النص المفهرس

صفحات 981-1000

٩٨١
سورة النور: الآية (٣٢) -
الإيمان في الآيتين فيه تهييج لهم، وحث على امتثال الأمر؛ لأن الاتصاف بصفة الإيمان
بمعناه الصحيح، يقتضي المسارعة إلى امتثال أمر الله، واجتناب نهيه، والرجاء المفهوم
من لفظة ((عسى)) في آية التحريم، هو المفهوم من لفظة ((لعل)) في آية النور كما لا يخفى.
وهناك مسائل متعلقة بالآية الكرية يرجع من أراد الوقوف عليها إلى الأصل.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُواْ الْأَيَعَى مِنْكُرْ وَالصَِّينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَّبِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ
اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾، الإنكاح هنا معناه: التزويج ﴿وَأَنكِحُواْ الْأَيَمَ﴾ أي زوجوهم، والأيامى:
جمع أيم بفتح الهمزة، وتشديد الياء المكسورة، والأيم: هو من لا زوج له من الرجال
والنساء، سواء كان قد تزوج قبل ذلك، أو لم يتزوج قط. يقال: رجل أيم، وامرأة
أيم. وقد فسر الشماخ بن ضرار في شعره: الأيم الأنثى بأنها التي لم تتزوج في حالتها
الراهنة، وذلك في قوله:
وإن لم أنلها أيم لم تزوج
يقر بعيني أن أنبأ أنها
فقوله: لم تزوج تفسير لقوله: أنها أيم. ومن إطلاق الأيم على الذكر الذي لا
زوج له قول أمية بن أبي الصلت الثقفي :
أيم منهم وناكح
لله دربني على
ومن إطلاقه على الأنثى قول الشاعر:
وأحببت لما أن غنيت الغوانيا
أحب الأيامى إذ بثينة أيم
والعرب تقول: آم الرجل يئيم، وآمت المرأة تئيم إذا صار الواحد منهما أيماً.
وكذلك تقول: تأيم إذا كان أيماً.
ومثاله في الأول قول الشاعر:
رجاء بسلمى أن تأتئيم كما إمت
لقد إمت حتى لامني كل صاحب
ومن الثاني قوله:
فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمى
وإن كنت أفتى منكم
أتايم
ومن الأول أيضاً قول يزيد بن الحكم الثقفي:
العرس أو منها يئيم
كل امرئ ستئيم منه
وقول الآخر:
إخال بأن سييتم أو تئيم
نجوت بقوف نفسك غير أني
يعني: بيتم ابنك وتيأم امرأتك.
فإذا علمت هذا فاعلم أن قوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَأَنْكِحُواْ الْأَيَى﴾ شامل
للذكور والإناث. وقوله في هذه الآية ﴿مِنكُمْ﴾ أي من المسلمين، ويفهم من دليل

٩٨٢ -
سورة النور: الآية (٣٢)
الخطاب أي مفهوم المخالفة في قوله: ((منكم))، أن الأيامى من غيركم؛ أي من غير
المسلمين، وهم الكفار ليسوا كذلك.
وهذا المفهوم الذي فهم من هذه الآية جاء مصرحاً به في آيات أخر كقوله تعالى
في أيامى الكفار الذكور: ﴿وَلَا تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ﴾ [البقرة: ٢٢١]. وقوله في
أيامى هم الإناث: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقوله فيهما جميعاً:
﴿فَإِنْ عَلِّمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُغَارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَ هُمْ يَحِلُونَ لَهُنَّ ﴾ [الممتحنة: ١٠].
وبهذه النصوص القرآنية الصريحة الموضحة لمفهوم هذه الآية، تعلم أنه لا يجوز
تزويج المسلمة للكافر مطلقاً، وأنه لا يجوز تزويج المسلم للكافرة، إلا أن عموم هذه
الآيات خصصته آية المائدة، فأبانت أن المسلم يجوز له تزوج المحصنة الكتابية خاصة،
وذلك في قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّ وَالْمُحْصَنَكُ مِنَ
المُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فقوله تعالى عاطفاً على ما
يحل للمسلمين: ﴿وَأْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْكِتَبَ﴾ صريح في إباحة تزوج المسلم
للمحصنة الكتابية، والظاهر أنها الحرة العفيفة.
فالحاصل أن التزويج بين الكفار والمسلمين ممنوع في جميع الصور، إلا صورة
واحدة، وهي تزوج الرجل المسلم بالمرأة المحصنة الكتابية، والنصوص الدالة على
ذلك قرآنية كما رأيت.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿وَالصَّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُ وَإِمَّبِكُمْ﴾ دليل على لزوم
تزويج الأيامى من المملوكين الصالحين، والإماء المملوكات، وظاهر هذا الأمر
الوجوب لما تقرر في الأصول.
وقد بيناه مراراً من أن صيغة الأمر المجردة عن القرائن تقتضي الوجوب، وبذلك
تعلم أن الخالية من زوج إذا خطبها كفء ورضيته، وجب على وليها تزويجها إياه، وأن
ما يقوله بعض أهل العلم من المالكية ومن وافقهم من أن السيد له منع عبده وأمته من
التزويج مطلقاً غير صواب لمخالفته لنص القرآن في هذه الآية الكريمة.
واعلم أن قوله في هذه الآية الكريمة: ((وإمائكم))، بينت آية النساء أن الأمة لا
تزوج للحر إلا بالشروط التي أشارت إليها الآية، فآية النساء المذكورة مخصصة بعموم آية
النور هذه بالنسبة إلى الإماء وآية النساء المذكورة هي قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ
طَوْلًا أَن يَنْكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن ◌َّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِّن فَيَتِكُمُ﴾ إلى قوله تعالى:
﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمُ﴾ [النساء: ٢٥] فدلت آية النساء هذه
على أن الحر لا: يجوز له أن يتزوج المملوكة المؤمنة، إلا إذا كان غير مستطيع تزويج
حرة لعدم الطول عنده وقد خاف الزنى، فله حينئذٍ تزوج الأمة بإذن أهلها المالكين لها،
ويلزمه دفع مهرها، وهي مؤمنة عفيفة ليست من الزانيات ولا متخذات الأخدان، ومع

٩٨٣
سورة النور: الآية (٣٢) .
هذا كله فصبره عن تزويجها خير له، وإذا كان الصبر عن تزويجها مع ما ذكرنا من
الاضطرار خيراً له فمع عدمه أولى بالمنع. وبما ذكرنا تعلم أن الصواب قول الجمهور
من منع تزويج الحر الأمة، إلا بالشروط المذكورة في القرآن كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَّمْ
يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾. وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾؛ أي الزنى، إلى آخر ما
ذكر في الآية خلافاً لأبي حنيفة القائل بجواز نكاحها مطلقاً، إلا إذا تزوجها على حرة.
والحاصل أن قوله تعالى في آية النور هذه: ﴿وَإِمَّيِكُمْ﴾ خصصت عمومه آية
النساء كما أوضحناه آنفاً، والعلماء يقولون: إن علة منع تزويج الحر الأمة، أنها إن
ولدت منه كان ولدها مملوكاً؛ لأن كل ذات رحم فولدها بمنزلتها، فيلزمه ألا يتسبب
في رق أولاده ما استطاع، ووجهه ظاهر كما ترى.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فيه وعد
من الله للمتزوج الفقير من الأحرار، والعبيد بأن الله يغنيه، والله لا يخلف الميعاد، وقد
وعد الله أصحاب رسول الله ( # الفقراء باليسر بعد ذلك العسر، وأنجز لهم ذلك،
وذلكم في قوله تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾؛ أي ضيق عليه رزقه، إلى قوله تعالى:
﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُمْرًا﴾ [الطلاق: ٧] وهذا الوعد منه جل وعلا وعد به من اتقاه في
قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَمًا ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ﴾ ... الآية
[الطلاق: ٢، ٣]. ووعد بالرزق أيضاً من يأمر أهله بالصلاة، ويصطبر عليها وذلك في
قوله: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ وَأَصْطَبِرْ عَلَهَا لَا نَسْتَلُكَ رِزْقً نَّحْنُ نَرْزُقُكْ وَالْعَقِبَةُ لِنَّقْوَى (٦)﴾ [طه]
وقد وعد المستغفرين بالرزق الكثير على لسان نبيه نوح في قوله تعالى عنه ﴿فَقُلْتُ
اُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ﴿ وَيُمْدِدَكُمُ بِأَقَوَلِ وَيَنِنَ وَيَجْعَل لَّكُ
[نوح] وعلى لسان نبيه هود في قوله تعالى عنه: ﴿وَيَقَوْمِ
جَنَّتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَرًا فَـ
اُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوِّكُمْ﴾ ...
الآية [هود: ٥٢]. وعلى لسان نبينا صلى الله عليه وعليهما جميعاً وسلم: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ
رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُعَنِّعَّكُم مَّنَعَا حَسَنَّا إِلَ أَجَلِ مُسَتَّى﴾ [هود: ٣].
ومن الآيات الدالة على أن طاعة الله تعالى سبب للرزق قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ
الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ... الآية [الأعراف: ٩٦]. ومن
بركات السماء: المطر، ومن بركات الأرض: النبات مما يأكل الناس والأنعام، وقوله
تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِهِمْ لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ
أَرْجُلِهِمْ﴾ ... الآية [المائدة: ٦٦]. وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ
مُؤْمِنٌ فَلَنُحْبِيَتَهُ حَيَوَةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] أي في الدنيا كما قدمنا إيضاحه في سورة النحل،
وكما يدل عليه قوله بعده في جزائه في الآخرة ﴿وَلَنَجْزِيَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] وقد قدمنا أنه - جل وعلا - وعد بالغنى عند التزويج وعند الطلاق.

