النص المفهرس

صفحات 681-700

٦٨١
سورة مريم: الآيتان (٧١ - ٧٢) .
وقوله تعالى في الآية الكريمة: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ يعني أن ورودهم النار
المذكور كان حتماً على ربك مقضياً، أي أمراً واجباً مفعولاً لا محالة، والحتم:
الواجب الذي لا محيد عنه .. ومنه قول أمية بن أبي الصلت الثقفي:
عبادك يخطئون وأنت رب
يكفيك المنايا والحتوم
فقوله: ((والحتوم)) جمع حتم، يعنى الأمور الواجبة التي لا بد من وقوعها. وما
ذكره جماعة من أهل العلم من أن المراد بقوله: ﴿حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ قسماً واجباً، كما روي
عن عكرمة وابن مسعود ومجاهد وقتادة وغيرهم لا يظهر كل الظهور.
واستدل من قال: إن في الآية قسماً بحديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين.
قال البخاري في صحيحه: حدثنا علي، حدثنا سفيان قال: سمعت الزهري عن سعيد بن
المسيب، عن أبي هريرة رضيًّا عن النبي ◌َّل﴾ قال: ((لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج
النار إلا تحلة القسم)) قال أبو عبد الله: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، اهـ. وقال مسلم في
صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن
المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َ لتر قال: ((لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من
الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم)). حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعمروِ الناقد،
وزهير بن حرب قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة (ح) وحدثنا عبد بن حميد، وابن رافع،
عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر كلاهما عن الزهري بإسناد مالك، وبمعنى حديثه إلا أن
في حديث سفيان: ((فيلج النار إلا تحلة القسم)»، اهـ.
قالوا: المراد بالقسم المذكور في هذا الحديث الصحيح هو قوله تعالى: ﴿وَإِن
◌ِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (﴾﴾؛ وهو معنى ما ذكرنا عن البخاري في
قوله: قال أبو عبد الله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، والذين استدلوا بالحديث المذكور على
أن الآية الكريمة قسماً اختلفوا في موضع القسم من الآية، فقال بعضهم: هو مقدر دل
عليه الحديث المذكور، أي والله وإن منكم إلا واردها. وقال بعضهم: هو معطوف على
القسم قبله، والمعطوف على القسم قسم، والمعنى فوربك لنحشرنهم والشياطين، وربك
إن منكم إلا واردها، وقال بعضهم: القسم المذكور مستفاد من قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ
حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾؛ أي قسماً واجباً كما قدمناه عن ابن مسعود ومجاهد، وعكرمة، وقتادة.
وقال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد بالقسم عادل على القطع والبت من السياق؛ فإن
قوله تعالى: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمَا مَّقْضِيًّا﴾؛ تذييل وتقرير لقوله: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾؛
وهذا بمنزلة القسم في تأكيد الإخبار، بل هذا أبلغ للحصر في الآية بالنفي والإثبات.
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: الذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - أن الآية
ليس يتعين فيها قسم؛ لأنها لم تقترن بأداة من أدوات القسم، ولا قرينة واضحة دالة
على القسم، ولم يتعين عطفها على القسم. والحكم بتقدير قسم في كتاب الله دون قرينة

٦٨٢ -
سورة مريم: الآيتان (٧٣ - ٧٤)
ظاهرة فيه زيادة على معنى كلام الله بغير دليل يجب الرجوع إليه، وحديث أبي هريرة
المذكور المتفق عليه لا يتعين منه أن في الآية قسماً؛ لأن من أساليب اللغة العربية
التعبير بتحلة القسم عن القلة الشديدة وإن لم يكن هناك قسم أصلاً. يقولون: ما فعلت
كذا إلا تحلة القسم، يعنون إلا فعلاً قليلاً جدًّا قدر ما يحلل به الحالف قسمه. وهذا
أسلوب معروف في كلام العرب، ومنه قول كعب بن زهير في وصف ناقته:
تخدي على يسرات وهي لاصقة
ذوابل مسهن الأرض تحليل
يعني أن قوائم ناقته لا تمس الأرض لشدة خفتها إلا قدر تحليل القسم، ومعلوم
أنه لا يمين من ناقته أنها تمس الأرض حتى يكون ذلك المس تحليلاً لها كما ترى.
وعلى هذا المعنى المعروف، فمعنى قوله وَله: ((إلا تحلة)) أي لا يلج النار إلا ولوجاً
قليلاً جدًّا لا ألم فيه ولا حر، كما قدمنا في حديث جابر المرفوع. وأقرب أقوال من
قالوا: إن في الآية قسماً قول من قال إنه معطوف على قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾؛ لأن
الجمل المذكورة بعده معطوفة عليه، كقوله: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَّهُمْ﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَفْرِعَنَ﴾
وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ﴾ لدلالة قرينة لام القسم في الجمل المذكورة على ذلك. أما
قوله: ﴿وَإِن ◌ِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فهو محتمل للعطف أيضاً، ومحتمل للاستئناف. والعلم
عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيَّهِمْ ءَايَتُنَا بَيِّنَتِ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوْ أَىُّ الْفَرِيِقَيْنِ خَيْرٌ
مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ﴿ وَلَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَنَّا وَرِعْيَا (®)﴾
قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿خَيْرٌ مَّقَامًا﴾ قرأه ابن كثير بضم الميم،
١﴾ قرأه قالون وابن ذكوان ((وريا)) بتشديد الياء من غير
والباقون بفتحها، وقوله :
همز. وقرأه الباقون بهمزة ساكنة بعد الراء وبعدها ياء مخففة.
ومعنى الآية الكريمة أن كفار قريش كانوا إذا يتلو عليهم رسول الله وَله وأصحابه
آيات هذا القرآن، في حال كونها بينات أي مرتلات الألفاظ، واضحات المعاني، بينات
المقاصد، إما محكمات جاءت واضحة، أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات، أو
تبيين الرسول # قولاً أو فعلاً، أو ظاهرات الإعجاز تحدى بها فلم يقدر على
معارضتها أو حججاً وبراهين.
والظاهر أن قوله: ﴿بَيِّنَتِ﴾ [البقرة: ٩٩]، حال مؤكدة؛ لأن آيات الله لا تكون إلا
كذلك. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١]، أي إذا تتلى عليهم
آيات الله في حال كونها متصفة بما ذكرنا عارضوها واحتجوا على بطلانها، وأن الحق
معهم لا مع من يتلوها بشبهة ساقطة لا يحتج بها إلا من لا عقل له. ومضمون شبهتهم
المذكورة: أنهم يقولون لهم: نحن أوفر منكم حظاً في الدنيا، فنحن أحسن منكم
منازل، وأحسن منكم متاعاً، وأحسن منكم منظراً، فلولا أننا أفضل عند الله منكم لما
آثرنا عليكم في الحياة الدنيا، وأعطانا من نعيمها وزينتها ما لم يعطكم.

٦٨٣
سورة مريم: الآيتان (٧٣ - ٧٤)
فقوله: ﴿أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا﴾؛ أي نحن وأنتم أينا خير مقاماً. والمقام على
قراءة ابن كثير بضم الميم محل الإقامة، وهو المنازل والأمكنة التي يسكنونها. وعلى
قراءة الجمهور فالمقام بفتح الميم مكان القيام وهو موضع قيامهم وهو مساكنهم
ومنازلهم. وقيل: وهو موضع القيام بالأمور الجليلة، والأول هو الصواب.
وقوله: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ أي مجلساً ومجتمعاً، والاستفهام في قوله: ﴿أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾
الظاهر أنه استفهام تقرير؛ ليحملوا به ضعفاء المسلمين الذين هم في تقشف ورثاثة هيئة
على أن يقولوا أنتم خير مقاماً وأحسن ندياً منا. وعلى كل حال فلا خلاف أن
مقصودهم بالاستفهام المذكور أنهم - أي كفار قريش - خير مقاماً وأحسن ندياً من
أصحاب النبي ◌َّ، وأن ذلك هو دليلهم على أنهم على الحق، وأنهم أكرم على الله من
المسلمين. وما في التلخيص وشروحه من أن السؤال بـ((أي)) في الآية التي نحن بصددها
سؤال بها عما يميز أحد المشتركين في أمر يعمهما كالعادة في أي غلط منهم؛ لأنهم
فسروا الآية الكريمة بغير معناها الصحيح. والصواب ما ذكرناه - إن شاء الله تعالى -
واستدلالهم هذا بحظهم في الحياة الدنيا على حظهم يوم القيامة، وأن الله ما أعطاهم
في الدنيا إلا لمكانتهم عنده، واستحقاقهم لذلك لسخافة عقولهم ذكره الله تعالى في
مواضع من كتابه كقوله تعالى عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَيَقُونَاً
إِلَيَّةٍ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ، فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾﴾ [الأحقاف]، وقوله تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضِ لِيَقُولُوَأْ أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ يَيْنِينَأُ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ
بِالشَّكِرِينَ ﴾﴾ [الأنعام]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَلًا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ
بِمُعَذَّبِينَ
(٣٥)﴾ [سبأ]، وقوله تعالى: ﴿أَيَخْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِذُهُم بِهِ، مِنْ مَالٍ وَبَنِنٌّ ®) شَارِعُ لَهُمْ فِ
اُلْخَيْرَتَّ بَل لَّا يَشْعُرُونَ ﴿٥﴾ [المؤمنون]، وقوله: ﴿أَفَرَيْتَ الَّذِىِ كَفَرَ بَِايَتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا
وَوَلَدًا (٣)﴾، وقوله: ﴿قَالَ مَّ أَظُنُّ أَنْ نَبِيدَ هَذِهِةٍ أَبَدًا (٥﴾ وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَيِن
رُدِدتُ إِلَى رَبِي لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣)﴾ [الكهف]، وقوله: ﴿وَلَيِنِ تُّجِعْتُ إِلَى رَبِّ إِنَّ لِ
عِندَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]، إلى غير ذلك من الآيات، فكل هذه الآيات دالة على
أنهم لجهلهم يظنون أن الله لم يعطهم نصيباً من الدنيا إلا لرضاه عنهم، ومكانتهم عنده،
وأن الأمر في الآخرة سيكون كذلك.
وقد أبطل الله تعالى دعواهم هذه في آيات كثيرة من كتابه كقوله تعالى في هذه
السورة الكريمة: ﴿وَلَّمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَئًا وَرِْيًّا (٣)﴾؛ والمعنى أهلكنا
قروناً كثيرة، أي أمما كانت قبلهم وهم أكثر نصيباً في الدنيا منهم، فما متعهم ما كان
عندهم من زينة الدنيا ومتاعها من إهلاك الله إياهم لما عصوا وكذبوا رسله، فلو كان
الحظ والنصيب في الدنيا يدل على رضا الله والمكانة عنده لما أهلك الذين من قبلكم،
الذين هم أحسن أثاثاً ورئياً منكم.

