النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
سورة النحل: الآيتان (١٠٢ - ١٠٣).
-
واسم الآخر جبر، وكانا صيقليين يعملان السيوف، وكانا يقرآن كتاباً لهم. وقيل: كانا
يقرآن التوراة والإنجيل، إلى غير ذلك من الأقوال.
وقد بين - جل وعلا - كذبهم وتعنتهم في قولهم: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ بقوله:
﴿لِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَتٌ مُبِينُ﴾ أي كيف يكون تعلمه
من ذلك البشر، مع أن ذلك البشر أعجمي اللسان، وهذا القرآن عربي مبين فصيح، لا
شائبة فيه من العجمة؛ فهذا غير معقول.
وبين شدة تعنتهم أيضاً بأنه لو جعل القرآن أعجميًّا لكذبوه أيضاً وقالوا: كيف
يكون هذا القرآن أعجميًّا مع أن الرسول الذي أنزل عليه عربي؛ وذلك في قوله: ﴿وَلَوْ
جَعَلْنَهُ قُرْءَنَا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُواْ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ(ءَأعْجَمِىٌّ وَعَرَبٌِ﴾ [فصلت: ٤٤] أي أقرآنٍ أعجمي،
ورسول عربي؟ فكيف ينكرون أن القرآن أعجمي والرسول عربي، ولا ينكرون أن المعلم
المزعوم أعجمي، مع أن القرآن المزعوم تعليمه له عربي.
كما بين تعنتهم أيضاً بأنه لو نزل هذا القرآن العربي المبين، على أعجمي فقرأه
عليهم عربياً لكذبوه أيضاً، مع ذلك الخارق للعادة؛ لشدة عنادهم وتعنتهم، وذلك في
﴿ فَقَرَءُ عَلَيْهِم مَّا كَانُواْ بِهِ مُؤْمِنِينَ (٦)﴾ [الشعراء].
قوله: ﴿وَلَوْ نَزَّْنَهُ عَلَى بَعْضِ اَلْأَعْجَمِينَ
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ أي يميلون عن الحق، والمعنى لسان
البشر الذي يلحدون، أي يميلون قولهم عن الصدق والاستقامة إليه - أعجمي غير بين،
وهذا القرآن لسان عربي مبين، أي ذو بيان وفصاحة. وقرأ هذا الحرف حمزة والكسائي
((يلحدون)) بفتح الياء والحاء، من لحد الثلاثي. وقرأه الباقون ((يلحدون)) بضم الياء
وكسر الحاء من ألحد الرباعي، وهما لغتان، والمعنى واحد؛ أي يميلون عن الحق إلى
الباطل. وأما ((يلحدون)) التي في الأعراف، والتي في فصلت فلم يقرأهما بفتح الياء
والجاء إلا حمزة وحده دون الكسائي. وإنما وافقه الكسائي في هذه التي في النحل
وأطلق اللسان على القرآن؛ لأن العرب تطلق اللسان وتريد به الكلام؛ فتؤنثها وتذكرها؛
ومنه قول أعشى باهلة:
إني أتتنى لسان لا أسر بها
من علو لا عجب فيها ولا سخر
وقول الآخر :
وخنت وما حسبتك أن تخوناً
لسان الشر تهديها إلينا
وقول الآخر:
أتتنى لسان بني عامر
أحاديثها بعد قول نكر
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَجْعَل لَِّ لِسَانَ صِدْقٍ فِ الْآَخِرِينَ (٣)﴾ [الشعراء] أي ثناء حسناً
باقياً. ومن إطلاق اللسان بمعنى الكلام مذكراً قول الخطيئة:

٤٠٢
-
سورة النحل: الآيتان (١١٢ - ١١٣)
ندمت على لسان فات مني فليت بأنه في جوف عكم
قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُطْمَبِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن
كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ
وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَلِمُونَ وَّ
- قال بعض أهل العلم: إن هذا مثل ضربه الله لأهل مكة، وهو رواية العوفي عن
ابن عباس، وإليه ذهب مجاهد وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وحكاه مالك
عن الزهري - رحمهم الله -، نقله عنهم ابن كثير وغيره.
وهذه الصفات المذكورة التي اتصفت بها هذه القرية - تتفق مع صفات أهل مكة
المذكورة في القرآن؛ فقوله عن هذه القرية ﴿كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُّطْمَيِنَّةً﴾ قال نظيره عن
أهل مكة؛ كقوله: ﴿أَوَلَمْ ثُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُحْبِىَ﴾ [القصص: ٥٧]. وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْأ
أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]، وقوله: ﴿وَءَامَنَهُم مِّنْ
خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]، وقوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا
الْبَيْتَ مَثَابَةٌ لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقوله: ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ قال
نظيره عن أهل مكة أيضا؛ كقوله: ﴿يُحْبَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [القصص: ٥٧]، وقوله:
لِإِيلَفِ قُرَيْشِ ﴿ إِلَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ﴿ فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِىّ
أَطْعَمَهُم مِّن جُوعِ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ﴾﴾ [قريش]؛ فإن رحلة الشتاء كانت إلى اليمن،
ورحلة الصيف كانت إلى الشام، وكانت تأتيهم من كلتا الرحلتين أموال وأرزاق؛ ولذا
أتبع الرحلتين بامتنانه عليهم بأن أطعمهم من جوع. وقوله في دعوة إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَالَ
إِبْرَهِعُ رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا بَلَدًا ءَإِنَّا وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّعَرَتِ﴾ [البقرة: ١٢٦]، وقوله: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً
◌ِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
وقوله: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ ذكر نظيره عن أهل مكة في آيات كثيرة، كقوله:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اَلَّهِ كُفْرَا وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٤٨)﴾ [إبراهيم].
وقد قدمنا طرفاً من ذلك في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ
◌ُكِرُونَا﴾.
وقوله: ﴿فَأَذَقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ وقع نظيره قطعاً
لأهل مكة؛ لما لجوا في الكفر والعناد، ودعا عليهم رسول الله وَ القول، وقال: ((اللهم
اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف)) فأصابتهم سنة أذهبت كل
شيء، حتى أكلوا الجيف والعلهز - وهو وبر البعير يخلط بدمه إذا نحروه ـ وأصابهم
الخوف الشديد بعد الأمن؛ وذلك الخوف من جيوش رسول الله وثر، وغزواته وبعوثه
وسراياه، وهذا الجوع والخوف أشار لهما القرآن على بعض التفسيرات، فقد فسر ابن
مسعود آية الدخان بما يدل على ذلك.

٤٠٣
سورة النحل: الآيتان (١١٢ - ١١٣)
قال البخاري في صحيحه: باب ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ
[الدخان] فارتقب: فانتظر. حدثنا عبدان، عن أبي حمزة، عن الأعمش، عن مسلم، عن
مسروق، عن عبد الله قال: مضى خمس: الدخان، والروم، والقمر، والبطشة،
واللزام. ﴿يَغْشَى النَّاسِّ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾﴾ [الدخان] حدثنا يحيى، حدثنا أبو معاوية،
عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق قال: قال عبد الله: إنما كان هذا لأن قريشاً لما
استعصوا على النبي ◌َّل﴿ دعا بسنين كسني يوسف؛ فأصابهم قحط وجهد، حتى أكلوا
العظام؛ فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد؛
يَغْشَى النَّاسَّ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ
١٠
فأنزل الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ
[الدخان] فأتى رسول الله و ﴿ فقيل: يا رسول الله، استسق الله لمضر، فإنها قد
هلكت! قال: ((لمضر! إنك لجريء!)) فاستسقى فسقوا؛ فنزلت ﴿إِنَّكُمُ عَبِدُونَ﴾
[الدخان: ١٥] فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية؛ فأنزل الله
عز وجل: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىّ إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (٣)﴾ [الدخان] يعني يوم بدر.
باب قوله تعالى: ﴿رَّبَّنَا أَكْثِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (٣)﴾ [الدخان] حدثنا يحيى،
حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: دخلت على عبد الله
فقال: إن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم، إن الله قال لنبيه وَله: ﴿قُلْ مَا
أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنْ مِنَ الْمُكَلِفِينَ ﴾﴾ [ص] إن قريشاً لما غلبوا النبي ◌َّل واستعصوا
عليه قال: ((اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف)) فأخذتهم سنة أكلوا فيها العظام
والميتة من الجهد، حتى جعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من
الجوع، ﴿رَّبَّنَا أَكْثِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ﴾﴾ [الدخان] فقيل له: إن كشفنا عنهم
عادوا؛ فدعا ربه فكشف عنهم فعادوا، فانتقم الله منهم يوم بدر؛ فذلك قوله: ﴿يَوْمَ تَأْتِى
السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] إلى قوله جل ذكره: ﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]،
انتهى بلفظه من صحيح البخاري.
وفي تفسير ابن مسعود وهبه لهذه الآية الكريمة ما يدل دلالة واضحة أن ما أذيقت
هذه القرية المذكورة في سورة النحل من لباس الجوع أذيقه أهل مكة، حتى أكلوا
العظام، وصار الرجل منهم يتخيل له مثل الدخان من شدة الجوع. وهذا التفسير من ابن
مسعود ظه له حكم الرفع؛ لما تقرر في علم الحديث من أن تفسير الصحابي بسبب
النزول له حكم الرفع، كما أشار له صاحب (طلعة الأنوار) بقوله:
تفسير صاحب له تعلق
بالسبب الرفع له محقق
وكما هو معروف عند أهل العلم. وقد قدمنا ذلك في سورة البقرة في الكلام على
قوله تعالى: ﴿فَأَتُهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وقد ثبت في صحيح مسلم أن الدخان من أشراط الساعة، ولا مانع من حمل
:

