النص المفهرس
صفحات 741-760
٧٤١ سورة طه: الآيات (٧٩ - ٨١) - يَسُومُونَكُمْ سُوّءَ الْعَذَابِ وَيُدَتِحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِى ذَلِكُمْ بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾﴾ [إبراهيم]، وقوله في ((الشعراء)): ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَتْنَهَا بَنِىّ إِسْرَوِيلَ @﴾ [الشعراء]، ﴾ [الدخان]، وقوله في ((الأعراف)): وقوله في ((الدخان)): ﴿كَذَلِكٌ وَأَوْرَثْنَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧]، وقوله في («القصص)): ﴿وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ فِي الْأَرْضِ وَغَجْعَلَهُمْ أَبِنَّةً﴾ إلى قوله: ﴿يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦]، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله هنا: ﴿وَعَدْفَكُرْ جَانِبَ الْتُورِ الْأَيْمَنَ﴾؛ الأظهر أن ذلك الوعد هو المذكور في قوله: ﴿وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةُ وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ﴾ ... الآية [الأعراف: ١٤٢]، وقوله: ﴿وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَىٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ ... الآية [البقرة: ٥١]، وقوله: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَناً﴾ وهو الوعد بإنزال التوراة، وقيل فيه غير ذلك. وقوله هنا: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾؛ قد أوضح امتنانه عليهم بذلك في غير هذا الموضع كقوله في ((البقرة)»: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَاُلسَّلْوَىّ﴾ [البقرة: ٥٧]، وقوله في ((الأعراف)): ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَمَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ أَلْمَنْنَ وَالسَّلْوَىّ﴾ [الأعراف: ١٦٠]، وأكثر العلماء على أن المن: الترنجبين، وهو شيء ينزل من السماء كنزول الندى ثم يتجمد، وهو يشبه العسل الأبيض. والسلوى: طائر يشبه السماني. وقيل هو السماني. وهذا قول الجمهور في المن والسلوى. وقيل: السلوى العسل. وأنكر بعضهم إطلاق السلوى على العسل. والتحقيق أن ((السلوى)) يطلق على العسل لغة؛ ومنه قول خالد بن زهير الهذلي : وقاسمها بالله جهداً لأنتم؛ ألذ من السلوى إذا ما نشورها يعني ألذ من العسل إذا ما نستخرجها؛ لأن النشور استخراج العسل. قال مؤرج بن عمر السدوسي: إطلاق السلوى على العسل لغة كنانة؛ سمي به لأنه يسلي؛ قاله القرطبي. إلا أن أكثر العلماء على أن ذلك ليس هو المراد في الآية. واختلفوا في السلوى؛ هل هو جمع أو مفرد؟ فقال بعضهم: هو جمع، واحده سلواة، وأنشد الخليل لذلك قول الشاعر: كما انتفض السلواة من بلل القطر وإني لتعروني لذكراك هزة ويروى هذا البيت: كما انتفض العصفور بلله القطر وعليه فلا شاهد في البيت. وقال الكسائي: السلوی مفرد وجمعه سلاوى. وقال الأخفش: هو جمع لا واحد له من لفظه؛ مثل الخير والشر، وهو يشبه أن يكون واحده سلوى مثل جماعته؛ كما قالوا: دفلى وسماني وشكاعي في الواحد والجمع. والدفلى كذكرى: شجر أخضر مر حسن المنظر، يكون في الأودية. والشكاعى كحبارى وقد تفتح: نوع من دقيق النبات صغير أخضر، دقيق العيدان يتداوى به. والسماني: طائر معروف. ٧٤٢ سورة طه: الآيات (٧٩ - ٨١) قال مقيده - عفا الله عنه -: والأظهر عندي في المن: أنه اسم جامع لما يمن الله به على عبده من غير كد ولا تعب، فيدخل فيه الترنجبين الذي من الله به على بني إسرائيل في التيه، ويشمل غير ذلك مما يماثله. ويدل على هذا قوله ملي الثابت في الصحيحين: (الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين)) .. والأظهر عندي في السلوى: أنه طائر، سواء قلنا إنه السماني، أو طائر يشبهه، لإطباق جمهور العلماء من السلف والخلف على ذلك. مع أن السلوى، يطلق لغة على العسل، كما بينا. وقوله في آية (طه)) هذه: ﴿كُلُواْ مِن طَيِبَتِ مَا رَزَقْتَكُمْ﴾، أي من المن والسلوى، والأمر فيه للإباحة والامتنان. وقد ذكر ذلك أيضاً في غير هذا الموضع كقوله في ((البقرة)): ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَّ كُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْتَكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]، وقوله في ((الأعراف)): ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَمَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَرَ وَالسَّلْوَىِّ كُلُواْ مِن ◌َيْبَتِ مَا رَزَقْنَكُمُّ وَمَا ظَلَمُوْنَا وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٠]، وقوله: ﴿كُواْ﴾ في هذه الآيات مقول قول محذوف، أي وقلنا لهم كلوا، والضمير المجرور في قوله: ﴿وَلَا تَطْغَوْاْ فِيهِ﴾ راجع إلى الموصول الذي هو ((ما)) أي كلوا من طيبات الذي رزقناكم ﴿ وَلَا تَطْغَوْاْ فِيهِ﴾ أي فيما رزقناكم، ونهاهم عن الطغيان فيما رزقهم، وهو أن يتعدوا حدود الله فيه بأن يكفروا نعمته به، ويشغلهم اللهو والنعيم عن القيام بشكر نعمه، وأن ينفقوا رزقه الذي أنعم عليهم به في المعاصي، أو يستعينوا به على المعصية، أو يمنعوا الحقوق الواجبة عليهم فيه، ونحو ذلك. وبيّن أن ذلك يسبب لهم أن يحل عليهم غضبه - جلّ وعلا -؛ لأن الفاء في قوله: ﴿فَيَحِلَّ﴾ سببية، والفعل منصوب بأن مضمرة بعدها؛ لأنه بعد النهي وهو طلب محض، كما أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله: وبعد فا جواب نفي أو طلب محضين أن وسترها حتم نصب وقرأ هذا الحرف الكسائي ((فيحل)) بضم الحاء (ومن يحلُّل) بضم اللام، والباقون قرؤوا ((يحل)) بكسر الحاء و((يحلل)) بكسر اللام. وعلى قراءة الكسائي ((فيحل)) بالضم أي ينزل بكم غضبي. وعلى قراءة الجمهور فهو من حل يحل بالكسر: إذا وجب، ومنه حل دينه إذا وجب أداؤه. ومنه ﴿ثُمَّ مِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِّيقِ﴾ [الحج: ٣٣]. وقوله: ﴿فَقَدْ هَوَى﴾ أي هلك وصار إلى الهاوية، وأصله أن يسقط من جبل أو نحوه فيهوي إلى الأرض فيهلك، ومنه قول الشاعر: ففتت تحتها كبده هوى من رأس مرقبة ويقولون: هوت أمه، أي سقط سقوطاً لا نهوض بعده. ومنه قول كعب بن سعد الغنوي : ٧٤٣ سورة طه: الآيات (٨٢ - ٨٤). وماذا يرد الليل حين يئوب هوت أمه ما يبعث الصبح غادياً ونحو هذا هو أحد التفسيرات في قوله تعالى: ﴿فَأُقُمُ هَاوِيَةٌ ﴾ [القارعة]، وعن شفي بن ماتع الأصبحي قال: إن في جهنم جبلاً يدعى صعوداً يطلع فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يرقاه؛ قال الله تعالى: ﴿سَأُرْفِقُهُ صَعُودًا ﴾﴾ [المدثر]، وإن في جهنم قصراً يقال له هوى، يرمى الكافر من أعلاه فيهوي أربعين خريفاً قبل أن يبلغ أصله، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَى﴾؛ قاله القرطبي وابن كثير، والله تعالى أعلم. واعلم أن الغضب صفة وصف الله بها نفسه إذا انتهكت حرماته، تظهر آثارها في المغضوب عليهم. نعوذ بالله من غضبه - جل وعلا - ونحن معاشر المسلمين نمرها كما جاءت فنصدق ربنا في كل ما وصف به نفسه، ولا نكذب بشيء من ذلك. مع تنزيهنا التام له - جلّ وعلا - عن مشابهة المخلوقين ◌َالَ عن ذلك علواً كبيراً. كما أوضحنا ذلك غاية الإيضاح في سورة ((الأعراف)) وقرأ حمزة والكسائي في هذه الآية ((قد أنجيتكم من عدوكم وواعدتكم)) بتاء المتكلم فيهما. وقرأه الباقون ((وواعدناكم وأنجيناكم)) بالنون الدالة على العظمة، فصيغة الجمع في قراءة الجمهور للتعظيم. وقرأ أبو عمرو ((ووعدناكم)) بلا ألف بعد الواو الثانية بصيغة الفعل المجرد، من الوعد لا من المواعدة مع نون التعظيم. قوله تعالى: ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ أَهْتَدَى (٨)﴾. ذكر الله - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه غفار؛ أي كثير المغفرة لمن تاب إليه من معاصيه وكفره، وآمن به وعمل صالحاً ثم اهتدى. وقد أوضح هذا المعنى في مواضع متعددة من كتابه، كقوله: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وقوله في الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ [المائدة]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَُّواْ مِن زَّحِيمٌ ﴾﴾ رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ وَأَنِبُوْ إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ﴾ [الزمر]، إلى غير ذلك من الآيات، وقد قدمنا معنى التوبة والعمل الصالح. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ أَهْتَدَى﴾ أي استقام وثبت على ما ذكر من التوبة والإيمان والعمل الصالح ولم ينكث. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ أُسْتَقَامُواْ﴾ [فصلت: ٣٠]، وفي الحديث: ((قل آمنت بالله ثم استقم)). وقال تعالى: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ﴾ الآية [هود: ١١٢]. قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَمُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُوْلَاءِ عَلَىّ أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبٍ لِتَضَى (9)﴾. أشار - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة إلى قصة مواعدته موسى أربعين ليلة وذهابه إلى الميقات، واستعجاله إليه قبل قومه. وذلك أنه لما واعده ربه وجعل له الميقات المذكور، وأوصى أخاه هارون أن يخلفه في قومه، استعجل إلى ٧٤٤ سورة طه: الآية (٨٥) الميقات فقال له ربه: ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾ الآية. وهذه القصة التي أجملها هنا أشار لها في غير هذا الموضع كقوله في ((الأعراف)): ﴿وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَثِينَ لَيْلَةُ وَأَتْمَمْتَهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةُ وَقَالَ مُوسَى لِأَخِهِ هَرُونَ أَخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَّيِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ( وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَئِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَّ﴾ [الأعراف: ١٤٢ - ١٤٣]. وفي هذه الآية سؤال معروفٍ: وهو أن جواب موسى ليس مطابقاً للسؤال الذي سأله ربه؛ لأن للسؤال عن السبب الذي أعجله عن قومه، والجواب لم يأت مطابقاً لذلك؛ لأنه أجاب بقوله: ﴿هُمْ أُوْلَاءِ عَلَى أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ﴾ . وأجيب عن ذلك بأجوبة: منها أن قوله: ﴿هُمْ أُوْلَاءٍ عَلَى أَثَرِى﴾ يعني هم قريب وما تقدمتهم إلا بيسير يغتفر مثله، فكأني لم أتقدمهم ولم أعجل عنهم لقرب ما بيني وبينهم. ومنها أن الله - جلّ وعلا - لما خاطبه بقوله: ﴿وَمَّا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ﴾؛ داخله من الهيبة والإجلال والتعظيم الله - جلّ وعلا - ما أذهله عن الجواب المطابق. والله أعلم. وقوله: ﴿هُمْ أُوْلاَءِ﴾ المد فيه لغة الحجازيين. ورجحها ابن مالك في الخلاصة بقوله: والمد أولى ولغة التميميين ((أولا)) بالقصر، ويجوز دخول اللام على لغة التميميين في البعد، ومنه قول الشاعر: أولا لك قومي لم يكونوا أشابة وهل يعظ الضليل إلا أولالكوا وأما على لغة الحجازيين بالمد فلا يجوز دخول اللام عليها. قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدَِ وَأَضَلَّهُ السَّامِرِىُّ (3﴾﴾، الظاهر أن الفتنة المذكورة هي عبادتهم العجل؛ فهي فتنة إضلال كقوله: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. وهذه الفتنة بعبادة العجل جاءت مبينة في آيات متعددة كقوله: و﴿ وَعَدْنَا مُوسَئ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ الَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنْتُمْ ظَلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥١]، ونحو ذلك من الآيات. قوله هنا: ﴿وَأَضَلَّهُ التَّامِرِىُّ﴾ أوضح كيفية إضلاله لهم في غير هذا الموضع كقوله: ﴿وَأَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيْهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارِ﴾ إلى قوله: ﴿أَتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨]، أي اتخذوه إلهاً وقد صنعه السامري لهم من حلى القبط فأضلهم بعبادته. وقوله هنا: ﴿فَكَذَلِكَ أَلَّقَى السَُِّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُر خُوَارٌ فَقَالُواْ هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِىَ ﴾﴾؛ والسامري: قيل اسمه هارون، وقيل اسمه موسى بن: ظفر. وعن ابن عباس: أنه من قوم كانوا يعبدون البقر. وقيل: كان رجلاً من القبط؛ وكان جاراً لموسى آمن به وخرج معه. وقيل: كان عظيماً من عظماء بني إسرائيل من قبيلة تعرف بالسامرة وهم معروفون بالشام. قال سعيد بن جبير: كان من أهل كرمان. ٧٤٥ سورة طه: الآية (٨٦) بيـ والفتنة أصلها في اللغة: وضع الذهب في النار ليتبين أهو خالص أم زائف. وقد أطلقت في القرآن إطلاقات متعددة. منها: الوضع في النار كقوله: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُقْنَنُونَ [الذاريات]، أي يحرقون بها، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ الآية [البروج: ١٠]؛ أي أحرقوهم بنار الأخدود. ومنها: الاختبار وهو الأغلب في استعمال الفتنة؛ كقوله: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ الآية [التغابن: ١٥]، وقوله: ﴿وَأَلَّوِ أُسْتَقَمُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَهُم ◌َّةُ غَدَقًّا (٨) لِنَفْتِنَهُ فِيَةٍ﴾ [الجن: ١٦ - ١٧]، ومنها: نتيجة الاختبار إذا كانت سيئة. ومن هنا أطلقت الفتنة على الشرك، كقوله: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وقوله هنا: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ﴾ ... الآية، ومنها: الحجة، كقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَُهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ وَلَّهِ رَيْنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٣)﴾ [الأنعام] أي لم تكن حجتهم. وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَأَضَلَّهُ التَّامِرِىُّ﴾ أسند إضلالهم إليه؛ لأنه هو الذي تسبب فيه بصياغته لهم العجل من حلي القبط ورميه عليه التراب الذي مسه حافر الفرس التي جاء عليها جبريل، فجعله الله بسبب ذلك عجلاً جسداً له خوار، كما قال تعالى في هذه السورة الكريمة: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامُِّ ﴿ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَُّ خُوَارٌ﴾، وقال في (الأعراف)): ﴿وَأَتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيَّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ﴾ ... الآية [الأعراف: ١٤٨]. والخوار: صوت البقر. قال بعض العلماء: جعل الله بقدرته ذلك الحلي المصوغ جسداً من لحم ودم، وهذا هو ظاهر قوله: ﴿عِجْلًا جَسَدًا﴾ [الأعراف: ١٤٨]. وقال بعض العلماء: لم تكن تلك الصورة لحماً ولا دماً، ولكن إذا دخلت فيها الريح صوتت كخوار العجل، والأول أقرب لظاهر الآية، والله تعالى قادر على أن يجعل الجماد لحماً ودماً، كما جعل آدم لحماً ودماً وكان طيناً . قوله تعالى: ﴿فَرَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفَأَ﴾، ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن موسى رجع إلى قومه بعد مجيئه للميقات في حال كونه في ذلك الرجوع غضبان أسفاً على قومه من أجل عبادتهم العجل .. وقوله: ﴿أَسِفَأَ﴾ أي شديد الغضب، فالأسف هنا: شدة الغضب، وعلى هذا فقوله: ﴿غَضْبَنَ أَسِفًا﴾ أي غضبان شديد الغضب، ومن إطلاق الأسف على الغضب في القرآن قوله تعالى في ((الزخرف)): ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُوْنَا أَنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ ﴾ [الزخرف]، أي فلما أغضبونا بتماديهم في الكفر مع توالي الآيات عليهم أَجْمَعِينَ لـ انتقمنا منهم. وقال بعض العلماء: الأسف هنا الحزن والجزع؛ أي رجع موسى في حال كونه غضبان حزيناً جزعاً لكفر قومه بعبادتهم للعجل. وقيل: أسفاً أي مغتاظاً: وقائل هذا يقول: الفرق بين الغضب والغيظ: أن الله وصف نفسه بالغضب، ولم يجز وصفه بالغيظ؛ حكاه الفخر الرازي. ولا يخفى عدم اتجاهه في تفسير هذه الآية؛ لأنه راجع إلى القول الأول، ولا حاجة في ذلك إلى التفصيل المذكور. ٧٤٦ سورة طه: الآيتان (٨٦ - ٨٧) وقوله: ﴿غَضْبَنَ أَسِفًا﴾ حالان. وقد