٦٨٤
سورة مريم: الآيتان (٧٣ - ٧٤)
هي الخبرية، ومعناها الإخبار بعدد كثير،
كَم
وقوله فى هذه الآية الكريمة :
وهي في محل نصب على المفعول به لأهلكنا، أي أهلكنا كثيراً. ((ومن)) مبينة ل(كم))
وكل أهل عصر قرن لمن بعدهم لأنهم يتقدمونهم. قيل: سموا قرناً لاقترانهم في
الوجود. والأثاث: متاع البيت. وقيل هو الجديد من الفرش. وغير الجديد منها يسمى
(الخرثي)) بضم الخاء وسكون الراء والثاء والمثلثة بعدها ياء مشددة، وأنشد لهذا
التفصيل الحسن بن علي الطوسي قول الشاعر:
تقادم العهد من أم الوليد بنا
دهراً وصار أثاث البيت خرثيا
والإطلاق المشهور في العربية هو إطلاق الأثاث على متاع البيت مطلقاً. قال
الفراء: لا واحد له. ويطلق الأثاث على المال أجمع: الإبل، والغنم، والعبيد،
والمتاع. والواحد أثاثة. وتأثث فلان: إذا أصاب رياشاً، قاله الجوهري عن أبي زيد.
وقوله: ﴿وَرِءْيًّا﴾ على قراءة الجمهور مهموزاً، أي أحسن منظر وهيئة، وهو فعل بمعنى
مفعول من رأى البصرية. والمراد به الذي تراه العين من هيأتهم الحسنة ومتاعهم
الحسن، وأنشد أبو عبيدة لمحمد بن نمير الثقفي في هذا المعنى قوله:
بذي الرئي الجميل من الأثاث
أشافتك الظعائن يوم بانوا
وعلى قراءة قالون وابن ذكوان بتشديد الياء من غير همز. فقال بعض العلماء:
معناه معنى القراءة الأولى، إلا أن الهمزة أبدلت ياء فأدغمت في الياء. وقال بعضهم:
لا همز على قراءتهما أصلاً، بل عليها فهو من الري الذي هو النعمة والترفه، من
قولهم: هو ريان من النعيم، وهي ريا منه. وعلى هذا فالمعنى أحسن نعمة وترفها،
والأول أظهر عندي. والله تعالى أعلم.
والآيات التي أبطل الله بها دعواهم هذه كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ أَنََّا نُهْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنََّا نُعْلِيٍ لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَّأْ وَلَمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (َ)﴾ [آل
عمران]، وقوله: ﴿وَمَآ أَنْوَلُكُمْ وَلَ أَوْلَئُكُمْ بِلَّى تُقَرِّيْكُرْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا
فَأُوْلَِكَ لَهُمْ جَزَّهُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِ الْغُرُفَتِ ءَامِنُونَ (﴾﴾ [سبأ]، وقوله: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ
يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِّ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينُ ﴾﴾ [القلم]،
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَاً
(®﴾ [الأنعام]، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًّا، وقد
قدمنا شيئاً من ذلك.
أُوتُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّلِسُونَ
وقول الكفار الذي حكاه الله عنهم في هذه الآية الكريمة: ﴿أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا
وَأَحْسَنُ نَدِيَّ﴾؛ الظاهر فيه أن وجه ذكرهم للمقام والندي أن المقام هو محل السكنى
الخاص لكل واحد منهم، والندي محل اجتماع بعضهم ببعض، فإذا كان كل منهما
للكفار أحسن من نظيره عند المسلمين دل ذلك على أن نصيبهم في الدنيا أوفر من
نصيب أصحاب النبي ﴿ في ذلك الوقت، ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر:

٦٨٥
سورة مريم: الآية (٧٥)
ويوم سير إلى الأعداء تأويب
يومان يوم مقامات وأندية
والمقامات: جمع مقامة بمعنى المقام، والأندية: جمع ناد بمعنى الندي وهو
مجلس القوم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِ نَادِيكُمُ الْمُنكَرِّ﴾ [العنكبوت: ٢٩]
فالنادي والندي يطلقان على المجلس، وعلى القوم الجالسين فيه. وكذلك المجلس
يطلق على القوم الجالسين، ومن إطلاق الندي على المكان قول الفرزدق:
وما قام منا قائم في ندينا
فينطق إلا بالتي هي أعرف
وقوله تعالى هنا: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾. ومن إطلاقه على القوم قوله: ﴿فَلَدْعُ نَادِيَهُ
[العلق]. ومن إطلاق المجلس على القوم الجالسين فيه قول ذي الرمة:
سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ
سواسية أحرارها وعبيدها
لهم مجلس صهب السبال أذلة
والجملة في قوله: ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَثًا وَرِعْيَا﴾: قال الزمخشري: هي في محل نصب
كُمْ﴾ ألا ترى أنك لو تركت لفظة ((هم)) لم يكن لك بد من نصب
صفة لقوله :
((أحسن)) على الوصفية، اهـ ـ وتابع الزمخشري أبو البقاء على ذلك. وتعقبه أبو حيان
في البحر بأن بعض علماء النحو نصوا على أن ((كم)) سواء كانت استفهامية أو خبرية لا
توصف ولا يوصف بها. قال: وعلى هذا يكون ((هم أحسن)) في موضع الصفة لـ((قرن))
وجمع نعت القرن اعتباراً لمعنى القرن، وهذا هو الصواب عندي لا ما ذكره الزمخشري
وأبو البقاء، وصيغة التفضيل في قوله: ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَنَا وَرِهْيَا﴾؛ تلزمها ((من)) لتجردها من
الإضافة والتعريف، إلا أنها محذوفة لدلالة المقام عليها. والتقدير: هم أحسن أثاثاً
ورئياً منهم، على حد قوله في الخلاصة:
وأفعل التفضيل صله أبداً
تقديراً أو لفظاً بمن إن جردا
فإن قيل: أين مرجع الضمير في هذه الآية الكريمة في قوله: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَثُنَا
بَيْنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ... الآية [الأحقاف: ٧]؟ فالجواب: أنه راجع إلى الكفار
المذكورين في قوله: ﴿وَيَقُولُ آلْإِنِسَنُ أَهِذَا مَا مِثُ﴾ ... الآية، وقوله: ﴿وَّنَذَرُ الَّلِمِينَ فِيهَا
ـِيًا﴾ قاله القرطبي، والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِ الضَّلَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدَّأْ حَقَّ إِذَا رَأَوْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا
اُلْعَذَابَ وَلِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌ مَّكَنَا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (9)﴾. في معنى هذه الآية
الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند العلماء، وكلاهما يشهد له قرآن:
الأول: أن الله - جلّ وعلا - أمر نبيه وَ الر في هذه الآية الكريمة أن يقول هذه
الكلمات كدعاء المباهلة بينه وبين المشركين، وإيضاح معناه: قل يا نبي الله وَلو لهؤلاء
المشركين الذين ادعوا أنهم خير منكم، وأن الدليل على ذلك أنهم خير منكم مقاماً
وأحسن منكم ندياً، من كان منا ومنكم في الضلالة أي الكفر والضلال عن طريق الحق
فليمدد له الرحمن مداً، أي فأمهله الرحمن إمهالاً فيما هو فيه حتى يستدرجه بالإمهال

