النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ سورة النحل: الآية (٨٩) - عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان، عن النبي وَلات أنه قال: ((اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر)». وحدثنا سفيان، عن مسعر بن كدام، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عمر بن الخطاب أنه أمر بقتل المحرم الزنبور. وروى البخاري عن ابن مسعود قال: ((لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات لخلق الله)) فقالت له امرأة في ذلك. فقال: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله بَر، وهو في كتاب الله. فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول؟! قال: لئن قرأتيه لقد وجدتيه! أما قرأت: ﴿وَمَآ ءَانَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَأَنتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧]؟ قالت: بلى. قال: فإنه قد نهى عنه. وقال ابن برجان: ما قال النبي وَّر من شيء فهو في القرآن، أو فيه أصله قرب أو بعد، فهمه من فهم، أو عمه عنه من عمه، وكذا كل ما حكم أو قضى به. وقال غيره: ما من شيء إلا يمكن استخراجه من القرآن لمن فهمه الله تعالى؛ حتى إن بعضهم استنبط عمر النبي و له ثلاثاً وستين من قوله ((في سورة المنافقين)): ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١] فإنها رأس ثلاث وستين سورة، وعقبها ((بالتغابن)) ليظهر التغابن في فقده. .. وقال المرسي: جمع القرآن علوم الأولين والآخرين، بحيث لم يحط بها علماً حقيقة إلا المتكلم به، ثم رسول الله وَ﴾، خلا ما استأثر الله به سبحانه، ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة وأعلامهم؛ مثل الخلفاء الأربعة، ومثل ابن مسعود، وابن عباس، حتى قال: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله. ثم ورث عنهم التابعون لهم بإحسان، ثم تقاصرت الهمم، وفترت العزائم، وتضاءل أهل العلم، وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه؛ فنوعوا علومه، وقامت كل طائفة بفن من فنونه. فاعتنى قوم بضبط لغاته، وتحرير كلماته، ومعرفة مخارج حروفه وعددها، وعد كلماته وآياته، وسوره وأجزائه، وأنصافه وأرباعه، وعدد سجداته، إلى غير ذلك من حصر الكلمات المتشابهة، والآيات المتماثلة؛ من غير تعرض لمعانيه، ولا تدبر لما أودع فيه؛ فسموا القراء. واعتنى النحاة بالمعرب منه والمبني من الأسماء والأفعال، والحروف العاملة وغيرها. وأوسعوا الكلام في الأسماء وتوابعها، وضروب الأفعال، واللازم والمتعدي، ورسوم خط الكلمات، وجميع ما يتعلق به؛ حتى إن بعضهم أعرب مشكله، وبعضهم أعربه كلمة كلمة. واعتنى المفسرون بألفاظه، فوجدوا منه لفظاً يدل على معنى واحد، ولفظاً يدل ٣٨٢ سورة النحل: الآية (٨٩) على معنيين، ولفظاً على أكثر؛ فأجروا الأول على حكمه، وأوضحوا الخفي منه، وخاضوا إلى ترجيح أحد محتملات ذي المعنيين أو المعاني، وأعمل كل منهم فكره، وقال بما اقتضاه نظره. واعتنى الأصوليون بما فيه من الأدلة العقلية، والشواهد الأصلية والنظرية، مثل قوله: ﴿لَوْ كَنَ فِيهِمَآ ءَالِهَةُ إِلَّ اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة؛ فاستنبطوا منه أدلة على وحدانية الله ووجوده، وبقائه وقدمه، وقدرته وعلمه، وتنزيهه عما لا يليق به؛ وسموا هذا العلم بـ((أصول الدين)) . . وتأملت طائفة معاني خطابه؛ فرأت منها ما يقتضى العموم، ومنها ما يقتضى الخصوص، إلى غير ذلك؛ فاستنبطوا منه أحكام اللغة من الحقيقة والمجاز، وتكلموا في التخصيص والإضمار، والنص والظاهر، والمجمل والمحكم والمتشابه، والأمر والنهي والنسخ، إلى غير ذلك من أنواع الأقيسة، واستصحاب الحال والاستقراء؛ وسموا هذا الفن ((أصول الفقه)). وأحكمت طائفة صحيح النظر، وصادق الفكر فيما فيه من الحلال والحرام، وسائر الأحكام، فأسسوا أصوله وفروعه، وبسطوا القول في ذلك بسطاً حسناً؛ وسموه بـ((علم الفروع)) وبـ((الفقه أيضاً)). وتلمحت طائفة ما فيه من قصص القرون السابقة، والأمم الخالية، ونقلوا أخبارهم، ودونوا آثارهم ووقائعهم؛ حتى ذكروا بدء الدنيا، وأول الأشياء؛ وسموا ذلك بـ((التاريخ والقصص)). . وتنبه آخرون لما فيه من الحكم والأمثال، والمواعظ التي تقلقل قلوب الرجال، وتكاد تدكدك الجبال، فاستنبطوا مما فيه من الوعد والوعيد، والتحذير والتبشير، وذكر الموت والمعاد، والنشر والحشر؛ والحساب والعقاب، والجنة والنار - فصولاً من المواعظ، وأصولاً من الزواجر؛ فسموا بذلك ((الخطباء والوعاظ)). واستنبط قوم مما فيه من أصول التعبير؛ مثل ما ورد في قصة يوسف: من البقرات الشمان، وفي منامي صاحبي السجن، وفي رؤية الشمس والقمر والنجوم ساجدات، وسموه ((تعبير الرؤيا))؛ واستنبطوا تفسير كل رؤيا من الكتاب؛ فإن عز عليهم إخراجها منه، فمن السنة التي هي شارحة الكتاب، فإن عسر فمن الحكم والأمثال. ثم نظروا إلى اصطلاح العوام في مخاطباتهم، وعرف عاداتهم الذي أشار إليه القرآن بقوله: ﴿وَأَمٌُّ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وأخذ قوم مما في آيات المواريث من ذكر السهام وأربابها، وغير ذلك ((علم الفرائض)) واستنبطوا منها من ذكر النصف والثلث، والربع والسدس والثمن (حساب الفرائض))، ومسائل العول، واستخرجوا منه أحكام الوصايا. ٣٨٣ سورة النحل: الآية (٨٩) ونظر قوم إلى ما فيه من الآيات الدالات على الحكم الباهرة في الليل والنهار، والشمس والقمر ومنازله، والنجوم والبروج، وغير ذلك - فاستخرجوا ((علم المواقيت)). ونظر الكتاب والشعراء إلى ما فيه من جزالة اللفظ وبديع النظم، وحسن السياق والمبادئ، والمقاطيع والمخالص والتلوين في الخطاب، والإطناب والإيجاز، وغير ذلك فاستنبطوا منه ((علم المعاني والبيان والبديع)). ونظر فيه أرباب الإشارات وأصحاب الحقيقة؛ فلاح لهم من ألفاظه معان ودقائق، جعلوا لها أعلاماً اصطلحوا عليها، مثل الغناء والبقاء، والحضور والخوف والهيبة، والأنس والوحشة، والقبض والبسط، وما أشبه ذلك. هذه الفنون التي أخذتها الملة الإسلامية منه. وقد احتوى على علوم أخر من علوم الأوائل، مثل: الطب والجدل والهيئة، والهندسة والجبر، والمقابلة والنجامة، وغير ذلك. أما الطب: فمداره على حفظ نظام الصحة، واستحكام القوة؛ وذلك إنما يكون باعتدال المزاج تبعاً للكيفيات المتضادة، وقد جمع ذلك في آية واحدة وهي قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. وعرفنا فيه بما يعيد نظام الصحة بعد اختلاله، وحدوث الشفاء للبدن بعد اعتلاله في قوله: ﴿شَرَابٌ مُخْلِفُ أَلْوَنُّهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾، ثم زاد على طب الأجساد بطب القلوب، وشفاء الصدور. وأما الهيئة: ففي تضاعيف سوره من الآيات التي ذكر فيها من ملكوت السموات والأرض، وما بث في العالم العلوي والسفلي من المخلوقات. وأما الهندسة: ففي قوله: ﴿أَنَطَلِّقُواْ إِلَى ظِلّ ذِى تَثِ شُعَدٍ ﴾ لَا ظَلِلٍ وَلَا يُغْنِى مِنَ [المرسلات] فإن فيه قاعدة هندسية، وهو أن الشكل المثلث لا ظل له. ٠ اُللَّهَبِ وأما الجدل: فقد حوت آياته من البراهين والمقدمات والنتائج، والقول بالموجب، والمعارضة، وغير ذلك شيئاً كثيراً، ومناظرة إبراهيم أصل في ذلك عظيم. وأما الجبر والمقابلة: فقد قيل: إن أوائل السور ذكر عدد وأعوام وأيام لتواريخ أمم سالفة، وإن فيها تاريخ بقاء هذه الأمة، وتاريخ مدة الدنيا، وما مضى وما بقي، مضروباً بعضها في بعض. وأما النجامة: ففي قوله: ﴿أَوْ أَثَرَةِ مِّنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] فقد فسره ابن عباس بذلك. وفيه من أصول الصنائع، وأسماء الآلات التى تدعو الضرورة إليها - فمن الصنائع الخياطة في قوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ﴾ [الأعراف: ٢٢]. والحدادة في قوله تعالى: ﴿ءَاتُوِ زُبَرَ اٌلْحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٦]، وقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠]. والبناء في آيات، والنجارة ٣٨٤- سورة النحل: الآية (٨٩) ﴿أَنِ أَصْنَعِ الْقُلْكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧]، والغزل ﴿نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾، والنسج ﴿كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اَتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: [٤]، والفلاحة ﴿ أَفَيْتُ مَّا تَخْرُثُونَ (٣)﴾ [الواقعة] في آيات أخر، والصيد في آيات، والغوص ﴿ وَالشَّيَطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (*)﴾ [ص]، ﴿ وَتَسْتَخْرِجُوْ مِنْهُ حِلْيَةً﴾ والصياغة ﴿وَأَخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ حُلِيِّهِمْ بِجْلًا﴾ [الأعراف: ١٤٨]، والزجاجة ﴿صَرْحٌ ثُمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرٌ﴾ [النمل: ٤٤]، ﴿اَلْمِصْبَاحُ فِ زُجَاجَةٍ﴾ [النور: ٣٥]، والفخارة ﴿فَأَوْقِدْ لِ يَهَمَنُ عَلَى الطِّينِ﴾ [القصص: ٢٨]، والملاحة ﴿أَمَّا السَّفِينُةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِى الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩]، والكتابة ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] في آيات أخر، والخبز والطحن ﴿أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ [يوسف: ٣٦]، والطبخ ﴿بِعِجْلٍ حَنِيدٍ﴾ [هود: ٦٩]، والغسل والقصارة ﴿وَثَابَكَ فَطَفِرْ ﴾﴾ [المدثر]، ﴿قَالَ اُلْحَوَارِثُونَ﴾ [المائدة: ١١٢] وهم القصارون، والجزارة ﴿إِلَّا مَا ذَكَيْثُمُ﴾ [المائدة: ٣]، والبيع والشراء في آيات كثيرة، والصبغ ﴿صِبْغَةً اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨]، ﴿جُدٌَ بِضُ وَحُمْرٌ﴾ [فاطر: ٣٧]، والحجارة ﴿وَتَّنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ يُوتًا﴾ [الأعراف: ٧٤]، والكيالة والوزن في آيات كثيرة، والرمي ﴿وَمَا رَمَيْنَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧]، ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةِ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وفيه من أسماء الآلات، وضروب المأكولات والمشروبات والمنكوحات، وجميع ما وقع ويقع في الكائنات ما يحقق معنى قوله: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَّبِ مِن شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. انتهى كلام المرسي ملخصاً مع زيادات. قلت: قد اشتمل كتاب الله على كل شيء، أما أنواع العلوم فليس منها باب ولا مسألة هي أصل، إلا وفي القرآن ما يدل عليها، وفيه علم عجائب المخلوقات، وملكوت السموات والأرض، وما في الأفق الأعلى، وما تحت الثرى، وبدء الخلق، وأسماء مشاهير الرسل والملائكة، وعيون أخبار الأمم السالفة؛ كقصة آدم مع إبليس في إخراجه من الجنة، وفي الولد الذي سماه عبد الحارث، ورفع إدريس وإغراق قوم نوح، وقصة عاد الأولى والثانية، وثمود، والناقة، وقوم لوط، وقوم شعيب الأولين والآخرين فإنه أرسل مرتين. وقوم تبع، ويونس، وإلياس، وأصحاب الرس، وقصة موسى في ولادته وفي إلقائه في اليم، وقتله القبطي، ومسيره إلى مدين وتزوجه ابنة شعيب، وكلامه تعالى بجانب الطور، وبعثه إلى فرعون، وخروجه وإغراق عدوه، وقصة العجل، والقوم الذين خرج بهم وأخذتهم الصعقة، وقصة القتال وذبح البقرة، وقصته في قتال الجبارين، وقصته مع الخضر، والقوم الذين ساروا في سرب من الأرض إلى الصين، وقصة طالوت وداود مع جالوت وقتله، وقصة سليمان وخبره مع ملكة سبأ وفتنته، وقصة القوم الذين خرجوا فراراً من الطاعون فأماتهم الله ثم أحياهم، وقصة إبراهيم في مجادلته قومه، ومناظرته النمروذ، ووضعه إسماعيل مع أمه بمكة، وبنائه البيت، وقصة الذبيح، وقصة يوسف وما أبسطها، وقصة مريم وولادتها عيسى وإرساله ورفعه، وقصة زكريا وابنه يحيى، وأيوب وذي الكفل، وقصة ذي القرنين ومسيره إلى مطلع الشمس ٣٨٥ سورة النحل: الآية (٨٩). ومنغربها وبنائه السد، وقصة أصحاب الكهف والرقيم، وقصة يختنصر، وقصة الرجلين اللذين لأحدهما الجنة، وقصة أصحاب الجنة الذين أقسموا ليصرمنها مصبحين، وقصة مؤمن آل فرعون، وقصة أصحاب الفيل، وقصة الجبار الذي أراد أن يصعد إلى السماء. وفيه من شأن النبي (8* دعوة إبراهيم بنه، وبشارة عيسى وبعثه وهجرته. ومن غزواته: غزوة بدر (في سورة الأنفال) وأحد (في آل عمران) وبدر الصغرى فيها، والخندق (في الأحزاب)، والنضير (في الحشر)، والحديبية (في الفتح)، وتبوك (في براءة)، وحجة الوداع (في المائدة)، ونكاحه زينب بنت جحش، وتحريم سريته، وتظاهر أزواجه عليه، وقصة الإفك، وقصة الإسراء، وانشقاق القمر، وسحر اليهود إياه. : وفيه بدء خلق الإنسان إلى موته، وكيفية الموت، وقبض الروح وما يفعل بها بعد صعودها إلى السماء، وفتح الباب للمؤمنة وإلقاء الكافرة، وعذاب القبر والسؤال فيه، ومقر الأرواح، وأشراط الساعة الكبرى العشرة، وهي: نزول عيسى، وخروج الدجال، ويأجوج ومأجوج، والدابة، والدخان، ورفع القرآن، وطلوع الشمس من مغربها، وإغلاق باب التوبة، والخسف. وأحوال البعث: من نفخة الصور، والفزع، والصعق، والقيام، والحشر والنشر، وأهوال الموقف، وشدة حر الشمس، وظل العرش، والصراط، والميزان، والحوض، والحساب لقوم، ونجاة آخرين منه، وشهادة الأعضاء، وإيتاء الكتب بالأيمان والشمائل وخلف الظهور، والشفاعة، والجنة وأبوابها، وما فيها من الأشجار والثمار والأنهار، والحلي والألوان، والدرجات، ورؤيته تعالى، والنار وما فيها من الأودية، وأنواع العقاب، وألوان العذاب، والزقوم والحميم، إلى غير ذلك مما لو بسط جاء في مجلدات. وفي القرآن جميع أسمائه تعالى الحسنى كما ورد في حديث، وفيه من أسمائه مطلقاً ألف اسم، وفيه من أسماء النبي وَل جملة. وفيه شعب الإيمان البضع والسبعون، وفيه شرائع الإسلام الثلاثمائة وخمس عشرة، وفيه أنواع الكبائر وكثير من الصغائر، وفيه تصديق كل حديث ورد عن النبي وَلّر، هذه جملة القول في ذلك، اهـ كلام السيوطي (في الإكليل) .. وإنما أوردناه برمته مع طوله؛ لما فيه من إيضاح أن القرآن فيه بيان كل شيء، وإن كان في الكلام المذكور أشياء جديرة بالانتقاد تركنا مناقشتها خوف الإطالة المملة، مع كثرة الفائدة في الكلام المذكور في الجملة. وفي قوله تعالى: ﴿يَبْيَنَا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ وجهان من الإعراب: أحدهما: أنه مفعول من أجله، والثاني: أنه مصدر منكر واقع حالاً؛ على حد قوله في الخلاصة: بكثرة كبغتة زيد طلع ومصدر: منكر حالاً يقع ٣٨٦ سورة النحل: الآيتان (٨٩ - ٩٠) تنبيه: أظهر القولين: أن التبيان مصدر، ولم يسمع كسر تاء التفعال مصدراً إلا في التبيان والتلقاء. وقال بعض أهل العلم: التبيان اسم لا مصدر. قال أبو حيان (في البحر): والظاهر أن ((تبياناً)) مصدر جاء على تفعال. وإن كان باب المصادر يجيء على تفعال (بالفتح) كالترداد والتطواف. ونظير تبيان في كسر تائه: تلقاء، وقد جوز الزجاج فتحه في غير القرآن. وقال ابن عطية: ((تبياناً)) اسم وليس بمصدر؛ وهو قول أكثر النحاة. وروى ثعلب عن الكوفيين، والمبرد عن البصريين: أنه مصدر، ولم يجئ على تفعال من المصادر إلا ضربان: تبيان وتلقاء، اهـ ـ والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَهُدِّى وَرَحْمَةٌ وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن هذا القرآن العظيم هدى ورحمة وبشرى للمسلمين، ويفهم من دليل خطاب هذه الآية الكريمة - أي مفهوم مخالفتها - أن غير المسلمين ليسوا كذلك، وهذا المفهوم من هذه الآية صرح به - جل وعلا - في مواضع أخر، كقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ وَاَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىِّ ◌َاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّى﴾ [فصلت: ٤٤]، وقوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِيِنَّ وَلَا يَزِيدُ الَّلِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢) [الإسراء]، وقوله - جل وعلا -: ﴿وَإِذَا مَآ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِجِ إِيمَنَّا فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضُ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَفِرُونَ (9)﴾ [التوبة]، وقوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَيْرًا مِنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكَ مُفْيَنًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٤] في الموضعين. قوله تعالى: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَإِيتَآٍَ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ ٩٠ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ. وَالْبَغْيِّ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه يأمر خلقه بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وأنه ينهاهم عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ لأجل أن يتعظوا بأوامره ونواهيه، فيمتثلوا أمره، ويجتنبوا نهيه. وحذف مفعول ((يأمر، وينهى)) لقصد التعميم. ومن الآيات التي أمر فيها بالعدل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَتَكُمْ شَنَكَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِلْعَدْلِّ إِنَّ اللّهَ نِتَا يَعِظُكُمْ بِّهِ﴾ [النساء: ٥٨]. ومن الآيات التي أمر فيها بالإحسان قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى الَُّكَةِّ وَأَحْسِنُوَّا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقوله: ﴿وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وقوله: ﴿وَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اَللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ اُلْفَسَادَ فِ اُلْأَرْضِ﴾ [القصص: ٧٧]، وقوله: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وقوله: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]. ومن الآيات التي أمر فيها بإيتاء ذي القربى قوله تعالى: ﴿فَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ وَأَلْمِسْكِينَ وَبْنَ السَّبِيلِّ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الروم]، ٣٨٧ سورة النحل: الآية (٩٠) - [البقرة] وقوله: وقوله: ﴿وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْدِيرًا ( ﴿وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَى﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقوله: ﴿أَوْ إِظِعَهٌ فِ يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَكِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ﴾﴾ [البلد]، إلى غير ذلك من الآيات. ومن الآيات التى نهى فيها عن الفحشاء والمنكر والبغي قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ اُلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَبٌّ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقوله: ﴿قُلْ إِذَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ اُلْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَاَلْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٣٣]، وقوله: ﴿وَذَرُواْ ظَهِرَ اُلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ: إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمُ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتِفُونَ [الأنعام] والمنكر وإن لم ١٢٠) يصرح باسمه في هذه الآيات، فهو داخل فيها . ومن الآيات التي جمع فيها بين الأمر بالعدل والتفضل بالإحسان قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَّبْتُمْ فُعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٍ﴾ فهذا عدل، ثم دعا إلى الإحسان بقوله: ﴿وَلَّيِنَ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلِضَّبِينَ﴾ وقوله: ﴿وَحَزَّوُاْ سَيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فهذا عدل، ثم دعا إلى الإحسان بقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]. وقوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] فهذا عدل، ثم دعا إلى الإحسان بقوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقوله: ﴿وَلَمَنِ أَنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ، فَأُوْلَكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ ﴾﴾ [الشورى]، فهذا عدل. ثم دعا إلى الإحسان بقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ اٌلْأُمُورِ ﴾﴾ [الشورى]، وقوله: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِ﴾ [النساء: ١٤٨] فهذا عدل، ثم دعا إلى الإحسان بقوله: ﴿إِن نُبِّدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (٣٦)﴾ [النساء]، إلى غير ذلك من الآيات. فإذا عرفت هذا، فاعلم أن العدل في اللغة: القسط والإنصاف، وعدم الجور، وأصله التوسط بين المرتبتين؛ أي الإفراط والتفريط، فمن جانب الإفراط والتفريط فقد عدل، والإحسان مصدر أحسن، وهي تستعمل متعدية بالحرف نحو: أحسن إلى والديك؛ ومنه قوله تعالى عن يوسف: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِىّ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ١٠٠]. وتستعمل متعدية بنفسها كقولك: أحسن العامل عمله، أي أجاده وجاء به حسناً. والله - جل وعلا - يأمر بالإحسان بمعنييه المذكورين، فهما داخلان في الآية الكريمة؛ لأن الإحسان إلى عباد الله لوجه الله عمل أحسن فيه صاحبه. وقد فسر النبي وَ ل الإحسان في حديث جبريل بقوله: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))، وقدٍ قدمنا إيضاح ذلك في سورة هود. فإذا عرفت هذا، فاعلم أن أقوال المفسرين في الآية الكريمة راجعة في الجملة إلى ما ذكرنا، كقول ابن عباس: العدل: لا إله إلا الله، والإحسان: أداء الفرائض؛ لأن عبادة الخالق دون المخلوق هي عين الإنصاف والقسط، وتجنب التفريط والإفراط، ومن أدى فرائض الله على الوجه الأكمل فقد أحسن؛ ولذا قال النبي ◌َّ﴾ في الرجل الذي ٣٨٨ - سورة النحل: الآية (٩٠) حلف لا يزيد على الواجبات: ((أفلح إن صدق)). وكقول سفيان: العدل: استواء العلانية والسريرة. والإحسان: أن تكون السريرة أفضل من العلانية. وكقول على الله: العدل: الإنصاف. والإحسان: التفضل. إلى غير ذلك من أقوال السلف. والعلم عند الله تعالى وقوله: ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ الوعظ: الكلام الذي تلين له القلوب. تنبيه: فإن قيل: يكثر في القرآن إطلاق الوعظ على الأوامر والنواهي، كقوله هنا: ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ مع أنه ما ذكر إلا الأمر والنهي في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ ... ﴾ الآية، وكقوله في سورة البقرة بعد أن ذكر أحكام الطلاق والرجعة: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ، مَن كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِلَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرُ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وقوله في سورة الطلاق في نحو ذلك أيضاً: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ [الطلاق: ٢]. وقوله في النهي عن مثل قذف عائشة: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ [النور: ١٧]. مع أن المعروف عند الناس أن الوعظ يكون بالترغيب والترهيب ونحو ذلك لا بالأمر والنهي فالجواب: أن ضابط الوعظ هو الكلام الذي تلين له القلوب، وأعظم ما تلين له قلوب العقلاء أوامر ربهم ونواهيه؛ فإنهم إذا سمعوا الأمر خافوا من سخط الله