النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ سورة النحل: الآيتان (٢٦ - ٢٧) وبيّن مكر رؤساء الكفار في قوله: ﴿بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَآَ أَنْ تَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ [سبأ: ٣٣]. والمكر: إظهار الطيب وإبطان الخبيث، وهو الخديعة. وقد بيّن - جل وعلا - أن المكر السيئ لا يرجع ضرره إلا على فاعله؛ وذلك في قوله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَِّّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ،﴾ [فاطر: ٤٣]. قوله تعالى: ﴿فَأَى اَللَّهُ بُنْيَنَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾. أي اجتثه من أصله واقتلعه من أساسه، فأبطل عملهم وأسقط بنيانهم، وهذا الذي فعل بهؤلاء الكفار الذين هم نمروذ وقومه، كما قدمنا في ((سورة الحجر))، فعل مثله أيضاً بغيرهم من الكفار؛ فأبطل ما كانوا يفعلون ويدبرون، كقوله: ﴿وَدَقَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧]، وقوله: ﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَارًّاً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقوله: ﴿فَأَنَنُهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَّ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِهِمْ وَأَيْدِى اٌلْمُؤْمِنِينَ فَأَعْتَبِرُوا يَأْوَلِىِ الْأَبْصَرِ﴾ [الحشر: ٢] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يُخْزِيهِمْ﴾. أي يفضحهم على رؤوس الأشهاد ويهينهم بإظهار فضائحهم، وما كانت تجنه ضمائرهم، فيجعله علانية. وبيّن هذا المعنى في مواضع [العاديات]؛ أي ، وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ أخر، كقوله: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِىِ الْقُبُورِ ( أظهر علانية ما كانت تكنه الصدور، وقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى التَّرَآِرُ ﴾ [الطارق]. وقد بيّن - جل وعلا - في موضع آخر أن من أدخل النار فقد ناله هذا الخزي المذكور، وذلك في قوله: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] وقد قدمنا في سورة ((هود)» إيضاح معنى الخزي. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآَوِىَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَقُونَ فِهِمْ﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه يسأل المشركين يوم القيامة سؤال توبيخ، فيقول لهم: أين المعبودات التي كنتم تخاصمون رسلي وأتباعهم بسببها، قائلين: إنكم لا بد لكم أن تشركوها معي في عبادتي! وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَاءِىَ الَّذِينَ مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٣)﴾ [القصص]، وقوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ [الشعراء]، وقوله: ﴿ثُمَّ قِلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ (٣) مِن دُونِ يَنْصُرُونَكُ أَوْ يَصِرُونَ اللَّهِ قَالُواْ ضَلُواْ عَنَّا﴾ [غافر: ٧٣، ٧٤]، وقوله: ﴿حَّ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قَالُواْ ضَلُواْ عَنَّا﴾ [الأعراف: ٣٧]، إلى غير ذلك من الآيات. وقرأ عامة القراء ﴿شُرَكَاِىَ﴾ بالهمزة وياء المتكلم، ويروى عن ابن كثير من رواية البزي أنه قرأ ((شركاي)) بياء المتكلم دون همز، ولم تثبت هذه القراءة. وقرأ الجمهور ﴿تُشَقُّونَ﴾ بنون الرفع مفتوحة مع حذف المفعول. وقرأ نافع ((تشاقون)) بكسر النون الخفيفة التي هي نون الوقاية، والمفعول به ياء المتكلم المدلول عليها بالكسرة مع ٣٤٢- سورة النحل: الآية (٢٨). حذف نون الرفع، لجواز حذفها من غير ناصب ولا جازم إذا اجتمعت مع نون الوقاية، كما تقدم تحريره في ((سورة الحجر)) في الكلام على قوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤]. قوله تعالى: ﴿قَلْقَواْ السَّلَمْ﴾. أي الاستسلام والخضوع، والمعنى أظهروا كمال الطاعة والانقياد، وتركوا ما كانوا عليه من الشقاق. وذلك عندما يعاينون الموت، أو يوم القيامة، يعني أنهم في الدنيا يشاقون الرسل؛ أي يخالفونهم ويعادونهم، فإذا عاينوا الحقيقة ألقوا السلم، أي خضعوا واستسلموا وانقادوا حيث لا ينفعهم ذلك. ومما يدل في القرآن على أن المراد بإلقاء السلم: الخضوع والاستسلام قوله: ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] على قراءة نافع وابن عامر وحمزة بلا ألف بعد اللام؛ بمعنى الانقياد والإذعان، وقوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَئِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء: ٩٠]، وقوله: ﴿فَإِنِ لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُّواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء: ٩١]. والقول بأن السلم في الآيتين الأخيرتين: الصلح والمهادنة لا ينافي ما ذكرنا؛ لأن المصالح منقاد مذعن لما وافق عليه من ترك السوء، وقوله: ﴿وَأَلْقَوْ إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَّمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (® [النحل: ٨٧] فكله بمعنى الاستسلام والخضوع والانقياد. والانقياد عند معاينة الموت لا ينفع، كما قدمنا، وكما دلت عليه آيات كثيرة؛ كقوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ اَلْثَلَنَ﴾ [النساء: ١٨]، وقوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَنُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأَسَنَا﴾ [غافر: ٨٥]، وقوله: ءَالْتَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [يونس]، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوَّعٍ بَلَّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يعني أن الذين تتوفاهم الملائكة في حال كونهم ظالمي أنفسهم إذا عاينوا الحقيقة ألقوا السلم وقالوا: ما كنا نعمل من سوء، فقوله: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوْمَ﴾ معمول قول محذوف بلا خوف. والمعنى أنهم ينكرون ما كانوا يعملون من السوء، وهو الكفر وتكذيب الرسل والمعاصي، وقد بيّن الله كذبهم بقوله: ﴿بَلَىَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .. وبيّن في مواضع أخر أنهم ينكرون ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي كما ذكر هنا، وبيّن كذبهم في ذلك أيضاً؛ كقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَفُهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ وَاللَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَّ مُشْرِكِينَ ﴿ أَنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (٣)﴾ [الأنعام]، وقوله: ﴿قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا بَل لَّمْ تَكُنْ تَدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اَللَّهُ اَلْكَفِرِينَ﴾ [غافر: ٧٤] وقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَعْطِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُّ وَيَحْسَبُونَ أَهُمْ عَلَى شَىْءٍّ أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ اَلْكَذِبُونَ ﴾﴾ [المجادلة]، وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا تَّحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢] أي حراماً محرماً أن تمسونا بسوء؛ لأنا لم نفعل ما نستحق به ذلك، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله هنا (بلى)) تكذيب لهم في قولهم: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوْعَ﴾. تنبيه: لفظة ((بلى)) لا تأتي في اللغة العربية إلا لأحد معنيين لا ثالث لهما: ٣٤٣ سورة النحل: الآيتان (٢٩ - ٣٠). الأول: أن تأتي لإبطال نفي سابق في الكلام، فهي نقيضة، ((لا))؛ لأن ((لا)) لنفي الإثبات، و((بلى)) لنفي النفي، كقوله هنا: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ فهذا النفي نفته لفظة ((بلى))؛ أي كنتم تعملون السوء من الكفر والمعاصي؛ وكقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنْ أَنْ يُبْعَثُواْ قُلْ بَى وَرَبِّ ◌َنُعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]، وكقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِنَا السَّاعَةٌ قُلْ بَلَى وَرَبِّ لَتَأْتِنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣] وقوله: ﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ اُلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودَّا أَوْ نَصَرَََّ﴾ [البقرة: ١١١] فإنه نفى هذا النفي بقوله : - جل وعلا -: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ ... الآية [البقرة: ١١٢]، ومثل هذا كثير في القرآن وفي كلام العرب. الثاني: أن تكون جواباً لاستفهام مقترن بنفي خاصة، كقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبَّكُمْ قَالُواْ بٌَّ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمَّ بَلَى﴾ [يس: ٨١]، وقوله: ﴿قَالُواْ أَوْلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيْنَتِّ قَالُواْ بَلَى﴾ [غافر: ٥٠]، وهذا أيضاً كثير في القرآن وفي كلام العرب، أما إذا كان الاستفهام غير مقترن بنفي فجوابه بـ(نعم)) لا بابلى)) وجواب الاستفهام المقترن بنفي و((نعم)) مسموع غير قياسي، كقوله: وإيانا فذاك لنا تداني أليس الليل يجمع أم عمرو ويعلوها النهار كما علاني نعم، وترى الهلال كما أراه فالمحل ((بلى)) لا ((نعم)) في هذا البيت. فإن قيل: هذه الآيات تدل على أن الكفار يكتمون يوم القيامة ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي، كقوله عنهم: ﴿وَلَِّ رَيِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، وقوله: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوَّ﴾ ونحو ذلك مع أن الله صرح بأنهم لا يكتمون حديثاً في قوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]. فالجواب: هو ما قدمنا من أنهم يقولون بألسنتهم: ﴿وَللَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فيختم الله على أفواههم، وتتكلم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون، فالكتم باعتبار النطق بالجحود وبالألسنة. وعدم الكتم باعتبار شهادة أعضائهم عليهم قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوَاْ أَبْوَبَ جَهَّمَ﴾. لم يبين هنا عدد أبوابها، ولكنه بيّن ذلك في (سورة الحجر)) في قوله - جل وعلا -: ﴿لَمَا سَبْعَةُ أَبْوَبٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَّفْسُوهُ 33) والعلم عند الله تعالى. [الحجر] أرجو الله أن يعيذنا وإخواننا المسلمين منها ومن جميع أبوابها! إنه رحيم كريم. قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ أَنَّقَوْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرَأْ﴾ . ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن المتقين إذا سئلوا عما أنزل الله على رسول الله وَلّ قالوا: أنزل عليه خيراً؛ أي رحمة وهدى وبركة لمن اتبعه وآمن به، ويفهم من صفة أهل هذا الجواب بكونهم متقين - أن غير المتقين يجيبون جواباً غير هذا. وقد صرح تعالى بهذا المفهوم في قوله عن غير المتقين وهم الكفار: ﴿وَإِذَا قِيْلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ ﴾﴾ كما تقدم. ٣٤٤- سورة النحل: الآية (٣٠) قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِ هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّةٌ﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن من أحسن عمله في هذه الدار التي هي الدنيا كان له عند الله الجزاء الحسن في الآخرة. وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ لُْسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرَهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ◌ِلَّهُ﴾ [يونس: ٢٦]. والحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم. وقوله: ﴿وَجْرِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]، وقوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا اُلْإِحْسَنُ ﴾﴾ [الرحمن]، وقوله: ﴿مَنْ جَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل: ٨٩]، وقوله في هذه الآية: ﴿حَسَنَّةٌ﴾؛ أي مجازاة حسنة بالجنة ونعيمها، والآيات في مثل ذلك كثيرة. قوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن دار الآخرة خير من دار الدنيا، وكرر هذا المعنى في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَيَلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [القصص: ٨٠]، وقوله: ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لّلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]، وقوله: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَ ﴿ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَ ١٧ [الأعلى]، وقوله: ﴿وَلَلَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُوْلَى ﴾﴾ [الضحى]، وقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَاَلْقَتَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَاُلْأَنَْمِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيِّا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَغَابِ ﴿ قُلْ أَوْنَبِئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمُّ لِلَّذِينَ أَنَّقَوْ عِندَ رَبِّهِمْ جٌَّ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا اُلْأَنْهَدُ خَلِينَ فِيهَا وَأَزْوَجٌ مُطَهَرَةٌ وَرِضْوَبٌّ مِنَ اللهِ﴾ [آل عمران: ١٤، ١٥]. وقوله: ((خير)) صيغة تفضيل، حذفت همزتها لكثرة الاستعمال تخفيفاً؛ وإليه أشار ابن مالك في الكافية بقوله: وغالباً أغناهم خير وشر عن قولهم أخير منه وأشر وإنما قيل لتلك الدار: الدار الآخرة؛ لأنها هي آخر المنازل، فلا انتقال عنها البتة إلى دار أخرى. والإنسان قبل الوصول إليها ينتقل من محل إلى محل، فأول ابتدائه من التراب، ثم انتقل من أصل التراب إلى أصل النطفة، ثم إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ثم إلى العظام، ثم كسا الله العظام لحماً، وأنشأها خلقاً آخر، وأخرجه للعالم في هذه الدار، ثم ينتقل إلى القبر، ثم إلى المحشر، ثم يتفرقون ﴿يَوْمَِّذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْنَانًا﴾ [الزلزلة: ٦] فسالك ذات اليمين إلى الجنة، وسالك ذات الشمال إلى النار ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ) فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ فَهُمْ فِ رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ السَّاعَةُ يَوْمَيِذٍ يَنَفَرَّقُونَ ( ١٥ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا وَلِقَآَِ اُلْأَخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١)﴾ [الروم]. فإذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار - فعند ذلك تلقى عصا التسيار، ويذبح الموت، ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت! ويا أهل النار خلود فلا موت! ويبقى ذلك دائماً لا انقطاع له ولا تحول عنه إلى محل آخر. فهذا معنى وصفها بالآخرة، كما أوضحه - جل وعلا - بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ (٤) ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةُ فِ قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُرَ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ ٣٤٥ سورة النحل: الآيتان (٣٠ - ٣١) مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَمَا فَكَسَوْنَا اُلْعِظَامَ ◌َحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَا ءَآخَرَ فَتَبَارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ اْخَلِقِينَ ﴿ ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَسِنُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَئِمَةِ تُبْعَثُونَ (٣)﴾ [المؤمنون]. تنبيه: أضاف - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة الدار إلى الآخرة، مع أن الدار هي الآخِرة بدليل قوله: ﴿وَلَّارُ الْآَخِرَةُ﴾ الآية [الأنعام: ٣٢]، بتعريف الدار ونعتها بالآخرة في غير هذا الموضع، وعلى مقتضى قول ابن مالك في الخلاصة: ولا يضاف اسم لما به اتحد معنى وأول موهما إذا ورد فإن لفظ ((الدار)) يؤول بمسمى الآخرة، وقد بينا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في ((سورة فاطر)) في الكلام على قوله: ﴿وَمَكْرَ السَِّيْ﴾ [فاطر: ٤٣] أن الذي يظهر لنا أن إضافة الشيء إلى نفسه بلفظين مختلفين - أسلوب من أساليب اللغة العربية؛ لتنزيل التغاير في اللفظ منزلة التغاير في المعنى، وبينا كثرته في القرآن، وفي كلام العرب، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ . مدح الله - جل وعلا - دار المتقين التي هي الجنة في هذه الآية الكريمة؛ لأن ((نعم)) فعل جامد لإنشاء المدح. وكرر الثناء عليها في آيات كثيرة؛ لأن فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَيْتَ فِيًّا وَمُلْكَا كَبِيرًا (٥)﴾ [الإنسان]، والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً. قوله تعالى: ﴿جَّثُ عَدٍّ يَدْخُلُونَهَا غَجْرِى مِنْ تَحْنِهَا الْأَنْهَِّ لَهُمْ فِيَهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِى اَللَّهُ الْمُنَّفِينَ ﴾﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن المتقين يدخلون يوم القيامة جنات عدن، والعدن في لغة العرب: الإقامة، فمعنى جنات عدن: جنات إقامة في النعيم، لا يرحلون عنها، ولا يتحولون. وبيّن في آيات كثيرة أنهم مقيمون في الجنة على الدوام، كما أشار له هنا بلفظة ((عدن))، كقوله: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حَوْلًا﴾ [الكهف: ١٠٨]، وقوله: ﴿الَّذِىّ أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٥]. والمقامة: الإقامة. وقد تقرر في التصريف: أن الفعل إذا زاد على ثلاثة أحرف فالمصدر الميمي منه، واسم الزمان، واسم المكان كلها بصيغة اسم المفعول، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ أَمِينٍ (@)﴾ [الدخان] على قراءة نافع وابن عامر بضم الميم من الإقامة. وقوله: ﴿فَيِّمَا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن ◌َّدُّنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَكِنِينَ فِيهِ أَبَدًا ﴾﴾ [الكهف]، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿َّجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَئِ﴾ بين أنواع تلك الأنهار في قوله: ﴿فِيهَا أَنْهَرٌ مِّنِ مٍَّ غَيْرِ ءَاسِنٍ﴾ إلى قوله: ﴿مِّنْ عَسَلٍ مُصَفَّىَ﴾ [محمد: ١٥]، وقوله هنا: ﴿لَهُمْ فِيَهَا مَا يَشَآءُونَ﴾ أوضحه في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ فِيهَّا وَلَدَيْنَا ٣٤٦ - سورة النحل: الآية (٣٢) مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق]، وقوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُرُّ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١]، وقوله: ﴿لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَلِنَّ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا [الفرقان]، وقوله: ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَيْهِمَّ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الزمر]، وقوله: ) نُزُلًا مِّنْ عَفُورٍ تَّحِيم ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَذَّعُونَ [فصلت]، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية: ﴿ كَذَلِكَ يَجْزِى اَللَّهُ الْمُنَّقِينَ﴾ يدل على أن تقوى الله هو السبب الذي به تنال الجنة. وقد أوضح تعالى هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿َتِلْكَ الْجَنَّهُ الَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَفِيًّا (٣)﴾ [مريم]، وقوله: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَاَلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (٣)﴾ [آل عمران]، وقوله: ﴿إِنَّ [الحجر]، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَنَعِيمٍ (٣)﴾ [الطور] ٤٥) الْمُنَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ نَقَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ طَيِنٌ يَقُولُونَ سَلَهُ عَلَيْكُمْ أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ (٣٢) تَعْمَلُونَ ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن المتقين الذين كانوا يمتثلون أوامر ربهم، ويجتنبون نواهيه تتوفاهم الملائكة، أي يقبضون أرواحهم في حال كونهم طيبين؛ أي طاهرين من الشرك والمعاصي - على أصح التفسيرات - ويبشرونهم بالجنة، ويسلمون عليهم. وبيّن هذا المعنى أيضاً في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اُسْتَقَدِمُواْ تَخَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَِّى كُمْ تُوعَدُونَ (9)﴾ [فصلت]، وقوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَُهَا سَلَمُ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، وقوله: ﴿وَالْمَلَكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّنْ كُلِّ بَادٍ ﴿٣ سَلَمُ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىَ الَّارِ ﴾ [الرعد]، والبشارة عند الموت، وعند دخول الجنة من باب واحد؛ لأنها بشارة بالخير بعد الانتقال إلى الآخرة. ويفهم من صفات هؤلاء الذين تتوفاهم الملائكة طيبين ويقولون لهم سلام عليكم ادخلوا الجنة، أن الذين لم يتصفوا بالتقوى لم تتوفهم الملائكة على تلك الحال الكريمة، ولم تسلم عليهم، ولم تبشرهم. وقد بيّن تعالى هذا المفهوم في مواضع أخر، كقوله: ﴿ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَئِكَةُ ظَالِمِىّ أَنفُسِهِمّ فَلْقَوْ السَّلَمْ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ الَِّينَ تَوَفَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ ظَالِىّ أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]، وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ يَتَوََّّ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَبِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠]، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله: ﴿وَفَّهُمُ الْمَئِكَةُ ظَالِمِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ وقوله: ﴿نَوَقَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ طَيِِّينَ﴾، قرأهما عامة القراء غير حمزة ((تتوفاهم)) بتاءين فوقيتين، وقرأ حمزة ((يتوفاهم)) بالياء في الموضعين .. تنبيه: أسند هنا - جل وعلا - التوفي للملائكة في قوله: ﴿وَقَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ﴾ ٣٤٧٠ سورة النحل: الآية (٣٦) - وأسنده في ((السجدة)) لملك الموت في قوله: ﴿قُلْ يَوَقَّكُمْ مَّلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجد: ١١]، وأسنده في ((الزمر)) إلى نفسه - جل وعلا - في قوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَنَّ الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]. وقد بينا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة ((السجدة)): أنه لا معارضة بين الآيات المذكورة؛ فإسناده التوفي لنفسه؛ لأنه لا يموت أحد إلا بمشيئته تعالى، كما قال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اَللَّهِ كِنَبًا مُؤَجَّلَا﴾ [آل عمران: ١٤٥]، وأسنده لملك الموت؛ لأنه هو المأمور بقبض الأرواح، وأسنده إلى الملائكة لأن لملك الموت أعواناً من الملائكة ينزعون الروح من الجسد إلى الحلقوم فيأخذها ملك الموت، كما قاله بعض العلماء، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الَّاغُوتِّ﴾ . ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه بعث في كل أمة رسولاً بعبادة الله وحده، واجتناب عبادة ما سواه، وهذا هو معنى ((لا إله إلا الله))؛ لأنها مركبة في نفي وإثبات، فنفيها هو خلع جميع المعبودات غير الله تعالى في جميع أنواع العبادات، وإثباتها هو إفراده - جل وعلا - بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم صلوات الله وسلامه. وأوضح هذا المعنى كثيراً في القرآن عن طريق العموم والخصوص، فمن النصوص الدالة عليه مع عمومها قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَتَُّ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَتَأْ فَاعْبُدُونِ (٥)﴾ [الأنبياء]، وقوله: ﴿وَسْثَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن (®﴾ [الزخرف]، ونحو ذلك من الآيات. زُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةَ يُعْبَدُونَ ومن النصوص الدالة عليه مع الخصوص في أفراد الأنبياء وأممهم قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَنَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَاءٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥]، وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحَأْ قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَاءٍ غَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٧٣]، وقوله: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥]، إلى غير ذلك من الآيات. واعلم أن كل ما عبد من دون الله، فهو طاغوت، ولا تنفع عبادة الله إلا بشرط اجتناب عبادة ما سواه، كما بينه تعالى بقوله: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِلَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدٍ أُسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّ وَهُمْ مُشْرِكُنَ (6)﴾ [يوسف]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُم مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَةُ﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن الأمم التي بعث فيها الرسل بالتوحيد منهم سعيد، ومنهم شقي، فالسعيد منهم يهديه الله إلى اتباع ما جاءت به الرسل، والشقي منهم يسبق ج ٣٤٨ سورة النحل: الآية (٣٧) عليه الكتاب فيكذب الرسل، ويكفر بما جاءوا به، فالدعوة إلى دين الحق عامة، والتوفيق للهدى خاص؛ كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَةٍ مُسْتَقِيمٍ (٥)﴾ [يونس: ٢٥]؛ فقوله ﴿فَمِنْهُم﴾ أي من الأمم المذكورة في قوله: ﴿فى كُلِ أُمٍَّ رَسُولًا﴾، وقوله: ﴿مَنْ هَدَى اَللَّهُ﴾ أي وفقه لاتباع ما جاءت به الرسل. والضمير المنصوب الذي هو رابط الصلة بالموصول محذوف؛ أي فمنهم من هداه الله، على حد قوله في الخلاصة: فى عائد متصل إن انتصب والحذف عندهم كثير منجلى بفعل أو وصف كمن نرجو يهب وقوله: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَةُ﴾؛ أي وجبت عليه ولزمته؛ لما سبق في علم الله ج من أنه يصير إلى الشقاوة؛ والمراد بالضلالة: الذهاب عن طريق الإسلام إلى الكفر. وقد بيّن تعالى هذا المعنى في آيات أخر، كقوله: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ فَنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥]، وقوله: ﴿فَرِيقٌ فِ الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِ السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَنهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهَدِى مَن يُضِلُ وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ ﴾﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية أن حرص النبي وَّر على إسلام قومه لا يهدي من سبق في علم الله أنه شقي. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، وقوله: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اْللَّهِ شَيْئَا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْىٌّ وَلَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١]، وقوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اَللَّهُ فَلاَ هَادِىَ لَّهُّ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَِهِمْ يَعْمَعُونَ ﴿مَ)﴾ [الأعراف: ١٨٦]، وقوله: ﴿وَمَن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّمُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنََّا يَضَغَدُ فِي السَّمَلَةِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، إلى غير ذلك من الآيات. وقرأ هذا الحرف نافع، وابن عامر، وابن كثير، وأبو عمر: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ يُضِلُّ﴾ بضم الياء وفتح الدال؛ من ((يُهدَى)) مبنياً للمفعول، وقوله: ﴿مِنْ﴾ نائب الفاعل، والمعنى أن من أضله الله لا يهدى، أي لا هادي له. وقرأه عاصم، وحمزة، والكسائي بفتح الياء وكسر الدال، من ((يهدي)) مبنياً للفاعل، وقوله: ﴿مَن يُضِلُّ﴾ مفعول به ليهدي، والفاعل ضمير عائد إلى الله تعالى، والمعنى أن من أضله الله لا يهديه الله، وهي على هذه القراءة فيمن سبقت لهم الشقاوة في علم الله؛ لأن غيرهم قد يكون ضالاً ثم يهديه الله كما هو معروف. وقال بعض العلماء: لا يهدي من يضل ما دام في إضلاله له؛ فإن رفع الله عنه الضلالة وهداه فلا مانع من هداه. والعلم عند الله تعالى. ٣٤٩ سورة النحل: الآيات (٣٨ - ٤٠) - قوله تعالى: ﴿وَأَفْسَمُواْ بِلَّهِ جَهْدَ أَيْمَئِنِهِمٌّ لَا يَبَعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة: أن الكفار حلفوا جهد أيمانهم - أي اجتهدوا في الحلف - وغلظوا الأيمان على أن الله لا يبعث من يموت، وكذبهم الله - جل وعلا - في ذلك بقوله: ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾، وكرر في آيات كثيرة هذا المعنى المذكور هنا من إنكارهم للبعث وتكذيبه لهم في ذلك، كقوله: ﴿َزَعَمَ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنْ أَنْ يُعَنُوْ قُلْ بَلَى وَرَقٍ لُعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]، وقوله: ﴿كَمَا بَدَأَنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنَا فَعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وقوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُمْ قَالَ مَن يُخِي الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْبِيِهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (®﴾ [يس]، وقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ من يُعِيدُنَا قُلِ اَلَّذِى فَطَرَّكُمْ أَوَّلَ مَرَّؤَ﴾ [الإسراء: ٥١] والآيات بمثل هذا كثيرة جداً. وقوله: ﴿بَلَىَّ﴾ نفي لنفيهم البعث كما قدمنا، وقوله: ﴿وَعْدًا﴾ مصدر مؤكد لما دلت عليه ((بلى))؛ لأن ((بلى)) تدل على نفي قولهم: لا يبعث الله من يموت، ونفي هذا النفي إثبات، معناه: لتبعثن، وهذا البعث المدلول على إثباته بلفظة ((بلى)) فيه معنى وعد الله بأنه سيكون، فقوله: ﴿وَعْدًا﴾ مؤكد له. وقوله: ﴿حَقًّا﴾ مصدر أيضاً؛ أي وعد الله بذلك وعداً، وحقه حقاً، وهو مؤكد أيضاً لما دلت عليه ((بلى))، واللام في قوله: ﴿لِيُبَّنَ لَهُمُ الَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾، وفي قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، تتعلق بقوله: (بلى)) أي يبعثهم ليبين لهم .. إلخ. والضمير في قوله: ﴿لَهُمْ﴾ عائد إلى من يموت؛ لأنه شامل للمؤمنين والكافرين. وقال بعض العلماء: اللام في الموضعين تتعلق بقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾، أي بعثناه ليبين لهم .. إلخ، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (®)﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه لا يتعاصى على قدرته شيء، وإذ يقول للشيء ((كن)) فيكون بلا تأخير؛ وذلك أن الكفار لما ((أقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت))، ورد الله عليهم كذبهم بقوله: ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ بين أنه قادر على كل شيء، وأنه كلما قال لشيء ((كن)) كان. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله في الرد على من قال: ((من يحيي العظام وهي رميم)): ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (َ﴾﴾﴾ [يس]. وبيّن أنه لا يحتاج أن يكرر قوله: ((كن)) بل إذا قال للشيء ((كن)) مرة واحدة، كان في أسرع من لمح البصر - في قوله: ﴿وَمَآ أَمْرُنَا إِلَّ وَحِدَةُ كَلَمْجِ بِالْبَصَرِ ٥٠ [القمر: ٥٠]، ونظيره قوله: ﴿وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْجِ اٌلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُّ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَّمٌّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَمُ كُنْ فَيَكُونُ ®﴾ [آل عمران]، وقال ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسِ وَحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٨٢]، إلى غير ذلك من الآيات. ٣٥٠- سورة النحل: الآية (٤٣) وعبّر تعالى عن المراد قبل وقوعه باسم الشيء؛ لأن تحقق وقوعه كالوقوع بالفعل؛ فلا تنافي الآية إطلاق الشيء على خصوص الموجود دون المعدوم؛ لأنه لما سبق في علم الله أنه يوجد ذلك الشيء، وأنه يقول له كن فيكون - كان تحقق وقوعه بمنزلة وقوعه، أو لأنه أطلق عليه اسم الشيء باعتبار وجوده المتوقع، كتسمية العصير خمراً في قوله: ﴿إِنَّ أَرَنِّ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، نظراً إلى ما يؤول إليه في ثاني حال. وقرأ هذا الحرف ابن عامر والكسائي ((فيكون)) بفتح النون منصوباً بالعطف على قوله: ((أن نقول)): وقيل: منصوب بأن المضمرة بعد الفاء في جواب الأمر. وقرأ الباقون بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي فهو يكون. ولقد أجاد من قال: إذا ما أراد الله أمراً فإنما يقول له كن قولة فيكون واللام في قوله: ((لشيء)) وقوله: (له)) للتبليغ. قاله أبو حيان. قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوْجِىّ إِلَيْهِمْ﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه لم يرسل قبله و18 من الرسل إلا رجالاً، أي لا ملائكة، وذلك أن الكفار استغربوا جداً بعث الله رسلاً من البشر، وقالوا: الله أعظم من أن يرسل بشراً يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؛ فلو كان مرسلاً أحداً حقاً لأرسل ملائكة كما بينه تعالى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنَذِرِ النَّاسَ﴾ [يونس: ٢]، وقوله: ﴿بَلْ عِمُوْ أَنْ جَهُم مُّنْذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ [ق: ٢]، وقوله: ﴿وَقَالُواْ مَالٍ هَذَا الرّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧]، وقوله: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ •]، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَُّ كَانَتْ إِذْ جَهُمُ الْهُدَى إِلَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا زَّسُولًا تَّأْبِهِمْ رُسُلُهُم بِالَِّْتِ فَقَالُواْ أَبَشَرٌّ ◌َهُدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَاسْتَغْنَى الَّهُ﴾ [التغابن: ٦]، وقوله: ﴿أَبْشَرًا مِنَا وَحِدًا تََّّعُ﴾ [القمر: ٢٤]، وقوله: ﴿فَقَالَ الْمَلَؤُّأْ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِدُ أَنْ يَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَأَلَ مَلَئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىّ ◌َابَآيِنَا الْأَوَّلِينَ [المؤمنون]، وقوله: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الْآَخِرَةِ وَأَثْرَفْتَهُمْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَا تَأْكُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَا تَشْرَبُونَ ﴿ وَلَيْنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ (49)﴾ [المؤمنون]، وقوله: ﴿قَالُواْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ◌َابَآؤُنَا﴾ [إبراهيم: ١٠]، إلى غير ذلك من الآيات. وقد بيّن الله - جل وعلا - في آيات كثيرة أن الله ما أرسل لبني آدم إلا رسلاً من البشر، وهم رجال يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، ويتزوجون، ونحو ذلك من صفات البشر: كقوله هنا: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِمْ فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٣)﴾، وقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّ رِجَالًا نُحِىّ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ اٌلْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩]، وقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِ اُلْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]، وقوله: ﴿وَمَّا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِمْ فَتْشَلُواْ ٣٥١ سورة النحل: الآية (٤٤) أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿﴿ وَمَا جَعَلْتَهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَلِينَ (٣)﴾ [الأنبياء]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَّا مِّن قَبْلِكَ وَحَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]، وقوله: ﴿قُلْ مَا كُنُتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]، إلى غير ذلك من الآيات. وقرأ جمهور القراء هذا الحرف ((يوحي إليهم)) بالياء المثناة التحتية، وفتح الحاء مبنياً للمفعول، وقرأه حفص عن عاصم ((نوحي إليهم)) بالنون وكسر الحاء مبنياً للفاعل، وكذلك قوله في آخر سورة يوسف ﴿إِلَّا رِجَالًا نُوحِىّ إِلَتِهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَّ﴾ [يوسف: ١٠٩]، وأول الأنبياء ﴿إِلَّا رِجَالًا نُوْجِىّ إِلَيْهِمْ فَتْشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ٧]، كل هذه المواضع قرأ فيها حفص وحده بالنون وكسر الحاء، والباقون بالياء التحتية وفتح الحاء أيضاً. وأما الثانية في سورة الأنبياء وهي قوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيَّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنْ﴾ [الأنبياء: ٢٥]؛ فقد قرأه - بالنون وكسر الحاء - حمزة والكسائي وحفص. والباقون بالياء التحتية وفتح الحاء أيضاً، وحصر الرسل في الرجال في الآيات المذكورة لا ينافي أن من الملائكة رسلاً، كما قال تعالى: ﴿اَللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، وقال: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَئِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]؛ لأن الملائكة يرسلون إلى الرسل، والرسل ترسل إلى الناس، والذي أنكره الكافر هو إرسال الرسل إلى الناس، وهو الذي حصر الله فيه الرسل في الرجال من الناس؛ فلا ينافي إرسال الملائكة للرسل بالوحي، ولقبض الأرواح، وتسخير الرياح والسحاب، وكتب أعمال بني آدم، وغير ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿فَلْمُدَتَِّتِ أَمْرًا ﴾﴾ [النازعات]. تنبيه: يفهم من هذه الآيات أن الله لم يرسل امرأة قط؛ لقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ [يوسف: ١٠٩]. ويفهم من قوله: ﴿فَسْتَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾، أن من جهل الحكم يجب عليه سؤال العلماء والعمل بما أفتوه به. والمراد بأهل الذكر في الآية أهل الكتاب، وهذه الأمة أيضاً يصدق عليها أنها أهل الذكر؛ لقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩]، إلا أن المراد في الآية أهل الكتاب، والباء في قوله: ﴿بِلْبَيْنَتِ وَالزُّبْرِ﴾ قيل: تتعلق بـ(ما أرسلنا)) داخلاً تحت حكم الاستثناء مع ((رجالاً))؛ أي وما أرسلنا إلا رجالاً بالبينات، كقولك: وما ضربت إلا زيداً بالسوط؛ لأن أصله ضربت زيداً بالسوط، وقيل: تتعلق بقوله ((رجالاً)) صفة له؛ أي رجالاً متلبسين بالبينات، وقيل: تتعلق بـ((أرسلنا)) مضمراً دل عليه ما قبله؛ كأنه قيل: بم أرسلوا؟ قيل: بالبينات. وقيل: تتعلق بـ«نوحي)) أي نوحي إليهم بالبينات؛ قاله صاحب (الكشاف)، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَأَنْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾. المراد بالذكر في هذه الآية: القرآن، كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ ◌َفِظُونَ (٢)﴾ [الحجر]. وقد ذكر - جل وعلا - في هذه الآية حكمتين من حكم إنزال القرآن على النبي الطيار: ٣٥٢ سورة النحل: الآية (٤٥) الحكمة الأولى: أن يبين للناس ما نزل إليهم في هذا الكتاب من الأوامر والنواهي، والوعد والوعيد، ونحو ذلك. وقد بيّن هذه الحكمة في غير هذا الموضع أيضاً، كقوله: ﴿وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى اخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾، وقوله: ﴿إِنّا أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١٠٥]. الحكمة الثانية: هي التفكر في آياته والاتعاظ بها، كما قال هنا: ﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾، وقد بيّن هذه الحكمة في غير هذا الموضع أيضاً، كقوله: ﴿كِتَبُ أَنزَلْنَهُ إِلَكَ مُبٌَّ لِيَبَّوْ ءَايَتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ ﴾﴾ [ص]، وقوله: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا ﴾﴾ [النساء]، وقوله: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٦)﴾ [محمد]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخِْفَ اللَّهُ بِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴾﴾. أنكر الله - جل وعلا - على الذين يعملون السيئات من الكفر والمعاصي، ومع ذلك يأمنون عذاب الله ولا يخافون أخذه الأليم، وبطشه الشديد، وهو قادر على أن يخسف بهم الأرض، ويهلكهم بأنواع العذاب، والخسف: بلع الأرض المخسوف به وقعودها به إلى أسفل، كما فعل الله بقارون، قال الله تعالى فيه: ﴿فَسَفْنَا بِهِ، وَيِدَارِهِ اٌلْأَرْضَ﴾ ... الآية [القصص: ٨١]. وبين هذا المعنى في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿وَمِنْنُم ◌َنْ فِ السَّمَاءِ أَنْ يَخِْفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ (٨٦) أَمْ أَمِنْتُم مَّنْ فِي السَّمَكِ﴾ ... الآية [الملك: ١٦، ١٧]، وقوله: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ ﴾ [الإسراء]، وقوله: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهُ فَلاَ يَأْمَنُ (٦٨) حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُ وَكِيلًا [الأعراف]. مَكْرَ اَللَّهِ إِلَّ الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ وقد قدمنا طرفاً من هذا في أول ((سورة الأعراف)). واختلف العلماء في إعراب ((السيئات)) في هذه الآية الكريمة، فقال بعض العلماء: نعت لمصدر محذوف؛ أي مكروا المكرات السيئات، أي القبيحات قبحاً شديداً، كما ذكر الله عنهم في قوله: ﴿وَإِذْ يَمَّكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُشِْتُوَكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُولٌ﴾ [الأنفال: ٣٠]. وقال بعض العلماء: مفعول به لـ((مكروا)) على تضمين ((مكروا)) معنى فعلوا، وهذا أقرب أوجه الإعراب عندي، وقيل: مفعول به لـ((أمن)) أي أأمن الماكرون السيئات، أي العقوبات الشديدة التي تسوءهم عند نزولها بهم. ذكر الوجه الأول الزمخشري، والأخيرين ابن عطية، وذكر الجميع أبو حيان في ((البحر المحيط)). تنبيه: كل ما جاء في القرآن من همزة استفهمام بعدها واو العطف أو فاؤه، كقوله: ﴿أَفَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف: ٥]، ﴿أَفَ يَرَوْاْ إِلَى مَا بَيْنَ أَيَدِيهِمْ﴾ [سبأ: ٩]، ﴿أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [الجاثية: ٣١] ... إلخ، فيه وجهان معروفان عند علماء العربية: أحدهما: أن الفاء والواو كلتاهما عاطفة ما بعدها على محذوف دل ٣٥٣ سورة النحل: الآيات (٤٨ - ٥١). المقام عليه، كقولك مثلاً: أنمهلكم فنضرب عنكم الذكر صفحاً؟! أعموا فلم يروا إلى ما بين أيديهم؟! ألم تأتكم آياتي فلم تكن تتلى عليكم؟! وهكذا، وإلى هذا الوجه أشار ابن مالك في الخلاصة بقولهم وحذف متبوع بدا هنا استبح وعطفك الفعل على الفعل يصح ومحل الشاهد في الشطر الأول دون الثاني. وثانيهما: أن الفاء والواو كلتاهما عاطفة للجملة المصدرة بهمزة الاستفهام على ما قبلها؛ إلا أن همزة الاستفهام تزحلقت عن محلها فتقدمت على الفاء والواو، وهي متأخرة عنهما في المعنى، وإنما تقدمت لفظاً عن محلها معنى لأن الاستفهام له صدر الكلام. فبهذا تعلم أن في قوله تعالى في هذه الآية التي هي قوله: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ﴾ ... الآية، الوجهين المذكورين؛ فعلى الأول، فالمعنى أجهل الذين مكروا السيئات وعيد الله بالعقاب؟ أفأمن الذين مكروا السيئات ... إلخ. وعلى الثاني، فالمعنى فأأمن الذين مكروا السيئات؛ فالفاء عاطفة للجملة المصدرة بالاستفهام. والأول هو الأظهر. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿أَوْلَمْ يَرَوْ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَىْءٍ﴾. تقدم بيان هذه الآية وأمثالها من الآيات في ((سورة الرعد)) .: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُواْ إِلَهَيْنِ أَثْنَيْنِّ إِنَّمَا هُوَ إِلَهُ وَحِدٌ فَإِنَّنِىَ فَأَرْهَبُونِ نهى الله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة جميع البشر عن أن يعبدوا إلهاً آخر معه، وأخبرهم أن المعبود المستحق لأن يعبد وحده واحد، ثم أمرهم أن يرهبوه؛ أي يخافوه وحده؛ لأنه هو الذي بيده الضر والنفع، لا نافع ولا ضار سواه. وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة؛ كقوله: ﴿فَفِرُّوْاْ إِلَى اللَّهِ إِنّ لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ وَلَّا تَجْعَلُواْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَخَرٌّ إِنِّ لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌّ شُّبِينٌ ﴾﴾ [الذاريات]، وقوله: ﴿الَّذِى جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَخَرَ فَأَلْقِيَاءُ فِى الْعَذَابِ الشَِّيدِ ﴾﴾ [قد]، وقوله: ﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَّهَا ءَاخَرَ فَنَقْعُدَ مَذْمُومًا تَخْذُولًا [الإسراء]، وقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ فَتُلْقَى فِى جَهَتََّ مَلُوْمًا مَّدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩]. وبيّن - جل وعلا - في مواضع أخر استحالة تعدد الآلهة عقلاً، كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَالِمَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَةٍ إِذَا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَمٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِنَّ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾﴾ [المؤمنون] وقوله: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُرْ ءَالِيّةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا لََّ بَغَوْاْ إِلَى ذِى الْمُِ سَبِيلاً (فَ﴾﴾ [الإسراء]. والآيات بعبادته وحده كثيرة جداً، فلا نطيل بها الكلام، وقدم المفعول في قوله: ﴿وَإِلَّىَ فَرْهَبُونِ﴾ للدلالة على الحصر. وقد تقرر في الأصول في مبحث («مفهوم المخالفة، وفي المعاني في مبحث القصر))، ((أن تقديم المعمول من صيغ الحصر)) أي خافون وحدي ولا تخافوا سواي، وهذا الحصر المشار إليه هنا بتقديم ٣٥٤ - سورة النحل: الآية (٥٢) المعمول بينه - جل وعلا - في مواضع أخر، كقوله: ﴿فَلَا تَخْشَوَأْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنٍ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَلَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهُ﴾ [الأحزاب: ٣٩]، وقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَّىَ الزَّكَوَةَ وَلَّ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨]، وقوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَ﴿و فَلَ تَّخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [آل عمران]. إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿وَلَهُ اَلْدِيْنُ وَاصِبًا﴾. الدين هنا: الطاعة؛ ومنه سميت أوامر الله ونواهيه ديناً، كقوله: ﴿إِنَّ اُلِيْنَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقوله: ﴿وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ اْإِسْلَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. والمراد بالدين في الآيات: طاعة الله بامتثال جميع الأوامر، واجتناب جميع النواهي، ومن الدين بمعنى الطاعة: قول عمرو بن كلثوم في معلقته: وأياماً لنا غرَّا كراماً عصينا الملك فيها أن ندينا أي عصيناه وامتنعنا أن ندين له؛ أي نطيعه، وقوله: ﴿وَاصِبًا﴾ أي دائماً؛ أي له - جل وعلا -: الطاعة والذل والخضوع دائماً؛ لأنه لا يضعف سلطانه، ولا يعزل عن سلطانه، ولا يموت ولا يغلب، ولا يتغير له حال بخلاف ملوك الدنيا؛ فإن الواحد منهم يكون مطاعاً، له السلطنة والحكم، والناس يخافونه ويطمعون فيما عنده برهة من الزمن، ثم يعزل أو يموت، أو يذل بعد عز، ويتضع بعد رفعة؛ فيبقى لا طاعة له ولا يعبأ به أحد، فسبحان من لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وكبره تكبيراً. وهذا المعنى الذي أشار إليه مفهوم الآية بينه - جل وعلا - في مواضع أخر، كقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِ الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنْعُ الْمُلْكَ مِمَن تَشَاءٍ وَتُعِزُ مَن تَشَآءُ ﴾ [الواقعة] لأنها ترفع أقواماً وَتُذِلُّ مَنْ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةُ كانت منزلتهم منخفضة في الدنيا، وتخفض أقواماً كانوا ملوكاً في الدنيا، لهم المكانة الرفيعة، وقوله: ﴿لِّمَنِ الْمُلَّكُ اَلْيَوْمِّ لِلَّهِ الْوَحِدِ اٌلْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]. دُحُورِّاً وَهُمْ عَذَابٌ ٨ ونظير هذه الآية المذكورة قوله: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَاِبٍ [الصافات] أي دائم، وقيل: عذاب موجع مؤلم، والعرب تطلق الوصب وَصِب ◌ِحَيَّـ على المرض، وتطلق الوصوب على الدوام، وروي عن ابن عباس أنه لما سأله نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿وَلَهُ اُلِيْنُ وَاصِبًا﴾ قال له: الواصب الدائم، واستشهد له بقول أمية بن أبي الصلت الثقفي: وله الدين واصباً وله الملك وحمد له على كل حال ومنه قول الدؤلي : يوماً بذم الدهر أجمع واصباً لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه ٣٥٥ سورة النحل: الآيات (٥٢ - ٥٤) - وممن قال بأن معنى الواصب في هذه الآية الدائم: ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وميمون بن مهران، والسدي وقتادة، والحسن والضحاك، وغيرهم. وروي عن ابن عباس أيضاً واصباً، أي واجباً، وعن مجاهد أيضاً، واصباً، أي: خالصاً، وعلى قول مجاهد هذا، فالخبر بمعنى الإنشاء؛ أي ارهبوا أن تشركوا بي شيئاً، وأخلصوا لي الطاعة، وعليه فالآية كقوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اَللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ: أَسْلَمَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوَعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨)﴾ [آل عمران]، وقوله: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣]، وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وقوله: ((واصباً)) حال عمل فيه الظرف. قوله تعالى: ﴿أَفَغَرَ اَللَّهِ نَنَّقُونَ﴾ أنكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة على من يتقي غيره؛ لأنه لا ينبغي أن يتقي إلا من بيده النفع كله والضر كله؛ لأن غيره لا يستطيع أن ينفعك بشيء لم يرده الله لك، ولا يستطيع أن يضرك بشيء لم يكتبه الله عليك. وقد أشار تعالى هنا إلى أن إنكار اتقاء غير الله، لأجل أن الله هو الذي يرجى منه النفع، ويخشى منه الضر، ولذلك أتبع قوله: ﴿أَفَغَيِّرَ اللَّهِ نَتَّقُونَ﴾ بقوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِّن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَتَكُمُ الْضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَخْتَرُونَ ﴾﴾ ومعنى تجأرون: ترفعون أصواتكم بالدعاء والاستغاثة عند نزول الشدائد؛ ومنه قول الأعشى أو النابغة يصف بقرة: فطافت ثلاثاً بين يوم وليلة: وكان النكير أن تضيف وتجأرا وقول الأعشى: طوراً سجوداً وطوراً جؤارا يراوح من صلوات المليك ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّىَ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَحْثَرُونَ ﴿ لَا تَّجْعَرُواْ الْيَوْمَّ إِنَّكُم مِّنَا لَا تُصَرُونَ (٥)﴾ [المؤمنون] وقد أشار إلى هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَ كَاشِفَ لَهُ، إِلَّا هُوَّ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾ [الأنعام]، وقوله: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَ رَآَذَ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ،﴾ [يونس: ١٠٧]، وقوله: ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكَ فَلَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]، وقوله: ﴿قُل لَّنْ يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَئِنَأَ﴾ [التوبة: ٥١]، وقوله: ﴿قُلْ أَفَرََّيْتُمِ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرِِّةٍ أَوْ أَرَدَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ،﴾ [الزمر: ٣٨]، إلى غير ذلك من الآيات. وقد ثبت في الصحيح عنه والر أنه قال: ((اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)). وفي حديث ابن عباس المشهور: ((واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)). ﴾. بين قوله تعالى: ﴿ِثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَِّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِقُ مِنْكُمْ بِرَبِهِمْ يُشْرِكُونَ ٣٥٦ سورة النحل: الآيتان (٥٥ - ٥٦) تعالى في هذه الآية الكريمة أن بني آدم إذا مسهم الضر دعوا الله وحده مخلصين له الدين؛ فإذا كشف عنهم الضر، وأزال عنهم الشدة، إذا فريق منهم وهم الكفار يرجعون في أسرع وقت إلى ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي. وقد كرر - جل وعلا - هذا المعنى في القرآن؛ كقوله في ((يونس)): ﴿حَّ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِيحٍ طَيِّبَةِ وَفَرِحُواْ بِهَا جَمَتْهَا رِيعُ عَاصِفٌ وَجَهُمُ اَلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَنُّواْ أَهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ آلْحَةٍّ﴾ [يونس: ٢٢ -٢٣]، وقوله: ((في الإسراء)»: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُرُ فِ الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ فَلَّا نَّنَّكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَغْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَُ كَفُورًا (٣)﴾ [الإسراء]، وقوله في آخر ((العنكبوت)): ﴿فَلَنَّا نَّنْهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وقوله في ((الأنعام)): ﴿قُلِ اَللَّهُ يُنَّكُم مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (®﴾ [الأنعام]، إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا هذا في ((سورة الأنعام)) في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَنَكُمْ عَذَابُ اَللَّهِ﴾ ... الآية [الأنعام: ٤٠]. قوله تعالى: ﴿فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. صيغة الأمر في قوله: ((فتمتعوا)) للتهديد، وقد تقرر في ((فن المعاني، في مبحث الإنشاء))، وفي ((فن الأصول، في مبحث الأمر)) أن من المعاني التي تأتي لها صيغة افعل التهديد؛ كقوله هنا: ﴿فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وتشهد لهذا المعنى آيات أخر، كقوله: ﴿قُلْ تَمَنَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨]، وقوله: ﴿قُلّ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠]، وقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾﴾ [الحجر]، وقوله: ﴿سُبْحَنَ رَبِّ السَّمَوَتِ﴾ [الزخرف: ٨٢]، وقوله: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَقَّى يُلَقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِى يُوعَدُونَ (٨)﴾ [الزخرف] وقوله: ﴿كُلُواْ وَتَمَنَّعُواْ قَلِيلًا إِنَّكُمُ تُجْرِمُونَ ﴾﴾ [المرسلات]، وقوله: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِى فِيهِ يُصْعَقُونَ ﴾﴾ [الطور]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْتَهُمُ تَللَّهِ لَتُشْتَلُنَّ عَمَّا كُتُمْ . في ضمير الفاعل في قوله: ((لما يعلمون)) وجهان: تَفْتَرُونَ أحدهما: أنه عائد إلى الكفار؛ أي ويجعل الكفار للأصنام التي لا يعلمون أن الله أمر بعبادتها، ولا يعلمون أنها تنفع عابدها أو تضر عاصيها، نصيباً ... إلخ؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَمَا لَيِّسَ لَهُم بِهِ، عِلْمُ وَمَا لِلِّينَ مِن نَصِيرٍ ﴾﴾ [الحج] ونحو ذلك من الآيات. وقال صاحب (الكشاف): ومعنى كونهم لا يعلمونها، أنهم يسمونها آلهة، ويعتقدون فيها أنها تضر وتنفع، وتشفع عند الله؛ وليس كذلك! وحقيقتها أنها جماد، لا يضر ولا ينفع؛ فهم إذاً جاهلون بها. وثانيهما: أن واو ((يعلمون)) واقعة على الأصنام؛ فهي جماد لا يعلم شيئاً؛ أي ويجعلون للأصنام الذين لا يعلمون شيئاً لكونهم جماداً - نصيباً ... إلخ. وهذا الوجه ٣٥٧ سورة النحل: الآيات (٥٧ - ٥٩) - كقوله: ﴿أَقْوَتُّ غَيْرُ أَخْيَاٍَ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴿4﴾، وقوله: ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْتَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَفِينَ ﴾﴾ [يونس]، وقوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يَبْصِرُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥]، إلى غير ذلك من الآيات. وعلى هذا القول - فالواو راجعة إلى ((ما)) من قوله ((لما لا يعلمون)). وعبر عنها بـ ((ما)) التي هي لغير العاقل؛ لأن تلك المعبودات التي جعلوا لها من رزق الله نصيباً جماد لا تعقل شيئاً، وعبر بالواو في ((لا يعلمون)) على هذا القول لتنزيل الكفار لها منزلة العقلاء في زعمهم أنها تشفع، وتضر وتنفع. وإذا عرفت ذلك، فاعلم أن هذا المعنى المذكور في هذه الآية الكريمة بينه تعالى في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِنَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلَِّ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَّكَِّنَا فَمَا كَانَ لِتُرَكَبِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَابِهِذَّ سَآءُ مَا يَحْكُمُونَ (٣)﴾ [الأنعام]؛ وذلك أن الكفار كانوا إذا حرثوا حرثاً، أو كانت لهم ثمرة جعلوا لله منها جزءاً، وللوثن جزءاً، فما جعلوا من نصيب الأوثان حفظوه، وإن اختلط به شيء مما جعلوه الله ردوه إلى نصيب الأصنام، وإن وقع شيء مما جعلوه لله في نصيب الأصنام تركوه فيه، وقالوا: الله غني والصنم فقير، وقد أقسم - جل وعلا -: على أنه يسألهم يوم القيامة عن هذا الافتراء والكذب! وهو زعمهم أن نصيباً مما خلق الله للأوثان التي لا تنفع ولا تضر في قوله: ﴿قَاللَّهِ لَتُشْئَلُنَّ عَمَّا كُتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ وهو سؤال توبيخ وتقريع. قوله تعالى: ﴿وَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَتِ سُبْحَنَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ ﴿﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنَ يَتَوَرَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوَّهِ مَا بُشْرَ بَِّةٍ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ ظَلَ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ قوله: ((يجعلون)) أي يعتقدون. ذكر - جل وعلا - في ٥٩ فِي الُّابِّ أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ هذه الآية الكريمة أن الكفار يعتقدون أن لله بنات إناثاً؛ وذلك أن خزاعة وكنانة كانوا يقولون: الملائكة بنات الله؛ كما بينه تعالى بقوله: ﴿وَجَعَلُواْ الْمَلَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَنًا﴾ الآية [الزخرف: ١٩]. فزعموا لله الأولاد! ومع ذلك زعموا له أخس الولدين وهو الأنثى، فالإناث التي جعلوها لله يكرهونها لأنفسهم ويأنفون منها، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَإِذَا بُثِرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنَ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أي لأن شدة الحزن والكآبة تسود لون الوجه. ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي ممتلئ حزناً وهو ساكت. وقيل ممتلئ غيظاً على امرأته التي ولدت له الأنثى. ﴿يَنَوَرَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوْءٍ مَا بُشْرَ بٍِّ﴾، أي يختفي من أصحابه من أجل سوء ما بشر به لئلا يروا ما هو فيه من الحزن والكآبة أو لئلا يشمتوا به ويعيروه. ويحدث نفسه وينظر: ﴿أَيُّمْسِكُمُ﴾؛ أي ما بشر به وهو الأنثى. ﴿عَلَى هُونٍ﴾ أي هوان وذل. ﴿أَمْ يَدُتُّمُ﴾ في التراب؛ أي يدفن المذكور الذي هو الأنثى حياً في التراب، يعني ما كانوا يفعلون بالبنات من الوأد وهو دفن البنت حية، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُردَةُ سُئِلَتْ جَ بِأَتِ ذَتْبٍ قُئِلَتْ ﴾﴾ [التكوير]. ٣٥٨ - سورة النحل: الآية (٥٩) .