قدمنا فيما مضى أن التحقيق جواز تعدد الحال من صاحب واحد مع كون العامل واحداً؛ كما أشار له في الخلاصة بقوله: لمفرد فاعلم وغير مفرد والحال قد يجيء ذا تعدد وما ذكره - جل وعلا - في آية ((طه)) هذه من كون موسى رجع إلى قومه ﴿غَضْبَنَ أَسِفًا﴾ ذكره في غير هذا الموضع، وذكر أشياء من آثار غضبه المذكور، كقوله في ((الأعراف)): ﴿وَلَنَّا رَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضَْنَ أَسِفًا قَالَ بِنْسَمَا خَلَفْتُهُونِ مِنْ بَعْدِىٌّ﴾ ... الآية [الأعراف: ١٥٠]. وقد بين تعالى أن من آثار غضب موسى إلقاءه الألواح التي فيها التوراة، وأخذه برأس أخيه يجره إليه، كما قال في ((الأعراف)): ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠]، وقال في ((طه)) مشيراً لأخذه برأس أخيه: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَ بِأْسِّ﴾. وهذه الآيات فيها الدلالة على أن الخبر ليس كالعيان؛ لأن الله لما أخبر موسى بكفر قومه بعبادتهم العجل كما بينه في قوله: ﴿قَدّ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدَِكَ وَأَضَلَّهُ السَّامِرِىُّ﴾، وهذا خبر من الله يقين لا شك فيه لم يلق الألواح، ولكنه لما عاين قومه حول العجل يعبدونه أثرت فيه معاينة ذلك أثراً لم يؤثره فيه الخبر اليقين بذلك، فألقى الألواح حتى تكسرت، وأخذ برأس أخيه يجره إليه لما أصابه من شدة الغضب من انتهاك حرمات الله تعالى. وقال ابن كثير في تفسيره في سورة ((الأعراف)»: وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَالر: ((يرحم الله موسى ليس المعاين كالمخبر، أخبره ربه من أن قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح، فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح)). قوله تعالى: ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَلَمْ يَعِذْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنَاْ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدَّثُمْ أَنْ يَحِلَ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُ مَّوْعِدِى ﴾ قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن موسى - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - لما رجع إلى قومه، ووجدهم قد عبدوا العجل من بعده قال لهم: ﴿يَقَوْمِ أَلَمْ يَعِذْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَناً﴾ .. وأظهر الأقوال عندي في المراد بهذا الوعد الحسن؛ أنه وعدهم أن ينزل على نبيهم كتاباً فيه كل ما يحتاجون إليه من خير الدنيا والآخرة. وهذا الوعد الحسن المذكور هنا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿ وَوَعَلْنَكُ جَاِبَ اٌلُْورِ الْأَيْمَنَ﴾ الآية، وفيه أقوال غير ذلك. وقوله: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾؛ الاستفهام فيه للإنكار، يعني لم يطل العهد؛ كما يقال في المثل: (وما بالعهد من قدم)؛ لأن طول العهد مظنة النسيان، والعهد قريب لم يطل فكيف نسيتم؟ ٧٤٧ سورة طه: الآيتان (٨٦ - ٨٧) - - وقوله: ﴿أَمْ أَرَدِّثُمْ أَنْ يَحِلَ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾؛ قال بعض العلماء: ((أم)) هنا هي المنقطعة، والمعنى بل أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم، ومعنى إرادتهم حلول الغضب، أنهم فعلوا ما يستوجب غضب ربهم بإرادتهم؛ فكأنهم أرادوا الغضب لما أرادوا سببه، وهو الكفر بعبادة العجل. وقوله: ﴿فَأَخْلَفْتُ مَوْعِدِى﴾؛ كانوا وعدوه أن يتبعوه لما تقدمهم إلى الميقات، وأن يثبتوا على طاعة الله تعالى؛ فعبدوا العجل وعكفوا عليه ولم يتبعوا موسى؛ فأخلفوا موعده بالكفر وعدم الذهاب في أثره ﴿قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَذْكِنَا﴾؛ قرأه نافع وعاصم ﴿يِمَلْكِنَا﴾ بفتح الميم. وقرأه حمزة والكسائي ((بملكنا)) بضم الميم، وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ((بملكنا)) بكسر الميم. والمعنى على جميع القراءات: ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا أمرنا، فلو ملكنا أمرنا ما أخلفنا موعدك. وهو اعتذار منهم بأنهم ما أخلفوا الموعد باختيارهم، ولكنهم مغلوبون على أمرهم من جهة السامري وكيده. وهو اعتذار بارد ساقط كما ترى !! ولقد صدق من قال: إذا كان وجه العذر ليس ببين فإن اطراح العذر خير من العذر وأما على قول من قال: إن الذين قالوا لموسى: ﴿مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾؛ هم الذين لم يعبدوا العجل؛ لأنهم وعدوه أن يتبعوه، ولما وقع ما وقع من عبادة أكثرهم للعجل تأخروا عن اتباع موسى بسبب ذلك، ولم يتجرؤوا على مفارقتهم خوفاً من الفرقة - فالعذر له وجه في الجملة، كما يشير إليه قوله تعالى في القصة في هذه السورة الكريمة: ﴿قَالَ يَهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْنَهُمْ ضَلُّوْ (9) أَلَّا تَتَّبِعَنِّ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى ﴿ قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِّ إِ خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ وَلَمْ تَرَقُبْ قَوْلِ ٩٤ والمصدر في قوله: ﴿بِمَلْكِنَا﴾ مضاف إلى فاعله ومفعوله محذوف، أي بملكنا أمرنا. وقال القرطبي: كأنه قال بملكنا الصواب بل أخطأنا؛ فهو اعتراف منهم بالخطأ. وقال الزمخشري: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ الزمان، يريد مدة مفارقته لهم. تنبيه: كل فعل مضارع في القرآن مجزوم بـ((لم)) إذا تقدمتها همزة استفهام كقوله هنا: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾؛ فيه وجهان معروفان عند العلماء: الأول: أن مضارعته تنقلب ماضوية، ونفيه ينقلب إثباتاً فيصير قوله: ﴿أَلَمْ يَعِذْكُمْ﴾ بمعنى وعدكم، وقوله: ﴿أَّمَّ نَشْرَحْ﴾ [الشرح: ١]، بمعنى شرحنا، وقوله: ﴿أَلَمّ ◌َجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ ﴾﴾ [البلد]، بمعنى جعلنا له عينين. وهكذا. ووجه انقلاب المضارعة ماضوية ظاهر؛ لأن (لم)) حرف قلب تقلب المضارع من معنى الاستقبال إلى معنى المضي كما هو معروف. ووجه انقلاب النفي إثباتاً أن الهمزة إنكارية، فهي مضمنة معنى النفي، فيتسلط النفي الكامن فيها على النفي الصريح في ((لم)) فينفيه، ونفي النفي إثبات، فيؤول إلى معنى الإثبات. الوجه الثاني: أن الاستفهام في ذلك للتقرير، وهو حمل المخاطب على أن يقر ٧٤٨ سورة طه: الآيتان (٨٧ - ٨٨) فيقول ((بلى)) وعليه فالمراد من قوله: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنَا﴾؛ حملهم على أن يقروا بذلك فيقولوا: بلى هكذا. ونظير هذا من كلام العرب قول جرير: ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح فإذا عرفت أن قوله هنا: ﴿فَرَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفَأَ﴾ إلى قوله: أَبِمَلْكِنَا﴾ قد بين الله فيه أن موسى لما رجع إليهم في شدة غضب مما فعلوا وعتابهم قال لهم في ذلك العتاب: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنَاْ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ ... الآية، فاعلم أن بعض عتابه لهم لم يبينه هنا، وكذلك بعض فعله، ولكنه بينه في غير هذا الموضع؛ كقوله في ((الأعراف)) في القصة بعينها: ﴿وَلَنَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ، غَضَْنَ أَسِفًا قَالَ بِثْسَمَا خَلَفْتُهُونِ مِنْ بَعْدِىٌّ أَعَجِلْتُمْ أَمَ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٠]، وبين بعض ما فعل بقوله في (الأعراف)): ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُزُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠]، وقد أشار إلى ذلك هنا في ((طه)) في قوله: ﴿قَالَ يَبْنَؤُّمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِىّ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَكِنّا حُمِّلْنَآ أَوْزَارًا مِّنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْتَهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامُِ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِىَ ٠ ١٨٨ قرأ هذا الحرف أبو عمرو وشعبة عن عاصم، وحمزة والكسائي (حملنا) بفتح الحاء