النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١ سورة الكهف: الآية (٥٥) . في المانع العادي. وأما الحصر في قوله هنا: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءَهُمُ اُلْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلَّ أَن تَأْنِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَِّينَ أَوْ بَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلَا ﴾﴾﴾ فهو حصر في المانع الحقيقي؛ لأن إرادته - جل وعلا - عدم إيمانهم، وحكمه عليهم بذلك، وقضاءه به مانع حقيقي من وقوع غيره. . وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَوْ يَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ قرأه الكوفيون: وهم عاصم وحمزة والكسائي ﴿قُلًا﴾ بضم القاف والباء. وقرأه الأربعة الباقون من السبعة: وهم نافع وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر ((قِبَلا)) بكسر القاف وفتح الباء. أما على قراءة الكوفيين فقوله: ﴿قُبُلاً﴾ بضمتين جمع قبيل. والفعيل إذا كان اسماً يجمع على فعل كسرير وسرر، وطريق وطرق، وحصير وحصر، كما أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله: وفعل لاسم رباعي بمد قد زيد قبل لام إعلالاً فقد ما لم يضاعف في الأعم ذو الألف ... إلخ. وعلى هذا فمعنى الآية: ﴿أَوْ بَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾، أي أنواعاً مختلفة يتلو بعضها بعضاً. وعلى قراءة من قرؤوا ((قبلاً)) كعنب، فمعناه عياناً، أي أو يأتيهم العذاب عياناً. وقال مجاهد ◌ُّفه: ((قبلاً)) أي فجأة. والتحقيق: أن معناه عياناً. وأصله من المقابلة؛ لأن المتقابلين يعاين كل واحد منهما الآخر. وذكر أبو عبيد: أن معنى القراءتين واحد، وأن معناهما عياناً، وأصله من المقابلة. وانتصاب ((قبلاً)) على الحال على كلتا القراءتين. وهو على القولين المذكورين في معنى ((قبلاً)) إن قدرنا أنه بمعنى عياناً، فهو مصدر منكر حال كما قدمنا مراراً. وعلى أنه جمع قبيل: فهو اسم جامد مؤول بمشتق؛ لأنه في تأويل: أو يأتيهم العذاب في حال كونه أنواعاً وضروباً مختلفة. والمصدر المنسبك من ((أن) وصلتها في قوله: ﴿أَنْ يُؤْمِنُواْ﴾ في محل نصب؛ لأنه مفعول ((منع)) الثاني، والمنسبك من ((أن)) وصلتها في قوله: ﴿إِلَّ أَن تَأْنَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ في محل رفع؛ لأنه فاعل ((منع))؛ لأن الاستثناء مفرغ، وما قبل ((إلا)) عامل فيما بعدها، فصار التقدير: منع الناس الإيمان إتيان سنة الأولين، على حد قوله في الخلاصة: بعد يكن كما لو إلا عدما وإن يفرغ سابق إلا لما والاستغفار في قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ﴾ هو طلب المغفرة منه جل وعلا لجميع الذنوب السالفة بالإنابة إليه، والندم على ما فات، والعزم المصمم على عدم العود إلى الذنب. قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾، ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه ما يرسل الرسل إلا مبشرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرین من عصاهم بالنار، وكرر هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينٌّ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُنَ ﴿٢﴾ [الأنعام]. وقد أوضحنا معنى البشارة والإنذار في أول هذه السورة الكريمة في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن ◌َّكُنْهُ﴾ ... الآية، وانتصاب قوله: ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ على الحال؛ أي ما نرسلهم إلا في حال كونهم مبشرين ومنذرين. ٥٨٢ بـ سورة الكهف: الآية (٥٦) قوله تعالى: ﴿ وَيُحَدِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ﴾، ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الذين كفروا يجادلون بالباطل، أي يخاصمون الرسل بالباطل، كقولهم في الرسول: ساحر، شاعر، كاهن. وكقولهم في القرآن: أساطير الأولين، سحر، شعر، كهانة. وكسؤالهم عن أصحاب الكهف، وذي القرنين، وسؤالهم عن الروح عناداً وتعنتاً، ليبطلوا الحق بجدالهم وخصامهم بالباطل، فالجدال: المخاصمة. ومفعول ((يجادل)) محذوف دل ما قبله عليه؛ لأن قوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ﴾ يدل على أن الذين يجادلهم الكفار بالباطل هم المرسلون المذكورون آنفاً، وحذف الفضلة إذا دل المقام عليها جائز، وواقع كثيراً في القرآن وفي كلام العرب؛ كما عقده في الخلاصة بقوله: وحذف فضلة أجز إن لم يضر كحذف ما سيق جواباً أو حصر والباطل: ضد الحق، وكل شيء زائل مضمحل تسميه العرب: باطلاً، ومنه قول لبید : وكل نعيم لا محالة زائل ألا كل شىء ما خلا الله باطل ويجمع الباطل كثيراً على أباطيل على غير القياس، فيدخل في قول ابن مالك في الخلاصة : وحائد عن القياس كل ما خالف في البابين حكماً رسما ومنه قول کعب بن زهير: كانت مواعيد عرقوب لها مثلا وما مواعيده إلا الأباطيل ويجمع أيضاً على البواطل قياساً. والحق: ضد الباطل. وكل شيء ثابت غير زائل ولا مضمحل تسميه العرب حقاً، وقوله تعالى: ﴿ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقِّ﴾ أي ليبطلوه ويزيلوه به، وأصله من إدحاض القدم، وهو إزلاقها وإزالتها عن موضعها. تقول العرب: دحضت رجله: إذا زلقت، وأدحضها الله، أزلقها، ودحضت حجته إذا بطلت، وأدحضها الله أبطلها، والمكان الدحض: هو الذي تزل فيه الأقدام؟ ومنه قول طرفة: أبا منذر رمت الوفاء فهبته وحدت كما حاد البعير عن الدحض وهذا الذي ذكره هنا من مجادلة الكفار للرسل بالباطل أوضحه في مواضع أخر كقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا أَسْتُجِيبَ لَهُ مُّنُهُمْ دَاحِضَةُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ ... الآية [الشورى: ١٦]. وقوله - جل وعلا -: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَهِهِمْ وَيَأْبِىَ اللهُ إِلَّ أَنْ يُتِمَ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ اُلْكَفِرُونَ (٣)﴾ [التوبة]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُّطْفِتُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَهِهِمْ وَاللَّهُ مُنُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَفِرُونَ [الصف] وإرادتهم إطفاء نور الله بأفواههم، إنما هي بخصامهم وجدالهم بالباطل وقد بين تعالى في مواضع أخر أن ما أراده الكفار من إدحاض الحق بالباطل لا ٥٨٣ سورة الكهف: الآية (٥٧) يكون، وأنهم لا يصلون إلى ما أرادوا، بل الذي سيكون هو عكس ما أرادوه فيحق الحق ويبطل الباطل، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِلْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ اُلْمُشْرِكُونَ (٣)﴾ [التوبة]؛ وكقوله: ﴿وَيَأْبَى الَّهُ إِلَّ أَنْ يُثِيَّ نُرَهُ وَلَوْ كَرِهَ اَلْكَفِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢]، وقوله: ﴿وَلَّهُ مُّ نُورِهٍ وَلَوْ كَرِهَ الْكَفِرُونَ﴾ [الصف: ٨]، وقوله تعالى: ﴿بَلْ نَفْذِفُ بِالْنَّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُهُ، فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا (١٨)) [الأنبياء]، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ نَصِفُونَ (4)) [الإسراء]، وقوله تعالى: ﴿أَنَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَأَحْتَفَلَ السَّيْلُ زَهُوقًا زَبَدًا زَّبِيّاً وَمِمَا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِىِ النَّارِ أَبْتِغَاءَ حِيَةٍ أَوْ مَتَعِ زَبَدٌ مِثْلُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَطِلُّ فَأَمَا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَدَّةٍ وَأَمَّا مَا يَنَفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ الْأَرْضِّ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ الْأَمْثَالَ (٣)﴾ [الرعد] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الحق سيظهر ويعلو، وأن الباطل سيضمحل ويزهق ويذهب جفاء. وذلك هو نقيض ما كان يريده الكفار من إبطال الحق وإدحاضه بالباطل عن طريق الخصام والجدال. قوله تعالى: ﴿وَأَّخَذُوَاْ ءَايَتِى وَمَّا أُنْذِرُواْ هُوًا﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الكفار اتخذوا