النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
سورة الإسراء: الآيات (٨٥ - ٩٣) -
الكفيل مروي عن ابن عباس والضحاك. وقال مقاتل: ((قبيلاً)) شهيداً. وقال مجاهد: هو
جمع قبيلة؛ أي تأتي بأصناف الملائكة. وعلى هذا القول فهو حال من الملائكة، أو
يكون له بيت من زخرف؛ أي من ذهب. ومنه قوله ((في الزخرف)): ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ
النَّاسُ أُمَّةُ وَحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَزُخْرُفًا﴾
[الزخرف: ٣٣ - ٣٥] أي ذهباً. أو يرقى في السماء؛ أي يصعد فيه، وإنهم لن يؤمنوا
الرقيه؛ أي من أجل صعوده، حتى ينزل عليهم كتاباً يقرؤونه. وهذا التعنت والعناد
العظيم الذي ذكره - جل وعلا - عن الكفار هنا بينه في مواضع أخر، وبين أنهم لو
فعل الله ما اقترحوا ما آمنوا؛ لأن من سبق عليه الشقاء لا يؤمن كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَلْنَاَ
عَلَيْكَ كِنَبًا فِى قِرْطَاسِ فَلَسُوهُ بِأَيْدِيِهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُِّيرٌ ﴾﴾ [الأنعام]،
وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَكَةَ وَلَّمَّهُمُ الْوْقَ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ
إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١]، وقوله: ﴿وَلَوْ فَنَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ
ـ﴾ [الحجر]، وقوله: ﴿وَمَا
يَعْرُجُونٌ ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِرَتْ أَبْصَرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ
يُشْعِرَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ
كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
﴾ [يونس]،
وَلَوَّ جَاءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوَأْ اَلْعَذَابَ الْأَلِيمَ
٩٦
والآيات بمثل هذا كثيرة.
وقوله في هذه الآية: ﴿كِنَبًا تَقْرَؤُهُ﴾ أي كتاباً من الله إلى كل رجل منا. ويوضح
هذا قوله تعالى ((في المدثر)): ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ أَمْرِىءٍ مِنْهُمْ أَن يُؤْثَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (@﴾ [المدثر]
كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُواْ لَنْ تُؤْمِنَ حَقَّ نُؤْقَ مِثْلَ مَا أُوْنِىَ رُسُلُ
اللّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤].
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَتِ هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾، أي تنزيهاً
لربي - جل وعلا - عن كل ما لا يليق به، ويدخل فيه تنزيهه عن العجز عن فعل ما
اقترحتم، فهو قادر على كل شيء، لا يعجزه شيء، وأنا بشر أتبع ما يوحيه إلي ربي ....
وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَأْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَهُكُمْ
إِلَهٌ وَبَعِدٌّ فَن كَانَ يَرْجُوْ لِقَّءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ رَيِّدِ أَحَدًاً (﴾ [الكهف]،
وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهَّكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَأَسْتَقِيمُوْ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُوهُ﴾
[فصلت: ٦]. وكقوله تعالى عن جميع الرسل: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ
مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ،﴾ [إبراهيم: ١١] إلى غير ذلك من الآيات.
وقرأ ((تفجر)) الأولى عاصم وحمزة والكسائي بفتح التاء وإسكان الفاء وضم
الجيم، والباقون بضم التاء وفتح الفاء وتشديد الجيم مكسورة. واتفق الجميع على هذا
في الثانية. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ((كسفاً)) بفتح السين والباقون بإسكانها، وقرأ
أبو عمرو ((تنزل)) بإسكان النون وتخفيف الزاي، والباقون بفتح النون وشد الزاي.

٥٠٢
سـ
سورة الإسراء: الآيات: (٩٤ - ٩٩)
قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَهُمُ الْهُدَىّ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرً
رَّسُولًا ®)). هذا المانع المذكور هنا عادي؛ لأنه جرت عادة جميع الأمم باستغرابهم
بعث الله رسلاً من البشر كقوله: ﴿قَالُواْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [إبراهيم: ١٠]، وقوله: ﴿أَنُزْمِنُ
لَِشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ [المؤمنون: ٤٧]، وقوله: ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَحِدًا نَّشَّعُهُ: إِنَّا إِذَا لَّفِى ضَلَلٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر:
(٢٤]، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَأْتِهِمْ رُسُلُهُم بِالْبِنَتِ فَقَالُواْ أَبَشَرٌ مَدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦]، وقوله:
﴿وَلَيْنْ أَطَعْتُم بَشَرًّا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ (٣)﴾ [المؤمنون]، إلى غير ذلك من الآيات.
والدليل على أن المانع في هذه الآية عادي أنه تعالى صرح بمانع آخر غير هذا ((في
سورة الكهف)) وهو قوله: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلَّ أَنَ
تَأْنِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَِّينَ أَوْ بَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلَّ (®ّ﴾ [الكهف]. فهذا المانع المذكور ((في الكهف)»
مانع حقيقي؛ لأن من أراد الله به سنة الأولين من الإهلاك، أو أن يأتيه العذاب قبلاً
فإرادته به ذلك مانعة من خلاف المراد؛ لاستحالة أن يقع خلاف مراده - جل وعلا -
بخلاف المانع ((في آية بني إسرائيل)» هذه، فهو مانع عادي يصح تخلفه. وقد أوضحنا
هذه المسألة في كتابنا ((دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)).
قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِ الْأَرْضِ مَلَتِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَيِنِينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ
السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا ﴾﴾. بين - جل وعلا - في هذه الآية أن الرسول يلزم أن يكون
من جنس المرسل إليهم، فلو كان مرسلاً رسولاً إلى الملائكة لنزل عليهم ملكاً مثلهم؛
أي وإذا أرسل إلى البشر أرسل لهم بشراً مثلهم.
وقد أوضح هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا
مَكًا لَّقُضِىَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ﴿ وَلَوَ جَعَلْنَهُ مَكًا أَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمِ مَا
يَلْبِسُونَ ﴾﴾ [الأنعام]، وقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِمّ﴾
[يوسف: ١٠٩]، وقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُونَ الطَّعَامَ
وَيَهْشُونَ فِى الْأَسْوَائِ﴾ [الفرقان: ٢٠] كما تقدم إيضاحه.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ قَادِرُّ عَلَى أَن يَخْلُقَ
مِثْلَهُمْ﴾. بين - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن من خلق السموات والأرض مع
عظمهما قادر على بعث الإنسان بلا شك؛ لأن من خلق الأعظم الأكبر فهو على خلق
الأصغر قادر بلا شك.
وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ
خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]، أي ومن قدر على خلق الأكبر فهو قادر على خلق الأصغر،
وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى﴾ [يس: ٨١]،
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعِىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَدِرٍ عَلَى أَن يُحِفِىَ
اُلْمَوْنَى بَلَ﴾ [الأحقاف: ٣٣]، وقوله: ﴿،َأَنْتُمُّ أَشَدُّ خَلْقَّا أَمِ اٌلَّمَاءُ بَهَا (َ رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّنَهَا
٢٨)

