النص المفهرس

صفحات 961-980

٩٦١
سورة النور: الآية (٨)
والآخرة من عذاب الله، وذلك في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ
ثُعِنُواْ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿ يَمَ تَنْهَدُ عَلَيهِمْ أَلْبِنَتُهُمْ وَأَبْدِهِمْ وَأَرْجُهُم بِمَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ ﴿ يَوْمَيِذٍ يُوَفِيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ اُلْحَقُّ الْمُبِينُ (﴾﴾ وقد زاد في
هذه الآية الأخيرة كونهن مؤمنات غافلات لإيضاح صفاتهن الكريمة.
ووصفه تعالى للمحصنات في هذه الآية بكونهن غافلات ثناء عليهن بأنهن
سلیمات الصدور نقیات القلوب لا تخطر الريبة في قلوبهن لحسن سرائرهن، لیس فیھن
دهاء ولا مكر؛ لأنهن لم يجربن الأمور فلا يفطن لما تفطن له المجربات ذوات المكر
والدهاء، وهذا النوع من سلامة الصدور وصفائها من الريبة من أحسن الثناء، وتطلق
العرب على المتصفات به اسم البله مدحاً لها لا ذماً، ومنه قول حسان رقڅته
بلهاء غير وشيكة الإقسام
نفج الحقيبة بوصها متنضد
وقول الآخر:
ولقد لهوت بطفلة ميالة
بلهاء تطلعني على أسرارها
وقول الآخر:
عن الفحش بلهاء العشاء نؤوم
عهدت بها هنداً وهند غريرة
لها منطق يصبي الحليم رخيم
رداح الضحى ميالة بحترية
والظاهر أن قوله تعالى: ﴿لُمِنُواْ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿ يَوَمَ تَشْهَدُ
عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَيْدِهِمْ وَرْجُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٣)﴾ محله فيما إذا لم يتوبوا ويصلحوا، فإن
تابوا وأصلحوا، لم ينلهم شيء من ذلك الوعيد، ويدل له قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَزَمُونَ
الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ بَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ﴾ ... الآية.
وعمومات نصوص الكتاب والسنة دالة على أن من تاب إلى الله من ذنبه توبة
نصوحاً تقبلها منه، وكفر عنه ذنبه ولو من الكبائر، وبه تعلم أن قول جماعة من أجلاء
المفسرين إن آية ﴿وَلَِّنَ ◌َّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدََّ﴾ التي جعل الله فيها التوبة
بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ﴾ عامة، وأن آية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُمِنُواْ
فِي الدُّنْيَا وَالْأَخِرَقِ﴾ ... الآية. خاصة بالذين رموا عائشة ◌َّا أو غيرها من خصوص
أزواجه وس، وأن من رماهن لا توبة له خلاف التحقيق. والعلم عند الله تعالى.
وهناك مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة يرجع من أراد الوقوف إليها إلى الأصل.
قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرَبَعَ شَهْدَانِ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَذِنَ
قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَدْرَؤُأْ عَنَّهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَدَاتٍ بِاللَّهِ﴾، معنى
يدرأ: يدفع، والمراد بالعذاب هنا: الحد، والمصدر المنسبك من أن وصلتها في قوله:
((أن تشهد)) فاعل يدرأ؛ أي يدفع عنها الحد شهادتها أربع شهادات الآية.

٩٦٢
سورة النور: الآية (٨)
والدليل على أن المراد بالعذاب في قوله: ﴿وَيَدْرَؤُأْ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، الحد من أوجه.
الأول: منها سياق الآية، فهو يدل على أن العذاب الذي تدرؤه عنها شهاداتها هو الحد.
والثاني: أنه أطلق اسم العذاب في مواضع أخر، على الحد مع دلالة السياق فيها
على أن المراد بالعذاب فيها الحد، كقوله تعالى في هذه السورة الكريمة: ﴿الَِّيَةُ وَالزَِّى
فَجْلِدُواْ كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِتَةَ جَدَّةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِمَا رَأْفَةٌ فِ دِنِ اللَّهِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَلْيَّوْمِ الْآَخِرِّ
وَلَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَاِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾، فقوله: ﴿وَلَيَشْهَدْ عَذَهُمَا﴾؛ أي حدهما بلا نزاع.
وكذلك قوله تعالى في الإماء: ﴿فَعَلَتِهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾
[النساء: ٢٥]؛ أي نصف ما على الحرائر من الجلد.
وهذه الآية تدل على أن الزوج إذا رمى زوجته وشهد شهاداته الخمس المبينة في
الآية أن المرأة يتوجه عليها الحد بشهاداته، وأن ذلك الحد المتوجه إليها بشهادات
الزوج تدفعه عنها شهاداتها هي الموضحة في الآية.
ومفهوم مخالفة الآية يدل على أنها لو نكلت عن شهاداتها، لزمها الحد بسبب
نكولها مع شهادات الزوج، وهذا هو الظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه، فشهادات الزوج
القاذف تدرأ عنه هو حد القذف، وتوجه إليها هي حد الزنى، وتدفعه عنها شهاداتها .
وظاهر القرآن أيضاً أنه لو قذف زوجته وامتنع من اللعان أنه يحد حد القذف،
فكل من امتنع من الزوجين من الشهادات الخمس وجب عليه الحد، وهذا هو الظاهر
من الآيات القرآنية؛ لأن الزوج القاذف داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَزَمُونَ
الْمُحْصَنَتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ ثُهَدَّةَ فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِنَ جَلْدَةً﴾، ولكن الله بين خروج الزوج من هذا
العموم بشهاداته حيث قال: ﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَ يَكُن لَّمْ شُهَدَهُ إِلَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَدِهِرْ
وَالْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَذِبِينَ
أَرْبَعُ شَهَدَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِقِينَ (
فلم يجعل له مخرجاً من جلد ثمانين، وعدم قبول الشهادة، والحكم بالفسق إلا
بشهاداته التي قامت له مقام البيئة المبرئة له من الحد. فإن نكل عن شهاداته فالظاهر
وجوب الحد عليه؛ لأنه لم تدرأ عنه أربعة عدول يشهدون بصدقه، ولا شهادات تنوب
عن الشهود. فتعين أنه يحد لأنه قاذف، ولم يأت بما يدفع عنه حد القذف، وكذلك
الزوجة إذا نكلت عن أيمانها فعليها الحد؛ لأن الله نص على أن الذي يدرأ عنها الحد
هو شهاداتها في قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ ... الآية، وممن قال: إن الزوج
يلزمه الحد إن نكل عن الشهادات الأئمة الثلاثة، خلافاً لأبي حنيفة القائل بأنه يحبس،
حتى يلاعن، أو يكذب نفسه، فيقام عليه حد القذف، ومن قال: بأنها إن شهد هو،
ونكلت هي أنها تحد بشهاداته ونكولها: مالك والشافعي والشعبي، ومكحول، وأبو
عبيد، وأبو ثور. كما نقله عنهم صاحب المغني.
شَهَدَاتِ
﴿ وَيَدْرَؤَأْ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ
وهذا القول أصوب عندنا؛ لأنه ظاهر قوله:

٩٦٣
سورة النور: الآية (٢١)
بِاللَّهِ﴾ ... الآية. ولا ينبغي العدول عن ظاهر القرآن إلا لدليل يجب الرجوع إليه من
كتاب أو سنة. وقال أبو حنيفة وأحمد: لا حد عليها بنكولها عن الشهادات، وتحبس
أيضاً حتى تلاعن أو تقر فيقام عليها الحد.
قال في المغني: وبهذا قال الحسن، والأوزاعي، وأصحاب الرأي. وروي ذلك
عن الحارث العكلي، وعطاء الخراساني، واحتج أهل هذا القول بحجج يرجع جميعها
إلى أن المانع من حدها أن زناها لم يتحقق ثبوته؛ لأن شهادات الزوج ونكولها هي لا
يتحقق بواحد منهما، ولا بهما مجتمعين ثبوت الزنى عليها .
وقول الشافعي ومالك ومن وافقهماً في هذه المسألة أظهر عندنا؛ لأن مسألة
اللعان أصل مستقل لا يدخله القياس على غيره، فلا يعدل فيه عن ظاهر النص إلى
القياس على مسألة أخرى. والعلم عند الله تعالى.
وهناك مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة يرجع من أراد الوقوف عليها إلى الأصل.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَّكَ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًّا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّ مَنْ
يَآءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. بين - جل وعلا - في هذه الآية أنه لولا فضله ورحمته، ما زكا
أحد من خلقه ولكنه بفضله ورحمته يزكي من يشاء تزكيته من خلقه.
ويفهم من الآية أنه لا يمكن أحداً أن يزكي نفسه بحال من الأحوال، وهذا
المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء مبيناً في غير هذا الموضع كقوله تعالى:
﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اَللَّهُ يُزَكِى مَن يَشَآءُ﴾ ... الآية [النساء: ٤٩]. وقوله
تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُ مِّنَ اٌلْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ فَلاَ تُؤَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ
هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتََّ﴾ [النجم: ٣٢].
والزكاة في هذه الآية هي الطهارة من أنجاس الشرك، والمعاصي.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَّكِ مَنْ يَاءٌ﴾؛ أي يطهره من أدناس الكفر والمعاصي بتوفيقه
وهدايته إلى الإيمان والتوبة النصوح، والأعمال الصالحة.
وهذا الذي دلت عليه هذه الآيات المذكورة لا يعارضه قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ
زَكَّنَهَا (ج)﴾ [الشمس] ولا قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَّى ﴾﴾ [الأعلى] على القول بأن معنى
تزكى تطهر من أدناس الكفر والمعاصي، لا على أن المراد بها خصوص زكاة الفطر،
ووجه ذلك في قوله: من زكاها أنه لا يزكيها إلا بتوفيق الله وهدايته إياه للعمل الصالح،
وقبوله منه، وكذلك الأمر في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَّى (٣)﴾ [الأعلى] كما لا يخفى.
والأظهر أن قوله: ﴿مَا زَكَ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ﴾ الآية: جواب لولا التي تليه، خلافاً لمن
زعم أنه جواب لولا في قوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ
وقد تكرر في الآيات التي قبل هذه الآية حذف جواب لولا، لدلالة القرائن عليه.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنَكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْثُواْ أُوْلِ الْقُرْبَى وَالْمَسَكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ

٩٦٤
سورة النور: الآية (٢٢)
فِى سَبِيلِ اللَِّّ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوْ أَلَا تُحِنُونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾. نزلت هذه
الآية الكريمة في أبي بكر له، ومسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، وكان مسطح
المذكور من المهاجرين، وهو فقير، وكانت أمه ابنة خالة أبي بكر ظه، وكان أبو بكر
ينفق عليه لفقره وقرابته وهجرته، وكان ممن تكلم في أم المؤمنين عائشة ثنا بالإفك
المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَآءُو بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾، وهو ما رموها به من أنها
فجرت مع صفوان بن المعطل السلمي څئه.
وقصة الإفك معروفة مشهورة ثابتة في عشر آيات من هذه السورة الكريمة، وفي
الأحاديث الصحاح، فلما نزلت براءة عائشة ﴿ّا في الآيات المذكورة، حلف أبو بكر
ألا ينفق على مسطح، ولا ينفعه بنافعة بعد ما رمى عائشة بالإفك ظلماً وافتراء، فأنزل
الله في ذلك: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْثُواْ أُوْلِىِ الْقُرْبَى وَالْمَسْكِينَ وَالْمُهَجِرِينَ فِ
سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوْ اَلْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ﴾؛ أي لا يحلف. فقوله:
يأتل وزنه يفتعل من الألية وهي اليمين، تقول العرب آلى يؤلي وائتلى يأتلي إذا حلف،
ومنه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَآئِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] أي يحلفون مضارع آلى يؤلي إذا
حلف. ومنه قول امرئ القيس:
ويوماً على ظهر الكثيب تعذرت
علي وآلت حلفة لم تحلل
أي حلفت حلفة. وقول عاتكة بنت زيد العدوية ترثى زوجها عبد الله ابن
أبي بكر څ:
فآليت لا تنفك عيني حزينة عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
والألية اليمين، ومنه قول الآخر يمدح عمر بن عبد العزيز:
قليل الألايا حافظ ليمينه
وإن سبقت منه الألية برت
أي لا يحلف أصحاب الفضل والسعة؛ أي الغنى كأبي بكر به أن يؤتوا أولي
القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله كمسطح بن أثاثة. وقوله: أن يؤتوا: أي لا
يحلفوا عن أن يؤتوا، أو لا يحلفوا ألا يؤتوا وحذف حرف الجر قبل المصدر المنسبك
من أن وأن وصلتهما مطرد. وكذلك حذف لا النافية قبل المضارع بعد القسم، ولا يؤثر
في ذلك هنا كون القسم منهياً عنه. ومفعول يؤتوا الثاني محذوف؛ أي أن يؤتوا أولي
القربى النفقة والإحسان، كما فعل أبو بكر
وقال بعض أهل العلم: قوله: ﴿وَلَ يَأْتَلِ﴾: أي لا يقصر أصحاب الفضل والسعة
كأبي بكر في إيتاء أولى القربى كمسطح، وعلى هذا فقوله ((يأتل)) يفتعل من ألا يألو في
الأمر إذا قصر فيه وأبطأ
ومنه قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ بِطَانَّةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾
[آل عمران: ١١٨] أي لا يقصرون في مضرتكم، ومنه بهذا المعنى قول الجعدي:

٩٦٥
سورة النور: الآية (٢٢) .
يلام على جهد القتال وما ائتلا
وأشمط عريان يشد كتافه
وقول الآخر:
وإن كنائني لنساء صدق
فما آلى بني ولا أساءوا
فقوله: فما آلى بني: يعني ما قصروا، ولا أبطؤوا، والأول هو الأصح؛ لأن
حلف أبي بكر ألا ينفع مسطحاً بنافعة، ونزول الآية الكريمة في ذلك الحلف معروف.
وهذا الذي تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي عن الحلف عن فعل البر من إيتاء أولي
القربى والمساكين والمهاجرين، جاء أيضاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿وَلَا
تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةٌ لِأَيْمَنِكُمْ أَنْ تَبَرُّوَأْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسُِ﴾ [البقرة: ٢٢٤] أي لا
تحلفوا بالله عن فعل الخير، فإذا قيل لكم: اتقوا وبروا، وأصلحوا بين الناس قلتم:
حلفنا بالله لا نفعل ذلك، فتجعلوا الحلف بالله سبباً للامتناع من فعل الخير، على
الأصح في تفسير الآية.
وقد قدمنا دلالة هاتين الآيتين على المعنى المذكور، وذكرنا ما يوضحه من
الأحاديث الصحيحة في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ
بِلَّغْوِ فِىَ أَيْمَنِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَلِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيَْنِّ﴾ [المائدة: ٨٩].
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ﴾ فيه الأمر من الله للمؤمنين
إذا أساء إليهم بعض إخوانهم المسلمين أن يعفوا عن إساءتهم ويصفحوا، وأصل العفو:
من عفت الريح الأثر إذا طمسته.
والمعنى: فليطمسوا آثار الإساءة بحلمهم وتجاوزهم، والصفح، قال بعض أهل
العلم: مشتق من صفحة العنق؛ أي أعرضوا عن مكافأة إساءتهم حتى كأنكم تولونها
بصفحة العنق، معرضين عنها، وما تضمنته هذه الآية من العفو والصفح جاء مبيناً في
مواضع أخر كقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ
وَاْلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِ السََّآءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَظِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ
النَّاسِنُ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13)﴾ [آل عمران] وقد دلت هذه الآية على أن كظم الغيظ
والعفو عن الناس، من صفات أهل الجنة، وكفى بذلك حئاً على ذلك. ودلت أيضاً
على أن ذلك من الإحسان الذي يحب الله المتصفين به. وكقوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ خَيّاً
أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوَّا قَدِيرًا (19)﴾ [النساء] وقد بين تعالى في هذه
الآية أن العفو مع القدرة من صفاته تعالى، وكفى بذلك حثاً عليه. وكقوله تعالى:
﴿فَأَصْفَجِ الصَّفْحَ اَلْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] وكقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ
(3)﴾ [الشورى] إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمُّ﴾ دليل على أن
العفو والصفح عن المسيء المسلم من موجبات غفران الذنوب، والجزاء من جنس

٩٦٦
سورة النور: الآية (٢٢)
العمل؛ ولذا لما نزلت قال أبو بكر: بلى والله، نحب أن يغفر لنا ربنا، ورجع للإنفاق
على مسطح، ومفعول ((أن يغفر الله)) محذوف للعلم به؛ أي يغفر لكم ذنوبكم.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ أُوْلِىِ الْقُرْبَى﴾ أي أصحاب القرابة، ولفظة
أولي اسم جمع لا واحد له من لفظه يعرب إعراب الجمع المذكر السالم.
فائدة: في هذه الآية الكريمة دليل على أن كبائر الذنوب لا تحبط العمل الصالح؛
لأن هجرة مسطح بن أثاثة من عمله الصالح، وقذفه لعائشة من الكبائر ولم يبطل
هجرته؛ لأن الله قال فيه بعد قذفه لها: ﴿وَالْمُهَجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فدل ذلك على أن
هجرته في سبيل الله، لم يحبطها قذفه لعائشة
قال القرطبي: في هذه الآية دليل على أن القذف وإن كان كبيراً لا يحبط الأعمال؛
لأن الله تعالى وصف مسطحاً بعد قوله بالهجرة والإيمان، وكذلك سائر الكبائر، ولا
يحبط الأعمال غير الشرك بالله قال تعالى: ﴿لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، اهـ.
وما ذكر من أن في الآية وصف مسطح بالإيمان لم يظهر من الآية، وإن كان معلوماً .
وقال القرطبي أيضاً: قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله. ثم
قال بعد هذا: قال بعض العلماء، هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى من حيث لطف الله
بالقذفة العصاة بهذا اللفظ. وقيل: أرجى آية في كتاب الله من قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ
اَلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (﴾﴾ [الأحزاب] وقد قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ فِ رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِّ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ اُلْفَضْلُ
اَلْكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] فشرح الفضل الكبير في هذه الآية، وبشر به المؤمنين في تلك.
ومن آيات الرجاء قوله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن
رَحْمَةِ اَللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ الآية [الزمر: ٥٣]. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ)
بِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: ١٩] وقال بعضهم: أرجى آية في كتاب الله وَّ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ
رَبُّكَ فَتَرْضَ ﴾﴾ [الضحى]؛ وذلك أن رسول الله وَ ﴿ لا يرضى ببقاء أحد من أمته في
النار. انتهى كلام القرطبي.
وقال بعض أهل العلم: أرجى آية في كتاب الله 8 3، آية الدين: وهي أطول آية
في القرآن العظيم، وقد أوضح الله - تبارك وتعالى - فيها الطرق الكفيلة بصيانة الدين من
الضياع، ولو كان الدين حقيراً كما يدل عليه قوله تعالى فيها: ﴿وَلَا تََّمُوْاْ أَنْ تَكْثُبُوهُ
صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًّا إِلَى أَجَلِهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، قالوا: هذا من المحافظة في آية الدين
على صيانة مال المسلم، وعدم ضياعه، ولو قليلاً يدل على العناية التامة بمصالح
المسلم، وذلك يدل على أن اللطيف الخبير لا يضيعه يوم القيامة عند اشتداد الهول،
وشدة حاجته إلى ربه.
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: من أرجى آيات القرآن العظيم قوله تعالى:
:

٩٦٧
سورة النور: الآية (٢٤) -
أَوْرَقْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ
بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ اُلْفَضْلُ الْكَبِيرُ (® جَنَتُ عَدٍْ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ
وَلُؤْلُؤَا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (*) وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنِّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ (١٨)
(9)﴾ [فاطر] .
الَّذِىّ أَحَلَنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ، لَا يَمَشُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيَهَا لُغُوبٌ
فقد بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن إيراث هذه الأمة لهذا الكتاب، دليل على أن الله
اصطفاها في قوله: ﴿ثُمَّ أَوَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ اصْطَفَيَّنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وبين أنهم ثلاثة أقسام:
الأول: الظالم لنفسه، وهو الذي يطيع الله، ولكنه يعصيه أيضاً، فهو الذي قال الله
فيه: ﴿خَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَءَآخَرَ سَيْئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَنُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢].
والثاني: المقتصد وهو الذي يطيع الله، ولا يعصيه، ولكنه لا يتقرب بالنوافل من
الطاعات.
والثالث: السابق بالخيرات: وهو الذي يأتي بالواجبات ويجتنب المحرمات
ويتقرب إلى الله بالطاعات والقربات التي هي غير واجبة، وهذا على أصح الأقوال في
تفسير الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق، ثم إنه تعالى بين أن إيراثهم الكتاب هو
الفضل الكبير منه عليهم، ثم وعد الجميع بجنات عدن وهو لا يخلف الميعاد في قوله:
﴿جَّتُ عَدْنٍ يَدْخُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَمَشُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ والواو في ((يدخلونها)) شاملة
للظالم، والمقتصد والسابق على التحقيق؛ ولذا قال بعض أهل العلم: حق لهذه الواو
أن تكتب بماء العينين، فوعده الصادق بجنات عدن لجميع أقسام هذه الأمة، وأولهم
الظالم لنفسه يدل على أن هذه الآية من أرجى آيات القرآن، ولم يبق من المسلمين أحد
خارج عن الأقسام الثلاثة، فالوعد الصادق بالجنة في الآية شامل لجميع المسلمين؛
ولذا قال بعدها متصلاً بها: ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا
يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ ﴾﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا لِلنَّالِمِينَ مِن
تَّصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٦ - ٣٧].
واختلف أهل العلم في سبب تقديم الظالم في الوعد بالجنة على المقتصد
والسابق، فقال بعضهم: قدم الظالم لئلا يقنط، وأخر السابق بالخيرات لئلا يعجب
بعمله فيحبط. وقال بعضهم: قدم الظالم لنفسه؛ لأن أكثر أهل الجنة الظالمون
لأنفسهم؛ لأن الذين لم تقع منهم معصية أقل من غيرهم؛ كما قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِّ وَقَلِلٌ مَّا هُمّ﴾ [ص: ٢٤].
قوله تعالى: ﴿يَوَّمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِهِمْ وَرْجُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الذين يرمون المحصنات الغافلات
المؤمنات، أنهم ملعونون في الدنيا والآخرة، ولهم عذاب عظيم، يوم تشهد عليهم
ألسنتهم، وأيديهم، وأرجلهم بما كانوا يعملون، وبين في غير هذا الموضع أن بعض

