النص المفهرس
صفحات 661-680
٦٦١ سورة مريم: الآيتان (٥١ - ٥٢) - شمال. وقال ابن كثير في قوله: ﴿نُودِىَ مِن شَطِ الْوَادِ آلْأَيْمَنِ﴾ [النمل: ٣٠] أي من جانب الوادي مما يلي الجبل عن يمينه من ناحية الغرب؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص: ٤٤] فهذا مما يرشد إلى أن موسى قصد النار إلى جهة القبلة والجبل الغربي عن يمينه، اهـ منه، وهو معنى قوله: ﴿وَنَدَيْنَهُ مِن ◌َانِبِ الْكُورِ الْأَيََّنِ﴾، وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِحَانِبِ الْتُورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص: ٤٦]. والنداء المذكور في جميع الآيات المذكورة نداء الله له؛ فهو كلام الله أسمعه نبيه موسى، ولا يعقل أنه كلام مخلوق، ولا كلام خلقه الله في مخلوق كما يزعم ذلك بعض الجهلة الملاحدة؛ إذ لا يمكن أن يقول غير الله: ﴿إِنَّهُ، أَنَا اللَّهُ الْعَبِزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل: ٩]، ولا أن يقول: ﴿إِنَِّىّ أَنَا اللَّهُ لَآ إَِهَ إِلَّ أَنَا فَأَعْبُدْنِ﴾ [طه: ١٤]، ولو فرض أن الكلام المذكور قاله مخلوق افتراء على الله، كقول فرعون: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] على سبيل فرض المحال، فلا يمكن أن يذكره الله في معرض أنه حق وصواب فقوله: ﴿إِنَّنِّ أَنَ اَللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَأَعْبُدْنِ﴾ [طه: ١٤]، وقوله: ﴿إِنَّهُ، أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ اٌلْحَكِيمُ﴾ [النمل: ٩] صريح في أن الله هو المتكلم بذلك صراحة لا تحتمل غير ذلك؛ كما هو معلوم عند من له أدنى معرفة بدين الإسلام. وقوله تعالى: ﴿مِن شَطِ الْوَادِ آلْأَيْمَنِ فِى الُْقْعَةِ الْمُبَرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص: ٣٠]، قال الزمخشري في الكشاف: ((من)) الأولى والثانية لابتداء الغاية؛ أي أتاه النداء من شاطئ الوادي من قبل الشجرة و﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص: ٣٠]، بدل من قوله: ﴿مِن شَطٍِ أَلْوَادِ﴾ [القصص: ٣٠] بدل اشتمال؛ لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطئ كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾ [الزخرف: ٣٣]. وقال القرطبي تَُّ في تفسير قوله تعالى: ﴿نُودِىَ مِن شَطِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ ... الآية [القصص: ٣٠]: قال المهدوي: وكلم الله تعالى موسى ظلّل من فوق عرشه، وأسمعه كلامه من الشجرة على ما شاء، انتهى منه. وشاطئ الوادي جانبه. وقال بعض أهل العلم: معنى ((الأيمن)) في قوله: ﴿مِن شَطِ الْوَادِ الْأَتْمَنِ﴾ [القصص: ٣٠]. وقوله: ﴿وَنَدَيْنَهُ مِنْ جَلِ اٌلُورِ الْأَيْمَنِ﴾ من اليمن وهو البركة؛ لأن تلك البلاد بارك الله فيها. وأكثر أهل العلم على أن النار التي رآها موسى ((نور)) وهو يظنها ناراً. وفي قصته أنه رأى النار تشتعل فيها وهي لا تزداد إلا خضرة وحسناً. قيل: هي شجرة عوسج. وقيل: شجرة عليق. وقيل: شجرة عناب. وقيل: سمرة، والله تعالى أعلم. وقوله تعالى في سورة ((النمل)): ﴿فَلَّا جَاءَهَا نُودِىَ أَنَّ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل: ٨]، اختلفت عبارات المفسرين في المراد ب﴿مَنْ فِ النَّارِ﴾ في هذه الآية من سورة ((النمل)) فقال بعضهم: هو الله - جلّ وعلا - وممن روى عنه هذا القول: ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب قالوا: ﴿بُورِكَ مَن فِ النَّارِ﴾ أي تقدس الله ٦٦٢ سورة مريم: الآيتان (٥١ - ٥٢) وتعالى، وقالوا: كان نور رب العالمين في الشجرة. واستدل من قال بهذا القول بحديث أبي موسى الثابت في الصحيح: أن النبي وَلّ قال: ((إن الله ◌َ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل. حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)). قال مقيده - عفا الله عنه -: وهذا القول بعيد من ظاهر القرآن. ولا ينبغي أن يطلق على الله أنه في النار التي في الشجرة؛ سواء قلنا: إنها نار أو نور، سبحانه - جلّ وعلا - عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله! وتأويل ذلك بـ﴿مَن فِ النَّارِ﴾ [النمل: ٨]، سلطانه وقدرته لا يصح؛ لأن صرف كتاب الله عن ظاهره المتبادر منه لا يجوز إلا بدليل يجب الرجوع إليه من كتاب الله أو سنة نبيه وال# وبه تعلم أن قول أبي حيان في ((البحر المحيط)): قال ابن عباس، وابن جبير، والحسن وغيرهم: أراد بمن في النار ذاته، وعبر بعضهم بعبارات شنيعة مردودة بالنسبة إلى الله تعالى. وإذا ثبت ذلك عن ابن عباس ومن ذكر أول على حذف؛ أي بورك من قدرته وسلطانه في النار، اهـ أنه أصاب في تنزيهه لله عن تلك العبارات، ولم يصب فيما ذكر من التأويل. والله أعلم. وقال بعضهم: إن معنى ﴿بُورِكَ مَن فِ النَّارِ﴾ أي بوركت النار لأنها نور. وبعده عن ظاهر القرآن واضح كما ترى. وقال بعضهم: ﴿أَنْ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ﴾ أي بوركت الشجرة التي تتقد فيها النار. وبعده عن ظاهر القرآن أيضاً واضح كما ترى. وإطلاق لفظة ((من)) على الشجرة وعلى ما في النار من أمر الله غير مستقيم في لغة العرب التي نزل بها القرآن العظيم كما ترى. وأقرب الأقوال في معنى الآية إلى ظاهر القرآن العظيم قول من قال: إن في النار التي هي نور ملائكة وحولها ملائكة وموسى، وأن معنى ﴿أَنْ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ﴾؛ أي الملائكة الذين هم في ذلك النور ومن حولها؛ أي وبورك الملائكة الذين هم حولها، وبورك موسى لأنه حولها معهم، وممن يروى عنه هذا السدي. وقال الزمخشري (في الكشاف): ومعنى ﴿أَنْ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾، بورك من في مكان النار ومن حول مكانها، ومكانها البقعة التي حصلت فيها، وهي البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى: ﴿نُودِىَ مِن شَطِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِى الْبُفْعَةِ الْمُبَرَكَةِ﴾ [النمل: ٣٠]، وتدل عليه قراءة أبي: ((أن تباركت النار ومن حولها)). وعنه ((بوركت النار)). وقال القرطبي تَخْتُ في قوله: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِ النَّارِ﴾ [النمل: ٨]: وهذا تحية من الله لموسى، وتكرمة له كما حيىّ إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا إليه قال: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ اَلْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣]. وقوله: ﴿مَن فِ النَّارِ﴾ نائب فاعل ((بورك)) والعرب تقول: باركك الله، وبارك فيك، وبارك عليك، وبارك لك؛ فهي أربع لغات. قال الشاعر: وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب قبورکت مولوداً وبورکت ناشئا وقال أبو طالب بن عبد المطلب يرثى مسافر بن أبي عمرو بن أمية: ٦٦٣ سورة مريم: الآيتان (٥١ - ٥٢) ـ وليت يقولها المحزون ليت شعري مسافر بن أبي عمـ بورك الميت الغريب كما بورك تبع الرمان والزيتون وقال آخر : إذا ذكروا ونحن لك الفداء فبورك في بنيك وفي بنيهم والآيات في هذه القصة الدالة على أنه أراه آية اليد والعصا ليتمرن على ذلك قبل حضوره عند فرعون وقومه، وأنه ولى مدبراً خوفاً منها في المرة الأولى لما صارت ثعباناً، جاءت في مواضع متعددة، كقوله تعالى في سورة (طه)): ﴿قَالَ أَلْفِهَا يَمُوسَى فَأَلْقَنْهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٣٥) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَّخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرَتَهَا اُلْأُوْلَى ﴾ وَأَضْمُمْ يَدََ إِلَى جَنَلِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءُ مِنْ غَيْرِ سُوْءِ ءَايَةً أُخْرَى (٣)﴾ [طه]. فقوله: ((ولا تخف)) يدل على أنه فزع منها لما صارت ثعباناً مبيناً، كما جاء مبيناً في ((النمل والقصص)). وقوله في آية ((طه)) هذه: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوْءٍ﴾ [طه: ٢٢]، أي من غير برص، وفيه ما يسميه البلاغيون احتراساً، وكقوله تعالى في سورة (النمل)): ﴿يَمُوسَىّ إِنَّهُ، أَنَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ وَأَلْقِ عَصَالَهْ إِلَّا فَلَمَّا رَءَاهَا تَهَرُّ كَأَنَّهَا جَنٌ وَلَى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبَّ يَمُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّ لَا يَخَافُ لَدَّ الْمُرْسَلُونَ (9) مَنْ ظَلَ ثُرَّ بَّلَ حُسْنَا بَعْدَ سُوْءٍ فَإِنِ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِىِ حَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءُ مِنْ غَيْرِ سُوءٌ﴾ ... الآية [النمل: ٩ -١٢]، وقوله في ((القصص)): ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكٌ فَلَمَّا رَءَاهَا نَهَرُ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبَّ يَمُوسَى أَقِلْ وَلَا تَخَفَّ إِنَّكَ مِنَ الْأَمِينَ ﴿﴿ أَسْلُكْ يَدَكَ فِ جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوْءٍ وَأَضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ زَّيِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِبْهِ: إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ (3)﴾. والبرهانان المشار إليهما بقوله: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَنَانِ﴾ [القصص: ٣٢]، هما اليد والعصا؛ فلما تمرن موسى على البرهانين المذكورين، وبلغ الرسالة هو وأخوه إلى فرعون وملئه طالبوه بآية تدل على صدقه فجاءهم بالبرهانين المذكورين، ولم يخف من الثعبان الذي صارت العصا إياه كما قال تسعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُّبِينٍ (٣٥) قَالَ فَأْتِ بِهِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ (4) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴿ وَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِنَّظِرِينَ (٣)﴾ [الشعراء]، ونحوها من الآيات. وقوله في ((النمل، والقصص)): ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل: ١٠]؛ أي لم يرجع مِن فراره منها؛ يقال: عقب الفارس إذا كرَّ بعد الفرار. ومنه قوله: ولا نزلوا يوم الكريهة منزلا فما عقبوا إذ قيل هل من معقب وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَقَرَّتَهُ نَجِيًّا﴾ أي قرب الله موسى في حال كونه نجياً، أي مناجياً لربه. وإتيان الفعيل بمعنى المفاعل كثير كالعقيد والجليس. وقال ابن كثير - رحمه الله تعالى - في تفسير هذه الآية: روى ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى هو القطان، حدثنا سفيان عن عطاء بن يسار، عن سعيد بن جبير، عن ابن ٦٦٤ سورة مريم: الآيتان (٥٣ - ٥٤) عباس ﴿وَقَرَبَّنَهُ فِيًّا﴾ قال: أدنى حتى سمع صريف القلم. وهكذا قال مجاهد وأبو العالية وغيرهم. يعنون صريف القلم بكتابة التوراة. وقال السدي ﴿وَقَرَّتَهُ فِيًّا﴾ قال: أدخل في السماء فكلم. وعن مجاهد نحوه. وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة ﴿وَقَرَّبْنَهُ نِيًّا﴾ قال: نجياً بصدقه، اهـ، محل الغرض من كلام ابن كثير - رحمه الله تعالى -. وقوله تعالى في طه: ﴿أَشْدُدْ بِهِ= أَزْرِى (٣)﴾ [طه]، أي قونى به. والأزر: القوة: وآزره: أي قواه. وقوله في القصص: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيَكَ﴾ [القصص: ٣٥]، أي سنقويك به؛ وذلك لأن العضد هو قوام اليد؛ وبشدتها تشتد اليد، قال طرفة: أبني لبيني لستمو بيد إلا يدليست لها عضد وقوله: ﴿رِدْءًا﴾ [القصص: ٣٤]، أي معيناً؛ لأن الردء اسم لكل ما يعان به، ويقال ردأته أي أعنته. قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَئِنَا أَخَاهُ هَرُونَ نِيًّا (69)﴾. معنى الآية الكريمة أن الله وهب لموسى نبوة هارون، والمعنى أنه سأله ذلك فأتاه سؤله، وهذا المعنى أوضحه تعالى في آيات أخر كقوله في سورة ((طه)) عنه: ﴿وَأَجْعَل لِ وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِ ﴿٣َ هَرُونَ أَخِى (٣٥) آشْدُدْ ◌ِ أَزْرِى ® وَأَشْرِكُهُ فِيَّ أَمْرِىِ (*) إلى قوله: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى ﴾ [طه]، وقوله في ((القصص)): ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَثَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِّى لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُتِيِّ إِّ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيَكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَّا ٣٤٦ أَخَافُ أَن يُكَذِبُونِ ◌ِثَايَتِنَّأُ أَنْتُمَا وَمَنِ أَتَبَعَكُمَا الْغَلِبُونَ (٣٥)﴾ [القصص]، وقوله في سورة ((الشعراء)): ﴿وَإِذْ نَادَى ﴿ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَنَّقُونَ ﴾ قَالَ رَبِّ ◌ِنَّ أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ فَ) رَبُّكَ مُوسَى أَنِ أَنْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ وَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَطَلِّقُ لِسَانِ فَأَرْسِلْ إِلَى هَرُونَ ﴿ وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنْبُ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٨) قَالَ كَلَّ فَأَذْهَبَا بِهَايَئِنَاً إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ ﴿ فَأَنِيَا فِرْعَوَنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ [الشعراء]، فهذه الآيات تبين أنه سأل ربه أن يرسل معه أخاه، فأجاب ربه - جلّ وعلا - سؤاله في ذلك، وذلك يبين أن الهبة في قوله: ((ووهبنا)) هي في الحقيقة واقعة على رسالته لا على نفس هرون؛ لأن هرون أكبر من موسى، كما قاله أهل التاريخ. قوله تعالى: ﴿وَذَّكُرْ فِ الْكِتَبِ إِسْمَعِيلٌ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نِيًّا ٥٤ أمر الله - جلّ وعلا - نبيه ◌َ له في هذه الآية الكريمة أن يذكر في الكتاب وهو هذا القرآن العظيم (جده إسماعيل)، وأثنى عليه - أعني إسماعيل - بأنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً، ومما يبين من القرآن شدة صدقه في وعده أنه وعد أباه بصبره له على ذبحه ثم وفى بهذا الوعد، ومن وفى بوعده في تسليم نفسه للذبح فإن ذلك من أعظم الأدلة على عظيم صدقه في وعده قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَبُنَّ إِّ أَرَىْ فِ الْمَنَامِ أَنِّ أَذْبُكَ (٢)﴾ [الصافات] فهذا فَأَنْظُرْ مَاذَا تَرَدَّ قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرِّ سَتَجِدُنِىِّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَِّينَ ٦٦٥ سورة مريم: الآية (٥٨) - بـ (١٥) ﴾ [الصافات]، والتحقيق وعده. وقد بين تعالى وفاءه به فى قوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ أن الذبيح هو إسماعيل، وقد دلت على ذلك آيتان من كتاب الله تعالى دلالة واضحة لا لبس فيها. وسنوضح ذلك - إن شاء الله - غاية الإيضاح في سورة ((الصافات)) .. وثناؤه - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة على نبيه إسماعيل بصدق الوعد يفهم من دليل خطابه - أعني مفهوم مخالفته - أن إخلاف الوعد مذموم، وهذا المفهوم قد جاء مبيناً في مواضع أخر من كتاب الله تعالى كقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فىِ قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمٍ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ (®)﴾ [التوبة]. وقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴿ كَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾﴾ [الصف]، إلى غير ذلك من الآيات. وفي الحديث: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)). وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوْةِ وَالزَّكَوَةِ﴾، قد بيّن في مواضع أخر أن نبينا . كان يفعل ذلك الذي أثنى الله به على جده إسماعيل كقوله تعالى: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ وَأَصْطَّبِرْ عَلَيًْ﴾ ... الآية [طه: ١٣٢]، ومعلوم أنه امتثل هذا الأمر، وكقوله: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِكُمْ نَارًا﴾ ... ،الآية [التحريم: ٦]، ويدخل في ذلك أمرهم أهليهم بالصلاة والزكاة؛ إلى غير ذلك من الآيات وللعلماء أقوال في المسألة يُرجع من أراد الوقوف عليها للأصل وخلاصة رأي الشيخ فيها: أن إخلاف الوعد لا يجوز لكونه من علامات المنافقين ولأن الله يقول وَكَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾﴾ وظاهر عمومه يشمل إخلاف الوعد ولكن الواعد إذا امتنع من إنجاز الوعد لا يحكم عليه به ولا يلزم به جبراً بل يؤمر به ولا يجبر عليه لأن أكثر علماء الأمة على أنه لا يجبر على الوفاء به لأنه وعد بمعروف محض والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَئِم مِنَ النَّبِيْنَ مِنْ ذُرِيَّةِ ءَآدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِيَّةِ إِنْزَهِيمَ وَإِسْرَِّيلَ وَمِمَنْ هَدَيْنَا وَأَجْتَبَيْنَاْ إِذَا نُغْلَى عَلَيْهِمْ ءَيْتُ الرَّحْمَنِ خَرُواْ سُجَّدًا وَبَكَِّ (﴾﴾ الإشارة في قوله: ﴿أُوْلَكَ﴾ راجعة إلى الأنبياء المذكورين في هذه السورة الكريمة، وقد بين الله هنا أنه أنعم عليهم واجتباهم وهداهم، وزاد على هذا في سورة (النساء)) بيان جميع من أنعم عليهم من غير الأنبياء في قوله: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا (٣)﴾ [النساء]. وبيّن في سورة الفاتحة: أن صراط الذين أنعم عليهم غير صراطٍ المغضوب عليهم ولا الضالينِ في قولهِ: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ ) صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾﴾ [الفاتحة]. وقال ابن كثير تخلّفُهُ في تفسير هذه الآية الكريمة: قال السدي وابن جرير - رحمهما الله -: فالذي عني به من ذرية آدم: ((إدريس)). ٦٦٦ -- سورة مريم: الآية (٥٨). والذي عني به من ذرية من حملنا مع نوح: ((إبراهيم)). والذي عني به من ذرية إبراهيم: ((إسحاق ويعقوب وإسماعيل)). والذي عني به من ذرية إسرائيل: ((موسى وهارون وزكريا .ويحيى وعيسى ابن مريم)). قال ابن جرير: ولذلك فرق أنسابهم وإن كان يجمع جميعهم آدم؛ لأن فيهم من ليس من ولد من كان مع نوح في السفينة وهو إدريس فإنه جد نوح. قلت: هذا هو الأظهر، أن إدريس في عمود نسب نوح - عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام - وقد قيل: إنه من أنبياء بني إسرائيل أخذاً من حديث الإسراء حيث قال في سلامه على النبي ◌ّر: مرحباً بالنبي الصالح، والأخ الصالح، ولم يقل والولد الصالح، كما قال آدم وإبراهيم - عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام - انتهى الغرض من كلام ابن كثير - رحمه الله تعالى -. وقال ابن كثير أيضاً في تفسير هذه الآية الكريمة: يقول تعالى هؤلاء النبيون، وليس المراد المذكورين في هذه السورة فقط؛ بل جنس الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - استطرد من ذكر الأشخاص إلى الجنس، إلى أن قال في آخر كلامه: ومما يؤيد أن المراد بهذه الآية جنس الأنبياء أنها كقوله تعالى في سورة ((الأنعام)): ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَّ ءَاتَّيْتَهَا إِنْزَهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ، نَرْفَعُ دَرَجَتٍ مَن ◌َّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمُ عَلِيمٌ ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبِّ كُلَّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلٌ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ﴾. إلى قوله: ﴿أُوْلَّيْكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَنُهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: ٨٣ - ٩٠] اهـ. وقد قال تعالى في صفة هؤلاء المذكورين في ((الأنعام)): ﴿وَأَجْتَبَيْنَهُ وَهَدَيْنَهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيٍ﴾ [الأنعام: ٨٧]. كما قال في صفة هؤلاء المذكورين في سورة ((مريم)) ﴿وَمِمَنْ هَدَيْنَا وَأَجْنَبَيْنَآَ﴾ وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِذَا نُثَى عَلَيْهِمْ ءَيَتُ الرَّحْمَنِ خَرُواْ سُجَّدًا وَيُكِيًّا﴾ بين فيه أن هؤلاء الأنبياء المذكورين إذا تتلى عليهم آيات ربهم بكوا وسجدوا. وأشار إلى هذا المعنى في مواضع أخر بالنسبة إلى المؤمنين لا خصوص الأنبياء، كقوله تعالى: ﴿قُلْ ءَامِنُواْ بِّ أَوْ لَا تُؤْمِنُوْاْ إِنَّ الَّذِينَ أُوْنُوْ اَلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ وَيَخِزُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ ٢٠٨ وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَيِّنَا إِن كَنَ وَعْدُ رَيِّنَا لَمَفْعُولًا سُجَّدًا خُشُوعًا؟ (٤)﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩]، وقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا مُّتَشَبِهَا مَّثَانِىَ نَفْشَعِرُ مِنْهُ جُدُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]. فكل هذه الآيات فيها الدلالة على أنهم إذا سمعوا آيات ربهم تتلى تأثروا تأثراً عظيماً، يحصل منه لبعضهم البكاء والسجود، ولبعضهم قشعريرة الجلد ولين القلوب والجلود، ونحو ذلك. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيُّكِيًّ﴾ جمع باك. وعن عمر بن ٦٦٧ سورة مريم: الآيتان (٥٩ - ٦٠) - الخطاب وظ به أنه قرأ هذه الآية من سورة ((مريم)) فسجد وقال: هذا السجود، فأين البكى؟ يريد البكاء. وهذا الموضع من عزائم السجود بلا خلاف بين العلماء في ذلك. ﴿﴿ فَلَفَ مِنْ بَعْدِهِ خَلْفُّ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ وَتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِّ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا قوله تعالى: ٦٠ ٥٩ إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَأُوْلَكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا الضمير في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِم﴾ راجع إلى النبيين المذكورين في قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَِّيْنَ مِن ذُرِيَّةٍ ،َدَمَ وَمِمَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ ... الآية، أي فخلف من بعد أولئك النبيين خلف، أي أولاد سوء. قال القرطبي كَّفُ في تفسير سورة ((الأعراف)): قال أبو حاتم: الخلف - بسكون اللام -: الأولاد، الواحد والجمع فيه سواء. والخلف - بفتح اللام - البدل ولداً كان أو غريباً. وقال ابن الأعرابي: الخلف - بالفتح - الصالح. وبالسكون: الطالح. قال لبيد: ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب ومنه قيل للرديء من الكلام: خلف؛ ومنه المثل السائر: ((سكت ألفاً ونطق خلفاً)). فخلف في الذم بالإسكان. وخلف بالفتح في المدح. هذا هو المستعمل المشهور؛ قال والر: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله)) وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر؛ قال حسان بن ثابت څبه: لأولنا فى طاعة الله تابع لنا القدم الأولى إليك وخلفنا وقال آخر: أغلق عنا بابه ثم حلف إنا وجدنا خلفاً بئس الخلف عبداً إذا ما ناء بالحمل وقف لا يدخل البواب إلا من عرف ويروى خضف، أي ردم، انتهى منه. والردم: الضراط . ومعنى الآية الكريمة أن هذا الخلف السيء الذي خلف من بعد أولئك النبيين الكرام، كان من صفاتهم القبيحة: أنهم أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، واختلف أهل العلم في المراد بإضاعتهم الصلاة، فقال بعضهم: المراد بإضاعتها تأخيرها عن وقتها. وممن يروى عنه هذا القول: ابن مسعود، والنخعي، والقاسم بن مخيمرة، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: إن هذا القول هو الصحيح. وقال بعضهم: إضاعتها الإخلال بشروطها، وممن اختار هذا القول الزجاج، وقال بعضهم: المراد بإضاعتها جحد وجوبها؛ ويروى هذا القول وما قبله عن محمد بن كعب القرظي. وقيل: إضاعتها في غير الجماعات. وقيل: إضاعتها تعطيل المساجد، والاشتغال بالصنائع والأسباب. قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: وكل هذه الأقوال تدخل في الآية؛ لأن تأخيرها عن وقتها، وعدم إقامتها في الجماعة، والإخلال بشروطها، وجحد وجوبها، ٦٦٨ سورة مريم: الآيتان (٥٩ - ٦٠) وتعطيل المساجد منها كل ذلك إضاعة لها، وإن كانت أنواع الإضاعة تتفاوت، واختلف العلماء أيضاً في الخلف المذكورين من هم؟ فقيل: هم اليهود. ويروى عن ابن عباس ومقاتل. وقيل: هم اليهود والنصارى، ويروى عن السدي. وقيل: هم قوم من أمة محمد* يأتون عند ذهاب الصالحين منها، يركب بعضهم بعضاً في الأزقة زنى. ويروى عن مجاهد وعطاء وقتادة ومحمد بن كعب القرظي. وقيل: إنهم البربر. وقيل: إنهم أهل الغرب. وفيهم أقوال أخر. قال مقيده - عفا الله عنه -: وكونهم من أمة محمد وَلو ليس بوجيه عندي؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٦٩]، صيغة تدل على الوقوع في الزمن الماضي، ولا يمكن صرفها إلى المستقبل إلا بدليل يجب الرجوع إليه كما ترى، والظاهر أنهم اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار الذين خلفوا أنبياءهم وصالحيهم قبل نزول الآية، فأضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، وعلى كل حال فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات يدخلون في الذم والوعيد المذكور في هذه الآية. واتباع الشهوات المذكور في الآية عام في اتباع كل مشتهى يشغل عن ذكر الله وعن الصلاة، وعن علي ظه: من بنى المشيد، وركب المنظور، ولبس المشهور، فهو ممن اتبع الشهوات. وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾؛ اعلم أولاً أن العرب تطلق الغي على كل شر. والرشاد على كل خير. قال المرقش الأصغر: فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره. ومن يغو لا يعدم على الغي لائما فقوله: ((ومن يغو)) يعني ومن يقع في شر، والإطلاق المشهور هو أن الغي الضلال. وفي المراد بقوله: ((غيا)) في الآية أقوال متقاربة، منها أن الكلام على حذف مضاف، أي فسوف يلقون جزاء غي، ولا شك أنهم سيلقون جزاء ضلالهم، وممن قال بهذا القول: الزجاج. ونظير هذا التفسير قوله تعالى: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]، عند من يقول: إن معناه يلق مجازاة آثامه في الدنيا، ويشبه هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ تَارًا﴾ [النساء: ١٠]، وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة: ١٧٤]؛ فأطلق النار على ما أكلوا في بطونهم في الدنيا من المال الحرام لأنها جزاؤه؛ كما أطلق الغي والأثام على العذاب لأنه جزاؤهما، ومنها أن الغي في الآية الخسران والحصول في الورطات. وممن روي عنه هذا القول: ابن عباس، وابن زيد. وروي عن ابن زيد أيضاً ((غياً)) أي شراً أو ضلالاً أو خيبة. وقال بعضهم: إن المراد بقوله: ((غياً)) في الآية: واد في جهنم من قيح؛ لأنه يسيل فيه قيح أهل النار وصديدهم، وهو بعيد القعر خبيث الطعم. وممن قال بهذا ابن مسعود، والبراء بن عازب. وروي عن عائشة، وشفي بن ماتع. ٦٦٩ سورة مريم: الآيتان (٥٩ - ٦٠) وجاء حديث مرفوع بمقتضى هذا القول من حديث أبي أمامة وابن عباس فيه: أن النبي ◌َ﴾ قال: ((إن غياً واد في جهنم)) كما في حديث ابن عباس. وفي حديث أبي أمامة: أن غياً، وأثاماً: نهران في أسفل جهنم، يسيل فيهما صديد أهل النار. والظاهر أنه لم يصح في ذلك شيء عن النبي و 98. وقد ذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية حديث أبي أمامة صدى بن عجلان الباهلي الذي أشرنا له آنفاً، ثم قال: هذا حديث غريب ورفعه منكر. وقيل: إن المعنى فسوف يلقون غياً، أي ضلالاً في الآخرة عن طريق الجنة، ذكره الزمخشري. وفيه أقوال أخر، ومدار جميع الأقوال في ذلك على شيء واحد، وهو أن أولئك الخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات سوف يلقون يوم القيامة عذاباً عظيماً . فإذا عرفت كلام العلماء في هذه الآية الكريمة، وأن الله تعالى توعد فيها من أضاع الصلاة واتبع الشهوات بالغي الذي هو الشر العظيم والعذاب الأليم. فاعلم أنه أشار إلى هذا المعنى في مواضع أخر كقوله في ذم الذين يضيعون الصلاة ولا يحافظون عليها وتهديدهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ ﴾ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾﴾ [الماعون]، وقوله في ذم المنافقين: ۵ ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوْةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلََّّ قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]، وقوله فيهم أيضاً: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَتُهُمْ إِلَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ. وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوَةَ إِلَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَرِهُونَ (@)﴾ [التوبة]. وأشار في مواضع كثيرة إلى ذم الذين يتبعون الشهوات وتهديدهم، كقوله تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ كَفَرُواْ يَمَنَّعُونَ وَبَأْكُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ وَالنَّارُ مَثْوَى لَّمْ﴾ [محمد: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ [الحجر]، وقوله تعالى: ﴿كُواْ وَتَمَتَّعُواْ 8)﴾ [الحجر]، إلى غير ذلك من الآيات. ويفهم ﴿﴿ وَيْلٌ يَمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ قَلِلًا إِنَّكُ تُجُونَ من مفهوم مخالفة الآية الكريمة أن الخلف الطيبين لا يضيعون الصلاة، ولا يتبعون الشهوات، وقد أشار تعالى إلى هذا في مواضع من كتابه؛ كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ ﴾﴾. إلى قوله: ﴿وَالَّذِيْنَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ يُحَافِظُونَ ٩ أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِقُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ ﴾﴾ [المؤمنون]، إلى غير ذلك من الآيات، وكقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَةُ (® فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى ﴾﴾ [النازعات]، إلى غير ذلك من الآيات. وهناك مسائل تتعلق بالآية فيمن ترك الصلاة يرجع إليها من أراد الزيادة في الأصل وخلاصة رأي الشيخ: أنه يقتل بالسيف وأنه يستتاب للإجماع على قبول توبته إذا تاب والأظهر أنه يستتاب في الحال، ولا يمهل ثلاثة أيام وهو يمتنع من الصلاة لظواهر النصوص المذكورة، وإنه لا يقتل حتى لا يبقى من الوقت الضروري ما يسع ركعة بسجدتيها والعلم عند الله تعالى. ٦٧٠ سورة مريم: الآيتان (٦١ - ٦٢) قوله تعالى: ﴿جَنَّتِ عَدْنٍ أَلَّتِى وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُمُ مَأْيًّا (﴾﴾ بيّن - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه وعد عباده المؤمنين المطيعين جنات عدن، ثم بيّن أن وعده مأتي؛ بمعنى أنهم يأتونه وينالون ما وعدوا به؛ لأنه - جلّ وعلا - لا يخلف الميعاد، وأشار لهذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ ... الآية [الروم: ٦]؛ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ اَلْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]، وقوله: ﴿رَبَّنَا وَءَائِنَا مَا وَعَدَتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْرِنَا يَوْمَ الْفِيَمَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْيَعَادَ (19) فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٤ - ١٩٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِ» ٨١٠٨ وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَبِنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَيْنَا لَمَفْعُولًا إِذَا يُتْلَى عَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَنِ سُجَّدًا (@) [الإسراء]، وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَنَّقُونَ إِن كَفَرُ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا ﴾ السَّمَآءُ مُنْفَظِرٌ [1] [المزمل]، وقوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرَّ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِى وُعِدَ ◌ِ، كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا ( الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَّاءُ وَمَصِيرًا ﴿ لَّمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَلِيْنَّ كَانَ عَلَى رَيْكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا ﴾﴾ [الفرقان]، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله: ﴿مَأْيًّا﴾ اسم مفعول أتاه إذا جاءه، والمعنى أنهم لا بد أن يأتون ما وعدوا به، خلافاً لمن زعم أن ((مأتيا)» صيغة مفعول أريد بها الفاعل؛ أي كان وعده آتيا، إذ لا داعي لهذا مع وضوح ظاهر الآية. تنبيه: مثل بعض علماء البلاغة بهذه الآية لنوع من أنواع البدل، وهو