والميم المخففة مبيناً للفاعل مجرداً. وقرأه نافع وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم ﴿ُمِّلْنَا﴾ بضم الحاء وكسر الميم المشددة مبيناً للمفعول. و((نا)) على القراءة الأولى فاعل ((حمل)) وعلى الثانية نائب فاعل ((حمل)) بالتضعيف. والأوزار في قوله: ﴿أَوْزَارًا﴾ قال بعض العلماء: معناها الأثقال، وقال بعض العلماء: معناها الآثام. ووجه القول الأول أنها أحمال من حلي القبط الذي استعاروه منهم. ووجه الثاني أنها آثام وتبعات؛ لأنهم كانوا معهم في حكم المستأمنين في دار الحرب، وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي؛ ولأن الغنائم لم تكن تحل لهم. والتعليل الأخير أقوى. وقوله: ﴿مِّنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾؛ المراد بالزينة الحلي، كما يوضحه قوله تعالى: ﴿وَأَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ حُلِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارَ﴾ [الأعراف: ١٤٨]، أما قوله: ﴿فَقَذَفْتَهَا﴾ أي ألقيناها وطرحناها في النار التي أوقدها السامري في الحفرة، وأمرنا أن نطرح الحلي فيها. وأظهر الأقوال عندي في ذلك: هو أنهم جعلوا جميع الحلي في النار ليذوب فيصير قطعة واحدة؛ لأن ذلك أسهل لحفظه حتى يرى نبي الله موسى فيه رأيه. والسامري يريد تدبير خطة لم يطلعوا عليها. وذلك أنه لما جاء جبريل ليذهب بموسى إلى الميقات وكان على فرس، أخذ السامري تراباً مسه حافر تلك الفرس، ويزعمون في القصة أنه عاين موضع أثرها ينبت فيه النبات، فتفرس أن الله جعل فيها خاصية الحياة، فأخذ تلك القبضة من التراب واحتفظ بها، فلما أرادوا أن يطرحوا الحلي في النار ليجعلوه قطعة واحدة أو لغير ذلك من الأسباب وجعلوه فيها، ألقى ٧٤٩ سورة طه: الآية (٨٩) - السامري عليه تلك القبضة من التراب المذكورة، وقال له: كن عجلاً جسداً له خوار؛ فجعله الله عجلاً جسداً له خوار؛ فقال لهم: هذا العجل هو إلهكم وإله موسى، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى عن موسى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَسَمِرِىُّ ﴿ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ، فَقَبَضْتُ قَبْضَةُ مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِ نَفْسِى ٩٦ وقوله في هذه الآية: ﴿وَلَكِنَّا ◌ُلْنَا أَوْزَارًا مِّنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾؛ هو من بقية اعتذارهم الفاسد البارد، وهو يدل على أن ذلك الاعتذار من الذين عبدوا العجل لا من غيرهم، ولا يبعد معه احتمال أنه من غيرهم؛ لأنه ليس فيه ما يعين كون الاعتذار منهم تعيناً غير محتمل. ومعلوم أن هذا العذر عذر لا وجه له علی کل حال. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَنِىَ﴾ أي نسي موسى إلهه هنا وذهب يطلبه في محل آخر؛ قاله ابن عباس في حديث الفتون. وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أيضاً من طريق عكرمة ﴿فَنِىَ﴾ أي نسي أن يذكركم به. وعن ابن عباس أيضاً ﴿فَّىَ﴾ أي السامري ما كان عليه من الإسلام، وصار كافراً بادعاء ألوهية العجل وعبادته. قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلَّا يَجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا (٨٩) بيّن الله - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة سخافة عقول الذين عبدوا العجل، وكيف عبدوا ما لا يقدر على رد الجواب لمن سأله، ولا يملك نفعاً لمن عبده، ولا ضراً لمن عصاه. وهذا يدل على أن المعبود لا يمكن أن يكون عاجزاً عن النفع والضر ورد الجواب. وقد بين هذا المعنى في غير هذا الموضع؛ كقوله في ((الأعراف)) في القصة بعينها: ﴿أَلَمْ يَرَوْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِهِمْ سَبِيلًاً اَتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨]، ولا شك أن من اتخذ من لا يكلمه ولا يهديه سبيلاً إلهاً أنه من أظلم الظالمين. ونظير ذلك قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿يََّبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]، وقوله تعالى عنه أيضاً: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (®) أَوْ يَنَفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُونَ (٣)﴾ [الشعراء]، وقوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنْ يَبْصِرُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْ ءَاذَاتٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لََّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَايِهِمْ ﴾ [الأحقاف]، وقوله غَفِلُونَ ﴾ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاءُ وَكَانُواْ بِبَادَتِهِمْ كَفِرِينَ تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّكُمْ لَهُ الْمُلْكُّ وَالَّذِينَ نَّدْعُونَ مِن دُونِهِ، مَا يَمْلِكُونَ مِن فِطْمِيٍ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُواْ دُعَءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا أُسْتَجَابُوْ لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرِكِكُمْ ١٣ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (٣)﴾ [فاطر]. وقد قدمنا الكلام مستوفى في همزة الاستفهام التي بعدها أداة عطف كالفاء والواو، كقوله هنا: ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ﴾ فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقرأ هذا الحرف جماهير القراء ﴿أَلَّا يَجِعُ﴾ بالرفع لأن ((أن)) مخففة من الثقيلة، والدليل على أنها مخففة من الثقيلة تصريحه تعالى بالثقيلة في قوله في المسألة بعينها في ٧٥٠ - سورة طه: الآية (٨٩) ((الأعراف)): ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ﴾ ... الآية [الأعراف: ١٤٨]، ورأى في آية ((طه، والأعراف)) علمية على التحقيق؛ لأنهم يعلمون علماً يقيناً أن ذلك العجل المصوغ من الحلي لا ينفع ولا يضر ولا يتكلم. واعلم أن المقرر في علم النحو أن: ((أن)) لها ثلاث حالات: الأولى: أن تكون مخففة من الثقيلة قولاً واحداً، ولا يحتمل أن تكون ((أن)). المصدرية الناصبة للفعل المضارع. وضابط هذه: أن تكون بعد فعل العلم وما جرى مجراه من الأفعال الدالة على اليقين كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَّكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَىٌ ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقوله: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَلَتِ رَبِهِمْ﴾ الآية [الجن: ٢٨]، ونحو ذلك من الآيات، وقول الشاعر: واعلم فعلم المرء ينفعه أن سوف يأتي كل ما قدرا وقول الآخر: أن هالك كل من يحفى وينتعل في فتية كسيوف الهند قد علموا وإذا جاء بعد هذه المخففة من الثقيلة فعل مضارع فإنه يرفع ولا ينصب كقوله: قبل أن يسألوا بأعظم سؤل علموا أن يؤملون فجادوا و((أن)) هذه المخففة من الثقيلة يكون اسمها مستكناً غالباً، والأغلب أن يكون ضمير الشأن. وقيل لا يكون إلا ضمير الشأن، وخبرها الجملة التي بعدها، كما أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله: وإن تخفف ((أن)) فاسمها استكن والخبر اجعل جملة من بعد أن وما سمع في شعر العرب من بروز اسمها في حال كونه غير ضمير الشأن فمن ضرورة الشعر؛ كقول جنوب أخت عمرو ذي الكلب: إذا اغبر أفق وهبت شمالا لقد علم الضيف والمرملون وأنك هناك تكون الثمالا بأنك ربيع وغيث مربع وقول الآخر: فلو أنك في يوم الرخاء سألتني طلاقك لم أبخل وأنت صديق الحالة الثانية: أن تكون محتملة لكونها المصدرية الناصبة للمضارع، ومحتملة لأن تكون هي المخففة من الثقيلة، وإن جاء بعدها فعل مضارع جاز نصبه للاحتمال الأول، ورفعه للاحتمال الثاني، وعليه القراءتان السبعيتان في قوله: ﴿وَحَسِبُواْ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١]، بنصب ((تكون)) ورفعه، وضابط ((أن)) هذه أن تكون بعد فعل يقتضي الظن ونحوه من أفعال الرجحان. وإذا لم يفصل بينها وبين الفعل فاصل فالنصب أرجح، ولذا اتفق القراء على النصب في قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ﴾ ٧٥١ سورة طه: الآيتان (٩٠ - ٩١) الآية [العنكبوت: ٢]. وقيل: إن ((أن)) الواقعة بعد الشك ليس فيها إلا النصب؛ نقله الصبان في حاشيته عن أبي حيان بواسطة نقل السيوطي. الحالة الثالثة: أن تكون ((أن)) ليست بعد ما يقتضي اليقين ولا الظن ولم يجر مجراهما، فهي المصدرية الناصبة للفعل المضارع قولاً واحداً. وإلى الحالات الثلاث المذكورة أشار بقوله في الخلاصة: وبلن انصبه وكي كذا بأن لا بعد علم والتي من بعد ظن تخفيفها من أن فهو مطرد فانصب بها والرفع صحح واعتقد قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَرُونُ مِن قَبْلُ يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُم بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ ،قَالُواْ لَنْ تَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَكِفِينَ حَّى يَرْجَعَ إِلَيْنَا مُوسَى (@)﴾. ٩٠ فَأَِّعُونِ وَأَطِيعُواْ أَمْرِى بين - جل وعلا - في هاتين الآيتين الكريمتين أن بني إسرائيل لما فتنهم السامري وأضلهم بعبادة العجل، نصحهم نبي الله هارون - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام -، وبين لهم أن عبادتهم العجل فتنة فتنوا بها؛ أي كفر وضلال ارتكبوه بذلك، وبين لهم أن ربهم الرحمن خالق كل شيء - جلّ وعلا -، وأن عجلاً مصطنعاً من حلي لا يعبده إلا مفتون ضال كافر. وأمرهم باتباعه في توحيد الله تعالى، والوفاء بموعد موسى - عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام - وأن يطيعوه في ذلك؛ فصارحوه بالتمرد والعصيان والديمومة على الكفر حتى يرجع موسى. وهذا يدل على أنه بلغ معهم غاية جهده وطاقته، وأنهم استضعفوه وتمردوا عليه ولم يطيعوه. وقد أوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله في ((الأعراف)»: ﴿قَالَ أَبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اُسْتَضْعَفُونِ وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِ فَ تُثْمِتْ بِى الْأَعْدَآءَ وَلَ تَّْعَلْنِ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٠]. فقوله عنهم في خطابهم له: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيَّهِ عَكِّفِينَ﴾؛ يدل على استضعافهم له وتمردهم عليه المصرح به في ((الأعراف)) كما بينا، وقال أبو عبد الله القرطبي - رحمه الله تعالى - في تفسير هذه الآيات الكريمات ما نصه: وسئل الإمام أبو بكر الطرطوشي تغلفه: ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية؟ واعلم حرس الله مدته: أنه اجتمع جماعة من رجال فيكثرون من ذكر الله تعالى وذكر محمد ◌ّ، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم، ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشياً عليه، ويحضرون شيئاً يأكلونه. هل الحضور معهم جائز أم لا؟ أفتونا مأجورين. وهذا القول الذي يذكرونه: قبل التفرق والزلل يا شيخ كف عن الذنوب ما دام ينفعك العمل واعمل لنفسك صالحاً ومشيب رأسك قد نزل أما الشباب فقد مضى وفي مثل هذا ونحوه الجواب يرحمك الله: مذهب الصوفية بطالة وجهالة ٧٥٢ سورة طه: الآيتان (٩٠ - ٩١) وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله وَله، وأما الرقص والتواجد؛ فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلاً جسداً له خوار، قاموا يرقصون حوالیه، ويتواجدون، فهو دين الكفار وعباد العجل. وأما القضيب: فأول من اتخده الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى. وإنما كان يجلس النبي وَل مع أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار؛ فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم من حضور المساجد: وغيرها. ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ولا أن يعينهم على باطلهم. هذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أئمة المسلمين وبالله التوفيق - انتهى منه بلفظه. قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: قد قدمنا في سورة ((مريم)) ما يدل على أن بعض الصوفية على الحق؛ ولا شك أن منهم ما هو على الطريق المستقيم من العمل بكتاب الله وسنة رسوله وَل﴾، وبذلك عالجوا أمراض قلوبهم وحرسوها، وراقبوها وعرفوا أحوالها، وتكلموا على أحوال القلوب كلاماً مفصلاً كما هو معلوم، كعبد الرحمن بن عطية، أو ابن أحمد بن عطية، أو ابن عسكر؛ أعني أبا سليمان الداراني، وكعون بن عبد الله الذي كان يقال له حكيم الأمة، وأضرابهما، وكسهل بن عبد الله التستري، وأبي طالب المكي، وأبي عثمان النيسابوري، ويحيى بن معاذ الرازي، والجنيد بن محمد، ومن سار على منوالهم؛ لأنهم عالجوا أمراض أنفسهم بكتاب الله وسنة نبيه وَله، ولا يحيدون عن العمل بالكتاب والسنة ظاهراً وباطناً، ولم تظهر منهم أشياء تخالف الشرع. فالحكم بالضلال على جميع الصوفية لا ينبغي ولا يصح على إطلاقه، والميزان الفارق بين الحق والباطل في ذلك هو كتاب الله وسنة رسوله ﴾. فمن كان منهم متبعاً لرسول الله ولي في أقواله وأفعاله، وهديه وسمته، كمن ذكرنا وأمثالهم، فإنهم من جملة العلماء العاملين، ولا يجوز الحكم عليهم بالضلال. وأما من كان على خلاف ذلك فهو الضال. نعم، صار المعروف في الآونة الأخيرة، وأزمنة كثيرة قبلها بالاستقراء، أن عامة الذين يدعون التصوف في أقطار الدنيا إلا من شاء الله منهم دجاجلة يتظاهرون بالدين ليضلوا العوام الجهلة وضعاف العقول من طلبة العلم، ليتخذوا بذلك أتباعاً وخدماً، وأموالاً وجاهاً، وهم بمعزل عن مذهب الصوفية الحق، لا يعملون بكتاب الله ولا بسنة نبيه، واستعمارهم لأفكار ضعاف العقول أشد من استعمار كل طوائف المستعمرين. فيجب التباعد عنهم، والاعتصام من ضلالتهم بكتاب الله وسنة نبيه، ولو ظهر على أيديهم بعض الخوارق، ولقد صدق من قال: وفوق ماء البحر قد يسير إذا رأيت رجلاً يطير فإنه مستدرج أو بدعى ولم يقف عند حدود الشرع ٧٥٣ سورة طه: الآيتان (٩٢ - ٩٣) والقول الفصل في ذلك هو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيَّكُمْ وَلَّ أَمَانِيّ أَهْلِ اَلْكِتَبِّ مَن يَعْمَلْ سُؤْءًا يُجْزَ بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَبَكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (٣٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَنَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء]، فمن كان عمله مخالفاً للشرع كمتصوفة آخر الزمان فهو الضال، ومن كان عمله موافقاً لما جاء به نبينا - عليه الصلاة والسلام - فهو المهتدي. نرجو الله تعالى أن يهدينا وإخواننا المؤمنين، وألا يزيغنا ولا يضلنا عن العمل بكتابه وسنة نبيه وقية التي هي محجة بيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. قوله تعالى: ﴿قَالَ يَهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْنَهُمْ ضَلُّوْ ﴿﴿ أَلَّا تَتَّبِعَنِّ﴾. قال بعض أهل العلم: ((لا)) في قوله: ﴿أَلَّا تَتَِّعَنِّ﴾ زائدة للتوكيد، واستدل من قال ذلك بقوله تعالى في ((الأعراف)): ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، قال لأن المراد، ما منعك أن تسجد إذ أمرتك؛ بدليل قوله في القصة بعينها في سورة ((ص)): ﴿قَالَ بَإِبْلِسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾ ... الآية [ص: ٧٥]، فحذف لفظة ((لا)) في ((ص)) مع ثبوتها في ((الأعراف)) والمعنى واحد؛ فدل ذلك على أنها مزيدة للتوكيد. قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: قد عرف في اللغة العربية أن زيادة لفظة ((لا)) في الكلام الذي فيه معنى الجحد لتوكيده مطردة؛ كقوله هنا: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْثَهُمْ ضَلُّوَأْ ﴿﴿ أَلَّا تَتَّعَنِّ﴾؛ أي ما منعك أن تتبعني؛ وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، بدليل قوله في ((ص)): ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىٌّ﴾ ... الآية [ص: ٧٥]، وقوله تعالى: ﴿لِثَلَا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَلَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّن فَضْلِ اَللَّهِ﴾ ... الآية [الحديد: ٢٩]؛ أي ليعلم أهل الكتاب، وقوله: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥]، أي فوربك لا يؤمنون، وقوله: ﴿وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَ السَّيِئَةُ﴾ [فصلت: ٣٤]، أي والسيئة، وقوله: ﴿وَحَرَامُ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا أَنَّهُمْ لَا يَزْجِعُونَ (9)﴾ [الأنبياء]، على أحد القولين، وقوله: ﴿وَمَا يُشْعِرَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩]، على أحد القولين. وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ﴾ ... الآية [الأنعام: ١٥١]، على أحد الأقوال فيها. ونظير ذلك من كلام العرب قول امرئ القيس: لا يدعي القوم أنى أفر فلا وأبيك ابنة العامري يعني فوأبيك. وقول أبي النجم: لما رأين الشمط القفندرا فما ألوم البيض ألا تسخرا يعني أن تسخر، وقول الآخر: والأطيبان أبو بكر ولا عمر ما كان يرضى رسول الله دينهم يعني وعمر. وقول الآخر: ٧٥٤ سورة طه: الآية (٩٤) وللهو داع دائب غير غافل وتلحينني في اللهو ألا أحبه يعني أن أحبه، و((لا)) مزيدة في جميع الأبيات لتوكيد الجحد فيها. وقال الفراء: إنها لا تزاد إلا في الكلام الذي فيه معنى الجحد كالأمثلة المتقدمة. والمراد بالجحد النفي وما يشبهه كالمنع في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ [الأعراف: ١٢] ونحو ذلك. والذي يظهر لنا - والله تعالى أعلم -: أن زيادة لفظة ((لا)) لتوكيد الكلام وتقويته أسلوب من أساليب اللغة العربية، وهو في الكلام الذي فيه معنى الجحد أغلب مع أن ذلك مسموع في . غيره. وأنشد الأصمعي لزيادة ((لا)) قول ساعدة الهذلي: أفعنك لا برق كان وميضه غاب تسنمه ضرام مثقب ويروى ((أفمنك)) بدل ((أفعنك)) و((تشيمه)) بدل ((تسنمه))، يعني أعنك برق و(لا)) زائدة للتوكيد والكلام ليس فيه معنى الجحد. ونظيره قول الآخر: تذكرت ليلى فاعترتني صبابة وكاد صميم القلب لا يتقطع يعني كاد يتقطع. وأنشد الجوهري لزيادة ((لا)) قول العجاج: بإفكه حتى رأى الصبح جشر في بئر لا حور سرى وما شعر والحور الهلكة؛ يعني في بئر هلكة، و((لا)) زائدة للتوكيد؛ قاله أبو عبيدة وغيره. والكلام ليس فيه معنى الجحد. وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة ((البلد)). قوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى﴾، الظاهر أن أمره المذكور في هذه الآية هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَرُونَ أَخْلُفْنِ فِ قَوْى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَِّعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢]، وهذه الآية الكريمة تدل على اقتضاء الأمر للوجوب؛ لأنه أطلق اسم المعصية على عدم امتثال الأمر، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة: كقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَهُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] فجعل أمره وأمر رسول الله ول مانعاً من الاختيار، موجباً للامتثال. وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] فوبخه هذا التوبيخ الشديد على عدم امتثال الأمر المدلول عليه بصيغة إفعل في قوله تعالى: ﴿أَسْجُدُواْ لَِّدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤]. وجماهير الأصوليين على أن صيغة الأمر المجردة عن القرائن تقتضي الوجوب للأدلة التي ذكرنا وغيرها مما هو مماثل لها؛ وإلى ذلك أشار في (مراقي السعود) بقوله : وقيل للندب أو المطلوب إلخ وافعل لدى الأكثر للوجوب قوله تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُّمَ لَا تَأْخُذْ بِحَْتِى وَلَا بِرَأْسِىٌّ إِ خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ وَلَمْ تَرْقُّبْ قَوْلِ (®﴾، ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن هارون قال لأخيه موسى ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحَْتِى وَلَا بِرَأْسِىِّ﴾ وذلك يدل على أنه لشدة غضبه أراد أن ٧٥٥ سورة طه: الآية (٩٤) يمسك برأسه ولحيته. وقد بين تعالى في ((الأعراف)) أنه أخذ برأسه يجره إليه؛ وذلك في قوله: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُُّ إِلَيْهٍ﴾ [الأعراف: ١٥٠]. وقوله: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِ﴾ من بقية كلام هارون؛ أي خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل، وأن تقول لي لم لم ترقب قولي! أي لم تعمل بوصيتي وتمتثل أمري. تنبيه: هذه الآية الكريمة بضميمة آية ((الأنعام)) إليها تدل على لزوم إعفاء اللحية، فهي دليل قرآني على إعفاء اللحية وعدم حلقها. وآية الأنعام المذكورة هي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ وَأَيُبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَرُونَ﴾ ... الآية [الأنعام: ٨٤]، ثم إنه تعالى قال بعد أن عد الأنبياء الكرام المذكورين ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَنهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فدل ذلك على أن هارون من الأنبياء الذين أمر نبينا ◌َّلر بالاقتداء بهم، وأمره وهو بذلك أمر لنا؛ لأن أمر القدوة أمر لأتباعه! كما بينا إيضاحه بالأدلة القرآنية في هذا الكتاب المبارك في سورة ((المائدة)). وقد قدمنا هناك أنه ثبت في صحيح البخاري: أن مجاهداً سأل ابن عباس من أين أخذت السجدة في ((ص)) قال: أو ما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ﴾، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةُ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فسجدها داود فسجدها رسول الله وهل ﴿ فإذا علمت بذلك أن هارون من الأنبياء الذين أمر نبينا ◌َّ بالاقتداء بهم في سورة ((الأنعام))، وعلمت أن أمره أمر لنا؛ لأن لنا فيه الأسوة الحسنة، وعلمت أن هارون كان موفراً شعر لحيته بدليل قوله لأخيه: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى﴾؛ لأنه لو كان حالقاً لما أراد أخوه الأخذ بلحيته تبين لك من ذلك بإيضاح أن إعفاء اللحية من السمت الذي أمرنا به في القرآن العظيم، وأنه كان سمت الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم. والعجب من الذين مسخت ضمائرهم، واضمحل ذوقهم، حتى صاروا يفرون من صفات الذكورية، وشرف الرجولة، إلى خنوثة الأنوثة، ويمثلون بوجوههم بحلق أذقانهم، ويتشبهون بالنساء حيث يحاولون القضاء على أعظم الفوارق الحسية بين الذكر والأنثى وهو اللحية. وقد كان ◌َ﴾ كث اللحية، وهو أجمل الخلق وأحسنهم صورة. والرجال الذين أخذوا كنوز كسرى وقيصر، ودانت لهم مشارق الأرض ومغاربها: ليس فيهم حالق. نرجو الله أن يرينا وإخواننا المؤمنين الحق حقاً، ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه. أما الأحاديث النبوية الدالة على إعفاء اللحية، فلسنا بحاجة إلى ذكرها لشهرتها بين الناس، وكثرة الرسائل المؤلفة في ذلك، وقصدنا هنا أن نبين دليل ذلك من القرآن. وإنما قال هرون لأخيه: ﴿يَبْنَؤُّمَ﴾ لأن قرابة الأم أشد عطفاً وحناناً من قرابة الأب. وأصله يا بنؤمي بالإضافة إلى ياء المتكلم، ويطرد حذف الياء وإبدالها ألفاً وحذف الألف المبدلة منها كما هنا، وإلى ذلك أشار في الخلاصة بقوله: ٧٥٦ سورة طه: الآيتان (٩٨ - ٩٩) وفتح أو كسر وحذف اليا استمر في يا بنؤم يا بن عم لا مفر وأما ثبوت ياء المتكلم في قول حرملة بن المنذر: يا بنؤمي ويا شقيق نفسي أنت خليتني لدهر شديد فلغة قليلة. وقال بعضهم: هو لضرورة الشعر. وقوله: ﴿يَبْنَؤُمَ﴾ قرأه ابن عامر وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي بكسر الميم. وقرأه الباقون بفتحها. وكذلك قوله في ((الأعراف)): ﴿قَالَ أَبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ﴾ ... الآية [الأعراف: ١٥٠]. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ٩٨ بيّن - جلّ وعلا - في هذه الآية أن العجل الذي صنعه السامري من حلي القبط لا يمكن أن يكون إلهاً؛ وذلك لأنه حصر الإله؛ أي المعبود بحق بـ ﴿إِنَّ﴾ التي هي أداة حصر على التحقيق في خالق السموات والأرض، الذي لا إله إلا هو؛ أي لا معبود بالحق إلا هو وحده جل وعلا، وهو الذي وسع كل شيء علماً. وقوله: ﴿عِلْمًا﴾ تمييز محول عن الفاعل، أي وسع علمه كل شيء. وما ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة من أنه تعالى هو الإله المعبود بحق دون غيره، وأنه وسع كل شيء علماً ذكره في آيات كثيرة من كتابه تعالى كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ... الآية [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَّا إِلَهَ اللَّهُ﴾ ... الآية [محمد: ١٩] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في إحاطة علمه بكل شيء: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن زَيِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِيِ السَّمَآءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَآَ أَكْبَرَ إِلَّا فِ كِنَبٍ شُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١]، وقوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ اُلْغَيْدِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِى ◌ُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِ إِلََّّ فِ كِتَبٍ مُِّينٍ ﴾﴾ [الأنعام]، والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً . قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَّ﴾، الكاف في قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ في محل نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي نقص عليك من أنباء ما سبق قصصاً مثل ذلك القصص الحسن الحق الذي قصصنا عليك عن موسى وهارون، وعن موسى وقومه والسامري، والظاهر أن ((من)) في قوله: ﴿مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَّ﴾ للتبعيض، ويفهم من ذلك أن بعضهم لم يقصص عليه خبره، ويدل لهذا المفهوم قوله تعالى في سورة ((النساء)»: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤]، وقوله في سورة ((المؤمن)): ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]، وقوله في سورة (إبراهيم)): ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُّأْ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوجِ وَعَادٍ وَثَمُودٌّ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّ اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِنَاتِ﴾ [إبراهيم: ٩]. والأنباء: جمع نبأ؛ وهو الخبر الذي له شأن. ٧٥٧ سورة طه: الآية (٩٩) - وما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة من أنه قص على نبيه وَ لل أخبار الماضين؛ أي ليبين بذلك صدق نبوته؛ لأنه أمي لا يكتب ولا يقرأ الكتب، ولم يتعلم أخبار الأمم وقصصهم، فلولا أن الله أوحى إليه ذلك لما علمه، بينه أيضاً في غير هذا الموضع كقوله في ((آل عمران)»: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌّ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ [آل عمران]، أي فلولا أن الله أوحى إليك ذلك لما كان لك علم به، وقوله تعالى في سورة ((هود)) ﴿تِلكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيَهَا إِلَيْكٌ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَأَصْبِرٌّ إِنَّ الْعَقِبَةَ لِلْمُنَّقِينَ ﴾﴾ [هود]، وقوله في ((هود)) أيضاً: ﴿وَكُلَّا نَّقُصُ عَلَكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُشَيِّتُ بِهِ، فُؤَادَكٌ﴾ [هود: ١٢٠]. وقوله تعالى في سورة ((يوسف)): ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكٌ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَكُونَ (®)﴾، وقوله في ((يوسف)) أيضاً: ﴿نَحْنُ نَقُضُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اُلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنْتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ الْغَفِلِينَ (٥)، وقوله في ((القصص)): ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص: ٤٤]، وقوله فيها: ﴿وَمَا كُنْتَ بِحَانِبِ اُلتُورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص: ٤٦]، وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًّا فِى أَهْلِ مَدْيَنَ تَنْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَئِنَا﴾ [القصص: ٤٥]، إلى غير ذلك من الآيات. يعني لم تكن حاضراً يا نبي الله لتلك الوقائع، فلولا أن الله أوحى إليك ذلك لما علمته. وقوله: ﴿مِنْ أَثْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَّ﴾ أي أخبار ما مضى من أحوال الأمم والرسل. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ ءَانَيْنَكَ مِن لَّدُنَا ذِكْرًا﴾. أي أعطيناك من عندنا ذكراً وهو هذا القرآن العظيم، وقد دلت على ذلك آيات من [الأنبياء]، وقوله تعالى: كتاب الله كقوله: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكُ أَنزَلْنَهُ أَفَنْتُمْ لَهُ مُنِكِرُونَ ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْأَيَتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥)﴾ [آل عمران: ٥٨]، وقوله تعالى: ﴿مَا (٤)﴾ [الأنبياء]، وقوله: ﴿وَقَالُوا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم تُحْدَثٍ إِلَّا أُسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ، وقوله تعالى: ﴿صَّّ ﴾ وَالْقُرْءَ يَّأَيُّهَا الَّذِىِ نُزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ( ذِى الذِّكْرِ﴾ [ص: ١، ٢]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ﴾ الآية [الزخرف: ٤٤]، وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ ﴾﴾ [الحجر] إلى غير ذلك من الآيات. وقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة: ثم في تسمية القرآن بالذكر وجوه: أحدهما: أنه كتاب فيه ذكر ما يحتاج إليه الناس من أمر دينهم ودنياهم. وثانيها: أنه يذكر أنواع آلاء الله ونعمائه تعالى، ففيه التذكير والمواعظ. وثالثها: أنه فيه الذكر والشرف لك ولقومك على ما قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ﴾ [الزخرف: ٤٤]. واعلم أن الله تعالى سمى كل كتبه ذكراً فقال: ﴿فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكِرِ﴾ [النحل: ٤٣]، اهـ. المراد من كلام الرازي. ٧٥٨ سورة طه: الآيتان (١٠٠ - ١٠١) ويدل للوجه الثاني في كلامه قوله تعالى: ﴿كِنَبُ أَنزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرَكٌ لِيَدَّبَّرُوْ ءَايَتِهِ، (١﴾ [ص]، وقوله تعالى: ﴿وَصَرَّفْنَا فِهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾. وَلِيَتَذَكْرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ خَلِينَ فِيَّةٍ وَسَلّمَ لَهُمْ يَوْمَ ٢٠٠ قوله تعالى: ﴿مِّنْ أَعْرَضَ عَنّهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا اُلْقِيَامَةِ حِملًا (4)﴾، ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن من أعرض عن هذا الذكر الذي هو القرآن العظيم، أي صد وأدبر عنه، ولم يعمل بما فيه من الحلال والحرام، والآداب والمكارم، ولم يعتقد ما فيه من العقائد، ويعتبر بما فيه من القصص والأمثال، ونحو ذلك، فإنه يحمل يوم القيامة وزراً، قال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: يريد بالوزر العقوبة الثقيلة الباهظة؛ سماها وزراً تشبيهاً في ثقلها على المعاقب وصعوبة احتمالها، بالحمل الذي يفدح الحامل وينقض ظهره، ويلقي عليه بهره، أو لأنها جزاء الوزر وهو الإثم. قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: قد دلت آيات كثيرة من كتاب الله: على أن المجرمين يأتون يوم القيامة يحملون أوزارهم؛ أي أثقال ذنوبهم على ظهورهم؛ كقوله في سورة ((الأنعام)): ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِقَاءِ اللَّهِ حَتَّىَ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَحَسْرَثْنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيَهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَى ظُهُورِهِمَّ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ (٣١) [الأنعام: ٣١]، وقوله في ((النحل)): ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَئِمَةٌ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ [النحل: ٢٥]، وقوله في ((العنكبوت)): ٢٢٥ يُضِلُونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَ سَآَ مَا يَزِرُونَ ﴿وَلَيَحْمِلُكَ أَتَّقَهُمْ وَأَنْقَالًا