٤٠٤-
سورة النحل: الآيتان (١١٢ - ١١٣)
الآية الكريمة على الدخانين: الدخان الذي مضى، والدخان المستقبل - جمعاً بين
الأدلة - وقد قدمنا أن التفسيرات المتعددة في الآية إن كان يمكن حمل الآية على
جميعها فهو أولى، وقد قدمنا أن ذلك هو الذي حققه أبو العباس ابن تيمية تظلُّهُ في
رسالته في علوم القرآن بأدلته.
وأما الخوف المذكور في آية النحل، فقد ذكر - جل وعلا - مثله عن أهل مكة
أيضاً على بعضٍ تفسيرات الآية الكريمة التي هي: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيُهُمْ بِمَا
صَنَعُواْ فَارِعَةُ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دَارِهِمْ﴾ [الرعد: ٣١] فقد جاء عن جماعة من السلف تفسير
القارعة التي تصيبهم بسرية من سرايا رسول الله مَ ر. قال صاحب (الدر المنثور) أخرج
الفريابي وابن جرير، وابن مردويه من طريق عكرمة، عن ابن عباس ◌ًا في قوله:
﴿تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ فَارِعَةٌ﴾ قال: السرايا. وأخرج الطيالسي وابن جرير، وابن المنذر،
وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، من طريق سعيد بن
جبير ◌َّهِ، عن ابن عباس ◌َّها في قوله: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ﴾
قال: سرية ﴿أَوَ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ﴾ قال: أنت يا محمد ﴿حَتَّى بَأْنِىَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ قال فتح
مكة. وأخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد ظُه في قوله: ﴿تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ فَارِعَةٌ﴾ قال
سرية من سرايا رسول الله وَل﴾ ﴿أَوْ تَحُلُّ﴾ يا محمد ﴿قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ﴾. وأخرج ابن أبي
شيبة وابن جرير، وابن المنذر وأبو الشيخ، والبيهقي في الدلائل، عن مجاهد (
قال: ﴿اَلْقَارِعَةُ﴾ السرايا ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ﴾ قال الحديبية ﴿حَتَّى يَأِْىَ وَعْدُ اللَّهِ﴾
قال: فتح مكة. وأخرج ابن جرير عن عكرمة ◌ُبه في قوله: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾
[الحج: ٥٥] - نزلت بالمدينة في سرايا النبي صل﴾، أو تحل أنت يا محمد قريباً من
دارهم، أهـ محل الغرض منه.
فهذا التفسير المذكور في آية الرعد هذه، والتفسير المذكور قبله في آية الدخان يدل
على أن أهل مكة أبدلوا بعد سعة الرزق بالجوع وبعد الأمن والطمأنينة بالخوف، كما قال
في القرية المذكورة ﴿كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُطْمَبِنَّةُ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ
اللَّهِ فَذَقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾، وقوله في القرية المذكورة
﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ﴾ ... الآية، لا يخفى أنه قال مثل ذلك عن قريش في
آيات كثيرة، كقوله: ﴿لَقَدْ جَءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقوله: ﴿لَقَدْ
مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
والآيات المصرحة بكفرهم وعنادهم كثيرة جدًّا؛ كقوله: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَحِدًّا إِنَّ
هَذَا لَشَىُْ عُجَابٌ ﴿ وَأَنْطَلَقَ الْعَلَأُ مِنْهُمْ أَنْ أَمْشُواْ وَأَصْبِرُواْ عَلَى ءَالِهَتِكُمْ﴾ [ص: ٥ - ٦]، وقوله:
﴿وَإِذَا رَأَوَكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِى بَعَكَ اللَّهُ رَسُولًا ﴿﴿ إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ
ءَالِهَقِّنَا لَوْلَا أَنْ صَبْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان: ٤١ - ٤٢]، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًّا.

٤٠٥
سورة النحل: الآيتان (١١٢ - ١١٣) ---
فمجموع ما ذكرنا يؤيد قول من قال: إن المراد بهذه القرية المضروبة مثلاً في آية
النحل هذه: هي مكة. وروي عن حفصة وغيرها: أنها المدينة، قالت ذلك لما بلغها
قتل عثمان ظه. وقال بعض العلماء: هي قرية غير معينة، ضربها الله مثلاً للتخويف
من مقابلة نعمة الأمن والاطمئنان والرزق، بالكفر والطغيان. وقال من قال بهذا القول:
إنه يدل عليه تنكير القرية في الآية الكريمة في قوله: ﴿وَضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ ... الآية.
قال مقيده - عفا الله عنه -: وعلى كل حال، فيجب على كل عاقل أن يعتبر بهذا
المثل، وألا يقابل نعم الله بالكفر والطغيان؛ لئلا يحل به ما حل بهذه القرية المذكورة،
ولكن الأمثال لا يعقلها عن الله إلا من أعطاه الله علماً؛ لقوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ
نَضْرِيُّهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّ الْعَلِمُونَ ﴾﴾ [العنكبوت].
وفي قوله في هذه الآية الكريمة ((قرية)) وجهان من الإعراب.
أحدهما: أنه بدل من قوله ((مثلاً))، الثاني: أن ((ضرب)) مضمن معنى جعل، وأن
((قرية)) هي المفعول الأول، و((مثلاً)) المفعول الثاني. وإنما أخرت قرية لئلا يقع الفصل
بينها وبين صفاتها المذكورة في قوله: ﴿كَانَتْ ءَامِنَةٌ﴾ ... إلخ.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿مُطْمَيِنَّةً﴾ أي لا يزعجها خوف لأن الطمأنينة مع
الأمن، والانزعاج والقلق مع الخوف.
وقوله: ﴿رَغَدًا﴾ أي واسعاً لذيذاً. و((الأنعم)) قيل جمع نعمة كشدة وأشد. أو
على ترك الاعتداد بالتاء؛ كدرع وأدرع. أو جمع نعم كبؤس وأبؤس، كما تقدم في
سورة الأنعام في الكلام على قوله: ﴿حَّى يَبْلُغَ أَشُدَّمُ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف، هو أن يقال: كيف أوقع الإذاقة على
اللباس في قوله: ﴿فَأَذَقَهَا اَللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾. وروي أن ابن الراوندي الزنديق
قال لابن الأعرابي إمام اللغة والأدب: هل يذاق اللباس؟! يريد الطعن في قوله تعالى:
﴿فَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ﴾. فقال له ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس! هب أن
محمداً وَ يّ ما كان نبياً! أما كان عربياً؟
قال مقيده - عفا الله عنه -: والجواب عن هذا السؤال ظاهر، وهو أنه أطلق اسم
اللباس على ما أصابهم من الجوع والخوف؛ لأن آثار الجوع والخوف تظهر على
أبدانهم، وتحيط بها كاللباس. ومن حيث وجدانهم ذلك اللباس المعبر به عن آثار
الجوع والخوف أوقع عليه الإذاقة، فلا حاجة إلى ما يذكره البيانيون من الاستعارات في
هذه الآية الكريمة. وقد أوضحنا في رسالتنا التي سميناها (منع جواز المجاز في المنزل
للتعبد والإعجاز) أنه لا يجوز لأحد أن يقول: إن في القرآن مجازاً، وأوضحنا ذلك
بأدلته، وبينا أن ما يسميه البيانيون مجازاً أنه أسلوب من أساليب اللغة العربية.
وقد اختلف أهل البيان في هذه الآية، فبعضهم يقول: فيها استعارة مجردة؛ يعنون