٦٨٦
سورة مريم: الآية (٧٥)
ويموت على ذلك ولا يرجع عنه، بل يستمر على ذلك حتى يرى ما يوعده الله، وهو:
إما عذاب في الدنيا بأيدي المسلمين كقوله: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة:
١٤]، أو بغير ذلك، وإما عذاب الآخرة إن ماتوا وهم على ذلك الكفر، وعلى ذلك
التفسير فصيغة الطلب المدلول عليها باللام في قوله: ﴿فَلْيَمْدُدٌ﴾ على بابها، وعليه فهي
لام الدعاء بالإمهال في الضلال على الضال من الفريقين، حتى يرى ما يوعده من الشر.
وهو على أقبح حال من الكفر والضلال، واقتصر على هذا التفسير ابن كثير وابن جرير،
وهو الظاهر من صيغة الطلب في قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ ونظير هذا المعنى في القرآن قوله
تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَ نَا
وَفِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اَللَّهِ عَلَى الْكَذِينَ ﴾﴾ [آل عمران]،
لأنه على ذلك التفسير يكون في كلتا الآيتين دعاء بالشر على الضال من الطائفتين.
وكذلك قوله تعالى في اليهود: ﴿فَتَمَنَّوَأْ أَلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤]، في
((البقرة والجمعة)) عند من يقول: إن المراد بالتمني الدعاء بالموت على الكاذبين من
الطائفتين، وهو اختيار ابن كثير، وظاهر الآية لا يساعد عليه.
الوجه الثاني: أن صيغة الطلب في قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ يراد بها الإخبار عن سنة الله
في الضالين، وعليه فالمعنى: أن الله أجرى العادة بأنه يمهل الضال ويملي له فيستدرجه
بذلك حتى يرى ما يوعده وهو في غفلة وكفر وضلال.
وتشهد لهذا الوجه آيات كثيرة كقوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنََّا نُعْلِى لَهُمْ خَيْرٌ
لِأَنْفُسِهِمَّ إِنَّمَا ثُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا﴾ ... الآية [آل عمران: ١٧٨]، وقوله: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا
ذُكِّرُوا بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حََّ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوْنُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْنَةً﴾ ... الآية
[الأنعام: ٤٤]، كما قدمنا قريباً بعض الآيات الدالة عليه.
ومما يؤيد هذا الوجه ما أخرجه ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن
حبيب بن أبي ثابت قال في حرف أبي: ((قل من كان في الضلالة فإنه يزيده الله
ضلالة))، اهـ قاله صاحب الدر المنثور. ومثل هذا من جنس التفسير لا من جنس
القراءة؛ فإن قيل على هذا الوجه؛ ما النكتة في إطلاق صيغة الطلب في معنى الخبر؟
فالجواب: أن الزمخشري أجاب في كشافه عن ذلك، قال في تفسير قوله تعالى:
﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَنَّأْ﴾ أي مَدّ له الرحمن، يعني أمهله وأملى له في العمر؛ فأخرج على
لفظ الأمر إيذاناً بوجوب ذلك، وأنه مفعول لا محالة، كالمأمور به الممتثل لتنقطع
معاذير الضال، ويقال له يوم القيامة: ﴿أَوَلَمْ تُعَمِّرَّكُمْ نَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾
[فاطر: ٣٧]، أهـ محل الغرض منه. وأظهر الأقوال عندي في قوله: ﴿حََّ إِذَا رَأَوْ مَا
يُوعَدُونَ﴾؛ أنه متعلق بما قبله يليه، والمعنى: فليمدد له الرحمن مداً حتى إذا رأى ما يوعد
علم أن الأمر على خلاف ما كان يظن. وقال الزمخشري: إن ﴿حَقَّ﴾ في هذه الآية هي
التي تحكى بعدها الجمل، واستدل على ذلك بمجيء الجملة الشرطية بعدها.

٦٨٧
سورة مريم: الآية (٧٦) -
وقوله: ﴿مَا يُوعَدُونَ﴾ لفظة ﴿مَا﴾ مفعول به لـ ﴿رَأَوْ﴾. وقوله: ﴿إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا
السَّاعَةَ﴾؛ بدل من المفعول به الذي هو ﴿مَا﴾. ولفظة ﴿مِن﴾ من قوله: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ
هُوَ﴾ ... الآية، قال بعض العلماء: هي موصولة في محل نصب على المفعول به
ليعلمون. وعليه فعلم هنا عرفانية تتعدى إلى مفعول واحد، وقال بعض أهل العلم:
﴿مِن﴾ استفهامية والفعل القلبي الذي هو ((يعلمون)) معلق بالاستفهام، وهذا أظهر عندي.
وقوله: ﴿شَرِّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾؛ في مقابلة قولهم: ﴿خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيَّ﴾؛
لأن مقامهم هو مكانهم ومسكنهم. والندي: المجلس الجامع لوجوه قومهم وأعوانهم
وأنصارهم، والجند هم الأنصار والأعوان، فالمقابلة المذكورة ظاهرة. وقد دلت آية من
كتاب الله على إطلاق ((شر مكاناً))، والمراد اتصاف الشخص بالشر لا المكان، وهو
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخُ لَّهُ مِن قَبْلَّ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِ نَفْسِهِ، وَلَمْ
يُبْدِهَا لَهُوَّ قَالَ أَنْتُمْ شَرِّ مَكَانًا﴾ [يوسف: ٧٧]، فتفضيل المكان في الشر ها هنا
الظاهر أن المراد به تفضيله إخوته في الشر على نفسه فيما نسبوا إليه من شر السرقة لا
نفس المكان، اللهم إلا أن يراد بذلك المكان المعنوي، أي أنتم شر منزلة عند الله تعالى.
وقوله في هذه الآيات المذكورة: ﴿مَّقَامًا﴾ و﴿نَدِيًّا﴾ و﴿أَثَثًا﴾ و﴿مَكَانً﴾ و﴿جُنْدًا﴾
كل واحد منها تمييز محول عن الفاعل، كما أشار له في الخلاصة بقوله:
والفاعل المعني انصبن بأفعلا
مفضلاً كأنت أعلى منزلا
قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ أُهْتَدَوْ هُدَى وَالْبَقِيَتُ الصَِّحَتُ خَيْرُّ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًاً
وَخَيْرٌ مَّرَدًّا (٣)﴾. قوله - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ آَهْتَدَوْأ
هُدِّئٌ﴾؛ دليل على رجحان القول الثاني في الآية المتقدمة، وأن المعنى أن من كان في
الضلالة زاده الله ضلالة، ومن اهتدى زاده الله هدى. والآيات الدالة على هذا المعنى
كثيرة، كقوله في الضلال: ﴿فَلَمَّا زَاعُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقوله: ﴿بَلْ طَبَعَ
اللَّهُ عَلَيَّهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَّهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطُيَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾
[المنافقون: ٣]، وقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفِدَتَّهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ، أَوَّلَ مَّةٍ﴾ ...
الآية [الأنعام: ١١٠]، كما قدمنا كثيراً من الآيات الدالة على هذا المعنى.
وقال في الهدى: ﴿وَالَّذِينَ آَهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدَى وَءَانَتُهُمْ تَّقْوَنَّهُمْ ﴾﴾ [محمد]، وقال: ﴿هُوَ
الَّذِىّ أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لَِزْدَادُوَاْ إِيمَنَا مَعَ إِيَمَنِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَهَدُواْ
فِيْنَا لَنَهْدِيَنَهُمْ سُبُلَنَا﴾ ... الآية [العنكبوت: ٦٩]: وقد جمع بينهما في آيات أخر كقوله:
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّ خَسَارًا (﴾﴾ [الإسراء]،
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدِّى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ
عَلَيْهِمْ عَلَّىّ ... ) الآية [فصلت: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ
أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِةٍ إِيمَانًا فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (9) وَأَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم
[التوبة]، كما تقدم إيضاحه.
مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَفِرُونَ (٣٥)