آياته التي أنزلها على رسوله، وإنذاره لهم هزؤاً، أي سخرية واستخفافاً، والمصدر بمعنى اسم المفعول، أي اتخذوها مهزوءاً بها مستخفاً بها كقوله: ﴿إِنَّ قَوْمِى أَنَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]. وهذا المعنى المذكور هنا جاء مبيناً في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ◌َيَتِنَا شَيْئًا أَتَّخَذَهَا هُزُوًا﴾ [الجاثية: ٩]، وكقوله تعالى: ﴿يَحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْنِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ (٣)﴾ [يس]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ أُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ [الأنعام]، وقوله تعالى: فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْنَهْزِءُونَ ﴿وَلَبِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَتَلْعَبُ قُلْ أَبِلَّهِ وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴿ لَا تَعْنَذِرُواْ قَدْ كَفَرَّتُ بَعْدَ إِيمَنِكُمْ﴾ ... الآية [التوبة: ٦٥ -٦٦]، إلى غير ذلك من الآيات. و((ما)) في قوله: ((ما أنذروا)) مصدرية، كما قررنا، وعليه فلا ضمير محذوف. وقيل: هي موصولة والعائد محذوف. تقديره: وما أنذروا به هزؤاً. وحذف العائد المجرور بحرف إنما يطرد بالشروط التي ذكرها في الخلاصة بقوله: كذا الذي جر بما الموصول جر كمر بالذي مررت فهو بر. وفي قوله: ((هزؤاً)) ثلاث قراءات سبعية، قرأه حمزة بإسكان الزاي في الوصل. وبقية السبعة بضم الزاي وتحقيق الهمزة. إلا حفصاً عن عاصم فإنه يبدل الهمزة واواً، وذلك مروي عن حمزة في الوقف. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن ذُكْرَ بِثَايَتِ رَبِّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا فَدَّمَتْ يَدَهُ﴾ . ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه لا أحد أظلم؛ أي أكثر ظلماً لنفسه ٥٨٤ سورة الكهف: الآية (٥٧) ممن ذكر؛ أي وعظ بآيات ربه، وهي هذا القرآن العظيم ﴿فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ أي تولى وصد عنها. وإنما قلنا: إن المراد بالآيات هذا القرآن العظيم لقرينة تذكير الضمير العائد إلى الآيات في قوله: ﴿أَنْ يَفْقَهُوُ﴾ [الأنعام: ٢٥]، أي القرآن المعبر عنه بالآيات، ويحتمل شمول الآيات للقرآن وغيره، ويكون الضمير في قوله: ﴿أَن يَفْقَهُوهُ﴾ أي ما ذكر من الآيات، کقول رؤبة: كأنه في الجلد توليع البهق. فيها خطوط من سواد وبلق ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَرِضٌ وَلَا بِكْرُّ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكٌ﴾ [البقرة: ٦٨] أي ذلك الذي ذكر من الفارض والبكر. ونظيره من كلام العرب قول ابن الزبعرى: إن للخير وللشر مدى وكلا ذلك وجه وقبل أي كلا ذلك المذكور من خير وشر. وقد قدمنا إيضاح هذا، وقوله: ﴿وَنِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَهُ﴾ أي من المعاصي والكفر، مع أن الله لم ينسه بل هو محصیه علیه ومجازيه، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنِّئُهُمِ بِمَا عَمِلُواْ أَحْصَدَهُ اللَّهُ وَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ ﴾﴾ [المجادلة]، وقال تعالى: ﴿وَمَا نَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِّ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيَدِينَا وَمَا (٣)﴾ [مريم]، وقال تعالى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِ فِ خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا كِتَبٌّ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَسَى ﴾﴾ [طه]. وقال بعض العلماء في قوله: ﴿وَنِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَهُ﴾ أي تركه عمداً ولم يتب منه. وبه صدر القرطبي رحمه الله تعالى. وما ذكره في هذه الآية الكريمة من أن الإعراض عن التذكرة بآيات الله من أعظم الظلم، قد زاد عليه في مواضع أخر بيان أشياء من النتائج السيئة، والعواقب الوخيمة الناشئة عن الإعراض عن التذكرة. فمن نتائجه السيئة: ما ذكره هنا من أن صاحبه من أعظم الناس ظلماً. ومن نتائجه جعل الأكنة على القلوب حتى لا تفقه الحق، وعدم الاهتداء أبداً كما قال هنا مبيناً بعضٍ ما ينشأ عنه من العواقب السيئة: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيَّ ◌َذَانِهِمْ وَقْرَاً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوَأْ إِذَا أَبَدًا﴾ ومنها انتقام الله - جل وعلا - من المعرض عن التذكرة، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِرَ بَِايَتِ رَبِّهِ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَاْ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٣)﴾ [السجدة]. ومنها كون المعرض كالحمار، كما قال الآية [المدثر]. ومنها ﴿ كَنَّهُمْ حُمٌُ مُسْتَفِرَةٌ ﴾﴾ .. تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ الَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ الإنذار بصاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنَذَرْتُّكُمْ صَحِقَةً ـ﴾ ... الآية [فصلت]. ومنها المعيشة الضنك والعمى، كما قال مِثْلَ صَعِقَةٍ عَادٍ وَثَمُودَ (١٢٤) تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَتَخْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه]. ومنها سلكه العذاب الصعد، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ، يَسْلُكْهُ عَذَابًا. صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧] ومنها تقييض القرناء من الشياطين، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَن ٥٨٥ سورة الكهف: الآية (٥٧) ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُمْ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ [الزخرف] إلى غير ذلك من النتائج السيئة، والعواقب الوخيمة، الناشئة عن الإعراض عن التذكير بآيات الله - جل وعلا -. وقد أمر تعالى في موضع آخر بالإعراض عن المتولي عن ذكره، القاصر نظره على الحياة الدنيا، وبين أن ذلك هو مبلغه من العلم، فلا علم عنده بما ينفعه في معاده، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَن تَوَلَى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدِّ إِلَّا الْحَيَوَةَ الدُّنْيَ ◌َ ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلِمَّ﴾ [النجم: ٢٩° - ٣٠]. وقد نهى - جل وعلا - عن طاعة مثل ذلك المتولي عن الذكر الغافل عنه في قوله: ﴿وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَأَنَّبَعَ هَوَنَهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ كما تقدم إيضاحه. وقوله في هذه الآية: ﴿مَا قَدَّمَتْ يَدَهُ﴾ أي ما قدم من أعمال الكفر، ونسبة التقديم إلى خصوص اليد؛ لأن اليد أكثر مزاولة للأعمال من غيرها من الأعضاء، فنسبت الأعمال إليها على عادة العرب في كلامهم، وإن كانت الأعمال التي قدمها منها ما ليس باليد كالكفر باللسان والقلب، وغير ذلك من الأعمال التي لا تزاول باليد كالزنى. وقد بينا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) وجه الجمع بين قوله: ﴿وَمَنْ أَخْلَمُ مِمَنْ ذُكْرَ بَِايَتِ رَبِّهِ﴾ ... الآية وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِتَّنِ اُفْتَ عَلَ اَللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١] ونحو ذلك من الآيات. وأشهر أوجه الجمع في ذلك وجهان: أحدهما: أن كل من قال الله فيه: ومن أظلم ممن فعل كذا، لا أحد أظلم من واحد منهم. وإذاً فهم متساوون في الظلم لا يفوق بعضهم فيه بعضاً،. فلا إشكال في کون كل واحدٍ منهم لا أحد أظلم منه. وثانيهما: أن صلة الموصول تعين كل واحد في محله؛ وعليه فالمعنى في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ ذُكِرَ بِئَايَتِ رَبِّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾، لا أحد أظلم ممن ذكر فأعرض أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها. وفي قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِتَنِ افْتَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا﴾. [الأنعام: ٢١]، لا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على الله كذباً، وهكذا والأول أولى؛ لأنه جار على ظاهر القرآن ولا إشكال فيه. وممن اختاره أبو حيان في البحر. قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوُهُ وَفِىّ ءَاذَانِمْ وَقْرًا﴾ . ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه جعل على قلوب الظالمين المعرضين عن آيات الله إذا ذكروا بها، أكنة أي أغطية تغطي قلوبهم فتمنعها من إدراك ما ينفعهم مما ذكروا به. وواحد الأكنة كنان، وهو الغطاء. وأنه جعل في آذانهم وقراً، أي ثقلاً يمنعها من سماع ما ينفعهم من الآيات التي ذكروا بها، وهذا المعنى أوضحه الله تعالى في آيات آخر كقوله: ﴿خَتَمَ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَّةٌ﴾ [البقرة: ٧]، وقوله: ﴿أَفَعَيْتَ مَنِ أَّخَذَ إِلَهَمُ هَوَنُهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلٍْ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ، غِشَةَ﴾ ... الآية [الجاثية: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا ٥٨٦ - سورة الكهف: الآية (٥٧) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِّ مَاذَانِهِمْ وَقْرَأْ وَإِذَا ذَكَرْتَ ٤٥] يُؤْمِنُونَ بِآلْآَخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا رَبَّكَ فِ الْقُرْءَانِ وَحْدَمُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَرِهِمْ نُفُوراً (﴿4﴾، وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَهُمْ وَأَعْمَىَ أَبْصَرَهُمْ ﴾ [محمد]، وقوله: ﴿مَا كَانُوْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]. والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً. فإن قيل: إذا كانوا لا يستطيعون السمع ولا يبصرون ولا يفقهون؛ لأن الله جعل الأكنة المانعة من الفهم على قلوبهم، والوقر الذي هو الثقل المانع من السمع في آذانهم؛ فهم مجبورون. فما وجه تعذيبهم على شيء لا يستطيعون العدول عنه والانصراف إلى غيره؟! فالجواب: أن الله - جل وعلا - بين في آيات كثيرة من كتابه العظيم أن تلك الموانع التي يجعلها على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، كالختم والطبع والغشاوة والأكنة، ونحو ذلك إنما جعلها عليهم جزاء وفاقاً لما بادروا إليه من الكفر وتكذيب الرسل باختيارهم، فأزاغ الله قلوبهم بالطبع والأكنة ونحو ذلك، جزاء على كفرهم، فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿بَّ طَبَعَ اَللَّهُ عَلَيَّهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] أي بسبب كفرهم، وهو نص قرآني صريح في أن كفرهم السابق هو سبب الطبع على قلوبهم. وقوله: ﴿فَلَمَا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وهو دليل أيضاً واضح على أن سبب إزاغة الله قلوبهم هو زيغهم السابق، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُوا ثُمَّ كَفَرُواْ فَطْبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون: ٣]، وقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم قَرَضُ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّا﴾ ... الآية [البقرة: ١٠]، وقوله: ﴿وَتُقَلِّبُ أَفْئِدَتَّهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ- أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِ طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [الأنعام]، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلٌّ رَأَنَ عَلَى قُلُوبِهِم ◌َّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [المطففين]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الطبع على القلوب ومنعها من فهم ما ينفع عقاب من الله على الكفر السابق على ذلك. وهذا الذي ذكرنا هو وجه رد شبهة الجبرية التي يتمسكون بها في هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن العظيم، وبهذا الذي قررنا يحصل الجواب أيضاً عن سؤال يظهر لطالب العلم فيما قررنا، وهو أن يقول: قد بينتم في الكلام على الآية التي قبل هذه أن جعل الأكنة على القلوب من نتائج الإعراض عن آيات الله عند التذكير بها، مع أن ظاهر الآية يدل عكس ذلك من أن الإعراض المذكور سببه هو جعل الأكنة على القلوب؛ لأن ((إن) من حروف التعليل كما تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه، كقولك: اقطعه إنه سارق، وعاقبه إنه ظالم، فالمعنى اقطعه لعلة سرقته، وعاقبه لعلة ظلمه. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَأَغْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ أي أعرض عنها لعلة جعل الأكنة على قلوبهم؛ لأن الآيات الماضية دلت على أن الطبع الذي يعبر عنه تارة بالطبع، وتارة بالختم، وتارة بالأكنة، ونحو ذلك سببه الأول الإعراض عن آيات الله والكفر بها كما تقدم إيضاحه. - ٥٨٧ سورة الكهف: الآية (٥٧) وفي هذه الآية سؤالان معروفان: الأول: أن يقال: ما مفسر الضمير في قوله: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥] وقد قدمنا أنَّ الآيات في قوله: ﴿ذُكْرَ بَِايَتِ رَبِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] بتضمين الآيات معنى القرآن، فقوله: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥] أي القرآن المعبر عنه بالآيات كما تقدم إيضاحه قريباً. السؤال الثاني: أن يقال: ما وجه إفراد الضمير في قوله: ﴿ذُكِرَ﴾ وقوله: ﴿فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ وقوله: ﴿وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَهُ﴾ مع الإتيان بصيغة الجمع في الضمير في قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوُهُ وَفِىّ ءَاذَاِمْ وَقْرًا﴾ مع أن مفسر جميع الضمائر المذكورة واحد، وهو الاسم الموصول في قوله: ﴿مِمَّن ذُكْرَ بَايَتِ رَبِّهِ﴾ ... الآية. والجواب: هو أن الإفراد باعتبار لفظ ((من)) والجمع باعتبار معناها؛ وهو كثير في القرآن العظيم. والتحقيق في مثل ذلك جواز مراعاة اللفظ تارة، ومراعاة المعنى تارة أخرى مطلقاً؛ خلافاً لمن زعم أن مراعاة اللفظ بعد مراعاة المعنى لا تصح؛ والدليل على صحة قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنُ بِلَّهِ وَيَعْمَلْ صَلِحًا يُدْخِظْهُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اَللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١] فإنه في هذه الآية الكريمة راعى لفظ ((من)) أولاً فأفرد الضمير في قوله: ﴿يُؤْمِنٌ﴾ وقوله: ﴿وَيَعْمَلْ) وقوله: ﴿يُدْخِلْهُ﴾ وراعى المعنى في قوله: ﴿خَلِينَ﴾ فأتى فيه بصيغة الجمع، ثم راعى اللفظ بعد ذلك في قوله: ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١] وقوله: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥]. فيه وفي كل ما يشابهه من الألفاظ وجهان معروفان لعلماء التفسير: أحدهما أن المعنى جعلنا على قلوبهم أكنة لئلا يفقهوه. وعليه فلا النافية محذوفة دل المقام عليها . وعلى هذا القول هنا اقتصر ابن جرير الطبري. وثانيهما أن المعنى جعلنا على قلوبهم أكنة كراهة أن يفقهوه، وعلى هذا فالكلام على تقدير مضافٍ، وأمثال هذه الآية في القرآن كثيرة. وللعلماء في كلها الوجهان المذكوران كقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٧٦] أي لئلا تضلوا، أو كراهة أن تضلوا. وقوله: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِقَبَلِ فَتَبَيَُّواْ أَنْ تُصِيبُواْ قَوْمَّا بِجَهَلَةٍ﴾ [الحجرات: ٦] أي لئلا تصيبوا، أو كراهة أن تصيبوا، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن العظيم. وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥] أي يفهموه. فالفقه: الفهم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] أي يفهمونه، وقوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١] أي ما نفهمه. والوقر: الثقل. وقال الجوهري في صحاحه: الوقر - بالفتح، الثقل في الأذن. والوقر - بالكسر - الحمل، يقال جاء يحمل وقره، وأوقر بعيره، وأكثر ما يستعمل الوقر في حمل البغل والحمار، اهـ. وهذا الذي ذكره الجوهري وغيره جاء به القرآن، قال في ثقل الأذن: ﴿وَفِيِّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرَأْ﴾ [الأنعام: ٢٥] وقال في الحمل: ﴿فَلْحَمِلَتِ وِقْرًا ﴾﴾ [الذاريات: ٢]. ٥٨٨. سورة الكهف: الآية (٥٧) قوله تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوَأْ إِذَا أَبَدًا﴾. بين في هذه الآية الكريمة أن الذين جعل الله على قلوبهم أكنة تمنعهم أن يفقهوا ما ينفعهم من آيات القرآن التي ذكروا بها لا يهتدون أبداً، فلا ينفع فيهم دعاؤك إياهم إلى الهدى، وهذا المعنى الذي أشار له هنا من أن من أشقاهم الله لا ينفع فيهم التذكير جاء مبيناً في مواضع أخر كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٨) وَلَوَ جَمَّتْهُمْ كُلُ ءَايَةٍ حَتَّى يَرُواْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (﴾﴾ [يونس]، وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَهُ فِ قُلُوبٍ ﴿﴿ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَّ يَرَوَأْ الْعَذَابَ الْأَلِمَ ﴾ [الشعراء] وقوله تعالى: ﴿وَمَا الْمُجْرِمِینَ تُفْنِىِ الْآَيَتُ وَاَلتُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الْرّْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ( [يونس]، وقوله تعالى: [النحل]. ﴿إِن تَحْرِصِ عَلَى هُدَهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن نَصِرِينَ وهذه الآية وأمثالها في القرآن فيها وجهان معروفان عند العلماء. أحدهما: أنها في الذين سبق لهم في علم الله أنهم أشقياء، عياذاً بالله تعالى. وثانيهما: أن المراد أنهم كذلك ما داموا متلبسين بالكفر. فإن هداهم الله إلى الإيمان وأنابوا زال ذلك المانع. والأول أظهر والعلم عند الله تعالى؛ والفاء في قوله: ﴿فَلَن يَهْتَدُوَا﴾ لأن الفعل الذي بعد ((لن)) لا يصلح أن يكون شرطاً لـ((إن)) ونحوها، والجزاء إذا لم يكن صالحاً ((لأن)) يكون شرطاً لـ((إن)) ونحوها - لزم اقترانه بالفاء؛ كما عقده في الخلاصة بقوله : واقرن بفا حتماً جواباً لو جعل شرطاً لإن أو غيرها لم ينجعل وقوله في هذه الآية الكريمة: ((إذا)» جزاء وجواب؛ فدل على انتفاء اهتدائهم لدعوة الرسول ول#، بمعنى أنهم جعلوا ما يجب أن يكون سبباً للاهتداء سبباً لانتفائه؛ لأن المعنى فلن يهتدوا إذا دعوتهم ذكر هذا المعنى الزمخشري، وتبعه أبو حيان في البحر. وهذا المعنى قد غلطا فيه، وغلط فيه خلق لا يحصى كثرة من البلاغيين وغيرهم. وإيضاح ذلك أن الزمخشري هنا وأبا حيان ظنا أن قوله: ﴿وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوَأْ إِذَا أَبَدًا﴾ شرط وجزاء، وأن الجزاء مرتب على الشرط كترتيب الجزاء على ما هو شرط فيه؛ ولذا ظنا أن الجزاء الذي هو عدم الاهتداء المعبر عنه في الآية بقوله: ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوَا﴾ مرتب على الشرط الذي هو دعاؤه إياهم المعبر عنه في الآية بقوله: ﴿وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى﴾ المشار إليه أيضاً بقوله: ((إذاً)) فصار دعاؤه إياهم سبب انتفاء اهتدائهم وهذا غلط؛ لأن هذه القضية الشرطية في هذه الآية الكريمة ليست شرطية لزومية، حتى يكون بين شرطها وجزائها ارتباط، بل هي شرطية اتفاقية، والشرطية الاتفاقية لا ارتباط أصلاً بين طرفيها، فليس أحدهما سبباً في الآخر، ولا ملزوماً ولا لازماً له، كما لو قلت: إن كان الإنسان ناطقاً فالفرس صاهل - فلا ربط بين الطرفين؛ ٥٨٩ سورة الكهف: الآية (٥٨). لأن الجزاء في الاتفاقية له سبب آخر غير مذكور، كقولك: لو لم يخف الله لم يعصه؛ لأن سبب انتفاء العصيان ليس هو عدم الخوف الذي هو الشرط، بل هو شيء آخر غير مذكور، وهو تعظيم الله - جل وعلا - ومحبته المانعة من معصيته. وكذلك قوله هنا: ﴿فَلَن يَهْتَدُوَأْ إِذَا أَبَدًا﴾ سببه الحقيقي غير مذكور معه فليس هو قوله: ﴿وَإِن نَدْعُهُمْ﴾ كما ظنه الزمخشري وأبو حيان وغيرهما، بل سببه هو إرادة الله - جل وعلا - انتفاء اهتدائهم على وفق ما سبق في علمه أزلاً . ونظير هذه الآية الكريمة في عدم الارتباط بين طرفي الشرطية قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كُمْ فِ بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٤]؛ لأن سبب بروزهم إلى مضاجعهم شيء آخر غير مذكور في الآية، وهو ما سبق في علم الله من أن بروزهم إليها لا محالة واقع، وليس سببه كينونتهم في بيوتهم المذكورة في الآية. وكذلك قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِّ لَنَفِدَ الْبَحْرٌ﴾ ... الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد أوضحت الفرق بين الشرطية اللزومية والشرطية الاتفاقية في أرجوزتي في المنطق وشرحي لها في قولي: مهما تكن صحبة ذاك التال له مقدم الشرطية المتصلة فهي اللزومية ثم إن ذهب لموجب قد اقتضاها كسبب فالاتفاقية عند العلما موجب الاصطحاب ذا بينهما ومثال الشرطية المتصلة اللزومية قولك: كلما كانت الشمس طالعة كان النهار موجوداً، لظهور التلازم بين الطرفين، ويكفي في ذلك حصول مطلق اللازمية دون التلازم من الطرفين، كقولك: كلما كان الشيء إنساناً كان حيواناً، إذ لا يصدق عكسه. فلو قلت: كلما كان الشيء حيواناً كان إنساناً لم يصدق؛ لأن اللزوم في أحد الطرفين لا يقتضي الملازمة في كليهما، ومطلق اللزوم تكون به الشرطية لزومية، أما إذا عدم اللزوم من أصله بين طرفيها فهي اتفاقية. ومثالها: كلما كان الإنسان ناطقاً كان الحمار ناهقاً. وبسبب عدم التنبه للفرق بين الشرطية اللزومية والشرطية الاتفاقية ارتبك خلق كثير من النحويين والبلاغيين في الكلام على معنى (لو))؛ لأنهم أرادوا أن يجمعوا في المعنى بين قولك: لو كانت الشمس طالعة لكان النهار موجوداً، وبين قولك: لو لم يخف الله لم يعصه، مع أن الشرط سبب في الجزاء في الأول؛ لأنها شرطية لزومية، ولا ربط بينهما في الثاني لأنها شرطية اتفاقية، ولا شك أن من أراد أن يجمع بين المفترقتين ارتبك، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه غفور، أي كثير المغفرة، وأنه ذو الرحمة يرحم عباده المؤمنين يوم القيامة، ويرحم الخلائق في الدنيا. ٥٩٠ سورة الكهف: الآية (٥٨) وبين في مواضع أخر أن هذه المغفرة شاملة لجميع الذنوب بمشيئته - جل وعلا - إلا الشرك كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءٌ﴾ [النساء: ٤٨]، وقوله: ﴿إِنَُّ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢]. وبينٍ في موضع آخر أن رحمته واسعة، وأنه سيكتبها للمتقين وهو قوله: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾ ... الآية [الأعراف: ١٥٦]. وبين في مواضع أخر سعة مغفرته ورحمته كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَسِعُ الْمَغْفِرَةَّ﴾ [النجم: ٣٢]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]؛ ونحو ذلك من الآيات. وبين في مواضع أخر أنه مع سعة رحمته ومغفرته شديد العقاب كقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦] وقوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَائِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر: ٣]، وقوله تعالى: ﴿نَبِئْ عِبَادِيّ أَنَّ أَنَا اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾﴾ [الحجر]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابِّ﴾. بين في هذه الآية الكريمة أنه لو يؤاخذ الناس بما كسبوا من الذنوب كالكفر والمعاصي لعجل لهم العذاب لشناعة ما يرتكبونه، ولكنه حليم لا يعجل بالعقوبة؛ فهو يمهل ولا يهمل. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اَللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمِ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]، وقوله: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اَللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَآئَةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] وقد قدمنا هذا في سورة ((النحل)) مستوفى. قوله تعالى: ﴿بَل لَّهُمْ قَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ، مَوْبِلًا﴾. بين - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه وإن لم يعجل لهم العذاب في الحال فليس غافلاً عنهم، ولا تاركاً عذابهم، بل هو تعالى جاعل لهم موعداً يعذبهم فيه، لا يتأخر العذاب عنه ولا يتقدم. وبين هذا في مواضع أخر، كقوله في ((النحل)): ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اَللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمِ مَا تَرَ عَلَيْهَا مِن دَابَةٍ وَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلِ تُسَتَّى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَشْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾﴾ [النحل]، وقوله في آخر سورة ((فاطر)): ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلِ تُسَنَّىٌّ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ، بَصِيرًا ﴾﴾ [فاطر]، وكقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِرُهُمْ لِيَوٍْ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَُ. (٣)﴾ [إبراهيم]، وكقوله: ﴿وَلَوْلَا أَجَلُ تُسَمَّى لَجَآءَ هُ الْعَذَابُ﴾ ... الآية [العنكبوت: ٥٣]. وقد دلت آيات كثيرة على أن الله لا يؤخر شيئاً عن وقته الذي عين له ولا يقدمه عليه كقوله: ﴿وَلَنْ يُؤَخِرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١]، وقوله: ﴿فَإِذَا جَّةَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخُرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ الَّهِ إِذَا جَلَّ لَا يُؤَخَّرٌ﴾ ... الآية [نوح: ٤]، وقوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨]، وقوله: ﴿لَّكُلِّ نَبَلٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧] إلى غير ذلك من الآيات. ٥٩١ سورة الكهف: الآية (٥٩) وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ، مَوْبِلًا﴾ أي ملجأ يلجؤون إليه فيعتصمون به من ذلك العذاب المجعول له الموعد المذكور. وهو اسم مكان، من وأل يئل وألاً ووؤلاً بمعنى لجأ. ومعلوم في فن الصرف أن واوي الفاء من الثلاثي ينقاس مصدره الميمي واسم مكانه وزمانه، على المفعل بكسر العين كما هنا، ما لم يكن معتل اللام، فالقياس فيه الفتح كالمولى. والعرب تقول: لا وألت نفسه، أي لا وجدت منجى تنجو به، ومنه قول الشاعر: للعامريين ولم تكلم لا وألت نفسك خليتها وقال الأعشى: وقد أخالس رب البيت غفلته وقد يحاذر مني ثم ما يئل أي ما ينجو. وأقوال المفسرين في ((الموئل)) راجعة إلى ما ذكرنا، كقول بعضهم: موئلا: محيصاً، وقول بعضهم: منجى. وقول بعضهم: محرزاً، إلى غير ذلك. فكله بمعنى ما ذكرنا . وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَىْ أَهْلَكْنَهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا ٥٩ بين في هذه الآية الكريمة أن القرى الماضية لما ظلمت بتكذيب الرسل والعناد واللجاج في الكفر والمعاصي أهلكهم الله بذنوبهم. وهذا الإجمال في تعيين هذه القرى وأسباب هلاكها، وأنواع الهلاك التي وقعت بها، جاء مفصلاً في آيات أخر كثيرة، كما جاء في القرآن من قصة قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وقوم موسى، كما تقدم بعض تفاصيله. والقرى: جمع قرية على غير قياس؛ لأن جمع التكسير على ((فعل)) - بضم ففتح - لا ينقاس إلا في جمع ((فعلة)) - بالضم - اسماً كغرفة وقربة. أو ((فعلى)) إذا كانت أنثى الأفعل خاصة، كالكبرى والكبر، كما أشار لذلك في الخلاصة بقوله: ونحو كبرى ... إلخ وفعل جمعاً لفعلة عرف ( أي وأما في غير ذلك فسماع يحفظ ولا يقاس عليه. وزاد في التسهيل فرعاً ثالثاً ينقاس فيه ((فعل)) بضم ففتح، وهو الفعلة بضمتين إن كان اسماً كجمعة وجمع. واسم الإشارة في قوله: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى﴾ إنما أشير به لهم؛ لأنهم يمرون عليها في أسفارهم كقوله: ﴿وَإِنَّكُتْ لَمُونَ عَلَيْهِم مُصْبِحِينَّ (4) وَيَأَيْلِ أَفَلَا تَعْفِلُونَ (٣٨)﴾ [الصافات]، وقوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧)﴾ [الحجر]، وقوله: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامِ شُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩] ونحو ذلك من الآيات. وقوله: ﴿وَتِلْكَ﴾ مبتدأ و﴿ الْقُرَى﴾ صفة له. أو عطف بيان. وقوله: ﴿أَهْلَكْنَهُمْ﴾ هو الخبر، ويجوز أن يكون الخبر هوٍ ﴿ الْقُرَى﴾ وجملة ﴿أَهْلَكْتَهُمْ﴾ في محل حال، كقوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُواْ﴾ [النمل: ٥٢]. ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَتِلْكَ﴾ في محل نصب بفعل محذوف يفسره العامل المشتغل بالضمير، على حد قوله في الخلاصة: ٥٩٢ سورة الكهف: الآية (٥٩) إن مضمر اسم سابق فعلا شغل عنه بنصب لفظه أو المحل فالسابق انصبه بفعل أضمنراء حتماً موافق لنما قد أظهرا وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾ قرأه عامة السبعة ما عدا عاصماً بضم الميم وفتح اللام على صيغة اسم المفعول. وهو محتمل على هذه القراءة أن يكون مصدراً ميمياً، أي جعلنا لإهلاكهم موعداً. وأن يكون اسم زمان، أي وجعلنا لوقت إهلاكهم موعداً. وقد تقرر في فن الصرف أن كل فعل زاد ماضيه على ثلاثة أحرف مطلقاً فالقياس في مصدره الميمي واسم مكانه واسم زمانه - أن يكون الجميع بصيغة اسم المفعول. والمهلك - بضم الميم - من أهلكه الرباعي. وقرأه حفص عن عاصم لِمَهْلِكِهِم﴾ بفتح الميم وكسر اللام. وقرأه شعبة عن عاصم ((لمهلكهم)) بفتح الميم واللام معاً. والظاهر أنه على قراءة حفص اسم زمان، أي وجعلنا لوقت هلاكهم موعداً؛ لأنه من هلك يهلك بالكسر. وما كان ماضيه على ((فعل)) بالفتح ومضارعه ((يفعل)) بالكسر كهلك يهلك، وضرب يضرب، ونزل ينزل فالقياس في اسم مكانه وزمانه ((المفعل)) بالكسر. وفي مصدره الميمي المفعل بالفتح. تقول: هذا منزله - بالكسر - أي مكان نزوله أو وقت نزوله، وهذا ((منزله)) بفتح الزاي؛ أي نزوله، وهكذا. منه قول الشاعر: أأن ذكرتك الدار منزلها جمل بكيت فدمع العين منحدر سجل فقوله: ((منزلها جمل)) بالفتح؛ أي نزول جمل إياها. وبه تعلم أنه على قراءة شعبة (لمهلكهم)) بفتح الميم واللام أنه مصدر ميمي؛ أي وجعلنا لهلاكهم موعداً. والموعد: الوقت المحدد لوقوع ذلك فيه. تنبيه: لفظة ((لما)) ترد في القرآن وفي كلام العرب على ثلاثة أنواع: الأول: لما النافية الجازمة للمضارع؛ نحو قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِّكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنكُمْ﴾ ... الآية [آل عمران: ١٤٢]. وهذه حرف بلا خلاف، وهي مختصة بالمضارع. والفوارق المعنوية بينها وبين لم النافية مذكورة في علم العربية، وممن أوضحها ابن هشام وغيره. الثاني: أن تكون حرف استثناء بمعنى إلا؛ فتدخل على الجملة الاسمية؛ كقوله تعالى: ﴿إِذْ كُلُّ نَفْسٍ لََّ عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾﴾ [الطارق] في قراءة من شدد ((لما)) أي ما كل نفس إلا عليها حافظ. ومن هذا النوع قول العرب: أنشدك الله لما فعلت؛ أي ما أسألك إلا فعلك؛ ومنه قول الراجز: · لما غنئت نفساً أو نفسين. قالت له بالله ياذا البردين فقولها: ((غنثت)) بغين معجمة ونون مكسورة وثاء مثلثة مسنداً لتاء المخاطب. والمراد بقولها: ((غنث)) تنفست في الشرب؛ كنت بذلك عن الجماع، تريد عدم متابعته ٥٩٣ سورة الكهف: الآية (٦١) _ لذلك، وأن يتنفس بين ذلك. وهذا النوع حرف أيضاً بلا خلاف. وبعض أهل العلم يقول: إنه لغة هذيل. الثالث: من أنواع «لما)) هو النوع المختص بالماضي المقتضي جملتين، توجد ثانيتهما عند وجود أولاهما، كقوله: ﴿لَمَّا ظَلَمُواْ﴾ [يونس: ١٣] أي لما ظلموا أهلكناهم، فما قبلها دليل على الجملة المحذوفة. وهذا النوع هو الغالب في القرآن وفي كلام العرب. ((ولما)» هذه التي تقتضي ربط جملة بجملة اختلف فيها النحويون: هل هي حرف، أو اسم، وخلافهم فيها مشهور، وممن انتصر لأنها حرف ابن خروف وغيره، وممن انتصر لأنها اسم ابن السراج والفارسي وابن جني وغيرهم. وجواب ((لما)» هذه يكون فعلاً ماضياً بلا خلاف كقوله تعالى: ﴿فَّا تَجَّكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَغْرَضْتُمْ﴾ ... الآية [الإسراء: ٦٧]، ويكون جملة اسمية مقرونة بـ((إذا)) الفجائية؛ كقوله: ﴿فَلَمَّا نَّنْهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمٍْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]. أو مقرونة بالفاء كقوله: ﴿فَلَمَّا نَّنَّهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَيْهُم مُقْنَصِدٌ﴾ ... الآية [لقمان: ٣٢]، ويكون جوابها فعلاً مضارعاً كما قاله ابن عصفور كقوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِزَهِيَمَ الرَّوْعُ وَجَمَنْهُ اٌلْبُشْرَى يُجَدِلْنَا فِ قَوْمِ لُوطٍ (®)﴾ ... الآية [هود]. وبعض ما ذكرنا لا يخلو من مناقشة عند علماء العربية، ولكنه هو الظاهر. هذه الأنواع الثلاثة، هي التي تأتي لها ((لما)) في القرآن وفي كلام العرب. أما ((لما)) المتركبة من كلمات أو كلمتين - فليست من ((لما)) التي كلآمنا فيها؛ لأنها غيرها، فالمركبة من كلمات كقول بعض المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلَا لَّمَّا لَيُوَفِيَتَهُمْ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١١] في قراءة ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم بتشديد نون ((إن)) وميم ((لما)) على قول من زعم الأصل على هذه القراءة: لمن مَا بمن التبعيضية، وما بمعنَى من، أي وإن كلا لمن جملة ما يوفيهم ربك أعمالهم، فأبدلت نون ((من)) ميماً وأدغمت في ما، فلما كثرت الميمات حذفت الأولى فصار لما. وعلى هذا القول ف(الما)) مركبة من ثلاث كلمات: الأولى الحرف الذي هو اللام، والثانية من، والثالثة ما، وهذا القول - وإن قال به بعض أهل العلم - لا يخفى ضعفه وبعده، وأنه لا يجوز حمل القرآن عليه. وقصدنا مطلق التمثيل لـ((لما)) المركبة من كلمات على قول من قال بذلك. وأما المركبة من كلمتين فكقول الشاعر: لما رأيت أبا يزيد مقاتلاً أدع القتال وأشهد الهيجاء لأن قوله: ((لما)) في هذا البيت، مركبة من ((لن)) النافية الناصبة للمضارع و((ما)) المصدرية الظرفية، أي لن أدع القتال ما رأيت أبا يزيد مقاتلاً، أي مدة رؤيتي له مقاتلاً . قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا ◌َجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا خُوتَهُمَا﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن موسى وفتاه نسيا حوتهما لما بلغا مجمع البحرين، ولكنه تعالى أوضح أن النسيان واقع من فتى موسى؛ لأنه هو الذي كان تحت يده الحوت، وهو الذي ٥٩٤- سورة الكهف: الآية (٦١) نسيه. وإنما أسند النسيان إليهما؛ لأن إطلاق المجموع مراداً بعضه أسلوب عربي كثير في القرآن وفي كلام العرب. وقد أوضحنا أن من أظهر أدلته قراءة حمزة والكسائي ﴿فَإِن قَلُوَّكُمْ فَقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] من القتل في الفعلين لا من القتال، أي فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر، والدليل على أن النسيان إنما وقع من فتى موسى دون موسى قوله تعالى عنهما: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَنْهُ مَائِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا قَالَ أَرَبَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّى نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَئِنِيهُ إِلَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾؛ لأن قول موسى: ﴿َائِنَا غَدَآءَنَا﴾ يعني به الحوت فهو يظن أن فتاه لم ينسه، كما قاله غير واحد. وقد صرح فتاه: بأنه نسيه بقوله: ﴿فَإِنِّ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَّا أَنْسَيِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَرُ﴾. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَآ أَسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَنُ﴾ دليل على أن النسيان من الشيطان كما دلت عليه آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَ نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الَّلِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨] وقوله تعالى: ﴿أَسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَنْسَهُمْ ذِكْر اللّهِ﴾ ... الآية [المجادلة: ١٩]. وفتى موسى هو يوشع بن نون. والضمير في قوله تعالى: ﴿مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ عائد إلى ﴿اَلْبَحْرَيْنِ﴾ المذكورين في قوله تعالى: ﴿لَآ أَبْرَعُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ ... الآية، والمجمع: اسم مكان على القياس، أي مكان اجتماعهما. والعلماء مختلفون في تعيين ((البحرين)) المذكورين، فذهب أكثرهم إلى أنهما بحر فارس مما يلي المشرق، وبحر الروم مما يلي المغرب. وقال محمد بن كعب القرظي: ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ عند طنجة في أقصى بلاد المغرب. وروى ابن أبي حاتم من طريق السدي قال: هما الكر والرأس حيث يصبان في البحر. وقال ابن عطية: ﴿مَجْمَعَ اُلْبَحْرَيْنِ﴾ ذراع في أرض فارس من جهة أذربيجان، يخرج من البحر المحيط من شماله إلى جنوبه، وطرفيه مما يلي بر الشام. وقيل: هما بحر الأردن والقلزم. وعن ابن المبارك قال: قال بعضهم: بحر أرمينية. وعن أبي بن كعب قال: بإفريقية. إلى غير ذلك من الأقوال. ومعلوم أن تعيين ((البحرين)) من النوع الذي قدمنا أنه لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، وليس في معرفته فائدة، فالبحث عنه تعب لا طائل تحته، وليس عليه دليل يجب الرجوع إليه، وزعم بعض الملاحدة الكفرة المعاصرين: أن موسى لم يسافر إلى مجمع بحرين، بدعوى أنه لم يعرف ذلك في تاريخه زعم في غاية الكذب والبطلان. ويكفي في القطع بذلك أنه مناقض لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾، مع التصريح بأنه سفر فيه مشقة وتعب، وذلك لا يكون إلا في بعيد السفر، ولذا قال تعالى عن موسى: ﴿لَقَدْ لَفِيْنَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾. ومعلوم أن ما ناقض القرآن فهو باطل؛ لأن نقيض الحق باطل بإجماع العقلاء لاستحالة صدق النقيضين معاً .. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَا أَسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَرُ﴾ قرأه عامة القراء ما عدا حفصاً ((أنسانيه)) بكسر الهاء. وقرأه حفص عن عاصم ﴿أَسَنِيهُ﴾ بضم الهاء. ٥٩٥ سورة الكهف: الآية (٦٥) قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَانَيْنَهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَُّنَّا عِلْمًا ٦٥] هذا العبد المذكور في هذه الآية الكريمة هو الخضر عليهلا بإجماع العلماء، ودلالة النصوص الصحيحة على ذلك من كلام النبي و طيور، وهذه الرحمة والعلم اللدني اللذان ذكر الله امتنانه عليه بهما لم يبين هنا هل هما رحمة النبوة وعلمها، أو رحمة الولاية وعلمها. والعلماء مختلفون في الخضر: هل هو نبي، أو رسول، أو ولي؛ كما قال الراجز: .... قيل نبي أو ولي أو رسول واختلفت في خضر أهل العقول وقيل: ملك. ولكنه يفهم من بعض الآيات أن هذه الرحمة المذكورة هنا رحمة نبوة، وأن هذا العلم اللدني علم وحي، مع العلم بأن في الاستدلال بها على ذلك مناقشات معروفة عند العلماء. اعلم أولاً أن الرحمة تكرر إطلاقها على النبوة في القرآن، وكذلك العلم المؤتى من الله تكرر إطلاقه فيه على علم الوحي، فمن إطلاق الرحمة على النبوة قوله تعالى في ((الزخرف)): ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا أَلْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ ... الآية [الزخرف: ٣١ - ٣٢]. أي نبوته حتى يتحكموا في إنزال القرآن على رجل عظيم من القريتين. وقوله تعالى في سورة ((الدخان)): ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴿ أَمْرًا الآية [الدخان: ٤ - ٥]، وقوله تعالى في رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّكَ﴾ مِّنْ عِندِنَاْ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ آخر ((القصص)): ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُواْ أَن يُلْقَىَ إِلَيْكَ الْكِتَبُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِكٌ﴾ ... الآية [القصص: ٨٦]. ومن إطلاق إيتاء العلم على النبوة قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمّ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَهُ﴾ ... [يوسف: ٦٨] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. ومعلوم أن الرحمة وإيتاء العلم اللدني أعم من كون ذلك عن طريق النبوة وغيرها، والاستدلال بالأعم على الأخص فيه أن وجود الأعم لا يستلزم وجود الأخص كما هو معروف، ومن أظهر الأدلة في أن الرحمة والعلم اللدني اللذين امتن الله بهما على عبده الخضر عن طريق النبوة والوحي قوله تعالى عنه: ﴿وَمَا فَعَلَُّهُ عَنْ أَمْرِىَّ﴾ أي وإنما فعلته عن أمر الله - جل وعلا - وأمر الله إنما يتحقق عن طريق الوحي، إذ لا طريق تعرف بها أوامر الله ونواهيه إلا الوحي من الله - جل وعلا - ولا سيما قتل الأنفس البريئة في ظاهر الأمر، وتعييب سفن الناس بخرقها؛ لأن العدوان على أنفس الناس وأموالهم لا يصح إلا عن طريق الوحي من الله تعالى. وقد حصر تعالى طرق الإنذار في الوحي في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُم بِلْوَحِيَّ﴾ [الأنبياء: ٤٥] و﴿إِنَّمَا﴾ صيغة حصر، فإن قيل: قد يكون ذلك عن طريق الإلهام؟ فالجواب أن المقرر في الأصول أن الإلهام من الأولياء لا يجوز الاستدلال به على شيء، لعدم العصمة، وعدم الدليل على الاستدلال به، بل ولوجود الدليل على عدم جواز الاستدلال به، وما يزعمه ٥٩٦ - سورة الكهف: الآية (٦٥) بعض المتصوفة من جواز العمل بالإلهام في حق الملهم دون غيره، وما يزعمه بعض الجبرية أيضاً من الاحتجاج بالإلهام في حق الملهم وغيره جاعلين الإلهام كالوحي المسموع مستدلين بظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَعْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وبخبر ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله)) كله باطل لا يعول عليه، لعدم اعتضاده بدليل. وغير المعصوم لا ثقة بخواطره؛ لأنه لا يأمن دسيسة الشيطان. وقد ضمنت الهداية في اتباع الشرع، ولم تضمن في اتباع الخواطر والإلهامات، والإلهام في الاصطلاح: إيقاع شيء في القلب يثلج له الصدر من غير استدلال بوحي ولا نظر في حجة عقلية، يختص الله به من يشاء من خلقه، أما ما يلهمه الأنبياء مما يلقيه الله في قلوبهم فليس كإلهام غيرهم؛ لأنهم معصومون بخلاف غيرهم. قال في (مراقي السعود) في كتاب الاستدلال: أعني به إلهام الأولياء وينبذ الإلهام بالعراء وعصمة النبي توجب اقتفا وقد رآه بعض من تصوفا وبالجملة، فلا يخفى على من له إلمام بمعرفة دين الإسلام أنه لا طريق تعرف بها أوامر الله ونواهيه، وما يتقرب إليه به من فعل وترك، إلا عن طريق الوحي. فمن ادعى أنه غني في الوصول إلى ما يرضي ربه عن الرسل، وما جاؤوا به ولو في مسألة واحدة، فلا شك في زندقته. والآيات والأحاديث الدالة على هذا لا تحصى، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ولم يقل حتى نلقي في القلوب إلهاماً. وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَكْنَهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ، لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَتَتَّعَ ءَايَئِكَ﴾ ... الآية [طه: ١٣٤]. والآيات والأحاديث بمثل هذا كثيرة جداً. وقد بينا طرفاً من ذلك في سورة ((بني إسرائيل)) في الكلام على قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. وبذلك تعلم أن ما يدعيه كثير من الجهلة المدعين التصوف من أن لهم ولأشياخهم طريقاً باطنة توافق الحق عند الله ولو كانت مخالفة لظاهر الشرع، كمخالفة ما فعله الخضر لظاهر العلم الذي عند موسى - زندقة وذريعة إلى الانحلال بالكلية من دين الإسلام، بدعوى أن الحق في أمور باطنة تخالف ظاهره. قال القرطبي تْثُ في تفسيره ما نصه: قال شيخنا الإمام أبو العباس: ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق لا تلزم منه هذه الأحكام الشرعية فقالوا: هذه الأحكام الشرعية العامة إنما يحكم بها على الأنبياء والعامة. وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص؛ بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم. ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم. وقالوا: وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار، وخلوها عن الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية، والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون أحكام الجزئيات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع ٥٩٧ سورة الكهف: الآية (٦٥) - الكليات، كما اتفق للخضر فإنه استغنى بما تجلى له من العلوم عما كان عند موسى من تلك الفهوم. وقد جاء فيما ينقلون: ((استفت قلبك وإن أفتاك المفتون)). قال شيخنا ظه: وهذا القول زندقة وكفر، يقتل قائله ولا يستتاب؛ لأنه إنكار ما علم من الشرائع، فإن الله تعالى قد أجرى سنته، وأنفذ حكمته بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه، وهم المبلغون عنه رسالته وكلامه، المبينون شرائعه وأحكامه، اختارهم لذلك وخصهم بما هنالك، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِنَّ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (®﴾ [الحج]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةٌ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] إلى غير ذلك من الآيات. وعلى الجملة، فقد حصل العلم القطعي واليقين الضروري، واجتماع السلف والخلف على أن لا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه، ولا يعرف شيء منها إلا من جهة الرسل. فمن قال: إن هناك طريقاً أخرى يعرف بها أمره ونهيه غير الرسل حيث يستغنى عن الرسل فهو كافر يقتل ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال وجواب. ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا محمد وَالر؛ الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله، فلا نبي بعده ولا رسول. وبيان ذلك أن من قال: يأخذ عن قلبه؛ وأن ما يقع فيه حكم الله تعالى، وأنه يعمل بمقتضاه، وأنه لا يحتاج مع ذلك إلى كتاب ولا سنة فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة؛ فإن هذا نحو ما قاله ◌َ﴾: (إن روح القدس نفث في روعي ... )) الحديث. انتهى من تفسير القرطبي. وما ذكره في كلام شيخه المذكور من أن الزنديق لا يستتاب هو مذهب مالك ومن وافقه، وقد بينا أقوال العلماء في ذلك وأدلتهم، وما يرجحه الدليل في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة ((آل عمران)). وما يستدل به بعض الجهلة ممن يدعي التصوف على اعتبار الإلهام من ظواهر بعض النصوص كحديث: (استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك))، لا دليل فيه البتة على اعتبار الإلهام؛ لأنه لم يقل أحد ممن يعتد به أن المفتي الذي تتلقى الأحكام الشرعية من قبله القلب، بل معنى الحديث: التحذير من الشبه؛ لأن الحرام بين والحلال بين، وبينهما أمور مشتبهة لا يعلمها كل الناس. فقد يفتيك المفتي بحلية شيء وأنت تعلم من طريق أخرى أنه يحتمل أن يكون حراماً، وذلك باستناد إلى الشرع، فإن قلب المؤمن لا يطمئن لما فيه الشبهة، والحديث، كقوله: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))، وقوله : ((البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس)) رواه مسلم من حديث النواس بن سمعان ظُه، وحديث وابصة بن معبد ريه المشار إليه قال: أتيت رسول الله وَله فقال: ((جئت تسأل عن البر))؟ قلت: نعم: قال: ((استفت قلبك. البر ما اطمأنت إليه ٥٩٨ سورة الكهف: الآية (٧٧) النفس واطمأن إليه القلب. والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك))، قال النووي في (رياض الصالحين): حديث حسن، رواه أحمد والدارمي في مسنديهما. ولا شك أن المراد بهذا الحديث ونحوه الحث على الورع وترك الشبهات، فلو التبست مثلاً ميتة بمذكاة، أو امرأة محرم بأجنبية، وأفتاك بعض المفتين بحلة إحداهما لاحتمال أن تكون هي المذكاة في الأول، والأجنبية في الثاني؛ فإنك إذا استفتيت قلبك علمت أنه يحتمل أن تكون هي الميتة أو الأخت، وأن ترك الحرام والاستبراء للدين والعرض لا يتحقق إلا بتجنب الجميع؛ لأن ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه فتركه واجب. فهذا يحيك في النفس ولا تنشرح له، لاحتمال الوقوع في الحرام فيه كما ترى. وكل ذلك مستند لنصوص الشرع لا للألهام. ومما يدل على ما ذكرنا من كلام أهل الصوفية المشهود لهم بالخير والدين والصلاح - قول الشيخ أبي القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد الخزاز القواريري كَّته: (مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة)، نقله عنه غير واحد ممن ترجمه تَظْتُهُ، كابن كثير وابن خلكان وغيرهما. ولا شك أن كلامه المذكور هو الحق، فلا أمر ولا نهي إلا على