٩٨٤
سورة النور: الآية (٣٣)
.أما التزويج ففي قوله هنا: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾.
وأما الطلاق ففي قوله تعالى: ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلَّ مِّنْ سَعَتِهِ﴾ ... الآية
{[النساء: ١٣٠]. والظاهر أن المتزوج الذي وعده الله بالغنى، هو الذي يريد بتزويجه
الإعانة على طاعة الله بغض البصر، وحفظ الفرج كما بينه النبي 18 في الحديث
الصحيح: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن
للفرج)) الحديث، وإذا كان قصده بالتزويج طاعة الله، بغض البصر، وحفظ الفرج
فالوعد بالغنى إنما هو على طاعة الله بذلك.
وقد رأيت ما ذكرنا من الآيات الدالة على وعد الله بالرزق من أطاعه، سبحانه -
جل وعلا - ما أكرمه فإنه يجزي بالعمل الصالح في الدنيا والآخرة، وما قاله أهل
الظاهر من أن هذه الآية الكريمة تدل على أن العبد يملك ماله؛ لأن قوله: ﴿إِن يَكُونُواْ
فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ بعد قوله: ﴿وَالصَِّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُّ وَإِمَآَبِكُمْ﴾ يدل على وصف
العبيد بالفقر والغنى، ولا يطلق الغنى إلا على من يملك المال الذي به صار غنياً،
ووجهه قوي ولا ينافي أن لسيده أن ينتزع منه ذلك المال الذي هو ملك له. والعلم
عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾. هذا
الاستعفاف المأمور به في هذه الآية الكريمة، هو المذكور في قوله: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ
مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزَكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (®) وقوله تعالى:
﴿وَلَ نَقْرَبُواْ الزِِّّ إِنَُّ كَانَ فَاحِشَةٌ وَسَآءَ سَبِيلًا (®﴾ [الإسراء] ونحو ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَمَن يُكْرِهِهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْزَهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدٍ إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ قيل:
غفور لهن. وقيل: غفور لهم. وقيل: غفور لهن ولهم.
وأظهرها أن المعنى غفور لهن؛ لأن المكره لا يؤاخذ بما أكره عليه، بل يغفره الله له
لعذره بالإكراه كما يوضحه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَيِنٌّ بِالْإِيمَنِ﴾ الآية [النحل:
١٠٦]، ويؤيده قراءة ابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وابن جبير: (فإن الله من بعد إکراههن لهن
هم جميعاً.
غفور رحيم)). ذكره عنه القرطبي، وذكره الزمخشري عن ابن عباس
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أنا لا نبين القرآن بقراءة شاذة، وربما
ذكرنا القراءة الشاذة استشهاداً بها لقراءة سبعية كما هنا، فزيادة لفظة لهن في قراءة ما
ذكرنا استشهاد بقراءة شاذة لبيان بقراءة غير شاذة أن الموعود بالمغفرة والرحمة، هو
المعذور بالإكراه دون المكره؛ لأنه غير معذور في فعله القبيح، وذلك البيان المذكور
بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَبِنٌّ بِالْإِيمَنِ﴾ [النحل: ١٠٦].
وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: فإن قلت: لا حاجة إلى تعليق
المغفرة بهن؛ لأن المكرهة على الزنا، بخلاف المكره عليه في أنها غير آثمة.

٩٨٥
سورة النور: الآية (٣٤)
قلت: لعل الإكراه كان دون ما اعتبرته الشريعة من إكراه بقتل، أو بما يخاف منه
التلف، أو ذهاب العضو من ضرب عنيف أو غيره، حتى يسلم من الإثم، وربما قصرت
عن الحد الذي تُعْذَر فيه فتكون آثمة، انتهى منه.
والذي يظهر أنه لا حاجة إليه؛ لأن إسقاط المؤاخذة بالإكراه يصدق عليه أنه
غفران ورحمة من الله بعبده، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُرُ ءَايَتٍ مُّبَغِنَتٍ وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةٌ
لِلْمُتَّقِينَ
(٣)﴾. ذكر الله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه أنزل إلينا على لسان
نبيه * آيات مبينات، ويدخل فيها دخولاً أولياً الآيات التي بينت في هذه السورة
الكريمة، وأوضحت في معاني الأحكام والحدود، ودليل ما ذكر من القرآن قوله تعالى:
﴿سُورَةُ أَنَزَلْنَهَا وَفَرَضْنَهَا وَأَلْنَا فِيهَآ ءَتٍِ بَيْنَتٍ لَّعَلَّكُمْ نَذَكَّرُونَ ﴾﴾ ولا شك أن هذه الآيات
المبينات المصرح بنزولها في هذه السورة الكريمة، داخلة في قوله تعالى هنا: ﴿وَلَقَدْ
أَنْزَلْنَا إِلَيْكُرْ ءَايَتِ تُّبَيْنَتٍ﴾ ... الآية ..
وبذلك تعلم أن قوله تعالى هنا: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُرُ ءَيَنْتٍ مُّبَيِّنَتٍ﴾ معناه: أنزلناها
إليكم لعلكم تذكرون: أي تتعظون بما فيها من الأوامر والنواهي والمواعظ، ويدل لذلك
قوله تعالى: ﴿وَلْنَا فِيهَآ ءَايَتِ بَيِّنَتٍ لَّعَلَّكُمْ نَذَّكَّرُونَ﴾؛ فقد صرح في هذه الآية الكريمة بأن
من حكم إنزالها أن يتذكر الناس، ويتعظوا بما فيها، ويدل لذلك عموم قوله تعالى:
كِتَبُ أَنزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرَكٌ لِيَّبَُّوْ ءَايَتِهِ، وَلَنَذَّثَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ (٣)﴾ [ص] وقوله تعالى:
﴿الَّصّ ﴾ كِتَبُّ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِ صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِنُنذِرَ بِهِ، وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِينَ ﴾﴾
[الأعراف] إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿وَمَثَلاً مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُمْ﴾ معطوف على
آيات: أي أنزلنا إليكم آيات؛ وأنزلنا إليكم مثلاً من الذين خلوا من قبلكم.
قال أبو حيان في البحر المحيط: ((ومثلاً)) معطوف على آيات، فيحتمل أن يكون
المعنى: ومثلاً من أمثال الذين من قبلكم؛ أي قصة غريبة من قصصهم كقصة يوسف،
ومريم في براءتهما .
وقال الزمخشري: ومثلاً من أمثال من قبلكم؛ أي قصة عجيبة من قصصهم كقصة
يوسف، ومريم، يعني قصة عائشة ها، وما ذكرنا عن أبي حيان والزمخشري ذكره غيرهما.
وإيضاحه أن المعنى وأنزلنا إليكم مثلاً أي قصة عجيبة غريبة في هذه السورة
الكريمة، وتلك القصة العجيبة من أمثال الذين خلوا من قبلكم: أي من جنس قصصهم
العجيبة، وعلى هذا الذي ذكرنا فالمراد بالقصة العجيبة التي أنزلها إلينا، وعبر عنها
بقوله: ((ومثلاً)) هي براءة عائشة ﴿نا مما رماها به أهل الإفك، وذلك مذكور في قوله
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَمُو بِآلْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ مُبَرَُّونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾

٩٨٦ -
-
سورة النور: الآية (٣٤)
الآية. فقد بين في الآيات العشر المشار إليها أن أهل الإفك رموا عائشة، وأن الله
برأها في کتابه مما رموها به، وعلى هذا:
٠٠٠٠
فمن الآيات المبينة لبعض أمثال من قبلنا قوله تعالى في رمي امرأة العزيز يوسف
بأنه أراد بها سوءاً تعني الفاحشة قالت: ﴿مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥] وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا رَأَوْ اَلْآَيَتِ لَيَسْجُنُنَّهُ, حَتَّى
حِينٍ مِّ
﴾ [يوسف] لأنهم سجنوه بضع سنين، بدعوى أنه كان أراد الفاحشة من امرأة
العزيز، وقد برأه الله من تلك الفرية التي افتريت عليه بإقرار النسوة وامرأة العزيز نفسها؛
وذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُ الرَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَيْكَ فَسْئَلَهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّتِى
قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَوَدَتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِةٍ، قُلْنَ حَشَ
۵٠
قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِ بِكَيّدِهِنَّ عَلِيمٌ
لِلَّهِ مَا عَلِّمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوْءٍ قَالَتِ آَمْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْفَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَوَدَتُهُ عَن نَّفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ
الصَّدِّقِينَ (@)﴾ [يوسف] وقال تعالى عن امرأة العزيز في كلامها مع النسوة اللاتي
قطعن أيديهن ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِى لُمْتُنَِّى فِيَّةٍ وَلَقَدْ رَوَدَنُّهُ عَن نَّفْسِهِ، فَأَسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢].
فقصة يوسف هذه مثل من أمثال من قبلنا؛ لأنه رمي بإرادة الفاحشة وبرأه الله من
ذلك، والمثل الذي أنزله إلينا في هذه السورة، شبيه بقصة يوسف؛ لأنه هو وعائشة
كلاهما رمي بما لا يليق، وكلاهما برأه الله تعالى، وبراءة كل منهما نزل بها هذا القرآن
العظيم، وإن كانت براءة يوسف وقعت قبل نزول القرآن بإقرار امرأة العزيز، والنسوة
كما تقدم قريباً وبشهادة الشاهد من أهلها. ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ إلى قوله:
﴿فَمَّا رَءَا قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾ ... الآية [يوسف: ٢٦ - ٢٨].
ومن الآيات المبينة لبعض أمثال الذين من قبلنا ما ذكره تعالى عن قوم مريم من
أنهم رموها بالفاحشة، لما ولدت عيسى من غير زوج كقوله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ
[النساء] يعني فاحشة الزنى. وقوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ، قَوْمَهَا
١٥٦
عَلَى مَّرْيَمَ بُهْتَنَا عَظِيمًا (
تَحْمِلُهُ قَالُواْ يَمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (®﴾ [مريم] يعنون الفاحشة، ثم بين الله تعالى
براءتها مما رموها به في مواضع من كتابه كقوله تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن
كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ﴿َ قَالَ إِنِّى عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَمِنِىَ الْكِتَبَ وَجَعَنِىِ نِيًّا جَ وَجَعَلَنِى مُبَارَكً﴾ إلى
قوله: ﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٢٩ - ٣٣] فكلام عيسى، وهو رضيع ببراءتها، يدل على
أنها بريئة. وقد أوضح الله براءتها مع بيان سبب حملها بعيسى، من غير زوج، وذلك في
قوله تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فِ الْكِنَبِ مَرْيَمَ إِذِ أَنتَبَدَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (٨) فَأَتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ
حِجَابًا فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ﴿ قَالَتْ إِنَّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنْتَ تَقِيًّا
قَالَ إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا ﴿﴿ قَالَتْ أَّ يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِ
بَشَرٌ وَلَمْ أَلُ يَغِيًّا ﴿ قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ: ءَايَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّأَ
وَكَانَ أَمْرًّا مَقْضِيًّا ﴿ فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَنًا قَصِيًّا (٣)﴾ [مريم] إلى آخر الآيات.

٩٨٧
سورة النور: الآية (٣٤)
ومن الآيات التي بين الله فيها براءتها قوله تعالى في الأنبياء: ﴿وَلَّتِّ أَحْصَنَتْ
فَرَجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ زُوحِنَا وَجَعَلْنَهَا وَأَبْنَهَاَ ءَايَةً لِلْعَلَمِينَ ﴾﴾ [الأنبياء]. وقوله
تعالى في التحريم: ﴿وَمَرْهَمَ أَبْنَتَ عِمْرَنَ الَّتِىّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ
بِكَلِمَتِ رَبِهَا وَكُتُبِهِ، وَكَانَتْ مِنَ الْقَئِنِينَ ﴾ [التحريم]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ
اللَّهِ كَمَثَلٍ ءَادَمٌّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩].
فهذه الآيات التي ذكرنا التي دلت على قذف يوسف وبراءته، وقذف مريم وبراءتها
من أمثال من قبلنا فهي مما يبين بعض ما دل عليه قوله: ﴿وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُمْ﴾ .
والآيات التي دلت على قذف عائشة وبراءتها بينت المثل الذي أنزل إلينا وكونه
من نوع أمثال من قبلنا واضح؛ لأن كلاً من عائشة، ومريم، ويوسف رمي بما لا يليق،
وكل منهم برأه الله، وقصة كل منهم عجيبة؛ ولذا أطلق عليها اسم المثل في قوله:
وَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُمْ﴾ .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَوْعِظَةُ لِّلْمُتَّقِينَ﴾. قال الزمخشري: وموعظة
ما وعظ به في الآيات والمثل من نحو قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِمَا رَأْفَةٌ فِ دِينِ اللَّهِ﴾ ﴿لَوْلاَ إِذْ
سَمِعْتُمُوهُ﴾، ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾. ﴿ يَعِطُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾، اهـ كلام الزمخشري،
والظاهر أن وجه خصوص الموعظة بالمتقين دون غيرهم أنهم هم المنتفعون بها .
ونظيره في القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَمَّهُم بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر: ١٨].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَنُهَا ﴾﴾ [النازعات] فخص الإنذار بمن ذكر في
الآيات؛ لأنهم هم المنتفعون به مع أنه ◌ّ# في الحقيقة منذر لجميع الناس كما قال
تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا ﴾﴾ [الفرقان]. ونظيره
أيضاً قوله تعالى: ﴿فَذَكِرْ بِلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدٍ﴾ [ق: ٤٥] ونحوها من الآيات ..
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ أَنَزَلْنَا إِلَيْكُرْ ءَايَتٍ مُّبَيِنَتٍ﴾ قرأه نافع، وابن
كثير، وأبو عمرو، وشعبة عن عاصم: ((مبينات)) بفتح الياء المثناة التحتية المشددة بصيغة
اسم المفعول. وقرأه ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: ((مبينات))
بكسر الياء المشددة بصيغة اسم الفاعل، فعلى قراءة من قرأ بفتح الياء فلا إشكال في
الآية؛ لأن الله بينها، وأوضحها، وعلى قراءة من قرأ ((مبينات)) بكسر الياء بصيغة اسم
الفاعل، ففي معنى الآية وجهان معروفان:
أحدهما: أن قوله: مبينات اسم فاعل بين المتعدية، وعليه فالمفعول محذوف أي
مبينات الأحكام والحدود.
وثانيهما: أن قوله: مبينات وصف من بين اللازمة، وهو صفة مشبهة، وعليه
فالمعنى آيات مبينات أي بينات واضحات، ويدل لهذا الوجه الأخير قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا
فِيهَآ ءَيَتٍ بَيْنَتِ﴾. وذكر الوجهين المذكورين الزمخشري، وأبو حيان وغيرهما، ومثلوا
لبين اللازمة بالمثل المعروف، وهو قول العرب: قد بين الصبح لذي عينين.