مَعَ أَنْقَالِهِمٌّ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَقْتَرُونَ [العنكبوت: ١٣]، وقوله في ((فاطر)): ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَّ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةُ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبٌ﴾ [فاطر: ١٨]. وبهذه الآيات التي ذكرنا وأمثالها في القرآن تعلم أن معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وِزْرًا﴾، وقوله: ﴿وَسَّةَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ حِمْلًا﴾؛ أن المراد بذلك الوزر المحمول أثقال ذنوبهم وكفرهم يأتون يوم القيامة يحملونها؛ سواء قلنا: إن أعمالهم السيئة تتجسم في أقبح صورة وأنتنها، أو غير ذلك كما تقدم إيضاحه. والعلم عند الله. وقد قدمنا عمل ((ساء)) التي بمعنى بئس مراراً؛ فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقوله تعالى: ﴿خَلِينَ فِهِ﴾ قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: ﴿خَلِينَ فِيَّةٍ﴾ يريد مقيمين فيه، أي في جزائه، وجزاؤه جهنم. تنبيه: إفراد الضمير في قوله: ﴿أَعْرَضَ﴾، وقوله: ﴿فَإِنَّمُ﴾ وقوله: ﴿يَحْمِلُ﴾ باعتبار لفظ ((من)). وأما جمع ﴿خَلِينَ﴾ وضمير لهم ﴿يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ فباعتبار معنى من كقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَلِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَالِينَ فِيهَا﴾ [الطلاق: ١١]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا﴾ [الجن: ٢٣]. ٧٥٩ سورة طه: الآية (١٠٥). وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: فإن قلت: اللام في ((لهم)) ما هي؟ وبم تتعلق؟ قلت: هي للبيان كما في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]. قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنِسِفُهَا رَبِ نَسْفًا (®﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنهم يسألونه عن الجبال، وأمره أن يقول لهم: إن ربه ينسفها نسفاً؛ وذلك بأن يقلعها من أصولها، ثم يجعلها كالرمل المتهايل الذي يسيل، وكالصوف المنفوش تطيرها الرياح هكذا وهكذا. واعلم أنه - جلّ وعلا - بين الأحوال التي تصير إليها الجبال يوم القيامة في آيات من كتابه. فبين أنه ينزعها من أماكنها. ويحملها فيدكها دكاً؛ وذلك في قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَحِدَةٌ ﴿ وَعِلَتِ الْأَرْضُ وَلْجِبَالُ فَدُكَّنَا دَّةً وَحِدَةً (٣)﴾ [الحاقة: ١٣ - ١٤]. - ثم بين أنه يسيرها في الهواء بين السماء والأرض؛ وذلك في قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِى وَتَرَى الْجِبَالَ الصُّورِ فَفَرِعَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِىِ الْأَرْضِ إِلَّ مَن شَاءَ اللَّهُ وَكُلُّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ تَحْسَبِهَا جَامِدَةٌ وَهِىَ تَهُزُّ مَزَّ السَّحَابِّ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِىّ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ٨٨ [النمل]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ ... الآية [الكهف: ٤٧]، وقوله: الْجَبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ﴿وَسُيِّرَتِ (٣)﴾ [التكوير]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُِّرَتْ [النبأ]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَلُ مَوْرًا جَ وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا ﴾ [الطور]. ثم بيّن أنه يفتننها ويدقها كقوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسَّا ﴾﴾ [الواقعة]، أي فتت حتى صارت كالبسيسة، وهي دقيق ملتوت بسمن أو نحوه على القول بذلك، وقوله: ٤)﴾ [الحاقة]. ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّنَا دَكَّةً وَحِدَةً ثم بيّن أنه يصيرها كالرمل المتهايل، وكالعن المنفوش، وذلك في قوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَتِبًا مَهِيلًا (٣)﴾ [المزمل]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَآءُ كَأَهْلِ ﴾ وَتَكُونُ الجَِالُ كَأَلْعِهْنِ ﴾﴾ [المعارج]، في ((المعارج، والقارعة)). والعهن: الصوف المصبوغ؛ ومنه قول زهير بن أبي سلمى في معلقته: نزلن به حب الفنا لم يحطم كأن فتات العهن في كل منزل ثم بين أنها تصير كالهباء المنبث في قوله: ﴿وَبُتَّتِ الْجِبَالُ بَسَّا (ج فَكَانَتْ هَبَآءَ [الواقعة]، ثم بين أنها تصير سرابا، وذلك في قوله: ﴿وَسُتِرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا : [النبأ)، وقد بيّن في موضع آخر أن السراب لا شيء؛ وذلك قوله تعالى: ﴿حٌَّ إِذَا جَلَّهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] وبين أنه ينسفها نسفاً في قوله هنا: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ ١٠٥ ) اَلْجِبَالِ فَقُلْ يَنِفُهَا رَبِ نَسْفًا . تنبيه: جرت العادة في القرآن أن الله إذا قال لنبيه وَله: ﴿يَسْلُونَكَ﴾ قال له: ﴿قُلْ﴾ بغير فاء كقوله: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحَّ قُلِ الرُّوحُ﴾ ... الآية [الإسراء: ٨٥]، وقوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ ... الآية [البقرة: ٢١٩]، وقوله: ٧٦٠ سورة طه: الآيتان (١٠٦ - ١٠٧) ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونٌّ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ﴾ ... الآية [البقرة: ٢١٥]، وقوله: ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَّ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الَّيْبَتْ﴾ ... الآية [المائدة: ٤]، وقوله: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الثَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، إلى غير ذلك من الآياتِ، أما في آية (طه)) هذه فقال فيها: ﴿فَقُلْ يَنِفُهَا﴾ بالفاء. وقد أجاب القرطبي كلُّ عن هذا في تفسير هذه الآية بما نصه: ﴿ وَيَسْلُونَكَ عَنِ اَلْجِبَالِ﴾؛ أي عن حال الجبال يوم القيامة، فقل: جاء هذا بفاء، وكل سؤال في القرآن ((قل)) بغير فاء إلا هذا؛ لأن المعنى: إن سألوك عن الجبال فقل، فتضمن الكلام معنى الشرط، وقد علم الله أنهم يسألونه عنها فأجابهم قبل السؤال. وتلك أسئلة تقدمت، سألوا عنها النبي ◌َ ل# فجاء الجواب عقب السؤال؛ فلذلك كان بغير فاء. وهذا سؤال لم يسألوه عنه بعد؛ فتفهمه، انتهى منه. وما ذكره يحتاج إلى دليل، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (﴿ لَّا تَرَى فِيَهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا الضمير في قوله: ﴿فَيَذَرُهَا﴾ فيه وجهان معروفان عند العلماء: أحدهما: أنه راجع إلى الأرض وإن لم يجر لها ذكر. ونظير هذا القول في هذه الآية قوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]، وقوله: ﴿مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]، فالضمير فيهما راجع إلى الأرض ولم يجر لها ذكر. وقد بينا شواهد ذلك من العربية والقرآن بإيضاح في سورة ((النحل)) فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وثانيهما: أنه راجع إلى منابت الجبال التي هي مراكزها ومقارها لأنها مفهومة من ذكر الجبال، والمعنى فيذر مواضعها التي كانت مستقرة فيها من الأرض قاعاً صفصفاً. والقاع: المستوي من الأرض. وقيل: مستنقع الماء. والصفصف: المستوي الأملس الذي لا نبات فيه ولا بناء، فإنه على صف واحد في استوائه، وأنشد لذلك سيبويه قول الأعشى: ودكداك رمل وأعقادها وكم دون بيتك من صفصف ومنه قول الآخر: شماريخ من رضوى إذاً عاد صفصفا وملومة شهباء لو قذفوا بها ـ﴾؛ أي لا اعوجاج فيها ولا أمت. وقوله: ﴿لَّا تَرَى فِيَهَا عِوَجًا وَلَ أَمْتًا والأمت: النتوء اليسير؛ أي ليس فيها اعوجاج ولا ارتفاع بعضها على بعض، بل هي مستوية، ومن إطلاق الأمت بالمعنى المذكور قول لبيد: · في كافر ما به أمت ولا شرف فاجرمزت ثم سارت وهي لاهية وقول الآخر: فأبصرت لمحة من رأس عكرشة في كافر ما به أمت ولا عوج والكافر في البيتين: قيل الليل. وقيل المطر؛ لأنه يمنع العين من رؤية الارتفاع والانحدار في الأرض.