٥٠٣
سورة الإسراء: الآيات (١٠٠ - ١٠٢)
وَالْجِبَالَ
وَاَلْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنَهَا (٣٢َ أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْ عَنْهَا (٦)
٢٩
وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ◌ُعَنِهَا
أَرْسَنُهَا ﴿َجَ مَنَفًا لَكُمٍ وَلِأَنْعَمِكُ (®َ﴾ [النازعات].
قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآَبِنَ رَحْمَةٍ رَبِّ إِذَا لَّأَمْسَكْتُ خَشْيَةَ الْإِفَاقِّ وَكَانَ
اُلْإِسَنُ قَتُورًا ﴾﴾. بين تعالى في هذه الآية أن بني آدم لو كانوا يملكون خزائن رحمته،
أي خزائن الأرزاق والنعم، لبخلوا بالرزق على غيرهم، ولأمسكوا عن الإعطاء؛ خوفاً
من الإنفاق لشدة بخلهم.
وبين أن الإنسان قتور؛ أي بخيل مضيق من قولهم: قتر على عياله، أي ضيق عليهم.
وبين هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلَّكِ فَإِذَا لَّا
﴾ [النساء]، وقوله: ﴿إِنَّ اُلْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا (٨) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَرُوعًا
(٥٣)
يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا
وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٨٦) إِلَّا الْمُصَلِينَ (٣)﴾ [المعارج]، إلى غير ذلك من الآيات.".
والمقرر في علم العربية أن ((لو)) لا تدخل إلا على الأفعال، فيقدر لها في الآية
فعل محذوف، والضمير المرفوع بعد ((لو)) أصله فاعل الفعل المحذوف؛ فلما حذف
الفعل فصل الضمير. والأصل: قل لو تملكون، فحذف الفعل فبقيت الواو فجعلت
ضميراً منفصلاً: هو أنتم. هكذا قاله غير واحد، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ ◌َايَتٍ بَيْنَتِّ ... ) الآية. قال بعض أهل
العلم: هذه الآيات التسع، هي: العصا، واليد، والسنون، والبحر، والطوفان،
والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، آيات مفصلات.
وقد بين - جل وعلا - هذه الآيات في مواضع أخر كقوله: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ
ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (َ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَّهُ لِلنَّظِرِينَ ﴾﴾ [الأعراف]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ
فِرْعَوْنَ بِالسّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠]، وقوله: ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَىَ أَنِ أَضْرِبِ
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ
[الشعراء]، وقوله :
بِعَصَاكَ الْبَحْرِّ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَلَوْرِ اٌلْعَظِيمِ
الُطُوفَانَ وَالْجَزَادَ وَالْقُعَّلَ وَالضَّفَائِعَ وَالذَّمَ ءَايَتٍ مُّفَصَّلَتٍ﴾ [الأعراف: ١٣٣] إلى غير ذلك من
الآيات المبينةَ لما ذكرنا، وجعل بعضهم الجبل بدل ((السنين)) وعليه فقد بين ذلك قوله
تعالى: ﴿وَإِذْ نَشَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١] ونحوها من الآيات.
قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ﴾. بين
- جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن فرعون عالم بأن الآيات المذكورة ما أنزلها إلا
رب السموات والأرض بصائر؛ أي حججاً واضحة؛ وذلك يدل على أن قول فرعون:
﴿فَمَنْ رَّبُّكُمَا يَمُوسَى﴾ [طه: ٤٩]، وقوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ [الشعراء] كل
ذلك منه تجاهل عارف.
وقد أوضح - جل وعلا - هذا المعنى مبيناً سبب جحوده لما علمه ((في سورة
النمل)) بقوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَنِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوْءٌ فِيِ نِسْعِ ءَيْتٍ إِلَى فِرْعَوَنَ وَقَوْمِّ إِنَّهُمْ

٤
سورة الإسراء: الآيات (١٠٥ - ١١٠)
كَانُواْ قَوْمً فَنِقِينَ ﴿﴿ فَمَّا جَاءَتْهُمْ ءَايَنُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴿﴿ وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَتَتْهَاَ
أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُواْ﴾ الآية [النمل: ١٢ - ١٤].
قوله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَهُ وَيَلْحَقِّ نَزَلْ﴾. بين - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة
أنه أنزل هذا القرآن بالحق، أي متلبساً به متضمناً له؛ فكل ما فيه حق. فأخباره صدق،
وأحكامه عدل كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَثُ رَيِّكَ صِدْقًا وَعَدَّلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] وكيف
لا! وقد أنزله - جل وعلا - بعلمه؛ كما قال تعالى: ﴿لَّكِنِ اَللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَْ
أَنَزَلَهُ بِعِلْمِةٍ﴾ [النساء:
وقوله: ﴿وَيَلْمِّ نَزَلَّ﴾ يدل على أنه لم يقع فيه تغيير ولا تبديل في طريق إنزاله؛ لأن
الرسول المؤتمن على إنزاله قوي لا يغلب عليه حتى يغير فيه، أمين لا يغير ولا يبدل
كما أشار إلى هذا بقوله: ﴿نَزَّلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١) عَلَى قَلِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤]،
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَهُمْ لِيَتَسَآءَلُواْ بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ
يَوْمٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِئْتُمْ فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِةٍ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُهاَ أَزْكَى
طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَ بِكُمْ أَحَدًّا (®َ﴾ [الكهف]، ﴿ذِى قُوٍَّ عِنْدَ
ذِى الْعَشْ مَكِينِ ) قُطَارِ ثَّ أَمِينٍ ﴾﴾ [التكوير]، وقوله في هذه الآية: ﴿لَقَوَّلُ رَسُولٍ﴾
[التكوير: ١٩] أي لتبليغه عن ربه؛ بدلالة لفظ الرسول لأنه يدل على أنه مرسل به.
قوله تعالى: ﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْتَهُ لِنَقْرَأَمُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْتٍ﴾. قرأ هذا الحرف عامة القراء
((فرقناه)) بالتخفيف؛ أي بيناه وأوضحناه، وفصلناه وفرقنا فيه بين الحق والباطل، وقرأ
بعض الصحابة ((فرقناه)) بالتشديد؛ أي أنزلناه مفرقاً بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة.
ومن إطلاق فرق بمعنى بين وفصل قوله تعالى: ﴿فِهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾﴾ [الدخان].
وقد بين - جل وعلا - أنه بين هذا القرآن لنبيه ليقرأه على الناس على مكث، أي
مهل وتؤدة وتثبت، وذلك يدل على أن القرآن لا ينبغي أن يقرأ إلا كذلك، وقد أمر
تعالى بما يدل على ذلك في قوله: ﴿وَرَقِّلِ الْقُرْءَانَ تَّرِيلًا﴾ [المزمل: ٤] ويدل على ذلك
أيضاً قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا نُزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جْلَةً وَحِدَةٌ كَذَلِكَ لِنُقَبِّتَ بِهِ فُؤَادَةٌ
وَرَثَلَْهُ تَرْتِيلًا (٣)﴾ [الفرقان].
وقوله تعالى: ﴿وَقُرْءَانًا﴾ منصوب بفعل محذوف يفسره ما بعده، على حد قوله في
الخلاصة :
حتماً موافق لما قد أظهرا
فالسابق نصبه بفعل أضمرا
قوله تعالى: ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْتَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَآءُ الْمُسْنَى﴾. أمر الله
- جل وعلا - عباده في هذه الآية الكريمة أن يدعوه بما شاؤوا من أسمائه، إن شاؤوا
قالوا: يا الله، وإن شاؤوا قالوا: يا رحمن، إلى غير ذلك من أسمائه - جل وعلا -.
وبين هذا المعنى في غير هذا الموضع كقوله: ﴿وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَّ وَذَرُواْ

٥٠٥
سورة الإسراء: الآية (١١١) -
اَلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيَّ أَسْمَيِّ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿٨)﴾ [الأعراف]، وقوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى
لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوِّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴿﴿ هُوَ اَللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّا
هُوَ الْمَلِكُ اٌلْقُدُّوسُ السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِرُّ سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا
يُشْرِكُونَ
﴿ هُوَ اَللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرِّ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَيِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [الحشر].
وقد بين - جل وعلا - في غير هذا الموضع أنهم تجاهلوا اسم الرحمن في قوله:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَسْجُدُواْ لِلرَّعْمَنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]. وبين لهم بعض أفعال
الرحمن - جل وعلا - في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ جَ عَلَّمَ الْقُرْءَانَ أَ خَلَقَ الْإِنسَنَ
عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴿1﴾ [الرحمن]؛ ولذا قال بعض العلماء: إن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ )) عَلَّمَ
اٌلْقُرْءَانَ ﴾﴾ جواب لقولهم: ﴿قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]. وسيأتي لهذا - إن
شاء الله - زيادة إيضاح ((في سورة الفرقان)).
قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَا وَ يَكُن ◌َّهُ شَرِكُ فِ الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ
وَبِىٌ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِرَهُ تَكْبِرًا (®﴾. أمر الله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة الناس على
لسان نبيه وَ؛ لأن أمر القدوة أمر لأتباعه كما قدمنا أن يقولوا: ((الحمد لله)) أي كل
ثناء جميل لائق بكماله وجلاله، ثابت له، مبيناً أنه منزه عن الأولاد والشركاء والعزة
بالأولياء، سبحانه وتعالى عن ذلك كله علواً كبيراً .
فبين تنزهه عن الولد والصاحبة في مواضع كثيرة كقوله: ﴿قَلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ
[الإخلاص: ١] إلى آخر السورة، وقوله: ﴿وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَيِّنَا مَا أَتَّخَذَ صَحِبَةً وَلَا وَلَدًا
[الجن]، وقوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ أَ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلّ شَىْءٌ
وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الأنعام]، وقوله: ﴿وَقَالُواْ أُمَّخَذَ اُلَّحْمَنُ وَلَدَا ◌َ لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا
إِذَّا ﴿٨ تَكَادُ السَّمَوَتُ يَنَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُ الْجِبَالُ هَدَّا ﴿ أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا
وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَّا ﴾﴾ [مريما، والآيات بمثل ذلك كثيرة.
وبين في مواضع أخر أنه لا شريك له في ملكه، أي ولا في عبادته كقوله: ﴿وَمَا
لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْءٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢]، وقوله: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَّ لِلَّهِ الْوَِدِ
اٌلْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، وقوله: ﴿تَبَرَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُّ ﴾﴾ [الملك]،
وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِ الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَن تَشَاءٌ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَآءُ
وَتُذِلُ مَنْ تَشَاءٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]، والآيات بمثل ذلك كثيرة.
ومعنى قوله في هذه الآية: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌ مِّنَ الذُّلِّ﴾ يعني أنه لا يذل فيحتاج
إلى ولي يعز به؛ لأنه هو العزيز القهار، الذي كل شيء تحت قهره وقدرته، كما بينه في
مواضع كثيرة كقوله: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهٍ،﴾ [يوسف: ٢١]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[البقرة: ٢٢٠] والعزيز: الغالب. وقوله: ﴿وَهُوَ اُلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] والآيات
بمثل ذلك كثيرة.