٩٨٨
سورة النور: الآيتان (٣٦ - ٣٧)
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: من المعروف في العربية أن بين مضعفاً، وأبان
كلتاهما تأتي متعدية للمفعول ولازمة، فتعدي (بين)) للمفعول مشهور واضح كقوله تعالى:
﴿قَدْ بَيَّنَا لَكُمُ الْآَيَتِّ﴾ [آل عمران: ١١٨] وتعدي أبان للمفعول مشهور واضح أيضاً كقولهم:
أبان له الطريق: أي بينها له، وأوضحها، وأما ورود بين لازمة بمعنى تبين ووضح فمنه
المثل المذكور: قد بين الصبح لذي عينين. أي تبين وظهر، ومنه قول جرير:
وجوه مجاشع طلبت بلوم يبين في المقلد والعذار
فقوله: يبين بكسر الباء بمعنى: يظهر، ويتضح، وقول جرير أيضاً:
وبينت المراض من الصحاح
رأى الناس البصيرة فاستقاموا
ومنه أيضاً قول قيس بن ذريح:
وللحب آيات تبين بالفتى
شحوب وتعري من يديه الأشاجع
على الرواية المشهورة برفع شحوب.
والمعنى للحب علامات تبين بالكسر؛ أي تظهر وتتضح بالفتى، وهي شحوب
إلخ، وأنشد ثعلب هذا البيت فقال: شحوباً بالنصب، وعليه فلا شاهد في البيت؛ لأن
شحوباً على هذا مفعول تبين، فهو على هذا من بين المتعدية، وأما ورود أبان لازمة
بمعنى بان وظهر، فهو كثير في كلام العرب أيضاً، ومنه قول جرير:
إذا آباؤنا وأبوك عدوا أبان المقرفات من العراب
أي ظهرت المقرفات وتبينت، وقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي.
لو دب ذر فوق ضاحي جلدها لأبان من آثارهن حدور
أي لظهر وبان من آثارهن حدور أي ورم، وقول كعب بن زهير:
.. عتق مبين وفي الخدين تسهيل
قنواء في حريتها للبصير بها
فقوله: مبين وصف من أبان اللازمة: أي عتق بين واضح؛ أي كرم ظاهر.
قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُمْ فِهَا بِلْغُدُقِّ وَالْأَصَالِّ ◌َ رِجَالٌ لَّا نُلْهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ
اللَّهِ﴾ ... الآية. قرأ هذا الحرف جميع السبعة غير ابن عامر، وشعبة، عن عاصم:
((يسبح له)) فيها بكسر الباء الموحدة المشددة، مبنياً للفاعل، وفاعله ((رجال)) والمعنى
واضح على هذه القراءة. وقرأه ابن عامر، وشعبة، عن عاصم: ((يسبح له فيها)) بفتح
الباء الموحدة المشددة، مبنياً للمفعول، وعلى هذه القراءة فالفاعل المحذوف قد دلت
القراءة الأولى على أن تقديره: ((رجال)) فكأنه لما قال يسبح له فيها، قيل: ومن يسبح
له فيها؟ قال رجال: أي يسبح له فيها رجال.
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك ما لفظه، وقد التزمنا أنا لا نبين القرآن
إلا بقراءة سبعية، سواء كانت قراءة أخرى في الآية المبينة نفسها، أو آية أخرى غيرها

٩٨٩
سورة النور: الآيتان (٣٦ - ٣٧) .
إلى آخره، وإنما ذكرنا أن الآية يبين بعض القراءات فيها معنى بعض؛ لأن المقرر عند
العلماء أن القراءتين في الآية الواحدة كالآيتين.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن قراءة الجمهور (يسبح)) بكسر الباء وفاعله ((رجال))، مبينة
أن الفاعل المحذوف في قراءة ابن عامر، وشعبة، عن عاصم: ((يسبح)) بفتح الباء مبنياً
للمفعول لحذف الفاعل هو رجال كما لا يخفى، والآية على هذه القراءة حذف فيها الفاعل
ليسبح، وحذف أيضاً الفعل الرافع للفاعل الذي هو رجال على حد قوله في الخلاصة:
ويرفع الفاعل فعل أضمرا
كمثل زيد في جواب من قرا
ونظير ذلك من كلام العرب قول ضرار بن نهشل يرثى أخاه يزيد أو غيره:
لِيُبْكَ يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح
فقوله: ليبك يزيد بضم الياء المثناة التحتية، وفتح الكاف مبنياً للمفعول، فكأنه
قيل: ومن يبكيه؟ فقال: يبكيه ضَارِع لخصومة إلخ. وقراءة ابن عامر، وشعبة هنا كقراءة
ابن كثير: ((كذلك يوحى)) إليك بفتح الحاء مبنياً للمفعول فقوله: الله فاعل يوحي
المحذوفة، ووصفه تعالى لهؤلاء الرجال الذين يسبحون له بالغدو والآصال، بكونهم لا
تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة على سبيل مدحهم،
والثناء عليهم، يدل على أن تلك الصفات لا ينبغي التساهل فيها بحال؛ لأن ثناء الله
على المتصف بها يدل على أن من أخل بها يستحق الذم الذي هو ضد الثناء، ويوضح
ذلك أن الله نهى عن الإخلال بها نهياً جازماً في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلْهِكُمْ
أَوَّلُكُمْ وَلَّ أَوَلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
[المنافقون] وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى
ذِكْرِ اللّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ﴾ ... الآية [الجمعة: ٩١]. إلى غير ذلك من الآيات.
وهناك مسائل متعلقة بالآية الكرية يرجع من أراد الوقوف عليها إلى الأصل.
قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا نَتَقَلَّبُ فِيهِ اٌلْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ﴾ .
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الرجال الذين يسبحون له في
المساجد بالغدو والآصال، إلى آخر ما ذكر من صفاتهم أنهم يخافون يوماً تتقلب فيه
القلوب والأبصار، وهو يوم القيامة لشدة هوله، وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من
عظم هول ذلك اليوم، وتأثيره في القلوب والأبصار، جاء في آيات كثيرة من كتاب الله
[النازعات] وقوله
العظيم كقوله تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَؤْمَيِذٍ وَاحِفَةُ ﴿ أَبْصَرُهَا خَشِمَةٌ ﴾﴾
تعالى: ﴿إِذَّمَا يُؤَخِرُهُمْ لِيَوٍْ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] وقوله تعالى: ﴿وَأَذِرْهُمْ يَوْمَ
اُلْأَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْخَنَاجِرِ﴾ ... الآية [غافر: ١٨]. ونحو ذلك من الآيات الدالة على
عظم ذلك اليوم كقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَنَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا ﴾ السَّمَآءُ
مُنْفَظِرٌ بٍِّ،﴾ الآية [المزمل: ١٧، ١٨]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نُطِعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللَّهِ لَا نُرِدُ مِنْكُرْ جَزَ

٩٩٠
سورة النور: الآيتان (٣٨ - ٣٩)
وَلَ شُكُورًا ﴿ إِنَّا نَخَافُ مِن زَّيِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا فَطَرِرًا ﴾﴾ [الإنسان] إلى غير ذلك من الآيات،
وفي معنى تقلب القلوب والأبصار أقوال متعددة لأهل التفسير، ذكرها القرطبي وغيره.
وأظهرها عندي أن تقلب القلوب هو حركتها من أماكنها من شدة الخوف كما قال
تعالى: ﴿إِذِ اَلْقُلُوبُ لَدَى الْجَنَاجِرِ﴾ [غافر: ١٨] وأن تقلب الأبصار هو زيغوغتها ودورانها
بالنظر في جميع الجهات من شدة الخوف، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ
يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَلَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْنِ﴾ ... الآية [الأحزاب: ١٩]، وكقوله
تعالى: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] فالدوران والزيغوغة
المذكوران يعلم بهما معنى تقلب الأبصار، وإن كانا مذكورين في الخوف من المكروه
في الدنيا .
قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهٍ﴾، الظاهر أن اللام في
قوله: ليجزيهم، متعلقة بقوله: يسبح: أي يسبحون له، ويخافون يوماً ليجزيهم الله
أحسن ما عملوا، وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِّهِ﴾، الظاهر أن هذه
الزيادة من فضله تعالى، هي مضاعفة الحسنات، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿مَن جَّةَ
بِالْخَنَةِ فَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهًا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن
تَكُ حَسَنَةٌ يُضَعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءٌ﴾ [البقرة: ٢٦١].
وقال بعض أهل العلم: الزيادة هنا كالزيادة في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى
ھ﴾
وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] والأصح أن الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم،
وذلك هو أحد القولين في قوله تعالى: ﴿لَمُ مَا يَشَآءُونَ فِيهَّا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ(٥)﴾ [ق].
وقد قدمنا قول بعض أهل العلم أن قوله تعالى: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾
ونحوها من الآيات يدل على أن المباح حسن؛ لأن قوله: ﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾ صيغة تفضيل،
وأحسن ما عملوا هو ما تقربوا به إلى الله من الواجبات والمستحبات، وصيغة التفضيل
المذكورة تدل على أن مِنْ أعمالهم حسناً لم يجزوه وهو المباح. قال في (مراقي السعود):
وغيره القبيح والمستهجن
ما ربنا لم ينه عنه حسن
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوْ أَعْمَلُهُمْ كَبَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الََّمْثَانُ مَآءَ حَقََّ إِذَا جَآَهُ
لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾.
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن أعمال الكفار باطلة، وأنها لا شيء؛
لأنه قال في السراب الذي مثلها به: ﴿حَّ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾، وما دلت عليه هذه
الآية الكريمة من بطلان أعمال الكفار، جاء موضحاً في آيات أخر، كقوله تعالى:
﴿َّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍ أُشْتَدَّتْ بِ الْرِيحُ فِ يَوْمٍ عَاصِفٍ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا
كَسَبُواْ عَلَى شَىْءٍ﴾ الآية [إبراهيم: ١٨]. وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ
(3)﴾ [الفرقان] إلى غير ذلك من الآيات.
فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَّنثُورًا.