٤٠٦ -
سورة النحل: (١١٦)
أنها جيء فيها بما يلائم المستعار له. وذلك في زعمهم أنه استعار اللباس لما غشيهم
من بعض الحوادث كالجوع والخوف، بجامع اشتماله عليهم کاشتمال اللباس على
اللابس على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية التحقيقية، ثم ذكر الوصف الذي هو
الإذاقة ملائماً للمستعار له الذي هو الجوع والخوف؛ لأن إطلاق الذوق على وجدان
الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة لكثرة الاستعمال؛ فيقولون: ذاق البؤس
والضر، وأذاقه غيره إياهما، فكانت الاستعارة مجردة لذكر ما يلائم المستعار له، الذي
هو المشبه في الأصل في التشبيه الذي هو أصل الاستعارة. ولو أريد ترشيح هذه
الاستعارة في زعمهم لقيل: فكساها؛ لأن الإتيان بما يلائم المستعار منه الذي هو
المشبه به في التشبيه الذي هو أصل الاستعارة يسمى ((ترشيحاً))، والكسوة تلائم اللباس،
فذكرها ترشيح للاستعارة. قالوا: وإن كانت الاستعارة المرشحة أبلغ من المجردة،
فتجريد الاستعارة في الآية أبلغ؛ من حيث إنه روعي المستعار له الذي هو الخوف
والجوع، بذكر الإذاقة المناسبة لذلك ليزداد الكلام وضوحاً.
وقال بعضهم: هي استعارة مبنية على استعارة؛ فإنه أولاً استعار لما يظهر على
أبدانهم من الاصفرار والذبول والنحول اسم اللباس، بجامع الإحاطة بالشيء والاشتمال
عليه، فصار اسم اللباس مستعاراً لآثار الجوع والخوف على أبدانهم، ثم استعار اسم
الإذاقة لما يجدونه من ألم ذلك الجوع والخوف المعبر عنه باللباس، بجامع التعرف
والاختبار في كل من الذوق بالفم، ووجود الألم من الجوع والخوف؛ وعليه ففي اللباس
استعارة أصلية كما ذكرنا. وفي الإذاقة المستعارة لمس ألم الجوع والخوف استعارة تبعية.
وقد ألممنا هنا بطرف قليل من كلام البيانيين هنا ليفهم الناظر مرادهم، مع أن
التحقيق الذي لا شك فيه أن كل ذلك لا فائدة فيه، ولا طائل تحته، وأن العرب تطلق
الإذاقة على الذوق وعلى غيره من وجود الألم واللذة، وأنها تطلق اللباس على
المعروف، وتطلقه على غيره مما فيه معنى اللباس من الاشتمال، كقوله: ﴿هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ
وَأَنْتُمْ لِبَاسُ لَّهُنَّ﴾، وقول الأعشى:
تثنت عليه فكانت لباسا
إذا ما الضجيع ثنى عطفها
وكلها أساليب عربية. ولا إشكال في أنه إذا أطلق اللباس على مؤثر مؤلم يحيط
بالشخص إحاطة اللباس، فلا مانع من إيقاع الإذاقة على ذلك الألم المحيط المعبر عنه
باسم اللباس، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَنُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلٌ: وَهَذَا حَرَامٌ لِنَفْتَرُواْ عَلَى
اللَّهِ الْكَذِبِ﴾. نهى الله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة الكفار عن تحريم ما أحل الله
من رزقه، مما شرع لهم عمرو بن لحي - لعنه الله - من تحريم ما أحل الله.
وقد أوضح - جل وعلا - هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله: ﴿قُلّ هَلُمَ شُهَدَآءَ كُمُ الَّذِينَ

٤٠٧
سورة النحل: (١١٦)
يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَزَّمَ هَذَا فَإِنِ شَهِدُواْ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠]، وقوله: ﴿قُلْ
أَرَ يْتُم ◌َّا أَنزَلَ اَللَّهُ لَكُمْ مِّنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلًا قُلْ ءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ
تَفْتُّونَ ﴿َ﴾ [يونس]، وقوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَدَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَزَّمُواْ مَا
رَزَقَهُمُ اللَّهُ أَفْتِرَآءَ عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ (٣٥)﴾ [الأنعام]، وقوله: ﴿وَقَالُواْ
مَا فِى بُطُونِ هَذِهِ الْأَنَْمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَزَّمُ عَلَىّ أَزْوَجِنَا﴾ ... الآية [الأنعام:
١٣٩]، وقوله: ﴿وَقَالُواْ هَذِهِةٍ أَنْعَهُ وَحَرْثُ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعِْهِمْ﴾
[الأنعام: ١٣٨]. وقوله: ﴿حِجْرٌ﴾ أي حرام، إلى غير ذلك من الآيات، كما تقدم.
وفي قوله: ﴿اَلْكَذِبَ﴾ أوجه من الإعراب:
أحدها: أنه منصوب بـ ((تقولوا))؛ أي لا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم من
رزق الله بالحل والحرمة؛ كما ذكر في الآيات المذكورة آنفاً من غير استناد ذلك
الوصف إلى دليل، واللام مثلها في قولك: لا تقولوا لما أحل الله: هو حرام. وكقوله:
﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ الَّهِ أَمْوَتُ﴾ [البقرة: ١٥٤]. وجملة ((هذا حلال وهذا حرام))
بدل من ((الكذب)) وقيل: إن الجملة المذكورة في محل نصب بـ ((تصف)) بتضمينها معنى
تقول؛ أي: ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم، فتقول هذا حلال وهذا حرام.
وقيل: ((الكذب)) مفعول به لـ((تصف)). و((ما)) مصدرية، وجملة ((هذا حلال وهذا حرام))
متعلقة بـ((لا تقولوا)) أي لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب؛ أي لا
تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم، ويجول في أفواهكم؛ لا لأجل حجة
وبينة - قاله صاحب الكشاف. وقيل: ((الكذب)) بدل من هاء المفعول المحذوفة؛ أي لما
تصفه ألسنتكم الكذب.
يتورعون عن قولهم: هذا حلال وهذا حرام؛
تنبيه: كان السلف الصالح
خوفاً من هذه الآيات.
قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: قال الدارمي أبو محمد في مسنده:
أخبرنا هارون، عن حفص، عن الأعمش قال: ما سمعت إبراهيم قط يقول: حلال ولا
حرام، ولكن كان يقول: كانوا يكرهون، وكانوا يستحبون.
وقال ابن وهب: قال مالك: لم يكن من فتيا الناس أن يقولوا: هذا حلال وهذا
حرام، ولكن يقولوا: إياكم كذا وكذا، ولم أكن لأصنع هذا. انتهى.
وقال الزمخشري: واللام في قوله: ﴿لِتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبَّ﴾ من التعليل الذي لا
يتضمن معنى الفرض، اهـ. وكثير من العلماء يقولون: هي لام العاقبة. والبيانيون
يزعمون أن حرف التعليل كاللام إذا لم تقصد به علة غائبة؛ كقوله: ﴿فَلْنَقَطَهُمْ ءَالُ
فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًا﴾ [القصص: ٨]، وقوله هنا: ﴿لِّنَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَّ﴾ أن في
ذلك استعارة تبعية في معنى الحرف.