٥٠٦
-
سورة الكهف: الآيات (١ - ٥)
وقوله: ﴿وَكَيْرَهُ تَكْبِرًا﴾ أي عظمه تعظيماً شديداً. ويظهر تعظيم الله في شدة
المحافظة على امتثال أمره واجتناب نهيه، والمسارعة إلى كل ما يرضيه، كقوله تعالى:
﴿لِتُكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] ونحوها من الآيات، والعلم عند الله تعالى ..
وروى ابن جرير في تفسير هذه الآية الكريمة عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أن
النبي ◌َّ كان يعلم الصغير والكبير من أهله هذه الآية ﴿اَلْحَمْدُ لِلَِّ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدَا﴾ .
الآية. وقال ابن كثير: قلت وقد جاء في حديث أن رسول الله وَ الر سمى هذه الآية آية
العز. وفي بعض الآثار أنها ما قرئت في بيت في ليلة فيصيبه سرق أو آفة. والله أعلم.
ثم ذكر حديثاً عن أبي يعلى من حديث أبي هريرة مقتضاه أن قراءة هذه الآية تذهب
السقم والضر، ثم قال: إسناده ضعيف، وفي متنه نكارة. والله تعالى أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد ◌َله.
براسم الرحمن الرحيم
سورة الكهف
قوله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ قَبِّمًا لِّسُنذِرَ
بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِيِنَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًّاً حَسَنًا (٣ ◌َّكِئِينَ
فِيهِ أَبَدًّا ﴿﴿ وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ أُمَّخَذَ اللَّهُ وَلَدَّا ج ◌َمَا لَهُم بِهِ، مِنْ عِلْمٍ وَلَا لَِّبَبِهِمْ كَبُرَتْ
كَلِمَةُ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَهِهِمَّ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ﴾﴾. علم الله - جل وعلا - عباده في
أول هذه السورة الكريمة أن يحمدوه على أعظم نعمة أنعمها عليهم؛ وهي إنزاله على
نبينا * هذا القرآن العظيم، الذي لا اعوجاج فيه؛ بل هو في كمال الاستقامة،
أخرجهم به من الظلمات إلى النور. وبين لهم فيه العقائد، والحلال والحرام، وأسباب
دخول الجنة والنار، وحذرهم فيه من كل ما يضرهم، وحضهم فيه على كل ما ينفعهم،
فهو النعمة العظمى على الخلق؛ ولذا علمهم ربهم كيف يحمدونه على هذه النعمة
الكبرى بقوله: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنَزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ﴾ ... الآية . .
وما أشار له هنا من عظيم الإنعام والامتنان على خلقه بإنزال هذا القرآن العظيم،
منذراً من لم يعمل به، ومبشراً من عمل به ذكره - جل وعلا - في مواضع كثيرة كقوله:
﴿وَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَكُمْ بُرْهَنٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنَزَلْنَآَ إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا (٦٤) فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ
وَأَعْتَصَمُواْ بِهِ، فَسَيُدِْلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا (®)﴾ [النساء]
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَرَحْمَةٌ وَذِكْرَى
لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥)﴾ [العنكبوت]، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَقُصُ عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَكْثَرَ

٥٠٧
سورة الكهف: الآيات (١ - ٥)
(٣)﴾ [النمل]، وقوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ
وَإِنَّمُ لَمُدَى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
الَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ الَّ
اُلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى
وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]، وقوله: ﴿إِنَّ فِى هَذَا لَبَغَّا لِّقَوْمٍ عَبِدِينَ ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا
رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ (٣)﴾ [الأنبياء]، وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُواْ أَنْ يُلْقَىَ إِلَيْكَ الْكِتَبُ إِلَّا رَحْمَةٌ
مِّنِ زَّيِّكْ﴾ [القصص: ٨٦]، وقوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ إلى
قوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ اُلْفَضْلُ اَلْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢].
وهو تصريح منه - جل وعلا - بأن إيراث هذا الكتاب فضل كبير، والآيات بمثل
هذا كثيرة جداً.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَاً﴾؛ أي لم يجعل في القرآن
عوجاً؛ أي لا اعوجاج فيه البتة، لا من جهة الألفاظ ولا من جهة المعاني، أخباره
كلها صدق، وأحكامه عدل، سالم من جميع العيوب في ألفاظه ومعانيه، وأخباره
وأحكامه؛ لأن قوله: ﴿عِوَجًا﴾ نكرة في سياق النفي؛ فهي تعم نفي جميع أنواع العوج ..
وما ذكره - جل وعلا - هنا من أنه لا اعوجاج فيه بينه في مواضع أخر كثيرة
كقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَنَذَكَّرُونَ ﴿٨٧ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ
(٣)﴾ [الزمر]، وقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَيِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًاً لَّا مُبَدِّلَ
ذِى ◌ِوَجْ لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ
لِكَلِمَتِهِ، وَهُوَ السَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ (9)﴾ [الأنعام] فقوله: ﴿صِدْقًا﴾ أي في الأخبار، وقوله:
﴿وَعَدْلًا﴾ أي في الأحكام. وكقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ
لَوَجَدُواْ فِيهِ أَخْتِلَفًا كَثِيرًا (﴾﴾ [النساء] والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًّا.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَتِّمًا﴾ أي مستقيماً لا ميل فيه ولا زيغ، وما ذكره
هنا من كونه ((قيماً)) لا ميل فيه ولا زيغ - بينه أيضاً في مواضع أخر، كقوله: ﴿لَّ يَكُنِ
الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِينَ حَتَّى تَأْنِيَهُمُ الْبِنَةُ ﴿ رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَثْلُواْ مُفًا
مُطَهَّرَةً جَ فِيهَا كُنُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾﴾ [البينة] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَتِ هِىَ
أَقْوَمُ﴾ لآية [الإسراء: ٩]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَنْ يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ
﴿مَا
﴾ [يونس]، وقوله تعالى:
الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ اُلْكِتَبِ لَا رَيِّبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ
كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ بِدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةُ لِّفَوَّرِ
يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١]، وقوله: ﴿الَّمَ ﴿ ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبَ فِهِ هُدًى لِلْمَّقِينَ
٢٠
[البقرة]، وقوله: ﴿الَرِ كِتَبُّ أُمْكِمَتْ ءَايَتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾﴾ [هود] وقوله:
﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] إلى غير ذلك من الآيات.
وهذا الذي فسرنا به قوله تعالى: ﴿فَّمًا﴾ هو قول الجمهور، وهو الظاهر، وعليه
فهو تأكيد في المعنى لقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَل لَُّ عِوَجَاً﴾؛ لأنه قد يكون الشيء مستقيماً في
الظاهر وهو لا يخلو من اعوجاج في حقيقة الأمر؛ ولذا جمع تعالى بين نفي العوج
وإثبات الاستقامة، وفي قوله: ﴿َِّّمًا﴾ وجهان آخران من التفسير:

٥٠٨
سورة الكهف: الآيات (١ - ٥)
الأول: أن معنى كونه ﴿قِيَمًا﴾ أنه قيم على ما قبله من الكتب السماوية، أي
مهيمن عليه، وعلى هذا التفسير فالآية كقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا
لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨].
ولأجل هيمنته على ما قبله من الكتب قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْمَانَ يَقُصُّ عَلَى بَنِىّ
إِسْرَّهِيلَ أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٨)﴾ الآية [النمل]. وقال: ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَثِ فَتْلُوهَآ
إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] وقال: ﴿يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَآءُكُمْ رَسُولُنَا
يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ﴾ ... الآية [المائدة: ١٥].
الوجه الثاني: أن معنى كونه ﴿قِيَمًا﴾ أنه قيم بمصالح الخلق الدينية والدنيوية،
وهذا الوجه في الحقيقة يستلزمه الوجه الأول.
واعلم أن علماء العربية اختلفوا في إعراب قوله: ﴿قِيَمًا﴾؛ فذهب جماعة إلى أنه
حال من الكتاب، وأن في الآية تقديماً وتأخيراً، وتقريره على هذا: أنزل على عبده
الكتاب في حال كونه قيماً ولم يجعل له عوجاً. ومنع هذا الوجه من الإعراب
الزمخشري في الكشاف قائلاً: إن قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا﴾ معطوف على صلة
الموصول التي هي جملة ﴿أَنَزَّلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ﴾ والمعطوف على الصلة داخل في حيز
الصلة فجعل ﴿قِيَمًا﴾ حال من ((الكتاب)) يؤدي إلى الفصل بين الحال وصاحبها ببعض
الصلة؛ وذلك لا يجوز.
وذهب جماعة آخرون إلى أن ﴿قِيَمًا﴾ حال من ﴿الْكِنَبُ﴾ وأن المحذور الذي
ذكره الزمخشري منتف؛ وذلك أنهم قالوا: إن جملة ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا﴾ ليست معطوفة
على الصلة، وإنما هي جملة حالية. وقوله: ﴿قِيَمًا﴾ حال بعد حال، وتقريره: أن
المعنى أنزل على عبده الكتاب في حال كونه غير جاعل فيه عوجاً، وفي حال كونه
قيماً، وتعدد الحال لا إشكال فيه، والجمهور على جواز تعدد الحال مع اتحاد عامل
الحال وصاحبها، كما أشار له في الخلاصة بقوله:
لمفرد فاعلم وغير مفرد
والحال قد يجيء ذا تعدد
وسواء كان ذلك بعطف أو بدون عطف. فمثاله مع العطف قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِرُكَ
بِيَحْبَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩]، ومثاله بدون
عطف قوله تعالى: ﴿وَلَنَّا رَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفًا﴾ [الأعراف: ١٥٠]. وقول الشاعر:
عليَّ إذا ما جئت ليلى بخفية ..
زيارة بيت الله رجلان حافيا
ونقل عن أبي الحسن بن عصفور منع تعدد الحال ما لم يكن العامل فيه صيغة
التفضيل في نحو قوله: هذا بسراً أطيب منه رطباً، ونقل منه ذلك أيضاً عن الفارسي
وجماعة، وهؤلاء الذين يمنعون تعدد الحال يقولون: إن الحال الثانية إنما هي حال من
الضمير المستكن في الحال الأولى. والأولى عندهم هي العامل في الثانية. فهي عندهم

٥٠٩
سورة الكهف: الآيات (١ - ٥)
أحوال متداخلة، أو يجعلون الثانية نعتاً للأولى. وممن اختار أن جملة ﴿وَلَمْ يَجْعَلَ﴾
حالية، وأن ﴿قِيَمًا﴾ حال بعد حال؛ الأصفهاني.
وذهب بعضهم إلى أن قوله: ﴿قِيَمًا﴾ بدل من قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَاً﴾؛ لأن
انتفاء العوج عنه هو معنى كونه قيماً.
وعزا هذا القول الرازي وأبو حيان لصاحب حل العقد، وعليه فهو بدل مفرد من جملة.
كما قالوا في: عرفت زيداً أبو من أنه بدل جملة من مفرد، وفي جواز ذلك
خلاف عند علماء العربية.
وزعم قوم أن ﴿قِيَمًا﴾ حال من الضمير المجرور في قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلِ لَّهُ عِوَجَاً﴾،
واختار الزمخشري وغيره أن ﴿قِيَمًا﴾ منصوب بفعل محذوف، وتقديره: ولم يجعل له عوجاً
وجعله قيماً، وحذف ناصب الفضلة إذا دل عليه المقام جائز؛ كما قال في الخلاصة:
ويحذف الناصبها إن علما.
وقد يكون حذفه ملتزما
وأقرب أوجه الإعراب في قوله: ﴿قِيَمًا﴾ أنه منصوب بمحذوف، أو حال ثانية من
((الكتاب))، والله تعالى أعلم.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ اللام فيه متعلقة بـ ((أنزل))،
وقال الحوفي: هي متعلقة بقوله: ((قيماً»، والأول هو الظاهر.
والإنذار الإعلام المقترن بتخويف وتهديد، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام
إنذاراً، والإنذار يتعدى إلى مفعولين، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُمْ نَارًا تَلَّى
[الليل] وقوله: ﴿إِنَّ أَنْذَرْتَكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ: ٤٠].
وفي أول هذه السورة الكريمة كرر تعالى الإنذار، فحذف في الموضع الأول
مفعول الإنذار الأول، وحذف في الثاني مفعول الثاني، فصار المذكور دليلاً على
المحذوف في الموضعين، وتقدير المفعول الأول المحذوف في الموضع الأول: ﴿لينذر
الذين كفروا بأساً شديداً من لدنه﴾ وتقدير المفعول الثاني المحذوف في الموضع الثاني
﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ أُتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ بأساً شديداً من لدنه.
وقد أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى أن هذا القرآن العظيم تخويف وتهديد
للكافرين، وبشارة للمؤمنين المتقين. إذ قال في تخويف الكفرة به: ﴿لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا
مِن لَُّنْهُ﴾ وقال: ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ أَتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًّا (٣) الآية، وقال في بشارته
للمؤمنين: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾.
وهذا الذي ذكره هنا من كونه إنذاراً لهؤلاء وبشارة لهؤلاء بينه في مواضع أخر كقوله:
﴿فَإِنَّمَا يَسَرْنَهُ بِلِسَانِكَ لِتُّبَشِرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ، قَوْمًا لَّدَّا (1)﴾ [مريم]، وقوله: ﴿الَّصّ
(١ كِتَبْ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ، وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ [الأعراف).

٥١٠ -
سورة الكهف: الآيات (١ - ٥)
وقد أوضحنا هذا المبحث في أول سورة ((الأعراف))، وأوضحنا هنالك المعاني
التي ورد بها الإنذار في القرآن. والبأس الشديد الذي أنذرهم إياه: هو العذاب الأليم
في الدنيا والآخرة، والبشارة: الخبر بما يسر.
وقد تطلق العرب البشارة على الإخبار بما يسوء، ومنعه قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ
بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان: ٧] ومنه قول الشاعر:
جفوني وقالوا الود موعده الحشر
وبشرتني يا سعد أن أحبتي
وقول الآخر:
يبشرني الغراب ببين أهلي. فقلت له ثكلتك من بشير
والتحقيق أن إطلاق البشارة على الإخبار بما يسوء، أسلوب من أساليب اللغة
العربية. ومعلوم أن علماء البلاغة يجعلون مثل ذلك مجازاً، ويسمونه استعارة عنادية،
ويقسمونها إلى تهكمية وتمليحية كما هو معروف في محله.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ﴾ بينت المراد به آيات أخر،
فدلت على أن العمل لا يكون صالحاً إلا بثلاثة أمور:
الأول: أن يكون مطابقاً لما جاء به النبي و ل﴿، فكل عمل مخالف لما جاء به -
صلوات الله وسلامه عليه - فليس بصالح، بل هو باطل، قال تعالى: ﴿وَمَآ ءَالَتَكُمُ الرَّسُولُ
فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، وقال: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اَللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال:
﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَتَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. وقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَوْا
شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ اُلْدِيْنِ مَا لَمْ يَأْذَنُ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] إلى غير ذلك من الآيات.
الثاني: أن يكون العامل مخلصاً في عمله لله فيما بينه وبين الله، قال تعالى: ﴿وَمَاً
أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ الَهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أُلِينَ﴾ [البينة: ٥]، وقال: ﴿قُلْ إِّ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ
وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ﴿ قُلْ إِنِّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمِ ﴿ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ
تُخْلِصًا لَُّ دِينِ ﴿ فَأَعْبُدُواْ مَا شِئْتُم مِّن دُونٌِ﴾ [الزمر] إلى غير ذلك من الآيات.
الثالث : أن يكون العمل مبنياً على أساس الإيمان والعقيدة الصحيحة؛ لأن العمل
كالسقف، والعقيدة كالأساس، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْتَ وَهُوَ
مُؤْمِنٌ ... ) الآية [النحل: ٩٧]، فجعل الإيمان قيداً في ذلك.
وبيّن مفهوم هذا القيد في آيات كثيرة، كقوله في أعمال غير المؤمنين: ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَى
مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَنْتُورًا ﴾﴾ [الفرقان]، وقوله: ﴿أَعْمَلُهُمْ كَرَابٍ ... ﴾
الآية [النور: ٣٩]، وقوله: ﴿أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍ أَشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ [إبراهيم: ١٨]، إلى غير ذلك
من الآيات كما تقدم إيضاحه.
والتحقيق أن مفرد ((الصالحات)) في قوله: ﴿يَعْمَلُونَ الصَِّحَتِ﴾، وقوله: ﴿وَعَمِلُواْ