٩٩١
سورة النور: الآيتان (٣٨ - ٣٩)
وقد قدمنا أن عمل الكافر إذا كان على الوجه الصحيح أنه يجزى به في الدنيا كما
أوضحناه في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ
أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ ... الآية [النحل: ٢٣].
وقد دلت آيات من كتاب الله على انتفاع الكافر بعمله في الدنيا دون الآخرة كقوله
تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَقِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْئِ، وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الذُّنْيَا نُؤْتِهِ، مِنْهَا
وَمَا لَهُ فِى الْآَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ﴾﴾ [الشورى] وقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِىِ الْآَخِرَةِ إِلَّا
وَزِيْنَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِهَا وَهُمْ فِهَا لَا يُبْخَسُونَ
النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيَهَا وَبَطِلُ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾﴾ [هود] وهذا الذي دلت عليه
هذه الآيات من انتفاع الكافر بعمله الصالح في الدنيا دون الآخرة، ثبت في صحيح
مسلم وغيره من حديث أنس به كما أوضحناه في الكلام على آية النحل المذكورة،
وهو أحد التفسيرين في قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ اَللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّلُهُ حِسَابَةٌ﴾ ... الآية، أي وفاه
حسابه في الدنيا على هذا القول، وقد بيّن الله - جل وعلا - في سورة بني إسرائيل أن
ما دلت عليه الآيات من انتفاع الكافر بعمله الصالح في الدنيا، أنه مقيد بمشيئة الله
تعالى، وذلك في قوله تعالى: ﴿مِّنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ تُرِيدُ ثُمَّ
جَعَلْنَا لَهُ جَهَتَّمَ يَصْلَنِهَا مَذْهُومًا مَّدْخُورًا (٣)﴾ [الإسراء].
تنبيه: في هذه الآية الكريمة سؤال معروف ذكرناه وذكرنا الجواب عنه في كتابنا
((دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)) وذلك في قولنا فيه: لا يخفى ما يسبق إلى
الذهن من أن الضمير في قوله: جاءه يدل على شيء موجود واقع عليه المجيء؛ لأن
وقوع المجيء على العدم لا يعقل، ومعلوم أن الصفة الإضافية، لا تتقوم إلا بين
متضائفين، فلا تدرك إلا بإدراكهما، فلا يعقل وقوع المجيء بالفعل، إلا بإدراك فاعل
واقع منه المجيء، ومفعول به واقع عليه المجيء. وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ يدل
على عدم وجود شيء يقع عليه المجيء في قوله تعالى: ﴿جََّمُ﴾ .
والجواب عن هذا من وجهين ذكرهما ابن جرير في تفسير هذه الآية الكريمة.
قال: فإن قال قائل كيف قيل: ﴿حَتَّ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ فإن لم يكن
السراب شيئاً فعلام دخلت الهاء في قوله: ﴿حَّى إِذَا جَآءَهُ﴾، قيل: إنه شيء يرى من
بعيد كالضباب الذي يرى كثيفاً من بعيد، فإذا قرب منه رق وصار كالهواء، وقد يحتمل
أن يكون معناه حتى إذا جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئاً فاكتفى بذكر السراب
عن ذکر موضعه، انتھی منه.
والوجه الأول أظهر عندي، وعنده، بدليل قوله: وقد يحتمل أن يكون معناه إلخ.
انتهى كلامنا في ((دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)) وقد رأيت فيه جواب ابن
جرير الطبري عن السؤال المذكور، وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿بِقِيعَةٍ﴾، قيل: جمع
.:

٩٩٢
سورة النور: الآية (٤١)
قاع كجار وجيرة. وقيل: القيعة والقاع بمعنى، وهو المنبسط المستوي المتسع من
الأرض، وعلى هذا فالقاع واحد القيعان کجار وجيران.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَّقَّتٍ كُلُّ قَدْ عَلِمَ
صَلَائَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾﴾، اعلم أن الضمير المحذوف الذي هو فاعل
((علم)) قال بعض أهل العلم: إنه راجع إلى الله في قوله: ﴿أَلَمَّ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِىِ
السَّمَوَتِ﴾ ... الآية، وعلى هذا فالمعنى كل من المسبحين والمصلين قد علم الله صلاته
وتسبيحه. وقال بعض أهل العلم: إن الضمير المذكور راجع إلى قوله: (كل) أي كل
من المصلين والمسبحين، قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه، وقد قدمنا في سورة النحل
في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ الآية [النحل:
٩٧] كلام الأصوليين في اللفظ إن احتمل التوكيد والتأسيس حمل على التأسيس، وبينا
أمثلة متعددة لذلك من القرآن العظيم.
.. وإذا علمت ذلك فاعلم أن الأظهر على مقتضى ما ذكرنا عن الأصوليين، أن يكون
ضمير الفاعل المحذوف في قوله: ﴿كُلِّ قَدْ عَلِمَ صَلَانَهُ وَتَسِْيحَةٌ﴾ راجعاً إلى قوله: ((كل))
أي كل من المصلين قد علم صلاة نفسه، وكل من المسبحين قد علم تسبيح نفسه،
وعلى هذا القول فقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ تأسيس لا تأكيد، أما على القول
بأن الضمير راجع إلى الله؛ أي قد علم الله صلاته يكون قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾
كالتكرار مع ذلك فيكون من قبيل التوكيد اللفظي.
وقد علمت أن المقرر في الأصول أن الحمل على التأسيس أرجح من الحمل
على التوكيد كما تقدم إيضاحه. والظاهر أن الطير تسبح وتصلي صلاة وتسبيحاً
يعلمهما الله، ونحن لا نعلمهما كما قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهِ وَلَكِنْ لَّا
نَفْقَهُونَ تَسِبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].
ومن الآيات الدالة على أن غير العقلاء من المخلوقات لها إدراك يعلمه الله ونحن
لا نعلمه، قوله تعالى في الحجارة: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَْشَةِ اَللَّهُ﴾ [البقرة: ٧٤]
فأثبت خشيته للحجارة، والخشية تكون بإدراك. وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى
جَبَلٍ أَوْأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] وقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا
اَلْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ ... الآية [الأحزاب:
٧٢]. والإباء والإشفاق إنما يكونان بإدراك، والآيات والأحاديث واردة بذلك، وهو
الحق. وظاهر الآية أن للطير صلاة وتسبيحاً، ولا مانع من الحمل على الظاهر. ونقل
القرطبي عن سفيان: إن للطير صلاة ليس فيها ركوع ولا سجود، اهـ.
ومعلوم أن الصلاة في اللغة الدعاء، ومنه قول الأعشى:
تقول بنتي وقد قَرَبْتُ مرتحلاً يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا

٩٩٣
سورة النور: الآية (٥٥) --
عليك مثل الذي صليت فاغتبطي نوماً فإن لجنب المرء مضجعاً:
فقوله: مثل الذي صليت أي دعوت يعني قولها: يا رب جنب أبي الأوصاب
والوجعا. وقوله: صافات؛ أي صافات أجنحتها في الهواء. وقد بين تعالى في غير هذا
الموضع أن إمساكه الطير صافات أجنحتها في الهواء وقابضات لها من آيات قدرته،
واستحقاقه العبادة وحده، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوّأْ إِلَى اللَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَفَّتٍ وَيَقْيِضْنُّ
مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ الآية [الملك: ١٩]. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْطَيْرِ مُسَخَّرَتٍ
فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّ الَهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمِ يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ [النحل].
قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَهُمْ فِىِ الْأَرْضِ كَمَا
أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه وعد الذين
آمنوا وعملوا الصالحات من هذه الأمة ليستخلفنهم في الأرض؛ أي ليجعلتهم خلفاء
الأرض، الذين لهم السيطرة فيها، ونفوذ الكلمة، والآيات تدل على أن طاعة الله
بالإيمان به، والعمل الصالح سبب للقوة والاستخلاف في الأرض ونفوذ الكلمة كقوله
تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِ اَلْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطّفَكُمُ النَّاسُ فَشَاوَرِكُمْ
وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ ... الآية [الأنفال: ٢٦]. وقوله تعالى: ﴿وَلَّيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ
لَقَوِىُّ عَزِيزُ ®® الَّذِينَ إِن مَّكَّتَهُمْ فِ الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ بِلْمَعْرُوفِ
وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِّ وَلِلَّهِ عَلِقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾﴾ [الحج]، وقوله تعالى: ﴿إِن تَصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرَّكُمْ
وَيُثَبِتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي كبني
إسرائيل.
ومن الآيات الموضحة لذلك قوله تعالى: ﴿وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ فِي
وَثُمَكِّنَ لَهُمْ فِ الْأَرْضِ وَثُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ
اَلْأَرْضِ وَجْعَلَهُمْ أَبِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِثِنَ
وَحُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ ﴾﴾ [القصص]. وقوله تعالى عن موسى - عليه وعلى
نبينا الصلاة والسلام -: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ
كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩] وقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ
مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَّتِى بَرَكْنَا فِيهَا﴾ ... الآية [الأعراف: ١٣٧]. إلى غير ذلك من
الآيات، وقوله تعالى: ﴿لَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾، اللام موطئة لقسم محذوف؛ أي وعدهم الله،
وأقسم في وعده ليستخلفنهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِيْنَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ﴾، هذا الدين الذي ارتضاه لهم
هو دين الإسلام بدليل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ
لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران:
١٩]: وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ الْإِسْلَمِ دِينًا فَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ

٩٩٤
سورة النور: الآيتان ( ٥٦ - ٥٧)
اُلْخَسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِيْنَهُمْ﴾؛
قال الزمخشري تمكينه هو تثبيته وتوطيده.
قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْهُونَ ﴿﴾﴾﴾، هذه
الآية الكريمة تدل على أن إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الرسول وَل سبب
لرحمة الله تعالى سواء قلنا: إن لعل في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ حرف تعليل أو ترج؛
لأنها إن قلنا: إنها حرف تعليل، فإقامة الصلاة وما عطف عليه سبب لرحمة الله؛ لأن
العلل أسباب شرعية، وإن قلنا: إن لعل للترجي؛ أي أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة على
رجائكم أن الله يرحمكم بذلك؛ لأن الله ما أطمعهم بتلك الرحمة عند عملهم بموجبها
إلا ليرحمهم لما هو معلوم من فضله وكرمه. وكون: (لعل)) هنا للترجي إنما هو بحسب
علم المخلوقين كما أوضحناه في غير هذا الموضع، وهذا الذي دلت عليه هذه الآية من
أنهم إن أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأطاعوا الرسول رحمهم الله بذلك جاء موضحاً
في آية أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ يَأْمُرُونَ بِلْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَئِكَ سَيَرْجُهُمُ
اَللَّهُ﴾ الآية [التوبة: ٧١]. وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ بعد قوله: ﴿وَأَقِيمُواْ
الضَّلَوَةَ﴾ من عطف العام على الخاص؛ لأن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، داخلان في
عموم قوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾، وقد قدمنا مراراً أن عطف العام على الخاص وعكسه
كلاهما من الإطناب المقبول إذا كان في الخاص مزية ليست في غيره من أفراد العام.
قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِ الْأَرْضِّ﴾، نهى الله نبيه محمداً وَّل أن
يحسب أي يظن الذين كفروا معجزين في الأرض، ومفعول معجزين محذوف؛ أي لا يظنهم
معجزين ربهم، بل قادر على عذابهم لا يعجز عن فعل ما أراد بهم لأنه قادر على كل شيء.
وما دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء مبيناً في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ
أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِى اَللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِى الْكَفِرِينَ﴾ [التوبة: ٢] وقوله تعالى: ﴿وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَأَعْلَمُواْ
أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اَللَّهِ وَبَشْرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ
حَبِبَ الَِّنَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُوْنَاْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ [العنكبوت]، وقوله تعالى:
﴿قُلْ إِى وَرَبِيَ إِنَّهُ لَحَقٌ وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣]. وقوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ
وَرْحَمُ مَن يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ * وَمَا أَنْتُم بِمُعْجِينَ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ﴾ ... الآية
[العنكبوت: ٢١، ٢٢]. وقوله في الشورى: ﴿وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِينَ فِ الْأَرْضِّ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ
اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾﴾ [الشورى] إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَا تَّحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قرأه ابن عامر
وحمزة: ((لا يحسبن)) بالياء المثناة التحتية على الغيبة. وقرأه باقي السبعة: ((لا تحسبن))
بالتاء الفوقية. وقرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة بفتح السين وباقي السبعة بكسرها .

٩٩٥
سورة النور: الآيتان (٥٦ - ٥٧) -
والحاصل أن قراءة ابن عامر وحمزة بالياء التحتية وفتح السين، وقراءة عاصم
بالتاء الفوقية وفتح السين، وقراءة الباقين من السبعة بالتاء الفوقية وكسر السين، وعلى
قراءة من قرأ بالتاء الفوقية فلا إشكال في الآية مع فتح السين وكسرها؛ لأن الخطاب
بقوله: لا تحسبن للنبي ◌ّل﴾، وقوله: ((الذين كفروا)) هو المفعول الأول، وقوله:
(معجزين)) هو المفعول الثاني لتحسين، وأما على قراءة: ((ولا يحسبن)) بالياء التحتية
ففي الآية إشكال معروف وذكر القرطبي الجواب عنه من ثلاثة أوجه:
الأول: أن قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في محل رفع فاعل يحسبن، والمفعول الأول
محذوف تقديره: أنفسهم. ومعجزين: مفعول ثان؛ أي لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم
معجزين الله في الأرض، وعزا هذا القول للزجاج، والمفعول المحذوف قد تدل عليه
قراءة من قرأ بالتاء الفوقية كما لا يخفى، ومفعولا الفعل القلبي يجوز حذفهما أو حذف
أحدهما إن قام عليه دليل كما أشار له ابن مالك في الخلاصة بقوله:
ولا تجز هنا بلا دليل
سقوط مفعولين أو مفعول
ومثال حذف المفعولين معاً مع قيام الدليل عليهما قوله تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَّكَآءِىَ الَّذِينَ
كُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢]؛ أي تزعمونهم شركائي. وقول الكميت:
بأي كتاب أم بأية سنة ترى حبهم عاراً علي وتحسب".
أي وتحسب حبهم عاراً علي، ومثال حذف أحد المفعولين قول عنترة:
مني بمنزلة المحب المكرم
ولقد نزلت فلا تظني غيره
أي لا تظني غيره واقعاً .
الجواب الثاني: أن فاعل ((يحسبن)) النبي ◌َّر؛ لأنه مذكور في قوله قبله: ﴿وَأَطِيعُواْ
اَللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢] أي لا يحسبن محمد ◌ّ الذين كفروا معجزين. وعلى هذا
فالذين كفروا مفعول أول، ومعجزين مفعول ثان. وعزا هذا القول للفراء، وأبي علي.
الجواب الثالث: أن المعنى لا يحسبن الكافر أن الذين كفروا معجزين في الأرض
وعزا هذا القول لعلي بن سليمان، وهو كالذي قبله، إلا أن الفاعل في الأول النبي ◌َّ،
وفي الثاني الكافر. وقال الزمخشري: وقرئ لا يحسبن بالياء وفيه أوجه أن يكون
معجزين في الأرض هما المفعولان.
·· والمعنى لا يحسبن الذين كفروا أحداً يعجز الله في الأرض، حتى يطمعوا هم في
مثل ذلك، وهذا معنى قوي جيد، وأن يكون فيه ضمير الرسول لتقدم ذكره في قوله:
﴿وَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢] وأن يكون الأصل: لا يحسبنهم الذين كفروا.
معجزين، ثم حذف الضمير الذي هو المفعول الأول، وكأن الذي سوغ ذلك أن الفاعل .
والمفعولين لما كانت لشيء واحد، اقتنع بذكر اثنين عن ذكر الثالث، اهـ.