٩٦٨
سورة النور: الآيات (٢٥ - ٢٧)
أجزاء الكافر تشهد عليه يوم القيامة غير اللسان كقوله تعالى: ﴿ اَلْيَوْمَ تَخْتِمُ عَلَى أَفْوَهِهِمْ
وَتُكَلِّمُنَّا أَيْدِيِهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
10)﴾ [من].
قَوله تعالى: ﴿حَُّ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبَصَرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ ﴿ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمّ شَهِدُّمْ عَلَيْنًا قَالُواْ أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِىّ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ إلى قوله
تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَ أَبْصَدُّكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ◌َظَنْتُمْ أَنَّ
اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ﴿ وَذَلِكُمْ ظَتُكُمُ الَّذِى ظَنَنْتُم بِرَبَّكُمْ أَرْدَكُمْ: فَأَصْبَحْتُم مِّنَ
اْخَسِرِينَ (٣َ﴾ [فصلت: ٢٠ - ٢٣].
قوله تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ يُوَفِيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾. المراد بالدين هنا الجزاء، ويدل على
ذلك قوله: يوفيهم؛ لأن التوفية تدل على الجزاء كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُجْزَنَهُ الْجَزَآءَ الْأَوْفَ
[النجم] وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَنَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]
وقوله: ﴿تُوَلَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ [آل عمران: ١٦١] إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله: دينهم؛ أي جزاءهم الذي هو في غاية العدل والإنصاف، وقال
الزمخشري: دينهم الحق؛ أي جزاءهم الواجب الذي هم أهله، والأول أصح؛ لأن الله
يجازي عباده بإنصاف تام، وعدل كامل، والآيات القرآنية في ذلك كثيرة كقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَّةً يُضَعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٧] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا
يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (®)﴾ [يونس] وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوْزِينَ الْقِسْطَ
لِيَوَمِ الْقِيَمَةِ فَلَ نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا
حَسِبِينَ ﴾﴾ [الأنبياء] إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه. ومن إتيان الدين
بمعنى الجزاء في القرآن قوله تعالى: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾﴾ [الفاتحة].
قوله تعالى: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَدْخُلُواْ بُنَا غَيْرَ بُوتِكُمْ حَّ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ
عَلَى أَهْلِهَأَ قَلِكُمْ خَّرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ (
اعلم أن هذه الآية الكريمة أشكلت على كثير من أهل العلم، وذلك من أجل
التعبير عن الاستئذان بالاستئناس، مع أنهما مختلفان في المادة والمعنى. وقال ابن
حجر في الفتح: وحكى الطحاوي أن الاستئناس في لغة اليمن: الاستئذان. وفي تفسير
هذه الآية الكريمة بما يناسب لفظها وجهان، ولكل منهما شاهد من كتاب الله تعالى:
الوجه الأول: أنه من الاستئناس الظاهر الذي هو ضد الاستيحاش؛ لأن الذي
يقرع باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه، فإذا
أذن له استأنس وزال عنه الاستيحاش، ولما كان الاستئناس لازماً للإذن أطلق اللازم،
وأريد ملزومه الذي هو الإذن، وإطلاق اللازم، وإرادة الملزوم أسلوب عربي معروف،
والقائلون بالمجاز يقولون: إن ذلك من المجاز المرسل، وعلى أن هذه الآية أطلق فيها
اللازم الذي هو الاستئناس وأريد ملزومه الذي هو الإذن يصير المعنى: حتى تستأذنوا،

٩٦٩
سورة النور: الآيات (٢٥ - ٢٧)
ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾
.[الأحزاب: ٥٣]، وقوله تعالى بعده: ﴿فَلَ نَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾، وقال الزمخشري في
هذا الوجه بعد أن ذكره: وهذا من قبيل الكناية، والإرداف؛ لأن هذا النوع من
الاستئناس يردف الإذن فوضع موضع الإذن.
الوجه الثاني: في الآية هو أن يكون الاستئناس بمعنى الاستعلام، والاستكشاف.
فهو استفعال من آنس الشيء إذا أبصره ظاهراً مكشوفاً أو علمه.
والمعنى: حتى تستعلموا وتستكشفوا الحال، هل يؤذن لكم أو لا؟ وتقول العرب:
استئنس هل ترى أحداً، واستأنست فلم أر أحداً، أي تعرفت واستعلمت، ومن هذا
المعنى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَأَدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَقْوَهُمْ﴾ [النساء: ٦] أي علمتم
رشدهم وظهر لكم. وقوله تعالى عن موسى: ﴿إِنّ ◌َانَسْتُ نَارًا لَّعَلّى عَائِيَكُمْ مِنْهَا بِقَيَسٍ﴾ [طه:
١٠] وقوله تعالى: ﴿فَلَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ ءَانَسَ مِن جَانِبِ اَلُورِ ثَارًا﴾ ...
الآية [القصص: ٢٩]. فمعنى آنس ناراً: رآها مكشوفة. ومن هذا المعنى قول نابغة ذبيان:
بذي الجليل على مستأنس وحد
كأن رحلي وقد زال النهار بنا
طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد
من وحش وجرة موشى أكارعه
فقوله على مستأنس يعني: حمار وحش شبه به ناقته، ومعنى كونه مستأنساً أنه
يستكشف، ويستعلم القانصين بشمه ريحهم وحدة بصره في نظره إليهم. ومنه أيضاً قول
الحارث بن حلزة اليشكري يصف نعامة شبه بها ناقته:
آنست نبأة وأفزعها القنا
ص عصراً وقد دنا الإمساء
فقوله: آنست نبأة؛ أي أحست بصوت خفي، وهذا الوجه الذي هو أن معنى
تستأنسوا تستشكفوا وتستعلموا، هل يؤذن لكم وذلك الاستعلام والاستكشاف إنما يكون
بالاستئذان أظهر عندي، وإن استظهر بعض أهل العلم الوجه الأول، وهناك وجه ثالث
في تفسير الآية تركناه لعدم اتجاهه عندنا .
وبما ذكرنا تعلم أن ما يروى عن ابن عباس وغيره من أن أصل الآية: ((حتى
تستأذنوا))، وأن الكاتبين غلطوا في كتابتهم، فكتبوا ((تستأنسوا)) غلطاً بدل ((تستأذنوا)) لا
يعول عليه، ولا يمكن أن يصح عن ابن عباس، وإن صحح سنده عنه بعض أهل العلم.
ولو فرضنا صحته فهو من القراءات التي نسخت وتركت، ولعل القارئ بها لم يطلع
على ذلك؛ لأن جميع الصحابة م أجمعوا على كتابة ((تستأنسوا)) في جميع نسخ
المصحف العثماني، وعلى تلاوتها بلفظ: ((تستأنسوا))، ومضى على ذلك إجماع
المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها في مصاحفهم وتلاوتهم من غير نكير. والقرآن
العظيم تولى الله تعالى حفظه من التبديل والتغيير، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ ﴾﴾ [الحجر] وقال فيه: ﴿لَّا يَأِْهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِةِ، تَنِيلٌ

٩٧٠ -
سورة النور: الآيتان (٣٠ - ٣١)
[فصلت] وقال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ
مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
وَقُرْءَانَهُ (١٧)﴾ [القيامة].
وهناك مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة يرجع من أراد الوقوف عليها للأصل.
قوله تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمَّ ذَلِكَ أَزَكَى لَمَّ إِنَّ اللَّهَ
خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴿ وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾. أمر الله - جل
وعلا - المؤمنين والمؤمنات بغض البصر، وحفظ الفرج، ويدخل في حفظ الفرج:
حفظه من الزنى، واللواط، والمساحقة، وحفظه من الإبداء للناس والانكشاف لهم،
وقد دلت آيات أخر على أن حفظه من المباشرة المدلول عليه بهذه الآية يلزم عن كل
شيء إلا الزوجة والسرية، وذلك في قوله تعالى في سورة المؤمنون وسأل سائل: ﴿وَالَّذِينَ
هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ ﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٢٥)﴾ [المعارج].
فقد بينت هذه الآية أن حفظ الفرج من الزنى، واللواط لازم، وأنه لا يلزم حفظه
عن الزوجة والموطوءة بالملك.
وقد بينا في سورة البقرة أن الرجل يجب عليه حفظ فرجه عن وطء زوجته في
الدبر، وذكرنا لذلك أدلة كثيرة، وقد أوضحنا الكلام على آية ﴿وَلَِّينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ
حَفِظُونَ ﴾﴾ [المؤمنون] في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾﴾﴾ [المؤمنون] وقد وعد الله تعالى
من امتثل أمره في هذه الآية من الرجال والنساء بالمغفرة والأجر العظيم، إذا عمل معها
الخصال المذكورة معها في سورة الأحزاب وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ
وَالْمُسْلِمَتِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَالْخَفِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَفِظَتِ وَالذَّكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَتِ
أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] وأوضح تأكيد حفظ الفرج عن الزنى في
(٣٢)﴾ [الإسراء]
آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزّ إِنَّهُ كَانَ فَحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا
وقوله تعالى: ﴿وَأَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا
بِاَلْحَقِّ وَلَا يَزْنُنَّ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٢٨) يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِهِ،
مُهَانَا ﴿ إِلَّا مَن تَابَ﴾ ... الآية [الفرقان] إلى غير ذلك من الآيات، وأوضح لزوم حفظ
الفرج عن اللواط وبين أنه عدوان في آيات متعددة في قصة قوم لوط كقوله: ﴿أَتَأْتُنَ
اُلْذُّكْرَانَ مِنَ الْعَلَمِينَ (٨٢) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبَّكُمْ مِنْ أَزَّوَجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ عَادُونَ
[الشعراء] وقوله تعالى: ﴿وَلُوطَا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا
مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَلَمِينَ ﴿ أَبِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَّعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِ نَادِيَكُمُ
الْمُنكَرِّ﴾ [العنكبوت: ٢٨، ٢٩] إلى غير ذلك من الآيات.
· وقد أوضحنا كلام أهل العلم وأدلتهم في عقوبة فاعل فاحشة اللواط في سورة
هود وعقوبة الزاني في أول هذه السورة الكريمة.
واعلم أن الأمر بحفظ الفرج يتناول حفظه من انكشافه للناس، وقال ابن كثير تخذه

٩٧١
سورة النور: الآيتان (٣٠ - ٣١)
في تفسير هذه الآية: وحفظ الفرج تارة يكون بمنعه من الزنى كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ ﴾﴾ الآية [المؤمنون]، وتارة يكون بحفظه من النظر إليه كما جاء
في الحديث في مسند أحمد والسنن: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت
یمینك، اهـ منه.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَدِهِمْ﴾ ...
الآيتين. قال الزمخشري في الكشاف: من للتبعيض والمراد غض البصر عما يحرم،
والاقتصار به على ما يحل، وجوز الأخفش أن تكون مزيدة وأباه سيبويه، فإن قلت:
كيف دخلت في غض البصر دون حفظ الفرج؟ قلت: دلالة على أن أمر النظر أوسع،
ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن، وصدورهن، وثديهن، وأعضادهن،
وأسوقهن وأقدامهن، وكذلك الجواري المستعرضات، والأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها
وقدميها في إحدى الروايتين، وأما أمر الفرج فمضيق، وكفاك فرقاً أن أبيح النظر إلّا ما
استثني منه، وحظر الجماع إلا ما استثني منه، ويجوز أن يراد مع حفظها من الإفضاء
إلى ما لا يحل حفظها عن الإبداء.
٠٠
وعن ابن زيد: كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنى إلا هذا فإنه أراد
به الاستتار، اهـ كلام الزمخشري.
وما نقل عن ابن زيد من أن المراد بحفظ الفرج في هذه الآية الاستتار فيه نظر.
بل يدخل فيه دخولاً أولياً حفظه من الزنى واللواط، ومن الأدلة على ذلك تقديمه الأمر
بغض البصر على الأمر بحفظ الفرج؛ لأن النظر بريد الزنى كما سيأتي إيضاحه قريباً -
إن شاء الله تعالى -، وما ذكر جواز النظر إليه من المحارم لا يخلو بعضه من نظر.
وسيأتي تحقيق ذلك - إن شاء الله تعالى - وتفصيله في سورة الأحزاب، كما وعدنا في
ترجمة هذا الكتاب المبارك، أنا نوضح مسألة الحجاب في سورة الأحزاب.
وقول الزمخشري: إن ((من)) في قوله: ﴿يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ﴾ للتبعيض قاله غيره،
وقواه القرطبي بالأحاديث الواردة في أن نظرة الفجاءة لا حرج فيها وعليه أن يغض
بصره بعدها، ولا ينظر نظراً عمداً إلى ما لا يحل، وما ذكره الزمخشري عن الأخفش،
وذكره القرطبي وغيرهما من أن ((من)) زائدة لا يعول عليه. وقال القرطبي وقيل: الغض:
النقصان. يقال: غض فلان من فلان: أي وضع منه، فالبصر إذا لم يمكن من عمله،
فهو موضوع منه ومنقوص، فمن صلة للغض، وليست للتبعيض، ولا للزيادة، اهـ منه.
والأظهر عندنا أن مادة الغض تتعدى إلى المفعول بنفسها وتتعدى إليه أيضاً
بالحرف الذي هو ((من))، ومثل ذلك كثير في كلام العرب، ومن أمثلة تعدي الغض
للمفعول بنفسه قول جرير:
.. فلا كعباً بلغت ولا كلابا
فغضّ الطّرف إنك من نمير.

٩٧٢
سورة النور: الآيتان (٣٠ - ٣١)
وقول عنترة:
حتى يواري جارتي مأواها
وأغض طرفي ما بدت لي جارتي
وقول الآخر:
وما كان غض الطرف منا سجية
ولكننا في مذحج غربان
لأن قوله: غض الطرف مصدر مضاف إلى مفعوله بدون حرف.
ومن أمثلة تعدي الغض بـ ((من)) قوله تعالى: ﴿يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ﴾، ﴿يَغْضُضْنَ مِنْ
أَبْصَرِهِنَ﴾ وما ذكره هنا من الأمر بغض البصر قد جاء في آية أخرى تهديد من لم
يمتثله، ولم يغض بصره عن الحرام، وهي قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩].
وقد قال البخاري تخلّفُهُ: وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن: إن نساء العجم يكشفن
صدورهن ورؤوسهن، قال: اصرف بصرك عنهن. يقول الله : ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ
أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ﴾ قال قتادة: عما لا يحل لهم ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ
وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ خائنة الأعين النظر إلى ما نهى عنه، اهـ محل الغرض منه بلفظه.
وبه تعلم أن قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩] فيه الوعيد لمن يخون
بعينه بالنظر إلى ما لا يحل له، وهذا الذي دلت عليه الآيتان من الزجر عن النظر إلى ما
لا يحل، جاء موضحاً في أحاديث كثيرة.
منها ما ثبت في الصحيح، عن أبي سعيد الخدري نظرته أن النبي ◌َّ قال: ((إياكم
والجلوس بالطرقات))، قالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، قال:
((فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه))، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله ولاه؟
قال: ((غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر))
انتهى هذا لفظ البخاري في صحيحه.
٦
ومنها ما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عباس ثًا، قال: ((أردف النبي وَالهول
الفضل بن عباس يوم النحر خلفه على عجز راحلته، وكان الفضل رجلاً وضيئاً فوقف
النبي ولم للناس يفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله وَل، فطفق
الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها، فالتفت النبي وَ﴾، والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده،
فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها)) الحديث.
ومحل الشاهد منه أنه وَ لّ صرف وجه الفضل عن النظر إليها، فدل ذلك على أن
نظره إليها لا يجوز، واستدلال من يرى أن للمرأة الكشف عن وجهها بحضرة الرجال
الأجانب بكشف الخثعمية وجهها في هذا الحديث، سيأتي - إن شاء الله - الجواب عنه
في الكلام على مسألة الحجاب في سورة الأحزاب.
ومنها ما ثبت في الصحيحين، وغيرهما من أن نظر العين إلى ما لا يحل لها
٠