وأوضح - جل وعلا - هذه المعاني المذكورة في هذه الآيات في مواضع أخر، فبين أن جعلهم الإناث لله، أو الذكور لأنفسهم قسمة غير عادلة، وأنها من أعظم الباطل. وبيّن أنه لو كان متخذاً ولداً - سبحانه وتعالى - عن ذلك! لاصطفى أحسن النصيبين، ووبخهم على أن جعلوا له أخس الولدين، وبين كذبهم في ذلك، وشدة عظم ما نسبوه إليه، كل هذا ذكره في مواضع متعددة، كقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْفَى ◌َ تِلْكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيرَى ﴾﴾ [النجم]، وقوله: ﴿أَّ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونٌَ ﴿ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ١٥٢٠ (٥٤). [الصافات]، وقوله : مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ١٥٣ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ : [الإسراء: ٤٠]، ﴿أَفَأَصْفَكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَأَّخَذَ مِنَ الْمَلَئِكَةِ إِنَّأْ إِنَّكُمْ لَنَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٣). ﴾ [الزخرف]، وقوله: ﴿لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ (١٦) وقوله: ﴿أَمِ أَمَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَئِكُمْ يِالْبَنِينَ أَن يَتَّخِذَ وَلَدَّا لَّأَصْطَفَى مِمَا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَنَةُ هُوَ اَللَّهُ الْوَحِدُ الْقَهَارُ ﴾﴾ [الزمر]، وقوله: ﴿أَمْ لَهُ الْبَتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (®َ﴾﴾ [الطور]. وقال - جل وعلا -: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾، وقال: ﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُّأْ فِى اَلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِىِ الْخِصَامِ غَيْرٌ مُبِينٍ ﴾﴾ [الزخرف] وقال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ [الزخرف]. مَثَلََّ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمُ ( وبيّن شدة عظم هذا الافتراء بقوله: ﴿وَقَالُواْ أَتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ◌َ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَا ٩١ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَخِرُّ لْجِبَالُ هَذَّا ﴿ أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا. وَمَا يَنْبَغِى لِلَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدَّا ﴿﴿ إِن كُلُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ◌َتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا (١٩)﴾ [مريم]، وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَنَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: ٤٠] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية: ﴿وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ مبتدأ وخبر، وذكر الزمخشري والفراء وغيرهما: أنه يجوز أن تكون ((ما)) في محل نصب عطفاً على ((البنات))؛ أي ويجعلون لله البنات، ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون. ورد إعرابه بالنصب الزجاج، وقال: العرب تستعمل في مثل هذا ويجعلون لأنفسهم؛ قال القرطبي. وقال أبو حيان ((في البحر المحيط)) قال الزمخشري: ويجوز في ((ما)) فيما يشتهون الرفع على الابتداء، والنصب على أن يكون معطوفاً على ((البنات)) أي وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون من الذكور. انتهى. وهذا الذي أجازه من النصب تبع فيه الفراء والحوفي. وقال أبو البقاء وقد حكاه: وفيه نظر. وذهل هؤلاء عن قاعدة في النحو: وهي أن الفعل الرافع. الضمير الاسم المتصل لا يتعدى إلى ضميره المتصل المنصوب؛ فلا يجوز: زيد ضربه، أي زيداً. تريد ضرب نفسه؛ إلا في باب ظن وأخواتها من الأفعال القلبية، أو فقد وعدم؛ فيجوز: زيد ظنه قائماً، وزيد فقده، وزيد عدمه. والضمير المجرور بالحرف كالمنصوب المتصل؛ فلا يجوز: زيد غضب عليه، تريد غضب على نفسه، فعلى هذا الذي تقرر لا يجوز النصب؛ إذ يكون التقدير: ويجعلون لهم ما يشتهون، فالواو ضمير مرفوع و((لهم)) مجرور باللام، فهو نظير: زيد غضب عليه، اهـ. ٣٥٩ سورة النحل: الآية (٥٩). والبشارة تطلق فى العربية على الخبر بما يسر، وبما يسوء، ومن إطلاقها على الخبر بما يسوء قوله هنا: ﴿وَإِذَا بُثِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنْنَى﴾ ... الآية، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، ونحو ذلك من الآيات. وما ذكره - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة: من بغضهم للبنات مشهور معروف في أشعرهم؛ ولما خطبت إلى عقيل بن علفة المري ابنته الجرباء قال: ألف وعبدان وذود عشر إني وإن سيق إلي المهر أحب أصهاري إلي القبر ويروى لعبد الله بن طاهر قوله: ثلاثة أصهار إذا حمد الصهر لكل أبي بنت يراعي شؤونها وقبر يواريها وخيرهم القبر فبعل يراعيها وخدر يكنها وهم يزعمون أن موجب رغبتهم في موتهن، وشدة كراهيتهم لولادتهن: الخوف من العار، وتزوج غير الأكفاء، وأن تهان بناتهم بعد موتهم؛ كما قال الشاعر في ابنة له تسمى مودة: لها الموت قبل الليل لو أنها تدري مودة تهوى عمر شيخ يسره ولا ختن يرجى أود من القبر يخاف عليها جفوة الناس بعده وقال الآخر: تهوى حياتي وأهوى موتها شفقاً والموت أكرم نزال على الحرم وقد ولدت امرأة أعرابي أنثى، فهجرها لشدة غيظه من ولادتها أنثى فقالت: يظل بالبيت الذي يلينا ما لأبي حمزة لا يأتينا ليس لنا من أمرنا ما شينا غضبان ألا نلد البنينا وإنما نأخذ ما أعطينا تنبيه: لفظة ((جعل)) تأتي في اللغة العربية لأربعة معان: الأول: بمعنى اعتقد، كقوله تعالى هنا: ﴿وَتَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَّتِ﴾ قال في الخلاصة: وجعل اللذ كاعتقد الثاني: بمعنى صيّر كما تقدم في الحجر، كقوله: ﴿وَجَعَلَ اٌلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ٦١]، قال في الخلاصة: وأيضا بها انصب مبتدأ وخبرا والتي كصيرا الثالث: بمعنى خلق؛ كقوله: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ اَلْقُلْمَتِ وَالنُّورِ﴾ [الأنعام: ١] أي خلق الظلمات والنور. الرابع : بمعنى شرع؛ كقوله : ٣٦٠ سورة النحل: الآية (٦١) ثوبي فأنهض نهض الشارب السكر وقد جعلت إذا ماقمت يثقلني قال في الخلاصة: كذا جعلت وأخذت وعلق كأنشأ السائق يحدو وطفق وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿سُبْحَنَّةٌ﴾؛ أي تنزيهاً له - جل وعلا - عما لا يليق بكماله وجلاله، وهو ما ادعوا له من البنات سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيراً! قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمِ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَةٍ وَلَكِن يُؤَخِرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ تُسَتَّى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَشْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه لو عاجل الخلق بالعقوبة لأهلك جميع من في الأرض، ولكنه حليم لا يعجل بالعقوبةِ؛ لأن العجلة من شأن من يخاف فوات الفرصة، ورب السموات والأرض لا يفوته شيءٍ أراده. وذكر هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله في آخر ((سورة فاطر)): ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَآبَةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]، وقوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَثَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَّ﴾ [الكهف: ٥٨]. وأشار بقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِرُهُمْ إِلَ أَجَلٍ تُسَتَّىٌ﴾ إلى أنه تعالى يمهل ولا يهمل، وبيّن ذلك في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهُ غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِرُهُمْ لِيَوٍْ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ (@ [إبراهيم]، وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَنَّى لَّةَ هُرُ الْعَذَابُ﴾ [العنكبوت: ٥٣]. وبيّن هنا أن الإنسان إذا جاء أجله لا يستأخر عنه، كما أنه لا يتقدم عن وقت أجله، وأوضح ذلك في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿إِنَّ أَجَلَ اَللَّهِ إِذَا جَ لَا يُؤَخَّرٌ﴾ [نوح: ٤]، وقوله: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١]، إلى غير ذلك من الآيات. واعلم أن قوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَةٍ﴾ فيه وجهان للعلماء: أحدهما: أنه خاص بالكفار؛ لأن الذنب ذنبهم، والله يقول: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. ومن قال هذا القول قال: ((من دابة)) أي كافرة؛ ويروى هذا عن ابن عباس. وقيل: المعنى أنه لو أهلك الآباء بكفرهم لم تكن الأبناء. وجمهور العلماء، منهم ابن مسعود، وأبو الأحوصُ، وأبو هريرة، وغيرهم كما نقله عنهم ابن كثير وغيره، على أن الآية عامة؛ حتى إن ذنوب بني آدم لتهلك الجعل في جحره، والحبارى في وكرها، ونحو ذلك؛ لولا أن الله حليم لا يعجل بالعقوبة، ولا يؤاخذهم بظلمهم. قال مقيده - عفا الله عنه -: وهذا القول هو الصحيح؛ لما تقرر في الأصول من: أن النكرة في سياق النفي إذا زيدت قبلها لفظة ((من)) تكون نصاً صريحاً في العموم، وعليه فقوله: ((من دابة)» يشمل كل ما يطلق عليه اسم الدابة نصاً.