النص المفهرس
صفحات 641-660
٦٤١ سورة مريم: الآيتان (٢٥ - ٢٦) الَّهُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقوله: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَامٍ بِظُلْمٍ﴾ ... الآية [الحج: ٢٥]. وقوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ﴾ بِأَبِّكُمُ الْمَفْتُونُ ﴾﴾ الآية [القلم]، وقوله: ﴿تَنْتُ بِالذُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، على قراءة ابن كثير وأبي عمرو بضم التاء وكسر الباء مضارع أنبت الرباعي؛ لأن الرباعي الذي هو أنبت ينبت بضم الياء المثناة وكسر الباء الموحدة يتعدى بنفسه دون الحرف، فالباء مزيدة للتوكيد كما رأيت في الآيات المذكورة، ونظير ذلك من كلام العرب قول أمية بن أبي الصلت الثقفي: إذ يسقون بالدقيق وكانوا قبل لا يأكلون خبزاً فطيرا لأن الأصل يسقون الدقيق فزيدت الباء للتوكيد. وقول الراعي: سود المعاجر لا يقرأن بالسور هن الحرائر لا ربات أخمرة فالأصل: لا يقرأن السور، فزيدت الباء لما ذكر. وقول يعلى الأحول اليشكري أو غيره؛ وأسفله بالمرخ والشبهان بوادٍ يمان ينبت الشك صدره فالأصل: وأسفله المرخ؛ أي وينبت أسفله المرخ، فزيدت الباء لما ذكر، وقول الأعشى : ملء المراجل والصريح الأجردا. ضمنت برزق عيالنا أرماحنا فالأصل ضمنت رزق عيالنا. وقول الراجز: نضرب بالسيف ونرجو بالفرج نحن بنو جعدة أصحاب الفلج أي نرجو الفرج. وقول امرئ القيس: هصرت بغصن ذي شماريخ ميال فلما تنازعنا الحديث وأسمحت فالأصل: هصرت غصنا؛ لأن هصر تتعدى بنفسها. وأمثال هذا كثيرة في كلام العرب. وفي قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ((تساقط)» تسع قراءات، ثلاث منها سبعية. وست شاذة. أما الثلاث السبعية فقد قرأه حمزة وحده من السبعة ((تساقط)) بفتح التاء وتخفيف السين وفتح القاف، أصله: تتساقط؛ فحذفت إحدى التاءين. وعلى هذه القراءة فقوله ((رطباً)) تمييز محول عن الفاعل. وقرأه حفص وحده عن عاصم ((تساقط)) بضم التاء وكسر القاف وتخفيف السين، مضارع ساقطت تساقط. وعلى هذه القراءة فقوله ((رطباً)) مفعول به للفعل الذي هو ((تساقط)) هي أي النخلة رطباً. وقرأه بقية السبعة ((تساقط)) بفتح التاء والقاف وتشديد السين، أصله: تتساقط؛ فأدغمت إحدى التاءين في السين. وعلى قراءة الجمهور هذه فقوله ((رطباً)) تمييز محول عن الفاعل كإعرابه على قراءة حمزة وغير هذا من القراءات شاذ. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾؛ الجني: هو ما طاب وصلح لأن ٦٤٢ سورة مريم: الآية (٢٦) يجنى فيؤكل. وعن أبي عمرو بن العلاء أن الجني هو الذي لم يجف ولم بيبس، ولم يبعد عن يدي متناوله. قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَبِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِيِّ إِ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَّوْمَ إِنسِيًّا﴾. قائل هذا الكلام لمريم هو الذي ناداها من تحتها ألا تحزني. وقد قدمنا الخلاف عليه هل هو عيسى، أو جبريل، وما يظهر رجحانه عندنا من ذلك. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَقُولِيِّ إِنِّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صُوْمًا﴾ قيل: أمرت أن تقول ذلك باللفظ. وقيل: أمرت أن تقوله بالإشارة. وكونها أمرت أن تقوله باللفظ هو مذهب الجمهور؛ كما قاله القرطبي وأبو حيان، وهو ظاهر الآية الكريمة؛ لأن ظاهر القول في قوله تعالى: ﴿فَقُولِىّ إِنِى نَذَرْتُ﴾ ... الآية، أنه قول باللسان. واستدل من قال: إنها أمرت أن تقول ذلك بالإشارة بأنها لو قالته باللفظ أفسدت نذرها الذي نذرته ألا تكلم اليوم إنسياً، فإذا قالت لإنسي بلسانها: ﴿إِنّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾؛ فقد كلمت ذلك الإنسي فأفسدت نذرها. واختار هذا القول الأخير لدلالة الآية عليه ابن كثير تَُّهُ، قال في تفسير هذه الآية: ﴿فَقُولِيِّ إِ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَرَ إِنسِيًّا﴾؛ المراد بهذا القول الإشارة إليه بذلك، لأن المراد به القول اللفظي لئلا ينافي ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾. وأجاب المخالفون عن هذا بأن المعنى ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اَلْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾؛ بعد قولي: ﴿إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾؛ فقد رأيت كلام العلماء في الآية. وأن القول الأول يدل عليه ظاهر السياق. وأن الثاني يدل عليه قوله: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾؛ لأنه يدل على نفي الكلام للإنسي مطلقاً. قال أبو حيان في البحر، وقوله: ﴿إِنسِيًّا﴾؛ لأنها كانت تكلم الملائكة. ومعنى كلامه أن قوله ((إنسياً)) له مفهوم مخالفة، أي بخلاف غير الإنسي كالملائكة فإني أكلمه. والذي يظهر لي أنه لم يرد في الكلام إخراج المفهوم عن حكم المنطوق، وإنما المراد شمول نفي الكلام كل إنسان كائناً من كان. وللعلماء أقوال مستنبطة في هذه الآية من أراد الوقوف عليها فليرجع إلى الأصل هل الإشارة تقوم مقام الكلام. وخلاصة رأي الشيخ في المسألة هو قوله: قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: الذي يظهر لي رجحانه في المسألة أن الإشارة إن دلت على المعنى دلالة واضحة لا شك في المقصود معها أنها تقوم مقام النطق مطلقاً، ما لم تكن في خصوص اللفظ أهمية مقصودة من قبل الشارع، فإن كانت فلا تقوم الإشارة مقامه كأيمان اللعان، فإن الله نص عليها بصورة معينة، فالظاهر أن الإشارة لا تقوم مقامها، وكجميع الألفاظ المتعبد بها فلا تكفي فيها الإشارة، والله - جل وعلا - أعلم. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾؛ أي إمساكاً عن الكلام في قول الجمهور، والصوم في اللغة: الإمساك، ومنه قول نابغة ذبيان: ٦٤٣ سورة مريم: الآية ( ٢٦) خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما فقوله: ((خيل صيام)) أي ممسكة عن الجري، وقيل عن العلف ((وخيل غير صائمة)) أي غير ممسكة عما ذكر، وقول امرئ القيس: بأمراس كتان إلى صم جندل كأن الثرياً علقت في مصامها فقوله: ((في مصامها)) أي مكان صومها، يعني إمساكها عن الحركة. وهذا القول هو الصحيح في معنى الآية؛ أن المراد بالصوم الإمساك عن الكلام، بدليل قوله بعده: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾؛ وهو قول أكثر أهل العلم. وقال ابن حجر في (الفتح) في (باب اللعان). وقد ثبت من حديث أبي بن كعب وأنس بن مالك أن معنى قوله تعالى: ﴿إِنِّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي صمتاً. أخرجه الطبراني وغيره، اهـ وقال بعض العلماء: المراد بالصوم في الآية: هو الصوم الشرعي المعروف المذكور في قوله تعالى: ﴿كُِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]. وعليه فالمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم حرم عليهم الكلام كما يحرم عليهم الطعام، والصواب في معنى الآية الأول. وعليه فهذا النذر الذي نذرته ألا تكلم اليوم إنسيا كان جائزاً في شريعتهم. أما في الشريعة التي جاءنا بها نبينا * فلا يجوز ذلك النذر ولا يجب الوفاء به، قال البخاري في صحيحه: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: بينما النبي يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي وَّل: ((مره فليتكلم، وليستظل وليقعد وليتم صومه)) قال عبد الوهاب: حدثنا أيوب عن عكرمة عن النبي ◌َّ، اهـ. وقال ابن حجر ((في الفتح» في الكلام على هذا الحديث وفي حديثه أن السكوت عن المباح ليس من طاعة الله: وقد أخرج أبو داوود من حديث علي: ((ولا صمت يوم إلى الليل)) وتقدم في السيرة النبوية قول أبي بكر الصديق: إن هذا ((يعني الصمت)) من فعل الجاهلية، وفيه: أن كل شيء يتأذى به الإنسان ولو مآلاً مما لم يرد بمشروعيته كتاب أو سنة، كالمشي حافياً، والجلوس في الشمس ليس هو من طاعة الله، فلا ينعقد به النذر، فإنه لو أمر أبا إسرائيل بإتمام الصوم دون غيره. وهو محمول على أنه علم أنه لا يشق عليه. وأمره أن يقعد ويتكلم ويستظل. قال القرطبي في قصة أبي إسرائيل هذه أوضح الحجج للجمهور في عدم وجوب الكفارة على من نذر معصية، أو ما لا طاعة فيه. قال مالك لما ذكره: ولم أسمع أن رسول الله ولي أمره بالكفارة، انتهى كلام صاحب (فتح الباري). وقد قال الزمخشري في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها : وقد نهى ◌ّ عن صوم الصمت. فقال ابن حجر في (الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف): لم أره هكذا. وأخرج عبد الرزاق من حديث جابر بلفظ: ((لا صمت يوم إلى الليل)) وفيه حزام بن عثمان وهو ضعيف. ولأبي داوود من حديث علي مثله، وقد تقدم في تفسير سورة ((النساء)). ٦٤٤ سورة مريم: الآية (٢٦) وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَ﴾؛ معناه فإن تري من البشر أحداً، فلفظة: ((إما)) مركبة من ((إن)) الشرطية و((ما)) المزيدة لتوكيد الشرط، والأصل ترأيين على وزن تفعلين، تحركت الياء التي هي لام الكلمة وانفتح ما قبلها وجب قلبها ألفاً فصارت ترآين، فحذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى الراء؛ لأن اللغة الفصحى التي هي الأغلب في كلام العرب حذف همزة رأى في المضارع والأمر، ونقل حركتها إلى الراء فصارت (تراين)) فالتقى الساكنان فحذف الأول وهو الألف، فصار ترين، فدخلت عليه نون التوكيد الثقيلة فحذفت نون الرفع من أجلها هي، والجازم الذي هو إن الشرطية؛ لأن كل واحد منهما بانفراده يوجب حذف نون الرفع، فصار ترين، فالتقى ساكنان هما الياء الساكنة والنون الأولى الساكنة من نون التوكيد المثقلة؛ لأن كل حرف مشدد فهو حرفان، فحركت الياء بحركة تناسبها وهي الكسرة فصارت ترين، كما أشار إلى هذا ابن مالك في الخلاصة بقوله: واو ويا شكل مجالس قفي واحذفه من رافع هاتين وفي قوم اخشون واضمم وقس مسويا نحو اخشين يا هند بالكسر ويا وما ذكرنا من أن همزة ((رأى)) تحذف في المضارع والأمر هو القياس المطرد في كلام العرب وبقاؤها على الأصل مسموع، ومنه قول سراقة بن مرداس البارقي الأصغر: كلانا عالم بالترهات أري عيني ما لم ترأياه وقول الأعلم بن جرادة السعدي، أو شاعر من تيم الرباب: ومن يتمل العيش يرأ ويسمع ألم ترأ ما لاقيت والدهر أعصر وقول آخر: أحن إذا رأيت جبال نجد ولا أرأى إلى نجد سبيلا ونون التوكيد في العمل المضارع بعد ((إما)) لازمة عند بعض علماء العربية، وممن قال بلزومها بعد ((إما)) كقوله هنا: ﴿فَإِمَّا تَرَيِّنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾: المبرد والزجاج. ومذهب سيبويه والفارسي وجماعة أن نون التوكيد في الفعل المضارع بعد ((إما)) غير لازمة، ويدل له كثرة وروده في شعر العرب، كقول الأعشى ميمون بن قيس : فإن الحوادث أودى بها فإما تريني ولي لمة وقول لبيد بن ربيعة: فإما تريني اليوم أصبحت سالماً فلست بأحيا من كلاب وجعفر وقول الشنفرى : فإما تريني كابنة الرمل ضاحياً وقول الأفوه الأودي : على رقة أحفى ولا أتنعل ٦٤٥ سورة مريم: الآيتان (٢٧ - ٢٨) مأس زمان ذي انتكاس مؤس إما تري رأسي أزرى به وقول الآخر: زعمت تماضر أنني إما أمت وقول الآخر: يسدد أبينوها الأصاغر خلتي فما التخلي عن الخلان من شيمي يا صاح إما تجدني غير ذي جدة. وأمثال هذا كثيرة في شعر العرب، والمبرد والزجاج يقولان: إن حذف النون في الأبيات المذكورة ونحوها إنما هو لضرورة الشعر. ومن خالفهم كسيبويه والفارسي يمنعون كونه للضرورة، ويقولون: إنه جائز مطلقاً. والعلم عند الله تعالى. يَأُخْتَ قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ، قَوْمَهَا تَحْمِلْ قَالُواْ يَمَرْيَهُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَيًّا هَرُونَ مَا كَانَ أَبُلِهِ آمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٨)﴾. لما اطمأنت مريم بسبب ما رأت من الآيات الخارقة للعادة التي تقدم ذكرها آنفاً، أتت به (أي بعيسى) قومها تحمله غير محتشمة ولا مكترثة بما يقولون، فقالوا لها: ﴿يَمَرْيَهُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾! قال مجاهد وقتادة وغير واحد: ((فريا)) أي عظيماً. وقال سعيد بن مسعدة: ((فريا)) أي مختلقاً مفتعلاً. وقال أبو عبيدة والأخفش: ((فريا)) أي عجيباً نادراً. قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: الذي يفهم من الآيات القرآنية أن مرادهم بقولهم: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾؛ أي منكراً عظيماً؛ لأن الفري فعيل من الفرية، يعنون به الزنى؛ لأن ولد الزنى كالشيء المفترى المختلق؛ لأن الزانية تدعي إلحاقه بمن ليس أباه. ويدل على أن مرادهم بقولهم ((فريا)) الزنى قوله تعالى: ﴿وَيَكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَنًا عَظِيمًا (®)﴾ [النساء]؛ لأن ذلك البهتان العظيم الذي هو ادعاؤهم أنها زنت، وجاءت بعيسى من ذلك الزنى (حاشاها وحاشاه من ذلك) هو المراد بقولهم لها: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيبًا﴾. ويدل لذلك قوله تعالى بعده: ﴿يَأُخْتَ هَرُونَ مَا كَانَ أَبُوءِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًا ﴾﴾؛ والبغي الزانية كما تقدم. يعنون كان أبواك عفيفين لا يفعلان الفاحشة، فما لك أنت ترتكبينها !! ومما يدل على أن ولد الزنى كالشيء المفترى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتِنَ بِبُهْتَنْ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَبْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢]. قال بعض العلماء: معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتِنَ بِبُهْتَنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢]، أي ولا يأتين بولد زنى يقصدن إلحاقه برجل ليس أباه، هذا هو الظاهر الذي دل عليه القرآن في معنى الآية. وكل عمل أجاده عامله فقد فراه لغة، ومنه قول الراجز وهو زرارة بن صعب بن دهر: مسوساً مدوداً حجرياً قد أطعمتني دقلا حوليا قد كنت تفرين به الفريا يعني تعملين به العمل العظيم. والظاهر أنه يقصد أنها تأكله أكلاً لماً عظيماً. ٦٤٦ سورة مريم: الآيتان (٢٧ - ٢٨) وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَأُخْتَ هَرُونَ﴾؛ ليس المراد به هارون بن عمران أخا موسى كما يظنه بعض الجهلة. وإنما هو رجل آخر صالح من بني إسرائيل يسمى هارون، والدليل على أنه ليس هارون أخا موسى ما رواه مسلم - رحمه الله تعالى - في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبو سعيد الأشج، ومحمد بن المثنى العنزي؛ واللفظ لابن نمير قالوا: حدثنا ابن إدريس عن أبيه، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة قال: لما قدمت نجران سألوني فقالوا: إنكم تقرؤون ﴿يَأُخْتَ هَرُونَ﴾ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فلما قدمت على رسول الله و لو سألته عن ذلك فقال: ((إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم))، اهـ، هذا لفظ مسلم في الصحيح. وهو دليل على أنه رجل غير هارون أخي موسى، ومعلوم أن هارون أخا موسى قبل مريم بزمن طويل. وقال ابن حجر في (الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف) في قول الزمخشري: إنما عنوا هارون النبي ما نصه: لم أجده هكذا إلا عند الثعلبي بغير سند، ورواه الطبري عن السدي قوله وليس بصحيح؛ فإن عند مسلم والنسائي والترمذي عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني النبي ◌َّ إلى نجران فقالوا لي: أرأيتم شيئاً يقرؤونه ﴿يَتَأُخْتَ هَرُونَ﴾؛ وبين موسى وعيسى ما شاء الله من السنين، فلم أدر ما أجيبهم؟ فقال لي النبي ◌َّ: ((هلا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين من قبلهم)) وروى الطبري من طريق ابن سيرين: نبئت أن كعباً قال: إن قوله تعالى: ﴿يَتَأُخْتَ هَرُونَ﴾؛ ليس بهارون أخي موسى، فقالت له عائشة: كذبت؟ فقال لها: يا أم المؤمنين، إن كان النبي ◌َّ- قال فهو أعلم، وإلا فأنا أجد بينهما ستمائة سنة، انتهى كلام ابن حجر. وقال صاحب الدر المنثور في قوله تعالى: ﴿يَأُخْتَ هَرُونَ﴾؛ أخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله وَلّ إلى نجران ... إلى آخر الحديث كما تقدم آنفاً، وبهذا الحديث الصحيح الذي رأيت إخراج هؤلاء الجماعة له، وقد قدمناه بلفظه عند مسلم في صحيحه تعلم أن قول من قال: إن المراد هارون أخو موسى باطل سواء قيل إنها أخته، أو أن المراد بأنها أخته أنها من ذريته، كما يقال للرجل: يا أخا تميم، والمراد يا أخا بني تميم؛ لأنه من ذرية تميم، ومن هذا القبيل قوله: ﴿وَأَذْكُرْ أَخَا عَارٍ﴾ [الأحقاف: ٢١]؛ لأن هوداً إنما قيل له أخو عاد لأنه من ذريته، فهو أخو بني عاد، وهم المراد بعاد في الآية؛ لأن المراد بها القبيلة لا الجد. وإذا حققت أن المراد بهارون في الآية غير هارون أخي موسى، فاعلم أن بعض العلماء قال: إن لها أخاً اسمه هارون. وبعضهم يقول: إن هارون المذكور رجل من قومها مشهور بالصلاح، وعلى هذا فالمراد بكونها أخته أنها تشبهه في العبادة والتقوى، وإطلاق اسم الأخ على النظير المشابه معروف في ٦٤٧ سورة مريم: الآيات (٣٠ - ٣٣) القرآن وفي كلام العرب، فمنه في القرآن قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ ... الآية [الزخرف: ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَنَ مـ الشّيَاطِينِ﴾ الآية [الإسراء: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدّ مُدَّوَهُمْ فِى الْغَىّ ثُمَّ لَا بُقْصِرُونَ (١)﴾ [الأعراف]، ومنه في كلام العرب قوله: لعمر أبيك إلا الفرقدان وكل أخ يفارقه أخوه فجعل الفرقدين أخوين. وكثيراً ما تطلق العرب اسم الأخ على الصديق والصاحب، ومن إطلاقه على الصاحب قول القلاخ بن حزن: أخا الحرب لباساً إليها جلالها وليس بولاج الخوالف أعقلا فقوله: ((أخا الحرب)) يعني صاحبها؛ ومنه قول الراعي وقيل لأبي ذؤيب: بدومة تجر دونه وحجيج عشية سعدى لو تراءت لراهب على النأي إخوان العزاء هيوج قلى دينه واهتاج للشوق إنها فقوله ((إخوان العزاء)) يعني أصحاب الصبر. قوله تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهٌ﴾. معنى إشارتها إليه أنهم يكلمونه فيخبرهم بحقيقة الأمر، والدليل على أن هذا هو مرادها بإشارتها إليه قوله تعالى بعده: ﴿قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾؛ فالفعل الماضي الذي هو ((كان)) بمعنى الفعل المضارع المقترن بالحال كما يدل عليه السياق. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِ عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَدِفِىَ الْكِنَبَ وَجَعَلَى نَبِيًّا ﴿ وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَنِ بِالْقَلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ مَا دُمْتُ حَيَّ ® وَبَرَّ بِوَلِدَقِ وَلَمْ يَجْعَلْنِ جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدِتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيَّا (®)﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن أول كلمة نطق لهم بها عيسى وهو صبي في مهده أنه عبد الله، وفي ذلك أعظم زجر للنصارى عن دعواهم أنه الله، أو ابنه أو إله معه! وهذه الكلمة التي نطق بها عيسى في أول خطابه لهم ذكرها الله - جل وعلا - عنه في مواضع أخر كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَبَّنِىّ إِسْرَِّيلَ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّ وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ﴾ [المائدة: ٧٢]، وقوله في ((آل عمران)): ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّ وَرَبُّكُمْ فَعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾﴾ [آل عمران]، وقوله في ((الزخرف)»: ﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٣٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِى وَرَبَّكُمْ فَأَعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ [الزخرف]، وقوله هنا في سورة ((مريم)): ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ (®﴾، وقوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِى بِهِ أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِى وَرَبَّكُمْ﴾ ... الآية [المائدة: ١١٧]، إلى غير ذلك من الآيات .. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿،َاتَنِىَ الْكِتَبَ وَجَعَنِ نِيًّا﴾ التحقيق فيه - إن شاء الله -: أنه عبر بالماضي عما سيقع في المستقبل تنزيلاً لتحقق الوقوع منزلة الوقوع. ونظائره في ٦٤٨ سورة مريم: الآية (٣٤) القرآن كثيرة كقوله تعالى: ﴿أَقَدَ أَمْرُ اَللَّهِ فَلاَ تَسْتَعِْلُوهُ﴾ [النحل: ١]، وقوله تعالى: ﴿وَنُّفِخَ فِى الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ الْأَرْضِ إِلَّ مَن شَآءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ ﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَيِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَحَِّ بِالنَّبيِّنَ وَالشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ يَلْنَهُم يَظُرُونَ وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسِ مَّا عَمِلَتْ﴾ إلى قوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦) [الزمر: ٦٨ - ٧١]. وقوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٧٣]. فهذه الأفعال الماضية المذكورة في الآيات بمعنى المستقبل تنزيلاً لتحقق وقوعه منزلة الوقوع بالفعل، ونظائرها كثيرة في القرآن. وهذا الذي ذكرنا من أن الأفعال الماضية في قوله تعالى: ﴿ءَاتَنِىَ الْكِتَبَ﴾ إلخ، بمعنى المستقبل هو الصواب - إن شاء الله - خلافاً لمن زعم أنه نبيّ وأوتي الكتاب في حال صباه لظاهر اللفظ. وقوله: ﴿وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا﴾ أي كثير البركات؛ لأنه يعلم الخير ويدعو إلى الله، ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله. وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية: ﴿مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾، عن رسول الله ◌َ نفاعاً حيث كنت. وقال ابن حجر في (الكافي الشاف): أخرجه أبو نعيم (في الحلية) في ترجمة يونس بن عبيد عن الحسن عن أبي هريرة بهذا وأتم. وقال: تفرد به هشيم عن يونس، وعنه شعيب بن محمد الكوفي، ورواه ابن مردويه من هذا الوجه، اهـ. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَرَّ بِوَلِدَقِ﴾؛ قال الحوفي وأبو البقاء: هو معطوف على قوله: ﴿وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا﴾. قال أبو حيان (في البحر): وفيه بعد للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالجملة التي هي ﴿وَأَوْصَنِ﴾ ومتعلقها؛ والأولى أنه منصوب بفعل مضمر؛ أي وجعلني براً بوالدتي، ولما قال: ﴿يَوْلِدَتِ﴾؛ ولم يقل بوالدي، علم أنه أمر من قبل الله؛ كما ذكره القرطبي عن ابن عباس ﴿ها، وقد قدمنا معنى ((الجبار والشقي)). وقال القرطبي تَظّفُ في تفسير هذه الآية: ((شقياً)) أي خائباً من الخير، وعن ابن عباس: عاقاً. وقيل عاصياً لربه. وقيل: لم يجعلني تاركاً لأمره فأشقى كما شقي إبليس، اهـ كلام القرطبي. تنبيه: احتج مالك تغلفُ بهذه الآية على القدرية، قال أبو عبد الله القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: قال مالك بن أنس - رحمه الله تعالى - في هذه الآية: ما أشدها على أهل القدر؛ أخبر عيسى ظلّل بما قضى من أمره وبما هو كائن إلى أن يموت، اهـ. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيٌ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣)﴾. اعلم أن هذا الحرف فيه قراءتان سبعيتان: قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي ﴿قَوْلَـ اٌلْحَقِّ﴾ بضم اللام، وقرأه ابن عامر وعاصم ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ بالنّصب. والإشارة في قوله (ذلك)) راجعة إلى المولود المذكور في الآيات المذكورة قبل هذا، وقوله ((ذلك)) مبتدأ، ((وعيسى))، خبره، و((ابن مريم)) نعت لـ ((عيسى)) وقيل: بدل منه. وقيل: خبر بعد خبر. ٦٤٩ سورة مريم: الآية (٣٤) وقوله: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ على قراءة النصب مصدر مؤكد لمضمون الجملة. وإلى نحوه أشار ابن مالك بقوله فى الخلاصة: والثاني كابني أنت حقاً صرفاً وقيل: منصوب على المدح، وأما على قراءة الجمهور بالرفع فيقولُ الحق)) خبر مبتدأ محذوف؛ أي هو، أي نسبته إلى أمه فقط قول الحق، قاله أبو حيان. وقال الزمخشري: وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر، أو بدل، أو خبر مبتدأ محذوف. قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له -: اعلم أن لفظة ((الحق)) في قوله هنا ((قول الحق)) فيها للعلماء وجهان: الأول: أن المراد بالحق ضد الباطل بمعنى الصدق والثبوت كقوله: ﴿وَكَذَّبَ پِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦]، وعلى هذا القول فإعراب قوله: ﴿قَوْلَ اُلْحَقِّ﴾؛ على قراءة النصب أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة كما تقدم، وعلى قراءة الرفع فهو خبر مبتدأ محذوف كما تقدم، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى في ((آل عمران)) في القصة بعينها: ﴿اَلْحَقُّ مِنْ رَّبِّكَ فَلَ تَكُ مِّنَ الْمُمْتِنَ ﴾﴾ [آل عمران]. الوجه الثاني: أن المراد بالحق في الآية الله - جل وعلا - لأن من أسمائه ((الحق)) كقوله: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّ هُوَ الْحَقُّ﴾ ... الآية [الحج: ٦]. وعلى هذا القول فإعراب قوله تعالى: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ على قراءة النصب أنه منصوب على المدح، وعلى قراءة الرفع فهو بدل من ((عيسى)) أو خبر بعد خبر، وعلى هذا الوجه (قولُ الحق) هو ((عيسى)) كما سمّاهَ الله كلمة في قوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنَهَا إِلَى مَرْيَ﴾ [النساء: ١٧١]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أَسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى﴾ ... الآية [آل عمران: ٤٥]. وإنما سمي ((عيسى)) كلمة؛ لأن الله أوجده بكلمته التي هي ((كن)) فكان؛ كما قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَمُ كُنْ﴾ [آل عمران: ٥٩]. والقول والكلمة على هذا الوجه من التفسير بمعنى واحد. وقوله: ﴿الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أي يشكون، فالامتراء افتعال من المرية وهي الشك. وهذا الشك الذي وقع للكفار نهى الله عنه المسلمين على لسان نبيهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَّ خَلَقَهُمْ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿ اَلْحَقُّ مِنْ رَّبِّكَ فَلاَ تَكُ مِّنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾﴾ [آل عمران]، وهذا القول الحق الذي أوضح الله به حقيقة الأمر في شأن عيسى - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - بعد نزوله على نبينا وكل أمره ربه أن يدعو من حاجه في شأن عيسى إلى المباهلة؛ ثم أخبره أن ما قص عليه من خبر عيسى هو القصص الحق، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدٍ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَءَنَا وَأَبْنَاءَ كُمْ وَنِسَآءَنَا وَذِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّمْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَذِينَ ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ اُلْقَصَصُ الْحَقٌّ﴾ ... الآية [آل عمران: ٦١ - ٦٢]. ولما نزلت ودعا النبي ◌َ ﴿ل وفد نجران إلى المباهلة خافوا الهلاك وأدوا كما هو مشهور. ٦٥٠ سورة مريم: الآية (٣٥) قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍّ سُبْحَتَهٍُ إِذَا قَضَوَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾. اعلم أولاً أن لفظ ((ما كان)) يدل على النفي، فتارة يدل ذلك النفي من جهة المعنى على الزجر والردع، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّقُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ﴾ ... الآية [التوبة: ١٢٠]. وتارة يدل على التعجيز كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾َ أَمَّنْ خَقَ الَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَنْجَتْنَا بِهِ، حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُواْ شَجَرَهَاً﴾ الآية [النمل: ٥٩، ٦٠]، وتارة يدل على التنزيه، كقوله هنا: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾؛ وقد أعقبه بقوله: ﴿سُبْحَتَهُ﴾ أي تنزيهاً له عن اتخاذ الولد وكل ما لا يليق بكماله وجلاله. فقوله: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ﴾ بمعنى ما يصح ولا يتأتى ولا يتصور في حقه - جلّ وعلا - أن يتخذ ولداً، وإنّ عن ذلك علواً كبيراً، والآية كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ﴾، وفي هذه الآية الرد البالغ على النصارى الذين زعموا المحال في قولهم ((عيسى ابن الله)) وما نزه عنه - جل وعلا - نفسه هنا من الولد المزعوم كذباً كعيسى نزه عنه نفسه في مواضع أخر كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَبِهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا اَللَّهُ إِلَهٌ وَحِدٌ سُبْحَتَهُ: أَن يَكُونَ لَهُ وَلَهُ﴾ الآية [النساء: ١٧١]. والآيات الدالة على مثل ذلك كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أُمَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ﴿َ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَّا ﴿٨ تَكَادُ السَّمَوَتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَذَّا ﴿ أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدَّا (١) وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًّا (٦)﴾، إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم مستوفى في سورة ((الكهف)). وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِذَا قَضَوَ أَمْرًا﴾ أي أراد قضاءه، بدليل قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾﴾ [النحل]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾﴾ [يس]، وحذف فعل الإرادة لدلالة المقام عليه كثير في القرآن وفي كلام العرب، ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ ... الآية [المائدة: ٦]، إي إذا أردتم القيام إليها، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ [النحل]، أي إذا ٩٨ أردت قراءة القرآن، كما تقدم مستوفى. وقوله تعالى في الآية التي نحن بصددها: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِن وَلَدِّ﴾؛ زيدت فيه لفظة ((من)) قبل المفعول به لتأكيد العموم، وقد تقرر في الأصول أن النكرة في سياق النفي إذا زيدت قبلها لفظة ((من)) لتوكيد العموم كانت نصاً صريحاً في العموم، وتطرد زيادتها للتوكيد المذكور قبل النكرة في سياق النفي في ثلاثة مواضع قبل الفاعل كقوله تعالى: ﴿مَّآ أَتَنَّهُم مِّنْ تَّذِيرٍ﴾ [القصص: ٤٦]، وقبل المفعول كهذه الآية وكقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ﴾ .... الآية [الأنبياء: ٢٥]، وقبل المبتدأ كقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]. ٦٥١ سورة مريم: الآيتان (٣٧ - ٣٨) ١٣٧ قوله تعالى: ﴿فَأَخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدٍ يَوْمٍ عَظِيمِ أظهر الأقوال في ((الأحزاب)) المذكورة في هذه الآية أنهم فرق اليهود والنصارى الذين اختلفوا في شأن عيسى. فقالت طائفة: هو ابن زنى. وقالت طائفة: هو ابن الله. وقالت طائفة: هو الله. وقالت طائفة: هو إله مع الله. ثم إن الله توعد الذين كفروا منهم بالويل لهم من شهود يوم القيامة؛ وذلك يشمل من كفر بالتفريط في عيسى كالذي قال: إنه ابن زنى. ومن كفر بالإفراط فيه كالذين قالوا إنه الله أو ابنه. وقوله («ويل)) كلمة عذاب؛ فهو مصدر لا فعل له من لفظه. وسوغ الابتداء به وهو نكرة كونه في معنى الدعاء، والظاهر أن المشهد في الآية مصدر ميمي؛ أي فويل لهم من شهود ذلك اليوم أي حضوره لما سيلاقونه فيه من العذاب، خلافاً لمن زعم أن المشهد في الآية اسم مكان؛ أي فويل لهم من ذلك المكان الذي يشهدون فيه تلك الأهوال والعذاب. والأول هو الظاهر وهو الصواب - إن شاء الله تعالى - وهذا المعنى الذي ذكره هنا ذكره أيضاً في سورة ((الزخرف)) في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبِيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيَّهِ فَنَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ (٢) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِى وَرَبُّكُمْ فَأَعْبُدُوَةٌ هَذَا فَأَخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابٍ يَوْمٍ أَلِيٍ ٦٤ صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ [الزخرف]، وما أشار إليه في الآيتين من أن الذين كفروا بالإفراط أو التفريط في عيسى - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - أنه لم يعاجلهم بالعذاب، وأنه يؤخر عذابهم إلى الوقت المحدد لذلك أشار له في مواضع أخر كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَفِلًا [إبراهيم]، وقوله تعالى: ١٤٣ عَنَا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوٍْ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ ◌ْوَهَا نُؤَخِرُهُ إِلَّا لِأَجَلِ مَعْدُودٍ (٣٦)﴾ [هود]، وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمَّى لَ هُ الْعَذَابُّ وَلَأْنِيَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣]. وبالجملة فالله تعالى يمهل الظالم إلى وقت عذابه، ولكنه لا يهمله، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي ◌َّم قال: ((إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)) ثم قرأ رسول الله وَليه : ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِيمٌ شَدِيدُ (19)﴾ [هود]، وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيَّتُ لَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ الْمَصِيرُ (®)﴾ [الحج]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَأَخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾؛ قال أبو حيان في (البحر): ومعنى قوله ((من بينهم)) أن الاختلاف لم يخرج عنهم بل كانوا هم المختلفين، انتهى محل الغرض منه. قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَّا لَكِنِ اُلَِّمُونَ أَلْيَوْمَ فِي ضَلَلٍ مُِّنٍ قوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ صيغتا تعجب، ومعنى الآية الكريمة أن الكفار يوم القيامة يسمعون ويبصرون الحقائق التي أخبرتهم بها الرسل سمعاً وإبصاراً عجيبين، وأنهم في دار الدنيا في ضلال وغفلة لا يسمعون الحق ولا يبصرونه؛ وهذا الذي بينه تعالى في ٦٥٢ سورة مريم: الآية (٣٩) هذه الآية الكريمة بينه في مواضع أخر كقوله في سمعهم وإبصارهم يوم القيامة: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ﴾﴾ [السجدة]، وقوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كُنْتَ فِى غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنَكَ غِطَآءَكَ [ق]، وكقوله في غفلتهم في الدنيا وعدم إبصارهم وسمعهم: فَصَرُكَ أَلْوَمَ حَدِيدٌ (®َا﴾ ﴿أَقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾﴾ [الأنبياء]، وقوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَِهِرًا مِّنَ اَلْخَيَّوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الَْخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ ﴾﴾ [الروم]، وقوله: ﴿صُمْ بَكْمُّ عُتِىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾﴾ [البقرة]، وقوله: ﴿مَثَلُ الْفَرِقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعْ﴾ ... الآية [هود: ٢٤]، والمراد بالأعمى والأصم: الكفار، والآيات بمثل هذا كثيرة، واعلم أن صيغة التعجب إذا كانت على وزن أفعل به فهي فعل عند الجمهور، وأكثرهم يقولون: إنه فعل ماض جاء على صورة الأمر. وبعضهم يقول: إنه فعل أمر لإنشاء التعجب، وهو الظاهر من الصيغة، ويؤيده دخول نون التوكيد عليه، كقول الشاعر: فأحربه من طول فقر وأحريا ومستبدل من بعد غضبا صريمة لأن الألف في قوله ((وأحريا)» مبدلة من نون التوكيد الخفيفة على حد قوله في الخلاصة: وأبدلنها بعد فتح ألفا وقفاً كما تقول في قفن قفا والجمهور أيضاً على أن صيغة التعجب الأخرى التي هي ما أفعله فعل ماض، خلافاً لجماعة من الكوفيين في قولهم: إنها اسم بدليل تصغيرها في قول العرجي: من هؤلياتكن الضال السمر ياما أميليح غزلاناً شدن لنا قالوا: والتصغير لا يكون إلا في الأسماء، وأجاب من خالفهم بأن تصغيرها في البيت المذكور شاذ يحفظ ولا يقاس عليه. قوله تعالى: ﴿وَأَذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الْأَمَّرُ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ الحسرة: أشد الندم والتلفت على الشيء الذي فات ولا يمكن تداركه، والإنذار: الإعلام المقترن بتهديد؛ أي أنذر الناس يوم القيامة: وقيل له: يوم الحسرة لشدة ندم الكفار فيه على التفريط، وقد يندم فيه المؤمنون على ما كان منهم من التقصير، وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْأَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْخَنَّاجِرِ كَظِمِينَ﴾. [غافر: ١٨]، وقوله: ﴿إِلَّا نَذِيْرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦]. وأشار إلى ما يحصل فيه من الحسرة في مواضع أخر كقوله: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسُ بَحَسْرَتَ عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِى جَنْبِ اللَّهِ﴾ ... الآية [الزمر: ٥٦]، وقوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ أَلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاءِ اللَّهِ حَّى إِذَا جَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَحَسْرَكَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ ... الآية [الأنعام: ٣١]، وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمٌّ وَمَا هُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧]، إلى غير ذلك من الآيات، وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَهُمْ فِى غَفَّلَتٍ﴾؛ أي في غفلة الدنيا معرضون عن الآخرة، وجملة ﴿وَهُمْ فِ غَقْلَةٍ﴾ حالية، والعامل ٦٥٣ سورة مريم: الآيات (٤٠ - ٤٥) فيها ((أنذرهم)) أي أنذرهم في حال غفلتهم غير مؤمنين. خلافاً لمن قال: إن العامل في الجملة الحالية قوله قبل هذا ﴿فِي ضَكَلٍ مِينٍ﴾، وقد جاء في الحديث الصحيح ما يدل على أن المراد بقوله هنا: ﴿إِذْ قُضِىَ الْأَمْرُ﴾ أي ذبح الموت. قال البخاري كَُّهُ في صحيحه: باب قوله : ﴿وَأَنَذِرْهُمْ يَوْمَ المَسْرَةِ﴾؛ حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا أبو صالح عن أبي سعيد الخدري حظه قال: قال رسول الله وقال: ((يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد: يا أهل الجنة! فيشرئبون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وکلهم قد رآه. ثم ينادي: يا أهل النار! فيشرئبون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح. ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت)) ثم قرأ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الَْسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الْأَمْرِّ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ﴾؛ وهؤلاء في غفلة الدنيا وهم لا يؤمنون، انتهى من صحيح البخاري. والحديث مشهور متفق عليه، وقراءة النبي وَ الر الآية بعد ذكره ذبح الموت تدل على أن المراد بقوله: ﴿إِذْ قُضِىَ الْأَمْرُ﴾ أي ذبح الموت. وفي معناه أقوال أخر غير هذا تركناها لدلالة الحديث الصحيح على المعنى الذي ذكرنا . )﴾. معنى قوله قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ - جلّ وعلا - في هذه الآية أنه يرث الأرض ومن عليها، أنه يميت جميع الخلائق الساكنين بالأرض، ويبقى هو - جلّ وعلا - لأنه الحي الذي لا يموت، ثم يرجعون إليه يوم القيامة. وقد أشار إلى هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ ذُو الْجَلِ وَالْإِكْرَاءِ (٣)﴾ [الرحمن]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُّحِىءٍ وَنُمِيتُ وَحْنُ الْوَرِثُونَ (٣)﴾ [الحجر]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فِ اَلْكِتَبِ إِبْرَهِمَّ إِنَُّ كَانَ صِدِّيقًا نِيًّا ﴿ إِذْ قَالَ لِهِ يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ يَأَبَتِ إِنِ قَدْ جَآءَنِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنَكَ شَيْئًا (49) فَأَتَّعْنِىّ أَهْدِكَ صِرَطًا سَوِنًا ﴿﴿ يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنَّ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (® يَتِ ٤٥ إِنَّ أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا أمر الله - جلّ وعلا - نبيه ((محمداً)) وَلّ في هذه الآية الكريمة أن يذكر في الكتاب الذي هو القرآن العظيم المنزل إليه من الله ((إبراهيم)) - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - ويتلو على الناس في القرآن نبأه مع قومه ودعوته لهم إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر. وكرر هذا المعنى المذكور في هذه الآيات في آيات أخر من كتابه - جل وعلا - فهذا الذي أمر به نبيه هنا من ذكره في الكتاب إبراهيم ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِهِ يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ ... الآية، أوضحه في سورة ((الشعراء)) في قوله: ﴿وَثَلُ عَلَيْهِمْ نَبَّأَ إِنَزَهِيمَ ﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَا تَعْبُدُونَ (ِّ ٦٥٤ سورة مريم: الآيات (٤٠ - ٤٥) [الشعراء]. فقوله هنا: ﴿وَأَذَكَّرْ فِى الْكِنَبِ﴾ هو معنى قوله: ﴿وَأَقْلُ عَلَيْهِمْ بَبَّأَ إِنْزَهِيمَ (1)﴾، وزاد في ((الشعراء)) أن هذا الذي قاله لأبيه من النهي عن عبادة الأوثان قاله أيضاً لسائر قومه. وكرر تعالى الإخبار عنه بهذا النهي لأبيه وقومه عن عبادة الأوثان في مواضع أخر كقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ لِأَبِهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً إِنَّ أَرَئِكَ وَقَوْمَكَ فِى قَالُواْ نَعْبُدُ ٧٠ ضَلَلٍ مُّبِينٍ ﴾﴾ [الأنعام]، وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَا تَعْبُدُونَ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَمَا عَلَكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٣) أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُونَ (َ) قَالُواْ قَالَ أَفْرَءَيْتُم مَّا كُتُمْ تَعْبُدُونَ (٢٥) أَنْتُمْ وَمَابَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ٧٤٦ بَلْ وَجَدْنَآ ءَابََّنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّ إِلَّا