٩٧٣
سورة النور: الآيتان (٣٠ - ٣١).
تكون به زانية، فقد ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: ما رأيت شيئاً أشبه باللمم
مما قال أبو هريرة عن النبي و لو: ((إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك
لا محالة، فزنى العين: النظر، وزنى اللسان: المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج
يصدق ذلك كله ويكذبه)). اهـ هذا لفظ البخاري، والحديث متفق عليه، وفي بعض
رواياته زيادة على ما ذكرنا هنا.
ومحل الشاهد منه قوله ﴿ فزنى العين النظر، فإطلاق اسم الزنى على نظر العين إلى
ما لا يحل دليل واضح على تحريمه والتحذير منه، والأحاديث بمثل هذا كثيرة معلومة.
ومعلوم أن النظر سبب الزنى؛ فإن من أكثر من النظر إلى جمال امرأة مثلاً قد
يتمكن بسببه حبها من قلبه تمكناً يكون سبب هلاكه، والعياذ بالله، فالنظر بريد الزنى.
وقال مسلم بن الوليد الأنصاري:
عيني فكانت شقوة ووبالا
كسبت لقلبي نظرة لتسره
سبحان من خلق الهوى وتعالى
ما مر بي شيء أشد من الهوى
وقال آخر:
ألم تر أن العين للقلب رائد
وقال آخر:
وأنت إذا أرسلت طرفك رائداً
رأيت الذي لا كله أنت قادر
وقال أبو الطيب المتنبي :
وأنا الذي اجتلب المنية طرفه
فما تألف العينان فالقلب آلف
لقلبك يوماً أتعبتك المناظر
عليه ولا عن بعضه أنت صابر
فمن المطالب والقتيل القاتل
وقد ذكر ابن الجوزي تَُّ في كتابه ذم الهوى فصولاً جيدة نافعة أوضح فيها
الآفات التي يسببها النظر وحذر فيها منه، وذكر كثيراً من أشعار الشعراء، والحكم
النثرية في ذلك وكله معلوم، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهًا﴾. اعلم أولاً أن كلام العلماء
في هذه الآية يرجع جميعه إلى ثلاثة أقوال:
الأول: أن الزينة هنا نفس شيء من بدن المرأة كوجهها وكفيها .
الثاني: أن الزينة هي ما يتزين به خارجاً عن بدنها .
وعلى هذا القول ففي الزينة المذكورة الخارجة عن بدن المرأة قولان:
أحدهما: أنها الزينة التي لا يتضمن إبداؤها رؤية شيء من البدن كالملاءة التي
تلبسها المرأة فوق القميص والخمار والإزار.
وثانيهما: أنها الزينة التى يتضمن إبداؤها رؤية شيء من البدن كالكحل في العين،

٩٧٤
سورة النور: الآية (٣١)
فإنه يتضمن رؤية الوجه أو بعضه، وكالخضاب والخاتم، فإن رؤيتهما تستلزم رؤية اليد،
وكالقرط والقلادة والسوار، فإن رؤية ذلك تستلزم رؤية محله من البدن كما لا يخفى.
وسنذكر بعض كلام أهل العلم في ذلك، ثم نبين ما يفهم من آيات القرآن رجحانه.
قال ابن كثير تَُّ في تفسيره هذه الآية: وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا.
ظَهَرَ مِنْهًا﴾؛ أي لا يظهرن شيئاً من الزينة للأجانب، إلا ما لا يمكن إخفاؤه، قال ابن
مسعود: كالرداء والثياب، يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل
ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب، فلا حرج عليها فيه؛ لأن هذا لا يمكنها إخفاؤه،
ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها، وما لا يمكن إخفاؤه، وقال بقول ابن مسعود
الحسن، وابن سيرين، وأبو الجوزاء، وإبراهيم النخعي، وغيرهم، وقال الأعمش عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهًا﴾ قال: وجهها
وكفيها والخاتم. وروي عن ابن عمر، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي
الشعثاء، والضحاك، وإبراهيم النخعي وغيرهم نحو ذلك. وهذا يحتمل أن يكون تفسيراً
للزينة التي نهين عن إبدائها، كما قال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن
عبد الله قال في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الزينة: القرط، والدملوج، والخلخال،
والقلادة. وفي رواية عنه بهذا الإسناد قال: الزينة زينتان، فزينة لا يراها إلى الزوج
الخاتم والسوار، وزينة يراها الأجانب، وهي الظاهر من الثياب، وقال الزهري: لا
يبدو لهؤلاء الذين سمى الله ممن لا تحل له إلا الأسورة والأخمرة والأقرطة من غير
حسر، وأما عامة الناس، فلا يبدو منها إلا الخواتم. وقال مالك، عن الزهري ﴿إِلَّا مَا
ظَهَرَ مِنْهًا﴾: الخاتم والخلخال. ويحتمل أن ابن عباس، ومن تابعه أرادوا تفسير ما
ظهر منها: بالوجه والكفين، وهذا هو المشهور عند الجمهور، ويستأنس له بالحديث
الذي رواه أبو داوود في سننه:
حدثنا يعقوب بن كعب الأنطاكي، ومؤمل بن الفضل الحراني، قالا : حدثنا الوليد
عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن خالد بن دريك، عن عائشة رضيوثها: أن أسماء بنت
أبي بكر دخلت على النبي وَلّه، وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال: ((يا أسماء إن
المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا)) وأشار إلى وجهه وكفيه. لكن
قال أبو داوود، وأبو حاتم الرازي: هو مرسل، خالد بن دريك لم يسمع من عائشة
والله أعلم، اهـ كلام ابن كثير.
وقال القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهًا﴾ واختلف الناس في
قدر ذلك، فقال ابن مسعود: ظاهر الزينة: هو الثياب. وزاد ابن جبير: الوجه. وقال
سعيد بن جبير أيضاً، وعطاء، والأوزاعي: الوجه والكفان والثياب. وقال ابن عباس،
وقتادة، والمسور بن مخرمة: ظاهر الزينة هو الكحل، والسوار والخضاب إلى نصف

٩٧٥
سورة النور: الآية (٣١)
الذراغ والقرطة والفتخ ونحو هذا، فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من
الناس. وذكر الطبري عن قتادة في معنى نصف الذراع حديثاً عن النبي وَّر. وذكر آخر
عن عائشة ينا، عن النبي ◌َّ أنه قال: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا
عركت أن تظهر إلا وجهها ويديها إلى ها هنا وقبض على نصف الذراع)).
قال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بأن لا تبدي وأن
تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما
لا بد منه، أو إصلاح شأن ونحو ذلك، فما ظهر على هذا الوجه مما تؤدي إليه
الضرورة في النساء فهو المعفو عنه.
قلت: هذا قول حسن إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة
وعبادة وذلك في الصلاة والحج، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعاً إليهما، يدل على
ذلك ما رواه أبو داوود عن عائشة رضيها، ثم ذكر القرطبي حديث عائشة المذكور الذي
قدمناه قريباً، ثم قال: وقد قال ابن خويز منداد من علمائنا: إن المرأة إذا كانت جميلة،
وخيف من وجهها وكفيها الفتنة، فعليها ستر ذلك، وإن كانت عجوزاً أو مقبحة جاز أن
تكشف وجهها وكفيها، اهـ محل الغرض من كلام القرطبي.
وقال الزمخشري: الزينة ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب، فما
كان ظاهراً منها كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب، فلا بأس به، وما خفي منها
كالسوار والخلخال، والدملج، والقلادة والإكليل والوشاح والقرط فلا تبديه إلا لهؤلاء
المذكورين، وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتصون، والتستر؛ لأن هذه
الزينة واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء، وهي الذراع،
والساق، والعضد، والعنق، والرأس، والصدر، والأذن، فنهى عن إبداء الزينة نفسها
ليعلم أن النظر إذا لم يحل إليها لملابستها تلك المواقع، بدليل أن النظر إليها غير
ملابسة لها لا مقال في حله، كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكناً في الحظر، ثابت
القدم في الحرمة، شاهد على أن النساء حقهن أن يحتطن في سترها ويتقين الله في
الكشف عنها إلى آخر كلامه.
وقال صاحب الدر المنثور: وأخرج عبد الرزاق والفريابي، وسعيد بن منصور،
وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم،
والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن مسعود ظه في قوله تعالى:
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ قال: الزينة السوار، والدملج، والخلخال، والقرط، والقلادة
﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: الثياب والجلباب.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن مسعود نظراته قال:
الزينة زينتان، زينة ظاهرة، وزينة باطنة لا يراها إلا الزوج، فأما الزينة الظاهرة،

٩٧٦ -
سورة النور: الآية (٣١)
فالثياب، وأما الزينة الباطنة، فالكحل، والسوار والخاتم. ولفظ ابن جرير: فالظاهرة
منها الثياب. وما يخفى: فالخلخالان والقرطان والسواران.
وأخرج ابن المنذر عن أنس في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾
قال: الكحل والخاتم.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن .
عباس رضيّ ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهًا﴾ قال: الكحل والخاتم والقرط، والقلادة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهًا﴾
قال: هو خضاب الكف، والخاتم.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله:
﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: وجهها، وكفاها، والخاتم.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله:
﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهًا﴾ قال: رقعة الوجه، وباطن الكف.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في سننه، عن
عائشة فيها أنها سئلت عن الزينة الظاهرة فقالت: القلب والفتخ، وضمت طرف كمها .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهًا﴾ قال: الوجه
وثغرة النحر.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: الوجه
والكف.
وأخرج ابن جرير عن عطاء في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهًا﴾ قال: الكفان والوجه.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهًا﴾
قال: المسكتان والخاتم والكحل.
قال قتادة: وبلغني أن النبي وسلم قال: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إلا
إلى ها هنا)) ويقبضِ نصف الذراع. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير، عن المسور بن
مخرمة في قوله: ﴿إِلَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: القلبين يعني السوار، والخاتم، والكحل.
وأخرج سعيد وابن جرير عن ابن جريج قال: قال ابن عباس في قوله تعالى:
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهًا﴾ قال: الخاتم والمسكة، قال ابن جريج، وقالت
عائشة هنا: القلب والفتخة. قالت عائشة: دخلت عليّ ابنة أخي لأمي، عبد الله بن
الطفيل مزينة، فدخلت على النبي وَلل، وأعرض. فقالت عائشة يؤثّا: إنها ابنة أخي
وجارية فقال: إذا عركت المرأة لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها وإلا ما دون هذا،
وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى. اهـ محل الغرض
من كلام صاحب الدر المنثور.

٩٧٧
سورة النور: الآية (٣١)
وقد رأيت في هذه النقول المذكورة عن السلف أقوال أهل العلم في الزينة
الظاهرة والزينة الباطنة، وأن جميع ذلك راجع في الجملة إلى ثلاثة أقوال كما ذكرنا:
الأول: أن المراد بالزينة ما تتزين به المرأة خارجاً عن أصل خلقتها، ولا يستلزم
النظر إليه رؤية شيء من بدنها، كقول ابن مسعود ومن وافقه: إنها ظاهر الثياب؛ لأن
الثياب زينة لها خارجة عن أصل خلقتها وهي ظاهرة بحكم الاضطرار كما ترى.
وهذا القول هو أظهر الأقوال عندنا وأحوطها؛ وأبعدها من الريبة وأسباب الفتنة.
القول الثاني: أن المراد بالزينة ما تتزين به، وليس من أصل خلقتها أيضاً، لكن
النظر إلى تلك الزينة يستلزم رؤية شيء من بدن المرأة، وذلك الخضاب والكحل، ونحو
ذلك، لأن النظر إلى ذلك يستلزم رؤية الموضع الملابس له من البدن كما لا يخفى.
القول الثالث: أن المراد بالزينة الظاهرة بعض بدن المرأة الذي هو من أصل
خلقتها، كقول من قال: إن المراد بما ظهر منها الوجه، والكفان، وما تقدم ذكره عن
بعض أهل العلم.
وإذا عرفت هذا فاعلم أننا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع
البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً، وتكون في نفس الآية قرينة
دالة على عدم صحة ذلك القول، وقدمنا أيضاً في ترجمته أن من أنواع البيان التي
تضمنها أن يكون الغالب في القرآن إرادة معنى معين في اللفظ، مع تكرر ذلك اللفظ في
القرآن، فكون ذلك المعنى هو المراد من اللفظ في الغالب، يدل على أنه هو المراد في
محل النزاع؛ لدلالة غلبة إرادته في القرآن بذلك اللفظ، وذكرنا له بعض الأمثلة في
الترجمة.
وإذا عرفت ذلك فاعلم أن هذين النوعين من أنواع البيان اللذين ذكرناهما في
ترجمة هذا الكتاب المبارك، ومثلنا لهما بأمثلة متعددة كلاهما موجود في هذه الآية التي
نحن بصددها .
أما الأول منهما، فبيانه أن قول من قال في معنى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا
ظَهَرَ مِنْهًا﴾ أن المراد بالزينة: الوجه والكفان مثلاً، توجد في الآية قرينة تدل على
عدم صحة هذا القول، وهي أن الزينة في لغة العرب، هي ما تتزين به المرأة مما هو
خارج عن أصل خلقتها: كالحلي، والحلل، فتفسير الزينة ببعض بدن المرأة خلاف
الظاهر، ولا يجوز الحمل عليه، إلا بدليل يجب الرجوع إليه، وبه تعلم أَنَّ قول من
قال: الزينة الظاهرة: الوجه، والكفان، خلاف ظاهر معنى لفظ الآية، وذلك قرينة على
عدم صحة هذا القول، فلا يجوز الحمل عليه إلا بدليل منفصل يجب الرجوع إليه.
وأما نوع البيان الثاني المذكور فإيضاحه أن لفظ الزينة يكثر تكرره في القرآن
العظيم مراداً به الزينة الخارجة عن أصل المزين بها، ولا يراد بها بعض أجزاء ذلك

٩٧٨
- سورة النور: الآية (٣١)
الشيء المزين بها كقوله تعالى: ﴿يَبَِّيّ ◌َادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَِّىّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ،﴾ [الأعراف: ٣٢] وقوله تعالى: ﴿إِنَّا
جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّا﴾ [الكهف: ٧] وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَىْءٍ فَمَتَعُ الْحَيَوَةِ
الذُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾ [القصص: ٦٠] وقوله تعالى: ﴿إِنَّا زَمَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِنَةٍ الْكَوَكِبِ
[الصافات] وقوله تعالى: ﴿وَاْخَيْلَ وَاَلْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِّكَبُوهَا وَزِينَةٌ﴾ الآية [النحل: ٨]. وقوله
تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِ زِينَيْهِ﴾ ... الآية [القصص: ٧٩]. وقوله تعالى: ﴿الْمَالُ
وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوْةِ الذُّنْيَا﴾ ... الآية [الكهف: ٤٦]. وقوله تعالى: ﴿أَنَّمَا الْحَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ
وَوٌّ وَزِينَةٌ﴾ ... الآية [الحديد: ٢٠]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه: ٥٩]
وقوله تعالى عن قوم موسى: ﴿وَلَكِنَّا حِلْنَا أَوْزَارًا مِّنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ [طه: ٨٧] وقوله تعالى:
﴿وَلَا يَضْرِيْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ فلفظ الزينة في هذه الآيات كلها يراد به
ما يزين به الشيء وهو ليس من أصل خلقته كما ترى، وكون هذا المعنى هو الغالب في
لفظ الزينة في القرآن، يدل على أن لفظ الزينة في محل النزاع يراد به هذا المعنى الذي
غلبت إرادته في القرآن العظيم، وهو المعروف في كلام العرب كقول الشاعر:
وإذا عطلن فهن خيـر عواطل
يأخذن زينتهن أحسن ما ترى
وبه تعلم أن تفسير الزينة في الآية بالوجه والكفين فيه نظر.
وإذا علمت أن المراد بالزينة في القرآن ما يتزين به مما هو خارج عن أصل
الخلقة، وأن من فسروها من العلماء بهذا اختلفوا على قولين، فقال بعضهم: هي زينة
لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة كظاهر الثياب. وقال بعضهم: هي زينة
يستلزم النظر إليها رؤية موضعها من بدن المرأة، كالكحل، والخضاب، ونحو ذلك.
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له ـ: أظهر القولين المذكورين عندي قول ابن
مسعود ربه أن الزينة الظاهرة: هي ما لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة
الأجنبية، وإنما قلنا إن هذا القول هو الأظهر؛ لأنه هو أحوط الأقوال، وأبعدها عن
أسباب الفتنة، وأطهرها لقلوب الرجال والنساء، ولا يخفى أن وجه المرأة هو أصل
جمالها ورؤيته من أعظم أسباب الافتتان بها، كما هو معلوم والجاري على قواعد
الشرع الكريم، هو تمام المحافظة والابتعاد من الوقوع فيما لا ينبغي.
واعلم أن مسألة الحجاب وإيضاح كون الرجل لا يجوز له النظر إلى شيء من بدن
الأجنبية، سواء كان الوجه والكفان أو غيرهما قد وعدنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك
وغيرها من المواضع، بأننا سنوضح ذلك في سورة الأحزاب في الكلام على آية
الحجاب، وسنفي إن شاء الله تعالى بالوعد في ذلك بما يظهر به للمنصف ما ذكرنا .
واعلم أن الحديث الذي ذكرنا في كلام ابن كثير عند أبي داوود، وهو حديث
عائشة في دخول أسماء على النبي ◌ّر، في ثياب رقاق، وأنه قال لها: ((إن المرأة إذا

٩٧٩
سورة النور: الآية (٣١)
بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا، وأشار إلى وجهه وكفيه))، حديث
ضعيف عند أهل العلم بالحديث كما قدمنا عن ابن كثير أنه قال فيه: قال أبو داود،
وأبو حاتم الرازي: هو مرسل، وخالد بن دريك، لم يسمع من عائشة، والأمر كما
قال، وعلى كل حال فسنبين هذه المسألة - إن شاء الله - بياناً شافياً مع مناقشة أدلة
الجميع في سورة الأحزاب ولذلك لم نطل الكلام فيها ها هنا. وهناك تنبيه يرجع من
أراد الوقوف عليه للأصل، قوله تعالى: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾، لما أمر الله تعالى بهذه الآداب المذكورة في الآيات المتقدمة، وكان
التقصير في امتثال تلك الأوامر قد يحصل علم خلقه ما يتداركون به ما وقع منهم من
التقصير في امتثال الأمر، واجتناب النهي، وبين لهم أن ذلك إنما يكون بالتوبة، وهي
الرجوع عن الذنب والإنابة إلى الله بالاستغفار منه، وهي ثلاثة أركان:
الأول: الإقلاع عن الذنب إن كان متلبساً به.
والثاني: الندم على ما وقع منه من المعصية.
والثالث: النية ألا يعود إلى الذنب أبداً، والأمر في قوله في هذه الآية: ﴿وَتُوبُواْ
إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ الظاهر أنه للوجوب وهو كذلك، فالتوبة واجبة على كل مكلف، من
كل ذنب اقترفه، وتأخيرها لا يجوز فتجب منه التوبة أيضاً.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩] قد قدمنا مراراً أن أشهر معاني ((لعل)) في
القرآن اثنان :
الأول: أنها على بابها من الترجى أي توبوا إلى الله، رجاء أن تفلحوا، وعلى هذا
فالرجاء بالنسبة إلى العبد، أما الله - جل وعلا -، فهو عالم بكل شيء، فلا يجوز في
حقه إطلاق الرجاء، وعلى هذا فقوله تعالى لموسى وهارون في مخاطبة فرعون: ﴿فَقُولًا
(@)﴾ [طه] وهو - جل وعلا - عالم بما سبق في الأزل من
لَهُ قَوْلًا لَِّنَا لَعَلَُّ يَنَذَّكَّرُ أَوْ يَخْشَى
أنه لا يتذكر ولا يخشى.
معناه: فقولا له قولاً ليناً رجاء منكما بحسب عدم علمكما بالغيب أن يتذكر أو يخشى.
والثاني: هو ما قاله بعض أهل العلم بالتفسير من أن كل (لعل)) في القرآن
للتعليل، إلا التي في سورة الشعراء، وهي في قوله تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ
تَخْلُدُونَ (٣)﴾ [الشعراء] قالوا فهي بمعنى كأنكم، وقد قدمنا أن إطلاق ((لعل)) للتعليل
معلوم في العربية، ومنه قول الشاعر:
نكف ووثقتم لنا كل موثق
فقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا
أي كفوا الحروب، لأجل أن نكف كما تقدم.
وعلى هذا القول فالمعنى: وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون، لأجل أن
تفلحوا؛ أي تنالوا الفلاح، والفلاح في اللغة العربية: يطلق على معنيين:

٩٨٠
سورة النور: الآية (٣١)
الأول: الفوز بالمطلوب الأعظم، ومن هذا المعنى قول لبيد:
فاعقلي إن كنت لما تعقلي ولقد أفلح من كان عقل
أي فاز بالمطلوب الأعظم من رزقه الله العقل.
المعنى الثاني: هو البقاء الدائم في النعيم والسرور، ومنه قول الأضبط بن قريع،
وقيل: كعب بن زهير:
والمسئُّ والصبح لا فلاح معه
لكل هم من الهموم سعه
يعني أنه لا بقاء لأحد في الدنيا مع تعاقب المساء والصباح عليه. وقول لبيد بن
ربيعة أيضاً :
لو أن حياً مدرك الفلاح.
لناله ملاعب الرماح
يعني لو كان أحد يدرك البقاء ولا يموت، لناله ملاعب الرماح، وهو عمه عامر بن
مالك بن جعفر المعروف بملاعب الأسنة. وقد قال فيه الشاعر يمدحه، ويذم أخاه
الطفيل والد عامر بن الطفيل المشهور:
فررت وأسلمت ابن أمك عامرا
يلاعب أطراف الوشيج المزعزع
وبكل من المعنيين اللذين ذكرناهما في الفلاح فسر حديث الأذان والإقامة: حيّ
على الفلاح كما هو معروف. ومن تاب إلى الله كما أمره الله نال الفلاح بمعنييه، فإنه
يفوز بالمطلوب الأعظم وهو الجنة، ورضى الله تعالى، وكذلك ينال البقاء الأبدي في
النعيم والسرور. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أمره - جل وعلا -، لجميع
المسلمين بالتوبة مشيراً إلى أنها تؤدي إلى فلاحهم في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ﴾ أوضحه
في غير هذا الموضع، وبين أن التوبة التي يمحو الله بها الذنوب، ويكفر بها السيئات،
أنها التوبة النصوح، وبين أنها يترتب عليها تكفير السيئات، ودخول الجنة، ولا سيما
عند من يقول من أهل العلم: إن ((عسى)) من الله واجبة، وله وجه من النظر؛ لأنه رَك
جواد كريم، رحيم غفور، فإذا أطمع عبده في شيء من فضله، فجوده وكرمه تعالى،
وسعة رحمته يجعل ذلك الإنسان الذي أطمعه ربه في ذلك الفضل يثق، بأنه ما أطمعه
فیه، إلا ليتفضل به عليه.
ومن الآيات التي بينت هذا المعنى المذكور هنا قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةٌ نَّصُوحًا عَسَى رَبِّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنَكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَكْسِلَكُمْ جَنَّتِ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا
اُلْأَنْهَرُ﴾ [التحريم: ٨] فقوله في آية التحريم هذه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ كقوله في آية
النور: ﴿أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. وقوله في آية التحريم: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ
وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ كقوله في آية النور: ﴿لَعَلَّكُ نُفْلِحُونَ﴾؛ لأن من
كفرت عنه سيئاته وأدخل الجنة، فقد نال الفلاح بمعنييه، وقوله في آية التحريم: ﴿ثُوّاً
إِلَى اللَّهِ تَوْبَةُ نَّصُوحًا﴾ موضح لقوله في النور: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ ونداؤه لهم بوصف