٦٨٨
سورة مريم: الآية (٧٦)
وقوله: ﴿وَالْبَقِيَتُ الصَّالِحَتُ خَيْرُّ عِندَ رَبِّكَ نَوَبًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا﴾، تقدم إيضاحه في سورة
(الكهف))، فإن قيل: ظاهر الآية أن لفظة ((خير)) في قوله: ﴿خَيْرُ عِنْدَ رَيِّكَ ثَوَبَا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا﴾
صيغة تفضيل، والظاهر أن المفضل عليه هو جزاء الكافرين؛ ويدل على ذلك ما قاله
صاحب الدر المنثور، قال: وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿خَيْرُّ عِندَ
رَيِّكَ ثَوَابًا﴾ يعني خير جزاء من جزاء المشركين. ﴿وَخَيْرٌ مَّرَدًا﴾ يعني مرجعاً من مرجعهم
إلى النار. والمعروف في العربية أن صيغة التفضيل تقتضي مشاركة المفضل والمفضل
عليه في أصل المصدر، مع أن المفضل يزيد فيه على المفضل عليه، والخيرية منفية بتاتاً
عن جزاء المشركين وعن مردهم، فلم يشاركوا في ذلك المسلمين حتى يفضلوا عليهم.
فالجواب أن الزمخشري في كشافه حاول الجواب عن هذا السؤال بما حاصله أنه
كأنه قيل ثوابهم النار، والجنة خير منها على طريقة قول بشر بن أبي حازم :.
غضبت تميم أن تقتل عامر يوم النسار فأعتبوا بالصيلم
فقوله: ((أعتبوا بالصيلم)) يعني أرضوا بالسيف، أي لا رضى لهم عندنا إلا السيف
نقتلهم به. ونظيره قول عمرو بن معدي کرب:
تحية بينهم ضرب وجيع
وخيل قد دلفت لها بخيل
أي لا تحية بينهم إلا الضرب الوجيع. وقول الآخر:
شجعاء جرتها الذميل تلوكه
أصلا إذا راح المطي غرائاً
يعني أن هذه الناقة لا جرة لها تخرجها من كرشها فتمضغها إلا السير، وعلى هذا
المعنى فالمراد لا ثواب لهم إلا النار. وباعتبار جعلها ثواباً بهذا المعنى فضل عليها
ثواب المؤمنين، هذا هو حاصل جواب الزمخشري مع إيضاحنا له.
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: ويظهر لي في الآية جواب آخر أقرب من
هذا، وهو أنا قدمنا أن القرآن والسنة الصحيحة دلا على أن الكافر يجازى بعمله
الصالح في الدنيا، فإذا بر والديه ونفس عن المكروب، وقرى الضيف، ووصل الرحم
مثلاً يبتغي بذلك وجه الله فإن الله يثيبه في الدنيا، كما قدمنا دلالة الآيات عليه،
وحديث أنس عند مسلم. فثوابه هذا الراجع إليه من عمله في الدنيا، هو الذي فضل الله
عليه في الآية ثواب المؤمنين، وهذا واضح لا إشكال فيه. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿أَفَرَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيْنَ مَالًا وَوَلَدًا (﴾﴾. أخرج
الشيخان وغيرهما من غير وجه عن خباب بن الأرت به قال: جئت العاص بن وائل
السهمي أتقاضاه حقاً لي عنده؛ فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد وص له. فقلت: لا،
حتى تموت ثم تبعث. قال: وإني لميت ثم مبعوث؟ قلت: نعم. قال: إن لي هناك مالاً
وولداً فأقضيك؛ فنزلت هذه الآية: ﴿أَفَرَءَّيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيِّنَّ مَالًا وَوَلَدًا
﴾، وقال بعض أهل العلم: إن مراده بقوله: ﴿لَأُوْتَيَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾، الاستهزاء بالدين

٦٨٩
سورة مريم: الآيتان (٧٨ - ٧٩)
وبخباب بن الأرت ظبه، والظاهر: أنه زعم أنه يؤتى مالاً وولداً قياساً منه للآخرة على
الدنيا، كما بينا الآيات الدالة على ذلك؛ كقوله: ﴿وَلَيِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّ إِنَّ لِ عِندَهُ
لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]، وقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُمِ بِهِ، مِن ◌َالٍ وَبَنِنُّ ® ◌ُارِعُ لَمْ فِ
الآية [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦]، وقوله: ﴿وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَنْوَلًا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ
لْخَيْرَتِ﴾
(®﴾ [سبأ]، إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه. وقرأ هذا الحرف
مُعَذَّبِينَ
حمزة والكسائي ((وولداً)) بضم الواو الثانية وسكون اللام. وقرأه الباقون بفتح الواو
واللام معاً، وهما لغتان معناهما واحد كالعرب والعرب، والعدم والعدم. ومن إطلاق
العرب الولد بضم الواو وسكون اللام كقراءة حمزة والكسائي قول الحارث بن حلزة:
: قد ثمروا مالاً وولدا
ولقد رأيت معاشراً
وقول رؤبة:
لم يتخذ من ولد شيء ولدا
الحمد لله العزيز فرداً
وزعم بعض علماء العربية أن الولد بفتح الواو واللام مفرد، وأن الولد بضم الواو
وسكون اللام جمع له؛ كأسد بالفتح يجمع على أسد بضم فسكون. والظاهر عدم صحة
هذا .
ومما يدل على أن ((الولد)) بالضم ليس بجمع قول الشاعر:
فليت فلاناً كان في بطن أمه
وليت فلاناً كان ولد حمار
لأن ((الولد)» في هذا البيت بضم الواو وسكون اللام، وهو مفرد قطعاً كما ترى.
قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيِّبَ أَمِ أَتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (®َ كَلََّ﴾.
اعلم أن الله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة رد على العاص بن وائل السهمي
قوله: إنه يؤتى يوم القيامة مالاً وولداً بالدليل المعروف عند الجدليين بالتقسيم والترديد،
وعند الأصوليين بالسبر والتقسيم، وعند المنطقيين بالشرطي المنفصل.
وضابط هذا الدليل العظيم أنه متركب من أصلين: أحدهما: حصر أوصاف المحل
بطريق من طرق الحصر، وهو المعبر عنه بالتقسيم عند الأصوليين والجدليين، وبالشرطي
المنفصل عند المنطقيين.
وثانيهما: هو اختيار تلك الأوصاف المحصورة، وإبطال ما هو باطل منها وإبقاء
ما هو صحيح منها كما سترى إيضاحه - إن شاء الله تعالى - وهذا الأخير هو المعبر عنه
عند الأصوليين ((بالسبر))، وعند الجدليين ((بالترديد))، وعند المنطقيين بالاستثناء في
الشرطي المنفصل. والتقسيم الصحيح في هذه الآية الكريمة يحصر أوصاف المحل في
ثلاثة، والسبر الصحيح يبطل اثنين منها ويصحح الثالث، وبذلك يتم إلقام العاص بن
وائل الحجر في دعواه أنه يؤتى يوم القيامة مالاً وولداً.

٦٩٠ -
سورة مريم: الآيتان (٧٨ - ٧٩)
: أما وجه حصر أوصاف المحل في ثلاثة فهو أنا نقول: قولك إنك تؤتى مالاً
وولداً يوم القيامة لا يخلو مستندك فيه من واحد من ثلاثة أشياء:
الأول: أن تكون اطلعت على الغيب، وعلمت أن إيتاءك المال والولد يوم القيامة
مما كتبه الله في اللوح المحفوظ.
الثاني: أن يكون الله أعطاك عهداً بذلك، فإنه إن أعطاك عهداً لن يخلفه.
الثالث: أن تكون قلت ذلك افتراء على الله من غير عهد ولا اطلاع غيب.
وقد ذكر تعالى القسمين الأولين في قوله: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ لَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ
عَهْدًا (٣)﴾ مبطلاً لهما بأداة الإنكار. ولا شك أن كلا هذين القسمين باطل؛ لأن
العاص المذكور لم يطلع الغيب؛ ولم يتخذ عند الرحمن عهداً. فتعين القسم الثالث
وهو أنه قال ذلك افتراء على الله. وقد أشار تعالى إلى هذا القسم الذي هو الواقع
بحرف الزجر والردع وهو قوله: ﴿كَلَّا﴾ أي لأنه يلزمه، ليس الأمر كذلك، لم يطلع
الغيب، ولم يتخذ عند الرحمن عهداً، بل قال ذلك افتراء على الله؛ لأنه لو كان
أحدهما حاصلاً لم يستوجب الردع عن مقالته كما ترى. وهذا الدليل الذي أبطل به
دعوى ابن وائل هذه هو الذي أبطل به بعينه دعوى اليهود: أنهم لن تمسهم النار إلا
أياماً معدودة في سورة ((البقرة))، وصرح في ذلك بالقسم الذي هو الحق، وهو أنهم
قالوا ذلك كذباً من غير علم. وحذف في ((البقرة)) قسم اطلاع الغيب المذكور في ((مريم))
لدلالة ذكره في ((مريم)) على قصده في ((البقرة)) كما أن كذبهم الذي صرح به في ((البقرة))
لم يصرح به في ((مريم) لأن ما في ((البقرة)) يبين ما في ((مريم)) لأن القرآن العظيم پٍبين
بعضه بعضاً، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةٌ قُلْ
أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ( أَمْ نَغُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (ج)﴾ [البقرة]،
فالأوصاف هنا هي الأوصاف الثلاثة المذكورة في ((مريم)) كما أوضحنا، وما حذف منها
يدل عليه ذكره في ((مريم)) فاتخاذ العهد ذكره في ((البقرة ومريم)) معاً والكذب في ذلك
على الله صرح به في ((البقرة)) بقوله: ﴿أَمْ نَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٨٠]،
وأشار له في ((مريم)) بحرف الزجر الذي هو ﴿كلََّ﴾ واطلاع الغيب صرح به في ((مريم))
وحذفه في ((البقرة)) لدلالة ما في ((مريم)) على المقصود في ((البقرة)) كما أوضحنا. وهناك
مسائل تتعلق بالآية يرجع من أراد الزيادة لها في الأصل.
وأظهر الأقوال عندي في معنى العهد في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة : .
أَتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾؛ أن المعنى أم أعطاه الله عهداً أنه سيفعل له ذلك، بدليل قوله
تعالى في نظيره في سورة (البقرة)): ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اَللَّهُ عَهْدَهُ﴾
[البقرة: ٨٠]. وخير ما يفسر به القرآن القرآن. وقيل: العهد المذكور: العمل الصالح.
وقيل شهادة أن لا إله إلا الله.

٦٩١
سورة مريم: الآية (٨٠) -
وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْنِيِنَا
قوله تعالى: ﴿سَتَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَذَّا (9)
فَرْدًا ®﴾، ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه سيكتب ما قاله ذلك الكافر
افتراء عليه، من أنه يوم القيامة يؤتى مالاً وولداً مع كفره بالله، وأنه يمد له من العذاب
مداً. قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَذَّا﴾؛ أي يزيده عذاباً
فوق عذاب. وقال الزمخشري في الكشاف: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَذَا﴾؛ أي نطول له
من العذاب ما يستأهله؛ ونعذبه بالنوع الذي يعذب به المستهزئون. أو نزيده من العذاب
ونضاعف له من المدد، يقال: مده وأمده بمعنى، وتدل عليه قراءة علي بن أبي
طالب ربه ((ونمد له)) بالضم وأكد ذلك بالمصدر، وذلك من فرط غضب الله، نعوذ به.
من التعرض لما يستوجب غضبه، اهـ.
وأصل المدد لغة: الزيادة، ويدل لذلك المعنى قوله تعالى في أكابر الكفار الذين
كفروا وصدوا عن سبيل الله: ﴿زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ﴾ [النحل:
٨٨]، وقوله في الأتباع والمتبوعين: ﴿قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِن لَّا نَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨].
وقوله في هذه الآية: ﴿وَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ أي ما يقول: إنه يؤتاه يوم القيامة من مال
وولد، أي نسلبه منه في الدنيا ما أعطيناه من المال والولد بإهلاكنا إياه. وقيل: نحرمه
ما تمناه من المال والولد في الآخرة، ونجعله للمسلمين. ويدل للمعنى الأول قوله
تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ اَلْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴾﴾، وقوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُّحِ، وَنُمِيتُ
﴾ [الحجر]، كما تقدم إيضاحه في هذه السورة الكريمة.
وَنَحْنُ الْوَرِثُونَ فَـ
وقوله: ﴿وَيَأْنِينَا فَرْدًا﴾ أي منفرداً لا مال له ولا ولد ولا خدم ولا غير ذلك، كما
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَىْ كُمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ... [الأنعام: ٩٤]، الآية، وقال
تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ ءَاتِهِ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ فَرْدًا ﴾﴾ كما تقدم إيضاحه.
فإن قيل: كيف عبر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة بحرف التنفيس الدال على
الاستقبال في قوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾؛ مع أن ما يقوله الكافر يكتب بلا تأخير بدليل
قوله تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبُ عِيدٌ ﴾﴾﴾ [ق].
فالجواب أن الزمخشري في كشافه تعرض للجواب عن هذا السؤال بما نصه:
قلت فيه وجهان: أحدهما: سنظهر له ونعلمه أنا كتبنا قوله على طريقة قول زائد بن
صعصعة الفقعسي:
إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة
ولم تجدي من أن تقري بها بداً
أي تبين وعُلم بالانتساب أني لست بابن لئيمة، والثاني: أن المتوعد يقول
للجاني: سوف أنتقم منك، يعني أنه لا يخل بالانتصار وإن تطاول به الزمان واستأخر،
فجردها هنا لمعنى الوعيد اهـ منه بلفظه. إلا أنا زدنا اسم قائل البيت وتكملته.
وما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة من أنه يكتب ما يقول هذا الكافر

٦٩٢
سورة مريم: الآيتان (٨١ - ٨٢)
ذكر نحوه في مواضع متعددة من كتابه، كقوله تعالى: ﴿قُلِ اَللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْنُبُونَ
مَا تَمْكُرُونَ﴾ [يونس: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَجْوَنُهُمَّ بَ وَرُسُلْنَا
لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ
﴾ [الزخرف]، وقوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَبُنَ يَنْطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنِخُ
(٣)﴾ [الجاثية]، وقوله تعالى: ﴿سَتُكْنَبُ شَهَدَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩]؛
مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
وقوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الْأَنِيَآءَ بِغَيْرِ حَقِّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ اُلْحَرِيقِ﴾
[آل عمران: ١٨١]، وقوله تعالى: ﴿كَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِأَلِدِينِ
﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَفِظِينَ ﴿ كِرَامًا
﴾ [الانفطار]، وقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِنَّبُ فَتَى الْمُجْرِمِينَ
يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ
کَئِینَ
مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ نَوَيْلَنَنَا مَالِ هَذَا اُلْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنِهَا﴾
أَقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى
[الكهف: ٤٩]، وقوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبًا يَلْقَئُهُ مَنشُورًا.
بِنَفْسِكَ الْيَّوْمَ عَلَيْكَ حَسِيْبًا (وام)
﴾ [الإسراء]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَأَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةً لِيَكُونُوْ لَهُمْ عِزَّا (٨َ كَلَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ
وَيَكُونُونَ عَلَيَّهِمْ ضِدًّا (®﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الكفار المتقدم
ذكرهم في قوله: ﴿وَنَذَرُ الظَّلِمِينَ فِيهَا جِنِيًّا﴾؛ اتخذوا من دون الله آلهة؛ أي معبودات
من أصنام وغيرها يعبدونها من دون الله، وأنهم عبدوهم لأجل أن يكونوا لهم عزاً؛ أي
أنصاراً وشفعاء ينقذونهم من عذاب الله؛ كما أوضح تعالى مرادهم ذلك في قوله:
﴿وَلَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِةٍ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]،
فتقريبهم إياهم إلى الله زلفى في زعمهم هو عزهم الذي أملوه بهم وكقوله تعالى عنهم:
﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَوْنَا عِندَ اللَّهِ﴾ الآية [يونس: ١٨]. فالشفاعة عند الله عز لهم يزعمونه
كذباً وافتراء على الله كما بينه بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا
فِىِ الْأَرْضِّ سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨].
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿كَلََّّ﴾ زجر وردع لهم عن ذلك الظن الفاسد
الباطل؛ أي ليس الأمر كذلك! لا تكون المعبودات التي عبدتم من دون الله عزَّا لكم،
بل تكون بعكس ذلك؛ فيكون عليكم ضداً، أي أعواناً عليكم في خصومتكم وتكذيبكم
والتبرؤ منكم، وأقوال العلماء في الآية تدور حول هذا الذي ذكرنا، كقول ابن عباس
﴿ضِدًا﴾ أي أعواناً، وقول الضحاك ﴿ضِدًا﴾ أي أعداء ... وقول قتادة ﴿ضِذًّا﴾؛ أي
قرناء في النّار يلعن بعضهم بعضاً، وكقول ابن عطية ﴿ضِدًا﴾ يجيئهم منهم خلاف ما
أملوه فيؤول بهم ذلك إلى الذل والهوان، ضد ما أملوه من العز.
وهذا المعنى الذي ذكر الله - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة بينه أيضاً في غير
هذا الموضع كقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ الَّهِ مَن لَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
وَهُمْ عَنْ دُعَيِهِمْ غَفِلُونَ ﴿ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاءَ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَفِينَ.
[الأحقاف]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَّكُمْ لَهُ الْمُلْكُّ وَلَّذِينَ تَّدْعُونَ مِن دُونِهِ، مَا
يَمْلِكُونَ مِن فِطْمِيٍ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُواْ دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا اسْتَجَابُوْ لَكُمْ وَيَوْمَ اُلْقِيَمَةِ

