غير ذلك من الآيات، وقال ابن عطية: تقدير الأشياء هو حدها بالأمكنة، والأزمان، والمقادير، والمصلحة، والإتقان، انتهى بواسطة نقل أبي حيان في البحر. تنبيه: في هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يقال: الخلق في اللغة العربية، معناه التقدير ومنه قول زهير: ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ـض القوم يخلق ثم لا يفري قال بعضهم: ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] قال: أي أحسن المقدرين، وعلى هذا فيكون معنى الآية وخلق كل شيء؛ أي قدر كل شيء فقدره تقديراً، وهذا تكرار كما ترى، وقد أجاب الزمخشري عن هذا السؤال، وذكر أبو حيان جوابه في البحر ولم يتعقبه. والجواب المذكور هو قوله: فإن قلت في الخلق معنى التقدير، فما معنى قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَرَهُ نَقْدِيرً﴾ كأنه قال: وقدر كل شيء فقدره. قلت: المعنى أنه أحدث كل شيء إحداثاً مراعي فيه التقدير والتسوية فقدره وهيأه لما يصلح له. مثاله أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدر المسوى الذي تراه، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به في بابي الدين والدنيا، وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الحيلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة والتدبير، فقدره لأمر ما ومصلحة مطابقاً لما قدر له غير متجاف عنه، أو سمى إحداث الله خلقاً؛ لأنه لا يحدث شيئاً لحكمته إلا على وجه التقدير غير متفاوت، فإذا قيل: خلق الله كذا، فهو بمنزلة قولك: أحدث وأوجد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق، فكأنه قيل: وأوجد كل شيء فقدره في إيجاده لم يوجده متفاوتاً، وقيل: فجعل له غاية ومنتهى، ومعناه: فقدره للبقاء إلى أمد معلوم. انتهى كلام صاحب الكشاف وبعضه له اتجاه. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَأَتَّخَذُواْ مِن دُونِ ءَالِهَةٌ لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلَ نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَوَةٌ وَلَا نُشُورًا. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الآلهة التي يعبدها المشركون من دونه، متصفة بستة أشياء كل واحد منها برهان قاطع، أن عبادتها مع الله، لا وجه لها بحال، بل هي ظلم متناه، وجهل عظيم، وشرك يخلد به صاحبه في نار جهنم، وهذا ١٠٠٥ سورة الفرقان: الآية (٣) بعد أن أثنى على نفسه - جل وعلا - بالأمور الخمسة المذكورة في الآية التي قبلها التي هي براهين قاطعة على أن المتصف بها هو المعبود وحده، والأمور الستة التي هي من صفات المعبودات من دون الله: الأول منها: أنها لا تخلق شيئاً؛ أي لا تقدر على خلق شيء. والثاني منها: أنها مخلوقة كلها؛ أي خلقها خالق كل شيء. والثالث: أنها لا تملك لأنفسها ضراً ولا نفعاً. الرابع والخامس والسادس: أنها لا تملك موتاً، ولا حياة، ولا نشوراً، أي بعثاً بعد الموت، وهذه الأمور الستة المذكورة في هذه الآية الكريمة، جاءت مبينة في مواضع أخر من كتاب الله تعالى. أما الأول منها وهو كون الآلهة المعبودة من دون الله لا تخلق شيئاً، فقد جاء مبيناً في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهٌ﴾ ... الآية [الحج: ٧٣]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُّونَ ﴿ أَمْوَتُّ غَيّرُ أَحْيَاٍْ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾﴾ [النحل] وقوله تعالى في سورة فاطر: ﴿قُلّ أَرَءَيْتُمْ شُرَّكََّكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ الَّهِ أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَمْ شِرْكُ فِىِ التَّمَوَتِ أَمْ ءَاتَيْتَهُمْ كِنَبًا فَهُمْ عَلَى بَيْنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا ﴾﴾ [فاطر] وقوله تعالى في سورة لقمان: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهَّ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ، بَلِ الظَّلِمُونَ فِ ضَلَالِ تُبِينٍ ﴾﴾ [لقمان] وقوله تعالى في الأحقاف: ﴿قُلّ أَرَبَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِ هَذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكُ فِىِ السَّمَوَتِّ أَثْنُونِ يِكِتَبٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَرَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُّ صَدِقِينَ ﴾﴾ [الأحقاف]. وقوله تعالى: ﴿مَّآ أَشْهَدَتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَخِذَ اَلْمُضِلِينَ عَضُدًا (٥)﴾ [الكهف] وقد بين تعالى في آيات من كتابه الفرق بين من يخلق، ومن لا يخلق؛ لأن من يخلق هو المعبود، ومن لا يخلق لا تصح عبادته، كقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُواْ رَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ﴾ ... الآية [البقرة: ٢١]، أي وأما من لم يخلقكم؛ فليس برب، ولا بمعبود لكم [النحل] وقوله كما لا يخفى، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُّ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوْ لِلَّهِ شُرَكَّةَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَهَ الْخَلْقُّ عَلَيْهِمَّ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ الْوَحِدُ اٌلْقَهَّرُ﴾ [الرعد: ١٦] أي ومن كان كذلك، فهو المعبود وحده - جل وعلا - وقوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُّونَ (٣٦)﴾ [الأعراف]. وأما الأمر الثاني منها وهو كون الآلهة المعبودة من دونه مخلوقة، فقد جاء مبيناً في آيات من كتاب الله كآية النحل والأعراف، المذكورتين آنفاً . أما آية النحل فهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُّونَ (®)﴾ [النحل] فقوله: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ صريح في ذلك، وأما آية الأعراف فهي قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُ يُخْلَقُونَ (40)﴾ [الأعراف] إلى غير ذلك من الآيات. ١٠٠٦ - سورة الفرقان: الآية (٣) وأما الأمر الثالث منها وهو كونهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، فقد جاء مبيناً أيضاً في مواضع من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهَّ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُ مِن دُونِةٍ أَوْلِيَّءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَفُسِهْ نَفْعًا وَلَا ضَرَّا﴾ [الرعد: ١٦]. وكقوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا ومن لا ينصر لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُحْلَقُونَ (٨) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ (٦ نفسه فهو لا يملك لها ضراً ولا نفعاً، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ، لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَّ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ (٣٦)﴾ [الأعراف] وقوله تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْمُدَى لَا إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادُ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَآءُ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَمِنُونَ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ (3) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَاْ أَمْ لَمُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يَبْصِرُونَ بِهَاْ أَمَ لَهُمْ ءَاذَاتٌ يَسْمَعُونَ بِهَاْ﴾ [الأعراف: ١٩٣ - ١٩٥]. وفيها الدلالة الواضحة على أنهم لا يملكون لأنفسهم شيئاً، وقوله تعالى: ﴿وَإِن يَسْلُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَقِذُوهُ مِنْهُ﴾ ... الآية [الحج: ٧٣] إلى غير ذلك من الآيات. وأما الرابع والخامس والسادس، من الأمور المذكورة أعني كونهم لا يملكون موتاً، ولا حياة، ولا نشورا. فقد جاءت أيضاً مبينة في آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِ خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِنُكُمْ ثُمَّ يُحْبِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَّكَآَيِكُمْ مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّنْ شَىْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾﴾ [الروم]. فقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَآَيِكُمْ مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّنْ شَىْءٍ سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، يدل دلالة واضحة على أن شركاءهم ليس واحد منهم يقدر أن يفعل شيئاً من ذلك المذكور في الآية، ومنه الحياة المعبر عنها بخلقكم، والموت المعبر عنه بقوله: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾، والنشور المعبر عنه بقوله: ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾، وبين أنهم لا يملكون نشوراً بقوله: ﴿أَمِ أَتَّخَذُوَاْ ءَالِهَةٌ مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (﴾﴾ [الأنبياء]، وبين أنهم لا يملكون حياة ولا نشوراً في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَبِكُ مَّن يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِدُهُ مُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدٍُ﴾ ... الآية [يونس: ٣٤]، وبين أنه وحده الذي بيده الموت والحياة في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَبًا مُؤَجَّلَاً﴾ [آل عمران: ١٤٥] وقوله تعالى: ﴿وَلَن يُؤَخِرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَلَ أَجَلُهَا﴾ ... الآية [المنافقون: ١١]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخِرٌ﴾ ... الآية [نوح: ٤]، وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ ... الآية [البقرة: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّآ أَتََّا أَثْنَيْنٍ وَأَحْبَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ ... الآية [غافر: ١١]، إلى غير ذلك من الآيات، وهذا الذي ذكرنا من بيان هذه الآيات بعضها لبعض معلوم بالضرورة من الدين. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرَّ وَلَا نَفْعًا﴾ أظهر الأقوال فيه أن المعنى لا يملكون لأنفسهم دفع ضرر ولا جلب نفع، كما قاله القرطبي سورة الفرقان: الآية (٣) - ١٠٠٧ وغيره. وغاية ما في هذا التفسير حذف مضاف دل المقام عليه، وهو كثير في القرآن وفي كلام العرب. وقد أشار إليه في الخلاصة بقوله: عنه في الإعراب إذا ما حذفا وما يلي المضاف يأتي خلفاً وقيل المعنى: لا يقدرون أن يضروا أنفسهم، أو ينفعوها بشيء. والأول هو الأظهر؛ أي وإذا عجزوا عن دفع ضر عن أنفسهم وجلب نفع لها فهم عن الموت . والحياة والنشور أعجز؛ لأن ذلك لا يقدر عليه إلا الله - جل وعلا -. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ اعلم أن النشور يطلق في العربية إطلاقین : الأول: أن يكون مصدر نشر الثلاثي المتعدي، تقول: نشر الله الميت ينشره نشراً ونشوراً. والثاني: أن يكون مصدر نشر الميت ينشر نشوراً لازماً، والميت فاعل نشر. والحاصل أن في المادة ثلاث لغات؛ الأولى: أنشره رباعياً بالهمزة ينشره بضم الياء إنشاراً. ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنْشَرَهُ ﴾﴾ [عبس] وقوله تعالى: ﴿وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُشِرُهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] بضم النون وبالراء المهملة في قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو. وهو مضارع أنشره. والثانية نشر الله الميت ينشره بصيغة الثلاثي المتعدي، والمصدر في هذه اللغة النشر والنشور، ومنه قوله هنا: ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ : أي لا يملكون أن ينشروا أحداً بفتح الياء، وضم الشين، والثالثة: نشر الميت بصيغة الثلاثي اللازم، ومعنى أنشره، ونشره متعدياً أحياه بعد الموت، ومعنى نشر الميت لازماً حيى الميت وعاش بعد موته، وإطلاق النشر والنشور على الإحياء بعد الموت، وإطلاق النشور على الحياة بعد الموت معروف في كلام العرب، ومن إطلاقهم نشر الميت لازماً فهو ناشر؛ أي عاش بعد الموت قول الأعشى: لو أسندت ميتاً إلى نحرها عاش ولم ينقل إلى قابر يا عجباً للميت الناشر حتى يقول الناس مما رأوا ومن إطلاق النشور بمعنى الإحياء بعد الموت، مصدر الثلاثي المتعدي، قوله هنا: ﴿وَلَا نُشُورًا﴾: أي بعثاً بعد الموت، ومن إطلاقهم النشور بمعنى الحياة بعد الموت مصدر الثلاثي اللازم قول الآخر: كروع العسجدية في الغدير إذا قبلتها كرعت بفيها فيأخذني العناق وبرد فيها بموت في عظامي أو فتور ونخلط ما نموت بالنشور فنحيا تارة ونموت أخرى فقد جعل الغيبوبة من شدة اللذة موتاً، والإفاقة منها نشوراً، أي حياة بعد الموت. ١٠٠٨ - سورة الفرقان: الآية (٤) وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَّخَذُواْ مِن دُونِهِ: ◌َالِهَةً﴾ حذف فيه أحد المفعولين؛ أي اتخذوا من دونه أصناماً آلهة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ لِأَبِهِ ،َازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً﴾ [الأنعام: ٧٤]. والآلهة جمع إله، فهو فعال مجموع على أفعلة؛ لأن الألف التي بعد الهمزة مبدلة من همزة ساكنة هي فاء الكلمة كما قال في الخلاصة: ومداً ابدل ثاني الهمزين من كلمة إن يسكن كآثر وأتمن والإله المعبود فهو فعال بمعنى مفعول، وإتيان الفعال بمعنى المفعول جاءت منه أمثلة في اللغة العربية كالإلّه بمعنى المألوه؛ أي المعبود، والكتاب بمعنى المكتوب، واللباس بمعنى: الملبوس، والإمام بمعنى المؤتم به. ومعلوم أن المعبود بحق واحد وغيره من المعبودات أسماء سماها الكفار، ما أنزل الله بها من سلطان ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكَاةً إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [يونس: ٦٦]، ﴿إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمَاءٌ سَيْتُمُوهَاَ أَنْتُمْ وَءَابَا ؤُكُمْ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣]. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِنْ هَذَآ إِلَّ إِفْكُ أَفْتَرَهُ وَأَنَهُ عَلَيْهِ قَوْمُّ ءَآخَرُونٌ فَقَدْ جَاءُو ظُلْمًا وَزُورًا (٣)﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الذين كفروا وكذبوا النبي ﴿ فقالوا في هذا القرآن العظيم، الذي أوحاه الله إليه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّ إِفْكُ افْتَرَهُ﴾: أي ما هذا القرآن إلا كذب اختلقه محمد بَّر، وأعانه عليه على الإفك الذي افتراه قوم آخرون، قيل: اليهود، وقيل: عداس مولى حويطب بن عبد العزى، ويسار مولى العلاء بن الحضرمي، وأبو فكيهة الرومي، قال ذلك النضر بن الحراث العبدري. وما ذكره - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة من أن الكفار كذبوه وادعوا عليه أن القرآن كذب اختلقه، وأنه أعانه على ذلك قوم آخرون، جاء مبيناً في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَبُوْ أَن ◌ََّهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمّ وَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا سَحِرٌ كَذَّابُ ﴾﴾ [ص] وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَكَانَ ءَايَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّدُ قَالُواْ إِنَّمَآ أَنْتَ مُفْتَّرٍ بَلَّ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾﴾ [النحل] وقوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ فِيِّ أَمْرٍ مَّرِيج (﴾﴾ [ق] وقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦]، والآيات في ذلك كثيرة معلومة. وما ذكره - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة من أنهم افتروا على النبي ◌َّ أنه أعانه على افتراء القرآن قوم آخرون جاء أيضاً موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَآ إِلَّا يِرٌ يُؤْثَرُ ﴾ [المدثر] أي يرويه محمد ◌َ ل عن غيره ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ٢٥) [المدثر]، وقوله تعالى: ﴿وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾ [الأنعام: ١٠٥] كما تقدم إيضاحه في الأنعام، وقد كذبهم الله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة فيما افتروا عليه من البهتان بقوله: ﴿فَقَدْ جَءُوْ ظُلْمًا وَزُورًا﴾ قال الزمخشري ظلمهم أن جعلوا العربي يتلقن من الأعجمي الرومي كلاماً عربياً أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب، والزور هو أن بهتوه بنسبة ما ١٠٠٩ - سورة الفرقان: الآيتان (٥ - ٦) - هو برئ منه إليه انتهى، وتكذيبه - جل وعلا - لهم في هذه الآية الكريمة، جاء موضحاً في مواضع أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿ِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَكُ تُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] كما تقدم إيضاحه في سورة النحل، وقوله: ﴿وَكَذَبَ بِهِ، قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦] وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِرٌ يُؤْثَرُ (49) إِنْ : الآية [المدثر]؛ لأن سَأُصْلِهِ سَقَّرَ ﴿٨َ وَمَآ أَذَرَكَ مَا سَقَرُ هَذَآ إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (١٥) قوله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَّرَ ﴾﴾ [المدثر] بعد ذكر افترائه على القرآن العظيم يدل على عظم افترائه وأنه سيصلى بسببه عذاب سقر، أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منها، ومن كل ما قرب إليها من قول وعمل. واعلم أن العرب تستعمل جاء وأتى بمعنى فعل، فقوله: ﴿فَقَدْ جَُّو ظُلْمًا﴾ أي فعلوه، وقيل: بتقدير الباء؛ أي جاءوا بظلم، ومن إتيان أتى بمعنى فعل قوله تعالى: إِلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَنَواْ﴾ ... الآية [آل عمران: ١٨٨]؛ أي بما فعلوه. وقول زهير بن أبي سلمى: فما يك من خير أتوه فإنما توارثه آباء آبائهم قبل واعلم بأن الإفك هو أسوأ الكذب؛ لأنه قلب للكلام عن الحق إلى الباطل، والعرب تقول: أفكه بمعنى قلبه، ومنه قوله تعالى في قوم لوط ﴿وَالْمُؤْتَفِكَتِ أَنَنْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ﴾ [التوبة: ٧٠] وقوله: ﴿وَالْمُؤْنَفِكَّةَ أَهْوَى ﴾﴾﴾ [النجم] وإنما قيل لها مؤتفكات؛ لأن الملك أفكها أي قلبها كما أوضحه تعالى بقوله: ﴿فَجَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر: ٧٤]. قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ أَكْتَتَبَهَا فَهِىَ ثُعْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ الِزَّ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾﴾. ذكر - جل وعلا - في الأولى من هاتين الآيتين أن الكفار قالوا: إن هذا القرآن أساطير الأولين أي مما كتبه وسطره الأولون، كأحاديث رستم واسفنديار، وأن النبي وقاليه جمعه، وأخذه من تلك الأساطير، وأنه اكتتب تلك الأساطير، قال الزمخشري: أي كتبها لنفسه وأخذها، كما تقول: استكب الماء واصطبه إذا سكبه وصبه لنفسه وأخذه، وقوله: ﴿فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ أي تلقى إليه، وتقرأ عليه عند إرادته كتابتها ليكتبها، والإملاء إلقاء الكلام على الكاتب ليكتبه، والهمزة مبدلة من اللام تخفيفاً، والأصل في الإملاء الإملال باللام ومنه قوله تعالى: ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾. الآية [البقرة: ٢٨٢]، وقوله: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٩] البكرة: أول النهار، والأصيل: آخره. وما ذكر - جل وعلا - في هذه الآية من أن الكفار قالوا: إن القرآن أساطير الأولين، وأن النبي ◌َ ﴿ تعلمه من غيره وكتبه، جاء موضحاً في آيات متعددة كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَاْ إِنْ هَذَا إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ [الأنفال]. ١٠١٠ - سورة الفرقان: الآيتان (٥ - ٦) وقد ذكرنا آنفاً الآيات الدالة على أنهم افتروا عليه أنه تعلم القرآن من غيره، وأوضحنا تعنتهم، وكذبهم في ذلك في سورة النحل، ودلالة الآيات على ذلك في الكلام على قوله تعالى: ﴿لِسَابُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ﴾ ... الآية [النحل: ١٠٣]؛ فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ومن الآية الدالة على كذبهم في قوله: ﴿أَكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُعْلَى عَلَيْهِ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِنْ كِتَبٍ وَلَا تَخْتُمُ بِمِنِكٌَ إِذَا لَّأَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ٤٨ [العنبكوت]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىِّ الْأُمِّىَ﴾؛ إلى قوله تعالى ﴿فَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِّ الْأُمِّ﴾ ... الآية [الأعراف: ١٥٧ - ١٥٨]، والأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب. وما ذكر - جل وعلا - في الآية الأخيرة من قوله: ﴿قُلْ أَنَزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ أَلِزَّ فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ ... الآية. جاء أيضاً موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَمُ رُوِعُ الْقُدُسِ مِن زَبِّكَ﴾ ... الآية [النحل: ١٠٢]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ... الآية [البقرة: ٩٧]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِيلُ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍ مُبِينٍ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُُّحُ الْأَمِينُ (٣) عَلَى قَلْكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٥َِ)) [الشعراء] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُقْضَىَ إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ فَإِذَا [طه: ١١٤]، وقوله تعالى: ﴿لَا تُحُرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ: ﴿٨ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهٍُ (٣٨) قَرَأْنَهُ فَّعْ قُرْءَانَهُ ﴿َ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾﴾ [القيامة] وقوله تعالى: ﴿فَلَّ أُقْمُ بِمَا نُصِرُونَ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ (٨) وَلَا بِقَوْلِ كَاِهِنٍ ٤٠ إِنَّهُ لَقَوَّلُ رَسُولٍ كَرِمٍ وَمَا لَا نَبُصِرُونَ ®﴾ [الحاقة]، وقوله تعالى: ﴿تَزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ نَنْزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ (٤٣ قَلِيلًا مَا نَذَكَّرُونَ اُلْأَرْضَ وَالسَّمَوَتِ الْعُلَى جَ﴾ [طه] إلى غير ذلك من الآيات، وقوله هنا: ﴿الَّذِى يَعْلَمُ الْبِرَّ فِى السَمَوَتِ وَالْأَرْضِِّ﴾؛ أي ومن يعلم السر فلا شك أنه يعلم الجهر. ومن الآيات الدالة على ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من كونه تعالى يعلم السر في السماوات والأرض قوله تعالى: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوَّلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾﴾ [طه] وقوله تعالى: ﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُواْ بِّ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣)﴾ [الملك] وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَ اَللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَدُهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾ [التوبة] وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَدُهُمَّ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْثُبُونَ ()﴾ [الزخرف]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾﴾ [السجدة]، وقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىَ أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَةٍ : [النمل]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. ٧٥ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِ كِنَبٍ مُّبِينٍ وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا زَّحِيمًا﴾، قال فيه ابن كثير: هو دعاء لهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار لهم بأن رحمته واسعة، وأن حلمه عظيم، وأن من تاب إليه تاب عليه، فهؤلاء مع كذبهم، وافترائهم، وفجورهم، وبهتانهم، وكفرهم، وعنادهم، وقولهم عن الرسول والقرآن ما قالوا، يدعوهم إلى التوبة والإقلاع عما هم فيه ١٠١١ سورة الفرقان: الآية (٧) . إلى الإسلام والهدى، كما قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ إِلَهٌ وَحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنْتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيُ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [المائدة] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَّ بَتُوبُوْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَّمَ وَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (٣)﴾ [البروج]. قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود! قتلوا أولياءه، وهو يدعوهم إلى التوبة والرحمة، انتهى كلام ابن كثير - رحمه الله تعالى -. وما ذكره واضح. والآيات الدالة على مثله كثيرة كقوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿وَإِ لَغَفَّارُ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَمِلَ صَلِحًا﴾ ... الآية [طه: ٨٢]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِىِ اٌلْأَسْوَاقِ﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الكفار قالوا في نبينا وَّ ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾، يعنون ما لهذا الذي يدعي أنه رسول، وذلك كقول فرعون في موسى: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُزْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] أي ماله يأكل الطعام كما نأكله، فهو محتاج إلى الأكل كاحتياجنا إليه، ويمشي في الأسواق؛ أي لاحتياجه إلى البيع والشراء، ليحصل بذلك قوته، يعنون أنه لو كان رسولاً من عند الله، لكان ملكاً من الملائكة لا يحتاج إلى الطعام، ولا إلى المشي في الأسواق، وادعاء الكفار أن الذي يأكل كما يأكل الناس، ويحتاج إلى المشي في الأسواق لقضاء حاجته منها، لا يمكن أن يكون رسولاً. وأن الله لا يرسل إلّا ملكاً لا يحتاج للطعام، ولا للمشي في الأسواق، جاء موضحاً في آيات كثيرة، وجاء في آيات أيضاً تكذيب الكفار في دعواهم هذه الباطلة. فمن الآيات الدالة عل قولهم مثل ما ذكر عنهم في هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اَلْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَفْتَهُمْ فِي الْحَيَوِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَثَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَا تَأْكُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَا تَشْرَبُونَ () ٣٤) وَلَيِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ [المؤمنون] وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ جَآءَهُ الْهُدَىّ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَرً رَسُولًا (®)﴾ [الإسراء]، وقوله تعالى عنهم: ﴿فَقَالُواْ أَنْنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ ... الآية [المؤمنون: ٤٧]، وقوله تعالى: ﴿أَبَشْرًا مِنَا وَحِدًا نََّّعُهُ﴾ ... الآية [القمر: ٢٤]، وقوله: ﴿فَقَالُواْ أَبَشَرٌ بَهُدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّوَأَ وَّأَسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ ... الآية [التغابن: ٦]. وقوله تعالى: ﴿قَالُواْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا قُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا﴾ [إبراهيم: ١٠]. ومن الآيات التي كذبهم الله بها في دعواهم هذه الباطلة، وبين فيها أن الرسل يأكلون ويمشون في الأسواق ويتزوجون ويولد لهم، وأنهم من جملة البشر، إلا أنه فضلهم بوحيه ورسالته، وأنه لو أرسل للبشر ملكاً لجعله رجلاً، وأنه لو كانت في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين، لنزل عليهم ملكاً رسولاً؛ لأن المرسل من جنس ١٠١٢ سورة الفرقان: الآيتان (٧ - ٨) المرسل إليهم، قوله تعالى في هذه السورة الكريمة: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى الْأَسْوَاقِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِيَّةٌ﴾ [الرعد: ٣٨] وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩]؛ أي ولم نجعلهم ملائكة؛ لأن كونهم رجالاً وكونهم من أهل القرى، صريح في أنهم ليسوا ملائكة، وقوله تعالى: ﴿وَلَوَّ جَعَلْنَهُ مَلَڪًا أَجَعَلْتَهُ رَجُلًا وَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]، وقد أمر الله نبيه مو ◌ّل أن يقول للكفار: إنه بشر، وإنه رسول؛ وذلك لأن البشرية لا تنافي الرسالة في قوله تعالى: ﴿قُلّ سُبْحَانَ رَبِ هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَّ إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَجِدٌّ فَن كَانَ يَرْجُوْ لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ رَيْدِ أَحَدًّاً ﴿٢﴾ [الكهف]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهَّكُمْ إِلَهُ وَحِدٌ فَأُسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُوهُ وَوَبِلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾﴾ [فصلت]. وبين - جل وعلا - أن الرسل قالوا مثل ذلك في قوله: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن ◌َّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١]، وقال تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِى الْأَرْضِ مَلَبِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَِّنِينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا ( (٩٥)﴾ [الإسراء]، وقوله تعالى: ﴿وَيَمْشِى فِي الْأََّوَاقِ﴾ جمع سوق وهي مؤنثة، وقد تذكر، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُمْ نَذِيرًا ﴿ أَوْ يُلْقَ إِلَيْهِ كَنْزُّ أَوْ تَكُنُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ اعلم أولاً أن ((لولا)) في هذه الآية الكريمة حرف تحضيض على التحقيق، والتحضيض: هو الطلب بحث، وشدة، وإليه أشار في الخلاصة بقوله: ألا ألا وأولينها الفعلا وبهما التحضيض مزوهلا وبه تعلم أن المضارع في قوله: ﴿فَيَكُوُنَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ منصوب بأن مستترة وجوباً؛ لأن الفاء في جواب الطلب المحض الذي هو التحضيض، كما أشار له في الخلاصة بقوله : وبعد فا جواب نفي أو طلب محضين أن وسترها حتم نصب ونظير هذا من النصب بأن المستترة بعد الفاء التي هي جواب التحضيض، قوله تعالى: ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَِىّ إِلَى أَجَلِ قَرِيبٍ فَأَصَّذَفَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]، لأن قوله: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِىَ﴾ طلب منه للتأخير بحث وشدة، كما دل عليه حرف التحضيض الذي هو (لولا))، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر: فتخمدي نار وجد كاد يفنيه لولا تعوجين يا سلمى على دنف فقوله تعالى في الآية الكريمة: ((فأصدق)» بالنصب، وقول الشاعر: فتخمدي! منصوب أيضاً بحذف النون؛ لأن الفاء في جواب الطلب المحض الذي هو التحضيض. ١٠١٣ سورة الفرقان: الآيتان (٧ - ٨) - واعلم أن جزم الفعل المعطوف على الفعل المنصوب، أعني قوله: ﴿وَأَكُنْ مِّنَ الصَّلِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] إنما ساغ فيه الجزم؛ لأنه عطف على المحل؛ لأن الفاء لو حذفت مع قصد جواب التحضيض لجزم الفعل، وجواز الجزم المذكور عند الحذف المذكور، هو الذي سوغ عطف المجزوم على المنصوب. وقد أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله: وبعد غير النفي جزماً اعتمد إن تسقط الفا والجزاء قد قصد وبما ذكرنا تعلم أن ما ذكره القرطبي وغيره، وأشار له الزمخشري من أن (لولا)) في الآية للاستفهام، ليس بصحيح. واعلم أن الكفار في هذه الآية الكريمة اقترحوا بحث وشدة عليه وسل و ثلاثة أمور: الأول: أن ينزل إليه ملك، فيكون معه نذيراً؛ أي يشهد له بالصدق، ويعينه على التبليغ. الثاني: أن يلقى إليه كنز، أي ينزل عليه كنز من المال ينفق منه، ويستغني به عن المشي في الأسواق. الثالث: أن تكون له جنة يأكل منها، والجنة في لغة العرب البستان، ومنه قول زهير: من النواضح تسقى جنة سحقا كأن عيني في غربي مقتلة فقوله: تسقى جنة أي بستاناً، وقوله: سحقاً يعني أن نخله طوال. وهذه الأمور الثلاثة المذكورة في هذه الآية الكريمة التي اقترحها الكفار وطلبوها بشدة وحث، تعنتاً منهم وعناداً، جاءت مبينة في غير هذا الموضع، فبين - جل وعلا - في سورة هود اقتراحهم، لنزول الكنز، ومجيء الملك معه، وأن ذلك العناد والعنت قد يضيق به صدره وَّ﴿ وذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَمَلَّكَ ثَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَابِقٌ بِه صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَفُّ أَوْ جَآءَ مَعَهُمْ مَلَكُ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢]، وبين - جل وعلا - في سورة بني إسرائيل اقتراحهم الجنة، وأوضح أنهم يعنون بها بستاناً من نخيل وعنب، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَتْبُوعًا ﴿ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّنْ تَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَنُفَجِّرَ الْأَنْهَرَ خِلَلَهَا تَفْجِيًّا (﴾﴾ [الإسراء] واقتراحهم هذا شبيه بقول فرعون في موسى: ﴿فَلَوْلَآ أُلْفِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّنْ ذَهَبٍ أَوْ جَّةَ مَعَهُ ﴾ [الزخرف] تشابهت قلوبهم فتشابهت أقوالهم. ١٥٣ الْمَلَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ وقد قدمنا في الكلام على آية سورة بني إسرائيل، هذه الآيات الدالة على كثرة اقتراح الكفار، وشدة تعنتهم وعنادهم، وأن الله لو فعل لهم كل ما اقترحوا لما آمنوا كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّْنَا عَلَيْكَ كِنَبًا فِى فِرْطَاسِ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيِهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ ◌ُِّينٌ ﴾﴾ [الأنعام] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ فَنَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونٌ (١) لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَرَنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾﴾ [الحجر] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَا نَزَّلْنَاً إِلَهِمُ الْمَِّكَةَ وَكَلَّمَّهُمُ الْقَ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلََّ أَنْ يَشَآءَ اَللَّهُ﴾ ... الآية [الأنعام: ١١١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿ وَلَوْ جَمَّتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ﴾ ... الآية [يونس]، إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم. ١٠١٤ سورة الفرقان: الآيتان (٨ - ٩) وقال الزمخشري في تفسير آية الفرقان هذه: يأكل الطعام كما نأكل، ويتردد في الأسواق كما نتردد، يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكاً مستغنياً عن الأكل والتعيش، ثم نزلوا عن اقتراحهم أن يكون ملكاً إلى اقتراح أن يكون إنساناً معه ملك، حتى يتساعدا في الإنذار والتخويف، ثم نزلوا أيضاً فقالوا إن لم يكن مرفوداً بذلك، فليكن مرفوداً بكنز يلقى إليه من السماء، يستظهر به، ولا يحتاج إلى تحصيل المعاش، ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون له بستان يأكل منه، ويرتزق كالدهاقين أو يأكلون هم من ذلك البستان، فينتفعون به في دنياهم، ومعاشهم، انتهى منه. وكل تلك الاقتراحات لشدة تعنتهم، وعنادهم. وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير حمزة والكسائي ((يأكل منها)) بالمثناة التحتية، وقرأ حمزة والكسائي: ((جنة نأكل منها)) بالنون، وهذه القراءة هي مراد الزمخشري بقوله: أو يأكلون هم من ذلك البستان. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَِّعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا ﴿ أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ: الْأَمْثَلَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الظالمين وهم الكفار قالوا للذين اتبعوا النبي وَله: ﴿إِن تَشَِّعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ يعنون أنه أثر فيه السحر فاختلط عقله فالتبس عليه أمره، وقال مجاهد: مسحوراً أي مخدوعاً كقوله فأنى تسحرون: أي من أين تخدعون، وقال بعضهم: مسحوراً؛ أي له سحر أي رئة فهو لا يستغني عن الطعام والشراب، فهو بشر مثلكم، وليس بملك، وقد قدمنا كلام أهل العلم في قوله: ((مسحوراً)) بشواهده العربية في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَى﴾ [طه: ٦٩] ولما ذكر الله هذا الذي قاله الكفار في نبيه 1، من الإفك والبهتان خاطب نبيه وَّله بقوله: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَلَ فَضَلُواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ﴾﴾، وما قاله الكفار في هذه الآية أعني قولهم: ﴿إِن تَشَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ وما قاله الله لنبيه في ذلك، وهو قوله: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ الآية. جاء كله مصرحاً به في سورة بني إسرائيل في قوله تعالى: ﴿وَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَ إِذْ يَقُولُ الَِّمُونَ إِن تَنَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا ﴾﴾ [الإسراء]. مَّسْحُورًا (﴿ أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا قال الزمخشري: ضربوا لك الأمثال: قالوا فيك تلك الأقوال، واقترحوا لك تلك الصفات والأحوال النادرة، من نبوة مشتركة بين إنسان وملك، وإلقاء كنز عليك من السماء، وغير ذلك، فبقوا متحيرين ضلالاً لا يجدون قولاً يستقرون عليه، أو فضلوا عن الحق، فلا يجدون طريقاً إليه، اهـ. والأظهر عندي في معنى الآية ما قاله غير واحد من أن معنى: ﴿ضَرَّبُواْ لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ أنهم تارة يقولون إنك ساحر، وتارة مسحور، وتارة مجنون، وتارة شاعر، وتارة كاهن، وتارة كذاب، ومن ذلك ما ذكر الله عنهم من قوله هنا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَّ إِفُْ أَفْتَرَهُ﴾ ... الآية، وقوله: ﴿وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ وقوله: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن ١٠١٥ سورة الفرقان: الآية (١١). تَشَِّعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ وقوله تعالى: ﴿فَضَلُّواْ﴾ أي عن طريق الحق؛ لأن الأقوال التي قالوها، والأمثال التي ضربوها كلها كذب وافتراء، وكفر مخلد في نار جهنم، فالذين قالوها هم أضل الضالين، وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ فيه أقوال كثيرة متقاربة. وأظهرها أن معنى: ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾؛ أي طريقاً إلى الحق والصواب، ونفى الاستطاعة المذكور هنا كقوله تعالى: ﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠] وقوله تعالى: ﴿اَلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُهُمْ فِى غِطَآءٍ عَن ذِكْرِى وَكَانُواْ لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ( [الكهف] وقد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ﴾ وقد قدمنا أيضاً معنى الظلم والضلال وما فيهما من الإطلاقات في اللغة مع الشواهد العربية في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك، فأغنى ذلك عن إعادته هنا . قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِلتَّاعَةِ سَعِيرًا (﴾﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الكفار كذبوا بالساعة؛ أي أنكروا القيامة من أصلها لإنكارهم البعث بعد الموت والجزاء، وأنه - جل وعلا - اعتد أي هيأ وأعد لمن كذب بالساعة، أي أنكر يوم القيامة سعيراً؛ أي ناراً شديدة الحر يعذبه بها يوم القيامة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالشَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ يدل على أن التكذيب بالساعة كفر مستوجب لنار جهنم، كما سترى الآيات الدالة على ذلك قريباً إن شاء الله تعالى، وهذان الأمران المذكوران في هذه الآية الكريمة، وهما تكذيبهم بالساعة، ووعيد الله لمن كذب بها بالسعير؛ جاءا موضحين في آيات أخر، أما تكذيبهم بيوم القيامة لإنكارهم البعث، والجزاء بعد الموت، فقد جاء في آيات كثيرة عن طوائف الكفار كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٨) إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَتْنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ ٣٥ [الدخان] وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُخْىِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] إلى غير ذلك من الآيات. وأما كفر من كذب بيوم القيامة ووعيده بالنار، فقد جاء في آيات كثيرة: كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ الَّهِ حَقٌ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيَا قُلْتُ مَّا نَدْرِى مَا السَّاعَةُ إِن نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣) إلى قوله: ﴿وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّصِرِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢ - ٣٤] فقوله: ﴿وَمَأْوَنكُمُ النَّارُ﴾ بعد قوله: ﴿قُلْتُ مَّا نَدْرِى مَا السَّاعَةُ﴾ ... الآية، يدل على أن قولهم: ما ندري ما الساعة هو سبب كون النار مأواهم، وقوله بعده: ﴿ذَلِكُم ◌ِأَنَّكُ لَّخَذْتُمْ ءَيَتِ اَلَّهِ هُزُوًا﴾ [الجاثية: ٣٥] لا ينافي ذلك؛ لأن من اتخاذهم آيات الله هزواً تكذيبهم بالساعة، وإنكارهم البعث كما لا يخفى. وكقوله تعالى: ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُّ أَِذَا كُنَّا تُرَبًا أَئِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ وَأُوْلَئِكَ آلْأَغَْلُ فِيَّ أَعْنَاقِهِمٌّ وَأُوْلَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيَا خَالِدُونَ [الرعد] فقد بين - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة من سورة الرعد أن إنكارهم البعث، ١٠١٦ سورة الفرقان: الآية (١٢). الذي عبروا عنه باستفهام الإنكار في قوله تعالى عنهم: ﴿أَِذَا كُنَّا تُرَبًا أَمِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٌ﴾ جامع بين أمرين: الأول منهما أنه عجب من العجب لكثرة البراهين القطعية الواضحة الدالة على ما أنكروه. والثاني منهما وهو محل الشاهد من الآية أن إنكارهم البعث المذكور كفر مستوجب للنار وأغلالها والخلود فيها، وذلك في قوله تعالى مشيراً إلى الذين أنكروا البعث ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمَّ وَأُوْلَئِكَ الْأَغْذَلُ فِي أَعْنَاقِهِمٌّ وَأُوْلَكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ [الرعد: ٥] ومعلوم أن إنكار البعث إنكار للساعة، وكقوله تعالى: ﴿فَلَا [طه] أى لا يصدنك من لا يؤمن يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ فَتَرْدَى ﴾﴾ بالساعة عن الإيمان بها، فتردى؛ أي تهلك لعدم إيمانك بها، والردى الهلاك، وهو هنا عذاب النار بسبب التكذيب بالساعة، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِىِ عَنْهُ مَالُهُمْ إِذَا تَرََّ [الليل] وقوله تعالى في آية طه هذه: ((فتردى))، يدل دلالة واضحة على أنه إن صده من لا يؤمن بالساعة عن التصديق بها أن ذلك يكون سبباً لرداه؛ أي هلاكه بعذاب النار كما لا يخفى، وكقوله تعالى: ﴿وَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا وَلِقَآَى الْآَخِرَةِ فَأُوْلَبِكَ فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (٣)﴾ [الروم] فآية الروم هذه، تدل على أن الذين كذبوا بلقاء الآخرة وهم الذين كذبوا بالساعة معدودون مع الذين كفروا وكذبوا بآيات الله، وأنهم في العذاب محضرون؛ وهو عذاب النار. والآيات بمثل ذلك كثيرة. ) وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ﴾ أظهر الأقوال فيه عندي أنه متصل بما يليه، وأن ((بل)) فيه للإضراب الانتقالي، وقد أوضحنا معنى السعير مع بعض الشواهد العربية في أول سورة الحج، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿إِذَا رَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَمَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا COF ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الناز يوم القيامة، إذا رأت الكفار من مكان بعيد؛ أي في عرصات المحشر اشتد غيظها على من كفر بربها، وعلا زفيرها فسمع الكفار صوتها من شدة غيظها، وسمعوا زفيرها. وما ذكره - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة بين بعضه في سورة الملك، فأوضح فيها شدة غيظها على من كفر بربها، وأنهم يسمعون لها أيضاً شهيقاً مع الزفير الذي ذكره في آية الفرقان هذه، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِذَا أَلْقُواْ فِيَهَا سَمِعُواْ لَمَا شَهِيقًا وَهِىَ تَفُورُ (٣ تَكَادُ تَمَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٧ - ٨] أي يكاد بعضها ينفصل عن بعض من شدة غيظها على من كفر بالله تعالى. وللعلماء أقوال في معنى الزفير والشهيق، وأقربها أنهما يمثلهما معاً صوت الحمار في نهیقه، فأوله زفير، وآخره الذي يردده في صدره شهيق. ١٠١٧ سورة الفرقان: الآية (١٢) -- والأظهر أن معنى قوله تعالى: ﴿سَمِعُواْ لَا تَغَيُّظًا﴾؛ أي سمعوا غليانها من شدة غيظها، ولما كان سبب الغليان التغيظ أطلقه عليه، وذلك أسلوب عربي معروف. وقال بعض أهل العلم: ﴿سَمِعُواْ لَمَا تَغَيُّظًا﴾؛ أي أدركوه، والإدراك يشمل الرؤية والسمع، وعلى هذا فالسمع مضمن معنى الإدراك، وما ذكرنا أظهر. وقال القرطبي: قيل المعنى إذا رأتهم جهنم سمعوا لها صوت التغيظ عليهم، ثم ذكر في آخر كلامه أن هذا القول هو الأصح. مسألة: إعلم أن التحقيق أن النار تبصر الكفار يوم القيامة، كما صرح الله بذلك في قوله هنا: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ ورؤيتها إياهم من مكان بعيد، تدل على حدة بصرها كما لا يخفى، كما أن النار تتكلم كما صرح الله به في قوله: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ آمْتَلَأْتِ وَتَّقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ [ق] والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة، كحديث محاجة النار مع الجنة، وكحديث اشتكائها إلى ربها، فأذن لها في نفسين، ونحو ذلك، ويكفي في ذلك أن الله - جل وعلا - صرح في هذه الآية، أنها تراهم وأن لها تغيظاً على الكفار، وأنها تقول: ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ . واعلم أن ما يزعمه كثير من المفسرين وغيرهم، من المنتسبين للعلم من أن النار لا تبصر، ولا تتكلم، ولا تغتاظ. وأن ذلك كله من قبيل المجاز، أو أن الذي يفعل ذلك خزنتها؛ كله باطل ولا معول عليه لمخالفته نصوص الوحي الصحيحة بلا مستند، والحق هو ما ذكرنا. وقد أجمع من يعتد به من أهل العلم على أن النصوص من الكتاب والسنة، لا يجوز صرفها عن ظاهرها إلا لدليل يجب الرجوع إليه، كما هو معلوم في محله . . وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: إن القول بأن النار تراهم هو الأصح، ثم قال: لما روي مرفوعاً أن رسول الله و ﴿ قال: ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ بين عيني جهنم مقعداً)) قيل: يا رسول الله أو لها عينان؟ قال: ((أو ما سمعتم الله - عز وجل - يقول: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾، يخرج عنق من النار له عينان تبصران ولسان ينطق فيقول: وكلت بكل من جعل مع الله إلهاً آخر فهو أبصر بهم من الطير بحب السمسم فيلتقطه)). وفي رواية: ((يخرج عنق من النار فيلتقط الكفار لقط الطائر حب السمسم)) ذكره رزين في كتابه، وصححه ابن العربي في قبسه، وقال: أي تفصلهم عن الخلق في المعرفة، كما يفصل الطائر حب السمسم عن التربة، وخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله وهلهو: ((يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق فيقول: إني وكلت بثلاث: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهاً آخر، وبالمصورين)) وفي الباب عن أبي سعيد. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح. انتهى محل الغرض من كلام القرطبي. ١٠١٨ سورة الفرقان: الآيتان (١٣ - ١٤) وقال صاحب الدر المنثور: وأخرج الطبراني، وابن مردويه من طريق مكحول، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله وَلجر: ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعداً من بين عيني جهنم)). قالوا يا رسول الله: وهل لجهنم من عين؟ قال: ((نعم أما سمعتم الله يقول: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ فهل تراهم إلا بعينين)) وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، من طريق خالد بن دريك، عن رجل من الصحابة قال: قال رسول الله وَله: ((من يقل عليّ ما لم أقل، أو ادعى إلى غير والديه، أو انتمى إلى غير مواليه، فليتبوأ بين عيني جهنم مقعداً) قيل: يا رسول الله وهل لها من عينين؟ قال: ((نعم أما سمعتم الله يقول: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن فَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ إلى آخر كلامه))، وفيه شدة هول النار، وأنها تزفر زفرة يخاف منها جميع الخلائق. نرجو الله - جل وعلا - أن يعيذنا وإخواننا المسلمين منها، ومن كل ما قرب إليها من قول وعمل. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَانَا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا ﴿ لَّا نَدْعُواْ الْيَوْمَ ثُبُورًا وَحِدًا وَأَدْعُواْ ثُبُورًا كَثِيرًا ﴾﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن أهل النار إذا ألقوا أي طرحوا في مكان ضيق من النار، في حال كونهم مقرنين، دعوا هنالك: أي في ذلك المكان الضيق ثبوراً، فيقال لهم: لا تدعوا ثبوراً واحداً وادعوا ثبوراً كثيراً، فقوله: مكاناً منصوب على الظرف، كما قال أبو حيان في البحر المحيط. وما ذكره هنا من أنهم يلقون في مكان ضيق من النار، جاء مذكوراً أيضاً في غير ﴾ [الهمزة] وقوله هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُؤْصَدَةٌ جَ فِ عَمَدٍ مُمَدَّدَقٍ ( تعالى: ﴿وَلَِّيْنَ كَفَرُواْ بِشَيْنَا هُمْ أَصْحَبُ الْمَشْتَمَةِ (٨) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٣٥)﴾ ومعنى مؤصدة من الموضعين بهمز، وبغير همز: مطبقة أبوابها، مغلقة عليهم كما أوضحناه بشواهده العربية في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُم بَسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨] ومن كان في مكان مطبق مغلق عليه، فهو في مكان ضيق، والعياذ بالله، وقد ذكر أن الواحد منهم يجعل في محله من النار بشدة كما يدق الوتد في الحائط، وعن ابن مسعود أن جهنم تضيق على الكافر كتضييق الزج على الرمح. والزج بالضم: الحديدة التي في أسفل الرمح. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ((مقرنين))؛ أي في الأصفاد بدليل قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيِذٍ مُقَرَّنِينَ فِىِ الْأَصْفَادِ ®﴾ [إبراهيم] والأصفاد: القيود، والأظهر أن معنى مقرنين أن الكفار يقرن بعضهم إلى بعض في الأصفاد والسلاسل، وقال بعض أهل العلم: كل كافر يقرن هو وشيطانه، وقد قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَيَّتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ اُلْفَرِينُ (®﴾ [الزخرف]. وهذا أظهر من قول من قال: مقرنين مكتفين، ومن قول من قال: مقرنين؛ أي قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، والثبور: الهلاك والويل والخسران .. ١٠١٩ سورة الفرقان: الآيتان (١٣ - ١٤) وقال ابن كثير: والأظهر أن الثبور يجمع الخسار والهلاك والويل والدمار. كما قال موسى لفرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُكَ يَفِرْعَوْثُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] أي هالكاً، قال عبد الله بن الزبعرى السهمي : إذا جارى الشيطان في سنن الغـ ى ومن مال ميله مثبور. اهـ. وقال الجوهري في صحاحه: والثبور: الهلاك والخسران أيضاً، قال الكميت: من رأي مثبور وثابر ورأت قضاعة في الأيا أي مخسور وخاسر يعني في انتسابها لليمن. اهـ منه .... وقوله تعالى: ﴿رَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ معنى دعائهم الثبور هو قولهم: واثبوراه، يعنون: يا ويل، ويا هلاك، تعال، فهذا حينك وزمانك. وقال الزمخشري: ومعنى ﴿وَأَدْعُواْ ثُبُورًا كَثِيرً﴾ أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحداً، إنما هو ثبور كثير، إما لأن العذاب أنواع وألوان، كل نوع منها ثبور، لشدته وفظاعته، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها، فلا غاية لهلاكهم، اهـ. تنبيه: اعلم أنه تعالى في هذه الآية الكريمة قال: ﴿مَكَنَا ضَيِّقًا﴾، وكذلك في الأنعام في قوله تعالى: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَمُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] وقال في هود: ﴿وَضَآَبِقٌ بِهِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢] فما وجه التعبير في سورة هود، بقوله: ((ضائق)) على وزن فاعل، وفي الفرقان والأنعام بقوله: ((ضيقاً)) على وزن فيعل، مع أنه في المواضع الثلاثة هو الوصف من ضاق يضيق، فهو ضيق. والجواب عن هذا هو أنه تقرر في فن الصرف أن جميع أوزان الصفة المشبهة باسم الفاعل إن قصد بها الحدوث والتجدد جاءت على وزن فاعل مطلقاً، كما أشار له ابن مالك في لا ميته بقوله: وفاعل صالح للكل إن قصد الـ حدوث نحو غداذاً فارح جذلا وإن لم يقصد به الحدوث، والتجدد بقي على أصله. وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله تعالى في سورة هود: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآَبِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢] أريد به أنه يحدث له ضيق الصدر، ويتجدد له بسبب عنادهم وتعنتهم في قولهم: ﴿لَوَّلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنَّ أَوْ جَآءَ مَعَهُم مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢] ولما كان كذلك، قيل فيه: ((ضائق)) بصيغة اسم الفاعل، أما قوله: ((ضيقاً)) في الفرقان والأنعام فلم يرد به حدوث، ولذلك بقي على أصله. ومن أمثلة إتيان الفيعل على فاعل إن قصد به الحدوث قوله تعالى: ﴿وَضَاِبِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢] وقولٍ قيس بن الخطيم الأنصاري: أبلغ خداشاً أنني ميت كل امرئ ذي حسب مائت ١٠٢٠ - - سورة الفرقان: الآية (١٦) فلما أراد حدوث الموت قال: مائت بوزن فاعل، وأصله ميت على وزن فيعل. ومن أمثلته في فعل بفتح فكسر قول أبي عمرو أشجع بن عمرو السلمي يرثي قتيبة بن مسلم : ولا بسرور بعد موتك فارح فما أنا من رزء وإن جل جازع فلما نفى أن يحدث له في المستقبل فرح ولا جزع قال جازع وفارح، والأصل: جزع وفرح. ومثاله في فعيل قول لبيد: حسبت التقى والجود خير تجارة رباحاً إذا ما المرء أصبح ثاقلاً فلما أراد حدوث الثقل قال: ثاقلاً والأصل ثقيل، وقول السمهري العكلي: بها وكرام الناس باد شحوبها بمنزلة أما اللثيم فسامن فلما أراد حدوث السمن قال: فسامن والأصل سمين. واعلم أن قراءة ابن كثير ((ضيقاً)) بسكون الياء في الموضعين راجعة في المعنى إلى قراءة الجمهور بتشديد الياء؛ لأن إسكان الياء تخفيف كهين ولين، في هين ولين. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرَّ أَمْ جَنَّةُ الْخُدْدِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً وَمَصِيرًّالَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَلِينَّ كَانَ عَلَى رَيْكَ وَعْدًا فَسْتُولًا. التحقيق أن الإشارة في قوله: ((أذلك)) راجعة إلى النار، وما يلقاه الكفار فيها من أنواع العذاب كما ذكره - جل وعلا - بقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَدْعُواْ ثُبُورًا كَثِيرًا﴾، وغير هذا من الأقوال لا يعول عليه، كقول من قال: إن الإشارة راجعة إلى الكنز والجنة في قوله تعالى: ﴿أَوْ يُلْقَ إِلَيْهِ كَثُّّ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ الآية، وكقول من قال: إنها راجعة إلى الجنات والقصور المعلقة على المشيئة في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا اُلْأَنْهَرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا (٣)﴾ والتحقيق - إن شاء الله - أنه لما ذكر شدة عذاب النار وفظاعته قال: أذلك العذاب خير أم جنة الخلد، الآية. وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة، جاء أيضاً في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في سورة الصافات: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ ﴾ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ اَلْعَمِلُونَ ﴿ أَذَلِكَ خَيْرٌ ثُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُومِ ﴿ إِنَّا جَعَلْنَهَا فِتْنَةٌ لِلْظَّالِمِينَ (٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ فَإِنَهُمْ لَكِلُونَ مِنْهَا فَالِثُونَ مِنْهَا طَلْعُهَا كَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَطِينِ" (٦٤) تَّخْرُجُ فِّ أَصْلِ الْجَحِيمِ اَلْبُطُونَ (®﴾ إلى قوله: ﴿يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٦٠ - ٧٠] وكقوله تعالى: ﴿أَفَ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرُ أَم مَّن يَأْتِىّ ءَامِنًا يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ ... الآية [فصلت: ٤٠]