٤٠٨
سورة النحل: الآيتان (١١٧ - ١١٨)
قال مقيده - عفا الله عنه -: بل كل ذلك من أساليب اللغة العربية. فمن أساليبها:
الإتيان بحرف التعليل للدلالة على العلة الغائبة؛ كقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ وَالْمِيزَانَ
لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]. ومن أساليبها الإتيان باللام للدلالة على ترتب أمر
على أمر، كترتيب المعلول على علته الغائبة. وهذا الأخير كقوله: ﴿فَلْنَقْطَهُ: ءَالُ
فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]؛ لأن العلة الغائبة الباعثة لهم على
التقاطه ليست هي أن يكون لهم عدواً، بل ليكون لهم قرة عين؛ كما قالت امرأة
فرعون: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِّ وَلَكَّ لَا نَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَآَ أَوْ نَتَّخِذَمُ. وَلَدًا﴾ [القصص: ٩] ولكن
لما كان كونه عدواً لهم وحزناً يترتب على التقاطهم له؛ كترتيب المعلول على علته
الغائبة - عبر فيه باللام الدالة على ترتيب المعلول على العلة. وهذا أسلوب عربي، فلا
حاجة إلى ما يطيل به البيانيون في مثل هذا المبحث.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ® مَتَعُ فَلِلٌ وَلَمْ عَذَابُ
أَلِيمٌ ﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الذين يفترون عليه الكذب - أي
يختلقونه عليه - كدعواهم أنه حرم هذا وهو لم يحرمه، ودعواهم له الشركاء والأولاد لا
يفلحون؛ لأنهم في الدنيا لا ينالون إلا متاعاً قليلاً لا أهمية له، وفي الآخرة يعذبون
العذاب العظيم، الشديد المؤلم.
وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر كقوله في يونس: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ
عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ
مَتَعٌ فِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ
الشَدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ
[يونس]، وقوله: ﴿نُمِنِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ
٧٠
غَلِيظٍ (3)﴾ [لقمان]، وقوله: ﴿قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمْتِعُمُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ: إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ
اَلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ١٢٦]، إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله: ﴿مَتَعٌ قَلِيلٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي متاعهم في الدنيا متاع قليل. وقال
الزمخشري: منفعتهم في الدنيا متاع قليل. وقوله: ﴿لَا يُفْلِحُونَ﴾ أي لا ينالون الفلاح،
وهو يطلق على معنيين: أحدهما: الفوز بالمطلوب الأكبر. والثاني: البقاء السرمدي؛
كما تقدم بشواهده.
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِيْنَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيَّكَ مِن قَبْلٌ﴾، هذا المحرم عليهم،
المقصوص عليه من قبل المحال عليه هنا هو المذكور في سورة الأنعام في قوله: ﴿وَعَلَى
الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى تُفِّرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيَّهِمْ شُحُومَهُمَاً إِلَّا مَا حَمَلَتْ
ظُهُورُهُمَآ أَوِ الْحَوَايَآ أَوْ مَا أَخْتَلَطَ بِعَظْهٍ ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِبَغْيِهِمٌ وَإِنَّا لَصَدِّقُونَ (٢٦)﴾ [الأنعام: ١٤٦].
وجملة المحرمات عليهم في هذه الآية الكريمة ظاهرة، وهو كل ذي ظفر: كالنعامة
والبعير، والشحم الخالص من البقر والغنم ـ وهو الثروب - وشحم الكلى، أما الشحم
الذي على الظهر، والذي في الحوايا وهي الأمعاء، والمختلط بعظم كلحم الذنب وغيره
من الشحوم المختلطة بالعظام فهو حلال لهم؛ كما هو واضح من الآية الكريمة.

٤٠٩
سورة النحل: الآيات (١٢٠ - ١٢٣).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (gَ شَاكِرًا
لِأَنْعُمِِّ اجْتَبَّهُ وَهَدَنْهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾﴾. أثنى الله - جل وعلا - في هاتين الآيتين
الكريمتين على نبيه إبراهيم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام -: بأنه أمة؛ أي إمام
مقتدى به، يعلم الناس الخير؛ كما قال تعالى: ﴿إِنِّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]،
وأنه قانت لله، أي مطيع له. وأنه لم يكن من المشركين، وأنه شاكر لأنعم الله، وأن الله
اجتباه، أي اختاره واصطفاه، وأنه هداه إلى صراط مستقيم.
وكرر هذا الثناء عليه في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَإِبْرَهِيمَ اُلَّذِى وَفَّىَّ (4)﴾ [النجم]،
وقوله: ﴿وَإِذْ أَبْتَّ إِرَهِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَةٍ فَأَتَمَّهُنِّ قَالَ إِنِّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]،
(٥)﴾ [الأنبياء]، وقوله :
وقوله: ﴿﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَآ إِتَزْهِيَمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ، عَلِمِينَ
﴿وَكَذَلِكَ نُرِىَ إِنْزَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (١٥)﴾ [الأنعام]، وقوله
٧٩
عنه: ﴿إِنِّ وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى نَطَرَ الشَّمَوَنِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[الأنعام]، وقوله: ﴿مَا كَانَ إِنَهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ (٣)﴾ [آل عمران] وقوله: ﴿﴿ وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ، لَا تَزَهِيمَ (٨) إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْسٍ
[الصافات] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة فى الثناء عليه.
سَلِيمٍ (َهَا﴾
وقد قدمنا معانى ((الأمة)) في القرآن.
قوله تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَهُ فِ الذُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾. قال بعض العلماء: الحسنة التي آتاه الله
في الدنيا: الذرية الطيبة، والثناء الحسن. ويستأنس لهذا بأن الله بيّن أنه أعطاه بسبب
إخلاصه لله، واعتزاله أهل الشرك: الذرية الطيبة. وأشار أيضاً لأنه جعل له ثناء حسناً
باقياً في الدنيا، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أُعْتََّهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُمْ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٌ
وَكُلََّ جَعَلْنَا فَبِيًّا (٨٧) وَوَهَبْنَا لَهُ مِّن رَّحْمَئِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (®َ﴾ [مريم]، وقال:
﴿وَجَعَلْنَا فِىِ ذُرِيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَبَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]، وقال: ﴿وَأَجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِ
(٨٤) [الشعراء].
الْأَخرينَ
١١٢٣
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ أَبِعُ مِلَّةَ إِبْزَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
ذكر الله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه أوحى إلى نبينا وَّه الأمر باتباع ملة
إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين. وبين هذا أيضاً في غير هذا الموضع كقوله: ﴿قُلّ
إِنَّنِ هَدَنِ رَبِ إِلَى صِرَطٍ تُسْتَقِيمٍ دِينًا فِيَّمًا مِلَّةَ إِنْزَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
١٦١
[الأنعام]، وقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَرْكَعُواْ وَأَسْخُذُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَأَفْعَلُواْ الْخَبْرَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ ﴾﴾ إلى قوله: ﴿وَجَهِدُواْ فِ اَللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، هُوَ اجْتَبَنكُمْ وَمَا جَعَلَ
عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجَّ قِلَّةَ أَبِكُمْ إِنَزَهِيٍّ هُوَ سَمَّنَكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ
شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِنَّ فَأَقِيمُواْ الصَلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَعْتَصِمُواْ بِلَّهِ هُوَ مَوْلَئِكُنْ
فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (﴾﴾ [الحج: ٧٧ - ٧٨] الآية، وقوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ

٤١٠
سورة النحل: الآية (١٢٥)
فِىّ إِنْزَهِيمَ﴾ [الممتحنة: ٤]، إلى غير ذلك من الآيات، والملة: الشريعة. والحنيف:
المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق. وأصله من الحنف: وهو اعوجاج الرجلين؛
يقال: برجله حنف؛ أي اعوجاج. ومنه قول أم الأحنف بن قيس ترقصه وهو صبي:
والله لولا حنف برجله ما كان في فتيانكم من مثله
وقوله: ((حنيفاً)) حال من المضاف إليه؛ على حد قول ابن مالك في الخلاصة:
ما كان جزء ما له أضيفا أو مثل جزئه فلا تحيفا
لأن المضاف هنا وهو ((ملة)) كالجزء من المضاف إليه وهو ((إبراهيم))؛ لأنه لو
حذف لبقي المعنى تامًّا؛ لأن قولنا: أن اتبع إبراهيم، كلام تام المعنى كما هو ظاهر،
وهذا هو مراده بكونه مثل جزئه.
قوله تعالى: ﴿وَحَدِلْهُمْ بِلَّتِ هِىَ أَحْسَنُ﴾. أمر الله - جل وعلا - نبيه وَّ في هذه
الآية الكريمة: أن يجادل خصومه بالطريق التي هي أحسنٍ طرق المجادلة من إيضاح
الحق بالرفق واللين. وعن مجاهد ﴿وَحَدِلْهُم بِالَّتِ هِىَ أَحْسَنٌ﴾ قال: أعرض عن أذاهم.
وقد أشار إلى هذا المعنى في قوله: ﴿وَلَا تُحَدِلُواْ أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّا بِلَِّى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا
الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمٌ﴾ [العنكبوت: ٤٦] أي إلا الذين نصبوا للمؤمنين الحرب فجادلهم
بالسيف حتى يؤمنوا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
٤
ونظير ما ذكر هنا من المجادلة بالتي هي أحسن: قوله لموسى وهرون في شأن
فرعون ﴿فَقُولَا لَهُ فَلَا لَيْنَا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾﴾ [طه]. ومن ذلك القول اللين؛ قول
،﴾﴾ [النازعات].
وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَخْشَى (
موسى له: ﴿هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَزََّّ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه أعلم بمن ضل عن سبيله؛ أي زاغ
عن طريق الصواب والحق، إلى طريق الكفر والضلال.
وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله في أول القلم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ
فَلاَ
[القلم]، وقوله في
الْمُكَذِّبِینَ
تُطِعِ
٧
بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ (
الأنعام: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُ عَن سَبِيلٍ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ (٣٧)﴾ [الأنعام]، وقوله
في النجم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ أُهْتَدَى﴾ [النجم: ٣٠]
والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًّا .
والظاهر أن صيغة التفضيل التي هي ((أعلم)) في هذه الآيات يراد بها مطلق
الوصف لا التفضيل؛ لأن الله لا يشاركه أحد في علم ما يصير إليه خلقه من شقاوة
وسعادة، فهي كقول الشنفري:
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن
أي لم أكن بعجلهم، وقول الفرزدق:
بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل

٤١١
سورة النحل: الآية (١٢٦).
إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتاً دعائمه أعز وأطول
أي عزيزة طويلة.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ، وَلَيْنْ صَبَّرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ
لِلصَّبِينَ (٣)﴾. نزلت هذه الآية الكريمة من سورة النحل بالمدينة، في تمثيل المشركين
بحمزة ومن قتل معه يوم أحد. فقال المسلمون: لئن أظفرنا الله بهم لنمثلن بهم؛ فنزلت
الآية الكريمة، فصبروا لقوله تعالى: ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِّلِضَّبِينَ﴾ مع أن سورة النحل مكية،
إلا هذه الآيات الثلاث من آخرها. والآية فيها جواز الانتقام والإرشاد إلى أفضلية
العفو. وقد ذكر تعالى هذا المعنى في القرآن، كقوله: ﴿وَحَزَّوُاْ سَفِئَةٍ سَفِئَةٌ مِثْلُهَاْ فَمَنْ عَفَا
وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى اللّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، وقوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَّصَذَّفَ بِهِ، فَهُوَ
كَفَارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقوله: ﴿وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ نُظُلْمِهِ، فَأُوْلَكَ مَا عَلَيْهِم مِّنِ سَبِيلٍ
٤١
إلى قوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَّرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُرِ ﴾﴾، وقوله: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ
بِالسُّوْءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوٍّ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾
[النساء: ١٤٨ - ١٤٩] كما قدمنا.
مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة:
المسألة الأولى: يؤخذ من هذه الآية حكم مسألة الظفر، وهي أنك إن ظلمك إنسان
بأن أخذ شيئاً من مالك بغير الوجه الشرعي ولم يمكن لك إثباته، وقدرت له على مثل ما
ظلمك به على وجه تأمن معه الفضيحة والعقوبة؛ فهل لك أن تأخذ قدر حقك أو لا؟.
أصح القولين، وأجراهما على ظواهر النصوص وعلى القياس أن لك أن تأخذ
قدر حقك من غير زيادة؛ لقوله تعالى في هذه الآية: ﴿فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم
بِهٌِ﴾ ... الآية، وقوله: ﴿فَأَعْتَدُواْ عَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
وممن قال بهذا القول: ابن سيرين وإبراهيم النخعي، وسفيان ومجاهد، وغيرهم.
وقالت طائفة من العلماء منهم مالك: لا يجوز ذلك؛ وعليه درج خليل بن إسحاق
المالكي في مختصره بقوله في الوديعة: وليس له الأخذ منها لمن ظلمه بمثلها .
واحتج من قال بهذا القول بحديث ((أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من
خانك))، اهـ. وهذا الحديث على فرض صحته لا ينهض الاستدلال به؛ لأن من أخذ
قدر حقه ولم يزد عليه لم يخن من خانه، وإنما أنصف نفسه ممن ظلمه.
المسألة الثانية: أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة المماثلة في القصاص،
فمن قتل بحديدة قتل بها، ومن قتل بحجر قتل به. ويؤيده ((رضه مَّل رأس يهودي بين
حجرين قصاصاً لجارية فعل بها مثل ذلك)).
وهذا قول أكثر أهل العلم خلافاً لأبي حنيفة ومن وافقه، زاعماً أن القتل بغير

٤١٢ -
سورة النحل: الآيتان (١٢٧ - ١٢٨)
المحدد شبه عمد، لا عمد صريح حتى يجب فيه القصاص. وسيأتي لهذا - إن شاء الله
- تعالى زيادة إيضاح في سورة الإسراء.
المسألة الثالثة: أطلق - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة اسم العقوبة على
الجناية الأولى في قوله: ﴿بِمِثْلِ مَا عُوفِبْتُم بِهٍِ﴾ والجناية الأولى ليست عقوبة؛ لأن
القرآن بلسان عربي مبين، ومن أساليب اللغة العربية المشاكلة بين الألفاظ؛ فيؤدي لفظ
بغير معناه الموضوع له مشاكلة للفظ آخر مقترن به في الكلام؛ كقول الشاعر:
قالوا اقترح شيئاً نجد لك طبخه قلت اطبخوا لى جبة وقميصا
أي خيطوا لي، وقال بعض العلماء: ومنه قول جرير:
فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
هذي الأرامل قد قضيت حاجتها
بناء على القول بأن الأرامل لا تطلق في اللغة إلا على الإناث.
ونظير الآية الكريمة في إطلاق إحدى العقوبتين على ابتداء الفعل مشاكلة للفظ
الآخر، قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِّبَ بِهِ، ثُمَّ بُفِىَ عَلَيْهِ﴾ ... الآية
[الحج: ٦٠]، ونحوه أيضاً:
قوله: ﴿وَجَزَّوْاْ سِئَةٍ سَفِئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] مع أن القصاص ليس بسيئة وقوله:
﴿فَمَنِ أُعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤]؛ لأن القصاص من المعتدى أيضاً ليس
باعتداء كما هو ظاهر، وإنما أدى بغير لفظه للمشاكلة بين اللفظين:
قوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهُ﴾ ذكر - جل وعلا - في هذه الآية
الكريمة أنه وسلـ مأمور بالصبر، وأنه لا يمتثل ذلك الأمر بالصبر إلا بإعانة الله وتوفيقه؛
لقوله: ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ وأشار لهذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿وَمَا
يُلَقَّنِهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّنَهَا إِلَّ ذُو حَظٍ عَظِيمٍ (٥)﴾ [فصلت]؛ لأن قوله: ﴿وَمَا
يُلَقَّنِهَا إِلَّا ذُو حَظٍ﴾ [فصلت: ٣٥]، معناه أن خصلة الصبر لا يلقاها إلا من كان له
عند الله الحظ الأكبر والنصيب الأوفر، بفضل الله عليه، وتيسير ذلك له.
(١٢٨)
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللََّ مَعَ الَّذِينَ أَنَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم تُحْسِنُونَ
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه مع عباده المتقين المحسنين، وقد
تقدم إيضاح معنى التقوى والإحسان، وهذه المعية خاصة بعباده المؤمنين، وهي بالإعانة
والنصر والتوفيق، وكرر هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ
وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، وقوله: ﴿إِذْ يُوجِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَبِكَةِ أَنِّ مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ١٢]، وقوله:
﴿لَا تَحْزَّنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَاً﴾ [التوبة: ٤٠] وقوله: ﴿قَالَ كَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِي سَيَهْدِينِ
٦٣
[الشعراء]، إلى غير ذلك من الآيات.
وأما المعية العامة لجميع الخلق فهي بالإحاطة التامة والعلم، ونفوذ القدرة،
وكون الجميع في قبضته - جل وعلا - فالكائنات في يده - جل وعلا - أصغر من حبة