٦٩٣
سورة مريم: الآيتان (٨١ - ٨٢) -
(٢٤)﴾ [فاطر]، إلى غير ذلك من الآيات، وضمير
يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِتُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ
الفاعل في قوله: ﴿سَيَكْفُرُونَ﴾ فيه وجهان للعلماء، وكلاهما يشهد له قرآن؛ إلا أن
لأحدهما قرينة ترجحه على الآخر.
الأول: أن واو الفاعل في قوله: ﴿سَيَكْفُرُونَ﴾ راجعة إلى المعبودات التي كانوا
يعبدونها من دون الله، أما العاقل منها فلا إشكال فيه. وأما غير العاقل فالله قادر على أن
يخلق له إدراكاً يخاطب به من عبده ويكفر به بعبادته إياه. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى
عنهم: ﴿َبَأْنَآَ إِلَيْكَّ مَا كَانُواْ إِيَّنَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَءَا
اٌلَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلَاءٍ شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُواْ مِن دُونِكٌ فَأَلْقَوْاْ إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ
فَكَفَى
إِنَّكُمْ لَكَذِبُونَ ﴾﴾ [النحل]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ شُرَّكَاؤُهُم مَّا كُمْ إِنَّانَا تَعْبُدُونَ
بِلَِّ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَفِينَ ﴾﴾ [يونس]، إلى غير ذلك من الآيات.
الوجه الثاني: أن العابدين هم الذين يكفرون بعبادتهم شركاءهم وينكرونها، ويدل
لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَفُهُمْ إِلََّ أَنْ قَالُواْ وَاللَّهِ رَيْنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ
[الأنعام]، وقوله عنهم: ﴿بَل لَّمْ نَكُنْ تَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ ... الآية [غافر: ٧٤]، إلى غير
ذلك من الآيات.
والقرينة المرجحة للوجه الأول أن الضمير في قوله: ﴿وَيَكُونُونَ﴾ راجع للمعبودات؛
وعليه فرجوع الضمير في: ﴿يَكْفُرُونَ﴾ [النحل: ٧٢]، للمعبودات أظهر؛ لانسجام
الضمائر بعضها مع بعض.
أما على القول الثاني فإنه يكون ضمير ﴿يَكْفُرُونَ﴾ [النحل: ٧٢] للعابدين، وضمير
﴿يَكُونُونَ﴾ [الجن: ١٩] للمعبودين، وتفريق الضمائر خلاف الظاهر، والعلم عند الله تعالى.
وقول من قال من العلماء: إن ﴿كَلََّّ﴾ في هذه الآية متعلقة بما بعدها لا بما
قبلها، وأن المعنى: ﴿كَلََّّ سَيَكْفُرُونَ﴾، أي حقًّا سيكفرون بعبادتهم، محتمل، ولكن
الأول أظهر منه وأرجح، وقائله أكثر، والعلم عند الله تعالى، وفي قوله: ﴿كَلَّأَ﴾
قراءات شاذة تركنا الكلام عليها الشذوذها .
وقوله في هذه الآية: ﴿لِتَكُونُواْ لَمُمْ عِزًا﴾ أفرد فيه العز مع أن المراد الجمع؛ لأن
أصله مصدر على حد قوله في الخلاصة:
ونعتوا بمصدر كثيراً
فالتزموا الإفراد والتذكيرا
والإخبار بالمصدر يجري على حكم النعت به، وقوله: ﴿ضِذًا﴾ مفرداً أيضاً أريد
به الجمع. قال ابن عطية: لأنه مصدر في الأصل؛ حكاه عنه أبو حيان في البحر. وقال
الزمخشري: الضد العون، وحد توحيد قوله ثالثا: ((هم يد على من سواهم)) لاتفاق
كلمتهم، وأنهم كشيء واحد لفرط تضامنهم وتوافقهم.
قوله تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَذَّ﴾. قوله: ﴿أَرْسَلْنَا

٦٩٤
سورة مريم: الآية (٨٤)
الشَّيَطِينَ﴾ ... الآية، أي سلّطانهم عليهم وقيضناهم لهم؛ وهذا هو الصواب، خلافاً
لمن زعم أن معنى: ﴿أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ﴾ ... الآية؛ أي خلينا بينهم وبينهم، ولم نعصمهم
من شرهم؛ يقال: أرسلت البعير أي خليته.
وقوله: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزَّا﴾ الأز والهز والاستفزاز بمعنى، ومعناها التهييج وشدة
الإزعاج. فقوله: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزَّا﴾ أي تهيجهم وتزعجهم إلى الكفر والمعاصي.
وأقوال أهل العلم في الآية راجعة إلى ما ذكرنا، كقول ابن عباس ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزَّ﴾؛
أي تغويهم إغواء. وكقول مجاهد ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزَّا﴾؛ أي تشليهم إشلاء، وكقول قتادة ﴿تَؤُزُّهُمْ
أَذًّا﴾ أي تزعجهم إزعاجاً .
وما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة من أنه سلط الشياطين على
الكافرين، وقيضهم لهم يضلونهم عن الحق بينه في مواضع أخر من كتابه كقوله تعالى:
﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَّةَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَا بَيْنَ أَبْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ... الآية [فصلت: ٢٥]، وقوله
تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُفَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ فَرِينٌ ﴾ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ
السَّبِيلِ﴾ ... الآية [الزخرف: ٣٦ - ٣٧]، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ◌َمِيعًا يَمَعْشَرَ أَلْجِنّ
قَدِ اُسْتَكْثَرْتُم مِّنَ اُلْإِنسِّ﴾ ... الآية [الأنعام: ١٢٨]، وقوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى الْفَيّ
ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٣)﴾ [الأعراف]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمَّ إِنَّمَا نَعُذُّ لَهُمْ عَذَّا ﴿3﴾. قوله: ﴿فَلَ بَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾؛
أي لا تستعجل وقوع العذاب بهم فإن الله حدد له أجلاً معيناً معدوداً؛ فإذا انتهى ذلك
الأجل جاءهم العذاب، فقوله: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَذَا﴾؛ أي نعد الأعوام والشهور والأيام
التي دون وقت هلاكهم، فإذا جاء الوقت المحدد لذلك أهلكناهم، والعرب تقول:
عجلت عليه بكذا إذا استعجلته منه.
1
وما ذكره - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة من أن هلاك الكفار حدد له أجل
معدود ذكره في مواضع كثيرة من كتابه كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَعْجِل لَّمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا
يُؤْعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وقوله تعالى: ﴿وَنَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابٍ
وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمَّى لََّّةَ هُ الْعَذَابُّ﴾ ... الآية [العنكبوت: ٥٣]، وقوله: ﴿وَمَا نُؤَخِرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ
مَّعْدُودٍ (٣)﴾ [هود]، وقوله: ﴿وَلَيِنْ أَخَّنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّمِ مَّعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾
[هود: ٨]، وقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ اَلَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ
﴾ [إبراهيم]، وقوله تعالى: ﴿نُمِنِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِظٍ
١٤٢
فِيهِ الْأَنْصَرُ
[٢] [لقمان]، وقوله: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَّتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ ... الآية
[البقرة: ١٢٦]، وقوله: ﴿فَهِّلِ الْكَفِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيِّدًا ﴾﴾ [الطارق] إلى غير ذلك من الآيات ..
وروي أن المأمون قرأ هذه السورة الكريمة فمر بهذه الآية وعنده جماعة من
الفقهاء؛ فأشار إلى ابن السماك أن يعظه، فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها
مدد، فما أسرع ما تنفد.

٦٩٥
سورة مريم: الآيتان (٨٥ - ٨٦) .
والأظهر في الآية هو ما ذكرنا من أن العد المذكور عد الأعوام والأيام والشهور
من الأجل المحدد.
وقال بعض أهل العلم: هو عد أنفاسهم؛ كما أشار إليه ابن السماك في موعظته
للمأمون التي ذكرنا إن صح ذلك. وعن ابن عباس ها أنه كان إذا قرأها بكى وقال:
آخر العدد: خروج نفسك، آخر العدد: فراق أهلك، آخر العدد: دخول قبرك.
وقال بعض أهل العلم: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَذَّا﴾؛ أي نعد أعمالهم لنجازيهم عليها،
والظاهر هو ما قدمنا، والعلم عند الله تعالى.
وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِنَ إِلَى جَهَنَّمَ
قوله تعالى: ﴿يَوَمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا
وِرْدًا ﴾﴾. ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن المتقين الذين كانوا يتقونه في
دار الدنيا بامتثال أمره واجتناب نهيه يحشرون إليه يوم القيامة في حال كونهم وفداً،
والوفد على التحقيق جمع وافد كصاحب وصحب، وراكب وركب. وقدمنا في سورة
((النحل)) أن التحقيق أن الفعل بفتح فسكون من صيغ جموع الكثرة للفاعل وصفاً، وبينا
شواهد ذلك من العربية، وإن أغفله الصرفيون. والوافد: من يأتي إلى الملك مثلاً في أمر
له شأن. وجمهور المفسرين على أن معنى قوله: ﴿وَفْدًا﴾ أي ركبانا. وبعض العلماء
يقول: هم ركبان على نجائب من نور من مراكب الدار الآخرة. وبعضهم يقول: يحشرون
ركباناً على صور من أعمالهم الصالحة في الدنيا في غاية الحسن وطيب الرائحة.
قال ابن كثير تغَّهُ في تفسير هذه الآية الكريمة: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو
سعيد الأشج، حدثنا ابن خالد عن عمرو بن قيس الملائي عن ابن مرزوق ﴿يَمَ نَخْشُرُ
الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ﴾﴾ قال: يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة
رآها وأطيبها ريحاً، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول: لا إلا أن الله قد
طيب ريحك، وحسن وجهك، فيقول: أنا عملك الصالح، وهكذا كنت في الدنيا حسن
العمل طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا فهلم اركبني. فذلك قوله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى
®﴾. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ
الرَّحْمَنِ وَفْدًا
وَفْدًا (®)﴾ قال: ركبانا. وقال ابن جرير: حدثني ابن المثنى، حدثني ابن مهدي عن
١٨٥
سعيد عن إسماعيل عن رجل عن أبي هريرة: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُثَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا
قال: على الإبل. وقال ابن جريج: على النجائب. وقال الثوري: على الإبل النوق.
وقال قتادة: ﴿يَوَمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ®﴾ قال: إلى الجنة.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد في مسند أبيه: حدثنا سويد بن سعيد، أخبرنا
علي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق، حدثنا النعمان بن سعيد قال: كنا جلوساً
عند علي ظُه فقرأ هذه الآية: ﴿يَوَمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (﴾﴾ قال: والله ما
على أرجلهم يحشرون. ولا يحشر الوفد على أرجلهم، ولكن بنوق لم ير الخلائق