٥١١
سورة الكهف: الآيات (١ - ٥)
الضَلِحَتِ﴾ [البقرة: ٢٥] ونحو ذلك أنه صالحة، وأن العرب تطلق لفظة الصالحة على
الفعلة الطيبة؛ كإطلاق اسم الجنس لتناسي الوصية. كما شاع ذلك الإطلاق في الحسنة
مراداً بها الفعلة الطيبة.
ومن إطلاق العرب لفظ الصالحة على ذلك قول أبي العاص بن الربيع في زوجه
زينب بنت رسول الله آل﴾:
وكل بعل سيثني بالذي علما
بنت الأمين جزاك الله صالحة
وقول الحطيئة :
كيف الهجاء ولا تنفك صالحة
وسئل أعرابي عن الحب فقال:
من آل لأم بظهر الغيب تأتيني
الحب مشغلة عن كل صالحة
وسكرة الحب تنفي سكرة الوسن
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ أي؛ وليبشرهم بأن لهم أجراً
حسناً، والأجر: جزاء العمل، وجزاء عملهم المعبر عنه هنا بالأجر: هو الجنة؛ ولذا
قال: ﴿مَّكِتِينَ فِيهِ﴾ وذكر الضمير في قوله: ﴿فِهِ﴾ لأنه راجع إلى الأجر وهو مذكر،
وإن كان المراد بالأجر الجنة، ووصف أجرهم هنا بأنه حسن، وبين أوجه حسنه في
(٣ مُتّكِينَ
آيات كثيرة؛ كقوله: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ ﴿ وَقَلِلٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ ﴿ عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةِ
٤٠
(١٦)﴾ [الواقعة] إلى قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (9َ وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ
عَلَيْهَا مُتَقَِلِينَ
[الواقعة]، وكقوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، والآيات
بمثل ذلك كثيرة جداً معلومة.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿مَّكِتِينَ فِيهِ أَبَدًّا ﴾﴾؛ أي خالدين فيه بلا انقطاع.
وقد بين هذا المعنى في مواضع أخر كثيرة، كقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى الَْنَّةِ
خَلِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَاُلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكٌ عَطَةٍ غَيْرَ مَجْذُونٍ (®)﴾ [هود] أي غير
مقطوع، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ ﴾﴾ [ص] أي ما له من انقطاع وانتهاء،
وقوله: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنَفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، وقوله: و﴿الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىَ﴾
[طه: ١٢٧] إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى في الآية الكريمة: ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ أَخَذَ اَللَّهُ وَلَدًا ﴾﴾؛ أي
ينذرهم بأساً شديداً ﴿مِن لَّدُتَهُ﴾ أي من عنده كما تقدم، وهذا من عطف الخاص على
العام؛ لأن قوله: ﴿لِيُنذِرَ بَأَسًا شَدِيدًا مِّن لَّكُنْهُ﴾ شامل للذين قالوا اتخذ الله ولداً،
ولغيرهم من سائر الكفار.
وقد تقرر في فن المعاني أن عطف الخاص على العام إذا كان الخاص يمتاز عن
سائر أفراد العام بصفات حسنة أو قبيحة من الإطناب المقبول، تنزيلاً للتغاير في
الصفات منزلة التغاير في الذوات.

٥١٢
سورة الكهف: الآيات (١ - ٥)
ومثاله في الممتاز عن سائر أفراد العام بصفات حسنة قوله تعالى: ﴿وَمَلُبِكَتِهِ وَرُسُلِهِ،
وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨]، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيْنَ مِشَقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُجِ﴾ [الأحزاب: ٧].
ومثاله في الممتاز بصفات قبيحة الآية التي نحن بصددها، فإن الذين قالوا اتخذ الله
ولداً امتازوا عن غيرهم بفرية شنعاء؛ ولذا ساغ عطفهم على اللفظ الشامل لهم ولغيرهم.
والآيات الدالة على شدة عظم فريتهم كثيرة جداً كقوله هنا: ﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةٌ تَخْرُجُ
مِنْ أَفْوَمِهِمْ﴾ [الكهف: ٥]، وكقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ◌َ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا
إِذَّا ® تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ لْجِبَالُ هَذَّا جَ أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا
﴿﴿ وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَخِذَ وَلَدًّا ﴾﴾ [مريم]، وقوله: ﴿أَفَأَصْفَكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَأَّخَذَ مِنَ
الْمَلَئِكَةِ إِنَّأَّ إِنَّكُمْ لَنَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا
[الإسراء] والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة.
وقد قدمنا أن القرآن بين أن الذين نسبوا الولد لله ول عن ذلك علواً كبيراً ثلاثة
أصناف من الناس: اليهود، والنصارى، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ اٌلْيَهُودُ عُزَيْرُّ أَبْنُ اللَّهِ
وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْدُ اللَّهَّ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَهِهِمٌ﴾ الآية [التوبة: ٣٠]،
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَتِ سُبْحَتَهُ وَلَهُم مَّا
والصنف الثالث مشركو العرب كما قال تعالى عنهم:
[النحل]، والآيات بنحوها كثيرة معلومة.
يَشْتَهُونَ (6) ﴾
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مَّا لَهُم بِهِ، مِنْ عِلْمٍ وَلَا لَِّبَبِهِمْ﴾ يعني أن ما
نسبوه له - جل وعلا - من اتخاذ الولد لا علم لهم به، لأنه مستحيل
والآية تدل دلالة واضحة على أن نفي الفعل لا يدل على إمكانه، ومن الآيات
الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]؛ لأن
ظلمهم لربنا وحصول العلم لهم باتخاذه الولد، كل ذلك مستحيل عقلاً، فنفيه لا يدل
على إمكانه. ومن هذا القبيل قول المنطقيين: السالبة لا تقتضي وجود الموضوع، كما
بيناه في غير هذا الموضع.
وما نفاه عنهم وعن آبائهم من العلم باتخاذه الولد نَعَلَ عن ذلك علواً كبيراً بينه في
مواضع أخر كقوله: ﴿وَخَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَتٍِ بِغَيْرِ عِلٍَّ سُبْحَكَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾
[الأنعام: ١٠٠]، وقوله في آبائهم: ﴿أَوَلَوْ كَانَ ءَابَّاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾
[المائدة: ١٠٤] إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةُ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَهِهِمَّ﴾ يعني أن ما قالوه بأفواههم من
أن الله اتخذ ولداً أمر كبير عظيم؛ كما بينا الآيات الدالة على عظمه آنفاً كقوله: ﴿إِنَّكُمْ
لَنَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: ٤٠]، وقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ
وَتَخِرُ اَلْجِبَالُ هَذَّا ﴾﴾ [مريم]. وكفى بهذا كبراً وعظماً.
وقال بعض علماء العربية: إن قوله: ((كبرت كلمة)) معناه التعجب؛ فهو بمعنى ما
أكبرها كلمة، أو أكبر بها كلمة!