بدل الكل من البعض، قالوا: ﴿َّتِ عَنٍ﴾ بدل من الجنة في قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ اُلْجَنَّةَ﴾ بدل كل من بعض. قالوا: ومن أمثلة بدل الكل من البعض قوله: رحم الله أعظماً دفنوها بسجستان طلحة الطلحات . (فطلحة)) بدل من قوله: ((أعظماً)) بدل كل من بعض. وعليه فأقسام البدل ستة: بدل الشيء من الشيء، وبدل البعض من الكل. وبدل الكل من البعض، وبدل الاشتمال، وبدل البداء، وبدل الغلط. قال مقيده - عفا الله عنه -: ولا يتعين عندي في الآية والبیت کون البدل بدل كل من بعض، بل يجوز أن يكون بدل الشيء من الشيء؛ لأن الألف واللام في قوله: ﴿فَأُوْلَبْكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ للجنس، وإذا كان للجنس جاز أن يراد بها جميع الجنات، فيكون قوله: ﴿جَنَّتِ عَدْنٍ﴾ بدلاً من ﴿اَجَنَّةَ﴾ بدل الشيء من الشيء؛ لأن المراد بالأول الجمع كما تقدم كثير من أمثلة ذلك. والأعظم في البيت كناية عن الشخص، ((فطلحة)) بدل منه بدل الشيء من الشيء؛ لأنهم لم يدفنوا الأعظم وحدها بل دفنوا الشخص المذكور جميعه، أعظمه وغيرها من بدنه، وعبر هو عنه بالأعظم. قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيَهَا لَغْوَا إِلَّا سَلَمَّاً وَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٣) ٦٧١ سورة مريم: الآيتان (٦١ - ٦٢) . ذكر - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أن المؤمنين إذا أدخلهم ربهم جنات عدن التي وعدهم ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي في الجنات المذكورة ﴿لَغْوَا﴾ أي كلاماً تافهاً ساقطاً كما يسمع في الدنيا، واللغو: هو فضول الكلام، وما لا طائل تحته. ويدخل فيه فحش الكلام وباطله، ومنه قول رؤية وقيل العجاج: ورب أسراب حجيج كظم عن اللغا ورفت التكلم كما تقدم في سورة ((المائدة)). والظاهر أن قوله: ﴿إِلَّا سَلَمًا﴾ استثناء منقطع، أي لكن يسمعون فيها سلاماً؛ لأنهم يسلم بعضهم على بعض، وتسلم عليهم الملائكة، كما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَُّهُمْ فَِهَا سَلَمٌ﴾ ... الآية [إبراهيم: ٢٣]، وقوله: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَتِهِم مِّن كُلِّ سَلَمُ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْيٌ﴾ ... الآية [الرعد: ٢٣ - ٢٤]. كما تقدم مستوفى. باپٍ، وهذا المعنى الذي أشار له هنا جاء في غير هذا الموضع أيضاً كقوله في (الواقعة)): ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيَهَا لَغْوَا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَمًا سَلَمًا ﴾﴾ [الواقعة]، وقد جاء الاستثناء المنقطع في آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿مَا لَهُم بِهِ، مِنْ عِلٍّ إِلَّا أَنْبَاعَ الَّنِ﴾ ... الآية [النساء: ١٥٧]. وقوله: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَ ﴿ إِلَّا أَبِغَاءَ وَجْهِ رَيِّهِ الْأَعْلَىَ ﴾﴾ [الليل]، وقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا أَلْمَوْتَ إِلَّ اُلْمَوْتَةَ الْأُولَىّ﴾ [الدخان: ٥٦]، وكقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِلْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِحَرَةً عَن تَاضِ مِّنْكُمْ﴾ ... الآية [النساء: ٢٩]، إلى غير ذلك من الآيات، فكل الاستثناءات المذكورة في هذه الآيات منقطعة. ونظير ذلك من كلام العرب في الاستثناء المنقطع قول نابغة ذبيان: عيت جواباً وما بالربع من أحد وقفت فيها أصيلا لا أسائلها والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد إلا الأواري لأياً ما أبينها ((فالأواري)) التي هي مرابط الخيل ليست من جنس ((الأحد))، وقول الفرزدق: لها خاطب إلا السنان وعامله وبنت كريم قد نكحنا ولم يكن وقول جران العود: وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس ((فالسنان)) ليس من جنس ((الخاطب)) و((اليعافير والعيس)) ليس واحد منهما من جنس ((الأنيس)). وقول ضرار بن الأزور: ولله بالعبد المجاهد أعلم أجاهد إذ كان الجهاد غنيمة ولا النيل إلا المشرفي المصمم عشية لا تغني الرماح مكانها .وبهذا الذي ذكرنا تعلم صحة وقوع الاستثناء المنقطع كما عليه جماهير الأصوليين ٦٧٢ سورة مريم: الآية (٦٣) خلافاً للإمام أحمد بن حنبل وبعض الشافعية القائلين بأن الاستثناء المنقطع لا يصح؛ لأن الاستثناء إخراج ما دخل في اللفظ، وغير جنس المستثنى منه لم يدخل في اللفظ أصلاً حتى يخرج بالاستثناء. وللعلماء آراء في المسألة يُرجع من أراد الوقوف عليها للأصل. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَهُمْ رِزْقُهُمْ فِهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾؛ فيه سؤال معروف، وهو. أن يقال: ما وجه ذكر البكرة والعشي، مع أن الجنة ضياء دائم ولا ليل فيها. وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة: الأول: أن المراد بالبكرة والعشي قدر ذلك من الزمن كقوله: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]؛ أي قدر شهر، وروي معنى هذا عن ابن عباس، وابن جريج وغيرهما. الجواب الثاني: أن العرب كانت في زمنها ترى أن من وجد غداء وعشاء فذلك الناعم، فنزلت الآية مرغبة لهم وإن كان ما في الجنة أكثر من ذلك. ويروى هذا عن قتادة، والحسن، ويحيى بن أبي كثير. الجواب الثالث: أن العرب تعبر عن الدوام بالبكرة والعشي، والمساء والصباح، كما يقول الرجل: أنا عند فلان صباحاً ومساء، وبكرة وعشياً. يريد الديمومة ولا يقصد الوقتين المعلومين. الجواب الرابع: أن تكون البكرة هي الوقت الذي قبل اشتغالهم بلذاتهم. والعشي: هو الوقت الذي بعد فراغهم من لذاتهم؛ لأنه يتخللها فتراتٍ انتقال من حال إلى حال، وهذا يرجع معناه إلى الجواب الأول. الجواب الخامس: هو ما رواه الترمذي الحكيم في (نوادر الأصول) من حديث أبان عن الحسن وأبي قلابة قالا: قال رجل: يا رسول الله، هل في الجنة من ليل؟ قال: ((وما يهيجك على هذا؟)) قال: سمعت الله تعالى يذكر: ﴿وَلَمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بَكْرَةُ وَعَشِيًّا﴾ فقلت: الليل بين البكرة والعشي. فقال رسول الله وَطاهر: ((ليس هناك ليل، إنما هو ضوء ونور، يرد الغدو على الرواح والرواح على الغدو، تأتيهم طرف الهدايا من الله تعالى لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلون فيها في الدنيا، وتسلم عليهم الملائكة)) انتهى بواسطة نقل صاحب الدر المنثور والقرطبي في تفسيره. وقال القرطبي بعد أن نقل هذا: وهذا في غاية البيان لمعنى الآية. وقد ذكرناه في كتاب (التذكرة) ثم قال: وقال العلماء ليس في الجنة ليل ولا نهار، وإنما هم في نور أبداً، إنما يعرفون مقدار الليل من النهار بإرخاء الحجب، وإغلاق الأبواب. ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب، وفتح الأبواب؛ ذكره أبو الفرج الجوزي والمهدوى وغيرهما، اهـ منه. وهذا الجواب الأخير الذي ذكره الحكيم الترمذي عن الحسن وأبي قلابة عن النبي ◌َّ راجع إلى الجواب الأول، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ اَلْجَنَّةُ الَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَّقِيًّا (٣)﴾. الإشارة في قوله: ((تلك)) إلى ما تقدم من قوله: ﴿فَأُوْلَكَ يَدْخُلُونَ ◌َلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٣ جَنَّتِ عَدْنٍ أَلَّتِ ٦٧٣ سورة مريم: الآيتان (٦٦ - ٦٧) وَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ ... الآية، وقد بيّن - جلّ وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه يورث المتقين من عباده جنته. وقد بين هذا المعنى أيضاً في مواضع أخر كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ ﴾﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيَهَا خَلِّدُونَ ﴾﴾ [المؤمنون]، وقوله: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى .. [آل عمران] مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَتْ لِلْمُتَّقِينَ الآيات، وقوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ أَتَّقَوْ رَبَهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ ... الآية [الزمر: ٧٣]، وقوله: ﴿وَنُودُوّا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف]، إلى