٦٩٦
سورة مريم: الآيتان (٨٥ - ٨٦)
مثلها، عليها رحائل من ذهب فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة !! وهكذا رواه
ابن أبي حاتم، وابن جرير من حديث عبد الرحمن بن إسحاق المدني به، وزاد: عليها
رحائل من ذهب، وأزمتها الزبرجد ... ، والباقي مثله. وروى ابن أبي حاتم هنا حديثاً
غريباً جداً مرفوعاً عن علي قال: حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل
النهدي، حدثنا سلمة بن جعفر البجلي، سمعت أبا معاذ البصري يقول: إن علياً كان
؛
ذات يوم عند رسول الله وَّة، فقرأ هذه الآية: ﴿يَوْمَ تَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ﴾﴾
فقال: ما أظن الوفد إلا الركب يا رسول الله (1)؟ فقال النبي وفّر: ((والذي نفسي
بيده، إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون أو يؤتون بنوق بيض لها أجنحة وعليها
رحائل الذهب، شرك نعالهم نور يتلألأ، كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة
ينبع من أصلها عينان فيشربون من إحداهما فتغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون
من الأخرى فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبداً، وتجري عليهم نضرة النعيم
فينتهون أو فيأتون باب الجنة فإذا حلقة من ياقوت حمراء على صفائح الذهب؛ فيضربون
بالحلقة على الصفحة فيسمع لها طنين، يا علي؛ فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل
فتبعث قيمها ليفتح له فإذا رآه خر له (قال سلمة: أراه قال ساجداً) فيقول ارفع رأسك
فإنما أنا قيمك وكلت بأمرك، فيتبعه ويقفو أثره فتستخف الحوراء العجلة فتخرج من
خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه ... )) إلى آخر الحديث بطوله. وفي آخر السياق: هكذا
وقع في هذه الرواية مرفوعاً. وقد رويناه في المقدمات من كلام علي نظرته، وهو أشبه
بالصحة، والله أعلم. وركوبهم المذكور إنما يكون من المحشر إلى الجنة، أما من القبر
فالظاهر أنهم يحشرون مشاة؛ بدليل حديث ابن عباس الدال على أنهم يحشرون حفاة
عراة غرلا. هذا هو الظاهر، وجزم به القرطبي، والله تعالى أعلم.
. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَّمَ وِرْدًا (﴾﴾ السوق
معروف. والمجرمون: جمع تصحيح للمجرم، وهو اسم فاعل الإجرام، والإجرام:
ارتكاب الجريمة، وهي الذنب الذي يستحق صاحبه به النكال والعذاب. ولم يأت
الإجرام في القرآن إلا من أجرم الرباعي على وزن أفعل. ويجوز إتيانه في اللغة بصيغة
الثلاثي فتقول: جرم يجرم كضرب يضرب؛ والفاعل منه جارم، والمفعول مجروم، كما
هو ظاهر، ومنه قول عمرو بن البراقة النهمي :
وننصر مولانا ونعلم أنه
كما الناس مجروم عليه وجارم
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وِرْدًا﴾ أي عطاشاً، وأصل الورد: الإتيان
إلى الماء، ولما كان الإتيان إلى الماء لا يكون إلا من العطش أطلق هنا اسم الورد
على الجماعة العطاش، أعاذنا الله والمسلمين من العطش في الآخرة والدنيا. ومن
إطلاق الورد على المسير إلى الماء قول الراجز يخاطب ناقته:

٦٩٧
سورة مريم: الآية (٨٧)
ردي ردي ورد قطاة صما كدرية أعجبها برد الما
واختلف العلماء في العامل الناصب لقوله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ﴾ فقيل منصوب
بـ ﴿يَمْلِكُونَ﴾ بعده؛ أي لا يملكون الشفاعة يوم نحشر المتقين، واختاره أبو حيان في
البحر. وقيل: منصوب بـ((اذكر)) أو احذر مقدراً، وفيه أقوال غير ذلك ..
وهذا الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء مبيناً في غير هذا الموضع كقوله تعالى
في سورة (الزمر)): ﴿وَسِيْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حََّ إِذَا جَءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا
وَقَالَ لَهُمْ خَزَنُهَا أَلَّ يَأْتِكُمْ رُسُلُ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ رَبِّكُمْ وَيُدِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَّأَ
قِيلَ ادْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَاً
قَالُواْ بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَفِرِينَ
فَبْسَ مَنْوَى الْمُنَكِينَ * وَسِيقَ الَّذِينَ أَتَّقَوْ رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَءُوهَا وَفُتِحَتْ
أَنْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَفَنْهَا سَلَمُّ عَلَيْكِكُمْ طِبْتُمْ فَدْخُلُوهَا خَلِينَ (19)﴾ [الزمر].
قوله تعالى: ﴿لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَعَةَ إِلَّا مَنِ أَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨)﴾. قد قدمنا في
ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون في الآية وجهان
أو أوجه من التفسير كلها حق، وكل واحد منها يشهد له قرآن، فإنا نذكر الجميع وأدلته
من كتاب الله تعالى؛ لأنه كله حق، فإذا علمت ذلك فاعلم أن هذه الآية الكريمة من
ذلك النوع، قال بعض أهل العلم: الواو في قوله: ﴿لَا يَعْلِكُونَ﴾ راجعة إلى ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾
المذكورين في قوله: ﴿وَسُوقُ الْمُجْرِمِنَ إِلَى جَهَنََّ﴾ أي لا يملك المجرمون الشفاعة، أي
لا يستحقون أن يشفع فيهم شافع يخلصهم مما هم فيه من الهول والعذاب.
﴿فَمَّا تنَفْعَهُم
وهذا الوجه من التفسير تشهد له آيات من كتاب الله كقوله تعالى:
شَفَعَةُ الشَّفِعِينَ ﴾﴾ [المدثر]، وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ ﴾ وَلَا صَدِيقٍ حَيم
١٠١
[الشعراء]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْأَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ
مِنْ حَيٍ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ ﴾﴾ ... الآية [غافر]؛ وقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى﴾
[الأنبياء: ٢٨] مع قوله: ﴿وَلَا يَرَضَى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، إلى غير ذلك من الآيات.
وهذا الوجه يفهم منه بالأحرى أن المجرمين لا يشفعون في غيرهم؛ لأنهم إذا
كانوا لا يستحقون أن يشفع فيهم غيرهم لكفرهم، فشفاعتهم في غيرهم ممنوعة من باب
أولى، وعلى كون الواو في ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ راجعة إلى: ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ فالاستثناء منقطع
و((من)) في محل نصب، والمعنى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهداً يملكون الشفاعة،
أي بتمليك الله إياهم وإذنه لهم فيها. فيملكها الشافعون بما ذكرنا، ويستحقها به
المشفوع لهم، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ: إِلَّا بِإِذْنِ،﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وقال:
﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ أَرْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقال: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لَا تُغْفِى
شَفَعَهُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اَللَّهُ لِمَن يَشَّهُ وَيَرْضَى (٣)﴾ [النجم].
وقال بعض أهل العلم: الواو في قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ راجعة إلى ((المتقين
والمجرمين)) جميعاً المذكورين في قوله: ﴿يَوَمَ نَخْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (﴿ وَنَسُوقُ