٥١٣
سورة الكهف: الآيات (١ - ٥).
والمقرر في علم النحو: أن ((فعل)) بالضم تُصاغ لإنشاء الذم والمدح، فتكون من
باب (نعم وبئس) ومنه قوله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةُ﴾ ... الآية، وإلى هذا أشار في
الخلاصة بقوله :
من ذي ثلاثة نعم مسجلا
واجعل كبئس ساء واجعل فعلا
وقوله: (كنعم)) أي اجعله من باب ((نعم)) فيشمل بئس، وإذا تقرر ذلك ففاعل ((كبر))
ضمير محذوف، و(«كلمة)) نكرة مميزة للضمير المحذوف، على حد قوله في الخلاصة:
مميز كنعم قوماً معشره
ويرفعان مضمراً يفسره
والمخصوص بالذم محذوف، والتقدير: كبرت هي كلمة خارجة من أفواههم تلك
المقالة التي فاهوا بها، وهي قولهم: اتخذ الله ولداً، وأعرب بعضهم ((كلمة)) بأنها
حال، أي كبرت فريتهم في حال كونها كلمة خارجة من أفواههم، وليس بشيء.
وقال ابن كثير في تفسيره: ﴿تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَهِهِمْ﴾؛ أي ليس لها مستند سوى قولهم،
ولا دليل لهم عليها إلا كذبهم وافتراؤهم؛ ولذا قال: ﴿إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبَ﴾ .
وهذا المعنى الذي ذكره ابن كثير له شواهد في القرآن كقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم
مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] ونحو ذلك من الآيات.
والكذب: مخالفة الخبر للواقع على أصح الأقوال.
فائدة: لفظة ((كبر)) إذا أريد بها غير الكبر في السن فهي مضمومة الباء في الماضي
والمضارع، كقوله هنا: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةُ﴾، وقوله: ﴿كَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا
تَفْعَلُونَ ﴾﴾ [الصف]، وقوله: ﴿أَوْ خَلْقًا مَِّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] ونحو ذلك.
وإن كان المراد بها الكبر في السن فهي مكسورة الباء في الماضي، مفتوحتها في
المضارع على القياس، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبِرُوا﴾
[النساء: ٦]، وقول المجنون:
ولم يبد للعينين من ثديها حجم
تعشقت ليلى وهي ذات ذوائب
إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر إليهم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا
وقوله في هذا البيت: ((صغيرين)) شاهد عند أهل العربية في إتيان الحال من
الفاعل والمفعول معاً.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ يعني بالكلمة الكلام الذي
هو قولهم: ﴿أَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدًا﴾
وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الله يطلق اسم الكلمة على الكلام
أوضحته آيات أخر كقوله: ﴿كَلَّاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠]، والمراد بها
قوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَرْجِعُونِ ﴿﴿ لَعَلِىّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَرَّكْتُ﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠]. وقوله:

٥١٤
سورة الكهف: الآية (٦)
﴿وَثَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وما جاء لفظ
((الكلمة)) في القرآن إلا مراداً به الكلام المفيد.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿عِوَجًا﴾ هو بكسر العين في المعاني كما في
هذه الآية الكريمة، وبفتحها فيما كان منتصباً كالحائط.
قال الجوهري في صحاحه: قال ابن السكيت: وكل ما كان ينتصب كالحائط
والعود قيل فيه: ((عوج)) بالفتح. والعوج - بالكسر - ما كان في أرض أو دين أو
معاش، يقال: في دينه عوج، اهـ.
وقرأ هذا الحرف حفص عن عاصم في الوصل ﴿عِوَجًا﴾ بالسكت على الألف
المبدلة من التنوين سكتة يسيرة من غير تنفس، إشعاراً بأن ﴿قِيَّمًا﴾ ليس متصلاً بـ ﴿عِوَجًا﴾
في المعنى، بل للإشارة إلى أنه منصوب بفعل مقدر، أي جعله قيماً كما قدمنا.
وقرأ أبو بكر عن عاصم ((من لدنه)) بإسكان الدال مع إشمامها للضم وكسر النون
والهاء ووصلها بياء في اللفظ.
وقوله: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ﴾ قرأها الجمهور - بضم الياء وفتح الباء الموحدة
وكسر الشين مشددة - وقرأه حمزة والكسائي ((يبشر)) - بفتح الياء وإسكان الباء الموحدة
وضم الشين -.
قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَىَ ءَاثَِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًّا
اعلم أولاً أن لفظة ((لعل)) تكون للترجي في المحبوب، وللإشفاق في المحذور،
واستظهر أبو حيان في البحر المحيط أن ((لعل)) في قوله هنا: ﴿فَلَعَلَّكَ بَجِعٌ نَّفْسَكَ﴾
للإشفاق عليه وي أن يبخع نفسه لعدم إيمانهم به.
وقال بعضهم: إن ((لعل)) في الآية للنهي. وممن قال به العسكري، وهو معنى
كلام ابن عطية كما نقله عنهما صاحب البحر المحيط.
وعلى هذا القول، فالمعنى لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم. وقيل: هي في الآية
للاستفهام المضمن معنى الإنكار. وإتيان (لعل)) للاستفهام مذهب كوفي معروف.
وأظهر هذه الأقوال عندي في معنى ((لعل)) أن المراد بها في الآية النهي عن
الحزن عليهم.
وإطلاق لعل مضمنة معنى النهي في مثل هذه الآية أسلوب عربي يدل عليه سياق
الكلام.
ومن الأدلة على أن المراد بها النهي عن ذلك؛ كثرة ورود النهي صريحاً عن ذلك
كقوله: ﴿فَلَ نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَتٍ﴾ [فاطر: ٨]، وقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَّهِمْ﴾
[الحجر: ٨٨]، وقوله: ﴿فَلَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨] إلى غير ذلك من
الآيات، وخير ما يفسر به القرآن القرآن.

٥١٥
سورة الكهف: الآيتان (٧ - ٨) -
والباخع: المهلك؛ أي مهلك نفسك من شدة الأسف على عدم إيمانهم، ومنه
قول ذي الرمة :
ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه لشيء نحته عن يديه المقادر
كما تقدم.
وقوله: ﴿عَلَى ءَاثَرِهِم﴾ قال القرطبي: آثارهم جمع أثر. ويقال: إثر، والمعنى:
على أثر توليهم وإعراضهم عنك.
وقال أبو حيان في البحر: ومعنى ﴿عَلَىّ ءَاثَرِهِم﴾ من بعدهم، أي بعد يأسك من
إيمانهم. أو بعد موتهم على الكفر، يقال: مات فلان على أثر فلان؛ أي بعده.
وقال الزمخشري: شبهه وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به، وما داخله من
الوجد والأسف على توليهم برجل فارقته أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم
ويبخع نفسه وجداً عليهم، وتلهفاً على فراقهم! والأسف هنا: شدة الحزن، وقد يطلق
الأسف على الغصب كقوله: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا أَنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥].
فإذا حققت معنى هذه الآية الكريمة، فاعلم أن ما ذكره فيها - جل وعلا - من
شدة حزن نبيه وَالر عليهم ومن نهيه له عن ذلك مبين في آيات أخر كثيرة كقوله: ﴿فَلاَ
نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَبٍ﴾ [فاطر: ٨]، وكقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ (٣)﴾
[الشعراء] وكقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] وكقوله: ﴿فَلَ
تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨] وكقوله: ﴿قَدْ نَعَلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ﴾ [الأنعام:
(1)﴾ [الحجر] كما قدمناه موضحاً.
٣٣] وكقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَسِفًا﴾ مفعول من أجله، أي مهلك نفسك من أجل
الأسف، ويجوز إعرابه حالاً؛ أي في حال كونك آسفاً عليهم، على حد قوله في الخلاصة:
ومصدر منكر حالاً يقع
بكثرة كبغتـة زيد طلع
قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴿ وَإِنَّا لَجَعِلُونَ
مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُزًا ﴾﴾. قال الزمخشري في معنى هذه الآية الكريمة: ﴿مَا عَلَيْهَا﴾ يعني ما
على الأرض مما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها.
وقال بعض العلماء: كل ما على الأرض زينة لها من غير تخصيص، وعلى هذا
القول فوجه كل الحيات وغيرها مما يؤذي زينة للأرض؛ لأنه يدل على وجود خالقه،
واتصافه بصفات الكمال والجلال، ووجود ما يحصل به هذا العلم في شيء زينة له.
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان المذكورة فيه، أن
يذكر لفظ عام، ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فيه كقوله
تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَكِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢]. مع تصريحه بأن البدن داخلة في هذا
العموم بقوله: ﴿وَأَلْبُدْنَ جَعَلْتَهَا لَكُمْ مِن شَعَبِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦].