رَبَّ الْعَلَمِينَ ﴿4﴾ [الشعراء]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَآ إِنَزْهِيَمَ رُشْدَهُ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ، مَا هَذِهِ التَّمَائِلُ الَّيِ أَنْتُمْ لَهَا عَكِفُونَ ٥١ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ، عَلِمِينَ قَالَ لَقَدْ كُمْ أَنْتُمْ وَبَآؤُكُمْ فِ ضَلَلِ مُبِينٍ ﴾ قَالُواْ أَجِئْتَنَا ٥٣ قَالُواْ وَجَدْنَاَ ءَابَآءَنَا لَهَا عَبِدِينَ. بِالْحَقّ أَمْ أَنْتَ مِنَ الَّعِبِينَ ﴿ قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الَّذِى فَطَرَهُرَ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِّنَ الشَّهِدِينَ ﴾﴾ [الأنبياء]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيُمُ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ: إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ، (يَا﴾ [الزخرف]، وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِى فَطَرَبِ فَإِنَّهُ سَيَهْدِینِ ◌َإِبْرَهِيمَ (چچ إِذِ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴿﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَاذَا تَعْبُدُونَ ﴿ أَبِفِكا ءَالِهَةٌ دُونَ [الصافات]. وقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ ﴿﴿ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَلَمِينَ اللَّهِ تُرِدُونَ حَسَنَةٌ فِىّ إِنَزِهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ، إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَؤْ مِنْكُمْ وَمِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبَدًا حَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرِهِيَمَ لِأَبِهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ الآية [الممتحنة: ٤]، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية: ﴿إِذْ قَالَ إِثْرَهِمُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، الظرف الذي هو ((إذ)) بدل اشتمال من ((إبراهيم)) في قوله: ﴿وَأَذَّكُرْ فِى الْكِتَبِ إِبْزَهِيمٌ ﴾ كما تقدم نظيره في قوله: ﴿وَأَذَكُرْ فِ اَلْكِنَبِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ﴾، وقد قدمنا هناك إنكار بعضهم لهذا الإعراب، وجملة ﴿إِنَُّ كَانَ صِدِّيقًا نِّيًّا﴾؛ معترضة بين البدل والمبدل منه على الإعراب المذكور، والصديق صيغة مبالغة من الصدق؛ لشدة صدق إبراهيم في معاملته مع ربه وصدق لهجته، كما شهد الله له بصدق معاملته في قوله: ﴿وَإِبْرَهِيمَ الَّذِى وَقَّ (®)﴾ [النجم]، وقوله: ﴿وَإِذْ أَبْتَلَىَّ إِبْرَهِعَمَ رَبُّهُ بِكَلِمَةٍ فَأَتَمَّهُنُّ قَالَ إِنِّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]. ومن صدقه في معاملته ربه، رضاه بأن يذبح ولده، وشروعه بالفعل في ذلك طاعة لربه؛ مع أن الولد فلذة من الكبد. لكأنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض قَدْ صَدَقْتَ وَنَدَيْنَهُ أَنْ يَكَإبْرَهِيمُ ١٠٣ قال تعالى: ﴿فَلَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِيِنِ ج الرُّزباً﴾ . [الصافات: ١٠٣ - ١٠٥]. ومن صدقه في معاملته مع ربه صبره على الإلقاء في النار كما قال تعالى: ﴿قَالُواْ ٦٥٥ سورة مريم: الآيات (٤٠ - ٤٥). (٨)﴾ [الأنبياء]، وقال: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ حَرِقُوُ وَأَنْصُرُوَاْ ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ قَوْمِهِ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنَجَنُهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ ... الآية [العنكبوت: ٢٤]. وذكر علماء التفسير في قصته أنهم لما رموه إلى النار لقيه جبريل فسأله: هل لك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا! وأما إلى الله فنعم. فقال له: لم لا تسأله؟ فقال: علمه بحالي کاف عن سؤالي. ومن صدقه في معاملته ربه، صبره على مفارقة الأهل والوطن فراراً لدينه كما قال تعالى: ﴿فَامَنَ لَكُ لُوطُ وَقَالَ إِِّ مُهَاجِرٍ إِلَى رَبِّ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وقد هاجر من سواد العراق إلى دمشق، وقد بين - جلّ وعلا - في مواضع أخر أنه لم يكتف بنهيهم عن عبادة الأوثان وبيان أنها لا تنفع ولا تضر، بل زاد على ذلك أنه كسرها وجعلها جذاذا وترك الكبير من الأصنام، ولما سألوه هل هو الذي كسرها قال لهم: إن الذي فعل ذلك كبير الأصنام، وأمرهم بسؤال الأصنام إن كانت تنطق كما قال تعالى عنه: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَمَكُم بَعْدَ أَنَ قُولُّوْ مُدْيِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَدًا إِلَّا كَبِيرًاً لَُّمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ بَرْجِعُونَ قَالُواْ مَنْ فَعَلَ هَذَا خَالِهَيْنَآ إِنَّهُ لَمِنَ اُلَّلِينَ ﴾ قَالُواْ سَمِعْنَا فَتَى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ: ٥٨ قَالُواْ فَأَتُواْ بِهِ، عَلَىَّ أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ﴾ قَالُواْ ءَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِخَالِتِّنَا إِزَهِيمُ فَرَجَعُوْاْ إِلَى قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِرُهُمْ هَذَا فَسَثَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَطِقُونَ ( يَاِبْزَهِيمُ أَنْفُسِهِمْ فَقَالُواْ إِنَّكُمْ أَنْتُهُ الَّلِمُونَ ﴿٦ ثُمَّ تَكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنَفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُّكُمْ ﴾ أُنٍ لَّكُمْ وَلِمَا ٦٥ يَنطِقُونَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (4)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى ءَالِهَنِهِمْ فَقَالَ فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَرِفُونَ ﴾ قَالَ ﴿ فَرَاغَ عَيْهِمْ ضَرْيَا بِلْيَمِينِ أَلَا تَأْكُونَ ( مَا لَكُمْ لَا تَطِقُونَ أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِتُّونَ ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (@)﴾ [الصافات]. فقوله: ﴿فَرَعَ عَلَيْهِمْ ضَرْبَا بأَلْيَمِينِ (٣)﴾ أي مال إلى الأصنام يضربها ضرباً بيمينه حتى جعلها جذاذاً، أي قطاعاً متكسرة من قولهم: جذه إذا قطعه وكسره. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا﴾؛ أي كثير الصدق، يعرف منه أن الكذبات الثلاث المذكورة في الحديث عن إبراهيم كلها في الله تعالى، وأنها في الحقيقة من الصدق لا من الكذب بمعناه الحقيقي، وسيأتي - إن شاء الله - زيادة إيضاح لهذا في سورة ((الأنبياء)): وقوله تعالى عن إبراهيم ﴿يَأَبَتِ﴾ [يوسف: ٤]، التاء فيه عوض عن ياء المتكلم؛ فالأصل يا أبي كما أشار له في الخلاصة بقوله :. وفي الندا أبت أمت عرض واكسر أو افتح ومن اليا التا عوض وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿لِمَ تَعْبُدُ﴾ أصله ((ما)) الاستفهامية، فدخل عليها حرف الجر الذي هو ((اللام)) فحذف ألفها على حد قوله في الخلاصة: ٦٥٦ سورة مريم : الآيتان (٤٦ - ٤٧) ألفها وأولها النها إن تقف وما في الاستفهام إن جرت حذف · ومعلوم أن القراءة سنة متبعة لا تجوز بالقياس؛ ولذا يوقف على ((لم)) بسكون الميم لا بهاء السكت كما في البيت، ومعنى عبادته للشيطان في قوله: ﴿لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنَّ﴾؛ طاعته للشيطان في الكفر والمعاصي، فذلك الشرك شرك طاعة، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَنَبَنِيّ ءَدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنِّ إِنَُّ لَكُمْ عَدُوٌّ ◌ُّبِينٌ ﴾ وَأَنِ . أَعْبُدُونِيّ هَذَا صِرَطْ مُسْتَقِيمٌ ﴾﴾ [يس]، كما تقدم هذا المبحث مستوفى في سورة ((الإسراء)) وغيرها . والآية تدل على أن الكفار المعذبين يوم القيامة أولياء الشيطان لقوله هنا: ﴿إِنّ أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَنِ وَلِيًّا﴾، والآيات الدالة على أن الكفار أولياء الشيطان كثيرة، وقد قدمنا كثيراً من ذلك في سورة الكهف وغيرها كقوله تعالى: ﴿فَقَائِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ ... الآية [النساء: ٧٦]، وقوله: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَةٌ﴾ الآية [آل عمران: ١٧٥]، أي يخوفكم أولياء» وقوله: ﴿إِنَّهُمُ أَّخَذُواْ الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اُللَّهِ﴾ ... الآية [الأعراف: ٣٠]. إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم. وكل من كان الشيطان يزين له الكفر والمعاصي فيتبعه في ذلك في الدنيا فلا ولي له في الآخرة إلا الشيطان كما قال تعالى: ﴿ثَلَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَنُ أَعْمَلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَّوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾﴾ [النحل)، ومن كان لا ولي له يوم القيامة إلا الشيطان تحقق أنه لا ولي له ينفعه يوم القيامة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنِّ قَدْ جَنِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾؛ يعني ما علمه الله من الوحي وما ألهمه وهو صغير، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَآ إِنَّزَهِيَمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَّكُنَّا بِهِ، عَلِمِينَ ﴾﴾ [الأنبياء]، ومحاجة إبراهيم لقومه كما ذكرنا بعض الآيات الدالة عليها أثنى الله بها على إبراهيم، وبين أنها حجة الله آتاها نبيه إبراهيم؛ كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَهَا إِبْرَهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ، نَرْفَعُ دَرَجَتٍ مَن نَّشَاءُ﴾ ... الآية [الأنعام: ٨٣]، وقال تعالى: ﴿وَحَجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتْحَبُوْنِ فِ اَللَّهِ وَقَدْ هَدَئِنٍ﴾ ... الآية [الأنعام: ٨٠]، وكون الآيات المذكورة واردة في محاجته لهم المذكورة في سورة ((الأنعام)» لا ينافي ما ذكرنا؛ لأن أصل المحاجة في شيء واحد وهو توحيد الله - جلّ وعلا - وإقامة الحجة القاطعة على أنه لا معبود إلا هو وحده - جلّ وعلا - في سورة ((الأنعام)) وفي غيرها، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَغِبُّ أَنْتَ عَنْ ءَالِهَتِى بَإِنْزَهِيمٌّ لَبِنَ لَّمْ تَنْتَّهِ لَأَرْجُمَنَّكْ وَأَهْجُرْنِ مَلِيًّا قَالَ سَلَمُ عَلَيْكٌ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِيِّ إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيًّا (@) ٤٦ بين الله - جلّ وعلا - في هاتين الآيتين الكريمتين أن إبراهيم لما نصح أباه النصيحة المذكورة مع ما فيها من الرفق واللين، وإيضاح الحق والتحذير من عبادة ما لا ٦٥٧ سورة مريم: الآيتان (٤٦ - ٤٧) .ـ-ـ يسمع ولا يبصر ومن عذاب الله تعالى وولاية الشيطان، خاطبه هذا الخطاب العنيف، وسماه باسمه ولم يقل له يا بني في مقابلة قوله له يا أبت. وأنكر عليه أنه راغب عن عبادة الأوثان، أي معرض عنها لا يريدها؛ لأنه لا يعبد إلا الله وحده - جلّ وعلا - وهدده بأنه إن لم ينته عما يقوله له ليرجمنه (قيل بالحجارة وقيل باللسان شتماً) والأول أظهر، ثم أمره بهجره ملياً أي زماناً طويلاً، ثم بين أن إبراهيم قابل أيضاً جوابه العنيف بغاية الرفق واللين في قوله: ﴿قَالَ سَلَمُ عَلَيْكٌ سَأَسْتَغْفِرْ لَكَ رَبِّ﴾، وخطاب إبراهيم لأبيه الجاهل بقوله: ﴿سَلَمُ عَلَيْكَ﴾ قد بين - جلّ وعلا - أنه خطاب عباده المؤمنين للجهال إذا خاطبوهم، كما قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَسْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ اُلْجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا (٣)﴾ [الفرقان]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَّأَ [القصص]، وما ذكره تعالى هنا من أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِىِ الْجَاهِلِينَ أن إبراهيم لما أقنع أباه بالحجة القاطعة، قابله أبوه بالعنف والشدة، بين في مواضع أخر أنه هو عادة الكفار المتعصبين لأصنامهم، كلما أفحموا بالحجة القاطعة لجأوا إلى استعمال القوة، كقوله تعالى عن إبراهيم لما قال له الكفار عن أصنامهم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءٍ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥]. قال: ﴿أُفٍ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الأنبياء]، فلما أفحمهم بهذه الحجة لجأوا إلى القوة، كما قال تعالى عنهم: ﴿قَالُواْ حَرِقُوهُ وَأَنصُرُوَاْ ءَالِهَتَكُمْ إِن كُمْ فَعِينَ ﴾﴾ [الأنبياء]. ونظيره قوله تعالى عن قَوْم إبراهيم: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ: إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَقْتُلُوهُ أَوْ حَرِقُوهُ فَنْجَنُهُ اَللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾َ [العنكبوت: ٢٤]، وقوله عن قوم لوط لما أفحمهم بالحجة: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ: إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِجُواْ عَالَ لُوطٍ مِّنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ [النمل: ٥٦]، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله: ﴿سَلَمُ عَلَيَكٌ﴾، يعني لا ينالك مني أذى ولا مكروه، بل ستسلم منى فلا أوذيك. وقوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِىّ﴾؛ وعد من إبراهيم لأبيه باستغفاره له، وقد وفى [الشعراء]، وكما (٨٦) بذلك الوعد، كما قال تعالى عنه: ﴿وَأَغْفِرْ لِأَبِّ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ( قال تعالى عنه: ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لِ وَلَوَلِدَنَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم]. ولكن الله لما بين له أنه عدو الله تبرٍأ منه، ولم يستغفر له بعد ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَمَّا نَبَيَّنَ لَهُ: أَنَّهُ, عَدُوٌّ لِلِّ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤]، والموعدة المذكورة هي قوله هنا: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِيّ﴾ ... الآية، ولما اقتدى المؤمنون بإبراهيم فاستغفروا لموتاهم المشركين، واستغفر النبي ◌ّ لعمه أبي طالب، أنزل الله فيهم: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرَبِى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ (٣٧)﴾ [التوبة]. ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ ... الآية [التوبة: ١١٤]. وبين في سورة ((الممتحنة)) أن الاستغفار للمشركين مستثنى من الإسوة بإبراهيم، والإسوة الاقتداء، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَدْ ٦٥٨ سورة مريم: الآيتان (٤٦ - ٤٧) كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَّةُ حَسَنَةُ فِىّ إَِّهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ، إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَوُاْ مِنْكُمْ وَمِعَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَهِيَمَ لِأَبِهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ ... الآية [الممتحنة: ٤]. أي فلا أسوة لكم في إبراهيم في ذلك، ولما ندم المسلمون على استغفارهم للمشركين حين قال فيهم: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة: ١١٣]، بيّن الله تعالى أنهم معذورون في ذلك؛ لأنه لم يبين لهم منع ذلك قبل فعله، وذلك في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَنْهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]. وقوله في هذه الآية: ﴿أَرَغِبُّ أَنْتَ عَنْ ءَالِهَتِى﴾؛ يجوز فيه أن يكون ((راغب)) خبراً مقدماً، و﴿أَنتَ﴾ مبتدأ مؤخراً، وأن يكون ﴿أَرَغِبُ﴾ مبتدأ و﴿أَنْتَ﴾ فاعل سد مسد الخبر، ويترجح هذا الإعراب الأخير على الأول من وجهين: الأول: أنه لا يكون فيه تقديم ولا تأخير؛ والأصل في الخبر التأخير كما هو معلوم، الوجه الثاني: هو ألا يكون فصل بين العامل الذي هو ﴿أَرَغِبُ﴾ وبين معموله الذي هو ﴿عَنْ ءَالِهَتِى﴾ بما ليس بمعمول للعامل؛ لأن الخبر ليس هو عاملاً في المبتدأ، بخلاف كون ﴿أَنْتَ﴾ فاعلاً؛ فإنه معمول ﴿أَرَاغِبُ﴾ فلم يفصل بين ﴿أَرَغِبُ﴾ وبين ﴿عَنْ ءَالِهَتِ﴾ بأجنبي، وإنما فصل بينهما بمعمول المبتدأ الذي هو فاعله الساد مسد خبره. والرغبة عن الشيء: تركه عمداً للزهد فيه، وعدم الحاجة إليه. وقد قدمنا في سورة ((النساء)) الفرق بين قولهم: رغب عنه، وقولهم: رغب فيه في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ ... الآية [النساء: ١٢٧]، والتحقيق في قوله: ﴿مَلِيًّا﴾ أن المراد به الزمن الطويل، ومنه قول مهلهل: فتصدعت صم الجبال لموته وبكت عليه المرملات مليا وأصله واوي اللام؛ لأنه من الملاوة وهي مدة العيش، ومن ذلك قيل لليل والنهار: الملوان. ومنه قول ابن مقبل: ألا يا ديار الحي بالسبعان · أمل عليها بالبلى الملوان وقول الآخر: على كل حال المرء يختلفان نهار وليل دائم ملواهما وقيل: الملوان في بيت ابن مقبل: طرفا النهار. وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِ حَفِيًّا﴾، أي لطيفاً بي، كثير الإحسان إلي، وجملة ﴿وَأَهْجُرْنِ﴾ عطف على جملة ﴿لَيْنِ لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾، وذلك دليل على جواز عطف الجملة الإنشائية على الجملة الخبرية، ونظير ذلك من كلام العرب قول امرئ القيس: وإنّ شفائي عبرة إن سفحتها وهل عند رسم دارس من معول فجملة ((وإن شفائي)) خبرية، وجملة ((وهل عند رسم)) إلخ. إنشائية معطوفة عليها، وقول الآخر أيضاً : ٦٥٩ سورة مريم: الآيتان (٥١ - ٥٢) وكحل مآقيك الحسان بإثمد تناغي غزالا عند باب ابن عامر وهذا هو الظاهر كما قاله أبو حيان عن سيبويه. وقال الزمخشري في الكشاف: فإن قلت: علام عطف (واهجرني))؟ قلت: على معطوف عليه محذوف يدل عليه (الأرجمنك)) أي فاحذرني واهجرني؛ لأن (لأرجمنك)) تهديد وتقريع، اهـ. قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ فِ الْكِنَبِ مُوسَىَّ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نِّيَّا (٥)﴾. اعلم أن في قوله ((مخلصا)) قراءتين سبعيتين: قرأه عاصم وحمزة والكسائي بفتح اللام بصيغة اسم المفعول، والمعنى على هذه القراءة أن الله استخلصه واصطفاه، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿قَالَ يَمُوسَى إِنِ أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَِ وَبِكَمِى﴾ [الأعراف: ١٤٤]. ومما يماثل هذه القراءة في القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الَّارِ ﴾﴾ [ص]، فالذين أخلصهم الله هم المخلصون بفتح اللام، وقرأه نافع وابن كثيرٍ وأبو عمرو وابن عامر ((مخلصاً)) بكسر اللام بصيغة اسم الفاعل كقوله تعالى: ﴿وَمَّ أُمِرُوّاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ يُخْلِصِينَ لَّهُ أُلِينَ﴾ [البينة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِنِ ﴾﴾﴾ [الزمر]. قوله تعالى: ﴿وَنَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ اُلُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّتْنَهُ نَجِيَّا (03)﴾. قال ابن جرير الطبري تَخْفُ في تفسير هذه الآية الكريمة: يقول تعالى ذكره: ونادينا موسى من ناحية الجبل. ويعني بالأيمن يمين موسى؛ لأن الجبل لا يمين له ولا شمال، وإنما ذلك كما يقال: قام عن يمين القبلة وعن شمالها، وهذه القصة جاءت مبينة في مواضع متعددة من كتاب الله تعالى؛ وذلك أن موسى لما قضى الأجل الذي بينه وبين صهره، وسار بأهله راجعاً من مدين إلى مصر آنس من جانب الطور ناراً، فذهب إلى تلك النار ليجد عندها من يدله على الطريق، وليأتي بجذوة منها ليوقد بها النار لأهله ليصطلوا بها؛ فناداه الله وأرسله إلى فرعون، وشفعه في أخيه هارون فأرسله معه، وأراه في ذلك الوقت معجزة العصا واليد ليستأنس بذلك قبل حضوره عند فرعون؛ لأنه لما رأى العصا في المرة الأولى صارت ثعباناً ولى مدبراً ولم يعقب، فلو فعل ذلك عندما انقلبت ثعباناً لما طالبه فرعون وقومه بآية لكان ذلك غير لائق، ولأجل هذا مرن عليها في أول مرة ليكون مستأنساً غير خائف منها حين تصير ثعباناً مبيناً . قال تعالى في سورة ((طه)): ﴿وَهَلْ أَتَئِكَ حَدِيثُ مُوسَىّ ﴿﴿ إِذْ رَءَا نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ أُمْكُنُوَاْ إِنّ ◌َانَسْتُ نَارَاً لَّعَلَّيْ ءَانِيَكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدَّى ﴿ فَلَمَّآ أَنَهَا نُودِىَ يَمُوسَى ( إِنِّ أَنَاْ رَبُّكَ فَأَخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ كُوَّى ﴿ وَأَنَا أَخْتَرْتُكَ فَأَسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىَ ﴿ إِنَّبِىّ أَنَا اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَأَعْبُدْنِ وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ ﴾﴾ [طه: ٩ - ١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَنَدَيْنَهُ مِن ◌َاِبِ الْطُورِ الْأَمَنِ﴾؛ هو معنى قوله في ((طه)): ﴿فَلَمَّآ أَنَهَا نُودِىَ يَمُوسَىَ ﴿ إِّ أَنَاْ رَبُّكَ﴾ . وقوله: ﴿بِقَسٍ﴾ أي شهاب؛ بدليل قوله في ((النمل)): ﴿أَوْ ءَاتِيَكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لََّلَّكُوْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل: ٧]، وذلك هو المراد بالجذوة في قوله: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ﴾ ٦٦٠ سورة مريم: الآيتان (٥١ - ٥٢) [القصص: ٢٩]، وقوله: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدَّى﴾ أي من يهديني إلى الطريق ويدلني عليها؛ لأنهم كانوا ضلوا الطريق، والزمن زمن برد. وقوله: ﴿مَانَسْتُ نَارًا﴾ أي أبصرتها . وقوله: ﴿فَخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ قال بعض العلماء: لأنهما كانتا من جلد حمار غير ذكي، ويروى هذا عن كعب وعكرمة وقتادة، نقله عنهم القرطبي وغيره. وروي أيضاً عن علي والحسن والزهري كما رواه عنهم صاحب الدر المنثور، ونقله ابن كثير عن علي وأبي أيوب وغير واحد من السلف. ويروى هذا القول عن غير من ذكر. وجاء فيه حديث مرفوع من حديث عبد الله بن مسعود رواه الترمذي وغيره ولا يصح. وفيه أقوال أخر للعلماء غير ذلك. وأظهرها عندي - والله تعالى أعلم - أن الله أمره بخلع نعليه أي نزعهما من قدميه ليعلمه التواضع لربه حين ناداه، فإن نداء الله لعبده أمر عظيم، يستوجب من العبد كمال التواضع والخضوع، والله تعالى أعلم. وقول من قال: إنه أمر بخلعهما احتراماً للبقعة يدل عليه أنه أتبع أمره بخلعهما بقوله: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوَّى﴾، وقد تقرر في (مسلك الأيماء والتنبيه): أن ((إن)) من حروف التعليل. وأظهر الأقوال في قوله ﴿طُوَّى﴾: أنه اسم للوادي، فهو بدل من الوادي أو عطف بيان. وفيه أقوال أخر غير ذلك. وقوله: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ أي اصطفيتك برسالتي، كقوله: ﴿إِنِ أَصْطَفَيْتُكَ عَلى النَّاسِ بِسَلَكِتِ وَبِكَلَِّى﴾ [الأعراف: ١٤٤]، ومعنى الاستعلاء في قوله: ﴿عَ النَّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧]، أن المصطلين بالنار يستعلون المكان القريب منها، ونظير ذلك من كلام العرب قول الأعشى: وبات على النار الندى والمحلق تشب لمقرورين يصطليانها وقال تعالى في سورة ((النمل)): ﴿وَإِنَّكَ لَتْلَقَّى الْقُرْءَانَ مِن لَُّنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾ إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِ: إِنَّ ءَانَسْتُ نَارًا سَاتِكُ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ مَاتِكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسِ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴿ فَلَمَّا جَاءَهَا يَمُوسَىّ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ نُودِىَ أَنَّ بُورِكَ مَنْ فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَنَ اللَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ () [النمل]، فقوله في ((النمل)): ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِىَ﴾ [النمل: ٨]، هو معنى قوله في ((مريم)): ﴿وَنَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ الْطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾. وقوله في ((طه)): ﴿فَلَمَّ أَنَهَا نُودِىَ يَمُوسَىّ (١) ... الآية [طه]، وقوله: ﴿سَثَاتِكُ مِنْهَا بِخَيَرٍ﴾ [النمل: ٧]، هو معنى قوله في ((طه)): ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدَّى﴾ [طه: ١٠]، أي من يدلني على الطريق فيخبرني عنها فآتيكم بخبره عنها. وقال تعالى في سورة ((القصص)): ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ ءَانَسَ مِن جَانِبِ الُْورِ ثَارًّا قَالَ لِأَهْلِهِ أَمْكُنُوَاْ إِنَّ ◌َانَسْتُ نَارًا لَعَلَّ مَاتِكُم مِّنْهَا بِخَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ فَلَمَّا أَتَنَهَا نُودِىَ مِن شَطٍِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِىِ الْبُفْعَةِ الْمُبَرَكَةِ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ نَصْطَُّونَ (®) الشَّجَرَةِ﴾ ... الآية [القصص: ٢٩ - ٣٠]، فالنداء في هذه الآية هو المذكور في («مريم، وطه، والنمل)) وقد بين هنا أنه نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة، فدلت الآيات على أن الشجرة التي رأى فيها النار عن يمين الجبل الذي هو الطور، وفي يمين الوادي المقدس الذي هو طوى على القول بأن طوى اسم له، وقد قدمنا قول ابن جرير أن المراد يمين موسى؛ لأن الجبل ومثله الوادي لا يمين له ولا