٩٩٦
سورة النور: الآية (٦٣)
وما ذكره النحاس وأبو حاتم وغيرهما من أن قراءة من قرأ: ((لا يحسبن)) بالياء
التحتية خطأ أو لحن؛ كلام ساقط لا يلتفت إليه؛ لأنها قراءة سبعية ثابتة ثبوتاً لا يمكن
الطعن فيه، وقرأ بها من السبعة: ابن عامر، وحمزة كما تقدم.
وأظهر الأجوبة عندي أن معجزين في الأرض هما المفعولان، فالمفعول الأول
معجزين، والمفعول الثاني دل عليه قوله: في الأرض، أي لا تحسبن معجزين الله
موجودين أو كائنين في الأرض، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُوْ دُعَةَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضَاً﴾ .
لأهل العلم في هذه الآية أقوال راجعة إلى قولين:
أحدهما: أن المصدر الذي هو دعاء مضاف إلى مفعوله، وهو الرسول وَله، وعلى
هذا فالرسول مدعو.
ثانيهما: أن المصدر المذكور مضاف إلى فاعله، وهو الرسول وَلّر، وعلى هذا
فالرسول داع.
وإيضاح معنى قول من قال: إن المصدر مضاف إلى مفعوله، أن المعنى لا
تجعلوا دعاءكم الرسول إذا دعوتموه كدعاء بعضكم بعضاً، فلا تقولوا له: يا محمد
مصرّحين باسمه، ولا ترفعوا أصواتكم عنده كما يفعل بعضكم مع بعض، بل قولوا له:
يا نبي الله، يا رسول الله مع خفض الصوت احتراماً له واله
وهذا القول هو الذي تشهد له آيات من كتاب الله تعالى كقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا تَرْفَعُوْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ
أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَغُونَ أَصْوَتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آمْتَحَنَ اللَّهُ
قُلُوبَهُمْ لِلنَّقْوَىَّ﴾ ... الآية [الحجرات: ٢، ٣]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ
اَلُْجُزَتِ أَكْتُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴿ وَلَوْ أَنَهُمْ صَبَرُواْ حَّى تَّخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرَاً لَّهُرَّ﴾
[الحجرات: ٤، ٥]. وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا﴾ ... الآية
[البقرة: ١٠٤]، وهذا القول في الآية مروي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة. كما
ذكره عنهم القرطبي، وذكره ابن كثير عن الضحاك، عن ابن عباس، وذكره أيضاً عن
سعيد بن جبير، ومجاهد، ومقاتل، ونقله أيضاً عن مالك عن زيد بن أسلم، ثم قال:
إن هذا القول هو الظاهر واستدل له بالآيات التي ذكرنا.
وأما على القول الثاني: وهو أن المصدر مضاف إلى فاعله ففي المعنى وجهان:
الأول: ما ذكره الزمخشري في الكشاف، قال: إذا احتاج رسول اللهِ وَلا إلى
اجتماعكم عنده لأمر فدعاكم فلا تتفرقوا عنه إلا بإذنه، ولا تقيسوا دعاءه إياكم على
دعاء بعضكم بعضاً، ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي.
والوجه الثاني: هو ما ذكره ابن كثير في تفسيره قال، والقول الثاني في ذلك أن
٠

٩٩٧
سورة النور: الآية (٦٣) -
المعنى في ﴿لَّ تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَصِكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾؛ أي لا تعتقدوا أن
دعاءه على غيره كدعاء غيره، فإن دعاءه مستجاب، فاحذروا أن يدعو عليكم، فتهلكوا،
حكاه ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، والحسن البصري، وعطية العوفي، والله أعلم،
انتھی کلام ابن كثير.
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: هذا الوجه الأخير يأباه ظاهر القرآن؛ لأن
قوله تعالى: ﴿كَدُعَِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ يدل على خلافه، ولو أراد دعاء بعضهم على بعض
لقال: لا تجعلوا دعاء الرسول عليكم كدعاء بعضكم على بعض، فدعاء بعضهم بعضاً،
ودعاء بعضهم على بعض متغايران كما لا يخفى. والظاهر أن قوله: ((لا تجعلوا)) من
جعل التي بمعنى اعتقد، كما ذكرنا عن ابن كثير آنفاً .
قوله تعالى: ﴿فَلَيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهٍ أَن تُصِيَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِمُ﴾ .
الضمير في قوله: ((عن أمره)) راجع إلى الرسول، أو إلى الله والمعنى واحد؛ لأن
الأمر من الله والرسول مبلغ عنه، والعرب تقول: خالف أمره وخالف عن أمره: وقال
بعضهم: يخالفون: مضمن معنى يصدون، أي يصدون عن أمره.
وهذه الآية الكريمة قد استدل بها الأصوليون على أن الأمر المجرد عن القرائن
يقتضي الوجوب؛ لأنه - جل وعلا - توعد المخالفين عن أمره بالفتنة أو العذاب الأليم
وحذرهم من مخالفة الأمر، وكل ذلك يقتضي أن الأمر للوجوب، ما لم يصرف عنه
صارف؛ لأن غير الواجب لا يستوجب تركه الوعيد الشديد والتحذير.
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة من اقتضاء الأمر المطلق الوجوب
دلت عليه آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ. لَهُ أُرَكَعُوْ لَا يَرْكَعُونَ
(٤٨)
[المرسلات] فإن قوله: اركعوا أمر مطلق، وذمه تعالى للذين لم يمتثلوه بقوله:
يَرَّكَعُونَ﴾ يدل على أن امتثاله واجب. وكقوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾
[الأعراف: ١٢] فإنكاره تعالى على إبليس موبخاً له بقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ ،
يدل على أنه تارك واجباً. وأن امتثال الأمر واجب مع أن الأمر المذكور مطلق، وهو
قوله تعالى: ﴿أَسْجُدُواْ لِّدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] وكقوله تعالى عن موسى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى﴾
[طه: ٩٣] فسمى مخالفة الأمر معصية، وأمره المذكور مطلق، وهو قوله: ﴿أَخْلُفِى فِ قَوْمِى
وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَِّعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] وكقوله تعالى: ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ
وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] وإطلاق اسم المعصية عل مخالفة الأمر يدل على أن
مخالفه عاص، ولا يكون عاصياً إلا بترك واجب، أو ارتكاب محرم. وكقوله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللَّهُ وَرَسُولُ: أَمْرًّا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
[الأحزاب: ٣٦] فإنه يدل على أن أمر الله، وأمر رسوله مانع من الاختيار موجب
للامتثال، وذلك يدل على اقتضائه الوجوب كما تِرى، وأشار إلى أن مخالفته معصية
بقوله بعده: ﴿وَمَن يَعْصِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].