٥١٦
سورة الكهف: الآيتان (٧ - ٨)
وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ
زِينَةُ لَمًا﴾ قد صرح في مواضع أخر ببعض الأفراد الداخلة فيه، كقوله تعالى: ﴿ اَلْمَالُ
وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَأُ﴾، وقوله: ﴿وَالْخَّلَ وَالِْغَالَ وَاَلْحَمِيرَ لِّكَبُوهَا وَزِينَةٌ﴾ [النحل: ٨]،
إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾؛ أي أرضاً بيضاء لا نبات بها، وقد
قدمنا معنى ((الصعيد)) بشواهده العربية في سورة ((المائدة)).
والجرز: الأرض التي لا نبات بها كما قال تعالى: ﴿أَوَّلَمْ يَرَوْ أَنَّا نَسُوقُ اَلْمَآءَ إِلَى
الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَتُخْرِجُ بِهِ، زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَتَعَمُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ ﴾﴾ [السجدة] ومنه
قول ذي الرمة:
وما بقيت إلا الضلوع الجراشع
طوى النحز والأجراز ما فى غروضها
لأن مراده ((بالأجراز)» الفيافي التي لا نبات فيها، والأجراز: جمع جرزة،
والجرزة: جمع جرز، فهو جمع الجمع للجرز، كما قاله الجوهري في صحاحه.
قال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِنَّا لَجَعِلُونَ مَا عَلَيْهَا﴾ من هذه الزينة
صعيداً أو جرزاً، أي مثل أرض بيضاء لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة في
إزالة بهجته، وإماطة حسنه، وإبطال ما به، كان زينة من إماتة الحيوان، وتجفيف النبات
والأشجار، اهـ.
وهذا المعنى المشار إليه هنا جاء مبيناً في مواضع أخر كقوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوةِ
اُلُّنْيَا كَمٍَ أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَأَخْتَطَ بِهِ، نَبَاتُ اُلْأَرْضِ مِمَا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حَفََّ إِذَا أَخَذَتِ اٌلْأَرْضُ
ذُخْرُفَهَا وَأَزَّيَّنَتْ وَظَرَبَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَاَ أَتَنْهَا أَمَّهُنَا لَيْلَا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَن
لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسَ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الَيَتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾﴾ [يونس]، وكقوله تعالى:
﴿وَأَضْرِبْ لَهُ مَّثَلَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَأَخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا
نَذْرُوهُ الرَّجُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُقْتَدِرًا ﴾﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، أي لنختبرهم على ألسنة
رسلنا .
وهذه الحكمة التي ذكرها هنا لجعل ما على الأرض زينة لها، وهي الابتلاء في
إحسان العمل، بين في مواضع أخر أنها هي الحكمة في خلق الموت والحياة
والسموات والأرض، قال تعالى: ﴿تَبَرَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ ﴾ الَّذِىِ
خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْخَوَةَ لِبْلُوَكُمْ أَبُّكُمْ أَحْسَنُ عَبَلَاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾﴾ [الملك]، وقال تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةٍ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ
أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].
وقد بين ◌َلّ الإحسان بقوله: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))
كما تقدم.

٥١٧
سورة الكهف: الآية (٩) -
وهذا الذي أوضحنا من أنه - جل وعلا - جعل ما على الأرض زينة لها ليبتلي
خلقه، ثم يهلك ما عليها ويجعله صعيداً جرزاً، فيه أكبر واعظ للناس، وأعظم زاجر
عن اتباع الهوى، وإيثار الفاني على الباقي؛ ولذا قال وَله: ((إن الدنيا حلوة خضرة،
وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني
إسرائيل كانت في النساء)).
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ اُلْكَهْفِ وَالرَّقِ كَانُواْ مِنْ ءَايَتِنَا ◌َجَبًا
ج﴾.
((أم)) في هذه الآية الكريمة هي المنقطعة عن التحقيق، ومعناها عند الجمهور ((بل
والهمزة))، وعند بعض العلماء بمعنى ((بل)) فقط، فعلى القول الأول، فالمعنى بل
أحسبت، وعلى الثاني، فالمعنى بل حسبت، فهي على القول الأول جامعة بين
الإضراب والإنكار، وعلى الثاني فهي للإضراب الانتقالي فقط.
وأظهر الأقوال في معنى الآية الكريمة أن الله يقول لنبيه وَله: إن قصة أصحاب
الكهف وإن استعظمها الناس وعجبوا منها، فليست شيئاً عجباً بالنسبة إلى قدرتنا وعظيم
صنعنا، فإن خلقنا السموات والأرض، وجعلنا ما على الأرض زينة لها، وجعلنا إياها
بعد ذلك صعيداً جرزاً - أعظم وأعجب مما فعلنا بأصحاب الكهف، ومن كوننا أنمناهم
هذا الزمن الطويل، ثم بعثناهم، ويدل على هذا الذي ذكرنا آيات كثيرة:
منها: أنه قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لَّا﴾ إلى قوله: ﴿صَعِيدًا جُزًا﴾ ثم
أتبع ذلك بقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ اَلْكَهْفِ﴾ ... الآية، فدل ذلك على أن المراد
أن قصتهم لا عجب فيها بالنسبة إلى ما خلقنا مما هو أعظم منها.
ومنها أنه يكثر في القرآن العظيم تنبيه الناس على أن خلق السموات والأرض
أعظم من خلق الناس، ومن خلق الأعظم فهو قادر على الأصغر بلا شك، كقوله
تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ... ) الآية [غافر: ٥٧]،
وكقوله: ﴿وَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقَا أَمِ اْلَمُّ بَنَهَا (٣)﴾ [النازعات] إلى قوله: ﴿مَنَعًّا لَّكُمْ وَلِأَنْعَمِكُ
[النازعات] كما قدمناه مستوفى في سورة ((البقرة))، و((النحل)).
ومن خلق هذه المخلوقات العظام كالسماء والأرض وما فيهما، فلا عجب في
إنامته أهل الكهف هذه المدة الطويلة، ثم بعثه إياهم، كما هو واضح.
والكهف: النقب المتسع في الجبل، فإن لم يك واسعاً فهو غار. وقيل: كل غار في
جبل: كهف، وما يروى عن أنس من أن الكهف نفس الجبل غريب، غير معروف في اللغة.
واختلف العلماء في المراد بـ«الرقيم)) في هذه الآية على أقوال كثيرة، قيل: الرقيم
اسم كلبهم، وهو اعتقاد أمية بن أبي الصلت حيث يقول:
وليس بها إلا الرقيم مجاوراً وصيدهم والقوم في الكهف همد
وعن الضحاك أن الرقيم: بلدة بالروم، وقيل: اسم الجبل الذي فيه الكهف.

٥١٨
سورة الكهف: الآية (١٠)
وقيل: اسم للوادي الذي فيه الكهف، والأقوال فيه كثيرة. وعن ابن عباس أنه قال: لا
أدري ما الرقيم؟ أكتاب أم بنيان؟
وأظهر الأقوال عندي بحسب اللغة العربية وبعض آيات القرآن أن الرقيم معناه:
المرقوم، فهو فعيل بمعنى مفعول، من رقمت الكتاب إذا كتبته، ومنه قوله تعالى: ﴿كِتَبٌ
تَرْقُومٌ ﴾﴾ [المطففين] الآية. سواء قلنا: إن الرقيم كتاب كان عندهم فيه شرعهم الذي
تمسكوا به، أو لوح من ذهب كتبت فيه أسماؤهم وأنسابهم وقصتهم وسبب خروجهم،
أو صخرة نقشت فيها أسماؤهم، والعلم عند الله تعالى.
والظاهر أن أصحاب الكهف والرقيم؛ طائفة واحدة أضيفت إلى شيئين: أحدهما
معطوف على الآخر، خلافاً لمن قال: إن أصحاب الكهف طائفة، وأصحاب الرقيم
طائفة أخرى، وأن الله قص على نبيه في هذه السورة الكريمة قصة أصحاب الكهف ولم
يذكر له شيئاً عن أصحاب الرقيم، وخلافاً لمن زعم أن أصحاب الكهف هم الثلاثة
الذين سقطت عليهم صخرة فسدت عليهم باب الكهف الذي هم فيه، فدعوا الله
بأعمالهم الصالحة وهم: البار بوالديه، والعفيف، والمستأجر. وقصتهم مشهورة ثابتة
في الصحيح، إلا أن تفسير الآية بأنهم هم المراد، بعيد كما ترى.
واعلم أن قصة أصحاب الكهف وأسماءهم، وفي أي محل من الأرض كانوا كل
ذلك لم يثبت فيه عن النبي ◌َّ شيء زائد على ما في القرآن، وللمفسرين في ذلك أخبار
كثيرة إسرائيلية أعرضنا عن ذكرها لعدم الثقة بها .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿عَجَبًا﴾ صفة لمحذوف، أي شيئاً عجباً، أو
آية عجباً .
وقوله: ﴿مِنْ ءَايَتِنَأَ﴾ في موضع الحال. وقد تقرر في فن النحو أن نعت النكرة إذا تقدم
عليها صار حالاً، وأصل المعنى كانوا عجباً كائناً من آياتنا، فلما قدم النعت صار حالاً .
قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَائِنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ
أَمْرِنَا رَشَدًا ﴾﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة من صفة أصحاب الكهف
أنهم فتية، وأنهم أووا إلى الكهف، وأنهم دعوا ربهم هذا الدعاء العظيم الشامل لكل
خير، وهو قوله عنهم: ﴿رَبَّنَآ ءَاِنَا مِن لَّدُنَكَ رَهَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ .
وبين في غير هذا الموضع أشياء أخرى من صفاتهم وأقوالهم كقوله: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةُ
ءَامَنُواْ بِرَيِّهِمْ وَزِدْنَهُمْ هُدَى﴾ إلى قوله: ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ، وَيُّهَبِىْ لَكُ مِنْ أَفْرِكُمْ
مِرْفَقًا﴾ و((إذ)) في قوله هنا: ((إذا أوى الفتية)) منصوبة بـ (اذكر)) مقدراً. وقيل: بقوله: ((عجباً))،
ومعنى قوله: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ أي جعلوا الكهف مأوى لهم ومكان اعتصام.
ومعنى قوله: ﴿ءَائِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً﴾؛ أي أعطنا رحمة من عندك، والرحمة هنا
تشمل الرزق والهدى والحفظ مما هربوا خائفين منه من أذى قومهم، والمغفرة.