غير ذلك من الآيات، ومعنى إيراثهم الجنة: الإنعام عليهم بالخلود فيها في أكمل نعيم وسرور، قال الزمخشري في (الكشاف): نورث أي نبقي عليه الجنة كما نبقي على الوارث مال الموروث؛ ولأن الأتقياء يلقون ربهم يوم القيامة قد انقضت أعمالهم، وثمرتها باقية وهي الجنة، فإذا أدخلهم الجنة فقد أورثهم من تقواهم كما يورث الوارث المال من المتوفي. وقال بعض أهل العلم: معنى إيراثهم الجنة أن الله تعالى خلق لكل نفس منزلاً في الجنة، ومنزلاً في النار؛ فإذا دخل أهل الجنة الجنة؛ أراهم منازلهم في النار لو كفروا وعصوا الله ليزداد سرورهم وغبطتهم؛ وعند ذلك يقولون: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنَا لِهَذَا وَمَا كُنَا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَّ أَنْ هَدَنَا﴾ ... الآية [الأعراف: ٤٣]. وكذلك يرى أهل النار منازلهم في الجنة لو آمنوا واتقوا الله لتزداد ندامتهم وحسرتهم، وعند ذلك يقول الواحد منهم: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَنِى لَكُنتُ مِنَ الْمُثَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧]. ثم إنه تعالى يجعل منازل أهل الجنة في النار لأهل النار، ومنازل أهل النار في الجنة لأهل الجنة، فيرثون منازل أهل النار في الجنة. وهذا هو معنى الإيراث المذكور على هذا القول. قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: قد جاء حديث يدل لما ذكر من أن لكل أحد منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار، إلا أن حمل الآية عليه غير صواب؛ لأن أهل الجنة يرثون من الجنة منازلهم المعدة لهم بأعمالهم وتقواهم، كما قد قال تعالى: ﴿وَنُودُوّا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]، ونحوها من الآيات، ولو فرضنا أنهم يرثون منازل أهل النار فحمل الآية على ذلك يوهم أنهم ليس لهم في الجنة إلا ما أورثوا من منازل أهل النار. والواقع بخلاف ذلك كما ترى. والحديث المذكور هو ما رواه الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة: ((كل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول: لولا أن الله هداني فيكون له شكر، وكل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول: لولا أن الله هدانى فيكون عليه حسرة))، اهـ. وعلم في الجامع الصغير على هذا الحديث علامة الصحة. وقال شارحه المناوى: قال الحاكم صحيح على شرطهما وأقره الذهبي. وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح، اهـ. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ آلْإِنسَنُ أَئِذَا مَا مِتُ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ( أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنِسَنُ أَنَّاً (٦٧) ◌َلَقْتَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ٦٧٤ سورة مريم: الآيتان (٦٦ - ٦٧) قال بعض أهل العلم: نزلت هذه الآية في أبي بن خلف، وجد عظاماً بالية ففتتها بيده وقال: زعم محمد أنا نبعث بعد الموت؟ قاله الكلبي، وذكره الواحدى والثعلبي. وقال المهدوي: نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه، وهو قول ابن عباس. وقيل: نزلت في العاص بن وائل. وقيل: في أبي جهل. وعلى كل واحد من هذه الأقوال فقد أسند تعالى هذا القول لجنس الإنسان وهو صادر من بعض أفراد الجنس؛ لأن من الأساليب العربية إسناد الفعل إلى المجموع، مع أن فاعله بعضهم لا جميعهم. ومن أظهر الأدلة القرآنية في ذلك قراءة حمزة والكسائي (فإن قاتلوكم فاقتلوهم) من القتل في الفعلين، أي فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر كما تقدم مراراً. ومن أظهر الشواهد العربية في ذلك قول الفرزدق: فسیف بني عبس وقد ضربوا به. نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد فقد أسند الضرب إلى بني عبس، مع أنه صرح بأن الضارب الذي بيده السيف هو ورقاء وهو ابن زهير بن جذيمة العبسي. وخالد هو ابن جعفر الكلابي. وقصة قتله لزهير المذكور مشهورة. وقد بين تعالى في هذه الآية: أن هذا الإنسان الكافر يقول منكراً للبعث: أئذا مت لسوف أخرج حياً، زعما منه أنه إذا مات لا يمكن أن يحيا بعد الموت. وقد رد الله عليه مقالته هذه بقوله: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِسَنُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (4)﴾ يعني: أيقول الإنسان مقالته هذه في إنكار البعث، ولا يذكر أنا أوجدناه الإيجاد الأول ولم يك شيئاً، بل كان عدما فأوجدناه، وإيجادنا له المرة الأولى دليل قاطع على قدرتنا على إيجاده بالبعث مرة أخرى. وهذا البرهان الذي أشار له هنا قد قدمنا الآيات الدالة عليه في سورة (البقرة، والنحل)) وغيرهما، كقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمُ (١٩)﴾ [يس]، وقوله ٢ قُلْ يُحْبِيهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوْلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيهُ : [ق]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ تعالى: ﴿أَفْعِيْنَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلَّ بَلْ هُمْ فِ لَيْسِ مِّنْ خَلْقِ جَدِيدٍ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (®﴾ [الواقعة]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ اُلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةٍ﴾ ... الآية [الروم: ٢٧]، وقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ من يُعِيدُنَّا قُلِ الَّذِى فَطَرَّكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١]، وقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنْتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَكُمٍ مِّن تُرَابٍ﴾ ... الآية [الحج: ٥]، وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقِ تُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنَا فَعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه. وفي الحديث الصحيح الذي يرويه ◌ّ﴾ عن ربه: (يقول الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، وآذاني ابن آدم ولم يكن له أن يؤذيني. أما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني. وليس أول الخلق أهون على من آخره. وأما أذاه إياي فقوله: إن ٠ ٦٧٥ سورة مريم: الآية (٦٨) - لي ولداً وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد». فإن قيل: أين العامل في الظرف الذي هو ((إذا))؟ فالجواب: أنه منصوب بفعل مضمر دل عليه جزاء الشرط؛ وتقديره: أأخرج حيا إذا ما مت، أي حين يتمكن في الموت والهلاك أخرج حياً. يعني لا يمكن ذلك. فإن قيل: لم لا تقول بأنه منصوب بـ ﴿أَخْرَجَ﴾ المذكور في قوله ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّ﴾ على العادة المعروفة، من أن العامل في ((إذا)) هو جزاؤها؟ فالجواب: أن لام الابتداء في قوله: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّ﴾ مانعة من عمل ما بعدها فيما قبلها كما هو معلوم في علم العربية، فلا يجوز أن تقول: اليوم لزيد قائم؛ تعنى لزيد قائم اليوم. وما زعمه بعضهم من أن حرف التنفيس الذي هو سوف مانع من عمل ما بعده فيما قبله أيضاً، حتى إنه على قراءة طلحة بن مصرف ((أئذا ما مت سأخرج حياً)) بدون اللام يمتنع نصب ((إذا)) بـ(أخرج)) المذكورة؛ فهو خلاف التحقيق. والتحقيق أن حرف التنفيس لا يمنع من عمل ما بعده فيما قبله. ودليله وجوده في كلام العرب؛ كقول الشاعر: فلما رأته آمنا هان وجدها وقالت أبونا هكذا سوف يفعل فقوله ((هكذا)) منصوب بقوله ((يفعل)) كما أوضحه أبو حيان في البحر، وعليه فعلى قراءة طلحة بن مصرف فقوله: ((إذا)) منصوب بقوله: ((أخرج)) لعدم وجود اللام فيها وعدم منع حرف التنفيس من عمل ما بعده فيما قبله. تنبيه: فإن قلت: لام الابتداء الداخلة على المضارع تعطى معنى الحال، فكيف جامعت حرف التنفيس الدال على الاستقبال؟ فالجواب: أن اللام هنا جردت من معنى الحال، وأخلصت لمعنى التوكيد فقط؛ ولذلك جامعت حرف الاستقبال كما بينه الزمخشري في الكشاف، وتعقبه أبو حيان في البحر المحيط بأن من علماء العربية من يمنع أن اللام المذكورة تعطى معنى الحال، وعلى قوله أسقط الإشكال من أصله، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِكَ لَنَحْثُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَتُحْضِرَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ ◌ِيًّاً لَّ لما أقام الله - جلّ وعلا - البرهان على البعث بقوله: ﴿لَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّاً خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٧)﴾ أقسم - جلّ وعلا - بنفسه الكريمة، أنه يحشرهم أي الكافرين المنكرين للبعث وغيرهم من الناس، ويحشر معهم الشياطين الذين كانوا يضلونهم في الدنيا، وأنه يحضرهم حول جهنم جثياً، وهذان الأمران اللذان ذكرهما في هذه الآية الكريمة أشار إليهما في غير هذا الموضع، أما حشره لهم ولشياطينهم فقد مِن دُونِ اللَّهِ فَأَهْدُوهُمْ إِلَى أشار إليه في قوله: ﴿أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونٌ صِرَّطِ الْجَحِيمِ (٣)﴾ [الصافات]، على أحد التفسيرات، وقوله: ﴿حَتَّىَ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَلَيْتَ بَيْنِ وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ اَلْقَرِينُ (﴾﴾ [الزخرف]. وأما إحضارهم حول جهنم جثيا فقد أشار له في قوله: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَّةٌ كُلُّ أُنثَةٍ ٦٧٦ سورة مريم: الآيتان (٦٩ - ٧٠) تُدْعَّ إِلَى كِتَبِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوَّنَ مَا كُ تَعْمَلُونَ (٦)﴾ [الجاثية]، وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿جِيًّا﴾ جمع جاث. والجائي اسم فاعل جئا يجثو جثواً. وجثى يجئي جثياً: إذا جلس على ركبتيه أو قام على أطراف أصابعه. والعادة عند العرب: أنهم إذا كانوا في موقف ضنك وأمر شديد، جثوا على ركبهم، ومنه قول بعضهم: إذا ما الكماة جثوا للركب فمن للحماة ومن للكماة فتى المكرمات قريع العرب إذا قيل مات أبو مالك وكون معنى قوله ﴿جِيًّا﴾ في هذه الآية، وقوله: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّتِ جَائِيَةٌ﴾ الآية [الجاثية: ٢٨]، أنه جثيهم على ركبهم هو الظاهر، وهو قول الأكثر، وهو الإطلاق. المشهور في اللغة، ومنه قول الكميت: هم تركوا سراتهم جثيا وهم دون السراة مقرنينا وعن ابن عباس في قوله في هذه الآية الكريمة ((جئياً)) أن معناه جماعات. وعن مقاتل ((جثياً)): أي جمعاً جمعاً، وهو على هذا القول جمع ((جثوة)) مثلثة الجيم، وهي الحجارة المجموعة والتراب المجموع، فأهل الخمر يحضرون حول جهنم على حدة، وأهل الزنى على حدة؛ وأهل السرقة على حدة، وهكذا، ومن هذا المعنى قول طرفة بن العبد في معلقته : صفائح صم من صفيح منضد ترى جثوتين من تراب عليهما هكذا قال بعض أهل العلم. ولكنه يرد عليه أن فعلة كجثوة لم يعهد جمعها على فعول كجثى. وقرأ هذا الحرف حمزة والكسائي وحفص ((جثياً)) بكسر الجيم إتباعاً للكسرة بعده وقرأ الباقون ((جثياً)) بضم الجين على الأصل. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَفْزِعَ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِيًّا ﴿ ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ ◌ِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا ®)﴾. قوله في هذه الآية الكريمة ﴿لَنَِّعَننَ﴾ أي لنستخرجن ﴿مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ أي من كل أمة أهل دين واحد. وأصل الشيعة فعلة كفرقة، وهي الطائفة التي شاعت غيرها أي تبعته في هدي أو ضلال؛ تقول العرب: شاعه شياعاً: إذا تبعه. وقوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِنْيًَّ﴾؛ أي لنستخرجن ولنميزن من كل طائفة من طوائف الغي والفساد أعصاهم فأعصاهم، وأعتاهم فأعتاهم، فيبدأ بتعذيبه وإدخاله النار على حسب مراتبهم في الكفر، والإضلال والضلال. وهذا هو الظاهر في معنى الآية الكريمة أن الرؤساء القادة في الكفر يعذبون قبل غيرهم ويشدد عليهم العذاب لضلالهم وإضلالهم. وقد جاءت آيات من كتاب الله تعالى تدل على هذا كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ M)﴾ [النحل]، وقوله وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَ أَنْقَالَهُمْ وَأَنْقَالًا مَعَ أَنْقَالِهِمٌّ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ١٣ ٦٧٧ سورة مريم: الآيتان (٦٩ - ٧٠). [العنكبوت]، وقوله: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ [النحل]، ولأجلّ هذا كان في أمم النار أولى وأخرى، عِلْمٍ أَلَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ فالأولى التي يبدأ بعذابها وبدخولها النار. والأخرى التي تدخل بعدها على حسب تفاوتهم في أنواع الكفر والضلال كما قال تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُواْ فِىّ أُمَعٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّنَ الْجِنّ وَالْإِسِ فِ النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّمَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّىَ إِذَا أَذَارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَهُمْ لِأُولَئُهُمْ رَبَّنَاً وَقَالَتْ أُولَئُهُمْ ٣٨ هَؤُلَاءِ أَضَلُونَا فَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِن لَّا نَعْلَمُونَ ( لِأُخْرَهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيَّنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩) ﴾ [الأعراف]. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (®﴾، يعني أنه - جلّ وعلا - أعلم بمن يستحق منهم أن يصلى النار، ومن هو أولى بذلك، وقد بين أن الرؤساء والمرؤوسين كلهم ممن يستحق ذلك في قوله: ﴿قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ﴾ ... الآية [الأعراف: ٣٨]، والصلي مصدر صلى النار كرضي يصلاها صلياً (بالضم والكسر) إذا قاسی ألمها، وباشر حرها . واختلف العلماء في وجه رفع ((أي)) مع أنه منصوب؛ لأنه مفعول ((لننزعن)) فذهب سيبويه ومن تبعه إلى أن لفظة ((أي)) موصولة، وأنها مبنية على الضم إذا كانت مضافة، وصدر صلتها ضمير محذوف كما هنا. وعقده ابن مالك في الخلاصة بقوله : . وصدر وصلها ضمير انحذف أي كما وأعربت ما لم تضف وبعضهم أعرب مطلقاً ... إلخ. ويدل على صحة قول سيبويه تخذتُ قول غسان بن وعلة: فسلم على أيهم أفضل إذا ما لقيت بني مالك والرواية بضم ((أيهم)). وخالف الخليل ويونس وغيرهما سيبويه في ((أي)) المذكورة. فقال الخليل: إنها في الآية استفهامية محكية بقول مقدر والتقدير: ثم لننزعن من كل شيعة الذي يقال فيه أيهم أشد؛ وأنشد الخليل لهذا المعنى الذي ذهب إليه قول الشاعر: فأبيت لا حرج ولا محروم ولقد أبيت من الفتاة بمنزل أي فأبيت بمنزلة الذي يقال له: لا هو حرج ولا محروم. وأما يونس فذهب إلى أنها استفهامية أيضاً، لكنه حكم بتعليق الفعل قبلها بالاستفهام؛ لأن التعليق عنده لا يختص بأفعال القلوب، واحتج لسيبويه على الخليل ويونس ومن تبعهما ببيت غسان بن وعلة المذكور آنفاً؛ لأن الرواية فيه بضم ((أيهم))، مع أن حروف الجر لا يضمر بينها وبين معمولها قول ولا تعلق على الأصوب، وإن خالف فيه بعضهم ببعض التأويلات. وبما ذكرنا تعلم أن ما ذكره بعضهم من أن جميع النحويين غلطوا سيبويه في قوله هذا في ((أي)) في هذه الآية الكريمة خلاف التحقيق. والعلم عند الله تعالى. وقرأ حمزة والكسائي وحفص ((عتيا)) بكسر العين. و((صليا)) بكسر الصاد للإتباع. وقرأ الباقون بالضم فيهما على الأصل. ٦٧٨ سورة مريم: الآيتان (٧١ - ٧٢) ثُمَّ تُنَجِى الَّذِينَ أَتَّقَواْ قوله تعالى: ﴿وَإِن ◌ِّنَكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا وَّنَذَرُ الظَّلِمِينَ فِيَهَا جِئِيًّاً (َا﴾. اختلف العلماء في المراد بورود النار في هذه الآية الكريمة على أقوال: الأول: أن المراد بالورود الدخول، ولكن الله يصرف أذاها عن عباده المتقين عند ذلك الدخول. الثاني: أن المراد بورود النار المذكور: الجواز على الصراط؛ لأنه جسر منصوب على متن جهنم. الثالث: أن الورود المذكور هو الإشراف عليها والقرب منها . الرابع: أن حظ المؤمنين من ذلك الورود هو حر الحمى في دار الدنيا. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها الاستدلال على أحد المعاني الداخلة في معنى الآية بكونه هو الغالب في القرآن فغلبته فيه دليل استقرائي على عدم خروجه من معنى الآية، وقد قدمنا أمثلة لذلك، فإذا علمت ذلك فاعلم أن ابن عباس ما استدل على المراد بورود النار في الآية بمثل ذلك الدليل الذي ذكرنا أنه من أنواع البيان في هذا الكتاب المبارك. وإيضاحه أن ورود النار جاء في القرآن في آيات متعددة، والمراد في كل واحدة منها الدخول، فاستدل بذلك ابن عباس على أن الورود في الآية التي فيها النزاع هو الدخول؛ لدلالة الآيات الأخرى على ذلك كقوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارِّ وَيِفْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ﴾﴾﴾ [هود] قال: فهذا ورود دخول وكقوله: ﴿لَوْ [الأنبياء]، فهو ورود دخول ٩٩٦ كَانَ هَكُلَاءِ ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيَهَا خَلِدُونَ أيضاً وكقوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴾ [الأنبياء]، وبهذا استدل ابن عباس مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ على نافع بن الأزرق في أن الورود الدخول. واحتج من قال بأن الورود: الإشراف والمقاربة بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ ... الآية [القصص: ٢٣]. فهذا ورود مقاربة وإشراف عليه، وكذا قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ﴾ ... الآية [يوسف: ١٩]. ونظيره من كلام العرب قول زهير بن أبي سلمى في معلقته: فلما وردن الماء زرقاً جمامه وضعن عصى الحاضر المتخيم قالوا: والعرب تقول: وردت القافلة البلد وإن لم تدخله، ولكن قربت منه. واحتجٍ من قال بأن الورود في الآية التي نحن بصددها ليس نفس الدخول بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَّ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُّبْعَدُونَ ﴿ لَا يَمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِ مَا أَشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَلِدُونَ (4)﴾ [الأنبياء] قالوا: إبعادهم عنها المذكور في هذه الآية يدل على عدم دخولهم فيها، فالورود غير الدخول. ٦٧٩ سورة مريم: الآيتان (٧١ - ٧٢) واحتج من قال بأن ورود النار في الآية بالنسبة للمؤمنين - حر الحمى في دار الدنيا - بحديث: ((الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء)» وهو حديث متفق عليه من حديث عائشة وأسماء ابنتي أبي بكر، وابن عمر ورافع بن خديج ﴿ه ورواه البخاري أيضاً مرفوعاً عن ابن عباس. قال مقيده ـ عفا الله عنه وغفر له -: قد دلت على أن الورود في الآية معناه الدخول أدلة : الأول: هو ما ذكره ابن عباس ت من أن جميع ما في القرآن من ورود النار معناه دخولها غير محل النزاع، فدل ذلك على أن محل النزاع كذلك، وخير ما يفسر به القرآن القرآن. الدليل الثاني: هو أن في نفس الآية قرينة دالة على ذلك، وهي أنه تعالى لما خاطب جميع الناس بأنهم سيردون النار برهم وفاجرهم بقوله: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (4)﴾، بين مصيرهم ومآلهم بعد ذلك الورود المذكور بقوله: ﴿ِثُمَّ تُنَّجِى الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّلِمِينَ فِيهَا﴾؛ أي نترك الظالمين فيها، دليل على أن ورودهم لها دخولهم فيها، إذ لو لم يدخلوها لم يقل: ﴿وَّنَذَرُ الَّلِمِينَ فِيهَا﴾؛ بل يقول: وندخل الظالمين، وهذا واضح كما ترى، وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ تُنَجِى الَّذِينَ آَتَّقَواْ﴾ دليلٍ على أنهم وقعوا فيما من شأنه أنه هلكة؛ ولذا عطف على قوله: ﴿وَإِن ◌ِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قوله: ﴿ثُمَّ تُنَجِى الَّذِينَ أَنَّقَواْ﴾ . الدليل الثالث: ما روي من ذلك عن النبي وَلّ. قال صاحب الدر المنثور في الكلام على هذه الآية الكريمة: أخرج أحمد وعبد بن حميد، والحكيم الترمذي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث، عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن. وقال بعضهم: يدخلونها جميعاً ثم ينجي الله الذين اتقوا. فلقيت جابر بن عبد الله ﴿ًا فذكرت له ذلك فقال وأهوى بأصبعيه إلى أذنيه: صمتاً إن لم أكن سمعت رسول الله وَ لل يقول: ((لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها؛ فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار ضجيجاً من بردهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جئياً»، اهـ. وقال ابن حجر في (الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف) في هذا الحديث: رواه أحمد وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد قالوا: حدثنا سليمان بن حرب، وأخرجه أبو يعلى والنسائي في الكنى، والبيهقي في الشعب في باب النار، والحكيم في النوادر، كلهم من طريق سليمان قال: حدثنا أبو صالح غالب بن سليمان، عن كثير بن زياد عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود فسألنا جابراً. فذكر الحديث أتم من اللفظ الذي ذكره الزمخشري. وخالفهم كلهم الحاكم فرواه من طريق سليمان بهذا الإسناد فقال: عن سمية الأزدية عن عبد الرحمن بن شيبة بدل أبي سمية عن جابر، اهـ. وقال ابن ٦٨٠ سورة مريم: الآيتان (٧١ - ٧٢) كثير تخلّفُ في تفسير هذه الآية: قال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا غالب بن سليمان، عن كثير بن زياد البرساني، عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن. وقال بعضهم: يدخلونها جميعاً ثم ينجى الله الذي اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله فقلت: إنا اختلفنا في الورود فقال: يدخلونها جميعاً ... ثم ذكر الحديث المتقدم. ثم قال ابن كثير تخّثُ: غريب ولم يخرجوه. قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: الظاهر أن الإسناد المذكور لا يقل عن درجة الحسن لأن طبقته الأولى: سليمان بن حرب، وهو ثقة إمام حافظ مشهور. وطبقته الثانية: أبو صالح أو أبو سلمة غالب بن سليمان العتكي الجهضمى الخراساني أصله من البصرة، وهو ثقة. وطبقته الثالثة: كثير بن زياد أبو سهل البرساني بصري نزل بلخ، وهو ثقة. وطبقته الرابعة: أبو سمية وقد ذكره ابن حبان في الثقات، قاله ابن حجر في تهذيب التهذيب: وبتوثيق أبي سمية المذكور تتضح صحة الحديث؛ لأن غيره من رجال هذا الإسناد ثقات معروفون، مع أن حديث جابر المذكور يعتضد بظاهر القرآن وبالآيات الأخرى التي استدل بها ابن عباس، وآثار جاءت عن علماء السلف ضم كما ذكره ابن كثير عن خالد بن معدان، وعبد الله بن رواحة ظه، وذكره هو وابن جرير عن أبي ميسرة، وذكره ابن كثير عن عبد الله بن المبارك عن الحسن البصري، كلهم يقولون: إنه ورود دخول، وأجاب من قال: بأن الورود في الآية الدخول؛ عن قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]، بأنهم مبعدون عن عذابها وألمها، فلا ينافي ذلك ورودهم إياها من غير شعورهم بألم ولا حر منها كما أوضحناه في كتابنا ((دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)) في الكلام على هذه الآية الكريمة. وأجابوا عن الاستدلال بحديث ((الحمى من فيح جهنم)) بالقول بموجبه، قالوا: الحديث حق صحيح ولكنه لا دليل فيه لمحل النزاع؛ لأن السياق صريح في أن الكلام في النار في الآخرة وليس في حرارة منها في الدنيا؛ لأن أول الكلام قوله تعالى: ﴿فَوَرَيِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَطِيْنَ ثُمَّ لَتُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِيًّا (٦)؛ إلى أن قال: ﴿وَ إِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾؛ فدل على أن كل ذلك في الآخرة لا في الدنيا كما ترى، والقراءة في قوله تعالى: ﴿حِيًّا﴾ كما قدمنا في قوله: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِنِيًّا﴾. وقوله: ﴿ثُمَّ تُنَجِى﴾؛ قراءة الكسائي بإسكان النون الثانية وتخفيف الجيم، وقرأه الباقون بفتح النون الثانية وتشديد الجيم. وقد ذكرنا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) أن جماعة رووا عن ابن مسعود أن ورود النار المذكور في الآية هو المرور عليها؛ لأن الناس تمر على الصراط وهو جسر منصوب على متن جهنم. وأن الحسن وقتادة روي عنهما نحو ذلك أيضاً، وروى عن ابن مسعود أيضاً مرفوعاً أنهم يردونها جميعاً وَيَصْدُرُونَ عنها بحسب أعمالهم. وعنه أيضاً تفسير الورود بالوقوف عليها. والعلم عند الله تعالى.