النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ سورة يوسف: الآية (١٥) . بدلاً أراها في الضلال تهيم وتظن سلمى أنني أبغي بها يعني: أنها غير عالمة بالحقيقة في ظنها أنه يبغي بها بدلاً وهو لا يبغى بها بدلاً . وليس مراد أولاد يعقوب الضلال في الدين، إذ لو أرادوا ذلك لكانوا كفاراً، وإنما مرادهم أن أباهم في زعمهم في ذهاب عن إدراك الحقيقة، وإنزال الأمر منزلته اللائقة به، حيث آثر اثنين على عشرة، مع أن العشرة أكثر نفعاً له، وأقدر على القيام بشؤونه وتدبير أموره، واعلم أن الضلال أطلق في القرآن إطلاقين آخرين : أحدهما: الضلال في الدين، أي الذهاب عن طريق الحق التي جاءت بها الرسل - صلوات الله عليهم وسلامه -، وهذا أشهر معانيه في القرآن؛ ومنه بهذا المعنى: ﴿غَيرٍ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ [الصافات]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًا كَثِيرًا﴾ [يس: ٦٢]، إلى غير ذلك من الآيات. ثانيهما: إطلاق الضلال بمعنى الهلاك والغيبة، من قول العرب: ضل السمن في الطعام، إذا غاب فيه وهلك فيه، ولذلك تسمي العرب الدفن إضلالاً؛ لأنه تغييب في الأرض يؤول إلى استهلاك عظام الميت فيها؛ لأنها تصير رميماً وتمتزج بالأرض، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ أَِذَا ضَلَلْنَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ ... الآية [السجدة: ١٠]. ومن إطلاق الضلال على الغيبة قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٤]، أي غاب واضمحل. ومن إطلاق الضلال على الدفن قول نابغة ذبيان: وغودر بالجولان حزم ونائل فآب مضلوه بعين جلية فقوله: مضلوه، يعني دافنيه، وقوله: بعين جلية، أي بخبر يقين، والجولان: جبل دفن عنده المذكور. ومن الضلال بمعنى الغيبة والاضمحلال؛ قول الأخطل: قذف الأتيّ به فضلَّ ضلالا كنت القذى في موج أكدر مزيد وقول الآخر: عن الحي المضلل أين ساروا ألم تسأل فتخبرك الديار قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ، وَأَجْمَعُوْ أَن يَجْعَلُوهُ فِ غَيَبَتِ الْجُنَّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنْتَهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾﴾. أخبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة أنه أوحى إلى يوسف - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - أنه سينبئ إخوته بهذا الأمر الذي فعلوا به في حال كونهم لا يشعرون. ثم صرح في هذه السورة الكريمة بأنه - جل وعلا - أنجز ذلك الوعد في قوله: ٨٩٦ ﴿قَالَ هَلْ عَلِّمْتُ مَّا فَعَلْتُمُ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَهِلُونَ -٢٦٢ - سورة يوسف: الآية (٢٤) . وصرح بعدم شعورهم بأنه يوسف في قوله: ﴿وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ ٥٨ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ وهذا الذي ذكرنا أن العامل في الجملة الحالية هو قوله: ﴿لَتُنَِّتَنَّهُمْ﴾ أي لتخبرنهم ﴿ِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ في حال كونهم ﴿لَا يَشْعُونَ﴾ بأنك يوسف هو الظاهر. . وقيل: إن عامل الحال هو قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ﴾ وعليه، فالمعنى أن ذلك الإيحاء وقع في حال كونهم لا يشعرون بأنه أوحي إليه ذلك. وقرأ هذه الآية جمهور القراء ﴿غَيَبَتِ الْجُتٍّ﴾ بالإفراد، وقرأ نافع ((غيابات الجب)) بصيغة الجمع، وكل شيء غُيّب عنك شيئاً فهو غيابة، ومنه قيل للقبر غيابة، ومنه قول الشاعر: وإن أنا يوماً غيبتي غيابتي: فسيروا بسيري في العشيرة والأهل. والجمع في قراءة نافع نظراً إلى تعدد أجزاء قعر الجب التي تغيب الداخل فيها عن العيان. واختلف العلماء في جواب ((لما)) من قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ﴾ أمثبت أم محذوف؟ فقيل: هو مثبت، وهو قوله: ﴿قَالُواْ يَأَبَنَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ الآية؛ أي لما كان كذا وكذا يا أبانا، واستحسن هذا الوجه أبو حيان. وقيل: جوابٍ ((لما)) هو قوله: ﴿أَوْحَيْنَآَ﴾، والواو صلة. وهذا مذهب الكوفيين، تزاد عندهم الواو في جواب ((لما، وحتى، وإذا)) وعلى ذلك خرجوا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّاً وَدَيْنَهُ﴾ ... الآية [الصافات: ١٠٣، ١٠٤]، وقوله: ﴿حَتَّىَ إِذَا جَاءُ وهَا أَسْلَمَا وَتَلَّمُ لِلْجَبِينِ وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾ الآية، وقول امرئ القيس: فلما أجزنا ساحة الحي وانتخى بنا بطن حقق ذيّ ركام عقنقل أي لما أجزنا ساحة الحي انتحى. وقيل: جواب ((لما)) محذوف، وهو قول البصريين، واختلف في تقديره. فقيل: إن تقديره فعلوا به ما فعلوا من الأذى. وقدره بعضهم: فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب عظمت فتنتهم. وقدره بعضهم: فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب جعلوه فيها . واستظهر هذا الأخير أبو حيان: لأن قوله: ﴿وَأَحْمَعُوْ أَنْ يَجْعَلُوهُ﴾ يدل على هذا المقدر، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَّمَا بُرْهَنَ رَبِّهِ﴾ الآية. ظاهر هذه الآية الكريمة قد يفهم منه أن يوسف - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام . همَّ بأن يفعل مع تلك المرأة مثل ما همت هي به منه؛ ولكن القرآن العظيم بين براءته - عليه الصلاة والسلام - من الوقوع فيما لا ينبغي؛ حيث بين شهادة كل من له تعلق بالمسألة ببراءته، وشهادة الله له بذلك واعتراف إبليس به. ٢٦٣ سورة يوسف: الآية (٢٤) .أما الذين لهم تعلق بتلك الواقعة فهم: يوسف، والمرأة، وزوجها، والنسوة، والشهود. أما جزم يوسف بأنه بريء من تلك المعصية فذكره تعالى في قوله: ﴿هِىَ زَوَدَتْنِى عَن نَّفْسِىَّ﴾. وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ الْتِجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيّ إِلَيْهِ﴾ الآية. وأما اعتراف المرأة بذلك ففي قولها للنسوة: ﴿وَلَقَدْ رَوَدَتُّهُ عَن نَّفْسِهِ، فَأَسْتَعْصَمْ﴾ وقولها: ﴿ اَلْثَنَ حَصْحَصَ اَلْحَقُّ أَنَأْ رَوَدَتُّمُ عَن نَّفْسِهِ، وَإِنَُّ لَمِنَ الصَّدِقِينَ﴾ ٢٨ وأما اعتراف زوج المرأة ففي قوله: ﴿قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ١٢٩ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَأَسْتَغْفِرِى لِذَنْبِكِّ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ اْخَاطِينَ وأما اعتراف الشهود بذلك ففي قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَذِبِينَ﴾ الآية. وأما شهادة الله - جل وعلا - ببراءته ففي قوله: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ الشُّوَءَ وَالْفَحْشَآَةُ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُغْلَصِينَ﴾ . قال الفخر الرازي في تفسيره: قد شهد الله تعالى في هذه الآية الكريمة على طهارته أربع مرات: أولها: ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوَءَ﴾ واللام للتأكيد والمبالغة. وثانيها: قوله: ﴿وَالْفَحْشَآءُ﴾ أي وكذلك لنصرف عنه الفحشاء .. وثالثها: قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا﴾، مع أنه تعالى قال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَامًا (٣)﴾ [الفرقان]. ورابعها: قوله: ﴿اٌلْمُخْلَصِينَ﴾ وفيه قراءتان: قراءة باسم الفاعل، وأخرى باسم المفعول. فوروده باسم الفاعل يدل على كونه آتياً بالطاعات والقربات مع صفة الإخلاص. ووروده باسم المفعول يدل على أن الله تعالى استخلصه لنفسه، واصطفاه لحضرته. وعلى كلا الوجهين: فإنه من أدل الألفاظ على كونه منزهاً عما أضافوه إليه، اهـ من تفسير الرازي، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ رَبٍِّ أَحْسَنَ مَثْوَىٌّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ . وأما إقرار إبليس بطهارة يوسف ونزاهته ففي قوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّنِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ ﴾ [ص]، فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ أَجْمَعِینَ ولا شك أن يوسف من المخلصين، كما صرح تعالى به في قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا اٌلْمُخْلَصِينَ﴾ فظهرت دلالة القرآن من جهات متعددة على براءته مما لا ينبغي. وقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية ما نصه: وعند هذا نقول: هؤلاء الجهال الذين نسبوا إلى يوسف ظلّل هذه الفضيحة، إن كانوا من أتباع دين الله تعالى فليقبلوا شهادة الله تعالى على طهارته، وإن كانوا من أتباع إبليس وجنوده فليقبلوا شهادة إبليس على طهارته؛ ولعلهم يقولون: كنا في أول الأمر تلامذة إبليس، إلى أن تخرجنا عليه فزدنا في السفاهة عليه؛ كما قال الخوارزمي: ٢٩٤ سورة يوسف: الآية (٢٤) ٠٠٫٠٤ بي الدهر حتى صار إبليس من جندي وكنت امراً من جند إبليس فارتقى طرائق فسق ليس يحسنها بعدي فلو مات قبلي كنت أحشن بعده فثبت بهذه الدلائل أن يوسف للا بريء مما يقول هؤلاء الجهال، اهـ كلام الرازي. ولا يخفى ما فيه من قلة الأدب مع من قال تلك المقالة من الصحابة وعلماء السلف الصالح! وعذر الرازي في ذلك هو اعتقاده أن ذلك لم يثبت عن أحد من السلف الصالح. وسترى في آخر هذا المبحث أقوال العلماء في هذه المسألة - إن شاء الله تعالى -. فإن قيل: قد بينتم دلالة القرآن على براءته ليل مما لا ينبغي في الآياتُ المتقدمة، ولكن ماذا تقولون في قوله تعالى: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾؟. فالجواب من وجهين: الأول: أن المراد بهمٍّ يوسف بها خاطر قلبي صرف عنه وازع التقوى، وقال بعضم: هو الميل الطبيعي والشهوة الغريزية المزمومة بالتقوى، وهذا لا معصية فيه؛ لأنه أمر جبليّ لا يتعلق به التكليف؛ كما في الحديث عنه ومثل: أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل. ثم يقول: («اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك)) يعني ميل القلب الطبيعي. ومثال هذا ميل الصائم بطبعه إلى الماء البارد، مع أن تقواه تمنعه من الشرب وهو صائم، وقد قال رَّه: ((ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة)) لأنه ترك ما تميل إليه نفسه بالطبع خوفاً من الله، وامتثالاً لأمره، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَيِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمُوَةٌ ﴿ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾﴾ [النازعات]. وهمَّ بنو حارثة وبنو سلمة بالفرار يوم أُحُدٍ، كهمٍّ يوسف هذا، بدليل قوله: ﴿إِذْ هَمَّت ◌َطَآئِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران: ١٢٢]؛ لأن قوله: ﴿وَاَللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾، يدل على أن ذلك الهمّ ليس معصية؛ لأن اتباع المعصية بولاية الله لذلك العاصي إغراء على المعصية. والعرب تطلق الهمّ وتريد به المحبة والشهوة، فيقول الإنسان فيما لا يحبه ولا يشتهيه: هذا ما يهمني، ويقول فيما يحبه ويشتهيه: هذا أهمّ الأشياء إلي، بخلاف همّ امرأة العزيز، فإنه همّ عزم وتصميم، بدليل أنها شقت قميصه من دبر وهو هارب عنها، ولم يمنعها من الوقوع فيما لا ينبغي إلا عجزها عنه. ومثل هذا التصميم على المعصية: معصية يؤاخذ بها صاحبها، بدليل الحديث الثابت في الصحيح عنه وَ له من حديث أبي بكرة: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)» قالوا: يا رسول الله قد عرفنا القاتل فما بال المقتول؟ قال: ((إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)) فصرح له بأن تصميم عزمه على قتل صاحبه معصية أدخله الله بسببها النار. وأما تأويلهم هَمَّ يوسف بأنه قارب الهمّ ولم يهمّ بالفعل، كقول العرب: قتلته لو لم أخف الله، أي قاربت أن أقتله، كما قاله الزمخشري. وتأويل الهمّ بأنه همَّ بضربها، أو همَّ بدفعها عن نفسه، فكل ذلك غير ظاهر، بل بعيد من الظاهر ولا دليل عليه. ٢٦٥ سورة يوسف: الآية (٢٤) والجواب الثاني: وهو اختيار أبي حيانٍ: أن يوسف لم يقع منه همّ أصلاً، بل هو منفي عنه لوجود البرهان قال مقيده - عفا الله عنه -: هذا الوجه الذي اختاره أبو حيان وغيره هو أجرى الأقوال على قواعد اللغة العربية؛ لأن الغالب في القرآن وفي كلام العرب أن المجواب المحذوف يذكر قبله ما يدل عليه، كقوله: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَُّواْ إِن كُم مُّسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤]؛ أي إن كنتم مسلمين فتوكلوا عليه، فالأول: دليل الجواب المحذوف لا نفس الجواب؛ لأن جواب الشروط وجواب (لولا)) لا يتقدم، ولكن يكون المذكور قبله دليلاً عليه كالآية المذكورة. وكقوله: ﴿قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]؛ أي إن كنتم صادقين فهاتوا برهانكم. وعلى هذا القول: فمعنى الآية، وهمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه، أي لولا أن رآه همَّ بها، فما قبل ((لولا)) هو دليل الجواب المحذوف، كما هو الغالب في القرآن واللغة. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿إِن كَادَتْ لَنُبْدِى بِهِ، لَوْلَا أَنْ رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ [القصص: ١٠]، فما قبل ((لولا)» دليل الجواب، أي لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدي به. واعلم أن جماعة من علماء العربية أجازوا تقديم جواب ((لولا)) وتقديم الجواب في سائر الشروط: وعلى هذا القول يكون جواب (لولا)) في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَّمَا بُرْهَنَ رَبِّهٍّ﴾ هو ما قبله من قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾. وإلى جواز التقديم المذكور ذهب الكوفيون، ومن أعلام البصريين: أبو العباس المبرد، وأبو زيد الأنصاري. وقال الشيخ أبو حيان في البحر المحيط ما نصه: والذي أختاره أن يوسف ظلّلا لم يقع منه همّ بها البتة، بل هو منفي لوجود رؤية البرهان؛ كما تقول: لقد قارفت لولا أن عصمك الله، ولا نقول: إن جواب ((لولا)) متقدم عليها، وإن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك، بل صريح أدوات الشروط العاملة مختلف في جواز تقديم أجوبتها عليها. وقد ذهب إلى ذلك الكوفيون، ومن أعلام البصريين: أبو زيد الأنصاري، وأبو العباس المبرد. بل نقول: إن جواب ((لا)) محذوف لدلالة ما قبله عليه، كما يقول جمهور البصريين في قول العرب: أنت ظالم إن فعلت، فيقدرونه إن فعلت فأنت ظالم، ولا يدل قوله أنت ظالم على ثبوت الظلم، بل هو مثبت على تقدير وجود الفعل، وكذلك هنا التقدير: لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها، فكان وجود الهمّ على تقدير انتفاء رؤية البرهان، لكنّه وجد رؤية البرهان فانتفى الهمّ، ولا التفات إلى قول الزجاج، ولو كان الكلام: ولهمّ بها كان بعيداً، فكيف مع سقوط اللام؟ لأنه يوهم أن قوله: ((همّ بها))، هو جواب (لولا)) ونحن لم نقل بذلك، وإنما هو دليل الجواب، وعلى تقدير أن يكون نفس الجواب فاللام ليست بلازمة، لجواز أن يأتي جواب ((لولا)) إذا كانت بصيغة الماضي باللام، وبغير لام تقول: لولا زيد لأكرمتك. ولولا زيد أكرمتك. فمن ذهب ٢٦٦ - سورة يوسف: الآيات (٢٦ - ٢٨) إلى أن قوله: ((همّ بها)) نفس الجواب لم يبعد. ولا التفات لقول ابن عطية، أن قول من قال: إن الكلام قد تم في قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ وأن جواب (لولا)) في قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ وأن المعنى لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها، فلم يهم يوسف الثّلا. قال: وهذا قول يرده لسان العرب وأقوال السلف. اهـ. أما قوله: يرده لسان العرب فليس كما ذكر، وقد استدل من ذهب إلى جواز ذلك بوجوده في لسان العرب، قال الله تعالى: ﴿إِن كَادَتْ لَنُبْدِى بِهِ، لَوْلًا أَنْ رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠]، فقوله: ﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ﴾، إما أن يتخرج على أنه الجواب على ما ذهب إليه القائل، وإما أن يتخرج على ما ذهبنا إليه من أنه دليل الجواب، والتقدير: لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدي به. وأما أقوال السلف: فنعتقد أنه لا يصح عن أحد منهم شيء من ذلك؛ لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضاً، مع كونها قادحة في بعض فساق المسلمين فضلاً عن المقطوع لهم بالعصمة. والذي روي عن السلف لا يساعد عليه كلام العرب؛ لأنهم قدروا جواب ((لولا)) محذوفاً ولا يدل عليه دليل؛ لأنهم لم يقدروا لـ ((همّ بها)) ولا يدل كلام العرب إلا على أن يكون المحذوف من معنى ما قبل الشرط؛ لأن ما قبل الشرط دليل عليه، اهـ. محل الغرض من كلام أبي حيان بلفظه. وقد قدمنا أن هذا القول هو أجرى الأقوال على لغة العرب، وإن زعم بعض العلماء خلاف ذلك. فبهذين الجوابين تعلم أن يوسف - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - بريء من الوقوع فيما لا ينبغي، وأنه إما أن يكون لم يقع منه همّ أصلاً بناء على أن الهمّ معلق بأداة الامتناع التي هي (لولا)) على انتفاء رؤية البرهان، وقد رأى البرهان فانتفى المعلق عليه، وبانتفائه ينتفي المعلق الذي هو همّه بها كما تقدم إيضاحه في كلام أبي حيان. وإما أن يكون همّه خاطراً قلبياً صرف عنه وازع التقوى، أو هو الشهوة والميل الغريزي المزموم بالتقوى كما أوضحناه، فبهذا يتضح لك أن قوله: ((وهمّ بها)) لا يعارض ما قدمنا من الآيات على براءة يوسف من الوقوع فيما لا ينبغي. فإذا علمت ممّا بينا دلالة القرآن العظيم على براءته مما لا ينبغي، فاعلم أن هناك أقوال للعلماء خلاف ما لا ينبغي فليرجع إليها في الأصل من أراد. قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ ، وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّدِقِينَ ﴿ فَلَمَّا رَءَا فَمِيصَهُ مِنَ الْكَذِبِينَ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (®﴾. يفهم من هذه الآية لزوم الحكم بالقرينة الواضحة الدالة على صدق أحد الخصمين، وكذب الآخر؛ لأن ذكر الله ٢٦٧ سورة يوسف: الآيات (٢٦ - ٢٨). لهذه القصة في معرض تسليم الاستدلال بتلك القرينة على براءة يوسف يدل على أن الحكم بمثل ذلك حق وصواب؛ لأن كون القميص مشقوقاً من جهة دبره دليل واضح على أنه هارب عنها، وهي تنوشه من خلفه، ولكنه تعالى بين في موضع آخر أن محل العمل بالقرينة ما لم تعارضها قرينة أقوى منها، فإن عارضتها قرينة أقوى منها أبطلتها، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَجَآءُو عَلَى قَمِصِهِ، بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًّاً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾؛ لأن أولاد يعقوب لما جعلوا يوسف في غيابة الجب، جعلوا على قميصه دم سخلة؛ ليكون وجود الدم على قميصه قرينة على صدقهم في دعواهم أنه أكله الذئب .. ولا شك أن الدم قرينة على افتراس الذئب له، ولكن يعقوب أبطل قرينتهم هذه بقرينة أقوى منها، وهي عدم شق القميص، فقال: سبحان الله! متى كان الذئب حليماً كيساً يقتل يوسف ولا يشق قميصه؛ ولذا صرح بتكذيبه لهم في قوله: ﴿بَّ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾. وهذه الآيات المذكورة أصل في الحكم بالقرائن. ومن أمثلة الحكم بالقرينة: الرجل يتزوج المرأة من غير أن يراها سابقاً؛ فتزفها إليه ولائد لا يثبت بشهادتين أن هذه هي فلانة التي وقع عليها العقد؛ فيجوز له جماعها من غير احتياج إلى بيّنة تشهد على عينها أنها هي التي وقع العقد عليها؛ اعتماداً على قرينة النكاح. وكالرجل ينزل ضيفاً عند قوم، فتأتيه الوليدة أو الغلام بالطعام؛ فيجوز له الأكل من غير احتياج إلى ما يثبت إذن مالك الطعام له في الأكل، اعتماداً على القرينة. وكقول مالك، ومن وافقه: إن من شم في فيه ريح الخمر يحد حد الشارب، اعتماداً على القرينة؛ لأن وجود ريحها في فيه قرينة على أنه شربها، وكمسائل اللوث وغير ذلك. وقد قدمنا في سورة المائدة صحة الاحتجاج بمثل هذه القرائن، وأوضحنا بالأدلة القرآنية؛ أن التحقيق أن شرع من قبلنا الثابت بشرعنا شرع لنا، إلا بدليل على النسخ غاية الإيضاح، والعلم عند الله تعالى. وقال القرطبي: في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَآَمُو عَلَى قَيِصِهِ، بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. استدل الفقهاء بهذه الآية في إعمال الأمارات في مسائل من الفقه، كالقسامة وغيرها، وأجمعوا على أن يعقوب ظلِّلا استدل على كذبهم بصحة القميص، وهكذا يجب على الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا تعارضت، فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح، وهي قوة التهمة، ولا خلاف في الحكم بها، قاله ابن العربي، اهـ كلام القرطبي، واختلف العلماء في الشاهد في قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ . فقال بعض العلماء: هو صبي في المهد، وممن قال ذلك: ابن عباس، والضحاك، وسعيد بن جبير، وعن ابن عباس أيضاً، أنه رجل ذو لحية، ونحوه عن الحسن، وعن زيد بن أسلم، أنه ابن عم لها كان حكيماً، ونحوه عن قتادة وعكرمة، وعن مجاهد، أنه ليس بإنسي ولا جان، هو خلق من خلق الله. ٢٦٨ - سورة يوسف: الآيات (٣١ - ٣٢) · قال مقيده - عفا الله عنه -: قول مجاهد هذا يرده قوله تعالى: ﴿مِّنْ أَهْلِهَا﴾؛ لأنه صريح في أنه إنسي من أهل المرأة، وأظهر الأقوال: أنه صبي، لما رواه أحمد، وابن جرير، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس ها عن النبي وَّ قال: ((تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم))، اهـ. قوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾. هذه الآية الكريمة إذا ضمت لها آية أخرى حصل بذلك بيان أن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان، والآية المذكورة هي قوله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]؛ لأن قوله في النساء: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾، وقوله في الشيطان: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]، يدل على أن كيدهن أعظم من كيده. قال القرطبي: قال مقاتل عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((إن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾، وقال: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾)) اهـ. وقال الأديب الحسن بن أية الحسني الشنقيطي: ما استعظم الإله كيدهنه إلا لأنهن هن هنه قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًّا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيْمٌ ﴿ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِى ثُمْتُنَِّى فِيهِ وَلَقَدْ زَوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ، فَأَسْتَعْصَمْ﴾. بيّن الله تعالى في هذه الآية الكريمة ثناء هؤلاء النسوة على يوسف بهذه الصفات الحميدة فيما بينهن، ثم بيّن اعترافهن بذلك عند سؤال الملك لهن أمام الناس في قوله: ﴿قَالَ مَا خَطِبُكُنَّ إِذْ رَوَدَتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِةٍ، قُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوْءٍ قَالَتِ أَمْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْفَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَوَدَتُّهُ عَن نَّفْسِهِ،﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَتِهِمْ إِذْ أَجْمَعُوْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ بِمَّكُرُونَ﴾. لم يبيّن هنا هذا الذي أجمعوا أمرهم عليه، ولم يبيّن هنا أيضاً المراد بمكرهم؛ ولكنه بيّن في أول هذه السورة الكريمة أن الذين أجمعوا أمرهم عليه هو جعله في غيابة الجب، وأن مكرهم هو ما فعلوه بأبيهم يعقوب وأخيهم يوسف، وذلك في قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ، وَأَجْمَعُواْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِى غَبَتِ الْجُ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ . وقد أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى صحة نبوة نبينا وَ لّ؛ لأنه أنزل عليه هذا القرآن، وفصل له هذه القصة. مع أنه * لم يكن حاضراً لدى أولاد يعقوب حين أجمعوا أمرهم على المكربه، وجعله في غيابة الجب، فلولا أن الله أوحى إليه ذلك ما عرفه من تلقاء نفسه. والآيات المشيرة لإثبات رسالته، بدليل إخباره بالقصص الماضية التي لا يمكنه علم حقائقها إلا عن طريق الوحي كثيرة، كقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ﴾ [آل عمران: ٤٤]. وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ اٌلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْزَ﴾ [القصص: ٤٤]. وقوله: ﴿وَمَا كُنتَ ثَارِيًّا فِى أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٤٥]. وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبٍ اُلْتُلُورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةٌ مِّن رَّبِّكَ﴾ [القصص: ٤٦]. وقوله: ٢٦٩ سورة يوسف: الآية (١٠٦) ﴿ إِن يُوحَى إِلَىّ إِلََّ أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُبِينُ (٥َ﴾ [ص]. ٦٩ ﴿مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلٍّ بِلْمَلَا الْأَعْلَى إِذْ يَخْصِمُونَ. وقوله: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيَهَا إِلَيْكٌ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: ٤٩]. إلى غير ذلك من الآيات. فهذه الآيات من أوضح الأدلة على أنه رسول كريم، وإن كانت المعجزات الباهرة الدالة على ذلك أكثر من الحصر. قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (6)﴾. قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعامر الشعبي، وأكثر المفسرين: إن معنى هذه الآية أن أكثر الناس، وهم الكفار ما كانوا يؤمنون بالله بتوحیدهم له في ربوبيته إلا وهم مشرکون به غيره في عبادته. فالمراد بإيمانهم اعترافهم بأنه ربهم الذي هو خالقهم ومدبر شؤونهم، والمراد بشركهم عبادتهم غيره معه، والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة جداً، كقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن بَعْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَنُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ اَلْحَيّ وَمَن يُدَبُِّ آلْأَمْنَّ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ (٣)﴾ [يونس]، كقوله: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَفَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨)﴾ [الزخرف]، وقوله: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْنَهُمِ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ﴾﴾ [الزخرف]، وقوله: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَّهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾﴾ [العنكبوت]، وقوله: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّن نَزَّلَ مِنَ السَّمَآِ مَ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْتَوُ لَا [العنكبوت]، وقوله: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَعْقِلُونَ شَّا (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿﴿ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ السَّْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُجِبْرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ سَيَقُولُونَ لِلَّهَّ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ﴾﴾ [المؤمنون]، إلى غير ذلك من IM إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿ الآيات ومع هذا فإنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآَلِمَةَ إِلَهَا وَحِدًّا إِنَّ هَذَا لَشَىُّ عُجَابٌ (®َ﴾ [ص). وهذه الآيات القرآنية تدل على أن توحيد الربوبية لا ينقذ من الكفر إلا إذا كان معه توحيد العبادة، أي عبادة الله وحده لا شريك له، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُشْرِكُونَ وفي هذه الآية الكريمة إشكال: وهو أن المقرر في علم البلاغة أن الحال قيد لعاملها وصف لصاحبها، وعليه فإن عامل هذه الجملة الحالية الذي هو يؤمن مقيد بها، فيصير المعنى تقييد إيمانهم بكونهم مشركين، وهو مشكل لما بين الإيمان والشرك من المنافاة. قال مقيده - عفا الله عنه -: لم أر من شفى الغليل في هذا الإشكال، والذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - أن هذا الإيمان المقيد بحال الشرك إنما هو إيمان لغوي لا شرعي؛ لأن من يعبد مع الله غيره لا يصدق عليه اسم الإيمان البتة شرعاً؛ أما الإيمان اللغوي فهو يشمل كل تصديق، فتصديق الكافر بأن الله هو الخالق الرزاق يصدق عليه اسم الإيمان لغة مع كفر بالله، ولا يصدق عليه اسم الإيمان شرعاً . ٢٧٠ - سورة الرعد: الآية (٢) وإذا حققت ذلك علمت أن الإيمان اللغوي يجامع الشرك فلا إشكال في تقييده به، وكذلك الإسلام الموجود دون الإيمان في قوله تعالى: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيَمَنُ فِى قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، فهو الإسلام اللغوي؛ لأن الإسلام الشرعي لا يوجد ممن لم يدخل الإيمان في قلبه، والعلم عند الله تعالى. وقال بعض العلماء: ((نزلت آية ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم ◌ُشْرِكُونَ ﴾﴾ في قول الكفار في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك)) وهو راجع إلى ما ذكرنا . قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِّ﴾ ذكر الله - جل وعلا - في هذه الآية أن من أخبار المرسلين مع أممهم، وكيف نجى الله المؤمنين وأهلك الكافرين عبرة لأولى الألباب، أي عظة لأهل العقول. ٣٧ وبين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله في قوم لوط: ﴿وَإِنَّكُرْ لَمُونَ عَلَتِهِمْ تُصْبِحِينٌ. [الصافات]، كما تقدمت الإشارة إليه مراراً، والعلم عند الله تعالى. وَيَلَيْلِّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ براس الرحمن الرحيم سورة الرعد قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى رَفَعَ التَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ﴾. ظاهر هذه الآية الكريمة قد يفهم منه أن السماء مرفوعة على عمد، ولكننا لا نراها، ونظير هذه الآية قوله أيضاً في سورة ((لقمان)): ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [لقمان: ١٠]. واختلف العلماء في قوله: ﴿تَرَوْنَهًا﴾ على قولين: أحدهما أن لها عمداً ولكننا لا نراها، كما يشير إليه ظاهر الآية، وممن روي عنه هذا القول: ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وغير واحد، کما قاله ابن كثير. وروي عن قتادة أيضاً، أن المعنى أنها مرفوعة بلا عمد أصلاً، وهو قول إياس بن معاوية، وهذا القول يدل عليه تصريحه تعالى في سورة ((الحج)) أنه هو الذي يمسكها أن تقع على الأرض في قوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَآءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنٍِّ﴾ [الحج: ٦٥]. قال ابن كثير: فعلى هذا يكون قوله: ﴿تَرَوْنَها﴾ تأكيداً لنفي ذلك، أي هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها كذلك، وهذا هو الأكمل في القدرة، اهـ. : قال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر أن هذا القول من قبيل السالبة لا تقتضي وجود الموضوع، والمراد أن المقصود نفي اتصاف المحكوم عليه بالمحكوم به، وذلك صادق بصورتين : ٢٧١ سورة الرعد: الآية (٦) - الأولى: أن يكون المحكوم عليه موجوداً، ولكن المحكوم به منتف عنه، كقولك: ليس الإنسان بحجر، فالإنسان موجود والحجرية منتفية عنه. الثانية: أن يكون المحكوم عليه غير موجود فيعلم منه انتفاء الحكم عليه بذلك الأمر الموجودي، وهذا النوع من أساليب اللغة العربية، كما أوضحناه في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)، ومثاله في اللغة قول امرئ القيس: إذا سافه العود النباطي جرجرا على لاحب لا يهتدى بمناره أي لا منار له أصلاً حتی یهتدى به، وقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر لا تفزع الأرنب أهوالها يعني لا أرانب فيها ولا ضباب. وعلى هذا فقوله: ﴿يِغَيْرِ عَدٍ تَرَوْنَهَا﴾؛ أي لا عمد لها حتى تروها، والعمد: جمع عمود على غير قياس، ومنه قول نابغة ذبيان: وخيس الجن إني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمد والصفاح - بالضم والتشديد -: الحجر العريض. قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعُِْونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اُلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَثُ﴾ الآية. المراد بالسيئة هنا: العقوبة وإنزال العذاب قبل الحسنة، أي قبل العافية، وقيل الإيمان، وقد بين تعالى في هذه الآية أن الكفار يطلبون منه * أن يعجل لهم العذاب الذي يخوفهم به إن تمادوا على الكفر، وقد بين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَيَسْتَعِْلُونَ بِالْعَذَابٍ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الحج: ٤٧]، وكقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَاً أَجَلٌ مُسَتَّى لَجَاءَ هُمُ الْعَذَابُّ وَلَيَأْنِيَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾﴾ [العنكبوت]؛ وكقوله: ﴿يَسْتَعْبِطُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَّةٌ بِلْكَفِرِينَ ﴾﴾ [العنكبوت]، وقوله: ﴿سَأَلَ سَآِلٌ بِعَذَابٍ لِلْكَفِينَ﴾ [المعارج: ١، ٢]، وقوله: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ اُلْحَقَّ وَاقِعِ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةٌ مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]. وقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا (1﴾ [ص]، إلى الحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨]، وقوله: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لََّ قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ غير ذلك من الآيات. وسبب طلبهم لتعجيل العذاب هو العناد، وزعم أن النبي ◌َّلير كاذب فيما يخوفهم به من بأس الله وعقابه، كما قال تعالى: ﴿وَلَيِنْ أَخَرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَِّ مَعْدُودَةٍ لَّيَقُولُونَ مَا يَخْبِسُهُ﴾ [هود: ٨]، وكقوله: ﴿يَصَلِحُ أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَّا إِن كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧]، وقوله: ﴿قَالُواْ يَنُوحُ قَدْ جَدَلْتَنَا فَأَكْثَرَّتَ جِدَلَنَا فَأَنِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ (٣)﴾ [هود: ٣٢]، كما تقدمت الإشارة إلى هذا. ٢٧٢ سورة الرعد: الآيات (٦ - ٨) والمثلاث: العقوبات واحدتها مثلة. والمعنى: أنهم يطلبون تعجيل العذاب تمرداً وطغياناً، ولم يتعظوا بما أوقع الله بالأمم السالفة من المثلاث، أي العقوبات، كما فعل بقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وفرعون وقومه وغيرهم. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلِهِمٌ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ . بيّن - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه ذو مغفرة للناس على ظلمهم، وأنه شديد العقاب، فجمع بين الوعد والوعيد ليعظم رجاء الناس في فضله، ويشتد خوفهم من عقابه وعذابه الشديد؛ لأن مطامع العقلاء محصورة في جلب النفع ودفع الضر، فاجتماع الخوف والطمع أدعى للطاعة. وقد بين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحَدٍ وَسِعَةٍ وَلَا يُرَذُ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِنَ (٣٧)﴾ [الأنعام]، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَُّ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، وقوله جل وعلا: ﴿نَّ ٥] [الحجر]، وقوله : ◌ِبَادِىّ أَنْ أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِى أَلَّوْلِ﴾ [غافر: ٣]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ﴾. أي إنما عليك البلاغ والإنذار، أما هداهم وتوفيقهم فهو بيد الله تعالى، كما أن حسابهم عليه جل وعلا. وقد بيّن هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشْلَةُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، وقوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ ونحو ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿وَلِكُلّ قَّوْرٍ هَادٍ﴾. أظهر الأقوال في هذه الآية الكريمة أن المراد بالقوم الأمة، والمراد بالهادي الرسول، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ ... الآية [يونس: ٤٧]، وقوله: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَ فِيَهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِ أُمَّةٍ رَّسُولًا﴾ [النحل: ٣٦]، وقد أوضحنا أقوال العلماء وأدلتهم في هذه الآية الكريمة في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب). قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنَفَ﴾ . لفظة ((ما)) في هذه الآية يحتمل أن تكون موصولة والعائد محذوف، أي يعلم الذي تحمله كل أنثى، وعلى هذا فالمعنى يعلم ما تحمله من الولد على أي حال هو من ذكورة وأنوثة، وخداج، وحسن وقبح، وطول وقصر، وسعادة وشقاوة، إلى غير ذلك من الأحوال. وقد دلت على هذا المعنى آيات من كتاب الله، كقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِىِ الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤]؛ لأن ((ما)) فيه موصولة بلا نزاع، وكقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُتْ إِذْ أَنشَأَكُ مِنَ اَلْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِ بُونِ أُمَّهَتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِىِ يُصَوِّرُكُمْ فِ الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦]. ويحتمل أيضاً: أن تكون لفظة ((ما)) في هذه الآية الكريمة مصدرية، أي يعلم حمل كل أنثى بالمعنى المصدري، وقد جاءت آيات تدل أيضاً على هذا المعنى، ٢٧٣ سورة الرعد: الآيات (٦ - ٨) - كقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ، وَمَا يُعَمَّرُ مِن ◌ُّعَمَّرِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَبٍ﴾ [فاطر: ١١]، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فصلت: ٤٧]. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية قد يكون لها وجهان كلاهما حق، وكلاهما يشهد له قرآن، فنذكر الجميع. وأما احتمال كون لفظة ((ما)) في هذه الآية استفهامية، فهو بعيد فما يظهر لي، وإن قال به بعض أهل العلم، وقد دلت السنة الصحيحة على أن علم ما في الأرحام المنصوص عليه في الآيات المذكورة مما استأثر الله به دون خلقه، وذلك هو ما ثبت في صحيح البخاري من أن المراد بمفاتح الغيب في قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، الخمس المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُغَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِ اُلْأَرْحَاِ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَحْكِسِبُ غَدَّ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِّ أَرْضِ تَمُوتٌ ﴾ [لقمان: ٣٤]، والاحتمالان المذكوران في لفظة ((ما)) من قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ﴾ ... الآية، جاريان أيضاً في قوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادٌ﴾ فعلى كونها موصولة فيهما، فالمعنى يعلم الذي تنقصه وتزيده، وعلى كونها مصدرية، فالمعنى يعلم نقصها وزيادتها . واختلف العلماء في المراد بقوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ آلْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادٌ﴾ وهذه أقوالهم في الآية بواسطة نقل صاحب (الدر المنثور في التفسير بالمأثور) أخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ آلْأَزْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ قال: ((هي المرأة ترى الدم في حملها)). وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿وَمَا تَغِيْضُ الْأَرْحَامُ﴾ قيل: ((خروج الدم)) ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ قال: ((استمساله)). وأخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ◌ّها في قوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ اٌلْأَرْحَامُ﴾ قال: ((أن ترى الدم في حملها))، ﴿وَمَا تَزْدَادٌ﴾ قال: ((في التسعة الأشهر)). وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس ؤها في قوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ اٌلْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ قال: ((ما تزداد على التسعة وما تنقص من التسعة)). وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس ◌ّها قال: ﴿وَمَا تَغِيضُ آلْأَرْحَامُ﴾ قال: ((ما دون تسعة أشهر ﴿وَمَا تَزْدَادٌ﴾ فوق التسعَةٌ)). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ◌ًا في قوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ اٌلْأَرْحَامُ﴾ يعني ((السقط)) ﴿وَمَا تَزْدَادٌ﴾ يقول: ((ما زادت في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماماً؛ وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر، ومنهن من تحمل تسعة أشهر، ومنهن من تزيد في الحمل ومنهن من تنقص، فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله تعالى وكل ذلك بعلمه تعالى)). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك ظأهله قال: ((ما دون التسعة أشهر فهو غيض وما فوقها فهو زيادة)). ٢٧٤ سورة الرعد: الآية (١٠) وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة به قال: ((ما غاضت الرحم بالدم يوماً إلا زاد في الحمل يوماً حتى تكمل تسعة أشهر طاهراً)) .. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن ربه في قوله: ﴿وَمَا نَفِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ قال: ((السقط)) وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ظ في الآية قال: ((إذا رأت الدم هش الولد، وإذا لم تر الدم عظم الولد))، اهـ من (الدر المنثور في التفسير بالمأثور). وقيل: الغيض والزيادة يرجعان إلى الولد كنقصان إصبع وغيرها، وزيادة إصبع وغيرها . وقيل: الغيض: انقطاع دم الحيض وما تزداد بدم النفاس بعد الوضع، ذكر هذين القولين القرطبي. وقيل: تغيض تشتمل على واحد، وتزداد تشتمل على توأمين فأكثر. قال مقيده - عفا الله عنه -: مرجع هذه الأقوال كلها إلى شيء واحد وهو أنه تعالى عالم بما تنقصه الأرحام وما تزيده؛ لأن معنى تغيض تنقص وتزداد أي تأخذه زائداً، فيشمل النقص المذكور نقص العدد ونقص العضو من الجنين ونقص جسمه إذا حاضت عليه فتقلص، ونقص مدة الحمل بأن تسقطه قبل أمد حمله المعتاد، كما أن الازدياد يشمل زيادة العضو وزيادة العدد وزيادة جسم الجنين إن لم تحض وهي حامل، وزيادة أمد الحمل عن القدر المعتاد، والله - جل وعلا - يعلم ذلك كله، والآية تشمله كله. قوله تعالى: ﴿سَوَآءٌ مِّنكُم مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِلَيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّارِ ﴾﴾. بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة أن السر والجهر عنده سواء، وأن الاختفاء والظهور عنده أيضاً سواء؛ لأنه يسمع السر كما يسمع الجهر، ويعلم الخفي كما يعلم الظاهر، وقد أوضح هذا المعنى في آيات أخر كقوله: ﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَوِ أَجْهَرُواْ بِّ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿٣ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَيُ ﴿﴾ [الملك]، وقوله: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوَلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ أَلِزَّ وَأَخْفَى ﴾﴾ [طه]، وقوله: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ وَنَعْلَمُ مَا نُوَسْوِسُ بِهِ، نَفْسُمٌ﴾ [ق: ١٦]، إلى غير ذلك من الآيات. وأظهر القولين في المستخفي بالليل والسارب بالنهار، أن المستخفي هو المختفي المستتر عن الأعين، والسارب هو الظاهر البارز الذاهب حيث يشاء. ومنه قول الأخنس بن شهاب التغلبي: ونحن خلعنا قيده فهو سارب وكل أناس قاربوا قيد فحلهم أي ذاهب حيث يشاء ظاهر غير خاف. وقول قيس بن الخطيم: ٢٧٥ سورة الرعد: الآيات (١١ - ١٥). وتقرب الأحلام غير قريب إني سربت وكنت غير سروب وقيل: السارب؛ الداخل في السرب ليتوارى فيه، والمستخفي الظاهر، من خفاه يخفيه: إذا أظهره، ومنه قول امرئ القيس: خفاهن من أنفاقهن كأنما خفاهن ودق من عشي مجلب قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُمْ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾. بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لا يغيّر ما يقوم من النعمة والعافية حتى يغيروا ما بأنفسهم من طاعة الله جل وعلا . والمعنى أنه لا يسلب قوماً نعمة أنعمها عليهم حتى يغيروا ما كانوا عليه من الطاعة والعمل الصالح، وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَُ مُغَيِراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَّى يُغَيِرُوْ مَا بِأَنفُسِهِمٌ﴾ ... الآية [الأنفال: ٥٣]. وقوله: ﴿وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ (٣)﴾ [الشورى]. وقد بيّن في هذه الآية أيضاً أنه إذا أراد قوماً بسوء فلا مرد له، وبيّن ذلك أيضاً في مواضع أخر كقوله: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِنَ﴾ [الأنعام: ١٤٧]، ونحوها من الآيات، وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿حَى يُغَيِرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمٌّ﴾ [الأنفال: ٥٣]، يصدق بأن يكون التغيير من بعضهم كما وقع يوم أحد بتغيير الرماة ما بأنفسهم فعمّت البلية الجميع، وقد سئل ◌َّله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم إذا كثر الخبث)) والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ الْبَرَقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي يري خلقه البرق خوفاً وطمعاً. قال قتادة: خوفاً للمسافر يخاف أذاه ومشقته، وطمعاً للمقيم يرجو بركته ومنفعته ويطمع في رزق الله. وعن الحسن: الخوف لأهل البحر، والطمع لأهل البر، وعن الضحاك: الخوف من الصواعق، والطمع في الغيث. وبيّن في موضع آخر: إن إراءته خلقه البرق خوفاً وطمعاً من آياته جل وعلا، الدالة على أنه المستحق لأن يعبد وحده لا شريك له. وذلك في قوله: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ. يُرِيكُمُ الْبَّقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ﴾ ... الآية [الروم: ٢٤]. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهَا وَظِلَلُهُم ◌ِلْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ ﴾ ١٥ وبيّن تعالى في هذه الآية الكريمة أنه يسجد له أهل السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وتسجد له ظلالهم بالغدو والآصال. وذكر أيضاً سجود الظلال، وسجود أهل السماوات والأرض في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ عَنِ اَلْيَمِينِ وَالشَّمَابِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَخِرُونَ ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مِن دَآبَةٍ وَالْمَلَئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾﴾ إلى قوله: ﴿يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٨ - ٥٠]، واختلف ٢٧٦ - سورة الرعد: الآية (١٥) العلماء في المراد بسجود الظل وسجود غير المؤمنين، فقال بعض العلماء: سجود من في السماوات والأرض من العام المخصوص؛ فالمؤمنون والملائكة يسجدون لله سجوداً حقيقياً وهو وضع الجبهة على الأرض يفعلون ذلك طوعاً، والكفار يسجدون كرهاً، أعني المنافقين لأنهم كفار في الباطن ولا يسجدون الله إلا كرهاً كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ١٤٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَتُهُمْ إِلَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوَةَ إِلَّ وَهُمْ كُسَالَ وَلَا يُفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾﴾ [التوبة]، والدليل على أن سجود أهل السماوات والأرض من العام المخصوص، قوله تعالى في سورة الحج: ﴿أَلَمَّ تَرَ أَتَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَمَنْ فِىِ الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَلْلِبَالُ وَالشَّجُرُ وَالذَّوَآتُ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرُ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨]. فقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ١٨]، دليل على أن بعض الناس غير داخل في السجود المذكور، وهذا قول الحسن وقتادة وغيرهما ذكره الفراء وقيل الآية عامة والمراد بسجود المسلمين طوعاً انقيادهم لما يريد الله منهم طوعاً، والمراد بسجود الكافرين كرهاً انقيادهم لما يريد الله منهم كرهاً؛ لأن إرادته نافذة فيهم وهم منقادون خاضعون لصنعه فيهم ونفوذ مشيئته فيهم وأصل السجود في لغة العرب الذل والخضوع، ومنه قول زيد الخيل: بجمع تضل البلق في حجراته ترى الأكم فيها سجداً للجوافر ومنه قول العرب: أسجد إذا طأطأ رأسه وانحنى. قال حميد بن ثور: وكف خضيب وأسوارها فلما لوين على معصم سجود التصارى الأحبارها فضول أزمتها أسجدت وعلى هذا القول فالسجود لغوي لا شرعي، وهذا الخلاف المذكور جار أيضاً في سجود الظلال فقيل: سجودها حقيقي، والله تعالى قادر على أن يخلق لها إدراكاً تدرك به وتسجد لله سجوداً حقيقياً، وقيل: سجودها ميلها بقدرة الله أول النهار إلى جهة المغرب وآخره إلى جهة المشرق، وادعى من قال هذا أن الظل لا حقيقة له لأنه خيال فلا يمكن منه الإدراك. ونحن نقول: إن الله - جل وعلا - قادر على كل شيء، فهو قادر على أن يخلق للظل إدراكاً يسجد به لله تعالى سجوداً حقيقياً والقاعدة المقررة عند علماء الأصول هي حمل نصوص الوحي على ظواهرها إلا بدليل من كتاب أو سنة ولا يخفي أن حاصل القولين: أحدهما: أن السجود شرعي وعليه فهو في أهل السموات والأرض من العام المخصوص. والثاني: أن السجود لغوي بمعنى الانقياد والذل والخضوع وعليه فهو باق على عمومه، والمقرر في الأصول عند المالكية والحنابلة وجماعة من الشافعية أن النص إن دار بين الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية حمل على الشرعية وهو التحقيق خلافاً لأبي ٢٧٧ سورة الرعد: الآيات (١٦ - ٣١) - حنيفة في تقديم اللغوية، ولمن قال يصير اللفظ مجملاً لاحتمال هذا وذاك وعقد هذه المسألة صاحب (مراقى السعود) بقوله: إن لم يكن في مطلق العرفي واللفظ محمول على الشرعي بحث عن المجازي الذي انتخب فاللغوي على الجلي ولم يجب وقيل: المراد بسجود الكفار كرهاً سجود ظلالهم كرهاً وقيل: الآية في المؤمنين فبعضهم يسجد طوعاً لخفة امتثال أوامر الشرع عليه، وبعضهم يسجد كرهاً لثقل مشقة التكليف عليه، مع أن إيمانه يحمله على تكلف ذلك والعلم عند الله تعالى. وقوله: ﴿بِالْغُدُوِ﴾ يحتمل أن يكون مصدراً، أو يحتمل أن يكون جمع غداة، والآصال جمع أصل بضمتين وهو جمع أصيل وهو ما بين العصر والغروب ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي: لعمري لأنت البيت أكرم أهله وأقعد في أفيائه بالأصائل قوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوْ لِلَّهِ شُرَكَّةَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ، فَتَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمَّ قُلِ اَللَّهُ خَلِقٌ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ اٌلْوَحِدُ الْقَهَّرُ﴾. أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى أنه هو المستحق لأن يعبد وحده لأنه هو الخالق وحده، ولا يستحق من الخلق أن يعبدوه إلا من خلقهم وأبرزهم من العدم إلى الوجود؛ لأن المقصود من قوله: ﴿أَمْ جَعَلُوْ لِلَّهِ شُرَكَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَّهَ اْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ إنكار ذلك وأنه هو الخالق وحده بدليل قوله بعده: ﴿قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾؛ أي خالق كل شيء هو المستحق لأن يعبد وحده، ويبيّن هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُوا رَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، وقوله ﴿وَأَتَّخَذُواْ مِن دُونِ ءَالِهَةَ لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣]، وقوله: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ(4)﴾ [الأعراف]، وقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُوِ مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونٍِ﴾ [لقمان: ١١]، إلى غير ذلك من الآيات؛ لأن المخلوق محتاج إلى خالقه فهو عبد مربوب مثلك يجب عليه أن يعبد من خلقه وحده كما يجب عليك ذلك، فأنتما سواء بالنسبة إلى وجوب عبادة الخالق وحده لا شريك له. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّنْ زَبِّهِ﴾، بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار اقترحوا عليه وَّله الإتيان بآية ينزلها عليه ربه، وبيّن هذا المعنى في. مواضع متعددة كقوله: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِشَايَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥]، إلى غير ذلك من الآيات، وبيّن تعالى في موضع آخر أن في القرآن العظيم كفاية عن جميع الآيات في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِرَ﴾ [العنكبوت: ٥١]، وبيّن في موضع آخر حكمة عدم إنزال آية كناقة صالح ونحوها بقوله: ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن تُرْسِلَ بِلَيَتِ إِلَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونْ وَءَانَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ﴾ [الإسراء: ٥٩]، كما تقدمت الإشارة إليه. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُزْءَانًا سُبِرَتْ بِهِ الْحِبَالُ أَوْ قُطِعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْنَى﴾ الآية، جواب ((لو)) في هذه الآية محذوف. قال بعض العلماء: تقديره لكان هذا القرآن. ٢٧٨ - سورة إبراهيم: الآية (١) وقال بعضهم: تقديره لِكفرتم بالرحمن، ويدل على هذا الأخير قوله قبله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ وقد قدمنا شواهد حذف جواب ((لو)) في سورة البقرة وقد قدمنا في سورة يوسف أن الغالب في اللغة العربية أن يكون الجواب المحذوف من جنس المذكور قبل الشرط، ليكون ما قبل الشرط دليلاً على الجواب المحذوف. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَحَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِيَّةً﴾ . بيّن في هذه الآية الكريمة أن الرسل قبله وَ جه من جنس البشرية يتزوجون ويلدون وليسوا ملائكة؛ وذلك أن الكفار استغربوا بعث آدمي من البشر كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَبَّعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (®﴾ [الإسراء]، فأخبر أنه يرسل البشر الذين يتزوجون ويأكلون كقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِ اٌلْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الأنبياء: ٨]. إلى غير ذلك من الآيات كما تقدمت الإشارة إليه. قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلَّمُ الْكِتَبِ﴾. الظاهر أن قوله: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَبِ﴾ عطف على لفظ الجلالة، وأن المراد به أهل العلم بالتوراة والإنجيل ويدل قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَبِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ﴾ ... الآية [آل عمران: ١٨]، وقوله: ﴿فَإِن كُتَ فِى شَكٍْ مِّمَّا أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْعَلِ الَّذِينَ يَقْرَهُونَ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكٌ﴾ [يونس: ٩٤]. وقوله ﴿فَسْشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. [النحل: ٤٣]، إلى غير ذلك من الآيات. براه الرحمن الرحيم سورة إبراهيم قوله تعالى: ﴿الَرَّ كِتَبُّ أَنزَلْنَهُ إِلَيْكَ لِنُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ الآية. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه أنزل على نبيه وم هذا الكتاب العظيم ليخرج به الناس من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الإيمان والهدى وأوضح هذا المعنى في آيات أخر كقوله: ﴿هُوَ الَّذِى يُنَزِلُ عَلَى عَبْدِهِهِ ءَايَتٍ بَيْنَتٍ لِيُخْرِحَكُمْ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ﴾ [الحديد: ٩]، وقوله: ﴿اَللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، إلى غير ذلك من الآيات كما تقدمت الإشارة إليه، وقد بيّن تعالى هنا أنه لا يخرج أحداً من الظلمات إلى النور إلا بإذنه - جل وعلا - في قوله: ﴿بِإِذْنِ ٢٧٩ سورة إبراهيم: الآيات (٤ - ٩) . رَبِّهِمْ﴾ ... الآية، وأوضح ذلك في آيات أخر كقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٠٠]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿وَمَّا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَنْ يَشَآءَ﴾ . بيّن الله تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لم يرسل رسولاً إلا بلغة قومه لأنه لم يرسل رسولاً إلا إلى قومه دون غيرهم، ولكنه بيّن في مواضع أخر أن نبينا ◌َّ أرسل إلى جميع الخلائق دون اختصاص بقومه ولا بغيرهم كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا ﴾﴾ [الفرقان]، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْتَكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عموم رسالته لأهل كل لسان، فهو وَلَه يجب عليه إبلاغ أهل كل لسان وقد قدمنا في سورة البقرة قول ابن عباس : ((إن الله فضّل محمداً مَلل على الأنبياء وعلى أهل السماء فقالوا: بم يا ابن عباس فضَّله على أهل السماء؟ فقال: إن الله تعالى قال: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِّتْ إِلَهٌ مِن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمٌ كَذَلِكَ نَجْزِى اُلَّالِمِينَ ﴾ [الأنبياء]، وقال لمحمد وَالٍ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا فُِّيْنَا ج لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْيِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١، ٢] قالوا: فما فضله على الأنبياء قال: قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ وقال الله وَن لمحمد بَّهِ: ﴿وَمَآ أَرْسَلْمَكَ إِلَّ كَافَّةٌ لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، فأرسله إلى الجن والإنس)) ذكره أبو محمد الدارمي في مسنده كما تقدم، وهو تفسير من ابن عباس للآية بما ذكرنا والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فِىَّ أَفْوَهِهِمْ﴾ . اختلف العلماء في معنى هذه الآية الكريمة فقال بعض العلماء: معناها أن أولئك الكفار جعلوا أيدي أنفسهم في أفواههم ليعضوا عليها غيظاً وحنقاً لما جاءت به الرسل إذ كان فيه تسفيه أحلامهم وشتم أصنامهم وممن قال بهذا القول عبد الله بن مسعود وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم واختاره ابن جرير، واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ ... الآية [آل عمران: ١١٩]. وهذا المعنى معروف من كلام العرب، ومنه قول الشاعر: حتى يعض على الأكف تردون في فيه غش الحسود يعني أنهم يغيظون الحسود حتى يعض على أصابعه وكفيه: قال القرطبي: ومنه قول الآخر أيضاً: قد أفنى أنامله أزمة فأضحى يعض على الوظيفا أي أفنى أنامله عضاً. وقال الراجز: ٢٨٢ سورة إبراهيم: الآية (٩) ودقة بعظم ساقي ويدي لو أن سلمى أبصرت تحذدي عضت من الوجد بأطراف اليد وبعد أهلي وجفاء عودي وفي الآية الكريمة أقوال غير هذا، منها أنهم لما سمعوا كتاب الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم من العجب، ويروى عن ابن عباس، ومنها أنهم كانوا إذا قال لهم نبيهم أنا رسول الله إليكم أشاروا بأصابعهم إلى أفواههم أن اسكت تكذيباً له ورداً لقوله. ويروى هذا عن أبي صالح، ومنها أن معنى الآية: أنهم ردوا على الرسل قولهم وكذبوهم بأفواههم، فالضمير الأول للرسل والثاني للكفار، وعلى هذا القول ففي بمعنى الباء، ويروى هذا القول عن مجاهد وقتادة ومحمد بن كعب. قال ابن جرير: وتوجيهه أن ((في)) هنا بمعنى الباء قال: وقد سمع من العرب أدخلك الله بالجنة يعنون في الجنة. وقال الشاعر: وأرغب فيها عن لقيط ورهطه ولكنني عن سنبس لست أرغب يريد وأرغب بها قال ابن كثير: ويؤيد هذا القول تفسير ذلك بتمام الكلام وهو قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، وَإِنَّا لَفِى شَِ مِّمَا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ قال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر عندي خلاف ما استظهره ابن كثير - رحمه الله تعالى - لأن العطف بالواو يقتضي مغايرة ما بعده لما قبله فيدل على أنه المراد بقوله: ﴿فَرَدُّوَأْ أَيْدِيَهُمْ﴾ ... الآية، غير التصريح بالتكذيب بالأفواه والعلم عند الله تعالى، وقيل: المعنى أن الكفار جعلوا أيديهم في أفواه الرسل رداً لقولهم، وعليه فالضمير الأول للكفار والثاني للرسل، ويروى هذا عن الحسن، وقيل: جعل الكفار أيدي الرسل على أفواه الرسل ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم، ويروى هذا عن مقاتل وقيل: رد الرسل أيدي الكفار في أفواههم. وقيل غير ذلك، فقد رأيت الأقوال وما يشهد له القرآن منها والعلم عند الله تعالی. تنبيه: جمع الفم مكسراً على أفواه يدل على أن أصله فوه فحذفت الهاء والواو وعوضت عنهما الميم. قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، وَإِنَّا لَفِى شَكٍ مِّمَا نَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار صرحوا للرسل بأنهم كافرون بهم، وأنهم شاكون فيما جاءوهم به من الوحي، وقد نص تعالى على بعضهم بالتعيين أنهم صرحوا بالكفر به وأنهم شاكّون فيما يدعوهم إليه كقول قوم صالح له: ﴿أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَلْنَا وَإِنَّنَا لَفِى شٍَ ◌ِمَا تَدْعُونَآَ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: ٦٢] وصرحوا بالكفر به في قوله: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعَلَمُونَ أَنَّ صَلِحًا مُرْسَلٌ مِّن رَبٍِّ، قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ، مُؤْمِنُونَ ﴿ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبُوَّا إِنَّا بِالَّذِىّ ءَامَنتُم بِهِ، كَفِرُونَ [الأعراف] ونحو ذلك من الآيات، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يذكر عموم في آية ثم يصرح في آية أخرى بدخول بعض أفراد ذلك العموم فيه كما هنا، وكما تقدم المثال له بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَكَبِرَ اللّهِ﴾ [الحج: ٣٢] مع قوله: ﴿وَاَلْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُ مِّنْ شَعَبِرِ اللَّهِ﴾ ... الآية [الحج: ٣٦].