النص المفهرس
صفحات 781-800
٧٨١ سورة طه: الآيتان (١٣٤ - ١٤٤) آية هي أعظم الآيات وأدلها على الإعجاز. وإنما عبر عن هذا القرآن العظيم بأنه بينة ما في الصحف الأولى؛ لأن القرآن برهان قاطع على صحة جميع الكتب المنزلة من الله تعالى، فهو بينة واضحة على صدقها وصحتها كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِأَلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَلْقُرْوَانَ يَقُصُّ عَلَى بَنِيّ إِسْرَِّيَلَ أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٣)﴾ [النمل]، وقال تعالى: ﴿قُلٌ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَنَّةِ فَتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]، إلى غير ذلك من الآيات. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية على هذا التفسير الذي هو الأظهر أوضحه - جلّ وعلا - في سورة ((العنكبوت)) في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَنتُ مِّن رَّبِّهِّ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَثُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنْ نَذِيرٌ تُبِينٌ ﴾َ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ اَلْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمَّ إِنَ فِ ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ [العنكبوت]. فَقوله في ((العنكبوت)): ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ هو معنى قوله في (طه)): ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِم بِيْنَهُ مَا فِ الضُّحُفِ الْأُولَى﴾؛ كما أوضحنا، والعلم عند الله تعالى، ويزيد ذلك إيضاحاً الحديث المتفق عليه: ((ما من نبي من الأنبياء إلا أوتي ما آمن البشر على مثله، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)). وفي الآية أقوال أخر غير ما ذكرنا. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ، لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاً أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا قد قدمنا فى سورة (النساء)) أن آية ((طه)) فَنَِّعَ ءَايَلِكَ مِن قَبْلِ أَن نَذِلَّ وَنَخْزَىْ هذه تشير إلى معناها آية ((القصص)) التي هي قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُم قُصِيبَةٌ بِمَا فَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَقَيِّعَ ءَايَئِكَ وَنَّكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ٤٧ [القصص]، وأن تلك الحجة التي يحتجون بها لو لم يأتهم نذير هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿لِتَّلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُبَّهُ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. فقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلِّ مُتَرَيِّصُ فَقُوا﴾. أمر الله - جلّ وعلا - نبيه وَ ل ◌َر في هذه الآية الكريمة أن يقول للكفار الذين يقترحون عليه الآيات عناداً وتعنتاً: كل منا ومنكم متربص، أي منتظر ما يحل بالآخر من الدوائر كالموت والغلبة. وقد أوضح في غير هذا الموضع أن ما ينتظره النبي ◌َّلة وأصحابه والمسلمون كله خير، بعكس ما ينتظره ويتربصه الكفار كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبِّصُونَ بِنَّاً إِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِّ وَحْنُ نَتَرَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ: أَقَ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوْاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَيِّصُونَ ﴾﴾ [التوبة]، وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَهًا وَيَتَّرَبَّصُ بِكُ الدَّوَابِرِ عَلَيْهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءٍ﴾ ... الآية [التوبة: ٩٨]، إلى غير ذلك من الآيات، والتربص: الانتظار. قوله تعالى: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَبُ الصِّرَطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اُهْتَدَى﴾ ٧٨٢ سورة الأنبياء: الآيات (١ - ٣) ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الكفار سيعلمون في ثاني حال من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى؛ أي وفق لطريق الصواب والديمومة على ذلك، وأمر نبيه أن يقول ذلك للكفار، والمعنى سيتضح لكم أنا مهتدون، وأنا على صراط مستقيم، وأنكم على ضلال وباطل. وهذا يظهر لهم يوم القيامة إذا عاينوا الحقيقة، ويظهر لهم في الدنيا لما يرونه من نصر الله لنبيه وَ له . وهذا المعنى الذي ذكره هنا بينه في غير هذا الموضع كقوله: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٢]، وقوله: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ اَلْكَذَّابُ اٌلْأَشِرُ ®َ﴾ [القمر]، وقوله: ﴿وَلَنَعْلَمُنَّ نَّامُ بَعْدَ حِينٍ ﴾﴾ [ص]، إلى غير ذلك من الآيات والصراط في لغة العرب: الطريق الواضح. والسوي: المستقيم، وهو الذي لا اعوجاج فيه؛ ومنه قول جرير: أمير المؤمنين على صراط إذا اعوج الموارد مستقيم و((من)) في قوله: ﴿مِنْ أَصْحَبٍ﴾ قال بعض العلماء: هي موصولة مفعول به لـ (يعلمون)). وقال بعضهم: هي استفهامية معلقة لفعل العلم، كما قدمنا إيضاحه في ((مريم)) والعلم عند الله تعالى. براسه الرحمن الرحيم سورة الأنبياء قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في أول سورة ((النحل)) فأغنى ذلك عن إعادته هنا . قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَمُواْ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الكفار أخفوا النجوى فيما بينهم، قائلين: إن النبي ◌َّ ما هو إلا بشر مثلهم، فكيف يكون رسولاً إليهم؟ والنجوى: الإسرار بالكلام وإخفاؤه عن الناس، وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من دعواهم أن بشراً مثلهم لا يمكن أن يكون رسولا، وتكذيب الله لهم في ذلك جاء في آيات كثيرة، وقد قدمنا كثيراً من ذلك كقوله: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَهُ أَلْهُدَىّ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًّا رَسُولًا ﴾﴾ [الإسراء]، وقوله: ﴿فَقَالُواْ أَبَشَرٌ بَهَدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَقَوَلَّأْ وَاسْتَغْنَى اللَّهَّ﴾. ٢٤] [القمر] الآية [التغابن: ٦]، وقوله: ﴿فَقَالُواْ أَبَشَرًا مِنَّا وَحِدًا تَبِعُهُ إِنَّا إِذَا لَّفِى ضَلَالٍ وَسُعُرٍ وَلَيْنْ أَطَعْتُم وقوله: ﴿مَا هَذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَكُونَ () [المؤمنون]، وقوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ (٣٤) بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا لَخَسِرُونَ. ٧٨٣ سورة الأنبياء: الآية (٣) اُلْطَّعَامَ وَيَمْشِى فِي الْأَسْوَاقِ﴾ الآية [الفرقان: ٧]، وقوله تعالى: ﴿قَالُواْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا﴾ ... الآية [إبراهيم: ١٠]. والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً، كما تقدم إيضاح ذلك. وقد رد الله عليهم هذه الدعوى الكاذبة التي هي منع إرسال البشر، كقوله هنا في هذه السورة الكريمة: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًّا نُوحِيّ إِلَيْهِمْ فَثَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِّيَّةً﴾ الآية [الرعد: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]، وقوله هنا: ﴿وَمَا جَعَلْنَهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَلِينَ ﴾﴾، إلى غير ذلك من الآيات، وجملة ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾. قيل بدل من ﴿النَّجْوَى﴾؛ أي أسروا النجوى التي هي هذا الحديث الخفي الذي هو قولهم: هل هذا إلا بشر مثلكم. وصدر به الزمخشري، وقيل: مفعول به للنجوى؛ لأنها بمعنى القول الخفي؛ أي قالوا في خفية: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، وقيل: معمول قول محذوف؛ أي قالوا: هل هذا إلا بشر مثلكم، وهو أظهرها؛ لاطراد حذف القول مع بقاء مقوله، وفي قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أوجه كثيرة من الإعراب معروفة، وأظهرها عندي أنها بدل من الواو في قوله: ﴿وَأَسَرُّواْ﴾ بدل بعض من كل، وقد تقرر في الأصول أن بدل البعض من الكل من المخصصات المتصلة، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. فقوله: ﴿مِّن﴾ بدل من ((الناس)) بدل بعض من كل، وهي مخصصه لوجوب الحج بأنه لا يجب إلا على من استطاع إليه سبيلاً، كما قدمنا هذا في سورة ((المائدة)). قوله تعالى: ﴿أَفَتَأْتُونَ السّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. إعراب هذه الجملة جار مجرى إعراب الجملة التي قبلها، التي هي ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، والمعنى: أنهم زعموا أن ما جاء به نبينا وَ ﴿ سحر، وبناء على ذلك الزعم الباطل أنكروا على أنفسهم إتيان السحر وهم يبضرون. يعنون بذلك تصديق النبي و 8، أي لا يمكن أن نصدقك ونتبعك، ونحن نبصر أن ما جئت به سحر. وقد بين - جلّ وعلا - في غير هذا الموضع أنهم ادعوا أن ما جاء به وَ ل سحر، كقوله عن بعضهم: (إن هذا إلا سحر يؤثر)، وقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ مَآ أَنَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاحِر أَوْ مَجُْنُ (03)﴾ [الذاريات]. وقد رد الله عليهم دعواهم أن القرآن سحر بقوله هنا: ﴿قَالَ رَبِ يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾﴾؛ يعني أن الذي يعلم القول في السماء والأرض الذي هو السميع العليم، المحيط علمه بكل شيء، هو الذي أنزل هذا القرآن العظيم، وكون من أنزله هو العالم بكل شيء، يدل على كمال صدقه في الأخبار وعدله في الأحكام، وسلامته من جميع العيوب والنقائص، وأنه ليس بسحر. وقد أوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع: كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ اٌلِزَّ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ ... الآية ٧٨٤ سورة الأنبياء: الآية (٥) [الفرقان: ٦]، وقوله تعالى: ﴿لََّكِنِ اَللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكٌَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِةٍ، وَالْمَلَتِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِلَّهِ شَهِيدًا (٣)﴾ [النساء]، إلى غير ذلك من الآيات. وقرأ هذا الحرف حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿قَالَ رَبِ يَعْلَمُ الْقَوْلَ﴾ بألف بعد القاف وفتح اللام بصيغة الفعل الماضي، وقرأه الباقون ((قُلْ)) بضم القاف وإسكان اللام بصيغة الأمر. قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ أَضْغَثُ أَحْلَمٍ بَلِ أَفْتَرَنَهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾. الظاهر أن. الإضراب في قوله هنا: ﴿بَلْ قَالُواْ أَضْغَتُ أَحْلَمٍ﴾، إضراب انتقالي لا إيطالي؛ لأنهم قالوا ذلك كله، وقال بعض العلماء: كل هذه الأقوال المختلفة التي حكاها الله عنهم صدرت من طائفة متفقة لا يثبتون على قول، بل تارة يقولون هو ساحر، وتارة شاعر، وهكذا؛ لأن المبطل لا يثبت على قول واحد. وقال بعض أهل العلم: كل واحد من تلك الأقوال قالته طائفة: كما قدمنا الإشارة إلى هذا في سورة ((الحجر)) في الكلام على قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ (®﴾ [الحجر]، وقد رد الله عليهم هذه الدعاوى الباطلة في آيات من كتابه كرده دعواهم أنه شاعر أو كاهن في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ تَنْزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ وَلَوْ نَقَوَّلَ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنَّ قَلِيلًا مَّا نَذَكَرُونَ (® شَاعٍِّ قَلِلًا مَّا نُؤْمِنُونَ ( ® ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِنَ ﴿٨ ◌َا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ عَلَيْنَا بَعْضَ آلْأَقَوِيلِ جَ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِأَلْيَمِينِ حجزینَ ﴾﴾ [الحاقة]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِى لَهُّ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ ٤٧ قُبِينٌ ﴿ لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَ الْقَوْلُ عَلَى الْكَفِرِينَ (*)﴾ [يس]، وقوله في رد دعواهم أنه افتراه: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَنْ يُقْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْضِيلَ اَلْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَنَّهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ، وَأَدْعُواْ مَنِ [يونس]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّهُ قُلْ أَسْتَطَعْتُم مِّنِ دُونِ اللَّهِ إِن كُمْ صَدِقِينَ ١٣ فَأَتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ، مُفْتَرَيَتٍ وَأَدْعُواْ مَنِ أَسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ [هود]، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدَى وَرَحْمَةً لِّقَوَّرٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١]، إلى غير ذلك من الآيات، وكقوله في رد دعواهم إنه كاهن أو مجنون: ﴿فَآ أَنْتَ بِعْمَتِ رَيِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ﴿﴿ قُلْ إِنَّمَا )﴾ [التكوير]، وقوله تعالى ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا صَاحُِكُم بِمَجْنُونٍ أَعِظُكُم بِوَحِدَةٍ أَنْ تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَدَى ثُمَّ نَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّنْ جِنٍَّ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾﴾ [سبأ]، وقوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكُرُونَ (@) [المؤمنون]، إلى غير ذلك ٧٠ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ، حِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِلْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَزِهُونَ من الآيات المبينة إبطال كل ما ادعوه في النبي ◌َّر والقرآن. وقوله: ﴿أَضْغَثُ أَحْلَمٍ﴾ أي أخلاط كالأحلام المختلفة التي يراها النائم ولا حقيقة لها كما قال الشاعر: أحاديث طسم أو سراب بفدفد ترقرق للساري وأضغاث حالم وعن اليزيدي: الأضغاث ما لم يكن له تأويل. ٧٨٥ سورة الأنبياء: الآيات (٧ - ٩) - قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِشَايَةٍ كَمَا أُرْسِلَ اٌلْأَوَّلُونَ﴾، ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الكفار اقترحوا على نبينا أن يأتيهم بآية كآيات الرسل قبله، نحو ناقة صالح، وعصا موسى، وريح سليمان، وإحياء عيسى للأموات وإبرائه الأكمه والأبرص، ونحو ذلك. وإيضاح وجه التشبيه في قوله: ﴿كَمَا أُرْسِلَ اٌلْأَوَّلُونَ﴾؛ هو أنه في معنى: كما أتى الأولون بالآيات؛ لأن إرسال الرسل متضمن للإتيان بالآيات. فقولك: أرسل محمد* كقولك: أتى محمد له بالمعجزة. وقد بين تعالى أن الآيات التي اقترحوها لو جاءتهم ما آمنوا، وأنها لو جاءتهم وتمادوا على كفرهم أهلكهم الله بعذاب مستأصل؛ كما أهلك قوم صالح لما عقروا الناقة؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ تُرْسِلَ بِلَيَتِ إِلَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَءَانَيْنَا ثَمُودَ النَّقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ [الإسراء: ٥٩]، وكقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِلَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِمْ لَبِن جَمَّتْهُمْ ءَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا آَلَيْتُ عِندَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِزَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٦)﴾ [الأنعام]، وأشار إلى ذلك هنا في قوله: ﴿مَآ ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ﴾﴾؛ يعني أن الأمم الذين اقترحوا الآيات من قبلهم وجاءتهم رسلهم بما اقترحوا، لم يؤمنوا بل تمادوا، فأهلكهم الله وأنتم أشد منهم عتواً وعناداً؛ فلو جاءكم ما اقترحتم ما آمنتم فهلكتم كما هلكوا. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوَّ جَتْهُمْ كُلُّ ◌َايَةِ﴾ [يونس]، إلى غير ذلك من الآيات. وبيّن أنهم جاءتهم آية هي أعظم الآيات، فيستحق من لم يكتف بها التقريع والتوبيخ وذلك في قوله: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا أُنْزِلَ عَيْهِ ءَايَنتُ مِّن رَّبِّةِ، قُلْ إِنَّمَا الْآَيَتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَآَ أَنْ نَذِيٌِّ تُبِينُ ﴿ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْحِكِتَبَ يُقْلَى عَلَيْهِرَّ ﴾ الآية [العنكبوت: ٥٠ - ٥١]، وقد ذكرنا أن هذا المعنى يشير إليه قوله: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا يَأْتِيِنَا بِئَايَةٍ ﴾ [طه]. مِّن رَّبِّهِ: أَوَلَمْ تَأْتِهِم بِيِّنَهُ مَا فِ الضُّحُفِ الْأُولَى وقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. (®))). بيّن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْتَهُمُ الْوَعْدَ فَأَنَجَيْنَهُمْ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ - جلّ وعلا - في هذه الآيات أنه أرسل الرسل إلى الأمم فكذبوهم، وأنه وعد الرسل بأن لهم النصر والعاقبة الحسنة، وأنه صدق رسله ذلك الوعد فأنجاهم، وأنجى معهم ما شاء أن ينجيه ... والمراد به من آمن بهم من أممهم، وأهلك المسرفين وهم الكفار المكذبون للرسل، وقد أوضح هذا المعنى في مواضع كثيرة من كتابه كقوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا أَسْتَيْتَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُّنَا فَنُبَِّ مَن نَّشَةٌ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِنَ ﴾ [يوسف]، وقوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَهُ: إِنَّ اللَّهَ [إبراهيم]، وقوله تعالى: ﴿فَأَوَْ إِلَيْهِمْ رَتُهُمْ لَتُلِكَنَّ الََّلِمِينَ ٤٧ عَزِيزٌ ذُو أَنْتِقَاءِ. وَنُسْكِنَّتَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٣ - ١٤]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ٧٨٦ - سورة الأنبياء: الآيات (١١ - ٢٧) (١) ﴾ [الصافات]، وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَمُ الْغَلِبُونَ ٨٧Y إِنَّهُمْ لَمُمُ الْمَنْصُورُونَ أَمْرُنَا فَيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَمُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا﴾ [هود: ٥٨]، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا تَتْنَا صَلِحًا وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا﴾ [هود: ٦٦]. وقوله: ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَّنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَا﴾ [هود: ٩٤]، إلى غير ذلك من الآيات. والظاهر أن ((صدق)) تتعدى بنفسها وبالحرف، تقول: صدقته الوعد، وصدقته في الوعد؛ كقوله هنا: ﴿ثُمَّ صَدَقْتَهُمُ الْوَعْدَ﴾، وقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَنَّكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [آل عمران: ١٥٢]. فقول الزمخشري ﴿صَدَقْنَهُمُ الْوَعْدَ﴾ كقوله: ﴿وَأَخْثَرَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥]، لا حاجة إليه، والله أعلم. والإسراف: مجاوزة الحد في المعاصي كالكفر، ولذلك يكثر في القرآن إطلاق المسرفين على الكفار. قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمُنَا مِنْ قَرْيَتِ كَنَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَ بَعْدَهَا قَوْمًا ءَآخَرِينَ ((كم)) هنا للإخبار بعدد كثير، وهي في محل نصب لأنها مفعول ﴿قَصَمْنَا﴾؛ أي قصمنا كثيراً من القرى التي كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوماً آخرين، وهذا المعنى المذكور هنا جاء مبيناً في مواضع كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُ وَكَفَى بِيِّكَ بِذُنُبِ عِبَادِهِ، خَبيرًا بَصِيرًا ﴾﴾ [الإسراء]، وقوله: ﴿فَكَأَيِّنَ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةُ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ ... الآية [الحج: ٤٥]، وقوله: ﴿وَكَيْنِ مِّنْ قَرْيَةٍ عَنَتْ عَنْ أَمْسِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ، فَحَاسَبْنَهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْتَهَا عَذَابًا تُكْرًا ﴿ فَذَاقَتْ وَبَالَ أَغَرِهَا وَكَانَ عَقِبَةُ أَمْرِهَا خُرَّاً (﴾﴾ [الطلاق]، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا﴾ أصل القصم: أفظع الكسر لأنه الكسر الذي يبين تلاؤم الأجزاء، بخلاف الفصم بالفاء فهو كسر لا يبين تلاؤم الأجزاء بالكلية. والمراد بالقصم في الآية: الإهلاك الشديد. قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءُ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِينَ (٣)﴾. قد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة ((الحجر)) فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وكذلك قوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِاَلْقِّ عَلَى الْبَطِلِ﴾ ... الآية. قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة ((بني إسرائيل))، وكذلك الآيات التي بعد هذا قد قدمنا في مواضع متعددة ما يبينها من كتاب الله. قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَأْ سُبْحَتَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ® لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوَّلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ (٧). ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الكفار لعنهم الله قالوا عليه أنه اتخذ ولداً، وقد بينا ذلك فيما مضى بياناً شافياً في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك. ونُعَلَ عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وبين هنا بطلان ما ادعوه على ربهم من اتخاذ الأولاد وهم في زعمهم الملائكة بحرف الإضراب الإيطالي الذي هو ﴿بَلْ﴾ مبيناً أنهم عباده المكرمون، والعبد لا يمكن أن يكون ولداً لسيده. ثم أثنى على ملائكته بأنهم عباد مكرمون، لا يسبقون ربهم بالقول أي لا يقولون إلا ما أمرهم أن يقولوه لشدة طاعتهم له ﴿وَهُم بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ﴾ ٧٨٧ سورة الأنبياء: الآية (٢٩). وما أَشار إليه في هذه الآية الكريمة من أن الملائكة عبيده وملكه، والعبد لا يمكن أن يكون ولداً لسيده، أشار إليه في غير هذا الموضع كقوله في ((البقرة)»: ﴿وَقَالُواْ أَّخَذَ اللَّهُ وَلَدَّأْ سُبْحَنَةٍ، بَل لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَُّ قَائِنُونَ(٣)﴾ [البقرة]، وقوله في ((النساء)): ﴿إِنَّمَا ◌َللَّهُ إِلَهٌ وَحِدٌ سُبْحَانَهُ، أَن يَكُونَ لَهُ, وَلَدٌ لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضُِ وَكَفَى بِاَللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١]، أي والمالك بكل شيء لا يمكن أن يكون له ولد؛ لأن الملك ينافي الولدية، ولا يمكن أن يوجد شيء سواه إلا وهو ملك له - جلّ وعلا -. وما ذكره في هذه الآية الكريمة: من الثناء الحسن على ملائكته - عليهم صلوات الله وسلامه - بينه في غير هذا الموضع؛ كقوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلَئِكَةُ غِلَاظُ شِدَارٌ لَّ يَعْصُونَ اَللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ ◌َفِظِينَ كِرَامًا كَئِينَ ﴿ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾﴾ [الانفطار]، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِى يُسَبِّحُونَ أَلَّيْلَ وَالنََّرَ لَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يَفْتُرُونَ (٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. مسألة: أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن أن الأب إذا ملك ابنه عتق عليه بالملك، ووجه ذلك واضح؛ لأن الكفار زعموا أن الملائكة بنات الله؛ فنفى الله تلك الدعوى بأنهم عباده وملكه. فدل ذلك على منافاة الملك للولدية، وأنهما لا يصح اجتماعهما. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِّتْ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَّ كَذَلِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ ﴾﴾. الضمير في قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ عائد إلى الملائكة المذكورين في قوله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ والمعنى أنهم مع كرامتهم على الله لو ادعى أحد منهم أن له الحق في صرف شيء من حقوق الله الخاصة به إليه لكان مشركاً، وكان جزاؤه جهنم. ومعلوم أن التعليق يصح فيما لا يمكن ولا يقع؛ كقوله: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ ... الآية [الزخرف: ٨١]، وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَاِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾؛ والمراد بذلك تعظيم أمر الشرك. وهذا الفرض والتقدير الذي ذكره - جلّ وعلا - هنا في شأن الملائكة، ذكره أيضاً في شأن الرسل على الجميع - صلوات الله وسلامه - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَّكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾﴾ [الزمر]، ولما ذكر - جلّ وعلا - من ذكر من الأنبياء في سورة ((الأنعام)) في قوله: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، إلى آخر من ذكر منهم، قال بعد ذلك: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَِّ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَيِطَ عَنْهُم ◌َا كَانُوْ يَعْمَلُونَ (®)﴾ [الأنعام]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِّ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ تَجْزِيهِ جَهَنَّمْ﴾ ... الآية، دليل قاطع على أن حقوق الله الخالصة له من جميع أنواع العبادة لا يجوز أن يصرف شيء منها لأحد ولو ملكاً مقرباً، أو نبياً مرسلاً. ومما يوضح ذلك ٧٨٨. - سورة الأنبياء: الآية (٣٠) قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُنُواْ رَكِنِيْنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَنَّخِذُواْ الْمَتَكَةَ وَالنَّبِنَ أَزْبَابًا أَيَأْمُرَّكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران]، وقوله تعالى مخاطباً لسيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْ إِلَى كَلِمَتِ سَوَلْعِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبَُّ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَوْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران]. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَنَا رَتْقَا فَفَنَقْنَهُمَّا﴾. قرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا ابن كثير ﴿أَوَلَمْ يَرَ﴾ بواو بعد الهمزة، وقرأه ابن كثير ((ألم ير الذين كفروا)) بدون واو، وكذلك هو في مصحف مكة. والاستفهام لتوبيخ الكفار وتقريعهم، حيث يشاهدون غرائب صنع الله وعجائبه، ومع هذا يعبدون من دونه ما لا ينفع من عبده، ولا يضر من عصاه، ولا يقدر على شيء. وقوله: ﴿كَانَنَا﴾ التثنية باعتبار النوعين اللذين هما نوع السماء، ونوع الأرض كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١]، ونظيره قول عمر بن شيبيم : ألم يحزنك أن جبال قس. وتغلب قد تباينتا انقطاعا والرتق مصدر رتقه رتقاً: إذا سده؛ ومنه الرتقاء. وهي التي انسد فرجها، ولكن المصدر وصف به هنا ولذا أفرده ولم يقل كانتا رتقين. والفتق: الفصل بين الشيئين المتصلين، فهو ضد الرتق. ومنه قول الشاعر: ن سخط العداة وإرغامها يهون عليهم إذا يغضبو ق ونقض الأمور وإيرامها ورتق الفتوق وفتق الرتو واعلم أن العلماء اختلفوا في المراد بالرتق والفتق في هذه الآية على خمسة أقوال، بعضها في غاية السقوط، وواحدٍ منها تدل له قرائن من القرآن العظيم: الأول: أن معنى: ﴿كَانَا رَتْقًا﴾ أي كانت السموات والأرض متلاصقة بعضها مع بعض، ففتقها الله وفصل بين السموات والأرض، فرفع السماء إلى مكانها، وأقر الأرض في مكانها، وفصل بينهما بالهواء الذي بينهما كما ترى. القول الثاني: أن السموات السبع كانت رتقاً؛ أي متلاصقة بعضها ببعض، ففتقها الله وجعلها سبع سموات، كل اثنتين منها بينهما فصل، والأرضون كذلك كانت رتقاً ففتقها، وجعلها سبعاً بعضها منفصل عن بعض. القول الثالث: أن معنى: ﴿كَانَنَا رَتْفًا﴾ أن السماء كانت لا ينزل منها مطر، والأرض كانت لا ينبت فيها نبات، ففتق الله السماء بالمطر، والأرض بالنبات. الرابع: أنهما ﴿كَانَنَا رَتْقًا﴾؛ أي في ظلمة لا يرى من شدتها شيء ففتقهما الله بالنور، وهذا القول في الحقيقة يرجع إلى القول الأول، والثاني. ٧٨٩ سورة الأنبياء: الآية (٣٠). الخامس: وهو أبعدها لظهور سقوطه: أن الرتق يراد به العدم، والفتق يراد به الإيجاد؛ أي كانتا عدماً فأوجدناهما، وهذا القول كما ترى ظاهر السقوط. فإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه الآية، فاعلم أن القول الثالث منها وهو كونهما كانتا رتقاً بمعنى أن السماء لا ينزل منها مطر، والأرض لا تنبت شيئاً ففتق الله السماء بالمطر والأرض بالنبات، قد دلت عليه قرائن من كتاب الله تعالی: الأولى: أن قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يدل على أنهم رأوا ذلك؛ لأن الأظهر في ((رأى)) أنها بصرية، والذي يرونه بأبصارهم هو أن السماء تكون لا ينزل منها مطر، والأرض ميتة هامدة لا نبات فيها؛ فيشاهدون بأبصارهم إنزال الله المطر، وإنباته به أنواع النبات. القرينة الثانية: أنه أتبع ذلك بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيَّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ ، والظاهر اتصال هذا الكلام بما قبله؛ أي وجعلنا من الماء الذي أنزلناه بفتقنا السماء، وأنبتنا به أنواع النبات بفتقنا الأرض كل شيء حي. القرينة الثالثة: أن هذا المعنى جاء موضحاً في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴿ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ﴾﴾ [الطارق]؛ لأن المراد بالرجع نزول المطر منها تارة بعد أخرى، والمراد بالصدع: انشقاق الأرض عن النبات .. وكقوله ﴾ [عبسن]. تعالى: ﴿فَلْظُرِ اَلْإِسَنُ إِلَى طَعَمِهِ: ﴿ أَنَّا صَّنَا الْعَ صَبَّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً واختار هذا القول ابن جرير وابن عطية وغيرهما للقرائن التي ذكرنا. ويؤيد ذلك كثرة ورود الاستدلال بإنزال المطر، وإنبات النبات في القرآن العظيم على كمال قدرة الله تعالى، وعظم منته على خلقه، وقدرته على البعث. والذين قالوا: إن المراد بالرتق والفتق أنهما كانتا متلاصقتين ففتقهما الله وفصل بعضهما عن بعض قالوا في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ﴾ أنها من رأى العلمية لا البصرية. وقالوا: وجه تقريرهم بذلك أنه جاء في القرآن، وما جاء في القرآن فهو أمر قطعي لا سبيل للشك فيه، والعلم عند الله تعالى. وأقرب الأقوال في ذلك هو ما ذكرنا دلالة القرائن القرآنية عليه، وقد قال فيه الفخر الرازي في تفسيره: ورجحوا هذا الوجه على سائر الوجوه بقوله بعد ذلك: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيٍّ﴾ وذلك لا يليق إلا وللماء تعلق بما تقدم، ولا يكون كذلك إلا إذا كان المراد ما ذكرنا . فإن قيل: هذا الوجه مرجوح؛ لأن المطر لا ينزل من السموات بل من سماء واحدة وهي سماء الدنيا . قلنا: إنما أطلق عليه لفظ الجمع لأن كل قطعة منها سماء؛ كما يقال ثوب أخلاق، وبرمة أعشار، اهـ منه. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيَّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ . ٧٩٠ سورة الأنبياء: الآيتان (٣١ - ٣٢) الظاهر أن ((جعل)) هنا بمعنى خلق؛ لأنها متعدية لمفعول واحد. ويدل لذلك قوله تعالى في سورة (النور)): ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَةٍ مِّن مَّاءٍ﴾ [النور: ٤٥]. واختلف العلماء في معنى خلق كل شيء من الماء. قال بعض العلماء: الماء الذي خلق منه كل شيء هو النطفة؛ لأن الله خلق جميع الحيوانات التي تولد عن طريق التناسل من النطف، وعلى هذا فهو من العام المخصوص. وقال بعض العلماء: هو الماء المعروف؛ لأن الحيوانات إما مخلوقة منه مباشرة كبعض الحيوانات التي تتخلق من الماء، وإما غير مباشرة لأن النطف من الأغذية، والأغذية كلها ناشئة عن الماء، وذلك في الحبوب والثمار ونحوها ظاهر، وكذلك هو في اللحوم والألبان والأسمان ونحوها: لأنه كله ناشئ بسبب الماء. وقال بعض أهل العلم: معنى خلقه كل حيوان من ماء أنه كأنما خلقه عن الماء لفرط احتياجه إليه، وقلة صبره عنه؛ كقوله: ﴿خُلِقَ الْإِنسَنُ مِنْ عَجَلٍ﴾ إلى غير ذلك من الأقوال. وقد قدمنا المعاني الأربعة التي تأتي لها لفظة ((جعل)) وما جاء منها في القرآن وما لم يجئ فيه في سورة ((النحل)). وقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: لقائل أن يقول: كيف قال وخلقنا من الماء كل حيوان؟ وقد قال: ﴿وَالْجَنَّ خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ [الحجر]، وجاء في الأخبار: أن الله تعالى خلق الملائكة من النور، وقال تعالى في حق عيسى ◌ِلَّ: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الِّينِ كَهَيْئَةِ الَّيْرِ بِإِذْنِ فَتَنْفُغُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ﴾ [المائدة: ١١٠]، وقال في حق آدم ﴿خَلَقَهُم مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]. والجواب: اللفظ وإن كان عاماً إلا أن القرينة المخصصة قائمة، فإن الدليل لا بد وأن يكون مشاهداً محسوساً ليكون أقرب إلى المقصود. وبهذا الطريق تخرج عنه الملائكة والجن وآدم وقصة عيسى ليلا؛ لأن الكفار لم يروا شيئاً من ذلك. اهـ منه. ثم قال الرازي أيضاً: اختلف المفسرون، فقال بعضهم: المراد من قوله: ﴿كُلَّ شَىْءٍ حَيٍّ﴾ الحيوان فقط. وقال آخرون: بل يدخل فيه النبات والشجر؛ لأنه من الماء صار نامياً، وصار فيه الرطوبة والخضرة، والنور والثمر. وهذا القول أليق بالمعنى المقصود، كأنه تعالى قال: ففتقنا السماء لإنزال المطر، وجعلنا منه كل شيء في الأرض من النبات وغيره حياً. حجة القول الأول: أن النبات لا يسمى حياً. قلنا: لا نسلم، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿كَيّفَ يُحِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠] انتهى منه أيضاً. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِ اْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُّلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ . قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة ((النحل)) فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ١٣١ (٣٢) ﴾. تضمنت قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفًا تَخْفُوظَهٌ وَهُمْ عَنْ ءَايَتِهَا مُعْرِضُونَ( هذه الآية الكريمة ثلاث مسائل : ٧٩١ سورة الأنبياء: الآيتان (٣٤ - ٣٥) الأولى: أن الله - جلّ وعلا - جعل السماء سقفاً؛ أي لأنها للأرض كالسقف للبيت. الثانية: أنه جعل ذلك السقف محفوظاً. الثالثة: أن الكفار معرضون عما فيها ((أي السماء)) من الآيات، لا يتعظون به ولا يتذكرون، وقد أوضح هذه المسائل الثلاث في غير هذا الموضع. أما كونه جعلها سقفاً فقد ذكره في سورة ((الطور)) أنه مرفوع وذلك في قوله: ﴿وَالُورِ جَ﴾ [الطور]. وَكِتَبٍ مَّسْطُورٍ ﴿ فِ رَقٍ ◌َشُورٍ ﴾ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ﴿ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وأما كون ذلك السقف محفوظاً فقد بينه في مواضع من كتابه، فبين أنه محفوظ من السقوط في قوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهٍِ﴾ [الحج: ٦٥]، وقوله: ﴿وَمِنْ ءَئِ: أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهٍ﴾ [الروم: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١]، وقوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَّ وَلَا يَقُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَابِقَ وَمَا كُنََّ ﴾ [المؤمنون]، على قول من قال: وما كنا عن الخلق غافلين؛ إذ لو ١٧ عَنِ الْخَلْقِ غَفِلِينَ كنا نغفل لسقطت عليهم السماء فأهلكتهم. وبيّن أنه محفوظ من التشقق والتفطر، لا يحتاج إلى ترميم ولا إصلاح كسائر السقوف إذا طال زمنها كقوله تعالى: ﴿فَرْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣]، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوَاْ إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَيْنَهَا وَزَيَّنَهَا وَمَا لَا مِنْ فُرُوُجِ ﴾﴾ [ق]، أي ليس فيها من شقوق ولا صدوع. وبين أن ذلك السقف المذكور محفوظ من كل شيطان رجيم كقوله: ﴿وَحَفِظْتَهَا مِن كُلِّ شَيْطَنِ رَحِيمٍ﴾﴾ [الحجر]، وقد بينا الآيات الدالة على حفظها من جميع الشياطين في سورة ((الحجر)). وأما كون الكفار معرضين عما فيها من الآيات فقد بينه في مواضع من كتابه كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنِ مِّنْ ءَايَةٍ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ١٠٥) [يوسف]، وقوله: ﴿وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةٌ يُعْرِضُواْ﴾ ... الآية [القمر: ٢]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ وَلَوْ جَمَّتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]، ٩٦ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَيِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وقوله: ﴿وَمَا تُغْنِ آَلَيْثُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]. قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدِّ أَفَإِيْن ◌ِّتَ فَهُمُ الْخَلِدُونَ (جَ كُلُّ نَفْسٍ ذَابِقَةُ الْمَوْتِ﴾. قال بعض أهل العلم: كان المشركون ينكرون نبوته وَله ويقولون: هو شاعر يتربص به ريب المنون، ولعله يموت كما مات شاعر بني فلان؛ فقال الله تعالى: قد مات الأنبياء من قبلك، وتولى الله دينه بالنصر والحياطة، فهكذا نحفظ دينك وشرعك. وقال بعض أهل العلم: لما نعي جبريل إلى النبي وَلّ نفسه قال: ((فمن لأمتي))؟ فنزلت: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَّ﴾، والأول أظهر؛ لأن السورة مكية. ومعنى الآية أن الله لم يجعل لبشر قبل نبيه الخلد؛ أي دوام البقاء في الدنيا، بل كلهم يموت. وقوله: ﴿أَفَإِيْن مِّتَ فَهُمُ الْخَلِدُونَ﴾ استفهام إنكاري معناه النفي، والمعنى أنك إن مت ٧٩٢ سورة الأنبياء: الآيتان (٣٤ - ٣٥) فهم لن يخلدوا بعدك، بل سيموتون؛ ولذلك أتبعه بقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَابِقَةُ الْمَوَّتِ﴾. وما أشار إليه - جل وعلا - في هذه الآية من أنه وسل* سيموت، وأنهم سيموتون، وأن الموت ستذوقه كل نفس أوضحه في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ [الزمر]، وكقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَنِ ﴿٣َ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ (٣)﴾ [الرحمن]، وقوله في سورة ((آل عمران)): ﴿كُلُّ نَفْسِ ذَابِقَةُ الْوَّتِّ وَإِنَّمَا تُوَنَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةٍ فَمَنْ زُحْزِعَ عَنِ الثَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقوله في سورة ((العنكبوت)): ﴿يَعِبَادِىَ كُلُّ نَفْسِ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ٥٦] الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ أَرْضِى وَسِعَةٌ فَإِنََّىَ فَأَعْبُدُونِ [العنكبوت]، وقوله تعالى في سورة (النساء)»: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُمْ فِي بُرُوج تُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]، إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا في سورة ((الكهف)) استدلال بعض أهل العلم بهذه الآية الكريمة على موت الخضر لعلّلا. وقال بعض أهل العلم في . . قوله: ﴿فَهُمُ الْخَلِدُونَ﴾: هو استفهام حذفت أداته؛ أي أفهم الخالدون؟ وقد تقرر في علم النحو أن حذف همزة الاستفهام إذا دل المقام عليها جائز، وهو قياسي عند الأخفش مع ((أم) ودونها ذكر الجواب أم لا: فمن أمثلته دون (أم)) ودون ذكر الجواب قول الكميت: ولا لعباً مني وذو الشيب يلعب طربت وما شوقاً إلى البيض أطرب يعني: أو ذو الشيب يلعب. وقول أبي خراش الهذلي واسمه خويلد: فقلت وأنكرت الوجوه هم هم رفوني وقالوا يا خويلد لم ترع يعني: أهم هم على التحقيق. ومن أمثلته دون ((أم)) مع ذكر الجواب قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: عدد النجم والحصى والتراب ثم قالوا تحبها قلت بهرا يعني: أتحبها على الصحيح. وهو مع ((أم)) كثير جداً، وأنشد له سيبويه قول الأسود يعفر التميمي: لعمرك ما أدري وإن كنت دارياً. شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر يعني: أشعيث بن سهم، ومنه قول ابن أبي ربيعة المخزومي: وكف خضيب زيّنت ببنان بدا لي منها معصم يوم جمرت بسبع رميت الجمر أم بثمان فو الله ما أدري وإني لحاسب يعني: أبسبع. وقول الأخطل: غلس الظلام من الرباب خيالا ـذبتك عينك أم رأيت بواسط ... يعني: أكذبتك عينك. كما نص سيبويه في كتابه على جواز ذلك في بيت الأخطل هذا، وإن خالف في ذلك الخليل قائلاً: إن ((كذبتك)) صيغة خبرية ليس فيها استفهام محذوف، وإن ((أم)) بمعنى ((بل))؛ ففي البيت على قول الخليل نوع من أنواع البديع. ٧٩٣ سورة الأنبياء: الآية (٣٥). !.. المعنوي يسمى ((الرجوع)). وقد أوضحنا هذه المسألة وأكثرنا من شواهدها العربية في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة ((آل عمران)) وذكرنا أن قوله تعالى في آية ((الأنبياء)) هذه ﴿فَهُمُ الْخَلِدُونَ﴾ من أمثلة ذلك، والعلم عند الله تعالى ...... وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَفَإِيْن ◌ِّتَّ﴾ قرأه نافع وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي ((مت)) بكسر الميم. والباقون بضم الميم. وقد أوضحنا في سورة ((مريم)» وجه کسر الميم. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَفَإِيْن ◌ِتَ فَهُمُ الْخَلِّدُونَ﴾ يفهم منه أنه لا ينبغي للإنسان أن يفرح بموت أحد لأجل أمر دنيوي يناله بسبب موته؛ لأنه هو ليس مخلداً بعده. وروي عن الشافعي تظلُّ أنه أنشد هذين البيتين مستشهداً بهما : فتلك سبيل لست فيها بأوحد تمنى رجال أن أموت وإن أمت تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد فقل للذي يبقى خلاف الذي مضى ونظير هذا قول الآخر: فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا قوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِلشَرٍّ وَالْخَبِرِ فِتْنَةٌ وَإِلَيْنَا تُجَعُونَ﴾. المعنى ونختبركم بما يجب فيه الصبر من البلايا، وبما يجب فيه الشكر من النعم، وإلينا مرجعكم فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم من الصبر أو الشكر، وقوله ﴿فِتْنَةٌ﴾ مصدر مؤكد ل((نبلوكم)) من غير لفظه. وما ذكره - جلّ وعلا -: من أنه يبتلي خلقه أي يختبرهم بالشر والخير قد بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَهُم بِالْحَسَنَتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآَ إِلَّ أُمَمٍ مِّنِ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَهُمْ بِلْبَأْسَ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ بَّرَّعُونَ فَلَوْلَا إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُوا بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ بَعْمَلُونَ أُوْنُوَآ أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ تُمْلِسُونَ ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبٍ الْعَلَمِينَ ﴾ [الأنعام]، وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَِّيِّ إِلَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِلْبَأْسَآِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ﴿٦ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَقَالُواْ قَدْ مَسَ ءَابََّنَا ﴾ [الأعراف]، إلى غير ذلك من الآيات. (٩٥) الضَّرّآءُ وَالسَّرَآءُ فَأَخَذْنَهُمْ بَغْنَةً وَهُمْ لَا يَشْعُونَ وقوله تعالى في هذه الآيات الكريمة: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِلِشَرِّ وَالْخَيَّرِ﴾ يدل على أن بلا يبلو تستعمل في الاختبار بالنعم، وبالمصائب والبلايا، وقال بعض العلماء: أكثر ما يستعمل في الشر بلا يبلو، وفي الخير أبلى يبلي. وقد جمع اللغتين في الخير قول زهير بن أبي سلمى : جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو ٧٩٤ سورة الأنبياء: الآية (٣٦) وعن ابن عباس رضيًّا في قوله: ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِلِشَرِّ وَالْخَيَّرِ﴾ قال: أي نبتليكم بالشر والخير فتنة بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَءَاكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنِ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِى يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ اٌلَّهَْنِ هُمْ كَفِرُونَ ﴾﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الكفار إذا رأوا النبي و # ما يتخذونه إلا هزواً، أي مستهزأ به مستخفاً به، والهزؤ: السخرية، فهو مصدر وصف به. ويقولون: ﴿أَهَذَا الَّذِى يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ﴾ أي يعيبها وينفي أنها تشفع لكم وتقربكم إلى الله زلفى، ويقول: إنها لا تنفع من عبدها، ولا تضر من لم يعبدها، وهم مع هذا كله كافرون بذكر الرحمن، فالخطاب في قوله: ﴿وَإِذَا رَءَكَ﴾ للنبيِنََّ. و ((إن)) في قوله: ﴿إِن يَتَّخِذُونَكَ﴾ نافية. والاستفهام في قوله: ﴿أَهَذَا الَّذِى يَذْكُرُ ءَالِهَتَّكُمْ﴾ قال فيه أبو حيان في البحر: إنه للإنكار والتعجب. والذي يظهر لي أنهم يريدون بالاستفهام المذكور التحقير بالنبي ولو، كما تدل عليه قرينة قوله: ﴿إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًّا﴾. وقد تقرر في فن المعاني أن من الأغراض التي تؤدى بالاستفهام التحقير. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: إن جواب ((إذا)) هو القول المحذوف، وتقديره: وإذا رءاك الذين كفروا يقولون أهذا الذي يذكر آلهتكم. وقال: إن جملة ﴿إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّ هُزُوًا﴾ جملة معترضة بين ﴿إِذًا﴾ وجوابها. واختار أبو حيان في البحر أن جواب ((إذا)) هو جملة ﴿إِن يَتَّخِذُونَكَ﴾ وقال: إن جواب ((إذا)) بجملة مصدرة بـ ((إن)) أو ما النافيتين لا يحتاج إلى الاقتران بالفاء. وقوله: ﴿يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ﴾ أي يعيبها. ومن إطلاق الذكر بمعنى العيب قوله تعالى: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتَىّ يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ، إَِهِيمُ ﴾﴾ أي يعيبهم. وقول عنترة: لا تذكري مهري وما أطعمته فيكون جلدك مثل جلد الأجرب أي لا تعيبي مهري، قاله القرطبي. وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة الذكر يكون بخير وبخلافه. فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق ولم يقيد، كقولك للرجل: سمعت فلاناً يذكرك، فإن كان الذاكر صديقاً فهو ثناء، وإن كان عدواً فذم، ومنه قوله تعالى: ﴿سَمِعْنَا فَتَى يَذْكُرُهُمْ﴾ وقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِى يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ﴾ انتهى محل الغرض منه. والجملة في قوله: ﴿وَهُم بِذِكْرِ الَّهَْنِ هُمْ كَفِرُونَ﴾ حالية. وقال بعض أهل العلم: معنى كفرهم بذكر الرحمن هو الموضح في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أُسْجُدُواْ لِلرَّحْمَنِ قَالُوْ وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورً ا (٣)﴾ [الفرقان]، وقولهم: ما نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب. وقد بين ابن جرير الطبري وغيره: أن إنكارهم لمعرفتهم. الرحمن تجاهل منهم ومعاندة مع أنهم يعرفون أن الرحمن من أسماء الله تعالى. قال: وقال بعض شعراء الجاهلية الجهلاء: ٧٩٥ سورة الأنبياء: الآية (٣٧) ألا قطع الرحمن ربي يمينها ألا ضربت تلك الفتاة هجينها وقال سلامة بن جندل الطهوي: وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق عجلتم علينا عجلتينا عليكم وفي هذه الآية الكريمة دلالة واضحة على سخافة عقول الكفار؛ لأنهم عاكفون على ذكر أصنام لا تنفع ولا تضر، ويسوءهم أن تذكر بسوء، أو يقال: إنها لا تشفع ولا تقرب إلى الله، وأما ذكر الله وما يجب أن یذکر به من الوحدانية فهم به كافرون لا يصدقون به، فهم أحق بأن يتخذوا هزؤًا من النبي # الذي اتخذوه هزؤًا، فإنه محق وهم مبطلون. فإذا عرفت معنى هذه الآية الكريمة فاعلم أن هذا المعنى الذي دلت عليه جاء أيضاً مبيناً في سورة ((الفرقان)) في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا اُلَّذِى بَعَنَ اَللَّهُ رَسُولًا ﴿ إِن كَادَ لَيُضِلُنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلاً أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَاً وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (4)﴾ [الفرقان]، فتحقيرهم لعنهم الله له وَلّم المذكور في قوله في ((الأنبياء)): ﴿أَهَذَا الَّذِى يَذْكُرُ ءَالِهَنَّكُمْ﴾ هو المذكور في قوله في ((الفرقان)): ﴿أَهَذَا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١]. وذكره لآلهتهم بالسوء المذكور في ((الأنبياء)) في قوله: ﴿يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ﴾؛ هو المذكور في ((الفرقان)) في قوله: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان: ٤٢] أي لما يبين من معائبها، وعدم فائدتها، وعظم ضرر عبادتها . قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَبَلٍ سَأُؤْرِيكُمْ ءَايَتِى فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣)﴾. قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يذكر بعض العلماء في الآية قولاً ويكون في نفس الآية قرينة تدل على خلاف ذلك القول، فإذا علمت ذلك فاعلم أن في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مِنْ عَجَلٍ﴾ فيه للعلماء قولان معروفان، وفي نفس الآية قرينة تدل على عدم صحة أحدهما، أما القول الذي دلت القرينة المذكورة على عدم صحته، فهو قول من قال: العجل الطين وهي لغة حميرية؛ كما قال شاعرهم: .. والنخل ينبت بين الماء والعجل البيع في الصخرة الصماء منبته يعني: بين الماء والطين. وعلى هذا القول فمعنى الآية خلق الإنسان من طين كقوله تعالى: ﴿َأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، وقوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَنِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: ٧]. والقرينة المذكورة الدالة على أن المراد بالعجل في الآية ليس الطين قوله بعده: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾، وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَ هَذَا أَلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ١٤٨ فهذا يدل على أن المراد بالعجل هو العجلة التي هي خلاف التأني والتثبت. والعرب تقول: خلق من كذا. يعنون بذلك المبالغة في الإنصاف؛ كقولهم: خلق فلان من كرم، وخلقت فلانة من الجمال. ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّنْ ضَعْفٍ﴾ ٧٩٦ - سورة الأنبياء: الآية (٣٩) [الروم: ٥٤]، على الأظهر. ويوضح هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنَنُ بِالشَّرِّ دُعَلَهُ ◌ِالْخَيِّرِّ وَكَانَ الْإِسَنُ عَجُلًا ﴾﴾ [الإسراء]، أي ومن عجلته دعاؤه على نفسه أو ولده بالشر، قال بعض العلماء: كانوا يستعجلون عذاب الله وآياته الملجئة إلى العلم والإقرار، ويقولون متى هذا الوعد فنزل قوله: ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَلٍ﴾ للزجر عن ذلك، كأنه يقول لهم: ليس ببدع منكم أن تستعجلوا؛ فإنكم مجبولون على ذلك، وهو طبعكم وسجيتكم، ثم وعدهم بأنه سيريهم آياته، ونهاهم أن يستعجلوا بقوله: ﴿سَأُوْرِيَكُمْ ءَايَقِّ فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿سَؤُِّيهِمْ ءَِنَا فِ اَلْآَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ﴾ [فصلت: ٥٣]. وقال بعض أهل العلم: المراد بالإنسان في قوله: ﴿خُلِقَ الْإِسَنُ مِنْ عَبَلٍ﴾ آدم، وعن سعيد بن جبير والسدي: لما دخل الروح في عيني آدم نظر في ثمار الجنة، فلما دخل جوفه اشتهى الطعام، فوثب من قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة؛ فذلك قوله: ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. وعن مجاهد والكلبي وغيرهما: خلق آدم يوم الجمعة في آخر النهار، فلما أحيا الله رأسه استعجل وطلب تتميم نفخ الروح فيه قبل غروب الشمس. والظاهر أن هذه الأقوال ونحوهاً من الإسرائيليات، وأظهر الأقوال أن معنى الآية أن جنس الإنسان من طبعه العجل وعدم التأني كما بينا، والعلم عند الله تعالى. وقال ابن كثير تخلفهُ في تفسير هذه الآية الكريمة: والحكمة في ذكر عجلة الإنسان ها هنا أنه لما ذكر المستهزئين بالرسول الله، وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم، واستعجلت ذلك، فقال الله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِسَنُ مِنْ عَجَلٍ﴾؛ لأنه تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، يؤجل ثم يعجل، وينظر ثم لا يؤخر؛ ولهذا قال: ﴿سَأُؤْرِيَكُمْ ءَايَقٍ﴾ أي نقمي وحكمي، واقتداري على من عصاني فلا تستعجلون. انتهى منه. قوله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَ هُمْ يُصَرُّونَ ﴾﴾. جواب ﴿لَوْ﴾ في هذه الآية محذوف، وقد قدمنا أدلة ذلك وشواهده من ((العربية)) في سورة ((البقرة))، وأشرنا إليه في سورة ((إبراهيم)) وسورة ((يوسف)). ومعنى الآية الكريمة لو يعلم الكفار الوقت الذي يسألون عنه بقولهم: متى هذا الوعد؟ وهو وقت صعب شديد، تحيط بهم فيه النار من وراء وقدام. فلا يقدرون. على منعها ودفعها عن أنفسهم، ولا يجدون ناصراً ينصرهم، لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم بذلك هو الذي هونه عليهم. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من المعاني جاء مبيناً في مواضع أخر من كتاب الله تعالى. أما إحاطة النار بهم في ذلك اليوم، فقد جاءت موضحة في آيات متعددة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَعْتَدْنَا لِلَظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَاْ وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَانُواْ بِمٍَّ كَلْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ بِنْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشِ ﴾ ... الآية [الأعراف: ٤١]، وقوله تعالى: ﴿لَهُم مِّنْ فَوْفِهِمْ خُلَلٌ مِّنَ ٧٩٧ سورة الأنبياء: الآية (٣٩) (01)﴾ [الزمر]، وقوله تعالى: النَّارِ وَمِن تَحْيِهِمْ تُكَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ، عِبَادَهُ يَعِبَادِ فَاتَّقُونِ ﴿سَرَابِلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْثَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ®﴾ [إبراهيم]، وقوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَلِلِحُونَ (®﴾ [المؤمنون]، إلى غير ذلك من الآيات، نرجو الله الكريم العظيم أن يعيذنا منها ومن كل ما قرب إليها من قول وعمل، إنه قريب مجيب. وما تضمنته من كونهم في ذلك اليوم ليس لهم ناصر ولا قوة يدفعون بها عن أنفسهم، جاء مبيناً في مواضع أخر كقوله تعالى: ﴿َا لَهُ مِن قُوَّةِ وَلَا نَاصِرٍ ﴾﴾ [الطارق]، وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٥ بَلْ هُمُ الْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٣)﴾ [الصافات]، والآيات في ذلك كثيرة. وما أشارت إليه هذه الآية من أن الذي هون عليهم ذلك اليوم العظيم حتى استعجلوه واستهزءوا بمن يخوفهم منه إنما هو جهلهم به - جاء مبيناً أيضاً في مواضع أخر كقوله تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَهَّيْتُمْ إِنْ أَتَنِكُمْ عَذَابُ بَيْتًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ﴾﴾ [يونس]، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَوْ يَعْلَمُ﴾ قال بعض أهل العلم: هو فعل متعد، والظاهر أنها عرفانية، فهي تتعدى إلى مفعول واحد؛ كما أشار له في الخلاصة بقوله : لعلم عرفان وظن تهـمـة تعدية لواحد ملتزمه. وعلى هذا فالمفعول هو قوله: ﴿حِينَ﴾؛ أي لو يعرفون حين وقوع العذاب بهم وما فيه من الفظائع لما استخفوا به واستعجلوه. وعلى هذا فالحين مفعول به لا مفعول فيه؛ لأن العلم الذي هو بمعنى المعرفة واقع على نفس الحين المذكور. وقال بعض أهل العلم: فعل العلم في هذه الآية منزل منزلة اللازم، فليس واقعاً على مفعول. وعليه فالمعنى لو كان لهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا مستعجلين. وعلى هذا فالآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِىِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونٌ﴾ [الزمر: ٩]، والمعنى لا يستوي من عنده علم ومن لا علم عنده. وقد تقرر في فن المعاني أنه إذا كان الغرض إثبات الفعل لفاعله في الكلام المثبت، أو نفيه عنه في الكلام المنفي مع قطع النظر عن اعتبار تعلق الفعل بمن وقع عليه، فإنه يجري مجرى اللازم، كقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونٌ﴾ [الزمر: ٩]؛ لأنه يراد منه أن من ثبتت له صفة العلم لا يستوي هو ومن انتفت عنه، ولم يعتبر هنا وقوع العلم على معلومات من اتصف بذلك العلم. وعلى هذا القول فقوله: ﴿حِينَ لَا يَكُفُّونَ﴾ منصوب بمضمر؛ أي حين لا يكفون عن وجههم النار يعلمون أنهم كانوا على الباطل. والأول هو الأظهر. واستظهر أبو حيان أن مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾ محذوف، وأنه هو العامل في الظرف الذي هو ﴿حِينَ﴾، والتقدير: لو يعلم الذين كفروا مجيء الموعود الذي استعجلوه حين لا يكفون لما كفروا واستعجلوا واستهزءوا. واعلم أنه لا إشكال في قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِسَنُ مِنْ عَجَلٍ﴾ مع قوله: ﴿فَلَ ٧٩٨ - سورة الأنبياء: الآيتان (٤١ - ٤٢) تَسْتَعْجِلُونِ﴾ فلا يقال: كيف يقول: إن الإنسان خلق من العجل وجبل عليه، ثم ينهاه عما خلق منه وجبل عليه؛ لأنه تكليف بمحال!؟ لأنا نقول: نعم، هو جبل على العجل، ولكن في استطاعته أن يلزم نفسه بالتأني، كما أنه جبل على حب الشهوات مع أنه في استطاعته أن يلزم نفسه بالكف عنها كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَةٌ ﴿®َ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى (@﴾ [النازعات]. قوله تعالى: ﴿وَقَدِ أَسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَا كَانُواْ بِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴾﴾، في هذه الآية الكريمة تسلية للنبي ومو بأن إخوانه من الرسل الكرام - صلوات الله وسلامه عليهم - استهزأ بهم الكفار، كما استهزءوا به وَير. يعني فاصبر كما صبروا، ولك العاقبة الحميدة، والنصر النهائي كما كان لهم. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من ذلك جاء موضحاً في مواضع من كتاب الله؛ كقوله تعالى: ﴿مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلْرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّا نَّقُصُ عَلَيَكَ مِنْ أَنْبَءِ الرُّسُلِ مَا تُشَيِّتُ ◌ِهِ، فُؤَادَكٌ﴾ [هود: ١٢٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُذُواْ حَتَّىَ أَنْهُمْ نَصْرَنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن تَبَإِى الْمُرْسَلِينَ (﴾ [الأنعام]، وقوله تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيَِّتِ وَيِالزُّيُرِ وَبِلْكِتَبِ الْمُنِيرِ ) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ تَكِبرِ (®﴾ [فاطر]، وقوله تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ اَلْأُمُورُ ﴾﴾ [فاطر]، والآيات بمثل ذلك كثيرة. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ﴾ أي أحاط بهم. ومادة حاق يائية العين؛ بدليل قوله في المضارع: ﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِ﴾ [فاطر: ٤٣] ولا تستعمل هذه المادة إلا في إحاطة المكروه خاصة؛ فلا تقول: حاق به الخير بمعنى أحاط به. والأظهر في معنى الآية: أن المراد وحاق بهم العذاب الذي كانوا يكذبون به في الدنيا ويستهزئون به، وعلى هذا اقتصر ابن كثير. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: ﴿فَحَاقَ﴾ أي أحاط ودار ﴿يِأَلَّذِينَ﴾ كفروا و﴿سَخِرُواْ مِنْهُمْ﴾ وهزءوا بهم ﴿مَا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾؛ أي جزاء استهزائهم. والأول أظهر، والعلم عند الله تعالى، والآية تدل على أن السخرية من الاستهزاء وهو معروف. قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمْ بِلَيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِّ﴾ ... أمر الله - جلّ وعلا - نبيه ◌َ في هذه الآية الكريمة أن يقول للمعرضين عن ذكر ربهم: ﴿مَنْ يَكْلَؤُكُمْ﴾؛ أي من هو الذي يحفظكم ويحرسكم ﴿يِآََّّلِ﴾ في حال نومكم ﴿وَالنَّارَ﴾ في حال تصرفكم في أموركم، والكلاءة بالكسر: الحفظ والحراسة؛ يقال: اذهب في كلاءة الله؛ أي في حفظه، واكتلأت منهم: احترست. ومنه قول ابن هرمة: إن سليمى والله يكلؤها ضنت بشيء ما كان يرزؤها وقول كعب بن زهير : : ٧٩٩ سورة الأنبياء: الآيتان (٤١ - ٤٢) - ـت بعيرى واكتلأت بعينه وآمرت نفسي أي أمري أفعل و﴿مِّن﴾ في قوله: ﴿مِنَ الرَّحْمَنْ﴾ فيها للعلماء وجهان معروفان: أحدهما : - وعليه اقتصر ابن كثير -: أن ((من) هي التي بمعنى بدل. وعليه فقوله: ﴿مِنَ الرَّحْمَنْ﴾ أي بدل الرحمن، يعني غيره. وأنشد ابن كثير لذلك قول الراجز: جارية لم تلبس المرققا ولم تذق من البقول الفستقا أي لم تذق بدل البقول الفستق. وعلى هذا القول فالآية كقوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] أي بدلها. ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر : . ظلماً ويكتب للأمير أفيلا أخذوا المخاض من الفصيل غلبة يعني أخذوا في الزكاة المخاض بدل الفصيل. والوجه الثاني: أن المعنى ﴿مَن يَكْلَؤُكُمْ﴾ أي يحفظكم ﴿مِنَ الرَّحْمَنِّ﴾ أي من عذابه وبأسه. وهذا هو الأظهر عندي. ونظيره من القرآن قوله تعالى: ﴿فَمَن يَنْصُرُفِ مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْنُهُ﴾ [هود: ٦٣]، أي من ينصرني منه فيدفع عني عذابه. والاستفهام في قوله تعالى: ﴿مَنْ يَكْلَؤُكُمْ﴾ قال أبو حيان في البحر: هو استفهام تقريع وتوبيخ. وهو عندي يحتمل الإنكار والتقرير؛ فوجه كونه إنكارياً أن المعنى لا كالئ لكم يحفظكم من عذاب الله البتة إلا الله تعالى؛ أي فكيف تعبدون غيره. ووجه كونه تقريرياً أنهم إذا قيل لهم: من يكلؤكم؟ اضطروا إلى أن يقروا بأن الذي يكلؤهم هو الله؛ لأنهم يعلمون أنه لا نافع ولا ضار إلا هو تعالى، ولذلك يخلصون له الدعاء عند الشدائد والكروب، ولا يدعون معه غيره، كما قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة ((الإسراء)) وغيرها. فإذا أقروا بذلك توجه إليهم التوبيخ والتقريع، كيف يصرفون حقوق الذي يحفظهم بالليل والنهار إلى ما لا ينفع ولا يضر. وهذا المعنى الذي أشارت إليه هذه الآية الكريمة: أنه لا أحد يمنع أحداً من عذاب الله، ولا يحفظه ولا يحرسه من الله، وأن الحافظ لكل شيء هو الله وحده جاء مبيناً في مواضع أخر كقوله تعالى: ﴿لَمُ مُعَقِبَتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرٍ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]، على أظهر التفسيرات، وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَدَ بِكُمْ ضَّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ الآية [الفتح: ١١]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِى يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَدَ بِكُمْ سُوْءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةٌ وَلَا يَجِدُونَ لَهُ مِّنِ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٣٧)﴾ [الأحزاب]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اَللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِبِرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٨]، إلى غير ذلك من الآيات . . قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ ءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَاً لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُم مِنَا ٨٠٠ سورة الأنبياء: الآية (٤٣) يُصْحَبُونَ ﴾﴾. قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَمِ﴾ هي المنقطعة، وهي بمعنى بل والهمزة، فقد اشتملت على معنى الإضراب والإنكار، والمعنى ألهم آلهة تجعلهم في منعة وعز حتى لا ينالهم عذابنا، ثم بين أن آلهتهم التي يزعمون لا تستطيع نفع أنفسها، فكيف تنفع غيرها بقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾. وقوله: ﴿مِّن دُونِنَأَ﴾ فيه وجهان: أحدهما أنه متعلق ﴿ءَالِهَةً﴾ أي ألهم آلهة ﴿مِّن دُونَأَ﴾ أي سوانا ﴿تَمْنَعُهُمْ﴾ مما نريد أن نفعله بهم من العذاب! كلا! ليس الأمر كذلك. الوجه الثاني أنه متعلق: ((تمنعهم)) لقول العرب: منعت دونه، أي كففت أذاه. والأظهر عندي الأول. ونحوه كثير في القرآن كقوله: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِّ إِلَهُ مِّن دُونِهِ﴾ الآية وقوله: ﴿ وَتَّخَذُواْ مِن دُونِ ءَلِهَةً﴾ [الفرقان: ٣]، إلى غير ذلك من الآيات. وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من كون الآلهة التي اتخذوها لا تستطيع نصر أنفسها فكيف تنفع غيرها، جاء مبيناً في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿أَيُتْرِكُنَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴿ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَّ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٧) وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ اٌلْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَآءُ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُوهُمْ أَمَّ أَنْتُمْ صَمِنُونَ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَاْ أَمْ ١٩٤ عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ فَدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَاَّ أَمْ لَهُمْ أَعْيُّنٌ يَبْصِرُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْ ءَاذَاتٌ يَسْمَعُونَ بِهَأْ قُلِ أَدْعُواْ شُرَكََّكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا نُظِرُونِ (٣٥)﴾ [الأعراف]، وقوله تعالى: ﴿وَأَلَِّينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ، لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَّ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ (١٧) وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْمُدَى لَا يَسْمَعُواْ وَتَرَنَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُصِرُونَ (٣)﴾ [الأعراف]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُنَّ وَالَّذِينَ تَّدْعُونَ مِن دُونِهِ، مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴿ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُواْ دُعَءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا أُسْتَجَابُواْ لَكُمْ﴾ ... الآية [فاطر: ١٣ - ١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ أَلَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَّهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ... الآية [الأحقاف: ٥]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن تلك الآلهة المعبودة من دون الله ليس فيها نفع البتة. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾؛ أي يجارون؛ أي ليس لتلك الآلهة مجير يجيرهم منا؛ لأن الله يجير ولا يجار عليه كما صرّح بذلك في سورة ((قد أفلح المؤمنون)) في قوله: ﴿قُلّ مَنْ بِيَدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾﴾ [المؤمنون). والعرب تقول: أنا جار لك وصاحب من فلان؛ أي مجير لك منه. ومنه قول الشاعر: ينادي بأعلى صوته متعوذاً ليصحب منا والرماح دواني يعني ليجار ويغاث منا. وأغلب أقوال العلماء في الآية راجعة إلى ما ذكرنا، كقول بعضهم ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يمنعون. وقول بعضهم ينصرون. وقول بعضهم: ﴿وَلَا هُم مِّنَا يُصْحَبُونَ﴾ أي لا يصحبهم الله بخير، ولا يجعل الرحمة صاحباً لهم، والعلم عند الله تعالى.