٥١٩
سورة الكهف: الآية (١١) -
والفتية: جمع فتى جمع تكسير، وهو من جموع القلة، ويدل لفظ الفتية على
قلتهم، وأنهم شباب لا شيب، خلافاً لما زعمه ابن السراج من أن الفتية اسم جمع لا
جمع تكسير. وإلى كون مثل الفتية جمع تكسير من جموع القلة أشار ابن مالك في
الخلاصة بقوله :
.. كذاك أفعال جموع قله
أفعلة أفعل ثم فعله ..
والتهيئة: التقريب والتيسير؛ أي يسر لنا وقرب لنا من أمرنا رشداً، والرشد:
الاهتداء والديمومة عليه .. و((من)) في قوله: ﴿مِنْ أَمْرِنَا﴾ فيها وجهان: أحدهما أنها هنا
للتجريد، وعليه فالمعنى: اجعل لنا أمرنا رشداً كله، كما تقول: لقيت من زيد أسداً،
ومن عمرو بحراً.
والثاني أنها للتبعيض، فالمعنى واجعل لنا بعض أمرنا؛ أي وهو البعض الذي
نحن فيه من مفارقة الكفار رشداً حتى نكون بسببه راشدين مهتدين.
قوله تعالى: ﴿فَضَرَيْنَا عَلَى ءَذَانِهِمْ فِى الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (®﴾. ذكر - جل وعلا -
في هذه الآية الكريمة أنه ضرب على آذان أصحاب الكهف سنين عدداً، ولم يبين قدر
هذا العدد هنا، ولكنه بينه في موضع آخر وهو قوله: ﴿وَلَبِثُواْ فِ كَهْفِهِمْ ثَثَ مِائَةٍ
١٢٣٥
سِنِينَ وَأَزْدَادُواْ تِسْعًا
وضربه - جل وعلا - على آذانهم في هذه الآية كناية عن كونه أنامهم، ومفعول
((ضربنا)) محذوف، أي ضربنا على آذانهم حجاباً مانعاً من السماع فلا يسمعون شيئاً
يوقظهم. والمعنى أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات.
وقوله: ﴿سِنِينَ عَدَدًا﴾ على حذف مضاف؛ أي ذات عدد، أو مصدر بمعنى اسم
المفعول، أي سنين معدودة. وقد ذكرنا الآية المبينة لقدر عددها بالسنة القمرية
والشمسية، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَزْدَادُواْ تِسْعًا﴾.
وقال أبو حيان في البحر في قوله: ﴿فَضَرَيْنَا عَلَىْ ءَاذَانِهِمْ﴾ عبر بالضرب ليدل على
قوة المباشرة واللصوق واللزوم، ومنه ﴿ضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [آل عمران: ١١٢] وضرب
الجزية وضرب البعث. وقال الفرزدق:
ضرب عليك العنكبوت بنسجها
وقضى عليك به الكتاب المنزل
وقال الأسود بن يعفر:
ضربت على الأرض بالأسداد
ومن الحوادث لا أبالك أنني
وقال آخر :
في قبة ضربت على ابن الحشرج
إن المروءة والسماحة والندى
وذكر الجارحة التي هي الآذان، إذ هي يكون منها السمع؛ لأنه لا يستحكم نوم

٥٢٠
سورة الكهف: الآية (١٢)
إلا مع تعطل السمع. وفي الحديث: ((ذلك رجل بال الشيطان في أذنه))؛ أي استثقل
نومه جداً حتی لا یقوم بالليل، اهـ كلام أبي حيان ..
(١)﴾. ذكر - جل وعلا -
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَنْنَهُمْ لِنَعْلَمْ أَّ لَلِّبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُواْ لَمَدًا
في هذه الآية الكريمة أن من حكم بعثه لأصحاب الكهف بعد هذه النومة الطويلة أن
يبين للناس أي الحزبين المختلفين في مدة لبثهم أحصى لذلك وأضبط له، ولم يبين هنا
شيئاً عن الحزبين المذكورين.
... . وأكثر المفسرين على أن أحد الحزبين هم أصحاب الكهف. والحزب الثاني - هم
أهل المدينة الذين بعث الفتية على عهدهم حين كان عندهم التاريخ بأمر الفتية، وقيل:
هما حزبان من أهل المدينة المذكورة، كان منهم مؤمنون وكافرون. وقيل: هما حزبان
من المؤمنين في زمن أصحاب الكهف. اختلفوا في مدة لبثهم، قاله الفراء. وعن ابن
عباس: الملوك الذين تداولوا ملك المدينة حزب، وأصحاب الكهف حزب. إلى غير
ذلك من الأقوال.
والذي يدل عليه القرآن أن الحزبين كليهما من أصحاب الكهف. وخير ما يفسر به
القرآن القرآن، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَهُمْ لِيَتَسَآءَ لُواْ بَيْنَهُمَّ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ
كَمْ لَبِثْتٌُ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْ رَبّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِئْتُمْ﴾. وكأن الذين قالوا:
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ هم الذين علموا أن لِبثهم قد تطاول، ولقائل أن يقول: قوله
عنهم: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَِّثْتُمْ﴾ يدل على أنهم لم يحصوا مدة لبثهم، والله تعالى أعلم.
وقد يجاب عن ذلك بأن رد العلم إلى الله لا ينافي العلم، بدليل أن الله أعلم نبيه
بمدة لبثهم في قوله: ﴿وَلَبِثُواْ فِىِ كَهْفِهِمْ﴾ ... الآية، ثم أمره برد العلم إليه في قوله:
﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ﴾ ... الآية.
وقوله: ﴿بَعَنْتَهُمْ﴾؛ أي من نومتهم الطويلة، والبعث: التحريك من سكون،
فيشمل بعث النائم والميت، وغير ذلك.
وقد بينا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يذكر الله
- جل وعلا - حكمة لشيء في موضع، ويكون لذلك الشيء حكم أخر مذكورة في مواضع
أخرى فإنا نبينها. ومثلنا لذلك، وذكرنا منه أشياء متعددة في هذا الكتاب المبارك.
وإذا علمت ذلك، فاعلم أنه تعالى هنا في هذه الآية الكريمة بين من حكم بعثهم
إظهاره للناس: أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً. وقد بين لذلك حكماً أخر في غير
هذا الموضع
منها: أن يتساءلوا عن مدة لبثهم، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَهُمْ لِيَتَسَآءَلُواْ بَيْنَهْمّ﴾
ومنها: إعلام الناس أن البعث حق، وأن الساعة حق لدلالة قصة أصحاب الكهف
على ذلك، وذلك في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوَاْ أَنَ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةً