النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ سورة الإسراء: الآية (١٥) والإنذار على ألسنة الرسل؛ فمن ذلك قوله - جل وعلا -: ﴿كُلَّمَآ أُلْفِىَ فِيَهَا فَوْجٌ سَهُمْ خَزَنُهَاً أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴾ قَالُواْ بَلَ قَدْ جَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ﴾ [الملك: ٨ -٩]. ومعلوم أن قوله - جل وعلا -: ﴿كُلَّمَا أُلْفِىَ فِيَهَا فَوْجٌ﴾ يعم جميع الأفواج الملقين في النار. قال أبو حيان في (البحر المحيط) في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها ما نصه: و((كلما)) تدل على عموم أزمان الإلقاء فتعم الملقين. ومن ذلك قوله - جل وعلا -: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًّا حَتَّىَ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَنُهَا أَلَمَّ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَّكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَفِرِينَ ﴾ [الزمر]، وقوله في هذه الآية: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ عامّ لجميع الكفار. وقد تقرر في الأصول أن الموصولات كالذي والتي وفروعهما من صيغ العموم؛ لعمومها في كل ما تشمله صلاتها، وعقده في (مراقي السعود) بقوله في صيغ العموم: وقد تلا الذي التي الفروع صيغة كل أو الجميع ومراده بالبيت أن لفظة ((كل، وجميع، والذي، والتي)) وفروعهما كل ذلك من صيغ العموم؛ فقوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ إلى قوله: ﴿قَالُواْ بَ﴾ [الزمر: ٧١] عام في جميع الكفار. وهو ظاهر في أن جميع أهل النار قد أنذرتهم الرسل في دار الدنيا؛ فعصوا أمر ربهم كما هو واضح. ونظيره أيضاً قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمِ مِنْ عَذَابِهًّا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ ﴿ وَهُمْ يَصْطَرُِّونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَلِمًا غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٦، ٣٧]، فقوله: ﴿وَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ إلى قوله: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرٌ﴾ عام أيضاً في جميع أهل النار، كما تقدم إيضاحه قريباً. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِ النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ أَدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا قَالُواْ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَغِنَتِّ قَالُواْ بَلَّى قَالُواْ فَأَدْعُواْ وَمَا ٤٩ يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ ( دُعَدُوُاْ اَلْكَفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَلٍ ®﴾ [غافرا، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن جميع أهل النار أنذرتهم الرسل في دار الدنيا . وهذه الآيات التي ذكرنا وأمثالها في القرآن تدل على عذر أهل الفترة بأنهم لم يأتهم نذير ولو ماتوا على الكفر؛ وبهذا قالت جماعة من أهل العلم. وذهبت جماعة أخرى من أهل العلم إلى أن كل من مات على الكفر فهو في النار ولو لم يأته نذير، واستدلوا بظواهر آيات من كتاب الله، وبأحاديث عن النبي وَّ، فمن الآيات التي استدلوا بها قوله تعالى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٨]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَانُواْ وَهُمْ كُفَّارُ أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ لَمَّنَةُ اَللَّهِ وَاُلْمَلَكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٣)﴾ [البقرة]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ ٤٦٢ سورة الإسراء: الآية (١٦) ٩١ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ اُفْتَدَى بِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّنْ نَّصِرِينَ [آل عمران]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقوله: ﴿وَمَن يُشْرِ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّيحُ فِ مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]، وقوله: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِلَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢]، وقوله: ﴿قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠]، إلى غير ذلك من الآيات. وظاهر جميع هذه الآيات العموم؛ لأنها لم تخصص كافراً دون كافر؛ بل ظاهرها شمول جميع الكفار. ومن الأحاديث الدالة على أن الكفار لا يعذرون في كفرهم بالفترة ما أخرجه مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس أن رجلاً قال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: ((في النار)) فلما قفى دعاه فقال: ((إن أبي وأباك في النار))، اهـ، وقال مسلم تغلُّ في صحيحه أيضاً: حدثنا يحيى بن أيوب، ومحمد بن عباد - واللفظ ليحيى - قالا: حدثنا مروان بن معاوية، عن يزيد يعني ابن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَل: ((استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي)). حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب قالا: حدثنا محمد بن عبيد، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: زار النبي وي لل قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: ((استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت))، اهـ. إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على عدم عذر المشركين بالفترة. . وهذا الخلاف مشهور بين أهل الأصول، هل المشركون الذين ماتوا في الفترة وهم يعبدون الأوثان في النار لكفرهم، أم معذورون بالفترة؟ وعقده في (مراقي السعود) بقوله: ذو فترة بالفرع لا يراع وفي الأصول بينهم نزاع وللعلماء في هذا الموضوع أقوال يرجع من أراد الوقوف عليها إلى الأصل وخلاصة رأي الشيخ فيها : قال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر أن التحقيق في هذه المسألة التي هي، هل يعذر المشركون بالفترة أم لا؟ هو أنهم معذورون بالفترة في الدنيا، وأن الله يوم القيامة يمتحنهم بنار يأمرهم باقتحامها، فمن اقتحمها دخل الجنة وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا، ومن امتنع دخل النار وعذب فيها، وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا؛ لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ تُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمْنَا مُتْرَفِهَا فَفَسَقُواْ فِهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَهَا تَدْمِيرًا ﴾﴾. في معنى قوله: ﴿أَمَرَنَا مُتْرَفِيَها﴾ في هذه الآية الكريمة ثلاثة مذاهب معروفة عند علماء التفسير: ٤٦٣ سورة الإسراء: الآية (١٦) الأول: وهو الصواب الذي يشهد له القرآن، وعليه جمهور العلماء أن الأمر في قوله: ﴿أَمَرْنَا﴾ هو الأمر الذي هو ضد النهي، وأن متعلق الأمر محذوف لظهوره. والمعنى: ﴿أَمَّرْنَا مُتْرَفِبَهَا﴾ بطاعة الله وتوحيده، وتصديق رسله واتباعهم فيما جاءوا به ﴿فَفَسَقُواْ﴾ أي خرجوا عن طاعة أمر ربهم، وعصوه وكذبوا رسله ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ أي وجب عليها الوعيد ﴿فَدَقَّرْنَهَا نَدْمِيرًا﴾ أي أهلكناها إهلاكاً مستأصلاً، وأكد فعل التدمير بمصدره للمبالغة في شدة الهلاك الواقع بهم. وهذا القول الذي هو الحق في هذه الآية تشهد له آيات كثيرة كقوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَّمَنَا وَاللَّهُ أَمَهَنَا بِهَأْ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨]. فتصريحه - جل وعلا - بأنه لا يأمر بالفحشاء دليل واضح على أن قوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ﴾؛ أي أمرناهم بالطاعة فعصوا، وليس المعنى أمرناهم بالفسق ففسقوا؛ لأن الله لا يأمر بالفحشاء. ومن الآيات الدالة على هذا قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِ قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ ﴿ وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمَوَلًا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ [سبأ]. فقوله في هذه الآية: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِ قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ﴾، لفظ عام في جميع المترفين من جميع القرى أن الرسل أمرتهم بطاعة الله فقالوا لهم: إنا بما أرسلتم به كافرون، وتبجحوا بأموالهم وأولادهم، والآيات بمثل ذلك كثيرة. وبهذا التحقيق تعلم أن ما زعمه الزمخشري في كشافه من أن معنى ﴿أَمَّرْنَا مُتْرِفِها﴾؛ أي أمرناهم بالفسق ففسقوا. وأن هذا مجاز تنزيلاً لإسباغ النعم عليهم الموجب لبطرهم وكفرهم منزلة الأمر بذلك، كلام كله ظاهر السقوط والبطلان؛ وقد أوضح إبطاله أبو حيان في ((البحر))، والرازي في تفسيره، مع أنه لا يشك منصف عارف في بطلانه. وهذا القول الصحيح في الآية جار على الأسلوب العربي المألوف، من قولهم: أمرته فعصاني؛ أي أمرته بالطاعة فعصى. وليس المعنى أمرته بالعصيان كما لا يخفى. القول الثاني في الآية: هو أن الأمر في قوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِها﴾ أمر كوني قدري، أي قدَّرنا عليهم ذلك وسخرناهم له؛ لأن كلَّا ميسر لما خلق له، والأمر الكوني القدري كقوله: ﴿وَمَآ أَمْرُنَا إِلَّ وَحِدَةُ كَلَمْجٍ بِلْبَصَرِ ﴾﴾ [القمر]، وقوله: ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُنُواْ قِرَدَةً خَسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، وقوله: ﴿أَتَنْهَا أَمْهُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾ [يونس: ٢٤]، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (﴾﴾ [يس]. القول الثالث في الآية: أن ((أمرنا)) بمعنى أكثرنا؛ أي أكثرنا مترفيها ففسقوا. وقال أبو عبيدة ﴿أَمَرْنَا﴾ بمعنى أكثرنا لغة فصيحة كآمرنا بالمد، ويدل على ذلك الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد عن سويد بن هبيرة أن النبي وَ لير قال: ((خير مال امرئ مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة)». ٤٦٤ - سورة الإسراء: الآية (١٧) تنبيه: في هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يقال: إن الله أسند الفسق فيها لخصوص المترفين دون غيرهم في قوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيَهَا فَفَسَقُواْ فِهَا﴾ مع أنه ذكر عموم الهلاك للجميع، المترفين وغيرهم في قوله: ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَهَا تَدْمِيْرًا﴾ يعني القرية، ولم يستثن منها غير المترفين؟، والجواب من وجهين: الأول: أن غير المترفين تبع لهم، وإنما خص بالذكر المترفين الذين هم سادتهم وكبراؤهم؛ لأن غيرهم تبع لهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَاً إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٣)﴾ [الأحزاب]، وكقوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (٣)﴾ [البقرة]، وقوله: ﴿حََّ إِذَا آَدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَهُمْ لِأُولَئُهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿وَبَرَزُوْ لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَتُؤْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعَا فَهَلْ أَنْتُم ◌ُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابٍ اَللَّهِ مِن شَىْءٍ﴾ [إبراهيم: ٢١]، وقوله: ﴿وَإِذْ يَتَحَلْجُونَ فِى النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَوْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعَا فَهَلْ أَنْتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ ﴾﴾ [غافر] إلى غير ذلك من الآيات. الوجه الثاني: أن بعضهم إن عصى الله وبغى وطغى ولم ينههم الآخرون فإن الهلاك يعمُّ الجميع كما قال تعالى: ﴿وَأَثَقُواْ فِتْنَةٌ لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] وفي الصحيح من حديث أم المؤمنين زينب بنت جحش ثنا أنها لما سمعت النبي يقول: ((لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها)) قالت له: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم، إذا كثر الخبث)) وقد قدمنا هذا المبحث موضحاً في سورة المائدة. قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٌ وَكَفَى بِيَّكَ بِذُنُبٍ عِبَادِهِ خَيًّا بَصِيرًا (٣)﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه أهلك كثيراً من القرون من بعد نوح؛ لأن لفظة ((كم)) في قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾ خبرية، معناها الإخبار بعدد كثير، وأنه - جل وعلا - خبير بصير بذنوب عباده، وأكد ذلك بقوله: ﴿وَكَفَى بِيِكَ﴾ الآية. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة أوضحته آيات أخر من أربع جهات: الأولى: أن في الآية تهديداً لكفار مكة، وتخويفاً لهم من أن ينزل بهم ما نزل بغيرهم من الأمم التي كذبت رسلها؛ أي أهلكنا قروناً كثيرة من بعد نوح بسبب تكذيبهم الرسل، فلا تكذبوا رسولنا لئلا نفعل بكم مثل ما فعلنا بهم. والآيات التي أوضحت هذا المعنى كثيرة كقوله في قوم لوط: ﴿وَإِنَّكُمْ لَمُونَ عَلَّهِم وَبِلَيْلِّ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (٣٨)﴾ [الصافات]، وكقوله فيهم أيضاً: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتِّ مُصْبِحِينَ لِلْمُتَوَسّمِينَ ﴿ وَإِنََّا لَبِسَبِيلِ مُقِيمٍ ﴾﴾ [الحجر]، وقوله فيهم أيضاً: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا ءَايَةٌ بَيِّنَةُ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣)﴾ [العنكبوت]، وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيُرُواْ فِ اُلْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ دَمَّرَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَفِينَ أَمْثَلُهَا ﴾﴾ [محمد]، وقوله بعد ذكره - جل وعلا - ٤٦٥ سورة الإسراء: الآية (١٧) إهلاكه لقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب في سورة الشعراء: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾﴾ [الشعراء]، وقوله في قوم موسى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَنْ يَخْشَ ﴾﴾ [النازعات]، وقوله: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةُ لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ اْأَخِرَةِ﴾ [هود: ١٠٣]، وقوله: ﴿أَهُمْ خَيْرُ أَمْ قَوْمُ تُبَّعِ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَهُمْ﴾ [الدخان: ٣٧]، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على تخويفهم بما وقع لمن قبلهم. الجهة الثانية: أن هذه القرون تعرضت لبيانها آيات أخر، فبينت كيفية إهلاك قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وفرعون وقومه من قوم موسى، وذلك مذكور في مواضع متعددة معلومة من كتاب الله تعالى. وبين أن تلك القرون كثيرة في قوله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَأْ وَأَصْحَبَ الرَّسِ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ﴾ [الفرقان] وبين في موضع آخر أن منها ما لا يعلمه إلا الله - جل وعلا - وذلك في قوله في سورة إبراهيم: ﴿أَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُّأْ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمٍ نُوجِ وَعَادٍ وَثَمُودٌّ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩]. وبيّن في موضعين آخرين أن رسلهم منهم من قص خبره على نبينا ◌َّ﴾، ومنهم من لم يقصصه عليه. وهما قوله في سورة النساء: ﴿وَرُسُلًا قَدْ ١٦٤٦ قَضَصْتَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلَا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَّ وَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء]، وقوله في سورة المؤمن: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنَ لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَْ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِثَايَةٍ إِلَّ بِذْنِ اَللَّهِ﴾ [غافر: ٧٨]. الجهة الثالثة: أن قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ نُوحٌ﴾ يدل على أن القرون التي كانت بين آدم ونوح أنها على الإسلام، كما قال ابن عباس: كانت بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام، نقله عنه ابن كثير في تفسير هذه الآية. وهذا المعنى تدل عليه آيات أخر كقوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةٌ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّ أُمَةً وَحِدَةً فَأَخْتَلَفُواْ﴾ [يونس: ١٩]؛ لأن معنى ذلك على أصح الأقوال أنهم كانوا على طريق الإسلام، حتى وقع ما وقع من قوم نوح من الكفر؛ فبعث الله النبيين ينهون عن ذلك الكفر، مبشرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرين من عصاهم بالنار، وأولهم في ذلك نوح - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام -. ويدل على هذا قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحِ وَالنَّبِيْنَ مِنْ بَعْدِهِ﴾. الآية [النساء: ١٦٣]. وفي أحاديث الشفاعة الثابتة في الصحاح وغيرها أنهم يقولون لنوح: إنه أول رسول بعثه الله لأهل الأرض كما قدمنا ذلك في سورة البقرة. الجهة الرابعة: أن قوله: ﴿وَكَفَى بِّكَ لِذُنُبِ عِبَادِهِ، خَبيرًا بَصِيرًا﴾ فيه أعظم زجر عن ارتكاب ما لا يرضي الله تعالى. والآيات الموضحة لذلك كثيرة جداً؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسّوِسُ بِهِ، نَفْسٌُّ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾﴾ [ق] وقوله: ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ يَثْنُنَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ نِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾﴾ [هود]، ٤٦٦ سورة الإسراء: الآية (١٩) وقوله: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىَ أَنفُسِكُمْ فَأَحْذَرُوهٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، إلى غير ذلك من الآيات، وقد قدمنا هذا المبحث موضحاً في أول سورة هود، ولفظة ((كم)) في هذه الآية الكريمة في محل نصب مفعول به لـ ((أهلكنا)) و((من)) في قوله ((من القرون)) بيان لقوله: [البقرة: ٢١١] وتمييز له كما يميز العدد بالجنس. وأما لفظة ((من)) في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ نُوحٌ﴾ فالظاهر أنها لابتداء الغاية، وهو الذي اختاره أبو حيان في ((البحر)). وزعم الحوفي أن ((من)) الثانية بدل من الأولى، ورده عليه أبو حيان، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْأَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا (٨). ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَمَا سَعْيَهَا﴾؛ أي عمل لها عملها الذي تنال به، وهو امتثال أمر الله، واجتناب نهيه بإخلاص على الوجه المشروع ﴿وَهُوَ مُؤْمِرٌ﴾؛ أي موحد لله - جل وعلا - غير مشرك به ولا كافر به؛ فإن الله يشكر سعيه، بأن يثيبه الثواب الجزيل عن عمله القليل. وفي الآية الدليل على أن الأعمال الصالحة لا تنفع إلا مع الإيمان بالله؛ لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة؛ لأنه شرط في ذلك قوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِرٌ﴾. وقد أوضح تعالى هذا في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًّا (19)﴾ [النساء]، وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةً وَلَجْزِنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٣)﴾ [النحل] وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةُ فَلَا يُجْزَىَ إِلَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾﴾ [غافر] إلى غير ذلك من الآيات. ومفهوم هذه الآيات أن غير المؤمنين إذا أطاع الله بإخلاص لا ينفعه ذلك؛ لفقد شرط القبول الذي هو الإيمان بالله - جل وعلا -. وقد أوضح - جل وعلا - هذا المفهوم في آيات أخر كقوله في أعمال غير [الفرقان]، وقوله : المؤمنين: ﴿وَقَدِمْنَآَ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَنْشُورًا. ﴿َّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمٌ أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍ أَشْتَذَتْ بِهِ الْرِيحُ فِ يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوْ أَعْمَلُهُمْ كَمَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ اُلَّهْشَانُ مَآءَ حَقٍَّ إِذَا جَآءَّهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩]، إلى غير ذلك من الآيات. وقد بين - جل وعلا - في مواضع أخر أن عمل الكافر الذي يتقرب به إلى الله يجازى به في الدنيا، ولاحظ له منه في الآخرة كقوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِيْنَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِهَا وَهُمْ فِهَا لَا يُبْخَسُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِ اُلْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيَهَا وَبَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٣)﴾ [هود)، وقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْئِ، وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِ اُلْأَخِرَةِ مِن تَّصِيبٍ ﴾﴾ [الشورى]. ٤٦٧ سورة الإسراء: الآية (٢٢) - وثبت عن النبي ولو نحو ما جاءت به هذه الآيات من انتفاع الكافر بعمله في الدنيا من حديث أنس، قال مسلم بن الحجاج تَّهُ في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب - واللفظ لزهير - قالا: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة يعطي بها في الدنيا ويجزي بها الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسناته ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها)). حدثنا عاصم بن النضر التيمي، حدثنا معتمر قال: سمعت أبي، حدثنا قتادة عن أنس بن مالك: أنه حدث عن رسول الله ◌ََّ ((أن الكافر إذا عَمِلَ حسنة أُطعِمَ بها طُعمَةً من الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يدخر له حسناته في الآخرة، ويُعقّبُهُ رزقاً في الدنيا على طاعته)). حدثنا محمد بن عبد الله الرازي، أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ◌َّ بمثل حديثهما . واعلم أن هذا الذي ذكرنا أدلته من الكتاب والسنة من أن الكافر ينتفع بعمله الصالح في الدنيا: كبر الوالدين، وصلة الرحم، وإكرام الضيف والجار، والتنفيس عن المكروب ونحو ذلك، كله مقيد بمشيئة الله تعالى كما نص على ذلك بقوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاِلَةَ عَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ تُرِيدُ﴾ . فهذه الآية الكريمة مقيدة لما ورد من الآيات والأحاديث، وقد تقرر في الأصول أن المقيد يقضي على المطلق، ولا سيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا. وأشار له في ((مراقي السعود)) بقوله: وحمل مطلق على ذاك وجب إن فيهما اتحد حكم والسبب قوله تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ اَللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ فَنَقْعُدَ مَذْهُوْمًا تَّخْذُولًا (﴾﴾. الظاهر أن الخطاب في هذه الآية الكريمة متوجه إلى النبي ◌َّه؛ ليشرع لأمته على لسانه إخلاص التوحيد في العبادة له - جل وعلا -؛ لأنه وَّر معلوم أنه لا يجعل مع الله إلهاً آخر، وأنه لا يقعد مذموماً مخذولاً . ومن الآيات الدالة دلالة واضحة على أنه وهله يوجه إليه الخطاب، والمراد بذلك التشريع لأمته لا نفس خطابه هو رَّ قوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَهُمَا فَلاَ تَقُل لَُّمَا أُفٍّ وَلَا نَنْهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ لأن معنى قوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ ... ﴾ الآية؛ أي إن يبلغ عندك والداك أو أحدهما الكبر فلا تقل لهما أف، ومعلوم أن والديه قد ماتا قبل ذلك بزمن طويل؛ فلا وجه لاشتراط بلوغهما أو أحدهما الكبر بعد أن ماتا منذ زمن طويل، إلا أن المراد التشريع لغيره وعليه، ومن أساليب اللغة العربية خطابهم إنساناً والمراد بالخطاب غيره. ومن الأمثلة السائرة في ذلك قول الراجز، وهو سهل بن مالك الفزاري: ؟ ٤٦٨ سورة الإسراء: الآية (١٩) إياك أعني واسمعي يا جاره وسبب هذا المثل أنه زار حارثة بن لأم الطائي فوجده غائباً؛ فأنزلته أخته وأكرمته، وكانت جميلة؛ فأعجبه جمالها، فقال مخاطباً لأخرى غيرها ليسمعها هي: يا أخت خير البدو والحضارة كيف ترين في فتى فزاره إياك أعني واسمعي يا جاره أصبح يهوى حرة معطاره ففهمت المرأة مراده، وأجابته بقولها : لا أبتغي الزوج ولا الدعاره إني أقول يا فتى فزاره فارحل إلى أهلك باستحاره ولا فراق أهل هذي الحاره والظاهر أن قولها: ((باستحارة)) أن أصله استفعال من المحاورة بمعنى رجع الكلام بينهما؛ أي: ارحل إلى أهلك بالمحاورة التي وقعت بيني وبينك، وهي كلامك وجوابي له، ولا تحصل مني على غير ذلك! والهاء في ((الاستحارة)) عوض من العين الساقطة بالإعلال، كما هو معروف في فن الصرف. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الخطاب في قوله: ﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ ونحو ذلك من الآيات متوجه إلى المكلف، ومن أساليب اللغة العربية إفراد الخطاب مع قصد التعميم كقول طرفة بن العبد في معلقته: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك بالأخبار من لم تزود وقال الفراء، والكسائي، والزمخشري، ومعنى قوله: ﴿فَنَقْعُدَ﴾ أي تصير، وجعل الفراء منه قول الراجز: لا يقنع الجارية الخضاب ولا الوشاحان ولا الجلباب ويقعد الأير له لعاب من دون أن تلتقي الأركاب أي يصير له لعاب. وحكى الكسائي: قعد لا يسأل حاجة إلا قضاها بمعنى صار. قاله أبو حيان في البحر. ثم قال أيضاً: والقعود هنا عبارة عن المكث؛ أي فتمكث في الناس مذموماً مخذولاً؛ كما تقول لمن سأل عن حال شخص: هو قاعد في أسوأ حال. ومعناه ماكث ومقيم؛ سواء كان قائماً أم جالساً. وقد يراد القعود حقيقة؛ لأن من شأن المذموم المخذول أن يقعد حائراً متفكراً، وعبر بغالب حاله وهو القعود، وقيل: معنى ﴿فَنَفْعُدَ﴾ فتعجز. والعرب تقول: ما أقعدك عن المكارم، اهـ. محل الغرض من كلام أبي حيان. والمذموم هنا: هو من يلحقه الذم من الله ومن العقلاء من الناس، حيث أشرك الله ما لا ينفع ولا يضر، ولا يقدر على شيء. والمخذول: هو الذي لا ينصره من كان يؤمل منه النصر؛ ومنه قوله: ٤٦٩ سورة الإسراء: الآيات (٢٣ - ٢٨) إن المرء ميتاً بانقضاء حياته. ولكن بأن يبغى عليه فيخذلا قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَا﴾. أمر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة بإخلاص العبادة له وحده، وقرن بذلك الأمر بالإحسان إلى الوالدين. وجعل بر الوالدين مقروناً بعبادته وحده - جل وعلا - والمذكور هنا، ذكره في آيات أخر كقوله في سورة (النساء)»: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِأَلْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [النساء: ٣٦]. وقوله في البقرة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣]. وقوله في سورة لقمان: ﴿إِلَّ كَبَسِطِ كَّتِهِ إِلَى الْعَآءِ لِتَّلُغَ فَهُ وَمَا هُوَ بِبَلِغِهِ، وَمَا دُعَّهُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَلٍ﴾ [لقمان: ١٤]. وبيّن في موضع آخر أن برّهما لازم ولو كانا مشركين داعيين إلى شركهما كقوله في لقمان: ﴿وَإِنْ جَهَدَاَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِىِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَّا وَصَاحِبْهُمَا فِىِ الذُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]. وقوله في ((العنكبوت)): ﴿وَوَضَّيْنَا اُلْإِنسَانَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنًّاً وَإِن جَهَدَالكَ لِتُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَاْ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ [العنكبوت: ٨]. وذكره - جل وعلا - في هذه الآيات بر الوالدين مقروناً بتوحيده - جل وعلا - في عبادته، يدل على شدة تأكد وجوب بر الوالدين، وجاءت عن النبي ◌ّ في ذلك أحاديث كثيرة. وقوله - جل وعلا - في الآيات المذكورة: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ بينه بقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّ تَعْبُدُوَاْ إِلَّ إِيَّهُ وَيِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاْ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَهُمَا فَلَا تَقُل لَّمَا أُفٍّ وَلَا نَنْهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٣) وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ أَرْحَمْهُمَا كَا رَبََّنِ صَغِيرًا ﴾؛ لأن هذا من الإحسان إليهما المذكور في الآيات. وسيأتي - إن شاء الله تعالى - إيضاح معنى خفض الجناح، وإضافته إلى الذل في سورة ((الشعراء)) وقد أوضحنا ذلك غاية الإيضاح في رسالتنا المسماة (منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز). وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ معناه: أمر وألزم، وأوجب ووصى ألا تعبدوا إلا إياه. وقال الزمخشري: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾؛ أي أمر أمراً مقطوعاً به، واختار أبو حيان في (البحر المحيط) أن إعراب قوله: ﴿إِحَانًا﴾ أنه مصدر نائب عن فعله، فهو بمعنى الأمر، وعطف الأمر المعنوي أو الصريح على النهي معروف كقوله: يقولون لا تهلك أسى وتجمل وقوفاً بها صبحى على مطيهم وقال الزمخشري في الكشاف: ﴿وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحَْانًا﴾؛ أي: وأحسنوا بالوالدين إحساناً، أو بأن تحسنوا بالوالدين إحساناً . قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَ عَنْهُمُ أَبْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّيِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ فَوْلًا مَّيْسُورًا (٢٨) ٤٧٠ سورة الإسراء: الآية (٣٣) الضمير في قوله: ﴿عَنْهُمُ﴾ راجع إلى المذكورين قبله في قوله: ﴿ وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ﴾، ومعنى الآية: إن تعرض عن هؤلاء المذكورين فلم تعطهم شيئاً لأنه ليس عندك، وإعراضك المذكور عنهم ﴿ أَبْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّيِّكَ تَرْجُوهَا﴾ أي رزق حلال؛ كالفيء يرزقكه الله فتعطيهم منه ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾؛ أي ليناً لطيفاً طيباً، كالدعاء لهم بالغنى وسعة الرزق، ووعدهم بأن الله إذا يسر من فضله رزقاً أنك تعطيهم منه. وهذا تعليم عظيم من الله لنبيه لمكارم الأخلاق، وأنه إن لم يقدر على الإعطاء الجميل فليتجمل في عدم الإعطاء؛ لأن الرد الجميل خير من الإعطاء القبيح. وهذا الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، صرح به الله - جل وعلا - في سورة ((البقرة)) في قوله: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌ مِّنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذَّىٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣]. ولقد أجاد من قال : للسائلين فإني لين العود إلا تكن ورق يوماً أجود بها إما نوالي وإما حسن مردودي لا يعدم السائلون الخير من خلقي والآية الكريمة تشير إلى أنه و ﴿ لا يعرض عن الإعطاء إلا عند عدم ما يعطي منه، وأن الرزق المنتظر إذا يسره الله فإنه يعطيهم منه، ولا يعرض عنهم. وهذا هو غاية الجود وكرم الأخلاق، وقال القرطبي: ﴿قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾ مفعول بمعنى الفاعل من لفظ اليسر كالميمون. وقد علمت مما قررنا أن قوله: ﴿أَثْغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَِّّكَ﴾ متعلق بفعل الشرط الذي هو ﴿تُعْرِضَنَّ﴾ لا بجزاء الشرط. وأجاز الزمخشري في الكشاف تعلقه بالجزاء وتقديمه عليه، ومعنى ذلك: فقل لهم قولاً ميسوراً ابتغاء رحمة من ربك؛ أي يسر عليهم والطف بهم؛ لابتغائك بذلك رحمة الله، ورد ذلك عليه أبو حيان في (البحر المحيط) بأن ما بعد فاء الجواب لا يعمل فيما قبله. قال: لا يجوز في قولك: إن يقم فاضرب خالداً أن تقول: إن يقم خالداً فاضرب. وهذا منصوص عليه، انتهى. وعن سعيد بن جبير ◌َُّ أن الضمير في قوله: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُ﴾ راجع للكفار؛ أي إن تعرضن عن الكفار ابتغاء رحمة من ربك، أي نصر لك عليهم، أو هداية من الله لهم. وعلى هذا فالقول الميسور: المداراة باللسان؛ قاله أبو سليمان الدمشقي، انتهى من البحر. ويسر بالتخفيف يكون لازماً ومتعدياً، وميسور من المتعدي، تقول: يسرت لك كذا إذا أعددته؛ قاله أبو حيان أيضاً. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِّهِ، سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفِ فِ الْقَتْلِّ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾. بيّن - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن من قتل مظلوماً فقد جعل الله لوليه سلطاناً، ونهاه عن الإسراف في القتل، ووعده بأنه منصور، والنهي عن الإسراف في القتل هنا شامل ثلاث صور: ٤٧١ سورة الإسراء: الآية (٣٣). الأولى: أن يقتل اثنين أو أكثر بواحد، كما كانت العرب تفعله في الجاهلية، كقول مهلهل بن ربيعة لمّا قتل بجير بن الحارث بن عباد في حرب البسوس المشهورة: بؤ بشسع نعل كليب؛ فغضب الحارث بن عباد، وقال قصيدته المشهور: لقحت حرب وائل عن حيال قربا مربط النعامة مني إن بيع الكرام بالشع غالي - إلخ قربا مربط النعـامـة مني وقال مهلهل أيضاً : حتى ينال القتل آل مره كل قتيل في كليب غره. ومعلوم أن قتل جماعة بواحد لم يشتركوا في قتله إسراف في القتل داخل في النهي المذكور في الآية الكريمة. الثانية: أن يقتل بالقتيل واحداً فقط ولكنه غير القاتل؛ لأن قتل البريء بذنب غيره إسراف في القتل، منهي عنه في الآية أيضاً. الثالثة: أن يقتل نفس القاتل ويمثل به، فإن زيادة المثلة إسراف في القتل أيضاً. وهذا هو التحقيق في معنى الآية الكريمة، فما ذكره بعض أهل العلم، ومال إليه الرازي في تفسيره بعض الميل، من أن معنى الآية فلا يسرف الظالم الجاني في القتل؛ تخويفاً له من السلطان، والنصر الذي جعله الله لولي المقتول لا يخفى ضعفه، وأنه لا يلتئم مع قوله بعده: ﴿إِنَُّ كَانَ مَنْصُورًا﴾ . وهذا السلطان الذي جعله الله لولي المقتول لم يبينه هنا بياناً مفصلاً، ولكنه أشار في موضعين إلى أن هذا السلطان هو ما جعله الله من السلطة لولي المقتول على القاتل، من تمكينه من قتله إن أحب. ولا ينافي ذلك أنه إن شاء عفا على الدية أو مجاناً . الأول: قوله هنا: ﴿فَلَا يُسْرِف فِ الْقَتْلِّ﴾ بعد ذكر السلطان المذكور؛ لأن النهي عن الإسراف في القتل مقترناً بذكر السلطان المذكور يدل على أن السلطان المذكور هو ذلك القتل المنهي عن الإسراف فيه. الموضع الثاني: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ الْقَبْلِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكُمْ فِى اُلْقِصَاصِ حَيَوَةٌ يَأُوْلِ الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٨، ١٧٩]، فهو يدل على أن السلطان المذكور هو ما تضمنته آية القصاص هذه، وخير ما يبين به القرآن القرآن. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة: المسألة الأولى: يفهم من قوله: ﴿مَظْلُومًا﴾ أن من قتل غير مظلوم ليس لوليه سلطان على قاتله، وهو كذلك؛ لأن من قتل بحق فدمه حلال، ولا سلطان لوليه في قتله، كما قدمنا بذلك حديث ابن مسعود المتفق عليه قال: قال رسول الله ومثل: ((لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بسطر إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)) كما تقدم إيضاحه في سورة ((المائدة)). ٤٧٢ سورة الإسراء: الآيات (٣٣) وبيان هذا المفهوم في قوله: ﴿مَظْلُومًا﴾ يظهر به بيان المفهوم في قوله أيضاً: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ أَلَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١]. واعلم أنه قد ورد في بعض الأدلة أسباب أخر لإباحة قتل المسلم غير الثلاث المذكورة، على اختلاف في ذلك بين العلماء، من ذلك المحاربون إذا لم يقتلوا أحداً؛ عند من يقول بأن الإمام مخير بين الأمور الأربعة المذكورة في قوله: ﴿أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ﴾ [المائدة: ٣٣]؛ كما تقدم إيضاحه مستوفى في سورة ((المائدة)). ومن ذلك قتل الفاعل والمفعول به في فاحشة اللواط، وقد قدمنا الأقوال في ذلك وأدلتها بإيضاح في سورة ((هود)). وأما قتل الساحر فلا يبعد دخوله في قتل الكافر المذكور في قوله: ((التارك لدينه المفارق للجماعة)) لدلالة القرآن على كفر الساحر في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقوله: ﴿ وَيَنَعَلَُّونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمَّ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَبُهُ مَا لَهُ فِىِ الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]. وأما قتل مانع الزكاة، فإنه إن أنكر وجوبها فهو كافر مرتد داخل في ((التارك لدينه المفارق للجماعة))، وأما إن منعها وهو مقر بوجوبها فالذي يجوز فيه القتال لا القتل، وبين القتال والقتل فرق واضح معروف. وأما ما ذكره بعض أهل العلم من أن من أتى بهيمة يقتل هو وتقتل البهيمة معه، لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ له: ((من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه)) قال الهيثمي في (مجمع الزوائد): رواه أبو يعلى، وفيه محمد بن عمرو بن علقمة، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات. ورواه ابن ماجة من طريق داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً .. وأكثر أهل العلم على أنه لا يقتل؛ لأن حصر ما يباح به دم المسلم في الثلاث المذكورة في حديث ابن مسعود المتفق عليه أولى بالتقديم من هذا الحديث، مع التشديد العظيم في الكتاب والسنة في قتل المسلم بغير حق، إلى غير ذلك من المسائل المذكورة في الفروع. قال مقيده - عفا الله عنه -: هذا الحصر في الثلاث المذكورة في حديث ابن مسعود الثابت في الصحيح لا ينبغي أن يزاد عليه، إلا ما ثبت بوحي ثبوتاً لا مطعن فيه؛ لقوته، والعلم عند الله تعالى. المسألة الثانية: قد جاءت آيات أخر تدل على أن المقتول خطأ لا يدخل في هذا الحكم كقوله: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمٍ بِهِ، وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وقوله: ﴿رَبَّا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن قَِّينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ لما ثبت في صحيح ٤٧٣ سورة الإسراء: الآية (٣٣) مسلم من حديث ابن عباس وأبي هريرة أن النبي ◌َ لّ لما قرأها، قال: ((قال الله نعم قد فعلت)). وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَا﴾ [النساء: ٩٢] ثم بيّن ما يلزم القاتل خطأ بقوله: ﴿وَمَن قََّلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيُرُ رَقَّبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِ: إِلَّ أَنْ يَضَدَقُواْ﴾ [النساء: ٩٢]. وقد بين ◌َّ الدية قدراً وجنساً كما هو معلوم في كتب الحديث والفقه كما سيأتي إيضاحه. والمسألة الثالثة: يفهم من إطلاق قوله تعالى: ﴿وَمَن قُئِلَ مَظْلُومًا﴾ أن حكم الآية يستوي فيه القتل بمحدد كالسلاح، وبغير محدد كرضخ الرأس بحجر ونحو ذلك؛ لأن الجميع يصدق عليه اسم القتل ظلماً فيجب القصاص. وهذا قول جمهور العلماء، منهم مالك، والشافعي، وأحمد في أصح الروايتين. وقال النووي في ((شرح مسلم)): هو مذهب جماهير العلماء. وهناك خلاف للعلماء حول التخيير لولي المقتول بين القتل والدية يرجع من أراد الوقوف عليه إلى الأصل. قال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر لي رجحانه بالدليل في هذه المسألة أن ولي المقتول هو المخير بين الأمرين، فلو أراد الدية وامتنع الجاني فله إجباره على دفعها؛ لدلالة الحديث المتفق عليه على ذلك، ودلالة الآية المتقدمة عليه، ولأن الله يقول: ﴿وَلَا نَقْتُلُوَاْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، ويقول: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيَدِيَكُمْ إِلَى الَُّكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. ومن الأمر الواضح أنه إذا أراد إهلاك نفسه صوناً لماله للوارث أن الشارع يمنعه من هذا التصرف الزائغ عن طريق الصواب، ويجبره على صون دمه بماله. قال مقيده - عفا الله عنه -: أظهر القولين عندي أنه يقرر ملك الميت لديته عند موته فتورث كسائر أملاكه؛ لتصريح النبي والقر للضحاك في الحديث المذكور بتوريث امرأة أشيم الضبابي من ديته، والميراث لا يطلق شرعاً إلا على ما كان مملوكاً للميت، والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: اختلف العلماء في تعيين ولي المقتول الذي جعل الله له هذا السلطان المذكور في هذه الآية الكريمة في قوله: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا﴾ ... الآية. قال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يقتضي الدليل رجحانه عندي في هذه المسألة أن الولي في هذه الآية هم الورثة ذكوراً كانوا أو إناثاً، ولا مانع من إطلاق الولي على الأنثى؛ لأن المراد جنس الولي الشامل لكل من انعقد بينه وبين غيره سبب يجعل كلًا منهما يوالي الآخر كقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، وقوله: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاءِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضِ﴾ [الأنفال: ٧٥]. وحجة من قال أيضاً بكفره قوية؛ للحديث الدال على أنه أشقى الآخرين، مقروناً بقاتل ناقة صالح المذكور في قوله: ﴿إِذِ اُنْبَعَثَ أَشْقَنَهَا ﴾﴾ [الشمس] وذلك يدل على كفره، والعلم عند الله تعالى. ٤٧٤ سورة الإسراء: الآية (٣٣) تنبيه: أخذ بعض أهل العلم من هذه الآية الكريمة منع التقليد، قالوا: لأنه اتباع غير العلم. قال مقيده - عفا الله عنه -: لا شك أن التقليد الأعمى الذي ذم الله به الكفار في آيات من كتابه تدل هذه الآية وغيرها من الآيات على منعه، وكفر متبعه؛ كقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّبِعُواْ مَا أَنزَلَ اَللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَُّ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (٧٤)﴾ [البقرة]، وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآَنَاْ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [المائدة]، وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّبِعُوْ مَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَأْ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾﴾ [لقمان]، وقوله: ﴿أَمَّ ◌َانَيْنَهُمْ كِتَبًا مِّن قَبْلِهِ، فَهُم بِهِ، مُسْتَمْسِكُونَ ﴿ بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أُمٍَّ وَإِنَّا عَلَّ ءَاثَرِهِم مُهْتَدُونَ (٣) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِ قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَاَ ءَابََّنَا عَلَىَّ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَائَرِهِم مُّقْتَدُونَ ﴿ قَلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمُ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيَّهِ ءَابَآءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢١ - ٢٤]، وقوله: ﴿قَالُواْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا﴾ [إبراهيم: ١٠]، إلى غير ذلك من الآيات. أما استدلال بعض الظاهرية كابن حزم ومن تبعه بهذه الآية التي نحن بصددها وأمثالها من الآيات، على منع الاجتهاد في الشرع مطلقاً، وتضليل القائل به، ومنع التقليد من أصله، فهو من وضع القرآن في غير موضعه، وتفسيره بغير معناه، كما هو كثير في الظاهرية؛ لأن مشروعية سؤال الجاهل للعالم وعمله بفتياه أمر معلوم من الدين بالضرورة. ومعلوم أنه كان العامي يسأل بعض أصحاب النبي ◌َ له فيفتيه فيعمل بفتياه، ولم ينكر ذلك أحد من المسلمين، كما أنه من المعلوم أن المسألة إن لم يوجد فيها نص من كتاب الله أو سنة نبيه وَله، فاجتهاد العالم حينئذ بقدر طاقته في تفهم كتاب الله وسنة نبيه وَّ ليعرف حكم المسكوت عنه من المنطوق به، لا وجه لمنعه، وكان جارياً بين أصحاب رسول الله وَله، ولم ينكره أحد من المسلمين، وسنوضح غاية الإيضاح - إن شاء الله تعالى - ((في سورة الأنبياء، والحشر)) مسألة الاجتهاد في الشرع، واستنباط حكم المسكوت عنه من المنطوق به بإلحاقه به قياساً؛ كان الإلحاق أو غيره. ونبين أدلة ذلك، ونوضح رد شبه المخالفين كالظاهرية والنظام، ومن قال بقولهم في احتجاجهم بأحاديث وآيات من كتاب الله على دعواهم، وبشبه عقلية حتى يتضح بطلان جميع ذلك. وسنذكر هنا طرفا قليلاً من ذلك يعرف به صحة القول بالاجتهاد والقياس فيما لا نص فيه، وأن إلحاق النظير بنظيره المنصوص عليه غير مخالف للشرع الكريم. اعلم أولاً أن إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به بنفي الفارق بينهما لا یکاد ینکره إلا مكابر، وهو نوع من القياس الجلي، ويسميه الشافعي تَُّ ((القياس في معنى ٤٧٥ سورة الإسراء: الآية (٣٣) الأصل)) وأكثر أهل الأصول لا يطلقون عليه اسم القياس، مع أنه إلحاق مسكوت عنه بمنطوق به لعدم الفرق بينهما؛ أعني الفرق المؤثر في الحكم. ومن أمثلة هذا النوع قوله تعالى: ﴿فَلَا تَّقُل لَُّمَا أُفٍ﴾ فإنه لا يشك عاقل في أن النهي عن التأفيف المنطوق به يدل على النهي عن الضرب المسكوت عنه. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾﴾ [الزلزلة] فإنه لا شك أيضاً في أن التصريح بالمؤاخذة بمثقال الذرة والإثابة عليه المنطوق به يدل على المؤاخذة والإثابة بمثقال الجبل المسكوت عنه. وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ﴾ [الطلاق: ٢]، لا شك في أنه يدل على أن شهادة أربعة عدول مقبولة وإن كانت شهادة الأربعة مسكوتاً عنها . ونهيه وله عن التضحية بالعوراء يدل على النهي عن التضحية بالعمياء، مع أن ذلك مسكوت عنه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اَلْيَتَمَى﴾ [النساء: ١٠]؛ لا شك في أنه يدل علی منع إحراق مال اليتيم وإغراقه؛ لأن الجميع إتلاف له بغير حق. وقوله وَله: ((من أعتق شركاً في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه عدل، فأعطى شركاؤه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق)) يدل على أن من أعتق شركاً له في أمة فحكمه كذلك؛ لما عرف من استقراء الشرع أن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق وصفان طرديان لا تأثير لهما في أحكام العتق وإن كانا غير طرديين في غير العتق كالشهادة والميراث وغيرهما . وقوله ◌َّير: ((لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان)) لا شك في أنه يدل على منع قضاء الحكم في كل حال يحصل بها التشويش المانع من استيفاء النظر، كالجوع والعطش المفرطين، والسرور والحزن المفرطين، والحقن والحقب المفرطين. ونهيه وسلم عن البول في الماء الراكد، لا شك في أنه يدل على النهي عن البول في قارورة مثلاً وصب البول من القارورة في الماء الراكد؛ إذ لا فرق يؤثر في الحكم بين البول فيه مباشرة وصبه فيه من قارورة ونحوها، وأمثال هذا كثيرة جداً، ولا يمكن أن يخالف فيها إلا مكابر، ولا شك أن في ذلك كله استدلالاً بمنطوق به على مسكوت عنه. وكذلك نوع الاجتهاد المعروف في اصطلاح أهل الأصول ((بتحقيق المناط)) لا يمكن أن ينكره إلا مكابر، ومسائله التي لا يمكن الخلاف فيها من غير مكابر لا يحيط بها الحصر، وسنذكر أمثلة منها، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] فكون الصيد المقتول يماثله النوع المعين من النعم اجتهاد في تحقيق مناط هذا الحكم، نص عليه - جل وعلا - في محكم كتابه، وهو دليل قاطع على بطلان قول من يجعل الاجتهاد في الشرع مستحيلاً من أصله. والإنفاق على الزوجات واجب، ٤٧٦ سورة الإسراء: الآية (٣٣) وتحديد القدر اللازم لا بد فيه من نوع من الاجتهاد في تحقيق مناط ذلك الحكم. وقيم المتلفات واجبة على من أتلف، وتحديد القدر الواجب لا بد فيه من اجتهاد. والزكاة لا تصرف إلا في مصرفها، كالفقير ولا يعلم فقره إلا بأمارات ظنية يجتهد في الدلالة عليها بالقرائن؛ لأن حقيقة الباطن لا يعلمها إلا الله. ولا يحكم إلا بقول العدل، وعدالته إنما تعلم بأمارات ظنية يجتهد في معرفتها بقرائن الأخذ والإعطاء وطول المعاشرة. وكذلك الاجتهاد من المسافرين في جهة القبلة بالأمارات، إلى غير ذلك مما لا يحصى. مسألة: قال ابن خويز منداد من علماء المالكية: تضمنت هذه الآية الحكم بالقافة؛ لأنه لما قال: ﴿وَلَا نَفْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ﴾ دل على جواز ما لنا به علم؛ فكل ما علمه الإنسان أو غلب على ظنه جاز أن يحكم به، وبهذا احتججنا على إثبات القرعة والخرص؛ لأنه ضرب من غلبة الظن، وقد يسمى علماً اتساعاً، فالقائف يلحق الولد بأبيه من طريق الشبه بينهما، كما يلحق الفقيه الفرع بالأصل عن طريق الشبه. وفي الصحيح عن عائشة رضيثنا أن رسول الله وح لل دخل علي مسروراً تبرق أسارير وجهه فقال: ((ألم تر أن مجززاً المدلجي نظر آنفاً إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد عليهما قطيفة، قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض)) وفي حديث يونس بن يزيد: وكان مجزز قائفاً، اهـ بواسطة نقل القرطبي في تفسيره. قال مقيده - عفا الله عنه -: من المعلوم أن العلماء اختلفوا في اعتبار أقوال القافة؛ فذهب بعضهم إلى عدم اعتبارها. واحتج من قال بعدم اعتبارها بقصة الأنصارية التي لاعنت زوجها وجاءت بولد شبيه جداً بمن رميت به ولم يعتبر هذا الشبه النبي -*- ، فلم يحكم بأن الولد من زنى ولم يجلد المرأة. قالوا: فلو كان الشبه تثبت به الأنساب لأثبت النبي و 3 به أن ذلك الولد من ذلك الرجل الذي رميت به؛ فيلزم على ذلك إقامة الحد عليها، والحكم بأن الولد ابن زنى، ولم يفعل النبي ولي شيئاً من ذلك كما يأتي إيضاحه (في سورة النور) إن شاء الله تعالى. وهذا القول بعدم اعتبار أقوال القافة مروي عن أبي حنيفة وإسحاق والثوري وأصحابهم. وذهب جمهور أهل العلم إلى اعتبار أقوال القافة عند التنازع في الولد، محتجين بما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي # سر بقول مجزز بن الأعور المدلجي: إن بعض هذه الأقدام من بعض، حتى برقت أسارير وجهه من السرور. قالوا: وما كان ◌َله ليسر بالباطل ولا يعجبه، بل سروره بقول القائف دليل على أنه من الحق لا من الباطل؛ لأن تقريره وحده كاف في مشروعية ما قرر عليه، وأحرى من ذلك ما لو زاد السرور بالأمر على التقرير عليه، وهو واضح كما ترى. واعلم أن الذين قالوا باعتبار أقوال القافة اختلفوا، فمنهم من قال: لا يقبل ذلك إلا في أولاد الإماء دون أولاد الحرائر، ومنهم من قال: يقبل ذلك في الجميع. ٤٧٧ سورة الإسراء: الآية (٣٣) قال مقيده - عفا الله عنه -: التحقيق اعتبار ذلك في أولاد الحرائر والإماء؛ لأن سرور النبي 18ّ وقع في ولد حرة، وصورة سبب النزول قطعية الدخول كما تقرر في الأصول، وهو قول الجمهور وهو الحق، خلافاً للإمام مالك تَغْفُ قائلاً: إن صورة السبب ظنية الدخول، وعقده صاحب (مراقي السعود) بقوله: وارو عن الإمام ظناً تصب واجزم بإدخال ذوات السبب تنبيهان : الأول: لا تعتبر أقوال القافة في شبه مولود برجل إن كانت أمه فراشاً لرجل آخر؛ لأن النبي 18 رأى شدة شبه الولد الذي اختصم فيه سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة بعتبة بن أبي وقاص ولم يؤثر عنده هذا الشبه في النسب لكون أم الولد فراشاً لزمعة، فقال ◌َله: ((الولد للفراش وللعاهر الحجر)) ولكنه لقد اعتبر هذا الشبه من جهة أخرى غير النسب؛ فقال لسودة بنت زمعة ثنا ((اختجبي عنه)) مع أنه ألحقه بأبيها فلم ير سودة قط. وهذه المسألة أصل عند المالكية في مراعاة الخلاف كما هو معلوم عندهم. التنبيه الثاني: قال بعض علماء العربية: أصل القفو: البهت والقذف بالباطل، ومنه الحديث الذي روي عن النبي ◌َ ◌ّ ر: ((نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا)) أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه وغيرهما من حديث الأشعث بن قيس، وساق طرق هذا الحديث ابن كثير في تاريخه. وقوله: ((لا نقفو أمنا))؛ أي لا نقذف أمنا ونسبها - ومنه قول الكميت: ولا أقفو الحواصن إن قفينا فلا أرمي البريء بغير ذنب وقول النابغة الجعدي: بهن الحياء لا يشعن التقافيا ومثل الدمى شم العرانين ساكن والذي يظهر لنا أن أصل القفو في لغة العرب: الاتباع كما هو معلوم من اللغة، ويدخل فيه اتباع المساوي كما ذكره من قال: إن أصله القذف والبهت. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَاَلْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ فيه وجهان من التفسير: الأول: أن معنى الآية أن الإنسان يسأل يوم القيامة عن أفعال جوارحه فيقال له: لم سمعت ما لا يحل لك سماعه!؟ ولم نظرت إلى ما لا يحل لك النظر إليه!؟ ولم عزمت على ما لم يحل لك العزم عليه!؟. ويدل على هذا المعنى آيات من كتاب الله تعالى كقوله: ﴿وَلَتْتَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٣]، وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر]، ونحو ذلك من الآيات. ١٩٣ ٤٧٨ سورة الإسراء: الآية (٣٧) : والوجه الثاني: أن الجوارح هي التي تسأل عن أفعال صاحبها، فتشهد عليه جوارحه بما فعل. قال القرطبي في تفسيره: وهذا المعنى أبلغ في الحجة؛ فإنه يقع تكذيبه من جوارحه، وتلك غاية الخزي كما قال: ﴿ اَلْيَّوَمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَدِهِمْ وَتُكَلِمُنَا أَيْدِيْهِمْ وَنَشْهَدُ ﴾ [يس: ٦٥]، وقوله: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبَصَرُهُمْ وَجُلُودُهُم ٢٦٥ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٠]. قال مقيده - عفا الله عنه -: والقول الأول أظهر عندي، وهو قول الجمهور. وفي الآية الكريمة نكتة نبه عليها في مواضع أخر؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَهِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ يفيد تعليل النهي في قوله: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ ﴾ بالسؤال عن الجوارح المذكورة، لما تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه: أن ((إن)) المكسورة من حروف التعليل، وإيضاحه: أن المعنى انتهى عما لا يحل لك لأن الله أنعم عليك بالسمع والبصر والعقل لتشكره، وهو مختبرك بذلك وسائلك عنه، فلا تستعمل نعمه في معصيته. ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةُ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (®﴾ [النحل]، ونحوها من الآيات. والإشارة في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة بقوله: ﴿أُوْلَكَ﴾ راجعة إلى ﴿السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ﴾ وهو دليل على الإشارة ((بأولئك)) لغير العقلاء وهو الصحيح. ومن شواهده في العربية قول الشاعر وهو العرجي: يا ما أميلح غزلانا شدن لنا من هؤلياء كن الضال والسمر وقول جرير: والعيش بعد أولئك الأيام ذم المنازل بعد منزلة اللوي طُولًا خلافاً لمن زعم أن بيت جرير لا شاهد فيه، وأن الرواية فيه: ((بعد أولئك الأقوام))، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَّمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَّخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ لِبَالَ . نهى الله - جل وعلا - الناس في هذه الآية الكريمة عن التجبر والتبختر في المشية، وقوله: ﴿مَرَحًا﴾ مصدر منكر، وهو حال على حد قول ابن مالك في الخلاصة: بكثرة كبغتـة زيد طـلـع ومصدر منكر حالاً يقع وقرئ ((مرحاً)) - بكسر الراء - على أنه الوصف من مرح (بالكسر) يمرح (بالفتح) أي لا تمش في الأرض في حال كونك متبختراً متمايلاً مشي الجبارين. وقد أوضح - جل وعلا - هذا المعنى في مواضع أخر كقوله عن لقمان مقرراً له: ٤٧٩ سورة الإسراء: الآية (٤٠) ﴿وَلَ تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَمًّاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴿ وَأَقْصِدْ فِى مَشْبِكَ﴾ [لقمان: ١٨، ١٩]، وقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا﴾ [الفرقان: ٦٣]، إلى غير ذلك من الآيات. وأصل المرح في اللغة: شدة الفرح والنشاط، وإطلاقه على مشي الإنسان متبختراً مشي المتكبرين؛ لأن ذلك من لوازم شدة الفرح والنشاط عادة. وأظهر القولين عندي في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَن تَّخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ أن معناه لن تجعل فيها خرقاً بدوسك لها وشدة وطئك عليها، ويدل على هذا المعنى قوله بعده: ﴿وَآَنْ تَبْلُغَ لِبَالَ طُولًا﴾؛ أي أنت أيها المتكبر المختال ضعيف حقير عاجز محصور بين جمادين! أنت عاجز عن التأثير فيهما، فالأرض التي تحتك لا تقدر أن تؤثر فيها فتخرقها بشدة وطئك عليها، والجبال الشامخة فوقك لا يبلغ طولك طولها، فاعرف قدرك! ولا تتكبر، ولا تمش في الأرض مرحاً. القول الثاني: أن معنى: ﴿لَنْ تَّخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ لن تقطعها بمشیك، قاله ابن جرير، واستشهد له بقول رؤبة بن العجاج: وقاتم الأعماق خاوي المخترق مشتبه الأعلام لماع الخفق لأن مراده بالمخترق مكان الاختراق؛ أي المشي والمرور فيه، وأجود الأعاريب في قوله: و﴿طُولًا﴾ أنه تمييز محول عن الفاعل، أي لن يبلغ طولك الجبال، خلافاً لمن أعربه حالاً ومن أعربه مفعولاً من أجله. وقد أجاد من قال: فكم تحتها قوم هم منك أرفع ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعاً فكم مات من قوم هم منك أمنع وإن كنت في عز وحرز ومنعة واستدل بعض أهل العلم بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَّمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَجَّاً﴾ على منع الرقص وتعاطيه؛ لأن فاعله ممن يمشي مرحاً. قوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَكُمْ رَبُّكُمْ بِلْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَئِكَةِ إِنَأْ إِنَّكُمْ لَنَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا ﴾﴾. الهمزة في قوله: ﴿أَفَأَصْفَكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ﴾ للإنكار، ومعنى الآية أفخصكم ربكم على وجه الخصوص والصفاء بأفضل الأولاد وهم البنون، لم يجعلْ فيهم نصيباً لنفسه، واتخذ لنفسه أدونهم وهي البنات! وهذا خلاف المعقول والعادة، فإنّ السادة لا يؤثرون عبيدهم بأجود الأشياء وأصفاها من الشوب، ويتخذون لأنفسهم أردأها وأدونها، فلو كان - جل وعلا - متخذاً ولداً - سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً - لاتخذ أجود النصيبين ولم يتخذ أردأهما! ولم يصطفكم دون نفسه بأفضلهما، وهذا الإنكار متوجه على الكفار في قولهم: الملائكة بنات الله، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً، فقد جعلوا له الأولاد! ومع ذلك جعلوا له أضعفها وأردأها وهو الإناث! وهم لا يرضونها لأنفسهم. وقد بيّن الله هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنَ ج ◌ِّكَ إِذَا ٤٨٠ سورة الإسراء: الآية (٤٢) (٣٩)﴾ [الطور]، وقوله: ﴿لَّوْ ﴿4﴾ [النجم]، وقوله: ﴿أَمْ لَهُ الْبَتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ قِسْمَةُ ضِيرى أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّأَصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر: ٤] والآيات بمثل هذا كثيرة جداً، وقد بيّنا ذلك بإيضاح في ((سورة النحل)). وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّكُمْ لَنَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ بيّن فيه أن ادعاء الأولاد لله - سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً - أمر عظيم جداً، وقد بيّن شدة عظمه بقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَّا ﴿٨َ تَكَادُ السَّمَوَتُ يَنَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَذَّا ﴿ أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّهْمَنِ وَلَدًّا ﴿﴿ وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدَّا (﴿﴿ إِنَ كُلُّ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴿﴿ لَقَدْ أَحْصَنْهُ وَعَدَّهُمْ عَدَّا ﴿ وَكُلُّهُمْ ءَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (®﴾ [مريم] فالمشركون - قبحهم الله - جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً، ثم ادعوا أنهم بنات الله، ثم عبدوهم؛ فاقترفوا الجريمة العظمى في المقامات الثلاث. والهمزة والفاء في نحو قوله: ﴿أَفَأَصْفَتَكُمْ﴾ قد بينا حكمها بإيضاح في ((سورة النحل)) أيضاً. قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَنَ مَعَدُرْ ءَالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذَّا لَّأَ بْنَغَوْاْ إِلَى ذِى اُلْعَرْشِ سَبِيلًا (19)﴾. قرأ جمهور القراء ((كما تقولون)) بتاء الخطاب، وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم (كما يقولون)) بياء الغيبة. وفي معنى هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير، كلاهما حق ويشهد له قرآن، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية قد يكون فيها وجهان كلاهما حق، وكلاهما يشهد له قرآن فنذكر الجميع لأنه كله حق. الأول من الوجهين المذكورين أن معنى الآية الكريمة لو كان مع الله آلهة أخرى كما يزعم الكفار لابتغوا - أي الآلهة المزعومة - أي لطلبوا إلى ذي العرش - أي إلى الله سبيلاً - أي إلى مغالبته وإزالة ملكه؛ لأنهم إذاً يكونون شركاءه كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض، سبحان الله وتعالى عن ذلك علواً كبيراً !. وهذا القول في معنى الآية هو الظاهر عندي، وهو المتبادر من معنى الآية الكريمة، ومن الآيات الشاهدة لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿مَا أَّخَذَ اللَّهُ مِن وَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُمْ مِنْ إِلَهٍ إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِّ سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿﴿ عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾﴾ [المؤمنون]، وقوله: ﴿لَوْ [الأنبياء] وهذا المعنى كَانَ فِيِهِمَآ ءَاِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَّأْ فَسُبْحَنَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ في الآية مروي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبي علي الفارسي، والنقاش، وأبي منصور وغيره من المتكلمين. الوجه الثاني في معنى الآية الكريمة أن المعنى لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً، أي طريقاً ووسيلة تقربهم إليه لاعترافهم بفضله. ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْنَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَنْهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾، ويروى هذا القول عن قتادة، واقتصر عليه ابن كثير في تفسيره.