٤١٣
سورة الإسراء: الآية (١)
خردل، وهذه هي المذكورة أيضاً في آيات كثيرة؛ كقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِن تَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا
هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَاَ أَدْفَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة:
٧]، وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقوله: ﴿فَلَقُضَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلٍَّ وَمَا كُنَاً
غَبِبِينَ ﴾﴾ [الأعراف] وقوله: ﴿وَمَا تَكُنُ فِى شَأَنٍ وَمَا نَثْلُواْ مِنْهُ مِنْ قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ
عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيةٍ﴾ [يونس: ٦١]، إلى غير ذلك من الآيات.
فهو - جل وعلا - مستو على عرشه كما قال، على الكيفية اللائقة بكماله وجلاله،
وهو محيط بخلقه، كلهم في قبضة يده، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في
السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أکبر إلا في کتاب مبین.
براس الرحمن الرحيم
سُورة الإسراء
قوله تعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا ... ﴾
الآية. قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض
العلماء في الآية قولاً ويكون في الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول، فإنا نبين ذلك،
فإذا علمت ذلك، فاعلم أن هذا الإسراء به ◌َله المذكور في هذه الآية الكريمة، زعم بعض أهل
العلم أنه بروحه و * دون جسده، زاعماً أنه في المنام لا اليقظة؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي.
وزعم بعضهم أن الإسراء بالجسد، والمعراج بالروح دون الجسد. ولكن ظاهر
القرآن يدل على أنه بروحه وجسده و ل﴿ يقظة لا مناماً؛ لأنه قال: ﴿بِعَبْدِهِ،﴾ والعبد عبارة
عن مجموع الروح والجسد؛ ولأنه قال: ﴿سُبْحَ﴾ والتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام،
فلو كان مناماً لم يكن له كبير شأن حتى يتعجب منه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا
◌َى (٣)﴾ [النجم]؛ لأن البصر من آلات الذات لا الروح، وقوله هنا: ﴿لِثُرِيَهُ مِنْ ءَايِنَا﴾.
ومن أوضح الأدلة القرآنية على ذلك قوله - جل وعلا -: ﴿وَمَا جَعَلْنَا اُلُّغْيَا الَّتِىّ
أَرَبْنَكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِىِ الْقُرْءَانِ﴾ فإنها رؤيا عين يقظة لا رؤيا منام، كما
صح عن ابن عباس وغيره.
ومن الأدلة الواضحة على ذلك أنها لو كانت رؤيا منام لما كانت فتنة، ولا سبباً
لتكذيب قريش؛ لأن رؤيا المنام ليست محل إنكار؛ لأن المنام قد يرى فيه ما لا يصح،
فالذي جعله الله فتنة هو ما رآه بعينه من الغرائب والعجائب؛ فزعم المشركون أن من
ادعى رؤية ذلك بعينه فهو كاذب لا محالة، فصار فتنة لهم، وكون الشجرة الملعونة التي

٤١٤
سورة الإسراء: الآية (١)
هي شجرة الزقوم على التحقيق فتنة لهم أن الله لما أنزل قوله: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَّخْرُجُ فِىّ
أَصْلِ الْحَحِيمِ ﴾﴾ [الصافات] قالوا: ظهر كذبه؛ لأن الشجر لا ينبت بالأرض اليابسة،
فكيف ينبت في أصل النار! كما تقدم في البقرة.
ويؤيد ما ذكرنا من كونها رؤيا عين يقظة قوله تعالى هنا: ﴿لِيَهُ مِنْ ءَايِنَاً ... ﴾
الآية، وقوله: ﴿مَا زَاعَ الْبَصَرُ وَمَا طَى ﴿ لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَ (٣)﴾ [النجم]، وما
زعمه بعض أهل العلم من أن الرؤيا لا تطلق بهذا اللفظ لغة إلا على رؤيا المنام
مردود. بل التحقيق: أن لفظ الرؤيا يطلق في لغة العرب على رؤية العين يقظة أيضاً؛
ومنه قول الراعي وهو عربي قح:
وبشر نفساً كان قبل يلومها
فكبر للرؤيا وهش فؤاده
فإنه يعني رؤية صائد بعينه. ومنه أيضاً قول أبي الطيب:
ورؤياك أحلى في العيون من الغمض
قاله صاحب (اللسان).
وزعم بعض أهل العلم أن المراد بالرؤيا في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّنْيَا الَّتِىّ
أَرَيْنَكَ ... ﴾ الآية، رؤيا منام، وأنها هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ
رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧] والحق الأول،
وركوبه و له على البراق يدل على أن الإسراء بجسمه؛ لأن الروح ليس من شأنه الركوب
على الدواب كما هو معروف، وعلى كل حال.
فقد تواترت الأحاديث الصحيحة عنه أنه أسري به من المسجد الحرام إلى
المسجد الأقصى، وأنه عرج به من المسجد الأقصى حتى جاوز السموات السبع.
وقد دلت الأحاديث المذكورة على أن الإسراء والمعراج كليهما بجسمه وروحه،
يقظة لا مناماً، كما دلت على ذلك أيضاً الآيات التي ذكرناها .
وعلى ذلك من يعتد به من أهل السنة والجماعة، فلا عبرة بمن أنكر ذلك من الملحدين.
وما ثبت في الصحيحين من طريق شريك عن أنس ظته أن الإسراء المذكور وقع
مناماً لا ينافي ما ذكرنا مما عليه أهل السنة والجماعة، ودلت عليه نصوص الكتاب
والسنة؛ لإمكان أن يكون رأى الإسراء المذكور نوماً، ثم جاءت تلك الرؤيا كفلق الصبح
فأسري به يقظة تصديقاً لتلك الرؤيا المنامية، كما رأى في النوم أنهم دخلوا المسجد
الحرام، فجاءت تلك الرؤيا كفلق الصبح فدخلوا المسجد الحرام في عمرة القضاء عام
سبع يقظة لا مناماً تصديقاً لتلك الرؤيا؛ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الزُّؤْيَا
بِآلْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اَللَّهُ ءَامِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، ويؤيد ذلك حديث عائشة
الصحيح: ((فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح)) مع أن جماعة من أهل العلم
قالوا: إِن شريك بن عبد الله بن أبي نمر ساء حفظه في تلك الرواية المذكورة عن أنس،

٤١٥
سورة الإسراء: الآية (١).
وزاد فيها ونقص، وقدم وأخر. ورواها عن أنس غيره من الحفاظ على الصواب، فلم
يذكروا المنام الذي ذكره شريك المذكور، وانظر رواياتهم بأسانيدها ومتونها في تفسير
ابن كثير - رحمه الله تعالى - فقد جمع طرق حديث الإسراء جمعاً حسناً بإتقان.
ثم قال تخلّهُ: والحق أنه - عليه الصلاة والسلام - أسري به يقظة لا مناماً من مكة
إلى بيت المقدس راكباً البراق، فلما انتهى إلى باب المسجد ربط الدابة عند الباب
ودخله فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين، ثم أتى بالمعراج وهو كالسلم ذو درج يرقى
فيها، فصعد فيه إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السموات السبع، فتلقاه من كل سماء
مقربوها، وسلم على الأنبياء الذين في السموات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مر
بموسى الكليم في السادسة، وإبراهيم الخليل في السابعة، ثم جاوز منزليهما وَلّ وعليهما
وعلى سائر الأنبياء، حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام - أي أقلام القدر -
بما هو كائن، ورأى سدرة المنتهى، وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش
من ذهب وألوان متعددة، وغشيتها الملائكة، ورأى هناك جبريل على صورته وله ستمائة
جناح، ورأى رفرفاً أخضر قد سد الأفق، ورأى البيت المعمور، وإبراهيم الخليل باني
الكعبة الأرضية مسنداً ظهره إليه؛ لأنه الكعبة السماوية يدخلها كل يوم سبعون ألفاً من
الملائكة، يتعبدون فيها ثم لا يعودون إليها إلى يوم القيامة، ورأى الجنة والنار،
وفرض الله عليه هنالك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس رحمة منه ولطفاً بعباده.
وفي هذا اعتناء بشرف الصلاة وعظمتها. ثم هبط إلى بيت المقدس، وهبط معه الأنبياء؛
فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة، ويحتمل أنها الصبح من يومئذ، ومن الناس من يزعم
أنه أمهم في السماء. والذي تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس، ولكن في بعضها
أنه كان أول دخوله إليه، والظاهر أنه بعد رجوعه إليه؛ لأنه لما مرَّ بهم في منازلهم جعل
يسأل عنهم جبريل واحداً واحداً وهو يخبره بهم، وهذا هو اللائق؛ لأنه كان أولاً مطلوباً
إلى الجناب العلوي ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى.
ثم لما فرغ من الذي أريد به اجتمع به هو وإخوانه من النبيين، ثم أظهر شرفه
وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل منظّل في ذلك، ثم خرج من
بيت المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس، والله سبحانه وتعالى أعلم، انتهى
بلفظه من تفسير الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى -.
وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: ثبت الإسراء في جميع مصنفات
الحديث، وروي عن الصحابة في كل أقطار الإسلام، فهو متواتر بهذا الوجه. وذكر
النقاش ممن رواه: عشرين صحابيًّا، ثم شرع يذكر بعض طرقه في الصحيحين وغيرهما،
وبسط قصة الإسراء، تركناه لشهرته عند العامة، وتواتره في الأحاديث.
وذكر الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى - في آخر كلامه على هذه الآية الكريمة

٤١٦
سورة الإسراء: الآية (١)
فائدتين، قال في أولاهما: فائدة حسنة جليلة، وروى الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في
كتاب (دلائل النبوة) من طريق محمد بن عمر الواقدي: حدثني مالك بن أبي الرجال،
عن عمر بن عبد الله، عن محمد بن كعب القرظي قال: بعث رسول الله وَّ دجية بن
خليفة إلى قيصر ... فذكر وروده عليه وقدومه إليه، وفي السياق دلالة عظيمة على وفور
عقل هرقل، ثم استدعى من بالشام من التجار فجيء بأبي سفيان صخر بن حرب
وأصحابه، فسألهم عن تلك المسائل المشهورة التي رواها البخاري ومسلم كما سيأتي
بيانه، وجعل أبو سفيان يجتهد أن يحقر أمره ويصغره عنده، قال في هذا السياق عن
أبي سفيان: والله ما منعني من أن أقول عليه قولاً أسقطه به من عينه إلا أني أكره أن
أكذب عنده كذبة يأخذها عليّ ولا يصدقني في شيء. قال: حتى ذكرت قوله ليلة أسري
به، قال: فقلت: أيها الملك، ألا أخبرك خبراً تعرف به أنه قد كذب. قال: وما هو؟
قال: قلت: إنه يزعم لنا أنه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة، فجاء مسجدكم هذا
مسجد إيلياء، ورجع إلينا تلك الليلة قبل الصباح. قال: وبطريق إيلياء عند رأس قيصر،
فقال: بطريق إيلياء قد علمت تلك الليلة.
قال: فنظر إليه قيصر وقال: وما علمك بهذا؟ قال: إني كنت لا أنام ليلة حتى
أغلق أبواب المسجد؛ فلما كانت تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد
غلبني، فاستعنت عليه بعمالي ومن يحضرني كلهم فغلبنا، فلم نستطع أن نحركه كأنما
نزاول به جبلاً، فدعوت إليه النجاجرة فنظروا إليه فقالوا: إن هذا الباب سقط عليه
النجاف والبنيان ولا نستطيع أن نحركه، حتى نصبح فننظر من أين أتى! قال: فرجعت
وتركت البابين مفتوحين. فلما أصبحت غدوت عليهما فإذا المجر الذي في زاوية
المسجد مثقوب؛ وإذا فيه أثر مربط الدابة. قال: فقلت لأصحابي: ما حبس هذا الباب
الليلة إلا على نبي وقد صلى الليلة في مسجدنا، اهـ.
ثم قال في الأخرى: فائدة، قال الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية في كتابه
(التنوير في مولد السراج المنير): وقد ذكر حديث الإسراء من طريق أنس وتكلم عليه
فأجاد وأفاد. ثم قال: وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء عن عمر بن الخطاب
وعلي، وابن مسعود وأبي ذر، ومالك بن صعصعة، وأبي هريرة، وأبي سعيد وابن
عباس، وشداد بن أوس، وأبي بن كعب، وعبد الرحمن بن قرط، وأبي حبة وأبي ليلى
الأنصاريين، وعبد الله بن عمرو وجابر وحذيفة، وبريدة وأبي أيوب، وأبي أمامة
وسمرة بن جندب، وأبي الحمراء وصهيب الرومي، وأم هانئ، وعائشة وأسماء ابنتي
أبي بكر الصديق ﴿ أجمعين، منهم من ساقه بطوله، ومنهم من اختصره على ما وقع
في المسانيد، وإن لم تكن رواية بعضهم على شرط الصحة، فحديث الإسراء أجمع عليه
المسلمون، وأعرض عنه الزنادقة والملحدون ﴿يُرِدُونَ لِيُْفِتُواْ نُورَ الهِ بِأَفْوَهِمْ وَاللَّهُ مُ نُورِهِه
وَلَوْ كَرِهَ اَلْكَفِرُونَ ﴾﴾ [الصف]، اهـ من ابن كثير بلفظه.

٤١٧
سورة الإسراء: الآية (١)
وقد قدمنا أن أحسن أوجه الإعراب في ((سبحان)) أنه مفعول مطلق، منصوب بفعل
محذوف؛ أي أسبح الله سبحاناً أي تسبيحاً، والتسبيح: الإبعاد عن السوء، ومعناه في
الشرع: التنزيه عن كل ما لا يليق بجلال الله وكماله، كما قدمنا. وزعم بعض أهل
العلم: أن لفظة ((سبحان)) علم للتنزيه؛ وعليه فهو علم جنس لمعنى التنزيه على حد قول
ابن مالك في الخلاصة، مشيراً إلى أن علم الجنس يكون للمعنى كما يكون للذات:
كذا فجار علم للفجرة
ومثله برة للمبرة
وعلى أنه علم، فهو ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون. والذي
يظهر لي - والله تعالى أعلم - أنه غير علم، وأن معنى ((سبحان)) تنزيهاً لله عن كل ما لا
يليق به. ولفظة ((سبحان)) من الكلمات الملازمة للإضافة، وورودها غير مضافة قليل؛
كقول الأعشي:
فقلت لما جاءني فخره
سبحان من علقمة الفاخر
ومن الأدلة على أنه غير علم، ملازمته للإضافة والأعلام تقل إضافتها، وقد
سمعت لفظة ((سبحان)) غير مضافة مع التنوين والتعريف، فمثاله مع التنوين قوله:
سبحانه ثم سبحانا نعوذ به
وقبلنا سبح الجودي والجمد
ومثاله معرفاً قول الراجز:
سبحانك اللهم ذا السبحان
والتعبير بلفظ العبد في هذا المقام العظيم يدل دلالة واضحة على أن مقام العبودية
هو أشرف صفات المخلوقين وأعظمها وأجلها؛ إذ لو كان هناك وصف أعظم منه لعبر
به في هذا المقام العظيم، الذي اخترق العبد فيه السبع الطباق، ورأى من آيات ربه
الكبرى، وقد قال الشاعر في محبوب مخلوق، ولله المثل الأعلى:
يعرفه السامع والرائي
يا قوم قلبي عند زهراء
فإنه أشرف أسمائي
لا تدعني إلا بيا عبدها
واختلف العلماء في النكتة البلاغية التي نكر من أجلها ((ليلاً)) في هذه الآية الكريمة.
قال الزمخشري في الكشاف: أراد بقوله ((ليلاً)) بلفظ التنكير تقليل مدة الإسراء،
وأنه أُسرِي به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة، وذلك أن التنكير
فيه قد دل على معنى البعضية، ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحذيفة ((من الليل)) أي بعض
الليل، كقوله: ﴿وَمِنَ الَِّلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً﴾ يعني بالقيام في بعض الليل، اهـ واعترض
بعض أهل العلم هذا.
وذكر بعضهم أن التنكير في قوله: ((ليلاً)) للتعظيم؛ أي ليلاً أي ليل، دنا فيه
المحب إلى المحبوب! وقيل فيه غير ذلك، وقد قدمنا: أن أسرى وسرى لغتان؛ كسقى
وأسقی، وقد جمعهما قول حسان

٤١٨
سورة الإسراء: الآية (١)
أسرت إليك ولم تكن تسري
حي النضيرة ربة الخدر
بفتح التاء من ((تسرى)). والباء قوله من ﴿بِعَبْدِهِ﴾ في اللغتين للتعدية، كالباء في
﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]. وقد تقدمت شواهد هذا في (سورة هود).
تنبيه: اختلف العلماء هل رأى رسول الله و لو ربه ليلة الإسراء بعين رأسه أم لا؟
فقال ابن عباس وغيره: رآه بعين رأسه، وقالت عائشة وغيرها: لم يره. وهو خلاف
مشهور بين أهل العلم معروف.
قال - مقيده عفا الله عنه - التحقيق الذي دلت عليه نصوص الشرع: أنه ولو لم يره
بعين رأسه. وما جاء عن بعض السلف من أنه رآه؛ فالمراد به الرؤية بالقلب؛ كما في
صحيح مسلم أنه رآه بفؤاده مرتين لا بعين الرأس.
ومن أوضح الأدلة على ذلك أن أبا ذر رؤيته (وهو هو في صدق اللهجة) سأل
النبي والر عن هذه المسألة بعينها؛ فأفتاه بما مقتضاه أنه لم يره، قال مسلم بن الحجاج
- رحمه الله تعالى - في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن يزيد بن
إبراهيم، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي ذر قال: سألت رسول الله وَالى: هل
رأيت ربك؟ قال: ((نور !! أنى أراه))!؟.
حدثنا محمد بن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي (ح) وحدثني حجاج بن
الشاعر، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا همام، كلاهما عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق
قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله وَ له لسألته، فقال: عن أي شيء كنت تسأله؟ قال:
كنت أسأله: هل رأيت ربك؟ قال أبو ذر: قد سألت فقال: ((رأيت نوراً)) هذا لفظ مسلم.
وقال النووي في شرحه لمسلم: أما قوله ◌َّه: ((نوراً أنى أراه)) !! فهو بتنوين (نور))
وفتح الهمزة في ((أنى)) وتشديد النون وفتحها. و((أراه)) بفتح الهمزة، هكذا رواه جميع
الرواة في جميع الأصول والروايات، ومعناه: حجابه نور، فكيف أراه !!.
قال الإمام أبو عبد الله المازري تخلّفُ: الضمير في ((أراه)) عائد إلى الله - سبحانه
وتعالى - ومعناه: أن النور منعني من الرؤية، كما جرت العادة بإغشاء الأنوار الأبصار،
ومنعها من إدراك ما حالت بين الرائي وبينه.
وقوله وَالر: ((رأيت نوراً)) معناه: رأيت النور فحسب، ولم أر غيره. قال: وروي
((نوراني)) بفتح الراء وكسر النون وتشديد الياء، ويحتمل أن يكون معناه راجعاً إلى ما
قلناه؛ أي خالق النور المانع من رؤيته، فيكون من صفات الأفعال.
قال القاضي عياض كفّفه: هذه الرواية لم تقع إلينا! ولا رأيناها في شيء من
الأصول، اهِ محل الغرض من كلام النووي.
قال مقيده - عفا الله عنه -: التحقيق الذي لا شك فيه هو أن معنى الحديث هو ما
ذكر، من كونه لا يتمكن أحد من رؤيته لقوة النور الذي هو حجابه. ومن أصرح الأدلة

٤١٩
سورة الإسراء: الآية (١)
على ذلك أيضاً حديث أبي موسى المتفق عليه: ((حجابه لو كشفه لأحرقت سبحات
وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)) وهذا هو معنى قوله وض له: «نور! أني أراه))؟. أي
كيف أراه وحجابه نور، من صفته أنه لو كشفه لأحرق ما انتهى إليه بصره من خلقه.
وقد قدمنا أن تحقيق المقام في رؤية الله - جل وعلا - بالأبصار أنها جائزة عقلاً في
الدنيا والآخرة، بدليل قول موسى: ﴿رَبٍّ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]؛ لأنه لا يجهل
المستحيل في حقه - جل وعلا - وأنها جائزة شرعاً وواقعة يوم القيامة، ممتنعة شرعاً في
الدنيا قال: ﴿لَنْ تَرَِ وَلَكِنِ أَنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ إلى قوله: ﴿جَعَلَمُ دَكًا﴾ [الأعراف: ١٤٣].
ومن أصرح الأدلة في ذلك حديث: ((إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا)) في صحيح
مسلم وصحيح ابن خزيمة كما تقدم.
فَكَانَ قَابَ قَّوْسَيْنِ﴾ [النجم: ٨، ٩] - فذلك جبريل على
وأما قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَنَدَلَ
التحقيق، لا الله - جل وعلا -.
قوله تعالى: ﴿الَّذِى بَرَّكْنَا حَوْلَهُ﴾. أظهر التفسيرات فيه أن معنى ((باركنا حوله))
أكثرنا حوله الخير والبركة بالأشجار والثمار والأنهار. وقد وردت آيات تدل على هذا،
كقوله تعالى: ﴿وَجَّيْنَكَهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَّكْنَا فِيَهَا لِلْعَلَمِينَ ﴾﴾ [الأنبياء]، وقوله:
﴿وَلِسُلَيْمَنَ الْرِيحَ عَاصِفَةٌ تَجْرِى بِأَمْرِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَكْنَا فِيَهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِمِينَ
[الأنبياء] فإن المراد بتلك الأرض: الشام. والمراد بأنه بارك فيها أنه أكثر فيها البركة
٨١
والخير بالخصب والأشجار والثمار والمياه؛ كما عليه جمهور العلماء.
وقال بعض العلماء: المراد بأنه بارك فيها أنه بعث الأنبياء منها، وقيل: غير
ذلك، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَلِنَاً﴾. الظاهر إنما أراه الله من آياته في هذه الآية الكريمة
أنه أراه إياه رؤية عين؛ فهمزة التعدية داخلة على رأي البصرية؛ كقوله: أرأيت زيداً دار
عمرو؛ أي جعلته يراها بعينه. و((من) في الآية للتبعيض، والمعنى ((لنريه من آياتنا))؛ أي
بعض آياتنا فنجعله يراها بعينه، وذلك ما رآه ود ليل بعينه ليلة الإسراء من الغرائب والعجائب؛
كما جاء مبيناً في الأحاديث الكثيرة. ويدلل ما ذكرنا في الآية الكريمة قوله تعالى في سورة
النجم: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا كَنَى ◌َ لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبَ (٣)﴾ [النجم].
قوله تعالى: ﴿مَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ﴾ لما بيّن - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة
عظم شأن نبيه *، ذكر عظم شأن موسى بالكتاب العظيم، الذي أنزله إليه وهو
التوراة، مبيناً أنه جعله هدى لبني إسرائيل، وكرر - جل وعلا - هذا المعنى في القرآن،
كقوله: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَلَ تَكُنْ فِى مِرْيَةٍ مِّن لِقَابِهٍ، وَجَعَلْنَهُ هُدَّى لِبَنِىّ إِسْرَوِيلَ
وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِعَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِشَايَتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [السجدة]،
٢٣
وقوله: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَابِرَ لِلنَّاسِ﴾ ...

٤٢٠
سورة الإسراء: الآية (٢)
الآية [القصص: ٤٣]، وقوله: ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ تَمَامَا عَلَى الَّذِىُّ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا
لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ ... الآية [الأنعام: ١٥٤]، وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ
مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ ... الآية [الأعراف: ١٤٥]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِ وَكِيلًا﴾. اعلم أن هذا الحرف قرأه جمهور القراء
((ألا تتخذون)) بالتاء على وجه الخطاب، وعلى هذا فـ((أن)) هي المفسرة؛ فجعل التوراة
هدى لبني إسرائيل مفسر بنهيهم عن اتخاذ وكيل من دون الله؛ لأن الإخلاص لله في عبادته
هو ثمرة الكتب المنزلة على الأنبياء - صلوات الله عليهم وسلامه - وعلى هذه القراءة فـ((لا))
في قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُواْ﴾ ناهية، وقرأه أبو عمرو من السبعة (ألا يتخذوا من دوني وكيلاً)
بالياء على الغيبة. وعلى هذه القراءة فالمصدر المنسبك من ((أن)) وصلتها مجرور بحرف
التعليل المحذوف؛ أي وجعلناه هدى لبني إسرائيل لأجل ألا يتخذوا من دوني وكيلاً؛ لأن
اتخاذ الوكيل الذي تسند إليه الأمور، وتفوض من دون الله ليس من الهدى؛ فمرجع
القراءتين إلى شيء واحد، وهو أن التوكل إنما يكون على الله وحده لا على غيره.
وكرر هذا المعنى في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿رَبُّ الْشْرِقِ وَالْغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوْ فَتَّخِذْهُ
وَكِيلًا ﴾﴾، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ ءَامَنَّا بِهِ، وَعَلَّهِ تَوَكَّنًا﴾ [الملك: ٢٩]؛ وقوله: ﴿فَإِن
تَوَلَّوْ فَقُلْ حَسِىَ اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (9)﴾
[التوبة]، وقوله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ؟﴾ [الطلاق: ٣]، وقوله: ﴿قَالَتْ لَهُمْ
رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ
تَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اَللَّهِ وَعَلَى الَّهِ فَلْيَتَوَكَلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿ وَمَا لَنَّا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ
(1)﴾ [إبراهيم]،
وَقَدْ هَدَنَا سُبُلَنَا وَلَصْبِرَنَّ عَلَى مَآ ءَاذَيْتُمُونًا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّلِ الْمُتَوَكِلُونَ
وقوله: ﴿إِنِّ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِى وَرَّيِّكُم مَّا مِن دَآَةٍ إِلَّ هُوَ ءَخِذُْ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦]،
وقوله: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِ، يَقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَيْكُمْ مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِشَايَتِ اللَّهِ
فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [يونس: ٧١]، وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١]،
وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيّ الَّذِىِ لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقوله: ﴿فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
[هود: ١٢٣]، وقوله: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]،
والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًّا .
والوكيل: فعيل من التوكل؛ أي متوكلاً عليه، تفوضون إليه أموركم؛ فيوصل
إليكم النفع، ويكف عنكم الضر.
وقال الزمخشري: ﴿وَكِيلًا﴾ أي رباً تكلون إليه أموركم. وقال ابن جرير:
حفيظاً لكم سواي.
وقال أبو الفرج بن الجوزي: قيل للرب وكيل لكفايته وقيامه بشؤون عباده، لا
على معنى ارتفاع منزلة الموكل وانحطاط أمر الوكيل، اهـ؛ قاله أبو حيان في (البحر).