ألسنة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وبهذا كله تعلم أن قتل الخضر للغلام، وخرقه للسفينة، وقوله: ((وما فعلته عن أمري)) دليل ظاهر على نبوته. وعزا الفخر الرازي في تفسيره القول بنبوته للأكثرين، ومما يستأنس به للقول بنبوته تواضع موسى عليه الصلاة والسلام له في قوله: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىَ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ٦٦٦ ﴾، وقوله: ﴿سَتَجِدُنِيِّ إِن شَآءَ اَللَّهُ صَابِرًا وَلَّ أَعْصِى لَكَ أَمْرًا﴾ مع قول الخضر له: ﴿وَلَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، خُبْرَاً مسألة: اعلم أن العلماء اختلفوا في الخضر: هل هو حي إلى الآن، أو هو غير حي، وأقوالهم في المسألة مبسوطة في الأصل يُرجع إليها من أراد. قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنْقَضَّ فَأَفَامَةٌ﴾ . هذه الآية الكريمة من أكبر الأدلة التي يستدل بها القائلون بأن المجاز في القرآن؛ زاعمين أن إرادة الجدار الانقضاض لا يمكن أن تكون حقيقة، وإنما هي مجاز. وقد دلت آيات من كتاب الله على أنه لا مانع من كون إرادة الجدار حقيقة؛ لأن الله تعالى يعلم للجمادات إرادات وأفعالاً وأقوالاً لا يدركها الخلق كما صرح تعالى بأنه يعلم من ذلك ما لا يعلمه خلقه في قوله - جل وعلا -: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِحَدِهِ وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] فصرح بأننا لا نفقه تسبيحهم، وتسبيحهم واقع عن إرادة لهم يعلمها هو - جل وعلا - ونحن لا نعلمها، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن والسنة. فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَنَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَدُّ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَفَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَةَ، وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهُ﴾ ... الآية [البقرة: ٧٤]. ٥٩٩ سورة الكهف: الآية (٧٩) فتصريحه تعالى بأن بعض الحجارة يهبط من خشية الله دليل واضح في ذلك؛ لأن تلك الخشية بإدراك يعلمه الله ونحن لا نعلمه، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِِ وَاَلِْبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَنِ﴾ ... الآية [الأحزاب: ٧٢]. فتصريحه - جل وعلا - بأن السماء والأرض والجبال أبت وأشفقت أي خافت دليل على أن ذلك واقع بإرادة وإدراك يعلمه هو - جل وعلا - ونحن لا نعلمه. ومن الأحاديث الدالة على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي بَّر قال: ((إني لأعرف حجراً كان يسلم علي بمكة)) وما ثبت في صحيح البخاري من حنين الجذع الذي كان يخطب عليه وَ* جزعاً لفراقه فتسليم ذلك الحجر، وحنين ذلك الجذع كلاهما بإرادة وإدراك يعلمه الله ونحن لا نعلمه، كما صرح بمثله في قوله: ﴿وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]. وزعم من لا علم عنده أن هذه الأمور لا حقيقة لها، وإنما هي ضرب أمثال زعم باطل؛ لأن نصوص الكتاب والسنة لا يجوز صرفها عن معناها الواضح المتبادر إلا بدليل يجب الرجوع إليه. وأمثال هذا كثيرة جداً، وبذلك تعلم أنه لا مانع من إبقاء إرادة الجدار على حقيقتها لإمكان أن يكون الله علم منه إرادة الانقضاض، وإن لم يعلم خلقه تلك الإرادة. وهذا واضح جداً كما ترى، مع أنه من الأساليب العربية إطلاق الإرادة على المقاربة والميل إلى الشيء، كما في قول الشاعر: ويعدل عن دماء بني عقيل يريد الرمح صدر أبي براء أي يميل إلى صدر أبي براء. وكقول راعي نمير: قلق الفؤوس إذا أردن نضولا في مهمه قلقت به هامتها فقوله: ((إذا أردن نضولا)) أي قاربنه. وقول الآخر: إن دهراً يلف شملي بجمل لزمان يهم بالإحسان فقوله: ((لزمان يهم بالإحسان)) أي يقع الإحسان فيه، وقد بينا في رسالتنا المسماة (منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز) أن جميع الآيات التي يزعمون أنها مجاز أن ذلك لا يتعين في شيء منها، وبينا أدلة ذلك. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَآءَهُمْ مَلِكُ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾. ظاهر هذه الآية الكريمة أن ذلك الملك يأخذ كل سفينة، صحيحة كانت أو معيبة، ولكنه يفهم من آية أخرى أنه لا يأخذ المعيبة، وهي قوله: ﴿فَأَرَدِثُ أَنْ أَعِبَهَا﴾ أي لئلا يأخذها، وذلك هو الحكمة في خرقه لها المذكور في قوله: ﴿حَتَّىَ إِذَا رَكِبَا فِى السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ ثم بين أن قصده بخرقها سلامتها لأهلها من أخذ ذلك الملك الغاصب؛ لأن عيبها يزهده فيها، ولأجل ما ذكرنا كانت هذه الآية الكريمة مثالاً عند علماء العربية لحذف النعت؛ أي وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صحيحة غير معيبة بدليل ما ذكرنا. وقد قدمنا الشواهد العربية على ذلك في سورة ((بني إسرائيل)) في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُهَا قَبْلَ ٦٠٠ سورة الكهف: الآيات (٨٦ - ٩٩) يَوْمِ الْقِيمَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ ... الآية [الإسراء: ٥٨]. واسم ذلك الملك: هدد بن بدر، وقوله: ﴿وَرَآءَهُمْ﴾ أي أمامهم كما تقدم في سورة ((إبراهيم)): قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِ عَيْنٍ حَمِثَةٍ﴾. قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم ﴿حَمِئَةٍ﴾ بلا ألف بعد الحاء، وبهمزة مفتوحة بعد الميم المكسورة، وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وشعبة عن عاصم ((حامية)) بألف بعد الخاء، وياء مفتوحة بعد الميم المكسورة على صيغة اسم الفاعل، فعلى القراءة الأولى فمعنى ﴿حَثَةٍ﴾ ذات حمأة وهي الطين الأسود، ويدل على هذا التفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا أَلْإِنسَانَ مِنْ صَلْصَلٍ مِّنْ حَمٍ مَسْنُونٍ (٣)﴾ [الحجر] والحمأ: الطين كما تقدم. ومن هذا المعنى قول تبع الحميري فیما يؤثر عنه يمدح ذا القرنين: بلغ المشارق والمغارب يبتغي أسباب أمر من حكيم مرشد في عين ذي خلب وثأط حرمد فرأى مغيب الشمس عند غروبها والخلب في لغة حمير: الطين. والثأط: الحمأة. والحرمد: الأسود. وعلى قراءة ((حامية)) بصيغة اسم الفاعل، فالمعنى: أنها حارة، وذلك لمجاورتها وهج الشمس عند غروبها، وملاقاتها الشعاع بلا حائل. ولا منافاة بين القراءتين؛ لأن العين المذكورة حارة وذات ماء وطين أسود، فكلتا القراءتين حق. قال ابن كثير كْتُهُ في تفسيره: ((وجدها تغرب في عين حمئة)) أي رأى الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط، وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله يراها كأنها تغرب فيه إلى آخر كلامه. ومقتضى كلامه أن المراد بالعين في الآية البحر المحيط، وهو ذو طين أسود. والعين تطلق في اللغة على ينبوع الماء. والينبوع: الماء الكثير، فاسم العين يصدق على البحر لغة. وكون من على شاطئ المحيط الغربي يرى الشمس في نظر عينه تسقط في البحر أمر معروف، وعلى هذا التفسير فلا إشكال في الآية، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّنِ زَّبِّ فَإِذَا جَلّمَ وَعِدُ رَبِي جَعَلَهُ ذَكََّةٌ وَكَانَ وَعَدُ رَبِّ حَقًّا ٩٨ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَيِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ وَنُفِخَ فِ اُلُّورِ لَعْتَهُمْ جَمَا (﴾﴾. اعلم أولاً أنا قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أنه إن كان لبعض الآيات بيان من القرآن لا يفي بإيضاح المقصود وقد بينه النبي لر فإنا نتمم بيانه بذكر السنة المبينة له. وقد قدمنا أمثلة متعددة لذلك، فإذا علمت ذلك فاعلم أن هاتين الآيتين الكريمتين لهما بيان من كتاب أوضحته السنة، فصار بضميمة السنة إلى القرآن بياناً وافياً بالمقصود، والله - جل وعلا - قال في كتابه لنبيه وَّهِ: ﴿وَأَنْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] فإذا علمت ذلك فاعلم أن هذه الآية الكريمة، وآية الأنبياء قد دلتا في الجملة على أن السد الذي بناه ذو القرنين دون يأجوج ومأجوج إنما يجعله الله دكاً عند مجيء الوقت الموعود بذلك فيه. وقد دلتا على أنه بقرب يوم القيامة؛ لأنه قال هنا: ﴿فَإِذَا جَآءَ