في عدم امتثاله، وطمعوا فيما عند الله من الثواب في امتثاله. وإذا سمعوا النهي خافوا من سخط الله في عدم اجتنابه، وطمعوا فيما عنده من الثواب في اجتنابه؛ فحداهم حادي الخوف والطمع إلى الامتثال، فلانت قلوبهم للطاعة خوفاً وطمعاً، والفحشاء في لغة العرب: الخصلة المتناهية في القبح؛ ومنه قيل لشديد البخل: فاحش؛ كما في قول طرفة في معلقته: أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشدد والمنكر اسم مفعول أنكر؛ وهو في الشرع: ما أنكره الشرع ونهى عنه، وأوعد فاعله العقاب. والبغي: الظلم. وقد بيّن تعالى أن الباغي يرجع ضرر بغيه على نفسه في قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُّكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣]، وقوله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَِّّئُّ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]. وقوله: ﴿ذِى الْقُرْبَ﴾؛ أي صاحب القرابة من جهة الأب أو الأم، أو هما معاً؛ لأن إيتاء ذي القربى صدقة وصلة رحم، والإيتاء: الإعطاء. وأحد المفعولين محذوف؛ لأن المصدر أضيف إلى المفعول الأول وحذف الثاني. والأصل: وإيتاء صاحب القرابة؛ كقوله: ﴿وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى محُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَ﴾ ... الآية [البقرة: ١٧٧]. قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ﴾. أمر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة عباده أن يوفوا بعهد الله إذا عاهدوا، وظاهر الآية أنه شامل لجميع العهود فيما بين العبد وربه، وفيما بينه وبين الناس، وكرر هذا في مواضع أخر كقوله (في الأنعام): ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُم بِهِ﴾ ... الآية [الأنعام: ١٥٢]، وقوله في الإسراء: ﴿وَأَوَفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَنَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]. وقد قدمنا هذا في الأنعام. ٣٨٩ سورة النحل: الآيتان (٩٦ - ٩٧) - وبيّن في موضع آخر أن من نقض العهد إنما يضر بذلك نفسه، وأن من أوفى به يؤتيه الله الأجر العظيم على ذلك؛ وذلك في قوله: ﴿فَمَنْ ثَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْقَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]. وبيّن في موضع آخر أن نقض الميثاق يستوجب اللعن؛ وذلك في قوله: ﴿فَيَمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]. قوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾. بين - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن ما عنده من نعيم الجنة باق لا يفنى، وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿عَطَةُ غَيْرَ تَجْذُونٍ﴾، [هود: ١٠٨]، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُمْ مِن نَّغَادٍ ﴾﴾﴾ [ص]، وقوله: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنَا مََّكِتِينَ فِيهِ أَبَدًا ﴾﴾ [الكهف]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. أقسم - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه سيجزي الذين صبروا أجرهم - أي جزاء عملهم - بأحسن ما كانوا يعملون. وبين في موضع آخر أنه جزاء بلا حساب، كما في قوله: ﴿إِنََّا يُوَنَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. تنبيه: استنبط بعض العلماء من هذه الآية الكريمة أن فعل المباح حسن؛ لأن قوله في هذه الآية: ﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ صيغة تفضيل تدل على المشاركة، والواجب أحسن من المندوب، والمندوب أحسن من المباح، فيجازون بالأحسن الذي هو الواجب والمندوب، دون مشاركتهما في الحسن وهو المباح؛ وعليه درج في (مراقي السعود) في قوله: وغيره القبيح والمستهجن ما ربنا لم ينه عنه حسن .. إلا أن الحسن ينقسم إلى حسن وأحسن؛ ومن ذلك قوله تعالى لموسى: ﴿فَخُذْهَا ◌ِقُوَّةٍ وَأَمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥]. فالجزاء المنصوص عليه في قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ حسن. والصبر المذكور في قوله: ﴿وَلَيِنَ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلِصَّبِرِينَ﴾ أحسن، وهكذا، وقرأ هذا الحرف ابن كثير وعاصم وابن ذكوان بخلف عنه ((ولنجزين)) بنون العظمة. وقرأه الباقون بالياء، وهو الطريق الثاني لابن ذكوان. قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُخْبِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (4)﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة: أن كل عامل سواء كان ذكراً أو أنثى عمل عملاً صالحاً فإنه - جل وعلا - يقسم ليحيينه حياة طيبة، وليجزينه أجره بأحسن ما كان يعمل. . اعلم أولاً أن القرآن العظيم دل على أن العمل الصالح هو ما استكمل ثلاثة أمور: الأول: موافقته لما جاء به النبي وَالتّ؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧]. ٣٩ - سورة النحل: الآيتان (٩٦ - ٩٧) الثاني: أن يكون خالصاً لله تعالى؛ لأن الله - جل وعلا - يقول: ﴿وَمَّ أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [المبينة: ٥]، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِنِ ﴿ فَأَعْيُدُواْ مَا شِئْتُم مِّن دُونٌِ﴾ [الزمر: ١٤ - ١٥]. الثالث: أن يكون مبنياً على أساس العقيدة الصحيحة؛ لأن الله يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِرٌ﴾ فقيد ذلك بالإيمان، ومفهوم مخالفته أنه لو كان غير مؤمن لما قبل منه ذلك العمل الصالح. وقد أوضح - جل وعلا - هذا المفهوم في آيات كثيرة، كقوله في عمل غير المؤمن: ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَّنْتُورًا (٣)﴾ [الفرقان]، وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِ اُلْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيَهَا وَبَطِلٌ مَّا كَانُواْ ﴿4﴾ [هود]، وقوله: ﴿أَعْمَلُهُمْ كَمَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩]، وقوله: ﴿أَعْمَلُهُمْ يَعْمَلُونَ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِ يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، إلى غير ذلك من الآيات، واختلف العلماء في المراد بالحياة الطيبة في هذه الآية الكريمة. فقال قوم: لا تطيب الحياة إلا في الجنة، فهذه الحياة الطيبة في الجنة؛ لأن الحياة الدنيا لا تخلو من المصائب والأكدار، والأمراض والآلام والأحزان، ونحو ذلك؛ وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. والمراد بالحيوان: الحياة. وقال بعض العلماء: الحياة الطيبة في هذه الآية الكريمة في الدنيا؛ وذلك بأن يوفق الله عبده إلى ما يرضيه، ويرزقه العافية والرزق الحلال؛ كما قال تعالى: ﴿رَتَّنَآ ءَئِنَا فِىِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الْآَخِرَةِ حَسَنَّةُ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] .. - قال مقيده - عفا الله عنه -: وفي الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بالحياة الطيبة في الآية: حياته في الدنيا حياة طيبة، وتلك القرينة هي أننا لو قدرنا أن المراد بالحياة الطيبة: حياته في الجنة في قوله: ﴿فَلَتُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةٌ طَيِّبَةً ﴾ صار قوله: ﴿وَلَنَجْزِنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ تكراراً معه؛ لأن تلك الحياة الطيبة هي أجر عملهم؛ بخلاف ما لو قدرنا أنها في الحياة الدنيا؛ فإنه يصير المعنى: فلنحيينه في الدنيا حياة طيبة، ولنجزينه في الآخرة بأحسن ما كان يعمل، وهو واضح. وهذا المعنى الذي دل عليه القرآن تؤيده السنة الثابتة عنه وَله. قال ابن كثير كلّفُ في تفسير هذه الآية الكريمة: والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت، وقد روي عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال الطيب. وعن علي بن أبي طالب اته أنه فسرها بالقناعة، وكذا قال ابن عباس وعكرمة ووهب بن منبه - إلى أن قال - وقال الضحاك: هي الرزق الحلال، والعبادة في الدنيا . وقال الضحاك أيضاً: هي العمل بالطاعة والانشراح بها . ٣٩١ سورة النحل: الآيتان (٩٦ - ٩٧). والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني شرحبيل بن شريك، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله وَلقر قال: ((قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً، وقنعه الله بما أتاه)). ورواه مسلم من حديث عبد الله بن يزيد المقري به. وروى الترمذي والنسائي من حديث أبي هانئ، عن أبي علي الجنبي، عن فضالة بن عبيد: أنه سمع رسول الله وَّير يقول: ((قد أفلح من هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافاً وقتع به)) وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا همام، عن يحيى، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَ﴾: ((إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يعطى بها في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يعطى بها خيراً)) انفرد بإخراجه مسلم، اهـ من ابن كثير. وهذه الأحاديث ظاهرة في ترجيح القول: بأن الحياة الطيبة في الدنيا؛ لأن قوله وَلجر: ((أفلح)) يدل على ذلك؛ لأن من نال الفلاح نال حياة طيبة. وكذلك قوله واله: ((يعطى بها في الدنيا)) يدل على ذلك أيضاً. وابن كثير إنما ساق الأحاديث المذكورة لينبه على أنها ترجح القول المذكور. والعلم عند الله تعالى. وقد تقرر في الأصول: أنه إذا دار الكلام بين التوكيد والتأسيس رجح حمله على التأسيس؛ وإليه أشار في (مراقي السعود) جامعاً له مع نظائر يجب فيها تقديم الراجح من الاحتمالين بقوله: من التأصل والاستقلال كذاك ما قابل ذا اعتلال الأفراد والإطلاق مما ينتقى ومن تأسس عموم وبقا بماله الرجحان مما يحتمل كذاك ترتيب الإيجاب العمل ومعنى كلام صاحب (المراقي) أنه يقدم محتمل اللفظ الراجح على المحتمل المرجوح، كالتأصل، فإنه يقدم على الزيادة: نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] يحتمل كون الكاف زائدة، ويحتمل أنها غير زائدة، والمراد بالمثل الذات؛ كقول العرب: مثلك لا يفعل هذا، يعنون أنت لا ينبغي لك أن تفعل هذا، فالمعنى ليسَ كالله شيء. ونظيره من إطلاق المثل وإرادة الذات: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] أي على نفس القرآن لا شيء آخر مماثل له، وقوله: ﴿كَمَن مَّثَلُهُ فِى الكُلُمَتِ﴾ [الأنعام: ١٢٢] أي كمن هو في الظلمات. وكالاستقلال، فإنه يقدم على الإضمار، كقوله تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ﴾ [المائدة: ٣٣]، فكثير من العلماء يضمرون قيوداً غير مذكورة فيقولون: أن يقتلوا إذا قتلوا، أو يصلبوا إذا قتلوا وأخذوا المال، أو تقطع أيديهم وأرجلهم إذا أخذوا المال ولم يقتلوا ... إلخ. ٣٩٢ سورة النحل: الآيات (٩٨ - ١٠٠) ج فالمالكية يرجحون أن الإمام مخير بين المذكورات مطلقاً؛ لأن استقلال اللفظ أرجح من إضمار قيود غير مذكورة؛ لأن الأصل عدمها حتى تثبت بدليل؛ كما أشرنا إليه سابقاً (في المائدة) وكذلك التأسيس يقدم على التأكيد وهو محل الشاهد؛ كقوله: ﴾ [الرحمن]، وقوله: ﴿وَيْلٌ يَؤْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿فَبِأَتِّ ءَاءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( [المرسلات]. قيل: تكرار اللفظ فيهما توكيد، وكونه تأسيساً أرجح لما ذكرنا؛ فتحمل الآلاء في كل موضع على ما تقدم، قيل: لفظ ذلك التكذيب فلا يتكرر منها لفظ. وكذا يقال في سورة المرسلات فيحمل على المكذبين بما ذكر، قيل: كل لفظ ... إلخ. فإذا علمت ذلك فاعلم - أنا إن حملنا الحياة الطيبة في الآية على الحياة الدنيا كان ذلك تأسيساً. وإن حملناها على حياة الجنة تكرر ذلك مع قوله بعده: ﴿وَلَنَجْزِيَّهُمْ أَجْرَهُم﴾ ... الآية؛ لأن حياة الجنة الطيبة هي أجرهم الذي يجزونه. وقال أبو حيان (في البحر): والظاهر من قوله تعالى: ﴿فَتُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ﴾ أن ذلك في الدنيا؛ وهو قول الجمهور، ويدل عليه قوله: ﴿وَيَجْرِيَهُمْ أَجْرَهُ﴾ [الزمر: ٣٥] يعني في الآخرة. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ ٩٨ أظهر القولين في هذه الآية الكريمة أن الكلام على حذف الإرادة؛ أي فإذا أردت قراءة القرآن ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ ... الآية. وليس المراد أنه إذا قرأ القرآن وفرغ من قراءته استعاذ بالله من الشيطان كما يفهم من ظاهر الآية، وذهب إليه بعض أهل العلم، والدليل على ما ذكرنا تكرر حذف الإرادة في القرآن وفي كلام العرب لدلالة المقام عليها؛ كقوله: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ﴾ [المائدة: ٦]، أي أردتم القيام إليها كما هو ظاهر، وقوله: ﴿إِذَا تَتَّجَيْهُمْ فَلاَ تَكَتَجَوْ بِالْإِثْمِ﴾ [المجادلة: ٩]؛ أي إذا أردتم أن تتناجوا فلا تتناجوا بالإثم؛ لأن النهي إنما هو عن أمر مستقبل يراد فعله، ولا يصح النهي عن فعل مضى وانقضى كما هو واضح. وظاهر هذه الآية الكريمة أن الاستعاذة من الشيطان الرجيم واجبة عند القراءة؛ لأن صيغة افعل للوجوب كما تقرر في الأصول. وقال كثير من أهل العلم: إن الأمر في الآية للندب والاستحباب، وحكى عليه الإجماع أبو جعفر بن جرير وغيره من الأئمة، وظاهر الآية أيضاً: الأمر بالاستعاذة عند القراءة في الصلاة لعموم الآية، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانُّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَيْهِمْ يَتَّوَكَّلُونَ إِنَّمَا ٩٩ سُلْطَانُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَاَلَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ ﴾﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الشيطان ليس له سلطان على المؤمنين المتوكلين على الله، وأن سلطانه إنما هو على أتباعه الذين يتولونه والذين هم به مشركون. وبين هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ أَتَّعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ. ٤٣ ٣٩٣ سورة النحل: الآيات (٩٨ - ١٠٠). (٨) ﴾ [ص]، وقوله: إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [الحجر]، وقوله: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿وَمَا [الإسراء]، وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَيْكَ وَكِيلًا كَانَ لَهُ عَلَتِهِم ◌ِن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِلَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكٍ﴾ [سبأ: ٢١]، وقولهِ: ﴿وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِّنِ سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. واختلف العلماء في معنى السلطان في هذه الآيات. فقال أكثر أهل العلم: هو الحجة، أي ليس للشيطان عليهم حجة فيما يدعوهم إليه من عبادة الأوثان. وقال بعضهم: ليس له سلطان عليهم؛ أي تسلط وقدرة على أن يوقعهم في ذنب لا توبة منه. وقد قدمنا هذا. والمراد بـ﴿ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ الذين يطيعونه فيوالونه بالطاعة. وأظهر الأقوال في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ﴾ أن الضمير عائد إلى الشيطان لا إلى الله، ومعنى كونهم مشركين به هو طاعتهم له في الكفر والمعاصي؛ كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَلَبَنِيّ ءَادَمَ أَنَ لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾﴾ [يس]، وقوله عن إبراهيم: ﴿يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنَ﴾ [مريم: ٤٤] إلى غير ذلك من الآيات. وأما سلطانه على الذين يتولونه فهو ما جعلوه له على أنفسهم من الطاعة والاتباع والموالاة، بغير موجب يستوجب ذلك. تنبيه: فإنه قيل: أثبت الله للشيطان سلطاناً على أوليائه في آيات، كقوله هنا: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَتِهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ أَتَّعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾﴾ [الحجر] فالاستثناء يدل على أن له سلطاناً على من اتبعه من الغاوين؛ مع أنه نفى عنه السلطان عليهم في آيات أخر، كقوله: ﴿وَلَقَدْ صَذَقَ عَلَيْهِمْ إِيْلِسُ ظَنَّهُ فَتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) وَمَا كَانَ لَهُمْ عَلَيْهِم مِّنَ سُلْطَانٍ﴾ [سبأ: ٢٠ -٢١]. وقوله تعالى حاكياً عنه مقرراً له: ﴿وَمَا كَانَ لَِ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُ فَأُسْتَجِبْتُمْ لِى﴾. فالجواب هو: أن السلطان الذي أثبته له عليهم غير السلطان الذي نفاه، وذلك من وجھین : الأول: أن السلطان المثبت له هو سلطان إضلاله لهم بتزيينه، والسلطان المنفي هو سلطان الحجة؛ فلم يكن لإبليس عليهم من حجة يتسلط بها، غير أنه دعاهم فأجابوه بلا حجة ولا برهان. وإطلاق السلطان على البرهان كثير في القرآن. الثاني: أن الله لم يجعل له عليهم سلطاناً ابتداء البتة، ولكنهم هم الذين سلطوه على أنفسهم بطاعاته ودخولهم في حزبه، فلم يتسلط عليهم بقوة؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]. وإنما تسلط عليهم بإرادتهم واختيارهم. ذكر هذا الجواب بوجهيه العلامة ابن القيم تخذه. وقد بينا هذا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب. ٣٩٤- سورة النحل: الآية (١٠١) قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَكَانَ ءَايَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّدُ قَالُواْ إِنَّمَآ أَنْتَ مُفْتَّرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (4)﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه إذا بدل آية مكان آية، بأن نسخ آية أو أنساها، وأتى بخير منها أو مثلها - أن الكفار يجعلون ذلك سبباً للطعن في الرسول و لو؛ بادعاء أنه كاذب على الله، مفتر عليه. زعماً منهم أن نسخ الآية بالآية يلزمه البداء، وهو الرأي المجدد، وأن ذلك مستحيل على الله، فيفهم عندهم من ذلك أن النبي ﴿ مفتر على الله زاعمين أنه لو كان من الله لأقره وأثبته، ولم يطرأ له فيه رأي متجدد حتی ینسخه. والدليل على أن قوله: ﴿بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَكَانَ ءَايَةٍ﴾ معناه: نسخنا آية وأنسيناها قوله تعالى: ﴿مَا نَسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، وقوله: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلاَ تَنَسَ إِلَّا مَا شَآءَ اللَّه﴾ [الأعلى: ٦ - ٧] أي أن تنساه. والدليل على أنه إن نسخ آية أو أنساها، لا بد أن يأتي ببدل خير منها أو مثلها قوله تعالى: ﴿نَأَتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَاً﴾ [البقرة: ١٠٦]، وقوله هنا: ﴿بَدَّلْنَآ ءَايَةٌ مَكَانَ ءَايَةٍ﴾ وما زعمه المشركون واليهود من أن النسخ مستحيل على الله لأنه يلزمه البداء، وهو الرأي المتجدد - ظاهر السقوط، واضح البطلان لكل عاقل؛ لأن النسخ لا يلزمه البداء البتة، بل الله - جل وعلا - يشرع الحكم وهو عالم بأن مصلحته ستنقضي في الوقت المعين، وأنه عند ذلك الوقت ينسخ ذلك الحكم ويبدله بالحكم الجديد الذي فيه المصلحة؛ فإذا جاء ذلك الوقت المعين أنجز - جل وعلا - ما كان في علمه السابق من نسخ ذلك الحكم، الذي زالت مصلحته بذلك الحكم الجديد الذي فيه المصلحة، كما أن حدوث المرض بعد الصحة وعكسه، وحدوث الغنى بعد الفقر وعكسه، ونحو ذلك لا يلزم فيه البداء؛ لأن الله عالم بأن حكمته الإلهية تقتضى ذلك التغيير في وقته المعين له، على وفق ما سبق في العلم الأزلي كما هو واضح. قد أشار - جل وعلا - إلى علمه بزوال المصلحة من المنسوخ، وتمحضها في الناسخ بقوله هنا: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّدُ﴾ وقوله: ﴿فَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَاُ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ﴾ [البقرة: ١٠٦]، وقوله: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلاَ تَنْسَ ﴿٦ إِلَّا مَا شَآءَ اللّهَ إِنَُّ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ﴾﴾ [الأعلى]، فقوله: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ [الأعلى: ٧] بعد قوله: ﴿إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧] يدل على أنه أعلم بما ينزل؛ فهو عالم بمصلحة الإنساء، ومصلحة تبديل الجديد من الأول المنسى. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة: المسألة الأولى: لا خلاف بين المسلمين في جواز النسخ عقلاً وشرعاً، ولا في وقوعه فعلاً، ومن ذكر عنه خلاف في ذلك كأبي مسلم الأصفهاني - فإنه إنما يعني أن النسخ تخصيص لزمن الحكم بالخطاب الجديد؛ لأن ظاهر الخطاب الأول استمرار ٣٩٥ سورة النحل: الآية (١٠١) الحكم في جميع الزمن. والخطاب الثاني دل على تخصيص الحكم الأول بالزمن الذي قبل النسخ؛ فليس النسخ عنده رفعاً للحكم الأول. وقد أشار إليه في (مراقي السعود) بقوله في تعريف النسخ: رفع لحكم أو بيان الزمن بمحكم القرآن أو بالسنن وإنما خالف فيه اليهود وبعض المشركين، زاعمين أنه يلزمه البداء كما بينا. ومن هنا قالت اليهود: إن شريعة موسى يستحيل نسخها . المسألة الثانية: لا يصح نسخ حكم شرعي إلا بوحي من كتاب أو سنة؛ لأن الله - جل وعلا - يقول: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَانُنَا بَيِّنَتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا أَنْتِ ◌ِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلَّهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِيَّ أَنْ أُبَدِّلَمُ مِن تِلْقَآَمِ نَفْسِىٌّ إِنْ أَنَّبِعُ إِلَّ مَا يُؤْحَىّ إِلَىٌّ إِنَّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾﴾ [يونس] - وبه تعلم أن النسخ بمجرد العقل ممنوع، وكذلك لا نسخ بالإجماع؛ لأن الإجماع لا ينعقد إلا بعد وفاته والر؛ لأنه ما دام حياً فالعبرة بقوله وفعله وتقريره وَلّ، ولا حجة معه في قول الأمة؛ لأن اتباعه فرض على كل أحد؛ ولذا لا بد في تعريف الإجماع من التقييد بكونه بعد وفاته ، كما قال صاحب (المراقي) في تعريف الإجماع: وهو الاتفاق من مجتهدي الأمة من بعد وفاة أحمد وبعد وفاته ينقطع النسخ؛ لأنه تشريع، ولا تشريع البتة بعد وفاته وَيهر، وإلى كون العقل والإجماع لا يصح النسخ بمجردهما - أشار في (مراقي السعود) أيضاً بقوله في النسخ: فلم يكن بالعقل أو مجرد الإجماع بل ينمي إلى المستند وقوله: ((بل ينمي إلى المستند)) يعني أنه إذا وجد في كلام العلماء أن نصًّا منسوخاً بالإجماع، فإنهم إنما يعنون أنه منسوخ بالنص الذي هو مستند الإجماع، لا بنفس الإجماع؛ لما ذكرنا من منع النسخ به شرعاً، وكذلك لا يجوز نسخ الوحي بالقياس على التحقيق، وإليه أشار في (المراقي) بقوله: هو الذي ارتضاه جل الناس ومنع نسخ النص بالقياس: أي وهو الحق. المسألة الثالثة: اعلم أن ما يقوله بعض أهل الأصول من المالكية والشافعية وغيرهم من جواز النسخ بلا بدل، وعزاه غير واحد للجمهور، وعليه درج في (المراقي) بقوله :. وينسخ الخف بماله ثقل وقد يجيء عارياً من البدل أنه باطل بلا شك. والعجب ممن قال به من العلماء الأجلاء مع كثرتهم، مع أنه مخالف مخالفة صريحة لقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَحْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُفِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَاً﴾ [البقرة: ١٠٦] فلا كلام البتة لأحد بعد كلام الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اَللَّهِ ٣٩٦ سورة النحل: الآية (١٠١) قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]، ﴿مَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اَللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠] فقد ربط - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة بين النسخ، وبين الإتيان ببدل المنسوخ على سبيل الشرط والجزاء، ومعلوم أن الصدق والكذب في الشرطية على سبيل الشرط والجزاء، ومعلوم أن الصدق والكذب في الشرطية يتواردان على الربط؛ فيلزم أنه كلما وقع النسخ وقع الإتيان بخير من المنسوخ أو مثله كما هو ظاهر. وما زعمه بعض أهل العلم من أن النسخ وقع في القرآن بلا بدل وذلك في قوله تعالى: ﴿َّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا نَجْهُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَنَّكُزْ صَدَقَّةٌ﴾ [المجادلة: ١٢] فإنه نسخ بقوله: ﴿وَأَشْفَقْتُ أَنْ تُقَدِّعُواْ بَيْنَ يَدَىْ تَجْوَنَكُمْ صَدَقَتٍ﴾ [المجادلة: ١٣]، ولا بدل لهذا المنسوخ. فالجواب أن له بدلاً، وهو أن وجوب تقديم الصدقة أمام المناجاة لما نسخ بقي استحباب الصدقة وندبها، بدلاً من الوجوب المنسوخ كما هو ظاهر. المسألة الرابعة: اعلم أنه يجوز نسخ الأخف بالأثقل، والأثقل بالأخف، فمثال نسخ الأخف بالأثقل: نسخ التخيير بين الصوم والإطعام المنصوص عليه في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] بأثقل منه، وهو تعيين إيجاب الصوم في قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ونسخ حبس الزواني في البيوت المنصوص عليه بقوله: ﴿فَأَمْسِكُهُنَّ فِى الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥]، بأثقل منه وهو الجلد والرجم المنصوص على الأول منهما في قوله: ﴿الَِّيَّةُ وَالَِّ فَجْلِدُواْ كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِاْتَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وعلى الثاني منهما بآية الرجم التي نسخت تلاوتها وبقي حكمها ثابتاً، وهي قوله: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله، والله عزيز حكيم). ومثال نسخ الأثقل بالأخف: نسخ وجوب مصابرة المسلم عشرة من الكفار المنصوص عليه في قوله: ﴿إِن يَكُنْ مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْتَنَيْنٍ﴾ [الأنفال: ٦٥]، بأخف منه وهو مصابرة المسلم اثنين منهم المنصوص عليه في قوله: ﴿ٌلْتَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَ فِيَكُمْ ضَعْفَأْ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّْتَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْتَتَيْنٍ﴾ [الأنفال: ٦٦]. وكنسخ قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ فإنه نسخ للأثقل بالأخف كما هو ظاهر. وكنسخ اعتداد المتوفى عنها بحول، المنصوص عليه في قوله: ﴿وَلَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةُ لِّأَزْوَجِهِمِ مَّتَعَّا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، بأخف منه وهو الاعتداد بأربعة أشهر وعشر، المنصوص عليه في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجَا يَتَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. تنبيه: اعلم أن في قوله - جل وعلا -: ﴿فَأَتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَاً﴾ [البقرة: ١٠٦] إشكالاً من جهتين: الأولى: أن يقال: إما أن يكون الأثقل خيراً من الأخف؛ لأنه أكثر أجراً، أو ٣٩٧ سورة النحل: الآية (١٠١) - الأخف خير من الأثقل لأنه أسهل منه، وأقرب إلى القدرة على الامتثال، وكون الأثقل خيراً يقتضي منع نسخه بالأخف، كما أن كون الأخف خيراً يقتضى منع نسخه بالأثقل؛ لأن الله صرح بأنه يأتي بما هو خير من المنسوخ أو مماثل له، لا ما هو دونه. وقد عرفت أن الواقع جواز نسخ كل منهما بالآخر. الجهة الثانية من جهتي الإشكال في قوله: ﴿أَوْ مِثْلِهَاً﴾ [البقرة: ١٠٦]؛ لأنه يقال: ما الحكمة في نسخ المثل ليبدل منه مثله؟ وأي مزية للمثل على المثل حتى ينسخ ويبدل منه؟ والجواب عن الإشكال الأول: هو أن الخيرية تارة تكون في الأثقل لكثرة الأجر، وذلك فيما إذا كان الأجر كثيراً جداً والامتثال غير شديد الصعوبة؛ كنسخ التخيير بين الإطعام والصوم بإيجاب الصوم؛ فإن في الصوم أجراً كثيراً كما في الحديث القدسي: ((إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به))، والصائمون من خيار الصابرين؛ لأنهم صبروا لله عن شهوة بطونهم وفروجهم؛ والله يقول: ﴿إِنََّا يُوَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ومشقة الصوم عادية ليس فيها صعوبة شديدة تكون مظنة لعدم القدرة على الامتثال، وإن عرض ما يقتضى ذلك كمرض أو سفر؛ فالتسهيل برخصة الإفطار منصوص بقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنكُم مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وتارة تكون الخيرية في الأخف، وذلك فيما إذا كان الأثقل المنسوخ شديد الصعوبة بحيث يعسر فيه الامتثال؛ فإن الأخف يكون خيراً منه؛ لأن مظنة عدم الامتثال تعرض المكلف للوقوع فيما لا يرضي الله، وذلك كقوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِىّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبِكُمْ بِ اَللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] فلو لم تنسخ المحاسبة بخطرات القلوب لكان الامتثال صعباً جداً، شاقاً على النفوس، لا يكاد يسلم من الإخلال به، إلا من سلمه الله تعالى، فلا شك أن نسخ ذلك بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] خير للمكلف من بقاء ذلك الحكم الشاق، وهكذا . والجواب عن الإشكال الثاني هو أن قوله: ﴿أَوْ مِثْلِهَاً﴾ يراد به مماثلة الناسخ والمنسوخ في حد ذاتيهما؛ فلا ينافي أن يكون الناسخ يستلزم فوائد خارجة عن ذاته يكون بها خيراً من المنسوخ، فيكون باعتبار ذاته مماثلاً للمنسوخ، وباعتبار ما يستلزمه من الفوائد التي لا توجد في المنسوخ خيراً من المنسوخ. وإيضاحه أن عامة المفسرين يمثلون لقوله: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ بنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال بيت الله الحرام؛ فإن هذا الناسخ والمنسوخ بالنظر إلى ذاتيهما متماثلان؛ لأن كل واحد منهما جهة من الجهات، وهي في حقيقة أنفسها متساوية، فلا ينافي أن يكون الناسخ مشتملاً على حكم خارجة عن ذاته تصيره خيراً من المنسوخ بذلك الاعتبار، فإن استقبال بيت الله الحرام تلزمه نتائج متعددة مشار لها في القرآن ليست موجودة في استقبال بيت المقدس، منها: أنه يسقط به احتجاج كفار مكة على ٣٩٨ - سورة النحل: الآية (١٠١) النبي ◌َو بقولهم: تزعم أنك على ملة إبراهيم ولا تستقبل قبلته! وتسقط به حجة اليهود بقولهم: تعيب ديننا وتستقبل قبلتنا، وقبلتنا من ديننا! وتسقط به أيضاً حجة علماء اليهود فإنهم عندهم في التوراة أنه لو سوف يؤمر باستقبال بيت المقدس، ثم يؤمر بالتحول عنه إلى استقبال بيت الله الحرام، فلو لم يؤمر بذلك لاحتجوا عليه بما عندهم في التوراة من أنه سيحول إلى بيت الله الحرام، والفرض أنه لم يحول. وقد أشار تعالى إلى هذه الحكم التي هي إدحاض هذه الحجج الباطلة بقوله: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطَرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٌ﴾ [البقرة: ١٤٩] ثم بين الحكمة بقوله: ﴿ِثَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةُ﴾ [البقرة: ١٥٠]. وإسقاط هذه الحجج من الدواعي التي دعته ويله إلى حب التحويل إلى بيت الله الحرام المشار إليه في قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِىِ السَّمَاءِ فَلَنُوْلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا فَوَلِ وَجْهَكَ شَطَرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. المسألة الخامسة: اعلم أن النسخ على ثلاثة أقسام: الأول: نسخ التلاوة والحكم معاً، ومثاله ما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة ثا قالت: ((كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ... )) الحديث، فآية عشر رضعات منسوخة التلاوة والحكم إجماعاً. : ن الثاني: نسخ التلاوة وبقاء الحكم، ومثاله آية الرجم المذكورة آنفاً، وآية خمس رضعات على قول الشافعي وعائشة ومن وافقهما. الثالث: نسخ الحكم وبقاء التلاوة، وهو غالب ما في القرآن المنسوخ؛ كآية المصابرة، والعدة، والتخيير بين الصوم والإطعام، وحبس الزواني. كما ذكرنا ذلك كله آنفاً . المسألة السادسة: اعلم أنه لا خلاف بين العلماء في نسخ القرآن بالقرآن، ونسخ السنة بمتواتر السنة. واختلفوا في نسخ القرآن بالسنة كعكسه، وفي نسخ المتواتر بأخبار الآحاد، وخلافهم في هذه المسائل معروف. وممن قال بأن الكتاب لا ينسخ إلا بالكتاب، وأن السنة لا تنسخ إلا بالسنة: الشافعي تخلّتُهُ. قال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - هو أن الكتاب والسنة كلاهما ينسخ بالآخر؛ لأن الجميع وحي من الله تعالى، فمثال نسخ السنة بالكتاب: نسخ استقبال بيت المقدس باستقبال بيت الله الحرام؛ فإن استقبال بيت المقدس أولاً إنما وقع بالسنة لا بالقرآن، وقد نسخه الله بالقرآن في قوله: ﴿فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا﴾ [البقرة: ١٤٤]. ومثال نسخ الكتاب بالسنة: نسخ آية عشر رضعات تلاوة وحكماً بالسنة المتواترة. ونسخ سورة الخلع وسورة الحفد تلاوة وحكماً بالسنة المتواترة. وسورة الخلع وسورة الحفد: هما القنوت في الصبح عند المالكية. وقد أوضح صاحب (الدر المنثور) وغيره تحقيق أنهما كانتا سورتين من كتاب الله ثم نسختا. ٣٩٩ سورة النحل: الآية (١٠١) - وقد قدمنا في سورة الأنعام أن الذي يظهر لنا أنه الصواب: هو أن أخبار الآحاد الصحيحة يجوز نسخ المتواتر بها إذا ثبت تأخرها عنه، وأنه لا معارضة بينهما؛ لأن المتواتر حق، والسنة الواردة بعده إنما بينت شيئاً جديداً لم يكن موجوداً قبل، فلا معارضة بينهما البتة لاختلاف زمنهما. فقوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥]، يدل بدلالة المطابقة دلالة صريحة على إباحة لحوم الحمر الأهلية؛ لصراحة الحصر بالنفي والإثبات في الآية في ذلك. فإذا صرح النبي وَّل بعد ذلك يوم خيبر في حديث صحيح ((بأن لحوم الحمر الأهلية غير مباحة)) فلا معارضة البتة بين ذلك الحديث الصحيح وبين تلك الآية النازلة قبله بسنين؛ لأن الحديث دل على تحريم جديد، والآية ما نفت تجدد شيء في المستقبل كما هو واضح. فالتحقيق - إن شاء الله - هو جواز نسخ المتواتر بالآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه، وإن خالف فيه جمهور الأصوليين، ودرج على خلافه وفاقاً للجمهور صاحب (المراقي) بقوله: والنسخ بالآحاد للكتاب ليس بواقع على الصواب ومن هنا تعلم أنه لا دليل على بطلان قول من قال: إن الوصية للوالدين والأقربين منسوخة بحديث ((لا وصية لوارث)). والعلم عند الله تعالى. المسألة السابعة: اعلم أن التحقيق هو جواز النسخ قبل التمكن من الفعل، فإن قيل: ما الفائدة في تشريع الحكم أولاً إذا كان سينسخ قبل التمكن من فعله؟ فالجواب: أن الحكمة ابتلاء المكلفين بالعزم على الامتثال. ويوضح هذا - أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ولده، وقد نسخ عنه هذا الحكم بفدائه بذبح عظيم قبل أن يتمكن من الفعل. وبين أن الحكمة في ذلك: الابتلاء بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَتُواْ الْمُبِينُ [الصافات] ومن أمثلة النسخ قبل التمكن من الفعل: نسخ خميس ١٠٧ وَقَدَيْنَهُ بِذِبْجِ عَظِيمٍ وأربعين صلاة ليلة الإسراء، بعد أن فرضت الصلاة خمسين صلاة، كما هو معروف. وقد أشار إلى هذه المسألة في (مراقي السعود) بقوله: جاء وقوعاً في صحيح النقل. والنسخ من قبل وقوع الفعل المسألة الثامنة: اعلم أن التحقيق أنه ما كل زيادة على النص تكون نسخاً، وإن خالف في ذلك الإمام أبو حنيفة تَظُّ، بل الزيادة على النص قسمان : . قسم مخالف للنص المذكور قبله، وهذه الزيادة تكون نسخاً على التحقيق؛ كزيادة تحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع مثلاً، على المحرمات الأربعة المذكورة في آية: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]؛ لأن الحمر الأهلية ونحوها لم يسكت عن حكمه في الآية، بل مقتضى الحصر بالنفي والإثبات في ٤٠٠ سورة النحل: الآيتان (١٠٢ - ١٠٣) قوله: ﴿لَّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ: إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْنَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥] - صريح في إباحة الحمر الأهلية وما ذكر معها؛ فكون زيادة تحريمها نسخاً أمر ظاهر. وقسم لا تكون الزيادة فيه مخالفة للنص، بل تكون زيادة شيء سكت عنه النص الأول، وهذا لا يكون نسخاً، بل بيان حكم شيء كان مسكوتاً عنه؛ كتغريب الزاني البكر، وكالحكم بالشاهد، واليمين في الأموال. فإن القرآن في الأول أوجب الجلد وسكت عما سواه، فزاد النبي حكماً كان مسكوتاً عنه، وهو التغريب. كما أن القرآن في الثاني فيه ﴿فَإِن لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وسكت عن حكم الشاهد واليمين، فزاد النبي ◌َّ- حكماً كان مسكوتاً عنه؛ وإلى هذا أشار في (مراقي السعود) بقوله: وليس تسخاً كل ما أفادا فيما رسا بالنص إلا ازديادا وقد قدمنا هذا في الأنعام في الكلام على قوله: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِىَ إِلَ مُحَرَّمَا﴾ [الأنعام: ١٤٥] .. قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَمُ رُوعُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِ﴾ أمر الله - جل وعلا - نبيه وَل في هذه الآية الكريمة أن يقول: إن هذا القرآن الذي زعموا أنه افتراء بسبب تبديل الله آية مكان آية - أنه نزله عليه روح القدس من ربه - جل وعلا - فليس مفترياً له، وروح القدس: جبريل، ومعناه الروح المقدس؛ أي الطاهر من كل ما لا يليق. وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧]، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَغِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ (٤٢) نَزَّلَ بِهِ الرُُّعُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٤) بِسَانٍ عَرَبٍِّ قُبِينٍ (٢٥)﴾ [الشعراء]، وقوله: ﴿وَلَا تَعْجُلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]، وقوله: ﴿لَا تُحُرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بٍِ ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَهُ فَعْ قُرْءَانَهُ (٣٨)﴾ [القيامة]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾. أقسم - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه أعلم أن الكفار يقولون: إن هذا القرآن الذي جاء به النبي وقال ليس وحياً من الله، وإنما تعلمه من بشر من الناس. وأوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ أَكْتَتَبَهَا فَهِىَ ثُعْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾﴾ [الفرقان]، وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّ ◌ِرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤] أي يرويه محمد وَ ل﴿ عن غيره، وقوله: ﴿وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾ [الأنعام: ١٠٥]. كما تقدم في الأنعام. وقد اختلف العلماء في تعيين هذا البشر الذي زعموا أنه يعلم النبي ◌َّر، وقد صرح القرآن بأنه أعجمي اللسان؛ فقيل: هو غلام الفاكه بن المغيرة، واسمه جبر، وكان نصرانيًّا فأسلم. وقيل: اسمه يعيش عبد لبني الحضرمي، وكان يقرأ الكتب الأعجمية. وقيل: غلام لبني عامر بن لؤى. وقيل: هما غلامان: اسم أحدهما يسار،