٩٩٨
سورة النور: الآية (٦٣)
واعلم أن اللغة تدل على اقتضاء الأمر المطلق الوجوب بدليل أن السيد لو قال
لعبده: اسقني ماء مثلاً، ولم يمتثل العبد أمر سيده فعاقبه السيد فليس للعبد أن يقول
عقابك لي ظلم؛ لأن صيغة الأمر في قولك: اسقني ماء لم توجب علي الامتثال، فقد
عاقبتني على ترك ما لا يلزمني، بل يفهم من نفس الصيغة أن الامتثال يلزمه، وأن
العقاب على عدم الامتثال واقع موقعه، والفتنة في قوله: ﴿أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَهُ﴾ قيل هي
القتل، وهو مروي عن ابن عباس، وقيل: الزلازل والأهوال، وهو مروي عن عطاء:
وقيل: السلطان الجائر، وهو مروي عن جعفر بن محمد. قال بعضهم: هي الطبع على
القلوب بسبب شؤم مخالفة أمر الله ورسوله وَعليه، وقال بعض العلماء: فتنة: محنة في
الدنيا أو يصيبهم عذاب أليم في الآخرة.
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: قد دل استقراء القرآن العظيم أن الفتنة فيه
أطلقت على أربعة معان:
الأول: أن يراد بها الإحراق بالنار كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُقْتَنُونَ
١١٣
[الذاريات]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَثَوْ اُلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ ... الآية [البروج: ١٠]، أي
أحرقوهم بنار الأخدود على القول بذلك.
الثاني: وهو أشهرها إطلاق الفتنة على الاختبار كقوله تعالى: ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ
وَالْخَيَّرِ فِتْنَةً﴾ ... الآية [الأنبياء: ٣٥]. وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ أُسْتَقَامُواْ عَلَى الطّرِيقَةِ لَأَسْفَيْنَهُم
مَّهُ غَدَقًا ﴿٨) لِنَفْتِنَهُمْ فِيَةٍ﴾ [الجن: ١٦، ١٧].
والثالث: إطلاق الفتنة على نتيجة الاختبار إن كانت سيئة كقوله تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ
حَّ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ أَلَّذِينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]. وفي الأنفال: ﴿وَيَكُونَ الذِينُ كُلُّهُ
ان
لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]. فقوله: ﴿حَّ لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ﴾ أي حتى لا يبقى شرك على أصح
التفسيرين، ويدل على صحته قوله بعده: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾؛ لأن الدين لا يكون كله لله
حتى لا يبقى شرك كما ترى، ويوضح ذلك قوله وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى
يقولوا لا إله إلا الله)) كما لا يخفى ...
والرابع: إطلاق الفتنة على الحجة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَفُهُمْ إِلََّ أَنْ قَالُواْ وَاللَّهِ
﴾ [الأنعام: ٢٣]، أي لم تكن حجتهم، كما قال به بعض أهل العلم.
رَيْنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ◌َ
والأظهر عندي أن الفتنة في قوله هنا: ﴿أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ﴾ أنه من النوع الثالث من
الأنواع المذكورة.
وأن معناه أن يفتنهم الله؛ أي يزيدهم ضلالاً بسبب مخالفتهم، عن أمره وأمر رسوله وَله.
وهذا المعنى تدل عليه آيات كثيرة من كتاب الله تعالى، كقوله - جل وعلا -:
﴿كَّا بَلِّ رَنَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين] وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ
قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم قَضِّ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّأْ﴾ الآية

٩٩٩
سورة النور: الآية (٦٤)
[البقرة: ١٠]. وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى
رِجْسِهِمْ﴾ ... الآية [التوبة: ١٢٥]، والآيات بمثل ذلك كثيرة، والعلم عند الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾. بين - جل وعلا - في هذه الآية
الكريمة أنه يعلم ما عليه خلقه أي من الطاعة والمعصية وغير ذلك.
وهذا المعنى الذي دلّت عليه هذه الآية مع أنه معلوم بالضرورة من الدين، جاء
مبيناً في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُنُ فِى شَأَنٍ وَمَا نَثْلُواْ مِنْهُ مِنْ قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ
عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيَةٍ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ زَيِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا
فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَّ أَكْبَرَ إِلَّا فِ كِنَبٍ مُبِينٍ (
٦١)
﴾ [يونس] وقوله تعالى:
وَأَلَا
إِنَّهُمْ يَثْنُنَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ نِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ
عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾﴾ [هود: ٥] وقوله تعالى: ﴿أَفَمَّنْ هُوَ قَابِهُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾
[الرعد: ٣٣] أي هو شهيد على عباده بما هم فاعلون من خير وشر، وقوله تعالى: ﴿وَتَوَّكَّلٌ
عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٧ الَّذِى يَرَبِكَ حِينَ تَقُومُ (١٨) وَقَلُبُكَ فِ السَّجِدِينَ ﴿ إِنَُّ هُوَ السَّيِعُ الْعَلِمُ
[الشعراء]، وقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِّنكُم مَنْ أَسَرَّ الْقَوَّلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ
٢٢٠
بِأَلَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالتَّهَارِ ﴾﴾ [الرعد]. وقوله تعالى: ﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُواْ بِّ إِنَّهُ عَلِيمٌ
بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣)﴾ [الملك]، وقوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ وَيَعْلَُّ
مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَ حَبَّةٍ فِى كُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَ رَطْبٍ وَلَا
يَبِ إِلَّا فِ كِتَبٍ ◌ُِّينٍ ﴾﴾ [الأنعام]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ
رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلِّ فِي كِتَبٍ مُّبِينٍ (٣)﴾ [هود] وقوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ
(٣)﴾ [الملك] إلى غير ذلك من الآيات، وفي هذه الآيات وما في
خَلَقَ وَهُوَ الَّطِيفُ الْخِيُ
معناها أحسن وعد للمطيعين، وأشد وعيد للعصاة المجرمين، ولفظة ((قد)) في قوله تعالى
في هذه الآية الكريمة: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ للتحقيق، وإتيان ((قد)) للتحقيق مع
المضارعِ كثير جداً في القرآن العظيم. كقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ
مِنكُمْ لِوَاذًا﴾ وقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُ﴾ ... الآية [الأحزاب: ١٨]. وقوله
تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ﴾ ... الآية [الأنعام: ٣٣]. وقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى
تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِىِ السَّمَاءِ﴾ ... الآية [البقرة: ١٤٤].
قوله تعالى: ﴿وَبَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِثُهُمْ بِمَا عَمِلُوْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾
قوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَبَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ الظاهر أنه ليس بظرف، بل هو
معطوف على المفعول به الذي هو ما، من قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي ويعلم
يوم يرجعون إليه، وقد ذكر الله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه يوم القيامة ينبئ
الخلائق بكل ما عملوا؛ أي يخبرهم به ثم يجازيهم عليه.
وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من كونه - جل وعلا - يخبرهم يوم القيامة بما

١٠٠٠
سورة الفرقان: الآية (١)
عملوا جاء موضحاً في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿يُوَّ الْإِسَنُّ بَوْمَيٍِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ
[القيامة] وقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَبُ فَى الْمُجْرِمِنَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيِلَنَنَا مَالِ هَذَا
اُلْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنَهَاً وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًاً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ
أَحَدًا (٣)﴾ [الكهف] والآيات بمثل ذلك كثيرة. والعلم عند الله تعالى.
براه الرحمن الرحيم
سورة الفرقان
قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىِ نَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا ﴾﴾
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه نزل الفرقان، وهو هذا القرآن العظيم
على عبده، وهو محمّد ◌َّل﴿، لأجل أن يكون للعالمين نذيراً، أي منذراً، وقد قدمنا
مراراً أن الإنذار هو الإعلام المقترن بتهديد وتخويف وأن كل إنذار إعلام، وليس كل
إعلام إنذاراً، كما أوضحناه في أول سورة الأعراف.
وهذه الآية الكريمة تدل على عموم رسالته وهو الأسود والأحمر والجن والإنس
لدخول الجميع في قوله تعالى: ﴿لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾.
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في آيات أخر كقوله
تعالى: ﴿قُلْ يَكَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقوله تعالى:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا كَانَّةُ لِلنَّاسِ﴾ ... الآية [سبأ: ٢٨] أي أرسلناك للناس كافة؛ أي
جميعاً، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبِرُ شَهِدَةٌ قُلِ اَللهُ شَهِيدٌ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَأُوْحِىَ إِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ
لِأُنْذِرَّكُم بِهِ، وَمَنْ بَغْ﴾ [الأنعام: ١٩] وقوله تعالى: ﴿يَمَعْشَرَ أَلِنّ وَالْإِسِ إِن أَسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُواْ
مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُواْ لَا تَهُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانِ (٣) فَأَقِّ ءَالَِّ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
[الرحمن] وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَقْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ
أَنْصِئُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِمِ مُنذِرِينَ ﴿ قَالُواْ يَنَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبَّا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ
يَقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِىَ اَللَّهِ وَءَامِنُواْ
مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمِ
◌ِهِ، يَغْفِرْ لَكُم مِّنِ ذُنُوبِكُمْ وَيُّجِرَّكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيِمٍ ﴿ وَمَن لَّا يُحِبْ دَاعِىَ الَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِرٍ فِى
اُلْأَرْضِ﴾ ... الآية [الأحقاف: ٢٩ -٣٢]. وفي معنى قوله تعالى تبارك أقوال لأهل العلم.
قال القرطبي: تبارك اختلف في معناه: فقال الفراء هو في العربية بمعنى: تقدس
وهما للعظمة، وقال الزجاج، تبارك: تفاعل من البركة. قال: ومعنى البركة: الكثرة من
كل ذي خير، وقيل: تبارك: تعالى، وقيل: تعالى عطاؤه؛ أي زاد وكثر. وقيل المعنى: