النص المفهرس

صفحات 301-320

- ٣٠١
سورة الحجر: الآيات (٢٣ - ٢٦).
بل نحن الحافظون له فيها ليكون ذخيرة لكم عند الحاجة، ويدل على هذا الوجه
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مٍَّ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ فِى الْأَرْضِّ وَإِنَّا عَلَى ذَهَاٍ إِ لَقَدِرُونَ
[المؤمنون] وقوله: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا فَن يَأْتِيَّكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ (٣٢)﴾ [الملك] وقوله:
﴿أَوْ يُصْيِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُمْ طَلَبًا ﴾﴾ [الكهف] وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ
السَمَآءِ مَآءُ فَسَلَكَهُ يَبِيعَ فِى الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١] إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُّجُىِ، وَنُمِيتُ﴾ بين في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي يحيي
ويميت، وأوضح ذلك في آيات كثيرة كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحِ، وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ ﴾﴾ [ق]،
وقوله تعالى: ﴿رَبِيَ أَلَّذِى يُحْيِ، وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ نُحِىء
وَيُمِثٌ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَبَآَبِكُمُ الْأَوَّلِينَ ﴾﴾ [الدخان]. وبين في مواضع أخر أنه أحياهم مرتين
وأماتهم مرتين كقوله: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا أَمْتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] وقوله: ﴿كَيْفَ
تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَتًا فَأَحْيَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحِيَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] والإماتة الأولى
هي كونهم نطفاً وعلقاً ومضغاً، والإماتة الثانية هي موتهم عند انقضاء آجالهم في الدنيا،
والإحياءة الأولى نفخ الروح فيهم وإخراجهم أحياء من بطون أمهاتهم، والإحياءة الثانية
بعثهم من قبورهم، أحياء يوم القيامة، وسيأتي له - إن شاء الله تعالى - زيادة إيضاح.
قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ الْوَرِثُونَ﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه الوارث، ولم
يبين الشيء الذي يرثه، وبين في مواضع أخر أنه يرث الأرض ومن عليها كقوله: ﴿إِنَّا
نَحْنُ نَرِثُ اَلْأَرْضَ وَمَّنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴾﴾ [مريم] وقوله: ﴿وَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْنِيِنَا فَرْدًا ﴾﴾
[مريم]. ومعنى ((ما يقول)) أي نرثه الذي يقول إنه يؤتاه يوم القيامة من المال والولد كما
ذكره الله عنه في قوله: ﴿أَفَرَّيْتَ الَّذِىِ كَفَرَ بَِايَتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَ مَالًا وَوَلَّدًا (49)﴾ [مريم].
ومعنى كونه يرث الأرض ومن عليها أنه يبقى بعد فناء خلقه متصفاً بصفات الكمال
والجلال يفعل ما يشاء كيف يشاء.
٢٦
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَلٍ مِنْ حٍَ تَسْنُونِ
بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة أنه خلق أبانا آدم من صلصال من حما مسنون،
والصلصال: الطين اليابس الذي يصل أي يصوت من يبسه إذا ضربه شيء ما دام لم
تمسه النار فإذا أمسته النار فهو حينئذٍ فخار، وأصل الصليل والصلصلة واحد، والفرق
بينهما أنك إذا توهمت في الصوت مداً فهو صليل، وإذا توهمت فيه ترجيعاً فهو
صلصلة، والحمأ: الطين الأسود المتغير، والمسنون قيل: المصور من سنة الوجه وهي
صورته، ومنه قول ذي الرمة:
تريك سنة وجه غير مقرفة
ملساء ليس بها خال ولا ندب
وعن ابن عباس رضيها أنه لما سأله نافع بن الأزرق عن معنى المسنون وأجابه بأن
معناه المصور قال له: وهل تعرف العرب ذلك فقال له ابن عباس: نعم أما سمعت قول
حمزة بن عبد المطلب رضيه وهو يمدح رسول الله وقآثار :

٣٠٢ -
سورة الحجر: الآيات (٣١ - ٣٣)
أغر كأن البدر سنة وجهه
جلاء الغيم عنه ضوءه فتبدداً:
وقيل: المستون المصبوب المفرغ أي أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصور من
الجواهر المذوبة في أمثلتها وقيل: المسنون المنتن، وقال بعض العلماء: المسنون
الأملس. قال: ومنه قول عبد الرحمن بن حسان :
ثم خاصرتها إلى القبة الخضراء
تمشي من مرمر مسنون
أي أملس صقيل، قاله ابن كثير. وقال مجاهد: الصلصال هو المنتن. وما قدمنا
[الرحمن] إذا
١٤)
هو الحق بدليل قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن صَلْصَلِ كَالْفَخَّارِ (
عرفت هذا فاعلم أن الله - جل وعلا - أوضح في كتابه أطوار هذا الطين الذي خلق منه
آدم فبين أنه أولاً تراب بقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَّ خَلَقَهُم مِن تُرَابٍ﴾ [آل
عمران: ٥٩]، وقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَفْتَكُم مِّنْ تُرَابٍ﴾
[الحج: ٥]، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾ [غافر: ٦٧] إلى غير ذلك
من الآيات. ثم أشار إلى أن ذلك التراب بُلَّ فصار طيناً يعلق بالأيدي في مواضع أخر
كقوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَهُم مِّن طِينٍ لََّزِبٍ﴾ [الصافات: ١١] وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَلَةٍ
مِن طِينٍ ﴾﴾ [المؤمنون] وقوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَنِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] إلى غير ذلك
من الآيات، وبين أن ذلك الطين أسود، وأنه متغير بقوله هنا: ﴿مِّنْ حٍَ قَسْنُونٍ﴾. وبين
أيضاً أنه يبس حتى صار صلصالاً أي تسمع له صلصلة من يبسه بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا
اُلْإِنسَانَ مِن صَلْصَلٍ﴾ ... الآية وقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن صَلَّصَلِ كَالْفَغَّارِ
[الرحمن]، والعلم عند الله تعالى.
بيّن فى هذه الآية الكريمة
قوله تعالى: ﴿إِلَّ إِيْلِسَ أَبَ أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّجِدِينَ
أن إبليس أبى أن يسجد لآدم، وبين في مواضع آخر أنه تكبر عن امتثال أمر ربه كقوله
في البقرة: ﴿إِلَّ إِبْلِسَ أَبَ وَأَسْتَكْبَرَ﴾ ... الآية [البقرة: ٣٤]، وقوله في سورة ص: ﴿إِلَّ
إِبْلِيسَ أُسْتَكْبَرَ وَكَنَ مِنَ الْكَفِرِينَ ﴾ [ص] وأشار إلى ذلك هنا بقوله: ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ
(6) كما تقدمت الإشارة إليه.
لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَلٍ مَّسْنُونٍ
بيّن تعالى فى هذه
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَكَإِبِلِسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَِّدِينَ
الآية الكريمة أنه سأل إبليس سؤال توبيخ وتقريع عن الموجب لامتناعه من السجود لآدم
الذي أمره به ربه - جل وعلا -، وبيّن أيضاً في (الأعراف وص) أنه وبخه أيضاً بهذا
السؤال قال في الأعراف: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] وقال في ص:
﴿قَالَ بَِّسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ ﴾ [ص: ٧٥]. وناداه باسمه إبليس في (الحجر
وص) ولم يناده به في الأعراف.
قوله تعالى: ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمٍَ ◌َّسْنُونٍ (٣)﴾. هذا القول
الذي ذكره - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة عن إبليس - لعنه الله - أنه لم يكن ليسجد لبشر

٣٠٣
سورة الحجر: الآيات (٣٤ - ٤٠) -
مخلوق من الطين مقصوده به أنه خير من آدم؛ لأن آدم خلق من الطين وهو خلق من النار كما
يوضحه قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنْ خَيْرٌ مِنَّهُ خَلَقْتَنِ مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢].
قوله تعالى: ﴿قَالَ فَأَخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ (®﴾. بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة
أنه أمر إبليس بالخروج من الجنة مؤكداً أنه رجيم وبيّن في الأعراف أنه خروج هبوط
وأنه يخرج متصفاً بالصغار والذل والهوان بقوله: ﴿قَالَ فَأَهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ
فِيَهَا فَأَخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّغِرِينَ ﴾ [الأعراف].
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ الَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الذِينِ (٣)﴾. بَيّن في هذه الآية الكريمة أن
اللعنة على إبليس إلى يوم الدين وصرح في سورة (ص) بأن لعنته - جل وعلا - على
إبليس إلى يوم الدين بقوله: ﴿وَإِنَّ عَيْكَ لَغْنَتِىّ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٨)﴾ [ص] وقد قدمنا في
الفاتحة بيان يوم الدين.
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ◌ِمَآ أَغْوَيْئَنِىِ﴾ الآية . ..
قال بعض العلماء: هذا قسم من إبليس بإغواء الله له على أنه يغوي بني آدم إلا
عباد الله المخلصين ويدل عليه أنه أقسم بعزته تعالى على ذلك في قوله: ﴿قَالَ فَبِعِزَّنِكَ
أَغْوَيْثَنِ﴾ سببية.
[ص] وقيل: الباء فى قوله :
لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
قوله تعالى: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِ اٌلْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ .
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن إبليس أخبر أنه سيبذل جهده في إضلال بني
آدم حتى يضل أكثرهم، وبيّن هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿لَأَقْدَنَّ لَهُمْ صِرَّطَكَ
ثُمَّ لَتِيَّهُم مِنْ بَيْنِ أَبْدِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِمْ وَعَنْ شَيْلِهِمِّ وَلَا تَجِدُ أَكْتَرَهُمْ شَكِينَ
الْمُسْتَقِيمَ
(٣٧)﴾ [الأعراف]، وقوله: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ ... الآية [النساء:
١١٨]، وقوله: ﴿قَالَ أَرَءَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَبِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ اٌلْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ
ذُرِّيَّنَهُ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء]. وهذا قاله إبليس قبل أن يقع ظنًّا منه أنه يتمكن من
إضلال أكثر بني آدم، وقد بيّن تعالى أنه صدق ظنه هذا بقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِيْلِسُ
ظَنَهُ فَأَتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [سبأ]، وكل آية فيها ذكر إضلال إبليس لبني آدم
بين فيها أن إبليس وجميع من تبعه كلهم في النار كما قال هنا: ﴿وَإِنَّ جَهَنََّ لَمَوْعِدُهُمْ
أَجْمَعِينَ ﴿لَا سَبْعَةُ أَبْوَبٍ﴾ ... الآية. وقال في الأعراف: ﴿قَالَ أَخْرُجْ مِنْهَا مَذْهُومَا مَّدْحُورًا لَّمَن
تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَّمَ مِنَكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾﴾ [الأعراف] وقال في سورة بني إسرائيل: ﴿قَالَ
أُذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَّآءُ مَّوْفُورًا (٣)﴾ [الإسراء] وقال في سورة ص:
﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَاَلْحَقَ أَقُولُ (٨) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (60)﴾ [ص].
قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾﴾ ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن
الشيطان لما أوعد بأنه سيضل أكثر بني آدم استثنى من ذلك عباد الله المخلصين معترفاً بأنه
لا قدرة له على إضلالهم، ونظيره قوله في سورة ص أيضاً: ﴿قَالَ فَبِعِزَِّكٌ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ

٣٠٤
سورة الحجر: الآية (٤٥)
﴿﴿ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾﴾ [ص]. وعباد الله المخلصون هم المرادون بالاستثناء
في قوله في بني إسرائيل ﴿لَأَحْتَئِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢]، وقوله في سبأ:
﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِسُ ظَنَّهُ فَتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ [سبأ] وهم الذين احترز
منهم بقوله: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِينَ﴾ [الأعراف: ١٧]. وبين تعالى في مواضع أخر أن
الشيطان لا سلطان له على أولئك المخلصين كقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَتِهِمْ سُلْطَانُّ﴾ ،
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَرُّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُ عَلَى
الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ٩٩، ١٠٠] وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ
يُؤْمِنُ بِلْأَخِرَةِ مِعَنْ هُوَ مِنْهَا فِ شَاءٍ﴾ [سبأ: ٢١]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ إِلَّ أَنَ
دَعَوَّتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. وقوله: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ قرأه ابن عامر وابن كثير وأبو
عمرو بكسر اللام اسم فاعل وقرأه نافع والكوفيون بفتح اللام بصيغة اسم المفعول.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿ أَدْخُلُوهَا بِسَلَيٍ ◌َامِنِينَ (43)﴾. بيّن في هذه
الآية الكريمة أن المتقين يوم القيامة في جنات وعيون، ويقال لهم يوم القيامة: ﴿أَدْخُلُوهَا
بِسَلَيٍ ◌َامِنِينَ (®﴾ وذكر في مواضع أخر صفات ثوابهم وربما بيّن بعض تقواهم التي نالوا بها
هذا الثواب الجزيل كقوله في الذاريات: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ ﴿٣ ◌َخِذِينَ مَآ ءَانَهُمْ رَبُّهُمْ
إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴿ كَانُواْ قَلِيلًا مِّنَ الَلِ مَا يَهْجَعُونَ (٣) وَبِالْأَسَْارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴿ وَفِّ أَنْوَلِهِمْ
حَقٌ لِلِسَآئِلِ وَالْحْرُومِ ﴾﴾ [الذاريات]، وقوله في الدخان: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ أَمِينِ (@ فِ
كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ (@)
٥٣
يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسِ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّقَيِلِينَ
جَنَّتٍ وَعُيُونٍ (
لَا يَذُوقُونَ فِيهَا اُلْمَوْتَ إِلَّ الْمَوْتَةَ الْأُولَىِّ وَوَقَدَهُمْ
يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَكِهَةٍءَامِنِينَ (®)
عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴿٨ فَضْلًا مِّن رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ اُلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ (@)﴾ [الدخان]، وقوله في الطور:
(ي كُلُوا
فَكِهِينَ بِمَآ ءَالَهُمْ رَبُّعُ وَوَقَهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ
﴿إِنَّ الْمُنَّفِينَ فِى جَنَّتٍ وَنَعِيمٍ
وَأَشْرَبُواْ هَنِّيْئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
)﴾ [الطور]،
مُتَّكِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَّحْنَهُم بِحُورٍ عِينِ هَـ
وقوله في القمر: ﴿إِنَّ الْنَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَنَهَرٍ (@) فِىِ مَفْعَدٍ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْنَدِرٍ
[القمر]،
وقوله في المرسلات: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَلِ وَعُيُونٍ جَ وَفَوَكِهَ مِنَّا يَشْتَهُونَ
كُلُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيَكَأَ
(٤٢
بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾﴾ [المرسلات] إلى غير ذلك من الآيات.
وقد بيّنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن الشيء الذي
له أو صاف متعددة في القرآن نبيّن أو صافه عند ذكر بعضها كما تقدم مثاله مراراً وكما هنا .
والمتقي اسم فاعل الاتقاء وأصل مادة الاتقاء (و ق ی) لفيف مفروق فاؤه واو وعينه
قاف ولامه ياء فدخله تاء الافتعال فصارت وقى أو تقى فأبدلت الواو التي هي فاء الكلمة تاء
للقاعدة المقررة في التصريف أن كل واو هي فاء الكلمة إذا دخلت عليها تاء الافتعال يجب
إبدالها، أعني الواو تاء وإدغامها في تاء الافتعال نحو اتصال من الوصل واتزن من الوزن
واتحد من الوحدة واتقى من الوقاية، وعقد هذه القاعدة ابن مالك في الخلاصة بقوله:

٣٠٥
سورة الحجر: الآيتان (٤٧ - ٤٨)
ذو اللين فاتا في افتعال أبدلا وشذ في ذي الهمز نحو ائتكلا
والاتقاء في اللغة: اتخاذ الوقاية دون المكروه، ومنه قول نابغة ذبيان:
فتناولته واثقتنا باليد
سقط النصيب ولم ترد إسقاطه
يعني استقبلتنا بيدها جاعلة إياها وقاية تقيها من أن ننظر إلى وجهها لأنها تستره
بها، وقول الآخر:
فألقت قناعاً دونه الشمس واتقت
بأحسن موصولين كف ومعصم
والتقوى في اصطلاح الشرع: هي اتخاذ الوقاية دون عذاب الله وسخطه وهي
مركبة من أمرين: هما امتثال أمر الله واجتناب نهيه.
قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ عِلّ إِخْوَانًا﴾ بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة أنه
نزع ما في صدور أهل الجنة من الغل في حال كونهم إخواناً وبين هذا المعنى في الأعراف
وزاد أنهم تجري من تحتهم الأنهار في نعيم الجنة وذلك في قوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ
غِلِ تَّجْرِى مِنْ تَحْنِمُ آلْأَنْهَرُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنْنَا لِهَذَا﴾ ... الآية [الأعراف: ٤٣].
قوله تعالى: ﴿عَ سُرُرٍ مُنَّفَبِلِينَ﴾ بيّن في هذه الآية الكريمة أن المتقين الذين هم
أهل الجنة يوم القيامة يكونون على سرر، وأنهم متقابلون ينظر بعضهم إلى وجه بعض
ووصف سررهم بصفات جميلة في غير هذا الموضع، منها أنها منسوجة بقضبان الذهب
وهي الموضونة قال في الواقعة: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَِّينَ ﴾ وَقَلِلٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ (٣) عَلَى سُرُرٍ
1﴾ [الواقعة]، وقيل: الموضونة المصفوفة كقوله:
مَّوْضُونَةٍ ﴿ قُتَّكِينَ عَلَيْهَا مُتَقَبِلِينَ
﴿مُتَّكِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] ومنها أنها مرفوعة كقوله في الغاشية: ﴿فِيهَا سُرُرٌ
مَّرْفُوعَةٌ ﴾ [الغاشية] وقوله في الواقعة: ﴿وَفُشِ قَرْفُوعَةٍ (49)﴾ [الواقعة] وقوله: ﴿مُتَّكِينَ عَلَى
[الرحمن] إلى غير ذلك من الآيات.
رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيّ حِسَانِ (َ﴾
قوله تعالى: ﴿لَا يَمَتُهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ .
بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة أن أهل الجنة لا يمسهم فيها نصب وهو التعب
والإعياء، وقوله نصب نكرة في سياق النفي فتعم كل نصب، فتدل الآية على سلامة
أهل الجنة من جميع أنواع التعب والمشقة، وأكد هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿الَّذِىّ
أَجَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ، لَا يَمَشُّنَا فِيَهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٢٥)﴾ [فاطر]؛ لأن
اللغوب هو التعب والإعياء أيضاً، قد صح عن النبي * أنه قال: ((إن الله أمرني أن
أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب)).
قوله تعالى: ﴿وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَمِينَ﴾ بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة أن أهل الجنة
لا يخرجون منها وأكد نفي إخراجهم منها بالباء في قوله: ﴿يُخْرَِّينَ﴾ فهم دائمون في
نعيمها أبداً بلا انقطاع. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّتُ اُلْفِرْدَوْسِ نُزْلًا (٦) خَلِنَ فَِهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حَلًا (®)﴾ [الكهف]،

٣٠٦
سورة الحجر: الآيات (٥١ - ٥٣)
وقوله: ﴿وَيَُّشِّرَ الْمُؤْمِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا جَ مَّكِتِينَ فِهِ
أَبَدًا﴾، وقوله: ﴿عَطَاءُ غَيْرَ مَجْذُونٍ﴾ [هود: ١٠٨] وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ
[ص] إلى غير ذلك من الآيات.
﴾﴾ بيّن في مواضع أخر أن ضيف إبراهيم
قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ
المذكورين في هذه الآية أنهم ملائكة كقوله في هود: ﴿وَلَقَدْ جَمَتْ رُسُلْنَا إِنََّهِيمَ
بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلَمًا قَالَ سَلَمٌ﴾ [هود: ٦٩] كما تقدم، وقوله: ﴿قَالَ فَمَا خَطِبُّكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ
(٥٨)
قَالُواْ إِنَّ أُزْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِنَ
إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمَّا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ ﴾﴾﴾ لم يبيّن تعالى في هذه
الآية الكريمة هل رد إبراهيم السلام على الملائكة أو لا؛ لأنه لم يذكر هنا رده السلام
عليهم، وإنما قال عنه إنه قال لهم: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَحِلُونَ﴾ وبيّن في هود والذاريات أنه رد
عليهم السلام بقوله في هود: ﴿قَالَ سَلَمّ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيدٍ﴾ [هود: ٦٩]، وقوله
في الذاريات: ﴿قَالَ سٌَ قَوْمٌ مُّنْكَرُونَ ﴿ فَرَغَ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينِ (@)﴾ [الذاريات]،
وبيّنٍ أن الوجل المذكور هنا هو الخوف لقوله في القصة بعينها في هود: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ
خِيفَةٌ قَالُواْ لَا تَّخَفْ﴾ [هود: ٧٠] وقوله في الذاريات: ﴿فَأَوْحَسَ مِنْهُمْ خِفَةً قَالُواْ لَا تَخَفَ﴾
[الذاريات: ٢٨]. وقد قدمنا أن من أنواع البيان في هذا الكتاب بيان اللفظ بمرادف له أشهر
منه كما هنا لأن الخوف يرادف الوجل وهو أشهر منه، وبيّن أن سبب خوفه هو عدم أكلهم
بقوله: ﴿فَمَّا رَءَا أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةٌ﴾ [هود: ٧٠].
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ لَا نَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَمٍ عَلِيمِ ﴾﴾. ذكر تعالى في هذه الآية
الكريمة أن أولئك الضيف الكرام الذين هم ملائكة بشروا إبراهيم بغلام موصوف بالعلم
ونظير ذلك قوله تعالى أيضاً في الذاريات: ﴿قَالُواْ لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَمِ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات:
٢٨]. وهذا الغلام بيّن تعالى أنه هو إسحاق كما يوضح ذلك قوله في الذاريات: ﴿تَّخَفّ
وَبَشَّرُوُهُ بِغُلَِ عَلِيمٍ ﴿ فَأَقْبَتِ آَمْرَتُهُ فِى صَرَّقِ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُ عَقِيمٌ
قَالُواْ كَذَلِكِ
قَالَ رَبُّكِّ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ﴾ [الذاريات: ٢٨ - ٣٠]؛ لأن كونها أقبلت في صرة أي صيحة
وضجة وصكت وجهها، أي لطمته قائلة إنها عجوز عقيم يدل على أن الولد المذكور
هي أمه كما لا يخفى، ويزيده إيضاحاً تصريحه تعالى ببشارتها هي بأنها تلده مصرحاً
باسمه واسم ولده يعقوب وذلك في قوله تعالى في هود في القصة بعينها: ﴿وَأَمْرَتُ قَابِمَةٌ
فَضَحِكَتْ فَبَشَّتْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ ﴿ قَالَتْ يَوَتِلَ ءَأَلِّدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِىِ
شَيْئًا إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ عَجِيبٌ إ
﴾ [هود]. وأما الغلام الذي بشر به إبراهيم الموصوف
بالحلم المذكور في الصافات في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِ ذَاهِبُ إِلَى رَبِ سَيَهْدِينِ ( رَبِّ هَبْ
فَبَشَّرَهُ بِغُلَمٍ حَلِيمٍ ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَبُنَّ إِنِّ أَرَى فِ الْمَنَاِ
١٠٠
لِ مِنَ الصَّلِحِينَ
. الآية [الصافات: ٩٩ - ١٠٢] فهو إسماعيل وسترى - إن شاء الله تعالى -
أَنِى أَذْبَحُكَ﴾
في سورة الصافات دلالة الآيات القرآنية على أن الذبيح إسماعيل لا إسحاق على وجه

٣٠٧
سورة الحجر: الآية (٥٤)
قاطع للنزاع، والغلام يطلق في لغة العرب على العبد وعلى الصغير الذي لم يبلغ وعلى
الرجل البالغ ومن إطلاقه على البالغ، قول علي ظله يوم النهروان:
أبو حسين فاعلمن والحسن
أنا الغلام القرشي المؤتمن
وقوله صفوان بن المعطل السلمي لحسان
.
تلق ذباب السيف عني فإنني
غلام إذا هوجيت لست بشاعر
وقول ليلى الأخيلية تمدح الحجاج بن يوسف:
: تتبع أقصى دائها فشفاها.
إذا نزل الحجاح أرضاً مريضة
غلام إذا هز القناة سقاها
شفاها من الداء العضال الذي بها
وربما قالوا للأنثى غلامة، ومنه قول أوس بن غلفاء الهجيمي يصف فرساً:
يهان لها الغلامة والغلام
ومركضة صريحي أبوها
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِ عَّ أَنْ مَّسَّنِىَ اُلْكِبَرُ﴾.
بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة أن نبيه إبراهيم قال: إنه وقت البشرى بإسحاق
مسه الكبر، وصرّح في هود بأن امرأته أيضاً قالت: إنه شيخ كبير في قوله عنها: ﴿وَهَذَا
بَعْلِى شَيْئًا﴾ [هود: ٧٢] كما صرح عنها هي أنها وقت البشرى عجوز كبيرة السن وذلك
كقوله في هود: ﴿يَوَيِّلَ ءَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوٌ﴾ [هود: ٧٢] وقوله في الذاريات: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا
وَقَالَتْ عَجُزُ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩]. وبين في موضع آخر عن نبيه إبراهيم أنه وقت هبة الله
له ولده إسماعيل أنه كبير السن أيضاً، وذلك قوله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِ عَلَى
﴾ [إبراهيم].
٣٩
اُلْكِبَرِّ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقُّ إِنَّ رَبِ لَسَمِيعُ الذُّعَلِ (
قوله تعالى: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾. الظاهر أن استفهام نبي الله إبراهيم - عليه وعلى نبينا
الصلاة والسلام - للملائكة بقوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ استفهام تعجب من كمال قدرة الله
تعالى، ويدل على ذلك أنه تعالى ذكر أن ما وقع له وقع نظيره لامرأته حيث قالت:
﴿وَلِّدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ﴾ [هود: ٧٢] وقد بين تعالى أن ذلك الاستفهام لعجبها من ذلك الأمر
الخارق للعادة في قوله: ﴿قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣]. ويدل عليه أيضاً وقوع
مثله من نبي الله زكريا - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - لأنه لما قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِ
مِنْ لَُّنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةٌ فَنَادَتْهُ الْمَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّى فِ اَلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَ﴾ عجب
من كمال قدرة الله تعالى فقال: ﴿رَبِّ أَّ يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ وَأَمْرَأَتِ عَاقِرٌ﴾
[آل عمران: ٣٨ - ٤٠]، وقوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ قرأه ابن عامر وأبو عمرو وعاصم وحمزة
والكسائي بفتح النون مخففة وهي نون الرفع وقرأه نافع بكسر النون مخففة - وهي نون
الوقاية مع حذف ياء المتكلم لدلالة الكسرة عليها، وقرأه ابن كثير بالنون المكسورة
المشددة مع المد، فعلى قراءة ابن كثير لم تحذف نون الرفع ولا المفعول به بل نون
الرفع مدغمة في نون الوقاية وياء المتكلم هي المفعول به، وعلى قراءة الجمهور فنون
الرفع ثابتة والمفعول به محذوف على حد قول ابن مالك:

٣٠٨-
سورة الحجر: الآيات (٥٦ - ٥٩)
وحذف فضلة أجز إن لم يضر كحذف ما سيق جواباً أو حصر
وعلى قراءة نافع فنون الرفع محذوفة لاستثقال اجتماعها مع نون الوقاية.
بيّن تعالى في هذه
قوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ: إِلَّ الضَّالُونَ
الآية الكريمة أن نبيه إبراهيم قال للملائكة: إنه لا يقنط من رحمة الله - جل وعلا - إلا
الضالون عن طريق الحق، وبيّن أن هذا المعنى قاله أيضاً يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم
لبنيه في قوله: ﴿يَبَنِىَ أَذْهَبُواْ فَحَسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَأْيِّئَسُواْ مِن زَوْجِ اللَّهِّ إِنَّهُ لَا يَأْيَِّسُ
مِن رَّوْجِ اَللَّهِ إِلَّ الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ (٨)﴾ [يوسف] قال أبو حيان في البحر المحيط في تفسير قوله
تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَأْيِكَسُ مِنْ رَوْجِ اَللَّهِ﴾ ... الآية، وروح الله رحمته وفرجه وتنفيسه.
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ إِنَّا أُزْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ ﴿ إِلَّاَ ءَالَ لُوطٍ﴾ ... الآية. أشار في
هذه الآية الكريمة إلى أن المراد بهؤلاء القوم المجرمين قوم لوط الذين أرسل إليهم
فكذبوه، ووجه إشارته تعالى لذلك استثناء لوط وأهله غير امرأته في قوله: ﴿ إِلَآ ءَالَ لُوطٍ
إِنَّا لَمُنَبُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ إِلَّا أَمْرَأَتَهُ﴾، وصرح بأنهم قوم لوط بقوله في هود في القصة
بعينها: ﴿قَالُواْ لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠]. وصرح في الذاريات بأنهم
أرسلوا إلى هؤلاء القوم المجرمين ليرسلوا عليهم حجارة من طين في قوله: ﴿قَالُواْ إِنَّا
أُزْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ (٣) لِتُرْسِلَ عَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ (٣)﴾ [الذاريات]. وصرح في العنكبوت
أنهم قالوا: إنا مهلكوهم بسبب ظلمهم ومنزلون عليهم رجزاً من السماء بسبب فسقهم
وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَهِمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُواْ أَهْلِ هَذِهِ اٌلْقَرْيَةِ
إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَلِمِينَ ﴿﴿ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطَأَ قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيّاً﴾ [العنكبوت:
٣١، ٣٢] وقوله: ﴿وَقَالُواْ لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنِّ إِنَّا مُتَجُوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا أَمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ
اُلْغَبِينَ (٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًّاً مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾
[العنكبوت: ٣٣، ٣٤]. وقوله: ﴿إِلََّ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُوهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾﴾ بين في هذه الآية
الكريمة أنه استثنى آل لوط من ذلك العذاب النازل بقومه، وأوضح هذا المعنى في آيات
أخر كما تقدم في هود في قوله: ﴿قَالُواْ يَلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَيِّكَ لَنْ يَصِلُواْ إِلَيْكٌ فَأَشْرٍ بِأَهْلِكَ بِقِطْعِ
مِنَ الَِّلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدُّ إِلَّا أَمْرَأَنَكَ﴾ [هود: ٨١] وقوله في العنكبوت: ﴿وَقَالُوْ لَا تَخَفْ
وَلَا تَحْزَنَّ إِنَّا مُتَّجُوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا أَمْرَأَتَكَ﴾ [العنكبوت: ٣٣] وقوله: ﴿فَنَّنَهُ وَأَهْلَهُ: إِلَّا أَمْرَأَتَهُ
كَانَتْ مِنَ الْغَبِينَ (٨)﴾ [الأعراف] وقوله: ﴿فَجَّيْنَهُ وَأَهْلَهُ: أَجْمَعِينُ (١٨) إِلَّا عَجُوزًا فِ الْغَيِينَ
... الآية [الشعراء] وقوله: ﴿فَأَنَجَّنَهُ وَأَهْلَهُ: إِلَّا أَمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَيِينَ (بَّهَا﴾
[الأعراف] إلى غير ذلك من الآيات. وما ذكر في هذه الآية الكريمة من استثناء امرأته من
أهله الناجين في قوله: ﴿إِلَّا أَمْرَأَتَهُ قَّذَّرْنَاً إِنَّهَا لَمِنَ الْغَرِينَ ﴾﴾ أوضحه في هذه الآيات
التي ذكرنا آنفاً ونحوها من الآيات وبيّن في الذاريات أنه أنجى من كان في قوم لوط من
المؤمنين وأنهم لم يكن فيهم من المسلمين إلا بيت واحد وهم آل لوط وذلك في قوله:
﴿فَأَخْرَحْنَا مَن كَانَ فِيَهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٥ ◌َا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات].

٣٠٩
سورة الحجر: الآيات (٦١ - ٧٥)
قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنْكُرُونَ
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ اُلْمُرْسَلُونَ (
بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن لوطاً - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - لما
جاءه الملائكة والمرسلون لإهلاك قومه قال لهم: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكُرُونَ﴾، وصرح في
مواضع أخر أنه حصلت له مساءة بمجيئهم، وأنه ضاق ذرعاً بذلك كقوله في هود:
﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلْنَا لُوطَّا سَِّ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمُ عَصِيبٌ (4)﴾ [هود] وقوله
في العنكبوت: ﴿وَلَمَّآ أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىءَ بِهِمْ وَضَافَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ [العنكبوت: ٣٣]
وذكر تعالى في الذاريات أن نبيه إبراهيم قال لهم أيضاً قوم منكرون كما ذكر عن لوط
هنا وذلك في قوله: ﴿قَالَ سَلَمٌ قَوْمُ سُكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥]. وقوله ﴿قَوْمٌ مُكَرُونَ﴾ قيل
معناه أنهم غير معروفين والنكرة ضد المعرفة وقيل: إنه رآهم في صفة شباب حسان
الوجوه فخاف أن يفعل بهم قومه فاحشة اللواط فقال: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُكُرُونَ﴾ وقال
الزمخشري في (الكشاف): منكرون أي تنكركم نفسي وتفر منكم فأخاف أن تطرقوني
بشر بدليل قوله: ﴿بَلّ ◌ِثْنَكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ وَأَنَّيْنَكَ بِالْحَقِّ﴾ ... الآية، ويدل على
هذا الوجه أنه بيّن في هود أن سبب إنكار إبراهيم لهم عدم أكلهم من لحم العجل الذي
قدَمَه إليهم وذلك في قوله: ﴿فَلَمَّا رَءَّا أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَصِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةٌ﴾
[هود: ٧٠]؛ لأن من استضاف وامتنع من الأكل خيف منه الشر، وقوله تعالى في هذه
الآيات: ﴿إِنَّا لَمُنَجُوهُمْ﴾ قرأه حمزة والكسائي بإسكان النون بعد الميم المضمومة مخففاً
اسم فاعل أنجى على وزن أفعل، وقرأه غيرهما من القراء بفتح النون وتشديد الجيم
اسم فاعل نجى على وزن فعل بالتضعيف والإنجاء والتنجية معناهما واحد، وقوله:
﴿قَدَّرْنَآَ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَرِينَ﴾ قرأه أبو بكر عن عاصم بتخفيف الدال وقرأه غيره بتشديدها
وهما لغتان معناهما واحد، وقوله: ﴿جَآءَ ءَالَ لُوطٍ﴾ قرأه قالون والبزي وأبو عمرو
بإسقاط الهمزة الأولى وتحقيق الثانية مع القصر والمد، وقرأه ورش أيضاً بتحقيق الأولى
وإبدال الثانية ألفاً مع القصر والمد. وعن ورش أيضاً تحقيق الأولى وتسهيل الثانية مع
القصر والتوسط والمد وقرأه قنبل مثل قراءة ورش إلا أنه ليس له مع التسهيل إلا
القصر، وقرأ الباقون بتحقيق الهمزتين وكل على أصله من المد وما ذكر من قراءة ورش
وقنبل هو التحقيق عنهما وإن قيل غيره، والعلم عند الله تعالى.
سبب استبشار قوم لوط أنهم
قوله تعالى: ﴿وَجَآءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (49).
ظنوا الملائكة شباباً من بني آدم فحدثتهم أنفسهم بأن يفعلوا بهم فاحشة اللواط كما يشير
لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءٍ ضَيْفِى فَلَ نَفْضَحُونِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَوَدُوُهُ عَنْ ضَيْفِهِ.
فَطَمَسْنَا أَعْيَُّهُمْ﴾ [القمر: ٣٧]، وقوله: ﴿وَجَآءَهُ قَوْمُ, يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ
السَِّئَاتِ﴾ [هود: ٧٨] إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ لِلْمُتَوْسِمِينَ (٣)﴾. بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة
أن فيما أوقع من النكال بقوم لوط آيات للمتأملين في ذلك تحصل لهم بها الموعظة

٣١٠ -
سورة الحجر: الآيات (٦١ - ٧٥)
والاعتبار والخوف من معصية الله أن ينزل بهم مثل ذلك العذاب الذي أنزل بقوم لوط
لما عصوه وكذبوا رسوله، وبيّن هذا المعنى في مواضع أخر كقوله في العنكبوت:
﴿وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَآ ءَايَةً بَيْنَةُ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾ [الذاريات] وقوله في الذاريات: ﴿وَتَرَّكْنَا
فِيَآ مَايَةٌ لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيَمَ ﴾﴾ [الذاريات] وقوله هنا: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ
لِلْمُتَوَسِمِينَ ﴾، وقوله في الشعراء بعد ذكر قصة قوم لوط: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةٌ وَمَا كَانَ
أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾﴾ [الشعراء] كما صرح بمثل ذلك في إهلاك قوم نوح وقوم هود وقوم
صالح وقوم شعيب في الشعراء، وقوله: ﴿لِلْمُتَوَسّمِينَ﴾ أصل التوسم تفعل من الوسم وهو
العلامة التي يستدل بها على مطلوب غيرها يقال: توسمت فيه الخير إذا رأيت مبسمه
فيه، أي علامته التي تدل عليه، ومنه قول عبد الله بن رواحة نظره في النبي وَله:
·والله يعلم أني ثابت النظر
إني توسمته فيك الخير أعرفه
وقال الآخر:
عليه وقلت المرء من آل هاشم
توسمت لما رأيت مهابة
هذا أصل التوسم وللعلماء فيه أقوال متقاربة يرجع معناها كلها إلى شيء واحد،
فعن قتادة: للمتوسمين أي المعتبرين وعن مجاهد: للمتوسمين أي المتفرسين، وعن ابن
عباس، والضحاك: للمتوسمين أي الناظرين وعن مالك عن بعض أهل المدينة:
للمتوسمين أي للمتأملين. ولا يخفى أن الاعتبار والنظر والتفرس والتأمل معناها واحد،
وكذلك قول ابن زيد ومقاتل: للمتوسمين؛ أي للمتفكرين وقول أبي عبيدة: للمتوسمين
أي للمتبصرين، فمآل جميع الأقوال راجع إلى شيء واحد وهو أن ما وقع لقوم لوط فيه
موعظة وعبرة لمن نظر في ذلك وتأمل فيه حق التأمل، وإطلاق التوسم على التأمل
والنظر والاعتبار مشهور في كلام العرب، ومنه قول زهير:
أنيق لعين الناظر المتوسم
وفيهن ملهى لا للصديق ومنظر
أي المتأمل في ذلك الحسن، وقول طريف بن تميم العنبري:
أو كلما وردت عكاظ قبيلة بعثوا إلى عريفهم يتوسم
أي ينظر ويتأمل، وقال صاحب (الدر المنثور): وأخرج ابن جرير وابن المنذر
وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿لَيَتِ لِلْمُنَّوْسِمِينَ﴾ قال: للناظرين. وأخرجه
عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عن قتادة
في قوله: ﴿لَيَتِ لِلْمُتَوَسِّينَ﴾ قال: هم المتفرسون.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جعفر بن محمد في قوله: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ
لِلْمُتَوَسِمِينَ ﴾﴾ قال: هم المتفرسون. وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وابن جرير
وابن أبي حاتم وابن السني وأبو نعيم معاً في الطب وابن مردويه والخطيب عن أبي
سعيد الخدري قال: قال رسول الله : ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله)) ثم

٣١١
سورة الحجر: الآيات (٧٥ - ٧٩) -
قرأ ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِلْمُتَوَسِمِينَ ﴾﴾﴾ قال: ((للمتفرسين)) وأخرج ابن جرير عن ابن عمر
قال: قال رسول الله وَّ﴾: ((اتقوا فراسة المؤمن فإن المؤمن ينظر بنور الله)) وأخرج ابن
جرير عن ثوبان قال: قال رسول الله وسلم: ((احذروا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله
وينطق بتوفيق الله)) وأخرج الحكيم الترمذي والبزار وابن السني وأبو نعيم عن أنس قال:
قال رسول الله وَله: ((إن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسم)).
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ ﴾﴾. بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة أن ديار
قوم لوط وآثار تدمير الله لها بسبيل مقيم، أي بطريق ثابت يسلكه الناس لم يندرس بعد،
يمر بها أهل الحجاز في ذهابهم إلى الشام، والمراد أن آثار تدمير الله لهم التي
تشاهدون في أسفاركم فيها لكم عبرة ومزدجر يوجب عليكم الحذر من أن تفعلوا
كفعلهم لئلا ينزل الله بكم مثل ما أنزل بهم وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر كقوله:
﴾ [الصافات] وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ
٣٨
وَيَأَيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
﴿وَإِنَّكُمْ لَهُونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ (َـ
فِىِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ دَمَّرَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَفِرِينَ أَمْثَلُهَا ﴾﴾ [محمد]ً
وقوله فيها وفي ديار أصحاب الأيكة: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامِ مُّبِينٍ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
فَأْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ .
٧٨
قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَبُ اُلْأَيْكَةِ لَظَلِينَ
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية أن أصحاب الأيكة كانوا ظالمين، وأنه
- جل وعلا - انتقم منهم بسبب ظلمهم، وأوضح هذه القصة في مواضع أخر كقوله في
إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبُ أَلَّا نَّقُونَ (٨٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولُ
الشعراء: ﴿ كَذّبَ أَصْحَبُ لَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ
أَمِينٌ ﴿ فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢)) إلى قوله ﴿فَكَذَّبُهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الْقُللَّةِ إِنَّهُ كَانَ
عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (19)﴾ [الشعراء] فبيّن في هذه الآية أن ظلمهم هو تكذيبهم رسولهم
وتطفيفهم في الكيل وبخسهم الناس أشياءهم وأن انتقامه منهم بعذاب يوم الظلة، وبيّن
أنه عذاب يوم عظيم، والظلة سحابة أظلتهم فأضرمها الله عليهم ناراً فأحرقتهم، والعلم
عند الله تعالى، وقرأ نافع وابن عامر وابن كثير (ليكة)) ... في (الشعراء وص) بلام
مفتوحة أول الكلمة وتاء مفتوحة آخرها من غير همز ولا تعريف على أنه اسم للقرية غير
منصرف، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي ((الأيكة)) بالتعريف والهمز وكسر
التاء، وقرأ كذلك جميع القرآء في (ق والحجر) قال أبو عبيدة: ليكة، والأيكة اسم
مدينتهم كمكة وبكة، والأيكة في لغة العرب: الغيضة وهي جماعة الشجر، والجمع
الأيك، وإنما سموا أصحاب الأيكة؛ لأنهم كانوا أصحاب غياض ورياض، ويروى أن
شجرهم كان دوماً وهو المقل، ومن إطلاق الأيكة على الغيضة قول النابغة:
برداً أسف التائه بالإثمد
تجلو بقادمتي حمامة أيكة
وقال الجوهري في (صحاحه): ومن قرأ أصحاب الأيكة فهي الغيضة، ومن قرأ
ليكة فهي اسم القرية ويقال هما مثل بكة ومكة، وقال بعض العلماء: الأيكة: الشجرة،
والأيك: هو الشجر الملتف.

٣١٢ -
سورة الحجر: الآيات (٨٠ - ٨١)
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَعَْبُ اَلِجْرِ الْمُرْسَلِينَ
٨٠
: الحجر: منازل ثمود بين الحجاز والشام عند وادي القرى، فمعنى الآية الكريمة:
كذبت ثمود المرسلين، وقد بين تعالى تكذيب ثمود لنبيه صالح - عليه وعلى نبينا الصلاة
والسلام - في مواضع أخر، كقوله: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُوُ اَلْمُرْسَلِينَ ﴿﴿ إِذْ قَالَ لَمْ أَخُوهُمْ صَلِحُ أَلَا
نَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٤١، ١٤٢]. وقوله: ﴿فَكَذَبُوُهُ فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس: ١٤] وقوله: ﴿كَذَّبَتْ
ثَمُودُ پِالنُّذُرِ
﴾ [القمر] وقوله :
فَقَالُواْ أَبْشَرً مِنَا وَحِدًا نَّهُ إِنَّا إِذَا لَّفِى ضَلَالٍ وَسُهُرٍ
﴿فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَّوْاْ عَنْ أَمْيِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَصَلِحُ أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
[الأعراف] إلى غير ذلك من الآيات، وإنما قال إنهم كذبوا المرسلين مع أن الذي
كذبوه هو صالح وحده؛ لأن دعوة جميع الرسل واحدة؛ وهي تحقيق معنى ((لا إله إلا الله))
كما بينه تعالى بأدلة عمومية وخصوصية؛ قال معمماً لجميعهم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِنْ
رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنْ﴾ ... الآية [الأنبياء: ٢٥]. وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى
كُلٍ أُمَّةٍ زَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقال: ﴿وَسَثَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا
مِن قَبْلِكَ مِن زُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ
﴾ [الزخرف] إلى غير ذلك من
٤٤٥
الآيات، وقال في تخصيص الرسل بأسمائهم: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ
اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُمْ﴾ [الأعراف: ٥٩]. وقال: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا
لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيُّهُ﴾ [الأعراف: ٦٥]. وقال: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ
اَللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥] إلى غير ذلك من الآيات، فإذا حققت أن دعوة
الرسل واحدة عرفت أن من كذب واحداً منهم فقد كذب جميعهم؛ ولذا صرح تعالى بأن
من كفر ببعضهم فهو كافر حقاً. قال: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ
يَتَّخِذُواْ بَيِّنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١]. وبيّن أنه لا
تصح التفرقة بينهم بقوله: ﴿لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦] وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ
أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ ﴾ [البقرة: ٢٨٥] ووعد الأجر على عدم التفرقة بينهم في قوله: ﴿وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ
بِلَّهِ وَرُسُلِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ ... الآية [النساء:
١٥٢]. وقد بيّنا هذه المسألة في كتابنا ((دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)).
قوله تعالى: ﴿وَمَانََّهُمْ مَايَئِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4﴾. ذكر تعالى في هذه الآية
الكريمة أنه آتى أصحاب الحجر - وهم ثمود - آياته فكانوا عنها معرضين. والإعراض:
الصدود عن الشيء وعدم الالتفات إليه؛ كأنه مشتق من العرض - بالضم - وهو
الجانب؛ لأن المعرض لا يولي وجهه بل يثني عطفه ملتفتاً صاداً.
ولم يبيّن - جل وعلا - هنا شيئاً من تلك الآيات التي آتاهم، ولا كيفية إعراضهم
عنها، ولكنه بيّن ذلك في مواضع أخر، فبيّن أن من أعظم الآيات التي آتاهم تلك الناقة
التي أخرجها الله لهم، بل قال بعض العلماء: إن في الناقة المذكورة آيات جمة،
كخروجها عشراء، وبراء، جوفاء، من صخرة صماء، وسرعة ولادتها عند خروجها،