٦٩٨
سورة مريم: الآية (٨٧)
الْمُجْرِنَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴾﴾؛ وعليه فالاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَنِ أَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ
عَهْدًا﴾: متصل و﴿مِن﴾ بدل من الواو في ((لا يملكون)) أي لا يملك من جميعهم أحد
الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً وهم المؤمنون، والعهد: العمل الصالح.
والقول بأنه لا إله إلا الله وغيره من الأقوال يدخل في ذلك؛ أي إلا المؤمنون فإنهم
يشفع بعضهم في بعض كما قال تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ لَّا نَفَعُ الشَّفَعَةُ إِلَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ
وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا (5)﴾، وقد بين تعالى في مواضع أخر أن المعبودات التي يعبدونها من
دون الله لا تملك الشفاعة، وأن من شهد بالحق يملكها بإذن الله له في ذلك، وهو قوله
تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ الآية [الزخرف:
٨٦]؛ أي لكن من شهد بالحق يشفع بإذن الله له في ذلك. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ
السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١) وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّنْ شُرَّكَآَبِهِمْ شُفَعَؤُاْ﴾ ... الآية [الروم: ١٢ - ١٣]،
وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَوْنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتْنَبِقُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ ... الآية
[يونس: ١٨]. والأحاديث في الشفاعة وأنواعها كثيرة معروفة، والعلم عند الله تعالى.
وفي إعراب جملة ((لا يملكون)) وجهان: الأول: أنها حالية؛ أي نسوق المجرمين
إلى جهنم في حال كونهم لا يملكون الشفاعة. أو نحشر المتقين ونسوق المجرمين في
حال كونهم لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ منهم عند الرحمن عهداً. والثاني: أنها
مستأنفة للإخبار، حكاه أبو حيان في البحر. ومن أقوال العلماء في العهد المذكور في
الآية أنه المحافظة على الصلوات الخمس، واستدل من قال ذلك بحديث عبادة بن
الصامت الذي قدمنا عند الكلام على قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ .
وقال بعضهم: العهد المذكور هو أن يقول العبد كل صباح ومساء، ((اللهم فاطر
السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الحياة بأني أشهد أن
لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمداً عبدك ورسولك، فلا تكلني إلى
نفسي؛ فإنك إن تكلني إلى نفسي تباعدني من الخير وتقربني من الشر، وإني لا أثق إلا
برحمتك. فاجعل لي عندك عهداً توفينيه يوم القيامة؛ إنك لا تخلف الميعاد))، فإذا قال
ذلك طبع الله عليها طابعاً ووضعها تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين
الذين لهم عند الله عهد؟ فيقوم فيدخل الجنة، انتهى. ذكره القرطبي بهذا اللفظ مرفوعاً
عن ابن مسعود. وذكر صاحب الدر المنثور أنه أخرجه ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم،
والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن مسعود موقوفاً عليه، وليس فيه
قوله: فإذا قال ذلك إلخ. وذكر صاحب الدر المنثور أيضاً: أن الحكيم الترمذي أخرج
نحوه مرفوعاً عن أبي بكر الصديق رضاه، والظاهر أن المرفوع لا يصح. والذي يظهر
لي أن العهد في الآية يشمل الإيمان بالله وامتثال أمره واجتناب نهيه؛ خلافاً لمن زعم
أن العهد في الآية كقول العرب: عهد الأمير إلى فلان بكذا؛ أي أمره به، أي لا يشفع
إلا من أمره الله بالشفاعة، فهذا القول ليس صحيحاً في المراد بالآية وإن كان صحيحاً

٦٩٩
سورة مريم: الآيتان (٩٦ - ٩٧).
في نفسه. وقد دلت على صحته آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ
عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِ السَّمَوَتِ لَا تُغْنِى شَفَنُهُمْ شَيْئًا إِلَّا
[النجم]، وقوله: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ
مِنْ بَعْدٍ أَن يَأْذَنَ اَللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَبَرْضَقَ (®َ﴾
أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ ... الآية،
الآيات، قد تكلمنا عليها وعلى
.. . M)
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أُمَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا
الآيات التي بمعناها في القرآن في مواضع متعددة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا .
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا
٩٦
قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يذكر
في القرآن لفظ عام ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فيه،
وقد قدمنا أمثلة متعددة لذلك فإذا علمت ذلك فاعلم أنه - جل وعلا - في هذه الآية
الكريمة ذكر أنه سيجعل لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات وداً؛ أي محبة في
قلوب عباده، وقد صرح في موضع آخر بدخول نبيه موسى - عليه وعلى نبينا الصلاة
والسلام - في هذا العموم، وذلك في قوله: ﴿وَأَلْفَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةُ مِنّ﴾ الآية. وفي حديث
أبي هريرة المتفق عليه عن النبي وسلم أنه قال: ((إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال:
يا جبريل إني أحب فلاناً فأحبه؛ قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله
يحب فلاناً فأحبوه؛ فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض. وإن الله إذا
أبغض عبداً دعا جبريل، فقال: يا جبريل إني أبغض فلاناً فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل
ثم ينادى في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، قال: فيبغضه أهل السماء، ثم
يوضع له البغضاء في الأرض))، اهـ.
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ بِلِسَانِكَ لِتُّبَشِرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ، قَوْمًا لَُّّا
ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه إنما يسر هذا القرآن بلسان هذا النبي
العربي الكريم، ليبشر به المتقين، وينذر به الخصوم الألداء وهم الكفرة، وما
تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في مواضع أخر، أما ما ذكر فيها من تيسير هذا
القرآن العظيم فقد أوضحه في مواضع أخر كقوله في سورة ((القمر)) مكرراً لذلك: ﴿وَلَقَدْ
يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذَّكْرِ فَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ ﴾ [القمر]، وقوله في آخر ((الدخان)): ﴿فَإِنَّمَا يَسَرْنَهُ
بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾﴾ [الدخان]، وأما ما ذكر فيها من كونه بلسان هذا
نَزَلَ بِهِ
النبي العربي الكريم فقد ذكره في مواضع أخر كقوله: ﴿وَإِنَُّ لَنَزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ
(9)﴾ [الشعراء]، وقوله
◌ِلِسَانٍ عَرَبٍ مُبِينٍ
١٩٤
اُلُُّعُ الْأَمِينُ ﴿ عَلَى قَلِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ
إِنَّا أَنزَلْنَهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
تعالى: ﴿الَرَّ تِلْكَ ءَايَتُ اٌلْكِتَبِ الْمُبِينِ
[يوسف]، وقوله تعالى: ﴿حمّ ﴾ وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴿ إِنَّا جَعَلْنَهُ قُزْءَانًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ
تَعْقِلُونَ ﴾﴾ [الزخرف]، وقوله تعالى: ﴿لِسَابُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا
لِسَانُ عَرَبِتٌ مُّبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، إلى غير ذلك من الآيات.

٧٠٠
- سورة طه: الآية (١) .
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لِتُبَشِرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ ... الآية قد أوضحنا
الآيات الدالة عليه في سورة ((الكهف)) وغيرها فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وأظهر
الأقوال في قوله: ﴿لَّذَّ﴾ أنه جمع الألد، وهو شديد الخصومة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ
أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، وقول الشاعر:
أبيت نجياً للهموم كأنني
. أخاصم أقواماً ذوي جدل لدا ..
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ
رِكْزًا ﴿﴾﴾. ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ [الأنعام: ٦]، في هذه الآية الكريمة هي الخبرية، وهي في
محل نصب لأنها مفعول ﴿أَهْلَكْنَا﴾، و﴿مِّن﴾ هي المبينة لـ ﴿كَمْ﴾ كما تقدم إيضاحه.
وقوله: ﴿هَلْ تُحِسُ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ﴾ أي هل ترى أحداً منهم، أو تشعر به، أو تجده
﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ أي صوتاً. وأصل الركز: الصوت الخفي؛ ومنه ركز الرمح: إذا
غيب طرفه وأخفاه في الأرض. ومنه الركاز: وهو دفن جاهلي مغيب بالدفن في
الأرض، ومن إطلاق الركز على الصوت قول لبيد في معلقته:
عن ظهر غيب والأنيس سقامها
فتوجست ركز الأنيس فراعها
وقول طرفة في معلقته:
لركز خفي أو لصوت مندد
وصادقتا سمع التوجس للسرى
وقول ذي الرمة :
بنبأة الصوت ما في سمعه كذب
إذا توجس ركزا مقفر ندس
والاستفهام في قوله: ﴿مَلْ﴾ يراد به النفي، والمعنى أهلكنا كثيراً من الأمم
الماضية فما ترى منهم أحد ولا تسمع لهم صوتاً، وما ذكره في هذه الآية من عدم رؤية
أشخاصهم، وعدم سماع أصواتهم، ذكر بعضه في غير هذا الموضع كقوله في عاد:
﴿فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّنْ بَاقِيَةٍ ﴾﴾ [الحاقة]، وقوله فيهم: ﴿فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَبِّ إِلَّا مَسَكِنُهُمْ﴾
[الأحقاف: ٢٥]، وقوله: ﴿فَكَيِّنِ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةُ عَلَى
٤٥)
عُرُوشِهَا وَيَثْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ
[الحج]، إلى غير ذلك من الآيات.
براس الرحمن الرحيم
سورة طه
قوله تعالى: ﴿طه (@)
أظهر الأقوال فيه عندي أنه من الحروف المقطعة في أوائل السور، ويدل لذلك
أن الطاء والهاء المذكورتين في فاتحة هذه السور، جاءتا في مواضع أخر لا نزاع