النص المفهرس
صفحات 601-620
٦٠١ سورة الكهف: الآيات (٨٦ - ٩٩) وَعَدُ رَبِّ جَعَلَهُ تَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِ حَقًّا ﴿٨) وَتَكْنَا بَعْضَهُمْ بَوْمَيِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضِ وَنُشِخَ فِىَ الصُّورِ﴾ ... الآية. وأظهر الأقوال في الجملة المقدرة التي عوض عنها تنوين ﴿يَوْمَيِذٍ﴾ من قوله: ﴿وَتَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَيِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ﴾ أنه يوم إذ جاء وعد ربي بخروجهم وانتشارهم في الأرض .. ولا ينبغي العدول عن هذا القول لموافقته لظاهر سياق القرآن العظيم. وإذا تقرر أن معنى ﴿يَوْمَيِذٍ﴾ يوم إذ جاء الوعد بخروجهم وانتشارهم، فاعلم أن الضمير في قوله: ﴿وَتَرَّكْنَا بَعْضَهُمْ﴾ على القول بأنه لجميع بنى آدم فالمراد يوم القيامة. وإذاً فقد دلت الآية على اقترانه بالخروج إذا دك السد، وقربه منه. وعلى القول بأن الضمير راجع إلى يأجوج ومأجوج، فقوله بعده؛ ﴿وَتُفِخَ فِ الشُّورِ﴾ يدل في الجملة على أنه قريب منه. قال الزمخشري في تفسير هذه الآية: ﴿قَلَّ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِ﴾ هو إشارة إلى السد؛ أي هذا السد نعمة من الله ورحمة على عباده. أو هذا الإقدار والتمكين من تسويته ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِ﴾ يعني فإذا دنا مجيء يوم القيامة، وشارف أن يأتي جعل السد دكاً؛ أي مدكوكاً مبسوطاً مسوى بالأرض. وكل ما انبسط من بعد ارتفاع فقد اندك؛ ومنه الجمل الأدك المنبسط السنام، اهـ .. وآية الأنبياء المشار إليها هي قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوِجُ وَمَأْجُوِجُ وَهُم وَأَقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَخِصَةُ أَبْصَدُ الَّذِينَ مِّن ◌َكُلِّ حَدَبٍ يَفْسِلُونَ كَفَرُواْ﴾ ... الآية [الأنبياء: ٩٦ - ٩٧]؛ لأن قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوعُ وَمَأْجُوعُ﴾ [الأنبياء: ٩٦] واتباعه لذلك بقوله: ﴿وَأَقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَخِصَةُ أَبْصَُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الأنبياء: ٩٧] يدل في الجملة على ما ذكرنا في تفسير آية الكهف التي نحن بصددها، وذلك يدل على بطلان قول من قال: إنهم روسية، وأن السد فتح منذ زمان طويل، فإذا قيل: إنما تدل الآيات المذكورة في ((الكهف)) و((الأنبياء)) على مطلق اقتراب يوم القيامة من دك السد واقترابه من يوم القيامة لا ينافي كونه قد وقع بالفعل كما قال تعالى: ﴿اقْرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١]. وقال: ﴿اقْتَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنْشَقَ الْقَمَرُ. [القمر]، وقال النبي ◌ّ: ((ويل للعرب، من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها ... )) الحديث، وقد قدمناه في سورة ((المائدة)). فقد دل القرآن والسنة الصحيحة على أن اقتراب ما ذكر لا يستلزم اقترانه به، بل يصح اقترابه مع مهلة، وإذاً فلا ينافي دك السد الماضي المزعوم الاقتراب من يوم القيامة، فلا يكون في الآيات المذكورة دليل على أنه لم يدك السد إلى الآن. فالجواب: هو ما قدمنا أن هذا البيان بهذه الآيات ليس وافياً بتمام الإيضاح إلا بضميمة السنة له، ولذلك ذكرنا أننا نتمم مثله من السنة لأنها مبينة للقرآن، قال مسلم بن الحجاج تقذفُ في صحيحه: حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني يحيى بن جابر الطائي قاضي حمص، حدثني عبد الرحمن بن جبير عن أبيه جبير بن نفير الحضرمي أنه سمع النواس بن ٦٠٢ - - سورة الكهف: الآيات (٨٦ - ٩٩) سمعان الكلابي (ح) وحدثني محمد بن مهران الرازي (واللفظ له)، حدثني الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن يحيى بن جابر الطائي، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه جبير بن نفير، عن النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله* الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا فقال: ((ما شأنكم))؟ قلنا: يا رسول الله، ذكرت الدجال غداة فخفضت فيهِ ورفعت، حتى ظنناه في طائفة النخل؟ فقال: ((غير الدجال أخوفني عليكم! إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، إنه شاب قطط، عينه طافئة، كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة ((الكهف)) إنه خارج خلة بين الشام والعراق، فعاث يميناً وعاث شمالاً. يا عباد الله فاثبتوا)). قلنا: يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟ قال: ((أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم کشهر، ویوم کجمعة، وسائر أيامه كأيامكم)) قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: ((لا، اقدروا له قدره)) قلنا: يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض؟ قال: ((كالغيث استدبرته الريح. فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له: فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذراً وأسبغه ضروعاً، وأمده خواصر ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله؛ فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بايديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك. فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين، واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان کاللؤلؤ؛ فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله. ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذا أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور. ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون؛ فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم؛ فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة. ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم؛ فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيراً كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطراً لا يكن منه بيت مدر ولا ٦٠٣ سورة الكهف: الآية (١٠٠)- وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة ثم يقال للأرض: انبتي ثمرتك، وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس. واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس. فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحاً طيبة فتأخذهم تحت آباطهم؛ فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم. ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة)) انتهى بلفظه من صحيح مسلم - رحمه الله تعالى -. وهذا الحديث الصحيح قد رأيت فيه تصريح النبي ◌ّير بأن الله يوحي إلى عيسى ابن مريم خروج يأجوج ومأجوج بعد قتله الدجال. فمن يدعي أنهم روسية، وأن السد قد اندك منذ زمان فهو مخالف لما أخبر به النبي وَل مخالفة صريحة لا وجه لها، ولا شك أن كل خبر ناقض خبر الصادق المصدوق و # فهو باطل؛ لأن نقيض الخبر الصادق كاذب ضرورة كما هو معلوم. ولم يثبت في كتاب الله ولا سنة نبيه وَلاّ شيء يعارض هذا الحديث الذي رأيت صحة سنده، ووضوح دلالته على المقصود. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿جَعَلَهُ دَكَةَ﴾ [الكهف: ٩٨] قرأه نافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ((دكًا)) بالتنوين مصدر دكه. وقرأه عاصم وحمزة والكسائي ﴿جَعَلَهُ ذَكَّةَ﴾ بألف التأنيث الممدودة تأنيث الأدك، ومعنى القراءتين راجع إلى شيء واحد، وقد قدمنا إيضاحه. قوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَدٍ لِلْكَفِرِينَ عَرْضًا (٣)﴾. قوله: ﴿وَعَرَضْنَا﴾؛ أي أبرزنا وأظهرنا جهنم ﴿يَوْمَيِذٍ﴾؛ أي يوم إذ جمعناهم جمعاً كما دل على ذلك قوله قبله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُورِ لَعْنَهُمْ جَمْعًا﴾، وقال بعض العلماء: اللام في قوله: ﴿لِلْكَفِرِينَ﴾ بمعنى على، أي عرضنا جهنم على الكافرين، وهذا يشهد له القرآن في آيات متعددة؛ لأن العرض في القرآن يتعدى بعلى لا باللام كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ﴾ [الأحقاف: ٢٠]، وقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]، وقوله تعالى: ﴿وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾، ونظيره في كلام العرب من إتيان اللام بمعنى على، البيت الذي قدمناه في أول سورة ((هود))، وقدمنا الاختلاف في قائله، وهو قوله: فخر صريعاً لليدين وللفم هتکت له بالرمح جیب قميصه أي خر صريعاً على اليدين. · وقد علم من هذه الآيات أن النار تعرض عليهم ويعرضون عليها؛ لأنها تقرب إليهم ويقربون إليها؛ كما قال تعالى في عرضها عليهم هنا: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوَمَيِذٍ لِلْكَفِرِينَ عَرْضًا ﴾﴾، وقال في عرضهم عليها: ﴿وَبَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ﴾ ... الآية [الأحقاف: ٢٠]، ونحوها من الآيات. وقد بينا شيئاً من صفات عرضهم دلت عليه آيات أخر من كتاب الله في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾. وقول من قال: ٦٠٤ سورة الكهف: الآيتان (١٠١ - ١٠٢) الآية فيه قلب، وأن المعنى: وعرضنا الكافرين لجهنم تم إن قوله هنا: ﴿وَعَرَضْنَا أي عليها بعيد كما أوضحه أبو حيان في البحر، والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُهُمْ فِى غِطَاءٍ عَن ذِكْرِى وَكَانُوْ لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمًا (َ)﴾ التحقيق في قوله: ﴿الَِّينَ كَانَتْ أَعْيُمْ﴾ أنه في محل خفض نعتاً للكافرين، وقد بين - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن من صفات الكافرين الذين تعرض لهم جهنم يوم القيامة أنهم كانت أعينهم في دار الدنيا في غطاء عن ذكره تعالى، وكانوا لا يستطيعون سمعاً، وقد بين هذا من صفاتهم في آيات كثيرة كقوله في تغطية أعينهم: ﴿وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]، وقوله: ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ، غِشَوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣]، وقوله: ﴿أَفَنْ يَعْلُ أَنَّ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن زَيِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَ﴾ [الرعد: ١٩]، وقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴾ [فاطر]، والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً، وقال في عدم استطاعتهم السمع: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَصَمَّهُمْ وَأَعْمَ أَبْصَرَهُمْ ﴾ [محمد]، وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ٢٣ أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيَّ مَاذَانِمْ وَقْرًا﴾، وقد بينا معنى كونهم لا يستطيعون السمع في أول سورة (هود)) في الكلام على قوله تعالى: ﴿يُضَعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠] فأغنى عن إعادته هنا. وقد بينا أيضاً طرفاً من ذلك في الكلام على قوله تعالى في هذه السورة الكريمة: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَّهُوهُ وَفِّ ءَاذَلِمْ وَقْرًا﴾ وقد بين تعالى في موضع آخر أن الغطاء المذكور الذي يعشو بسببه البصر عن ذكره تعالى يقيض الله لصاحبه شيطاناً فيجعله له قريناً وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣)﴾ [الزخرف: ٣٦]. قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوْ أَنْ يَتَّخِذُواْ عِبَادِى مِن دُونِيِّ أَوْلِيَ،َ إِنَّا أَعْنَدْنَا جَهَّمَ لِلَّكَفِنَ تُك ◌َ﴾. الهمزة في قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ﴾ للإنكار والتوبيخ، وفي الآية حذف دل المقام عليه، قال بعض العلماء: تقدير المحذوف هو: أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء، ولا أعاقبهم العقاب الشديد! كلا !! بل سأعاقبهم على ذلك العقاب الشديد؛ بدليل قوله تعالى بعده: ﴿إِنَّ أَعْنَدْنَا جَهَمَ لِلَكَفِنَ نُلاً﴾ وقال بعض العلماء: تقديره: أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء! وأن ذلك ينفعهم. كلا! لا ينفعهم بل يضرهم. ويدل لهذا قوله تعالى عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر: ٣] وقوله عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَُّنَا عِندَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]. ثم إنه تعالى بين بطلان ذلك بقوله: ﴿قُلْ أَتْنَبُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِي الْأَرْضَِّ سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]، وما أنكره عليهم هنا من ظنهم أنهم يتخذون من دونه أولياء من عباده ولا يعاقبهم؛ أو أن ذلك ينفعهم جاء مبيناً في مواضع كقوله في أول سورة ((الأعراف)): ﴿أَتَّبِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَبِّكُمْ وَلَا تَنَّبِعُواْ مِن دُونِ. أَوْلِيَةُ ... ) الآية [الأعراف: ٣]. فقد نهاهم عن اتباع الأولياء من دونه في هذه الآية؛ لأنه يضرهم ولا ينفعهم، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن من الأدلة على أنه لا ولي من ٦٠٥ سورة الكهف: الآيتان (١٠٣ - ١٠٤) دون الله لأحد، وإنما الموالاة في الله كقوله: ﴿أَسَمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] ﴿أَبْصِرْ بِهِ. وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ، مِن وَلِيٍ﴾ ... الآية وقوله: ﴿وَلَا تَزْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ الفَارُ وَمَا لَكُم مِّنِ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا نُصَرُونَ (٣)﴾ [هود]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اَللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَإٍِ﴾ ... الآية [الشورى: ٤٤]، وقوله: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ، وَلِيٌّ﴾ ... الآية [الأنعام: ٥١]، وقوله: ﴿وَذَكِّرْ بِهٌِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسُلُ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ﴾ الآية [الأنعام: ٧٠]، ونحو ذلك من الآيات. وسيأتي له قريباً - إن شاء الله تعالى - زيادة إيضاح وأمثلة. والأظهر المتبادر من الإضافة في قوله: ((عبادي)) أن المراد بهم نحو الملائكة وعيسى وعزير، لا الشياطين ونحوهم؛ لأن مثل هذه الإضافة للتشريف غالباً. وقد بين تعالى أنهم لا يكونون أولياء لهم في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْثُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَتِكَةِ أَهَوَّلَاءٍ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ﴾ قَالُواْ سُبْحَتَكَ أَنْتَ وَلِتُنَا مِن دُونِهِمْ﴾ ... الآية [سبأ: ٤٠ - ٤١]، وقوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ قد أوضحنا معناه في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ ... الآية، فأغنى عن إعادته هنا. وفي قوله: ﴿ثُلاً﴾ أوجه من التفسير للعلماء: أظهرها: أن ((النزل)) هو ما يقدم للضيف عند نزوله، والقادم عند قدومه. والمعنى أن الذي يهيأ لهم من الإكرام عند قدومهم إلى ربهم هو جهنم المعدة لهم كقوله: ﴿فَبَشِرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]. وقوله: ﴿يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَلْمُهْلِ﴾. وقد قدمنا شواهده العربية في الكلام على قوله تعالى: ﴿يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَأَلْمُهْلِ﴾؛ لأن ذلك الماء الذي يشوي الوجوه ليس فيه إغاثة، كما أن جهنم ليست نزل إكرام الضيف أو قادم. الوجه الثاني: أن ((نزلاً)) بمعنى المنزل، أي أعتدنا جهنم للكافرين منزلاً، أي مكان نزول، لا منزل لهم غيرها. وأضعف الأوجه ما زعمه بعضهم من أن ((النزل)) جمع نازل، كجمع الشارف على شرف بضمتين، والذي يظهر في إعراب ((نزلاً)) أنه حال مؤولة بمعنى المشتق. أو مفعول ((أعتدنا)) بتضمينه معنى صيرنا أو جعلنا، والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنِئُكُمْ بِلْأَخَْرِنَ أَعْمَلًا: ﴿َ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَخْسَبُونَ أَهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (®﴾. المعنى: قل لهم يا نبي الله: هل ننبئكم أي نخبركم بالأخسرين أعمالاً، أي بالذين هم أخسر الناس أعمالاً وأضيعها، فالأخسر صيغة تفضيل من الخسران، وأصله نقص مال التاجر، والمراد به في القرآن غبنهم بسبب كفرهم ومعاصيهم في حظوظهم مما عند الله لو أطاعوه، وقوله: ﴿أَعْمَلًا﴾ منصوب على التمييز. فإن قيل: نبئنا بالأخسرين أعمالاً من هم؟ كان الجواب: هُم ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْحَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَهُمْ يُحْيِنُونَ صُنْعًا وبه تعلم أن ﴿الَِّينَ﴾ من قوله: ﴿الَِّيْنَ ضَلَّ سَعْهُمْ﴾ خبر مبتدأ محذوف جواباً للسؤال المفهوم من المقام، ويجوز نصبه على الذم، وجرّه على أنه بدل من الأخسرين، أو ٦٠٦ - سورة الكهف: الآيتان (١٠٣ - ١٠٤) نعت له، وقوله: ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ أي بطل عملهم وحبط، فصار كالهباء وكالسراب وكالرماد! كما في قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلِ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَّنثُورًا [الفرقان]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَلُهُمْ كَرَبٍ بِقِيعَةٍ﴾ ... الآية [النور: ٣٩]؟ وقوله: ﴿َّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَيِّهِمْ أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍ أُشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِ يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] ومع هذا فهم يعتقدون أن عملهم حسن مقبول عند الله. والتحقيق أن الآية نازلة في الكفار الذين يعتقدون أن كفرهم صواب وحق، وأن فيه رضى ربهم؛ كما قال عن عبدة الأوثان: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر: ٣]، وقال عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَتُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، وقال عن الرهبان الذين يتقربون إلى الله على غير شرع صحيح: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَشِعَةُ ﴿ عَمِلَةٌ نَصِبَةٌ. . الآية [الغاشية]، على القول فيها بذلك. وقوله تعالى ٠ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةٌ في الكفار: ﴿ إِنَّهُمُ أُمَّخَذُواْ الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَخْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: [الزخرف] . ٣٠] وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ والدليل على نزولها في الكفار تصريحه تعالى بذلك في قوله بعده يليه: ﴿أُوْلَبِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ رَبِّهِمْ وَلِقَّبِهِ، نَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾ ... الآية، فقول من قال: إنهم الكفار، وقول من قال: إنهم الرهبان، وقول من قال: إنهم أهل الكتاب الكافرون بالنبي ◌َّ، كل ذلك تشمله هذه الآية، وقد روى البخاري في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص ◌ُله أنه سأله ابنه مصعب عن (الأخسرين أعمالاً) في هذه الآية، هل هم الحرورية؟ فقال: لا، هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكفروا بمحمد ◌َ طهر، وأما النصارى فكفروا بالجنة، وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب. والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وكان سعيد يسميهم الفاسقين، اهـ من البخاري. وما روي عن علي ظُه من أنهم أهل حروراء المعروفون بالحروريين معناه أنهم يكون فيهم من معنى الآية بقدر ما فعلوا؛ لأنهم يرتكبون أموراً شنيعة من الضلال، ويعتقدون أنها هي معنى الكتاب والسنة، فقد ضل سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وإن كانوا في ذلك أقل من الكفار المجاهرين؛ لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب كما قد قدمنا إيضاحه وأدلته. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ أي بطل واضمحل، وقد قدمنا أن الضلال يطلق في القرآن واللغة العربية ثلاثة إطلاقات: الأول: الضلال بمعنى الذهاب عن طريق الحق إلى طريق الباطل، كالذهاب عن الإسلام إلى الكفر، وهذا أكثر استعمالاته في القرآن، ومنه قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيَهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، وقوله: ﴿وَلَا تَتَّعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]. الثاني: الضلال بمعنى الهلاك والغيبة والاضمحلال، ومنه قول العرب: ضل ٦٠٧ سورة الكهف: الآيتان (١٠٣ - ١٠٤) - السمن في الطعام؛ إذا استهلك فيه وغاب فيه، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٤]؛ أي غاب واضمحل، وقوله هنا: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ أي بطل واضمحل، وقول الشاعر: ألم تسأل فتخبرك الديار عن الحي المضلل أين ساروا أي عن الحي الذي غاب واضمحل، ومن هنا سمي الدفن إضلالاً؛ لأن مآل الميت المدفون إلى أن تختلط عظامه بالأرض، فيضل فيها كما يضل السمن في الطعام. ومن إطلاق الضلال على الدفن قول نابغة ذبيان: فآب مضلوه بعين جلية. وغودر بالجولان حزم ونائل فقوله: ((مضلوه)) يعني دافنيه في قبره. ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَهِذَا ضَلَلْنَا فِ الْأَرْضِ أَمِنَّا لَفِى خَلْقِ جَدِيدٍ﴾ ... الآية [السجدة: ١٠]، فمعنى: ﴿ضَلَلْنَا فِى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ١٠] أنهم اختلطت عظامهم الرميم بها فغابت واستهلكت فيها. الثالث: الضلال بمعنى الذهاب عن علم حقيقة الأمر المطابقة للواقع، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَّآلّا فَهَدَى ﴾﴾ [الضحى] أي ذاهباً عما تعلمه الآن من العلوم والمعارف التى لا تعرف إلا بالوحي فهداك إلى تلك العلوم والمعارف بالوحي. وحدد هذا المعنى قوله تعالى عن أولاد يعقوب: ﴿قَالُواْ ثَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَلِكَ ﴾ [يوسف] أي ذهابك عن العلم بحقيقة أمر يوسف، ومن أجل ذلك تطمع ٩٥) اُلْقَدِيمِ في رجوعه إليك، وذلك لا طمع فيه على أظهر التفسيرات، وقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنٍ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢] أي تذهب عن حقيقة علم المشهود به بنسيان أو نحوه بدليل قوله: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرَىَ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّ فِ كِتَبٍ لَّا يَضِلُّ رَبِىِ وَلَا يَنَسَى (٥٢) [طه]، ومن هذا المعنى قول الشاعر: بدلاً أراها فى الضلال تهيم وتظن سلمى أنني أبغي بها. فقوله: ((أراها في الضلال)) أي الذهاب عن علم حقيقة الأمر حيث تظنني أبغي بها بدلاً، والواقع بخلاف ذلك. وقوله في هذه الآية: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ﴾ أي يظنون. وقرأه بعض السبعة بكسر السين، وبعضهم بفتحها كما قدمنا مراراً في جميع القرآن، ومفعولا ((حسب)) هما المبتدأ والخبر اللذان عملت فيهما ((أن))، والأصل: ويحسبون أنفسهم محسنين صنعهم. وقوله: ((صنعاً)) أي عملاً وبين قوله: ((يحسبون، ويحسنون)) الجناس المسمى عند أهل البديع ((تجنيس التصحيف)) وهو أن يكون النقط فرقاً بين الكلمتين، كقول البحتري: ليعجز والمعتز بالله طالبه ولم يكن المغتر بالله إذ سرى فبين ((المغتر والمعتز)) الجناس المذكور. ٦٠٨ سورة الكهف: الآيتان (١٠٣ - ١٠٤) وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِئَايَتِ رَبِّهِمْ وَلِقَّبِهِ، فَطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾ ... الآية، نص في أن الكفر بآيات الله ولقائه يحبط العمل، والآيات الدالة على ذلك كثيرة جداً، كقوله تعالى في ((العنكبوت)): ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ بِشَايَاتِ اللَّهِ وَلِقَآئِهِ: أُوْلَئِكَ يَبِسُواْ مِن رَّحْمَقِ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [العنكبوت] والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً، وسيأتي بعض أمثلة لذلك قريباً - إن شاء الله -. .. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَلَا تُقِيُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ وَزْنَا﴾ فيه للعلماء أوجه: أحدها: أن المعنى أنهم ليس لهم حسنات توزن في الكفة الأخرى في مقابلة سيئاتهم، بل لم يكن لهم إلا السيئات، ومن كان كذلك فهو في النار، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ خَقَتْ مَوَزِثُهُ فَأَوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ فِ جَهَّمَ خَالِدُونَ (٨٢) تَلْفَعُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِهَا كَلِحُونَ (٤)﴾ [المؤمنون]. وقال: ﴿وَأَلْوَزْنُ يَوْمَيِذٍ أَلْحَقٌّ فَمَنْ ثَّقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَِّكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨ -٩]، وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَزِينٌ ﴿ فَأَقُّمُ هَاوِيَةٌ ﴿ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا هِيَة ◌ِ نَارُ حَامِيَةٌ (١)) [القارعة]؛ إلى غير ذلك من الآيات. وقال بعض أهل العلم: معنى ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ وَزْنَا﴾ أنهم لا قدر لهم عند الله لحقارتهم، وهو أنهم بسبب كفرهم؛ وذلك كقوله عنهم: ﴿سَيَدْ خُلُونَ جَهَنََّ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، أي صاغرين أذلاء حقيرين، وقوله: ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ ﴾﴾ [الصافات] وقوله: ﴿قَالَ أَخَْنُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (٣)﴾ [المؤمنون]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هوانهم وصغارهم وحقارتهم. وقد دلت السنة الصحيحة على أن معنى الآية يدخل فيه الكافر السمين العظيم البدن؛ لا يُزن عند الله يوم القيامة جناح بعوضة، قال البخاري في صحيحه في تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا المغيرة بن عبد الرحمن، حدثني أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ظله، عن رسول الله وَله قال: ((إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة وقال: اقرؤوا ﴿فَلَ تُقِيُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ وَزْنَا﴾)) وعن يحيى بن بكير، عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد مثله، اهـ. من البخاري. وهذا الحديث أخرجه أيضاً مسلم في صحيحه، وهو يدل على أن نفس الكافر العظيم السمين لا يزن عند الله جناح بعوضة. وفيه دلالة على وزن الأشخاص. وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسير هذه الآية بعد أن أشار إلى حديث أبي هريرة المذكور ما نصه: وفي هذا الحديث من الفقه ذم السمن لمن تكلفه؛ لما في ذلك من تكلف المطاعم والاشتغال بها عن المكارم. بل يدل على تحريم الأكل الزائد على قدر الكفاية، المبتغى به الترفه والسمن، وقد قال ◌َله: ((إن أبغض الرجال إلى الله تعالى الحبر السمين)) ومن حديث عمران بن حصين عن النبي ◌ّ ر قال: ((خيركم قرني ثم ٦٠٫٩٠ سورة الكهف: الآيتان (١٠٧ - ١٠٨). الذين يلونهم - قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة - ثم إن من بعدكم قوماً يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن)) وهذا ذم. وسبب ذلك أن السمن المكتسب إنما هو من كثرة الأكل والشره والدعة والراحة والأمن، والاسترسال مع النفس على شهواتها؛ فهو عبد نفسه لا عبد ربه، ومن كان هذا حاله وقع لا محالة في الحرام، وكل لحم تولد من سحت فالنار أولى به، وقد ذم الله تعالى الكفار بكثرة الأكل فقال: ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ يَنَّعُونَ وَبَكُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ وَالنَّرُ مَثْوَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢] فإذا كان المؤمن يتشبه بهم، ويتنعم تنعمهم في كل أحواله وأزمانه، فأين حقيقة الإيمان والقيام بوظائف الإسلام. ومن كثر أكله وشربه کثر نهمه وحرصه، وزاد بالليل كسله ونومه، فكان نهاره هائماً، وليله نائماً، اهـ. محل الغرض من كلام القرطبي؛ وما تضمنه كلامه من الجزم بأن النبي ◌َّ﴿ قال: ((إن الله يبغض الحبر السمين)) فيه نظر؛ لأنه لم يصح مرفوعاً، وقد حسنه البيهقي من كلام كعب، وما ذكر من ذم كثرة الأكل والشرب والسمن المكتسب ظاهر وأدلته كثيرة: ((وحسب المؤمن لقيمات يقمن صلبه)). قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّتُ اَلْفِرْدَوْسِ نُلَّا (17)﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الأعمال الصالحة والإيمان سبب في نيل جنات الفردوس، والآيات الموضحة لكون العمل الصالح سبباً في دخول الجنة كثيرة جداً كقوله تعالى: ﴿وَيُنَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ اُلَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنَّا مََّكِتِينَ فِيهِ أَبَدًا (٤)، وقوله: ﴿وَنُودُوّا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف] أي بسببه، وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِىّ أُوْرِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60)﴾ [الزخرف}، وقوله تعالى: ﴿إِلَّ مَنْ قَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ لَالْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ﴾ جَنَّتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَمُ بِالْغَيْبِ﴾ ... الآية [مريم: ٦٠ - ٦١]، إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه: فإن قيل: هذه الآيات فيها الدلالة على أن طاعة الله بالإيمان والعمل الصالح سبب في دخول الجنة، وقوله ويسر: ((لن يدخل أحدكم عمله الجنة)) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل)) يرد بسببه إشكال على ذلك. فالجواب أن العمل لا يكون سبباً لدخول الجنة إلا إذا تقبله الله تعالى وتقيله له فضل منه، فالفعل الذي هو سبب لدخول الجنة هو الذي تقبله الله بفضله، وغيره من الأعمال لا يكون سبباً لدخول الجنة، وللجمع بين الحديث والآيات المذكورة أوجه أخر، هذا أظهرها عندي، والعلم عند الله تعالى. وقد قدمنا أن ((النزل)) هو ما يهيأ من الإكرام للضيف أو القادم. قوله تعالى: ﴿خَلِينَ فِيَهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ٦١٠ سورة الكهف: الآيتان (١٠٩ - ١١٠) أي خالدين في جنات الفردوس لا يبغون عنها حولاً، أي تحولاً إلى منزل آخر؛ لأنها لا يوجد منزل أحسن منها يرغب في التحول إليه عنها، بل هم خالدون فيها دائماً من غير تحول ولا انتقال، وهذا المعنى المذكور هنا جاء موضحاً في مواضع أخر كقوله: ﴿الَّذِىّ أَحَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ [فاطر: ٣٥] أي الإقامة أبداً، وقوله: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَّكِئِينَ فِيهِ أَبَدًا ﴾﴾، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَفَادٍ ﴿@﴾ [ص]، وقوله: ﴿عَطَاءَ غَيْرَ مَجْذُونٍ﴾ [هود: ١٠٨]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على دوامهم فيها، ودوام نعيمها لهم، والحول: اسم مصدر بمعنى التحول. قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِّ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنَفَدَ كَلِمَتُ رَبِ وَلَوْ ◌ِثْنَا بِمِثْلِهِ، مَدَدًّا (5)﴾. أمر - جل وعلا - نبيه وَلَ في هذه الآية الكريمة أن يقول: ﴿لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبٍ﴾؛ أي لو كان ماء البحر مداداً للأقلام التي تكتب بها كلمات الله ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ أي فرغ وانتهى قبل أن تنفد كلمات ربي ﴿وَلَوْ حِثْنَا بِمِثْلِهِ، مَدَدّ﴾ أي ببحر آخر مثله مدداً، أي زيادة عليه. وقوله: ((مدداً)) منصوب على التمييز، ويصح إعرابه حالاً، وقد زاد هذا المعنى إيضاحاً في سورة ((لقمان)) في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِىِ الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهُ وَالْبَحْرُ يَمُذُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللهِ﴾ [لقمان: ٢٧]. وقد دلت هذه الآيات على أن كلماته تعالى لا نفاد لها نَ علواً كبيراً. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىَ إِلَّ أَنََّا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَِدٌ﴾. أمر - جل وعلا - نبيه * في هذه الآية الكريمة أن يقول للناس: ﴿إِنََّا أَنَأْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾؛ أي لا أقول لكم إني ملك ولا غير بشر، بل أنا بشر مثلكم؛ أي بشر من جنس البشر، إلا أن الله تعالى فضلني وخصني بما أوحى إليّ من توحيده وشرعه. وقوله هنا: ﴿يُوحَىَّ إِلَىَّ أَنَّا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ ونَحِدٌ﴾ أي فوحدوه ولا تشركوا به غيره. وهذا الذي بينه تعالى في هذه الآية؛ أوضحه في مواضع أخر كقوله في أول ((فصلت)): ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَأُسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ ﴾﴾ [فصلت]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِ هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] وقوله: ﴿قُل لََّ أَقُولُ لَكُمْ عِنِدِى خَايِنُ اللَّهِ وَلَّ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِى مَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَى﴾ [الأنعام: ٥٠]. وهذا الذي أمر الله به نبيه وَل في هذه الآية من أنه يقول للناس أنه بشر، ولكن الله فضله على غيره بما أوحى إليه من وحيه، جاء مثله عن الرسل غيره - صلوات الله وسلامه عليهم - في قوله تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن تَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ،﴾ [إبراهيم: ١١]. فكون الرسل مثل البشر من حيث أن أصل الجميع وعنصرهم واحد، وأنهم تجري على جميعهم الأعراض البشرية لا ينافي تفضيلهم على سائر البشر بما خصهم الله به من وحيه واصطفائه وتفضيله كما هو ضروري. وقال بعض أهل العلم: معنى هذه الآية: قل يا محمد للمشركين: إنما أنا بشر ٦١١ سورة الكهف: الآية (١١٠). مثلكم، فمن زعم منكم أني كاذب فليأت بمثل ما جئت به، فإنني لا أعلم الغيب فيما أخبرتكم به عما سألتم عنه من أخبار الماضين كقصة أصحاب الكهف، وخبر ذي القرنين، وهذا له اتجاه، والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿فَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا﴾. قوله في هذه الآية: ﴿فَنْ كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَيِّهِ﴾ يشمل كونه يأمل ثوابه، ورؤية وجهه الكريم يوم القيامة، وكونه يخشى عقابه؛ أي فمن كان راجياً من ربه يوم يلقاه الثواب الجزيل والسلامة من الشر فليعمل عملاً صالحاً، وقد قدمنا إيضاح العمل الصالح وغير الصالح في أول هذه السورة الكريمة وغيرها، فأغنى عن إعادته هنا . وقوله: ﴿وَلَا يُثْرِكْ بِعِبَادَةِ رَيْهِ أَحَدًا﴾ قال جماعة من أهل العلم: أي لا يرائي الناس في عمله؛ لأن العمل بعبادة الله لأجل رياء الناس من نوع الشرك، كما هو معروف عند العلماء أن الرياء من أنواع الشرك، وقد جاءت في ذلك أحاديث مرفوعة. وقد ساق طرفها ابن كثير في تفسير هذه الآية، والتحقيق أن قوله: ﴿وَلَا يُثْرِكِ بِعِبَادَةِ رَبٍِّ لَّمَدَأْ﴾ أعم من الرياء وغيره، أي لا يعبد ربه رياء وسمعة، ولا يصرف شيئاً من حقوق خالقه لأحد من خلقه؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ ... الآية [النساء: ٤٨] في الموضعين، ويقول: ﴿وَمَن يُشْرِكِ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِقٍ﴾ [الحج: ٣١]، إلى غير ذلك من الآيات. ويفهم من مفهوم مخالفة الآية الكريمة أن الذي يشرك أحداً بعبادة ربه، ولا يعمل صالحاً أنه لا يرجو لقاء ربه، والذي لا يرجو لقاء ربه لا خير له عند الله يوم القيامة. وهذا المفهوم جاء مبيناً في مواضع أخر كقوله تعالى فيما مضى قريباً: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِئَايَتِ رَبِّهِمْ وَلِقَآبِهِ، ◌َبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَلَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنَا ◌َ ذَلِكَ جَزَاؤُهُ جَهَنَّمٌ﴾ ... الآية؛ لأن من كفر بلقاء الله لا يرجو لقاءه. وقوله في ((العنكبوت)): ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ اللَّهِ وَلِقَآئِهِ أُولَئِكَ يَبِسُواْ مِن رَّحْمَتِى﴾ ... الآية [العنكبوت: ٢٣]، وقوله في ((الأعراف)): ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٣)﴾ [الأعراف] وقوله في ((الأنعام)): ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاءِ اللّهِّ جَنَّىَ إِذَا جَآءَ تَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةٌ قَالُواْ يَحَسْرَكَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ ... الآية [الأنعام: ٣١]، وقوله تعالى في ((يونس)): ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِقَدِ اللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥]، وقوله في ((الفرقان)): ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَكَبِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ أُسْتَكْبَرُواْ فِىّ أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُقُوًّا كَبِيرًا ﴾﴾ [الفرقان]، وقوله في ((الروم)): ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بَِايَنِّنَا وَلِقَآَبِ الْآَخِرَةِ فَأُوْلَبِكَ فِىِ الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ﴾﴾ [الروم] إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه: اعلم: أن الرجاء كقوله هنا: ﴿يَرْجُواْ لِقَّءَ رَبِّهِ﴾ يستعمل في رجاء الخير، ويستعمل في الخوف أيضاً، واستعماله في رجاء الخير مشهور. ومن استعمال الرجاء في الخوف قول أبي ذؤيب الهذلي : ٦١٢ سورة الكهف: الآية (١١٠) إذا لسعته النحل لم يرج لسعها. وحالفها في بيت نوب عواسل فقوله: ((لم يرج لسعها)) أي لم يخف لسعها. ويروى حالفها بالحاء والخاء، ویروی عواسل بالسين، وعوامل بالميم. فإذا علمت أن الرجاء يطلق على كلا الأمرين المذكورين فاعلم أنهما متلازمان، فمن كان يرجو ما عند الله من الخير فهو يخاف ما لديه من الشر كالعكس، واختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية الكريمة أعني قوله تعالى: ﴿فَ كَانَ يَرْجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ. فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ .... الآية، فعن ابن عباس أنها نزلت في جندب بن زهير الأزدي الغامدي، قال: يا رسول الله، إنني أعمل العمل لله تعالى وأريد وجه الله تعالى، إلا أنه إذا اطلع عليه سرني؟ فقال النبي وَله: ((إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب، ولا يقبل ما شورك فيه)) فنزلت الآية. وذكره القرطبي في تفسيره، وذكر ابن حجر في الإصابة أنه من رواية ابن الكلبي في التفسير عن أبي صالح عن أبي هريرة، وضعف هذا السند مشهور، وعن طاوس أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله وَله فقال: إني أحب الجهاد في سبيل الله تعالى، وأحب أنَ يرى مكاني. فنزلت هذه الآية. وعن مجاهد قال: جاء رجل إلى النبي * فقال: يا رسول الله، إني أتصدق وأصل الرحم، ولا أصنع ذلك إلا لله تعالى، فيذكر ذلك مني، وأحمد عليه فيسرني ذلك، وأعجب به. فسكت رسول الله وله ولم يقل شيئاً، فأنزل الله تعالى: ﴿فَ كَانَ يَرَّحُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُثْرِكِ بِعِبَادَةٍ رَيِِّ لَّمَدَأْ﴾، انتهى من تفسير القرطبي. ومعلوم أن من قصد بعمله وجه الله فعله لله ولو سره اطلاع الناس على ذلك، ولا سيما إن كان سروره بذلك لأجل أن يقتدوا به فيه، ومن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، والعلم عند الله تعالى. وقال صاحب الدر المنثور: أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله: ﴿فَتَ كَانَ يَرْجُوْ لِقَّءَ رَيِّهِ﴾ ... الآية قال: نزلت في المشركين الذين عبدوا مع الله إلهاً غيره، وليست هذه في المؤمنين. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي الدنيا في الإخلاص، وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم عن طاوس قال: قال رجل: يا نبي الله إني أقف مواقف أبتغي وجه الله، وأحب أن يرى موطني، فلم يرد عليه شيئاً حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَ كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ رَبِهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُثْرِ بِعِبَادَةٍ رَبِّهِ أَحَدَأْ﴾. وأخرجه الحاكم وصححه، والبيهقي موصولاً عن طاوس عن ابن عباس. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان من المسلمين من يقاتل وهو يحب أن يرى مكانه. فأنزل الله ﴿فَ كَانَ يَرْجُوْ لِقَّءَ رَبِّهِ﴾ ... الآية، وأخرج ابن منده وأبو نعيم في الصحابة، وابن عساكر من طريق السدي الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان جندب بن زهير إذا صلى أو صام أو تصدق فذكر بخير ارتاح له، فزاد في ذلك لمقالة الناس فلامه الله، فنزل في ذلك: ﴿فَنْ كَانَ ٦١٣ سورة مريم: الآيات (١ - ٤) يَرْجُوْ لِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ رَيْدِ أَحَدَأْ﴾، وأخرج هناد في الزهد عن مجاهد قال: جاء رجل إلى النبي وَ ل﴿ فقال: يا رسول الله، أتصدق بالصدقة وألتمس بها ما عند الله، وأحب أن يقال لي خير، فنزلت: ﴿فَنْ كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَيِّهِ﴾ ... الآية، اهـ من ((الدر المنثور في التفسير بالمأثور))، والعلم عند الله تعالى. براسه الرحمن الرحيم سورة مريم قوله تعالى: ﴿كَهِيعَصّ ﴾ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ﴿﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءَ خَفِيًّا ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِِّ وَهَنَ اٌلْعَظْمُ مِنِى وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ سَيْبًا وَلَمْ أَكُنُ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَفِيًّا (٣)﴾. قد قدمنا الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور كقوله هنا: ﴿كهيقص (٤) في سورة ((هود)) فأغنى عن إعادته هنا. وقوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي هذا ذكر رحمة ربك. وقيل: مبتدأ خبره محذوف، وتقديره: فيما يتلى عليكم ذكر رحمة ربك، والأول أظهر، والقول بأنه خبر عن قوله: ﴿ڪھیمص ظاهر السقوط لعدم ربط بينهما. وقوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ لفظة ((ذكر)) مصدر مضاف إلى مفعوله، ولفظة ((رحمة)) مصدر مضاف إلى فاعله وهو ((ربك)). وقوله: ﴿عَبْدَهُ﴾ مفعول به للمصدر الذي هو ((رحمة)) المضاف إلى فاعله، على حد قوله في الخلاصة: كمل بنصب أو برفع عمله وبعد جره الذي أضيف له وقوله: ((زكريا)) بدل من قوله: ((عبده))، أو عطف بيان عليه. وقد بين - جل وعلا - في هذه الآية أن الذي يتلى في أول السورة الكريمة هو ذكر الله رحمته التي رحم بها عبده زكريا حين ناداه نداء خفياً أي دعاه في سر وخفية، وثناؤه - جل وعلا - عليه بكون دعائه خفياً يدل على أن إخفاء الدعاء أفضل من إظهاره وإعلانه، وهذا المعنى المفهوم من هذه الآية جاء مصرحاً به في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَّحِّيَّكُم مِّنِ ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ ... الآية [الأنعام: ٦٣]، وقوله تعالى: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَُّعًا وَخُفْيَةٌ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْنَدِينَ ﴾﴾ [الأعراف]. وإنما كان الإخفاء أفضل من الإظهار لأنه أقرب إلى الإخلاص، وأبعد من الرياء. فقول من قال: إن سبب إخفائه دعاءه أنه خوفه من قومه أن يلوموه على طلب الولد، في حالة لا يمكن فيها الولد عادة لكبر سنه وسن امرأته، وكونها عاقراً. وقول من قال: إنه أخفاه لأنه طلب أمراً دنيوياً، فإن أجاب الله دعاءه فيه نال ما كان يريد. وإن لم يجبه لم يعلم ذلك أحد، إلى غير ذلك من الأقوال، كل ذلك ليس بالأظهر، والأظهر أن السر في إخفائه هو ما ذكرنا : ٦١٤ سورة مريم: الآيات (١ - ٤) من كون الإخفاء أفضل من الإعلان في الدعاء، ودعاء زكريا هذا لم يبين الله في هذا الوضع مكانه ولا وقته. ولكنه أشار إلى ذلك في سورة (آل عمران)» في قوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيَّهَا زَكِنَّا الْمِحْرَبَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَمَرْيَمُ أَنَّ لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَزُقُ مَنْ هُنَالِكَ دَعَ زَكَرِبَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِ مِن لَّدُّنْكَ ذُرِيَّةً طَيِّبَةً﴾ ... الآية يَشَآءُ بِغَّيْرِ حِسَابٍ [آل عمران: ٣٧ - ٣٨]. فقوله: ((هنالك)) أي في ذلك المكان الذي وجد فيه ذلك الرزق عند مريم. وقال بعضهم: ((هنالك)) أي في ذلك الوقت، بناء على أن هنا ربما أشير بها إلى الزمان. وقوله في دعائه هذا: ﴿رَبِّ إِنِى وَهَنَ اٌلْعَظْمُ مِنّى﴾ أي ضعف. والوهن: الضعف. وإنما ذكر ضعف العظم؛ لأنه عمود البدن وبه قوامه، وهو أصل بنائه فإذا وهن دل على ضعف جميع البدن؛ لأنه أشد ما فيه وأصلبه، فوهنه يستلزم وهن غيره من البدن. قوله تعالى: ﴿وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ سَيْبًا﴾ الألف واللام في ((الرأس)) قاما مقام المضاف إليه، إذ المراد: واشتعل رأسي شيباً، والمراد باشتعال الرأس شيباً: انتشار بياض الشيب فيه. قال الزمخشري في كشافه: شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته وانتشاره في الشعر وفشوه فيه، وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس، وأخرج الشيب مميزاً، ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكرياء. فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة، انتهى منه. والظاهر عندنا كما بينا مراراً أن مثل هذا من التعبير عن انتشار بياض الشيب في الرأس، باشتعال الرأس شيباً أسلوب من أساليب اللغة العربية الفصحى جاء القرآن به، ومنه قول الشاعر: ضيعت حزمي في إبعادي الأملا وما ارعويت وشيباً رأسي اشتعلا ومن هذا القبيل قول ابن دريد في مقصورته: مثل اشتعال النار في جزل الغضا واشتعل المبيض في مسوده وقوله: ﴿شَيْبًا﴾ تمييز محول عن الفاعل في أظهر الأعاريب، خلافاً لمن زعم أنه ما ناب عن المطلق من قوله: ﴿وَأَشْتَعَلَ﴾ لأنه اشتعل بمعنى شاب، فيكون ((شيباً)) مصدراً منه في المعنى، ومن زعم أيضاً أنه مصدر منكر في موضع الحال. وهذا الذي ذكره الله هنا عن زكرياء في دعائه من إظهار الضعف والكبر جاء في مواضع أخر كقوله هنا: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِنِيًّا﴾، وقوله في ((آل عمران)): ﴿وَقَدْ بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ﴾ ... الآية [آل عمران: ٤٠]. وهذا الذي ذكره هنا من إظهار الضعف يدل على أنه ينبغي للداعي إظهار الضعف والخشية والخشوع في دعائه. وقوله تعالى في الآية الكريمة: ﴿وَلَمْ أَكُنُّ ◌ِدُعَائِكَ رَبٍّ شَفِيًّا﴾ أي لم أكن بدعائي إياك شقياً؛ أي لم تكن تخيب دعائي إذا دعوتك، يعني أنك عودتني الإجابة فيما مضى. والعرب تقول: شقي بذلك إذا تعب فيه ولم يحصل مقصوده. وربما أطلقت ٦١٥ سورة مريم: الآيتان (٥ - ٦) -- الشقاء على التعب، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَ يُخْرِجَتَُّاَ مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧] وأكثرها ما يستعمل في ضد السعادة، ولا شك أن إجابة الدعاء من السعادة، فيكون عدم إجابته من الشقاء. قوله تعالى عن زكرياء: ﴿وَإِنِّ خِفْتُ اٌلْمَوَإِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ امْرَأَنِ عَاقِرًا فَهَبْ ◌ِ مِن لَّدُنِكَ وَلِيًّا ﴿ يَرِثُنِى وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبِ وَأَجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾﴾ معنى قوله: ﴿خِفْتُ اٌلْمَوَلِىَ﴾ أي خفت أقاربي وبني عمي وعصبتي أن يضيعوا الدين بعدي، ولا يقوموا لله بدينه حق القيام، فارزقني ولداً يقوم بعدي بالدين حق القيام، وبهذا التفسير تعلم أن معنى قوله: ﴿يَرِثُنِ﴾ أنه إرث علم ونبوة، ودعوة إلى الله والقيام بدينه، لا إرث مال. ويدل على ذلك أمران: أحدهما: قوله: ﴿وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبِّ﴾ ومعلوم أن آل يعقوب انقرضوا من زمان، فلا يورث عنهم إلا العلم والنبوة والدين. وثانيهما: ما جاء من الأدلة على أن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - لا يورث عنهم المال، وإنما يورث عنهم العلم والدين؛ فمن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن أبي بكر الصديق لله،، عنه وَل أنه قال: ((لا نورث ما تركنا صدقة)). ومن ذلك أيضاً ما رواه الشيخان أيضاً عن عمر به أنه قال لعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وسعد، وعلي، والعباس، ﴿ه: أنشدكم الله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمون أن رسول الله وسلم قال: ((لا نورث ما تركنا صدقة))، قالوا: نعم. ومن ذلك ما أخرجه الشيخان أيضاً عن عائشة فيها أن أزواج النبي وَ لّ حين توفي أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن؛ فقالت عائشة: أليس قال النبي ومثل : ((ما تركنا صدقة)). ومن ذلك ما رواه الشيخان أيضاً عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وجل : ((لا تقتسم ورثتي ديناراً، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة)) وفي لفظ عند أحمد: ((لا تقتسم ورثتي ديناراً ولا درهماً)). ومن ذلك أيضاً ما رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه؛ عن أبي هريرة أن فاطمة ◌ّا قالت لأبي بكر ◌َلُه: من يرثك إذا مت؟ قال: ولدي وأهلي. قالت: فما لنا لا نرث النبي وَلير؟ قال: سمعت النبي وَلَّه يقول: ((إن النبي لا يورث)) ولكن أعول من كان رسول الله وَّيقول يعوله، وأنفق على من كان رسول الله وَل ينفق. فهذه الأحاديث وأمثالها ظاهرة في أن الأنبياء لا يورث عنهم المال بل العلم والدين، فإن قيل: هذا مختص به وهلهو؛ لأن قوله: ((لا نورث)) يعني به نفسه؛ كما قال عمر به في الحديث الصحيح المشار إليه عنه آنفاً: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول الله وَ لل قال: ((لا نورث، ما تركنا صدقة» یرید رسول الله له نفسه. قال الرهط: قد قال ذلك الحديث، ففي هذا الحديث الصحيح أن ٦١٦ - سورة مريم: الآيتان (٥ -٦). عمر قال: فإن مراد النبي و 18 بقوله: ((لا نورث)) نفسه، وصدقه الجماعة المذكورون في ذلك، وهذا دليل على الخصوص فلا مانع إذن من كون الموروث عن زكريا في الآية التي نحن بصددها هو المال؟ فالجواب من أوجه: الأول: أن ظاهر صيغة الجمع شمول جميع الأنبياء، فلا يجوز العدول عن هذا الظاهر إلا بدليل من كتاب أو سنة، وقول عمر لا يصح تخصيص نص من السنة به؛ لأن النصوص لا يصح تخصيصها بأقوال الصحابة على التحقيق كما هو مقرر في الأصول. الوجه الثاني: أن قول عمر: (يريد ﴿ نفسِه)) لا ينافي شمول الحكم لغيره من الأنبياء، لاحتمال أن يكون قصده يريد أنه هو وَلا يعني نفسه فإنه لا يورث، ولم يقل عمر: إن اللفظ لم يشمل غيره، وكونه يعني نفسه لا ينافي أن غيره من الأنبياء لا يورث أيضاً .. الوجه الثالث: ما جاء من الأحاديث صريحاً في عموم عدم الإرث المالي في جميع الأنبياء. وسنذكر طرفاً من ذلك هنا - إن شاء الله تعالى -. قال ابن حجر في فتح الباري ما نصه: وأما ما اشتهر في كتب أهل الأصول وغيرهم بلفظ ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث)) فقد أنكره جماعة من الأئمة، وهو كذلك بالنسبة لخصوص لفظ ((نحن)) لكن أخرجه النسائي من طريق ابن عيينة عن أبي الزناد بلفظ:(إنا معاشر الأنبياء لا نورث .. )) الحديث، أخرجه عن محمد بن منصور، عن ابن عيينة عنه، وهو كذلك في مسند الحميدي عن ابن عيينة، وهو من أتقن أصحاب ابن عيينة فيه. وأورده الهيثم بن كليب في مسنده من حديث أبي بكر الصديق باللفظ المذكور. وأخرجه الطبراني في الأوسط بنحو اللفظ المذكور. وأخرجه الدارقطني في العلل من رواية أم هانئ عن فاطمة ثنا، عن أبي بكر الصديق بلفظ: ((إن الأنبياء لا يورثون)) انتهى مخل الغرض من كلام ابن حجر. وقد رأيت فيه هذه الطرق التي فيها التصريح بعموم الأنبياء. وقد قال ابن حجر: إن إنكار الحديث المذكور غير مسلم إلا بالنسبة لخصوص لفظ (نحن)) وهذه الروايات التي أشار لها يشد بعضها .. وقد تقرر في الأصول أن البيان يصح بكل ما يزيل الإشكال ولو قرينة أو غيرها كما قدمناه موضحاً في ترجمة هذا الكتاب المبارك، وعليه فهذه الأحاديث التي ذكرنا تبين أن المقصود من قوله في الحديث المتفق عليه: ((لا نورث)) أنه يعني نفسه؛ كما قال عمر وجميع الأنبياء كما دلت عليه الروايات المذكورة. والبيان إرشاد ودلالة يصح بكل شيء يزيل اللبس عن النص من نص أو فعل أو قرينة أو غير ذلك. قال في (مراقي السعود) في تعريف البيان وما به البيان: وهو واجب على النبي تصيير مشكل من الجلي من الدليل مطلقاً يجلو العما إذا أريد فهمه وهو بما وبهذا الذي قررنا تعلم أن قوله هنا: ﴿يَرِثُنِ وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبٌ﴾ يعني وراثة العلم والدين لا المال، وكذلك قوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُدٌ﴾ ... الآية [النمل: ١٦] فتلك ٦١٧ سورة مريم: الآيتان (٥ - ٦) ___ الوراثة أيضاً وراثة علم ودين، والوراثة قد تطلق في الكتاب والسنة على وراثة العلم والدين، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ ... الآية [فاطر: ٣٢]، وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُواْ الْكِنَبَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِى شَكٍ مِنْهُ مُّرِيٍ﴾ [الشورى: ١٤]، وقوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِنَبَ﴾ ... الآية [الأعراف: ١٦٩]، إلى غير ذلك من الآيات. ومن السنة الواردة في ذلك ما رواه أبو الدرداء به عن النبي وسلم أنه قال: ((العلماء ورثة الأنبياء)) وهو في المسند والسنن. قال صاحب (تمييز الطيب من الخبيث، فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث): رواه أحمد وأبو داود والترمذي وآخرون عن أبي الدرداء مرفوعاً بزيادة: ((إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم)) وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما، انتهى منه بلفظه. وقال صاحب (كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس): ((العلماء ورثة الأنبياء)» رواه أحمد والأربعة وآخرون عن أبي الدرداء مرفوعاً بزيادة: ((إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم .. )) الحديث، وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما، وحسنه حمزة الكناني وضعفه غيرهم لاضطراب سنده، لكن له شواهد، ولذا قال الحافظ: له طرق يعرف بها أن للحديث أصلاً، ورواه الديلمي عن البراء بن عازب يلفظ الترجمة، اهـ محل الغرض منه. والظاهر صلاحية هذا الحديث للاحتجاج لاعتضاد بعض طرقه ببعض، فإذا علمت ما ذكرنا من دلالة هذه الأدلة على أن الوراثة المذكورة في الآية وراثة علم ودين لا وراثة مال، فاعلم أن للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: الأول: هو ما ذكرنا. والثاني: أنها وراثة مال، والثالث: أنها بالنسبة لنفس زكريا وراثة مال، وبالنسبة لآل يعقوب في قوله: ﴿وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبٌ﴾ وراثة علم ودين. وهذا اختيار ابن جرير الطبري. وقد ذكر من قال: إن وراثته لزكريا وراثة مال حديثاً عن النبي 18 في ذلك أنه قال: ((رحم الله زكريا ما كان عليه من ورثته)) أي ماذا يضره إرث ورثته لماله، ومعلوم أن هذا لم يثبت عن النبي ( 9. والأرجح فيما يظهر لنا هو ما ذكرنا من أنها وراثة علم ودين؛ للأدلة التي ذكرنا وغيرها مما يدل على ذلك، وقد ذكر ابن كثير في تفسيره هنا ما يؤيد ذلك من أوجه. قال تَُّ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِ خِفْتُ الْمَوَلِىَ مِن وَرَآءِى﴾: وجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفاً سيئاً فسأل الله ولداً يكون نبياً من بعده، ليسوسهم بنبوته بما يوحي إليه فأجيب في ذلك؛ لا أنه خشي من وراثتهم له ماله؛ فإن النبي أعظم منزلة، وأجل قدراً من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده، وأن يأنف من وراثة عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم، وهذا وجه. الثاني: أنه لم يذكر أنه كان ذا مال؛ بل كان نجاراً يأكل من كسب يديه. ومثل هذا لا يجمع مالاً، ولا سيما الأنبياء، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا. ٦١٨ سورة مريم: الآيتان (٥ - ٦) الثالث: أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله وَ له قال: ((لا نورث، ما تركنا صدقة)) وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح: ((نحن معشر الأنبياء لا نورث)) وعلى هذا فتعين حمل قوله: ﴿فَهَبْ لِ مِن لَّدُنِكَ وَلِيَّا جَ يَرِثُنِىِ﴾ على ميراث النبوة. ولهذا قال: ﴿وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبِ﴾ كقوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُدٌ﴾ [النمل: ١٦] أي في النبوة، إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة))، اهـ محل الغرض من كلام ابن كثير، ثم ساق بعد هذا طرق الحديث الذي أشرنا له: ((يرحم الله زكريا وما كان عليه من ورثة ماله)) الحديث، ثم قال في أسانيده: وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح. واعلم أن لفظ: ((نحن معاشر الأنبياء)) ولفظ: ((إنا معاشر الأنبياء)) مؤداهما واحد؛ إلا أن ((إن)) دخلت على ((نحن)) فأبدلت لفظة ((نحن)) التي هي المبتدأ بلفظة ((نا)) الصالحة للنصب، والجملة هي هي إلا أنها في أحد اللفظين أكدت بـ((إن)) كما لا يخفى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهَبْ لِ مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ يعني بهذا الولي الولد خاصة دون غيره من الأولياء؛ بدليل قوله تعالى في القصة نفسها: ﴿هُنَالِكَ دَعَا ذَكَرِبَّا رَبٌَّ قَالَ رَبِّ هَبْ لِ مِن لَّدُنْكَ ذُرِيَّةً طَيِّبَةٌ﴾ ... الآية [آل عمران: ٣٨]، وأشار إلى أنه الولد أيضاً بقوله: ﴿وَزَكَرِنَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبٍ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ اَلْوَرِثِينَ ﴾﴾ [الأنبياء] فقوله: ﴿لَا تَذَرْنِ فَرْدًا﴾ أي واحداً بلا ولد .. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة عن زكريا: ﴿وَإِ خِفْتُ الْمَوَلِىَ مِنْ وَرَآءِى﴾ أي من بعدي إذا مت أن يغيروا في الدين. وقد قدمنا أن الموالي الأقارب والعصبات، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِىَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ... الآية [النساء: ٣٣]. والمولى في لغة العرب: يطلق على كل من انعقد بينك وبينه سبب يواليك وتواليه به، وكثيراً ما يطلق في اللغة على ابن العم؛ لأن ابن العم يوالي ابن عمه بالقرابة العصبية، ومنه قول طرفة بن العبد: وأعلم علماً ليس بالظن أنه إذا ذل مولى المرء فهو ذليل يعني إذا ذلت بنو عمه فهو ذليل. وقول الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب: مهلاً ابن عمنا مهلاً موالينا .. لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا ... وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا﴾ ظاهر في أنها كانت عاقراً في زمن شبابها، والعاقر: هي العقيم التي لا تلد وهو يطلق على الذكر والأنثى؛ فمن إطلاقه على الأنثى هذه الآية، وقوله تعالى عن زكريا أيضاً: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ وَأَمْرَأَتِى عَاقِرٌ﴾ [آل عمران: ٤٠]، ومن إطلاقه على الذكر قول عامر بن الطفيل :.. ٦١٩ سورة مريم: الآيتان (٥ - ٦) - لبئس الفتى إن كنت أعور عاقراً جباناً فما عذري لدى كل محضر وقد أشار تعالى إلى أنه أزال عنها العقم، وأصلحها، فجعلها ولوداً بعد أن كانت عاقراً في قوله - عز وجل -: ﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠] فهذا الإصلاح هو كونها صارت تلد بعد أن كانت عقيماً. وقول من قال: إن إصلاحها المذكور هو جعلها حسنة الخلق بعد أن كانت سيئة الخلق لا ينافي ما ذكر لجواز أن يجمع له بين الأمرين فيها، مع أن كون الإصلاح هو جعلها ولوداً بعد العقم هو ظاهر السياق، وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير، ومجاهد وغيرهم، والقول الثاني يروى عن عطاء. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة عن زكريا: ﴿ وَأَجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾؛ أي مرضياً عندك وعند خلقك في أخلاقه وأقواله وأفعاله ودينه، وهو فعيل بمعنى مفعول. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهَبْ لِ مِن لَّدُنكَ﴾ أي من عندك، وقوله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة: ﴿يَرِثُنِ وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبِ﴾ قرأه أبو عمرو والكسائي بإسكان الثاء المثلثة من الفعلين، أعني ((يرثني ويرث من آل يعقوب)) وهما على هذه القراءة مجزومان لأجل جواب الطلب الذي هو ((هب لي)) والمقرر عند علماء العربية أن المضارع المجزوم في جواب الطلب مجزوم بشرط مقدر يدل عليه فعل الطلب، وتقديره في هذه الآية التي نحن بصددها، إن تهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب، وقرأ الباقون ﴿يَرِثُنِىِ وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبِّ﴾ برفع الفعلين على أن الجملة نعت لقوله: ((ولياً)) أي ولياً وارثاً لي، ووارثاً من آل يعقوب، كما قال في الخلاصة: ونعتوا بجملة منكراً فأعطيت ما أعطيته خبرا وقراءة الجمهور برفع الفعلين أوضح معنى. وقرأ ابن كثير بفتح الياء من قوله: ((من ورائي وكانت امرأتي)) والباقون بإسكانها، وقرأ ((زكريا)) بلا همزة بعد الألف حمزة والكسائي وحفص عن عاصم. والباقون قرؤوا ((زكرياء)) بهمزة بعد الألف، وبه تعلم أن المد في قوله: ((وزكرياء إذ نادى)) منفصل على قراء حمزة والكسائي وحفص، ومتصل على قراءة الباقين. والهمزة الثانية على قراءة الجمهور التي هي همزة ((إذ)) مسهلة في قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو، ومحققة في قراءة ابن عامر وشعبة عن عاصم. وقراءة ((خفت الموالي)) بفتح الخاء والفاء المشددة بصيغة الفعل الماضي، بمعنى أن مواليه خفوا أي قلوا، شاذة لا تجوز القراءة بها وإن رويت عن عثمان بن عفان، ومحمد بن علي، وعلي بن الحسين، وغيرهم ظه. وامرأة زكريا المذكورة قال القرطبي: هي إيشاع بنت فاقوذ بن قبيل، وهي أخت حنة بنت فاقوذا؛ قاله الطبري. وحنة: هي أم مريم. وقال القتبي: امرأة زكريا هي إيشاع بنت عمران؛ فعلى هذا القول يكون يحيى ابن خالة عيسى ◌َلَّه على الحقيقة. وعلى القول الأول يكون ابن خالة أمه. وفي ٦٢٠ سورة مريم: الآية (٧) حديث الإسراء قال - عليه الصلاة والسلام -: ((فلقيت ابني الخالة يحيى وعيسى)) شاهداً للقول الأول، اهـ منه، والظاهر شهادة الحديث للقول الثاني لا للأول، خلافاً لما ذكره - رحمه الله تعالى -، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿يَزَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشْرُكَ بِعُلَمٍ أَسْمُهُ يَحْيِى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا ®)). في هذه الآية الكريمة حذف دل المقام عليه، وتقديره: فأجاب الله دعاءه فنودي ﴿يَزَكَرِنَّآ﴾ ... الآية. وقد أوضح - جل وعلا - في موضع آخر هذا الذي أجمله هنا، فبين أن الذي ناداه بعض الملائكة. وأن النداء المذكور وقع وهو قائم يصلي في المحراب؛ وذلك قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِىِ الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْتَى مُصَدِّقًّا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (٣)﴾ [آل عمران] وقوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَبِكَةُ﴾ قال بعض العلماء: أطلق الملائكة وأراد جبريل. ومثل به بعض علماء الأصول للعام المراد به الخصوص قائلاً: إنه أراد بعموم الملائكة خصوص جبريل، وإسناد الفعل للمجموع مراداً بعضه قد بيناه فيما مضى مراراً. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَسْمُهُ يَحْيِىَ﴾ يدل على أن الله هو الذي سماه، ولم يكل تسميته إلى أبيه. وفي هذا منقبة عظيمة ليحيى. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ اعلم أولاً أن السمي يطلق في اللغة العربية إطلاقين: الأول قولهم: فلان سمي فلان أي مسمى باسمه. فمن كان اسمهما واحد فكلاهما سمي الآخر أي مسمى باسمه. والثاني: إطلاق السمي يعني المسامي أي المماثل في السمو والرفعة والشرف، وهو فعيل بمعنى مفاعل من السمو بمعنى العلو والرفعة، ويكثر في اللغة إتيان الفعيل بمعنى المفاعل؛ كالقعيد والجليس بمعنى المقاعد والمجالس. والأكيل والشريب بمعنى المؤاكل والمشارب، وكذلك السمي بمعنى المسامي أي المماثل في السمو. فإذا علمت ذلك، فاعلم أن قوله هنا: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أي لم نجعل من قبله أحداً يتسمى باسمه؛ فهو أول من كان اسمه يحيى. وقول من قال: إن معناه لم نجعل له سمياً أي نظيراً في السمو والرفعة غير صواب لأنه ليس بأفضل من إبراهيم وموسى ونوح، فالقول الأول هو الصواب. وممن قال به ابن عباس وقتادة والسدي وابن أسلم وغيرهم. ويروى القول الثاني عن مجاهد وابن عباس أيضاً، وإذا علمت أن الصواب أن معنى قوله: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أي لم نسم أحداً باسمه قبله فاعلم أن قوله: ﴿رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَأَعْبُدُهُ وَأَصْطَيِرْ لِبَدَيِّ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٥)﴾ معناه أنه تعالى ليس له نظير ولا مماثل يساميه في العلو والعظمة والكمال على التحقيق، وقال بعض العلماء: وهو مروي عن ابن عباس ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًا﴾: هل تعلم أحداً يسمى باسمه الرحمن - جل وعلا - والعلم عند الله تعالى.