٣١٣
سورة الحجر: الآيات (٨٢ - ٨٥) -
وعظمها حتى لم تشبهها ناقة، وكثرة لبنها حتى يكفيهم جميعاً، وكثرة شربها؛ كما قال
تعالى: ﴿لَّا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] وقال: ﴿وَنَبِثَهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ بَيََّهُمْ
كُلُّ شِرْبٍ تُخَضَرُ ﴾﴾ [القمر].
فإذا علمت ذلك فاعلم أن مما يبين قوله هنا: ﴿وَءَانَيْنَهُمْ ءَايَتِنَا﴾ قوله: ﴿مَا أَنْتَ
إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بَِايَةٍ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِفِنَ ﴿ قَالَ هَذِهِ، نَاقَةٌ لَّا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ
مَعْلُومٍ ﴾﴾ [الشعراء]، وقوله: ﴿قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ
ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىّ أَرْضِ اَللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوْءٍ﴾ [الأعراف: ٧٣]، وقوله: ﴿وَءَانَيْنَ ثَمُودَ
النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ الآية [الإسراء: ٥٩]، وقوله: ﴿إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِئْنَةً لَّهُمْ فَارْتَّقِبْهُمْ وَأَصْطَيِرْ
[القمر]، وقوله: ﴿وَيَقَوْمِ هَذِهِ، نَاقَةُ الَّهِ لَكُمْ ءَايَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىَ أَرْضِ اَللَّهِ وَلَا
تَمَشُوهَا بِسُوْءٍ فَأْخُذَكَرْ عَذَابٌ قَرِيبٌ ﴾﴾ [هود] إلى غير ذلك من الآيات.
وبين إعراض قوم صالح عن تلك الآيات في مواضع كثيرة؛ كقوله: ﴿فَعَقَرُواْ
النَّاقَةَ وَعَنَوْ عَنْ أَمَرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَصَلِحُ أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
[الأعراف]، وقوله ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةً أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥]، وقوله :.
١٣٦
إِذِ اُنْبَعَثَ أَشْقَنَهَا ﴿﴿ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَهَا
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَنِهَا (
فَكَذَبُوهُ فَعَفَرُوهَا فَدَهْدَمَ عَلَيْهِمْ رَتُهُمْ بِذَئِهِمْ فَسَوَّنَهَا ﴾﴾ [الشمس]، وقوله: ﴿فَدَوْأ
صَاحِبٌَ فَتَعَاطَى فَعَفَرَ ﴾ [القمر]، وقوله: ﴿وَءَانَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ [الإسراء:
٥٩]. وقوله: ﴿قَالُواْ إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَرِينَ ﴿ مَآ أَنْتَ إِلَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِشَايَةٍ إِن كُنْتَ مِنَ
الصَّدِقِينَ (39)﴾ [الشعراء]. إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًّاَ ءَامِنِينَ (﴾﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية
الكريمة أن أصحاب الحجر وهم ثمود قوم صالح كانوا آمنين في أوطانهم، وكانوا ينحتون
من الجبال بيوتاً. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿أَثْرَكُونَ فِ مَا هَهُنَآً
ءَامِينَ (٣٦) فِ جَتٍ وَعُيُونٍ (٣٧) وَزُرُوعِ وَتَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ﴿٢٤) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُتًا فَرِمِينَ
[الشعراء]، وقوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُنْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوََّكُمْ فِي الْأَرْضِ
تَنَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَنَنْحِنُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَأَذْكُرُوَاْ ءَالَآءَ اللَّهِ﴾ ... الآية [الأعراف:
٧٤]، وقوله: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ ﴾ [الفجرا، أي قطعوا الصخر بنحته بيوتاً.
قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَّا إِلَّا بِالْحَقُ﴾. ذكر تعالى في هذه
الآية الكريمة أنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق؛ أي ليدل بذلك
على أنه المستحق لأن يعبد وحده، وأنه يكلف الخلق ويجازيهم على أعمالهم.
فدلت الآية على أنه لم يخلق الخلق عبئاً ولا لعباً ولا باطلاً، وقد أوضح ذلك
في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا ذَلِكَ ظُنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ
كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ (٨)﴾ [ص]، وقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل

٣١٤
سورة الحجر: الآية (٨٥)
[1] [الأنبياء] ﴿مَا
عمران: ١٩١]، وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِينَ
خَلَقْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِ﴾ [الدخان: ٣٩]، وقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا
®﴾ [المؤمنون]،
فَتَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِ
تُرْجَعُونَ
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ اُلْأَرْضِ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَنُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ
بِالْحُسْنَى ﴾﴾ [النجم]، وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ آلْإِسَنُ أَنْ يُتْرَكَ سُدَّى (٣٦ أَلَ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُعْنَى
[القيامة] إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَِيَّةٌ﴾ .
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الساعة آتية، وأكد ذلك بحرف التوكيد الذي
هو ((إن)) وبلام الابتداء التي تزحلقها إن المكسورة عن المبتدأ إلى الخبر، وذلك يدل
على أمرين: أحدهما: إتيان الساعة لا محالة. وثانيهما: أن إتيانها أنكره الكفار؛ لأن
تعدد التوكيد يدل على إنكار الخبر، كما تقرر في فن المعاني.
وأوضح هذين الأمرين في آيات أخر، فبين أن الساعة آتية لا محالة في مواضع كثيرة
كقوله: ﴿إِنَّ الشَّاعَةَ ءَانِيَةُ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥] وقوله: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ ◌َاتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ
اللَّهَ يَبعَثُ مَنِ فِ الْقُبُورِ ﴾﴾ [الحج] وقوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٍ عَظِيمٌ ﴿﴿ يَوَمَ تَرَوْنَهَا
تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ خَملَهَا﴾ [الحج: ١، ٢]، وقوله:
﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا السَّاعَةُ﴾ [الجاثية: ٣٢]، وقوله:
[الروم]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا
COF
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ
لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّ لَا يُحَلِيَهَا لِوَقِهَاٌ إِلَّا هُوْ تَقُلَتْ فِ
اُلَمَوَتِ وَاُلْأَرْضِّ لَا تَأْتِيَكُمْ إِلَّا بَغَْةٌ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً.
وبيّنٍ - جل وعلا - إنكار الكفار لها في مواضع آخر، كقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا
تَأْتِنَ السَّاعَةٌ قُلْ بَلَى وَرَبِى لَتَأْتِنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣]، وقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوْ أَن لَّنْ يُعَثُواْ﴾
[التغابن: ٧] وقوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ ﴿٣) إِنْ هِىَ إِلَّ مَوْتَكُنَا الْأُوْلَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِيِنَ
(٣٥)
[الدخان] والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً.
قوله تعالى: ﴿فَأَصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ أمر الله - جل وعلا - نبيه - عليه الصلاة
والسلام - في هذه الآية الكريمة أن يصفح عمن أساء الصفح الجميل؛ أي بالحلم
والإغضاء. وقال علي وابن عباس: الصفح الجميل: الرضا بغير عتاب. وأمره وَالهيل
يشمل حكمة الأمة؛ لأنه قدوتهم والمشرع لهم. وبيّن تعالى ذلك المعنى في مواضع
آخر، كقوله: ﴿فَأَصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَمْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (9))
﴾ [الزخرف: ٨٩]، ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ
اُلْجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، وقوله: ﴿وَإِذَا سَِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآَ أَعْمَلُنَا
وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ
(٥٥)﴾ [القصص]، وقوله: ﴿فَأَعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَتَّ
يَأْتِىَ اَللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩]. إلى غير ذلك من الآيات.

٣١٥
سورة الحجر: الآيتان (٨٦ - ٨٧) -
وقال بعض العلماء: هذا الأمر بالصفح منسوخ بآيات السيف. وقيل: هو غير
منسوخ، والمراد به حسن المخالفة، وهي المعاملة بحسن الخلق.
قال الجوهري في (صحاحه): والخلق: السجية، يقال: خالص المؤمن،
وخالق الفاجر.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَقُ الْعَلِيُ
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه الخلاق العليم، والخلص العليم
كلاهما صيغة مبالغة. والآية تشير إلى أنه لا يمكن أن يتصف الخلاق بكونه خلاقاً إلا
وهو عليم بكل شيء، لا يخفى عليه شيء، إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه أن يخلقه.
وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يُخْبِيهَا الَّذِىّ أَشَأَهَا أَوَلَ
مَزَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيَهُ ﴿4﴾ [يس]، وقوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخِيُ
[الملك]، وقوله: ﴿ثُمَّ أُسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّهُنَّ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾
[البقرة: ٢٩]، وقوله: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَ سَبْعَ سَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَنَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِنَعْلَمُواْ أَنَّ
اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًّا (3َ﴾﴾﴾ [الطلاق]، وقوله تعالى مجيباً
للكفار لما أنكروا البعث وقالوا: ﴿أَوِذَا مِتْنَا وَكُنَّا نُرَبَا ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ ﴾﴾ [ق]، مبيناً أن
العالم بما تمزق في الأرض من أجسادهم قادر على إحيائهم: ﴿قَدْ عَلْنَا مَا نَنْقُصُ الْأَرْضُ
مِنْهُمِّ وَعِندَنَا كِتَبُّ حَفِيظٌ ﴾﴾ [ق] إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَلَقّدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ
ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه آتى نبيه وَللو سبعا من المثاني والقرآن
العظيم، ولم يبين هنا المراد بذلك. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية
الكريمة إن كان لها بيان في كتاب الله غير واف بالمقصود، أننا نتمم ذلك البيان من
السنة، فنبيّن الكتاب بالسنة من حيث إنها بيان للقرآن المبين باسم الفاعل، فإذا علمت
ذلك فاعلم أن النبي وليه بين في الحديث الصحيح: أن المراد بالسبع المثاني والقرآن
العظيم في هذه الآية الكريمة: هو فاتحة الكتاب، ففاتحة الكتاب مبينة للمراد بالسبع
المثاني والقرآن العظيم، وإنما بينت ذلك بإيضاح النبي و لذلك في الحديث الصحيح.
قال البخاري في صحيحه في تفسير هذه الآية الكريمة: حدثني محمد بن بشار،
حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي
سعيد بن المعلى قال: مر بي النبي وَ لّ وأنا أصلي، فدعاني فلم آته حتى صليت، ثم
أتيت فقال: ((ما منعك أن تأتيني))؟ فقلت: كنت أصلي، فقال: ((ألم يقل الله: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤])) ثم قال: ((ألا أعلمك أعظم سورة في
القرآن قبل أن أخرج من المسجد)) فذهب النبي ◌ّ ليخرج فذكرته فقال: ((﴿اَلْحَمْدُ للَّهِ
(٤) [الفاتحة]، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتیته»، حدثنا
رَبِّ الْعَلَمِينَ

٣١٦-
سورة الحجر: الآية (٨٨)
آدم، حدثنا ابن أبي ذئب، حدثنا سعيد المقبري، عن أبي هريرة له قال: قال
رسول الله وَّي: ((أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم)).
فهذا نص صحيح من النبي وَّر أن المراد بالسبع المثاني والقرآن العظيم: فاتحة
الكتاب، وبه تعلم أن قول من قال أنها السبع الطوال غير صحيح، إذ لا كلام لأحد
معه ◌َ، ومما يدل على عدم صحة ذلك القول: أن آية الحجر هذه مكية، وأن السبع
الطوال ما أنزلت إلا بالمدينة. والعلم عند الله تعالى.
وقيل لها ((مثاني))؛ لأنها تثنى قراءتها في الصلاة. وقيل لها (سبع))؛ لأنها سبع
آيات. وقيل لها ((القرآن العظيم))؛ لأنها هي أعظم سورة، كما ثبت عن النبي ◌َّ في
الحديث الصحيح المذكور آنفاً .
وإنما عطف القرآن العظيم على ((السبع المثاني)) مع أن المراد بهما واحد وهو الفاتحة،،
لما علم في اللغة العربية: من أن الشيء الواحد إذا ذكر بصفتين مختلفتين جاز عطف إحداهما
على الأخرى تنزيلاً لتغاير الصفات منزلة تغاير الذوات؛ ومنه قوله تعالى: ﴿سَيِحٍ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى
﴿ الَّذِىِ خَلَقَ فَسَوَّى ﴿ وَالَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى ﴾ وَالَّذِىّ أَخْرِجَ الْعَى ﴾ [الأعلى]، وقول الشاعر:
وليث الكتيبة في المزدحم
إلى الملك القرم وابن الهمام
قوله تعالى: ﴿لَا تَعُدَّنَ عَيْنَكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ، أَزْوَجًا مِّنْهُمْ﴾.
لما بيّن تعالى أنه آتى النبي والقر السبع المثاني والقرآن العظيم، وذلك أكبر
نصيب، وأعظم حظ عند الله تعالى، نهاه أن يمد عينيه إلى متاع الدنيا الذي متع به
الكفار؛ لأن من أعطاه ربه - جل وعلا - النصيب الأكبر والحظ الأوفر، لا ينبغي له أن
ينظر إلى النصيب الأحقر الأخس، ولا سيما إذا كان صاحبه إنما أعطيه لأجل الفتنة
والاختبار، وأوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله في (طه): ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ
عَيْنَّكَ إِلَى مَا مَتَعْنَا بِهِ أَزْوَجَّا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْخَيَّوْقِ الدُّنْيَا لِنَغْتِنَهُمْ فِيَةٍ وَرِزْقُ رَبِكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٤) وَأَمُرْ
أَهْلَكَ بِالصَّلَوْةِ وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْئَلُكَ رِزْقًاْ تَّخْنُ نَزُقُكَ وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَى (٣)﴾ [طه] والمراد
بالأزواج هنا: الأصناف من الذين متعهم الله بالدنيا .
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾. الصحيح في معنى هذه الآية الكريمة: أن الله نهى
نبيه ﴿ عن الحزن على الكفار إذا امتنعوا من قبول الإسلام، ويدل على ذلك كثرة
ورود هذا المعنى في القرآن العظيم، كقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِ ضَيْقِ مِّمَّا
يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]، وقوله: ﴿فَلَا نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَتٍ﴾ [فاطر: ٨]، وقوله:
﴿لَعَلَّكَ بَخِعُ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾﴾ [الشعراء]، وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَى ءَاثَرِهِمْ
إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًّا ﴾ [الكهف]، وقوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَ كَثِيرًا مِنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ
مِن رَّبِّكَ ◌ُغْيَانًا وَكُفْرَا فَلَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ اُلْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨] إلى غير ذلك من الآيات.
والمعنى: قد بلغت ولست مسؤولاً عن شقاوتهم إذا امتنعوا من الإيمان، فإنما عليك
البلاغ وعلينا الحساب، فلا تحزن عليهم إذا كانوا أشقياء.

٣١٧
سورة الحجر: الآيات (٨٨ - ٩٠).
قوله تعالى: ﴿وَأَخْفِضْ جَنَاَكَ لِلْمُؤْمِينَ﴾. أمر الله - جل وعلا - نبيه في هذه الآية
الكريمة بخفض جناحه للمؤمنين، وخفض الجناح كناية عن لين الجانب والتواضع، ومنه
قول الشاعر:
وأنت الشهير بخفض الجناح
فلاتك في رفعه أجدلا
وبيّن هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله في الشعراء: ﴿وَأَخْفِضْ جَنَامَكَ لِمَّنِ أَنَّعَكَ
مِنْ الْمُؤْمِنَ ﴿1﴾ [الشعراء]، وكقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَا غَلِظَ
اٌلْقَلْبِ لَأَنَفَضُّواْ مِنْ حَوَِّةً فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْيِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] إلى
غير ذلك من الآيات.
ويفهم من دليل خطاب الآية الكريمة - أعني مفهوم مخالفتها - أن غير المؤمنين لا
يخفض لهم الجناح، بل يعاملون بالشدة والغلظة. وقد بيّن تعالى هذا المفهوم في
مواضع أخر؛ كقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدٍ أَلْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُطْ عَلَّهِمْ﴾ [التوبة:
٧٣]، وقوله: ﴿أَشِذَّهُ عَلَى الْكُفَّارِ رُجَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] وقوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ
عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] كما قدمناه في المائدة.
قوله تعالى: ﴿كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ﴾﴾. في المراد بالمقتسمين أقوال للعلماء
معروفة، وكل واحد منها يشهد له قرآن، إلا أن في الآية الكريمة قرينة تضعف بعض
تلك الأقوال:
الأول: أن المراد بالمقتسمين: الذين يحلفون على تكذيب الرسل ومخالفتهم،
وعلى هذا القول فالاقتسام افتعال من القسم بمعنى اليمين، وهو بمعنى التقاسم. ومن
الآيات التي ترشد لهذا الوجه قوله تعالى عن قوم صالح: ﴿قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَتُبِسْتَنَّهُ
وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩]. أي نقتلهم ليلاً، وقوله: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمٌّ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ
مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]، وقوله: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّنِ زَوَالٍ﴾
[إبراهيم: ٤٤]، وقوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ [الأعراف: ٤٩] إلى غير
ذلك من الآيات، فكأنهم كانوا لا يكذبون بشيء إلا أقسموا عليه؛ فسموا مقتسمين.
القول الثاني: أن المراد بالمقتسمين: اليهود والنصارى، وإنما وصفوا بأنهم
مقتسمون لأنهم اقتسموا كتبهم فآمنوا ببعضها وكفروا ببعضها. ويدل على هذا القول
قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍِ﴾ [البقرة: ٨٥]، وقوله:
﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠].
القول الثالث: أن المراد بالمقتسمين: جماعة من كفار مكة اقتسموا القرآن بأقوالهم
الكاذبة، فقال بعضهم: هو شعر. وقال بعضهم: هو سحر. وقال بعضهم: كهانة، وقال
بعضهم: أساطير الأولين. وقال بعضهم: اختلقه محمد ول#. وهذا القول تدل عليه
الآيات الدالة على أنهم قالوا في القرآن تلك الأقوال المفتراة الكاذبة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا

٣١٨-
سورة الحجر: الآية (٩٤)
﴾ [الحاقة]، وقوله: ﴿فَقَالَ إِنْ
١٤٢
هُوَ بِقَوْلِ شَاعٍِّ قَلِيلًا مَّا نُؤْمِنُونَ (٨٦) وَلَا بِقَوْلِ كَاِهِنَّ قَلِيلًا مَّا نَذَّكَّرُونَ
هَذَا إِلَّا سِرٌ يُؤْثَرُ ﴿4﴾ [المدثر]، وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَخِلَقُ﴾ [ص: ٧]، وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ
لَهُم مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾﴾ [النحل]، وقوله: ﴿وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَِّينَ
اُكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُعْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةٌ وَأَصِيلًا ﴾﴾ [الفرقان] إلى غير ذلك من الآيات.
والقرينة في الآية الكريمة تؤيد هذا القول الثالث ولا تنافي الثاني بخلاف الأول؛
لأَن قوله ﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ (@) أظهر في القول الثالث، لجعلهم له أعضاء
متفرقة بحسب اختلاف أقوالهم الكاذبة، كقولهم: شعر، سحر، كهانة ... إلخ.
وعلى أنهم أهل الكتاب - فالمراد بالقرآن كتبهم التي جزؤوها فآمنوا ببعضها
وكفروا ببعضها، أو القرآن لأنهم آمنوا بما وافق هواهم منه وكفروا بغيره.
وقوله: ﴿عِضِينَ﴾ جمع عضة، وهي العضو من الشيء، أي جعلوه أعضاء متفرقة،
واللام المحذوفة أصلها واو. قال بعض العلماء: اللام المحذوفة أصلها هاء، وعليه
فأصل العضة عضهة، والعضه: السحر؛ فعلى هذا القول - فالمعنى جعلوا القرآن
سحراً؛ كقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤]، وقوله: ﴿قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَهَرَا﴾
[القصص: ٤٨] إلى غير ذلك من الآيات.
والعرب تسمي الساحر عاضهاً، والساحرة عاضهة، والسحر عضهاً. ويقال: إِن
ذلك لغة قريش؛ ومنه قول الشاعر:
أعوذ بربي من النافثا
ت فى عقد العاضه المعضه
قوله تعالى: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾. أي فاجهر به وأظهره؛ من قولهم: صدع بالحجة
إذا تكلم بها جهاراً، كقولك: صرح بها .
وهذه الآية الكريمة أمر الله فيها نبيه وَ له بتبليغ ما أمر به علناً في غير خفاء ولا
مواربة. وأوضح هذا المعنى في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ
مِن رَّيِّكَ﴾ ... الآية [المائدة: ٦٧].
وقد شهد له تعالى بأنه امتثل ذلك الأمر فبلغ على أكمل وجه في مواضع أخر؛
كقوله: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وقوله: ﴿فَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنْتَ بِعَلُومٍ
٥٤)
[الذاريات] إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾. في هذه الآية الكريمة قولان معروفان للعلماء:
أحدهما: أن معنى ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي لا تبال بتكذيبهم واستهزائهم،
ولا يصعب عليك ذلك؛ فالله حافظك منهم. والآية على هذا التأويل معناها ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا
تُؤْمَرُ﴾، أي بلغ رسالة ربك، ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾، أي لا تبال بهم ولا تخشهم،
وهذا المعنى كقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبٌِّ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَا بَلَّغْتَ
رِسَالَتَهِّ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِِّ﴾ [المائدة: ٦٧].

٣١٩
-
سورة الحجر: الآيات (٩٥ - ٩٨)
ثانيهما: وهو الظاهر في معنى الآية أنه كان في أول الأمر مأموراً بالإعراض عن
المشركين، ثم نسخ ذلك بآيات السيف، ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى:
﴿الَّعْ مَّا أُوْجِىَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكْ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوّ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾﴾ [الأنعام]، وقوله:
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَأَنْتَظِرْ إِنَّهُم مُنْتَظِرُونَ (٣)﴾ [السجدة]، وقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا
وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَوَةَ الدُّنْيَ ﴿4﴾ [النجم]، وقوله: ﴿وَلَا نُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ وَدَعْ أَذَهُمْ﴾
[الأحزاب: ٤٨] إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِينَ ﴾﴾. بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة أنه
كفى نبيه * المستهزئين الذين كانوا يستهزئون وهم قوم من قريش. وذكر في مواضع
أخر أن كفاه غيرهم؛ كقوله في أهل الكتاب: ﴿نَّكْفِكَهُمُ اللَّهُ﴾ ... الآية [البقرة: ١٣٧]،
وقوله: ﴿أَلَيْسَ اَللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]، إلى غير ذلك من الآيات.
والمستهزئون المذكورون: هم الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والحارث بن
قيس السهمي، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب.
والآفات التي كانت سبب هلاكهم مشهورة في التاريخ.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (9﴾﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه
الآية الكريمة أنه يعلم أن نبيه وس﴿ يضيق صدره بما يقوله الكفار فيه من الطعن والتكذيب،
والطعن في القرآن. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿قَدْ نَعَلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُكَ
الَّذِى يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ ثَارِكُ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآَبِقٌ بِهَ صَدْرُكَ أَنْ
يَقُولُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنُّ أَوْ جَآءَ مَعَهُمْ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢]، وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَفْسَكَ عَلَى
ءَثَرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾﴾ [الكهف] وقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَخٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ
مُؤْمِنِينَ(٣)﴾ [الشعراء] إلى غير ذلك من الآيات، وقد قدمنا شيئاً من ذلك في الأنعام.
®)﴾. أمر - جل وعلا - نبيه ◌َّ في هذه
قوله تعالى: ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ وَّكُن مِّنَ السَّجِدِينَ
الآية بأمرين: أحدهما: قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَّكَ﴾، وثانيهما: قوله: ﴿وَكُن مِّنَ السَّجِدِينَ﴾.
وقد كرر تعالى في كتابه الأمر بالشيئين المذكورين في هذه الآية الكريمة، كقوله
في الأول: ﴿فَسَيِّعْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر]، وقوله: ﴿فَأَصْبِرُ
عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبَّلَ طُلُوعُ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهَا﴾ [ق: ٣٩]، وقوله: ﴿فَأَصْبِرْ
(مِ﴾ [غافر]
إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَأُسْتَغْفِرْ لِذَنْكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِّ وَالْإِبْطَرِ
والآيات بمثل ذلك كثيرة.
وأصل التسبيح في اللغة: الإبعاد عن السوء. ومعناه في عرف الشرع: تنزيه الله
- جل وعلا - عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله. ومعنى سبح: نزه ربك - جل وعلا - عن
كل ما لا يليق بكماله وجلاله. وقوله: ﴿يَحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي في حال كونك متلبساً بحمد
ربك، أي بالثناء عليه بجميع ما هو أهله من صفات الكمال والجلال؛ لأن لفظه ﴿مِحَمْدٍ

٣٢٠
سورة الحجر: الآية (٩٩).
رپِّكَ﴾ أضيفت إلى معرفة فتعم جميع المحامد من کل وصف کمال وجلال ثابت لله - جل
وعلا ـ. فتستغرق الآية الكريمة الثناء بكل كمال؛ لأن الكمال يكون بأمرين: أحدهما:
التخلي عن الرذائل، والتنزه عما لا يليق، وهذا معنى التسبيح، والثاني: التحلي بالفضائل
والاتصاف بصفات الكمال، وهذا معنى الحمد، فتم الثناء بكل كمال، ولأجل هذا
المعنى ثبت في الصحيح عنه أنه قال: ((كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في
الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم))، وكقوله في الثاني
وهو السجود: ﴿كَلَّ لَا نُطِعْهُ وَأَسْجُدْ وَأَقْتَّبِ ﴾ (1)﴾ [الغلق]، وقوله: ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَأَسْجُدْ لَهُ
وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ﴾﴾ [الإنسان]، وقوله: ﴿وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ
تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]، ويكثر في القرآن العظيم إطلاق التسبيح على الصلاة.
تنبيه: اعلم أن ترتيبه - جل وعلا - الأمر بالتسبيح والسجود على ضيق صدره وحلول
بسبب ما يقولون له من السوء، دليل على أن الصلاة والتسبيح سبب لزوال ذلك
المكروه، ولذا كان * إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة، وقال تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ
وَالصَّلَوَةَ﴾ ... الآية [البقرة: ٤٥]. ويؤيد هذا ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي
من حديث نعيم بن همار رعته، أنه سمع رسول الله وهو يقول: ((قال الله تعالى: يا ابن
آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره)» فينبغي للمسلم إذا أصابه
مكروه أن يفزع إلى الله تعالى بأنواع الطاعات من صلاة وغيرها .
قوله تعالى: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ﴾. أمر الله - جل وعلا - نبيه بال# بأن يعبد ربه، أي يتقرب
له على وجه الذل والخضوع والمحبة بما أمر أن يتقرب له به من جميع الطاعات على
الوجه المشروع، وجل القرآن في تحقيق هذا الأمر الذي هو حظ الإثبات من لا إله
إلا الله، مع حظ النفي منها. وقد بيّن القرآن أن هذا لا ينفع إلا مع تحقيق الجزء الثاني
من كلمة التوحيد، الذي هو حظ النفي منها. وهو خلع جميع المعبودات سوى الله تعالى
في جميع أنواع العبادات، قال تعالى: ﴿فَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْ﴾ [هود: ١٢٣]، وقال ﴿فَأَعْبُدُهُ
وَأَصْطَبِّرْ لِبَدَرِهُ﴾ [مريم: ٦٥]، وقال: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا نُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقال
﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالَّفُوتِ وَيُؤْمِنُ بِاللَّهِ فَقَدٍ أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقال:
﴾ [يوسف] والآيات في مثل ذلك كثيرة جداً.
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (
قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْنِكَ الْيَقِيْنُ﴾. قالت جماعة من أهل العلم، منهم سالم بن
عبد الله بن عمر، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم:
اليقين: الموت، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ
وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ
اَلْمِسْكِينَ ﴿ وَكُنَّا تَخُوضُ مَعَ الْخَيِضِينَ.
٤٥
وَكُنَا تُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٨َ حََّ أَتَنَا أَلْيَقِينُ
(٤٧)
[المدثر] وهو الموت. ويؤيد هذا ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث الزهري عن
خارجة بن زيد بن ثابت، عن أم العلاء (امرأة من الأنصار) أن رسول الله و # لما دخل
على عثمان بن مظعون وقد مات، قالت أم العلاء: رحمة الله عليك أبا السائب!