النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ سورة هود: الآيات (٣ - ٥). ظلماً، وسيّافه قائم على رأسه، والنطع مبسوط للقتل، والسيف يقطر دماً، وحول هذا الملك الذي هذه صفته جواريه وأزواجه وبناته، فهل ترى أن أحداً من الحاضرين يهتم بريبة أو بحرام يناله من بنات ذلك الملك وأزواجه، وهو ينظر إليه، عالم بأنه مطلع عليه؟! لا، وكلا! بل جميع الحاضرين يكونون خائفين، وجلة قلوبهم، خاشعة عيونهم، ساكنة جوارحهم خوفاً من بطش ذلك الملك. ولا شك - ولله المثل الأعلى - أن رب السموات والأرض - جل وعلا - أشد علماً، وأعظم مراقبة، وأشد بطشاً، وأعظم نكالاً وعقوبة من ذلك الملك، وحماه في أرضه محارمه، فإذا لاحظ الإنسان الضعيف أن ربه - جل وعلا - ليس بغائب عنه، وأنه مطلع على كل ما يقول وما يفعل وما ينوي؛ لان قلبه، وخشي الله تعالى، وأحسن عمله لله - جل وعلا -. ومن أسرار هذه الموعظة الكبرى أن الله - تبارك وتعالى - صرح بأن الحكمة التي خلق الخلق من أجلها هي أن يبتليهم أيهم أحسن عملاً، ولم يقل: أيهم أكثر عملاً، فالابتلاء في إحسان العمل، كما قال تعالى في هذه السورة الكريمة: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةٍ أَتَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ لِيَبْلُكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ . وقال في الملك: ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَةَ لِبْلُوَّكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلَاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾﴾. ولا شك أن العاقل إذا علم أن الحكمة التي خلق من أجلها هي أن يبتلى، أي يختبر بإحسان العمل؛ فإنه يهتم كل الاهتمام بالطريق الموصلة لنجاحه في هذا الاختبار، ولهذه الحكمة الكبرى سأل جبريل النبي ( عن هذا ليعلمه لأصحاب النبي ◌َ﴿ فقال: ((أخبرني عن الإحسان))، أي وهو الذي خلق الخلق لأجل الاختبار فيه، فبيّن النبي ◌ّ ﴿ أن الطريق إلى ذلك هي هذا الواعظ، والزاجر الأكبر الذي هو مراقبة الله تعالى، والعلم بأنه لا يخفى عليه شيء مما يفعل خلقه، فقال له: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)). واختلف العلماء في المراد في هذه الآية الكريمة: ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ وقوله: ﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾، وفي مرجع الضمير في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ . فقال بعض العلماء: معنى ﴿يَثْنُنَ صُدُورَهُمْ﴾ يزورون عن الحق، وينحرفون عنه؛ لأن من أقبل على الشيء استقبله بصدره، ومن ازورَّ عنه وانحرف ثنى عنه صدره، وطوى عنه كشحه، بهذا فسّره الزمخشري في (الكشاف). قال مقيده - عفا الله عنه -: وهذا المعنى معروف في كلام العرب، فهم يعبرون باعوجاج الصدر عن العدول عن الشيء والميل عنه، ويعبّرون بإقامة الصدر عن القصد إلى الشيء وعدم الميل عنه. فمن الأول قول ذي الرمة غيلان بن عقبة العدوي عدي الرباب. ٢٤٢ سورة هود: الآية (٧) على دار مي من صدور الركائب خليلي عوجا بارك الله فيكما تكن عوجة يجزيكما الله عنده بها الأجر أو تقضى ذمامة صاحب يعني: أثنيا صدور الركائب إلى دار مي. ومن الثاني قول الشنفرى. فإني إلى قوم سواكم لأميل أقيموا بني أميَّ صدور مطيكم وقول الآخر: صدور العيش شطر بني تميم أقول لأم زنباع أقيمي وقيل: نزلت هذه الآية الكريمة في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة. كان حلو المنطق، يلقى رسول الله وَله بما يحب وينطوي له بقلبه على ما يسوء. وقيل: نزلت في بعض المنافقين، كان إذا مر بالنبي 18 ثنى صدره وظهره، وطأطأ رأسه وغطى وجهه لكيلا يراه النبي ◌َّلّ فيدعوه إلى الإيمان. حكى معناه عن عبد الله بن شداد. وعن ابن عباس ◌ّ أنها نزلت في قوم كانوا يكرهون أن يجامعوا أو يتغوطوا وليس بينهم وبين السماء حجاب، يستحيون من الله. وقال بعض العلماء: معنى ﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ يغطون رؤوسهم لأجل كراهتهم استماع كلام الله، كقوله تعالى عن نوح: ﴿وَإِّ كُلَّمَا دَعَوْنُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَلِعَهُمْ فِىّ ءَذَاِهِمْ وَأَسْتَغْشَوْ تِيَابَهُمْ﴾ ... الآية [نوح: ٧]. وقيل: كانوا إذا عملوا سوءاً ثنوا صدورهم وغطوا رؤوسهم، يظنّون أنهم إن فعلوا ذلك أخفوا بِه عملهم على الله - جل وعلا - ويدل على هذا الوجه قوله تعالى: وَ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾ ... الآية. وقرأ ابن عباس هذه الآية الكريمة: ((ألا إنهم تثنونى صدورهم)) وتثنونى مضارع اثنوني، ووزنه افعوعل من الثني كما تقول احلولى من الحلاوة، وصدورهم في قراءة ابن عباس بالرفع فاعل تثنونى، والضمير في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ عائد إلى الله تعالى في أظهر القولين. وقيل: راجع إليه ◌ََّ كما مرَّ في الأقوال في الآية. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِيِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةٍ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. صرح في هذه الآية الكريمة أنه خلق السماوات والأرض لحكمة ابتلاء الخلق، ولم يخلقهما عبثاً ولا باطلاً، ونزّه نفسه تعالى عن ذلك، وصرح بأن من ظن ذلك فهو من الذين كفروا وهددهم بالنار، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلَّا ذَلِكَ ظَنُّ الَِّينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ (٣)﴾ [صرّ]، وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ ٢٤٣ سورة هود: الآيات (٨ - ١٧) . فَتَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ اُلْحَّ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾ [المؤمنون]، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (@)﴾ [الذاريات]، وقال: ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوَةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿وَلَيِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةِ مَّعْدُودَةٍ﴾. المراد بالأمة هنا: المدة من الزمن، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، أي تذكر بعد مدة. تنبيه: استعمل لفظ ((الأمة)) في القرآن أربعة استعمالات: الأول: هو ما ذكرنا هنا من استعمال الأمة في البرهة من الزمن. الثاني: استعمالها في الجماعة من الناس، وهو الاستعمال الغالب، كقوله: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣]، وقوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ﴾ [يونس: ٤٧]، وقوله ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً﴾ [البقرة: ٢١٣]، إلى غير ذلك من الآيات. الثالث: استعمال ((الأمة)) في الرجل المقتدى به؛ كقوله: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]. الرابع: استعمال ((الأمة)) في الشريعة والطريقة؛ كقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أَمٍَّ﴾ [الزخرف: ٢٢]، وقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً﴾ ... الآية [الأنبياء: ٩٢]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ الذُّنْيَا وَزِينَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فَِهَا وَهُمْ فَِهَا لَا يُخَسُونَ ﴾﴾. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة: أن من عمل عملاً يريد به الحياة الدنيا أعطاه جزاء عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة إلا النار. ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ، مِنْهَا وَمَا لَهُ فِ الْآَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]، ولكنه تعالى بيّن في سورة بني إسرائيل تعليق ذلك على مشيئته - جل وعلا - بقوله: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاِلَةَ عَبَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ ذُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨]، وقد أوضحنا هذه المسألة غاية الإيضاح في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في الكلام على هذه الآية الكريمة؛ ولذلك اختصرناها هنا . قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَخْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ . صرح تعالى في هذه الآية الكريمة، أن هذا القرآن لا يكفر به أحد كائناً من كان إلا دخل النار. وهو صريح في عموم رسالة نبينا وصل إلى جميع الخلق، والآيات الدالة على ذلك كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَأُوحِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَّكُم بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقوله: ﴿طسّمْ ﴾﴾ [القصص]، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْتَكَ إِلَّا كَانَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، وقوله: ﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى رَسُولُ الَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. ٢٤٤ سورة هود: الآيات (١٧ - ٢٠) قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَكُ فِىِ مِرْيَةِ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ زَبِّكَ﴾ الآية. نهى الله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة عن الشك في هذا القرآن العظيم، وصرحٍ أنه الحق من الله، وإلآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة جداً، كقوله: ﴿الَّمّ ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبَ فِهِ﴾ ... الآية [البقرة: ١، ٢]، وقوله: ﴿الّ ◌َ تَزِيلُ اَلْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [السجدة: ١، ٢]، ونحو ذلك من الآيات، والمرية: الشك. قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن أكثر الناس لا يؤمنون، وبيّن ذلك أيضاً في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ (*)﴾ [يوسف]، وقوله: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ يُضِلُّوَكَ﴾ [الأنعام: ١١٦]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ ﴾﴾ [الصافات]، وقوله: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾﴾ [الشعراء]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿يُضَعَفُ لَهُمُ الْعَذَابٌ﴾. بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار الذين يصدون الناس عن سبيل الله ويبغونها عوجاً، يضاعف لهم العذاب يوم القيامة؛ لأنهم يعذبون على ضلالهم، ويعذبون أيضاً على إضلالهم غيرهم، كما أوضحه تعالى بقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ ﴾﴾ [النحل). وبيّن في موضع آخر أن العذاب يضاعف للأتباع والمتبوعين، وهو قوله في الأعراف: ﴿حََّ إِذَا أَذَّارَكُواْ فِيهَا جَِيعًا قَالَتْ أُخْرَهُمْ لِأُولَئِهُمْ رَبََّ هَؤُلَاءِ أَضَلُونَا فَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ [الأعراف: ٣٨]. قوله تعالى: ﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ﴾. في هذه الآية الكريمة للعلماء أوجه، بعضها يشهد له القرآن: الأول: وهو اختيار ابن جرير الطبري في تفسيره، ونقله عن ابن عباس، وقتادة، أن معنى: ﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾، أنهم لا يستطيعون أن يسمعوا الحق سماع منتفع، ولا أن يبصروه إبصار مهتد، لاشتغالهم بالكفر الذي كانوا عليه مقيمين عن استعمال جوارحهم في طاعة الله تعالى، وقد كانت لهم أسماع وأبصار. ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَرًا وَأَفْئِدَةٌ فَمَآ أَغْنَ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَآَ أَبْصَرُهُمْ وَلَآَ أَفْئِدَتُهُم مِّنِ شَىءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بَايَتِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦]. الثاني: وهو أظهرها عندي أن عدم الاستطاعة المذكور في الآية، إنما هو للختم الذي ختم الله على قلوبهم وأسماعهم، والغشاوة التي جعل على أبصارهم. ويشهد لهذا القول قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَ أَصَرِهِمْ غِشَوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِىّ ◌َاذَانِمْ وَقْرًا﴾ [الكهف: ٥٧]، ونحو ذلك من الآيات. ٢٤٥ سورة هود: الآية (٢٤) وذلك الختم والأكنة على القلوب جزاء من الله تعالى لهم على مبادرتهم إلى الكفر وتكذيب الرسل باختيارهم ومشيئتهم كما دلت عليه آيات كثيرة، كقوله: ﴿بَلَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيَّهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، وقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوَاْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِم تَرَضٌّ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّاً﴾ [البقرة: ١٠]، وقوله: ﴿وَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم غَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]، وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَّهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ= أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]، إلى غير ذلك من الآيات. الثالث: أن المعنى ﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾؛ أي لشدة كراهيتهم لكلام الرسل على عادة العرب في قولهم: لا أستطيع أن أسمع كذا، إذا كان شديد الكراهية والبغض له، ويشهد لهذا القول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَيَتُنَا بَيِّنَتٍ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمُنكَرِّ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَلِنَا﴾ [الحج: ٧٢]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ﴾ [فصلت: ٢٦]، وقوله: ﴿وَإِنِّ كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَنِعَهُمْ فِّ مَاذَانِهِمْ﴾ [نوح: ٧]. الرابع: أن ((ما)) مصدرية ظرفية؛ أي يضاعف لهم العذاب مدة كونهم يستطيعون أن يسمعوا ويبصروا، أي يضاعف لهم العذاب دائماً. الخامس: أن ((ما)) مصدرية في محل نصب بنزع الخافض، أي يضاعف لهم العذاب بسبب كونهم يستطيعون السمع والإبصار في دار الدنيا، وتركوا الحق مع أنهم يستطيعون إدراكه بأسماعهم وأبصارهم، وقد قدمنا في سورة النساء قول الأخفش الأصغر بأن النصب بنزع الخافض مقيس مطلقاً عند أمن اللبس. السادس: أن قوله: ﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُصِرُونَ﴾ من صفة الأصنام التي اتخذوها أولياء من دون الله، فيكون متصلاً بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَّةٌ﴾ وتكون جملة: ﴿يُضَعَفُ لَهُمْ الْعَذَابٌ﴾ اعتراضية، وتقرير المعنى على هذا القول: وما كان لهم من دون الله من أولياء ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون؛ أي الأصنام التي اتخذوها أولياء من دون الله، وما لا يسمع ولا يبصر لا يصح أن يكون ولياً لأحد. ويشهد لمعنى هذا القول، قوله تعالى في الأعراف: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُصِرُونَ بِهَاْ أَمَ لَهُمْ ءَاذَاتٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ الآية [الأعراف: ١٩٥]، ونحوها من الآيات. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية الكريمة قد تكون فيها أقوال، وكلها يشهد له قرآن فنذكر الجميع، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْنَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعَ﴾ الآية. ضرب الله تعالى في هذه الآية الكريمة المثل للكافر بالأعمى والأصم، وضرب المثل للمؤمن بالسميع والبصير، وبيّن أنهما لا يستويان، ولا يستوي الأعمى والبصير، ولا يستوي الأصم والسميع. وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة: ٢٤٦ سورة هود: الآيات (٢٧ - ٢٩) وَلَا اُلُّلُمَتُ وَلَا النُّورُ ﴿ وَلَا اَلِظِّلُّ وَلَا قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ( : الْحُرُورُ ﴾ وَمَا يَسْتَوَى الْأَخْلُ وَلَ الْأَمْوَتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِع ◌َنْ فِىِ الْقُبُورِ ٢٢ إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرُ ﴾ [فاطر]. وقوله: ﴿أَفَّنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيَّكَ اْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَّ إِنَّا يَنَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ ﴾﴾ [الرعد]. وقوله: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُْمِعُ الْمَوْنَ وَلَا تُْمِعُ الصُّمَّ (69﴾ [الروم]، إلى غير ذلك من الآيات. الدُّعَلَ إِذَا وَلَّوْ مُدْبِينَ قوله تعالى: ﴿وَمَا نَرَئِكَ أَتَّعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرَّأَيِ﴾ . ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن الملأ من قوم نوح قالوا له: ما نراك اتبعك منا إلا الأسافل والأراذل. وذكر في سورة الشعراء، أن اتباع الأرذال له في زعمهم مانع لهم من اتباعه بقوله: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]. وبيّن في هذه السورة الكريمة: أن نوحاً - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - أبى ج أن يطرد أولئك المؤمنين الذين اتبعوه بقوله: مُّلَقَواْ رَبَّهِمْ إِنَّهُم بَطَاردِ الّذِينَ ءَامَنُوا أَنَاْ وَقَوْمِ مَن يَنصُرُنِ مِنَ اللَّهِ إِن ◌َُّهُمَّ﴾ [هود: ٢٩ - ٣٠]. وَلَكِنِّي أَرَّكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ وذكر تعالى عنه ذلك في الشعراء أيضاً بقوله: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّ عَلَى رَبِّ لَوْ تَشْعُرُونَ () وَمَآ أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١٤)﴾ [الشعراء]. قوله تعالى: ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَ يْتُ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِ وَءَانَنِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ، فَعُمِيَتْ عَلَيْكُمْ أَنْزِئُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَا كَرِهُونَ (®)﴾. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة عن نبيه نوح: أنه قال لقومه: ﴿أَرَءَيْتُ﴾ أي أخبروني، ﴿إِن كُنتُ عَلَى بَيْنَهِ مِّن رَّبِ﴾، أي على يقين ونبوة صادقة لا شك فيها، وأعطاني رحمة منه مما أوحى إليّ من التوحيد والهدى، فخفي ذلك كله عليكم، ولم تعتقدوا أنه حق، أيمكنني أن ألزمكم به، وأجبر قلوبكم على الانقياد والإذعان لتلك البينة التي تفضل الله علي بها، ورحمني بإيتائها، والحال أنكم كارهون لذلك؟ يعني ليس بيدي توفيقكم إلى الهدى وإن كان واضحاً جلياً لا لبس فیه، إن لم يهدكم الله - جل وعلا - إليه. وهذا المعنى صرّح به - جل وعلا - عن نوح أيضاً في هذه السورة الكريمة بقوله: لَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىّ إِنْ أَرَدَتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمّْ هُوَ رَبُّكُمْ﴾ الآية . قوله تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ لَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالَا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة عن نبيه نوح - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - أنه أخبر قومه أنه لا يسألهم مالاً في مقابلة ما جاءهم به من الوحي والهدى، بل يبذل لهم ذلك الخير العظيم مجاناً من غير أخذ أجرة في مقابله. وبيّن في آيات كثيرة: أن ذلك هو شأن الرسل عليهم صلوات الله وسلامه، كقوله في سِبأ عن نبينا وََّ: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمَّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللّهِ﴾ [سبأ: ٤٧]. وقوله فيه، أيضاً في آخر ص: ﴿قُلْ مَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [صَ]. ٢٤٧ سورة هود: الآية (٤٠) - وقوله في الطور والقلم: ﴿أَمْ تَسْلُهُمْ أَجْرًّا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ﴾﴾ [الطور]. وقوله في الفرقان: ﴿قُلْ مَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَآءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِهِ، سَبِيلًا (63)﴾ [الفرقان]. وقوله في الأنعام: ﴿قُل لََّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًّا إِنْ هُوَ إِلَّ ذِكْرَى لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنعام: ٩٠]. وقوله عن هود في سورة هود: ﴿يَقَوْمِ لَّ أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًّاً إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى الَّذِى فَطَرَّبِ﴾ . وقوله في الشعراء عن نوح وهود وصالح ولوط وشعيب - عليهم وعلى نبينا [الشعراء]. ١٠٩ الصلاة والسلام -: ﴿وَمَا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ أُتَّبِعُواْ مَنْ ٢٠ وقوله تعالى عن رسل القرية المذكورة في يس: ﴿أَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ لَا يَسََّلُكُمْ أَجْرًا﴾ [يس: ٢٠، ٢١]. وقد بينا وجه الجمع بين هذه الآيات المذكورة وبين قوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَسْئَلُكُمُ عَلَيْهِ أَجْرًّا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِ الْقُرْبِى﴾ [الشورى: ٢٣]، في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة سبأ في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ: ٤٧]. ويؤخذ من هذه الآيات الكريمة: أن الواجب على أتباع الرسل من العلماء وغيرهم أن يبذلوا ما عندهم من العلم مجاناً من غير أخذ عوض على ذلك، وأنه لا ينبغي أخذ الأجرة على تعليم كتاب الله تعالى، ولا على تعليم العقائد والحلال والحرام. وللعلماء أقوال متعددة في المسألة يرجع لها في الأصل وخلاصة رأي الشيخ ما نصه: قال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر لي - والله تعالى أعلم -، أن الإنسان إذا لم تدعه الحاجة الضرورية فالأولى له ألا يأخذ عوضاً على تعليم القرآن، والعقائد، والحلال والحرام، للأدلة الماضية. وإن دعته الحاجة أخذ بقدر الضرورة من بيت مال المسلمين؛ لأن الظاهر أن المأخوذ من بيت المال من قبيل الإعانة على القيام بالتعليم لا من قبيل الأجرة. والأولى لمن أغناه الله أن يتعفف عن أخذ شيء في مقابل التعليم للقرآن والعقائد والحلال والحرام، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿قُلْنَا أَحِلْ فِيَهَا مِن كُلٍ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ﴾. ذكر الله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه أمر نبيه نوحاً - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام -: أن يحمل في سفينته من كل زوجين اثنين، وبيّن في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾﴾ [المؤمنون] أنه أمره أن يسلكهم أي يدخلهم فيها، فدل ذلك على أن فيها بيوتاً يدخل فيها الراكبون؛ وذلك في قوله: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورِّ فَأَسْلُكْ فِيَهَا مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٧]، ومعنى ((اسلك)): أدخل فيها من كل زوجين اثنين؛ تقول العرب: سلكت الشيء في الشيء: أدخلته فيه. وفيه لغة أخرى وهي: أسلكته فيه، رباعياً بوزن أفعل، والثلاثية لغة القرآن؛ كقوله: ﴿فَأَسْلُكْ فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٧]، وقوله: ﴿أَسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ﴾ [القصص: ٣٢]، وقوله: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَهُ فِ قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ٢٠٠ [الشعراء]، وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِى قُلُوبِ اٌلْمُجْرِمِينَ ( (١)﴾ [الحجر]، وقوله: سَلَكَكُمْ فِ سَقَّرَ ﴾﴾ [المدثر]؛ ومنه قول الشاعر: ٢٤٨ سورة هود: الآيتان (٤٠ - ٤١) وكنت لزاز خصمك لم أعرد وقد سلكوك في يوم عصيب ومن الرباعية قول عبد مناف بن ربع الهذلي: شلا كما تطرد الجمالة الشردا حتى إذا أسلكوهم في قتائده قال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر لي أن أصل السلك الذي هو الخيط فعل بمعنى مفعول، كذبح بمعنى مذبوح، وقتل بمعنى مقتول؛ لأن الخيط يسلك أي يدخل في الخرز لينظمه؛ كما قال العباس بن مرداس السلمي: فالماء يغمرها طوراً وينحدر عين تأوبها من شجوها أرق تقطع السلك منه فهو منتشر كأنه نظم در عند ناظمـة والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾. ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أنه أمر نوحاً أن يحمل في السفينة أهله إلا من سبق عليه القول، أي سبق عليه من الله القول بأنه شقيّ، وأنه هالك مع الكافرين. ولم يبيّن هنا من سبق عليه القول منهم، ولكنه بيّن بعد هذا أن الذي سبق عليه القول من أهله هو ابنه وامرأته. قال في ابنه الذي سبق عليه القول: ﴿وَنَادَى نُوُّ أَبْنَهُ, وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ يَبُنَّ أَرْكَب ◌َّعَنَا وَلَا تَكُن ◌َعَ الْكَفِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا اُلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَفِينَ﴾ وقال فيه أيضاً: ﴿قَالَ يَنُوُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكٌَ إِنَّهُ عَمَلُ عَيْرُ صَلِ﴾. وقال في امرأته: ﴿ضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ﴾ إلى قوله: ﴿مَعَ الَِّخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠]. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ أَرْكَبُواْ فِهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرِبِهَا وَمُرْسَهَاْ إِنَّ رَبِ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ذكر الله تعالى في هذه الآية الكريمة، أن نبيه نوحاً - عليه وعلى نبيّنا الصلاة والسلام. أمر أصحابه الذين قيل له احملهم فيها أن يركبوا فيها قائلاً: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرِئِهَا وَمُرْسَهَاً﴾؛ أي بسم الله يكون جريها على وجه الماء، وبسم الله يكون منتهى سيرها وهو رسوها. وبيّن في سورة الفلاح أنه أمره إذا استوى على السفينة هو ومن معه أن يحمدوا الله الذي نجاهم من الكفرة الظالمين، ويسألوه أن ينزلهم منزلاً مباركاً؛ وذلك في قوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَن ◌َّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ آلَْدُ لِلَّهِ الَّذِى نَنَا مِنَ الْقَوْمِ الَِّمِينَ ﴿٨) وَقُل رَّبِّ ﴾ [المؤمنون]. (٢٩) أَنْزِ مُنَّلًا مُّبَارَكًا وَأَنْتَ خَرُ الْمُنِلِينَ وبيّن في سورة الزخرف ما ينبغي أن يقال عند ركوب السفن وغيرها بقوله: ﴿وَالَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَمِ مَا تَرَكَبُونَ (49) لِتَسْتَوُاْ عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أُسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَنَ الَّذِى سَخَرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَيْنَا لَمُنْقَلِبُونَ ﴾﴾ [الزخرف]. ١٣ ٢٤٩ سورة هود: الآيات (٤٢ - ٦٩) ومعنى قوله: ﴿مُقْرِنِينَ﴾ أي مطيقين، ومنه قول عمرو بن معد يكرب: لقد علم القبائل ما عقيل لنا في النائبات بمقرنينا وقول الآخر : ركبتم صعبتي أشر وجين ولستم للصعاب بمقرنينا وقول ابن هرمة: يطاق احتمال الصد يا دعد والهجر أقرنت ما حملتني ولقلما قوله تعالى: ﴿وَهِىَ تَّجْرِى بِهِمْ فِىِ مَوْجِ كَالْجِبَالِ﴾. ذكر الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن السفينة تجري بنوح ومن معه في ماء عظيم، أمواجه كالجبال. وبيّن جريانها هذا في ذلك الماء الهائل في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿إِنَّا لَمَّا كُنَا الْمَاءُ حَمْتَكُمْ فِ الْجَرِيَةِ ﴿﴿ لِنَجْعَلَهَا لَكُنْ نَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنُّ وَعِيَةُ (13)﴾ [الحاقة]. وقوله: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَبَ السَّمَاءِ بِمَآءٍ مُّنْهُمِرٍ ﴿ وَفَجَرْنَا الْأَرْضَ عُونًا فَالْنَفَى الْمَآءُ عَلَىَّ أَمْرٍ قَدْ قُّدِرَ (١٣) وَحَمَلْنَهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَحِ وَدُسُرِ ﴿٣ تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَآءٌ لِّمَن كَانَ كُفِرَ ﴿ وَلَقَد تَرَكْنَهَآ ءَايَةً فَهَلْ مِن مُّذَّكِرِ (®﴾ [القمر]. وبيّن في موضع آخر أن أمواج البحر الذي أغرق الله فيه فرعون وقومه كالجبال أيضاً بقوله: ﴿فَأَنْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالْطَوْرِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]، والطود: الجبل العظيم. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا غَيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا﴾ الآية. لم يبين هنا أمره الذي جاء الذي نجى منه هوداً والذين آمنوا معه عند مجيئه، ولكنه بيّن في مواضع أخر أنه الإهلاك المستأصل بالريح العقيم التي أهلكهم الله بها فقطع دابرهم، كقوله: ﴿وَفِ عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْرِّيحَ الْعَقِيَمَ ﴿ مَا نَذَرُ مِن شَىْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّبِيمِ ﴿4﴾ [الذاريات]. وقوله: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأَهْلِكُواْ بِرِيجَ صَرْصَرٍ عَلِيَةِ ﴿َ سَخَرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةً أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٦، ٧]. وقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِى يَوْمِ نَخْسٍ مُسْتَمِرٍ تَرِيعُ النَّاسَ كَهُمْ أَعْجَازُ نَعْلٍ مُنفَعٍِ [القمر]. وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِىِّ أَيَّامٍ ◌َّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الِرْىِ﴾ ... الآية [فصلت: ١٦]. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَفْرُنَا نَجَتْنَا صَالِحًا﴾. بيّن هذا الأمر الذي جاء بقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْاْ فِهَاْ أَلَا إِنَّ ثَمُودَا كَفَرُواْ رَّهُمْ أَلَ بُعْدًا لِّشَمُودَ (﴾﴾ ونحوها من الآيات. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جََّتْ رُسُلُنَ إِنَّهِيَمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلَمًّا﴾ الآية. لم يبين هنا ما المراد بهذه البشرى التي جاءت بها رسل الملائكة إبراهيم، ولكنه أشار بعد هذا إلى أنها البشارة بإسحاق ويعقوب في قوله: ﴿وَأَمْرَتُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتُ فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ ﴾﴾؛ لأن البشارة بالذرية الطيبة شاملة للأم (١) [الصافات]. ﴿ وَبَشَّرْنَهُ بِاِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّلِحِينَ والأب، كما يدل على ذلك قوله: ٢٥٠ سورة هود: الآية (٧٠) وقوله: ﴿قَالُواْ لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوُهُ بِغُلَمِ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨]، وقوله: ﴿قَالُواْ لَا نَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَمٍ عَلِيمٍ ﴾﴾ [الحجر]، وقيل: البشرى هي إخبارهم له بأنهم أرسلوا لإهلاك قوم لوط، وعليه فالآيات المبينة لها كقوله هنا في هذه السورة: ﴿قَالُواْ لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْتَآ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] الآية. وقوله: ﴿قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ ﴿ إِلَّ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَبُوهُمْ لِتُرْسِلَ عَيْهِمْ حِجَارَةً مِن طِينٍ (٣٢) أَجْمَعِينَ ﴿َ)). وقوله: ﴿قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَآَ إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣)﴾ [الذاريات]، وقوله: ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَهِيِمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُوْ أَهْلِ هَذِهِ اُلْقَرْيَةٌ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَلِمِينَ (®﴾ [العنكبوت]. والظاهر القول الأول: وهذه الآية الأخيرة تدل عليه؛ لأن فيها التصريح بأن إخبارهم بإهلاك قوم لوط بعد مجيئهم بالبشرى؛ لأنه مرتب عليه بأداة الشرط التي هي ((لما)) كما ترى . .. فَلَمَّا رَءَا أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ ٦٩ قوله تعالى: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيدٍ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ﴾. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن إبراهيم لما سلم على رسل الملائكة وكان يظنهم ضيوفاً من الآدميين، أسرع إليهم بالإتيان بالقِرَى وهو لحم عجل حنيذ - أي منضج بالنار - وأنهم لما لم يأكلوا أوجس منهم خيفة، فقالوا: لا تخف، وأخبروه بخبرهم. وبيّن في الذاريات أنه راغ إلى أهله - أي مال إليهم - فجاء بذلك العجل وبيّن أنه سمين، وأنه قربه إليهم، وعرض عليهم الأكل برفق فقال لهم: ﴿أَلَا تَأْكُونَ﴾ وأنه أوجس منهم خيفة وذلك في قوله: ﴿هَلْ أَنَكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ الْمُكْرَمِينَ ﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَّا قَالَ سَلَمٌ قَوْمٌ مُكَرُونَ ﴿ فَغَ إِلَى أَهْلِ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ﴿ فَأَوْحَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ ... الآية [الذاريات: ٢٤ - ٢٨]. تنبيه: يؤخذ من قصة إبراهيم مع ضيفه هؤلاء أشياء من آداب الضيافة. منها: تعجيل القرى لقوله: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَّمَ بِعِبْلٍ حَنِيٍ﴾ . ومنها : كون القرى من أحسن ما عنده؛ لأنهم ذكروا أن الذي عنده البقر وأطيبه لحماً الفتي السمين المنضح. ومنها : تقريب الطعام إلى الضيف. ومنها : ملاطفته بالكلام بغاية الرفق، كقوله: ﴿أَلَا تَأْكُونَ﴾ . ومعنى قوله: ﴿ذَكِرَهُمْ﴾؛ أي أنكرهم لعدم أكلهم، والعرب تطلق نكر وأنكر بمعنى واحد، وقد جمعهما قول الأعشى: من الحوادث إلا الشيب والصلعا وأنكرتني وما كان الذي نكرت وروي عن يونس: أن أبا عمرو بن العلاء حدثه: أنه صنع هذا البيت وأدخله في شعر الأعشى. والله تعالى أعلم. ٢٥١ سورة هود: الآيات (٧٢ - ٧٧). قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَوَيْلَءَأَلِّدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِى شَيْئًا إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ عَجِيبُ (4)). بين الله - جل وعلا - في هذه السورة الكريمة ما قالته امرأة إبراهيم لما بشرت بالولد وهي عجوز، ولم يبين هنا ما فعلت عند ذلك، ولكنه بين ما فعلت في الذاريات بقوله: ﴿فَأَقْلَتِ آمْرَأَتْهُ فِى صَرَّقِ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزُ عَقِيمُ ﴾ [الذاريات]، وقوله: ﴿فِى صَرَّةٍ﴾ أي ضجة وصيحة، وقوله: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾؛ أي لطمته . قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْهُ اٌلْبُشْرَى يُجَدِلْنَا فِ قَوْمِ لُوطٍ﴾. لم يبين هنا ما جادل به إبراهيم الملائكة في قوم لوط، ولكنه أشار إليه في العنكبوت بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَهِيِمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُواْ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَلِمِينَ ﴾ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطَأَ قَالُواْ نَحْتُ أَعْلَمُ بِمَن فِيَهَّا لَتُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ: إِلَّا أَمْرَأَتَهُ﴾ [العنكبوت: ٣١، ٣٢]. فحاصل جداله لهم أنه يقول: إن أهلكتم القرية وفيها أحد من المؤمنين أهلكتم ذلك المؤمن بغير ذنب، فأجابوه عن هذا بقولهم: ﴿نَحْبُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهاً﴾ [العنكبوت: ٣٢]. ونظير ذلك قوله: ﴿فَأَخْرَحْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٥) فَا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ (®﴾ [الذاريات]. قوله تعالى: ﴿يَإِنَهِيمُ أَغْرِضْ عَنْ هَذَّا إِنَُّ قَدْ جَ أَمْرُ رَئِكٌ وَإِنَّهُمْ ءَاتِهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَنْ دُودٍ هذا العذاب الذي صرح هنا بأنه آت قوم لوط لا محالة، وأنه لا مرد له بينه في مواضع متعددة، كقوله في هذه السورة الكريمة: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا ١٨٣ مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِىَ مِنَ الظَّلِينَ بِبَعِيدٍ عَلَيْهَا حِجَارَةٌ مِّن سِجِيلٍ مَنْضُودٍ وقوله في الحجر: ﴿فَجَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ لِلْمُتَّوَسّمِينَ (9)﴾ [الحجر]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَنُواْ عَلَى الْقَرْبَةِ الَّتِىّ أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ ... الآية [الفرقان: ٤٠]، وقوله: ﴿ثُمَّ دَقَرْنَا الْآَخَرِينَ (١٨) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِ مَّطَرًا فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٣)﴾ [الشعراء]. (٣)﴾ [الذاريات]، تُسَوََّةً عِندَ رَيِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ وقوله: ﴿لِتُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةٌ مِّنْ طِينٍ إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلْنَا لُوَطَا سَِّ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمُ عَصِيبٌ (®). ذكر الله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة، أن لوطاً - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - لما جاءته رسل ربه من الملائكة حصلت له بسبب مجيئهم مساءة عظيمة ضاق صدره بها، وأشار في مواضع متعددة إلى أن سبب مساءته وكونه ضاق بهم ذرعاً وقال هذا يوم عصيب؛ أنه ظن أنهم ضيوف من بني آدم كما ظنه إبراهيم - عليهما الصلاة والسلام - وظن أن قومه ينتهكون حرمة ضيوفه فيفعلون بهم فاحشة اللواط؛ لأنهم إن علموا بقدوم ضيف فرحوا واستبشروا به ليفعلوا به الفاحشة المذكورة، فمن ذلك قوله هنا: ﴿وَجَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيْئَاتِ قَالَ يَقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاقِى هُنَّ أَظْهَرُ لَكُمْ فَتَّقُوْ اَللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِىِّ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ﴿ قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقِّ وَإِنَّكَ لَنَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ﴿َ﴾ [هود: ٧٨ - ٧٩]. ٢٥٢ سورة هود: الآيات (٧٢ - ٧٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءٍ ضَْفِى فَلَ نَفْضَحُونِ وقوله في الحجر: ﴿وَجَآءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ قَالَ هَؤُلَاءٍ بَنَاتِيٌ إِن كُمْ وَنَّقُواْ اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ ﴿ قَالُواْ أَوَلَمَ نَنْهَكَ عَنِ الْعَلَمِينَ فَعِلِينَ ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَهِمْ يَعْمَهُونَ (49)﴾ [الحجر]. وقوله: ﴿يُهْرُونَ﴾؛ أي يسرعون ويهرولون من فرحهم بذلك، ومنه قول مهلهل: فجاءوا يهرعون وهم أسارى تقودهم على رغم الأنوف وقوله: ﴿وَلَا تُخْزُونٍ﴾؛ أي لا تهينون ولا تذلون بانتهاك حرمة ضيفي، والاسم منه: الخزي - بكسر الخاء وإسكان الزاي - ومنه قول حسان في عتبة بن أبي وقاص: فأخزاك ربي يا عتيب بن مالك · ولقّاك قبل الموت إحدى الصواعق وقال بعض العلماء: قوله: ﴿وَلَا تُخْزُونٍ﴾ من الخزاية، وهي الخجل والاستحياء من الفضيحة؛ أي لا تفعلوا بضيفي ما يكون سبباً في خجلي واستحيائي، ومنه قول ذي الرمة يصف ثوراً وحشياً تطارده الكلاب في جانب حبل من الرمل: حتى إذا دومت في الأرض راجعة كر ولو شاء نجى نفسه الهرب. من جانب الحبل مخلوطاً بها الغضب خزاية أدركته بعد جولته يعني أن هذا الثور لو شاء نجا من الكلاب بالهرب، ولكنه استحيا وأنف من الهرب، فكر راجعاً إليها. ومنه قول الآخر: على فراري أن لقيت بني عبس أجاعلة أم الثوير خزاية والفعل منه: خزي يخزى، كرضي يرضى، ومنه قول الشاعر: بها مرطاً أو زايل الحلي جيدها من البيض لا تخزى إذا الريح ألصقت وقول الآخر : وأني لا أخزى إذا قيل مملق سخي وأخزى أن يقال بخيل وقوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] معناه أقسم بحياتك، والله - جل وعلا - له أن يقسم بما شاء من خلقه، ولم يقسم في القرآن بحياة أحد إلا نبينا ◌َير وفي ذلك من التشريف له ر چير ما لا يخفى. ولا يجوز لمخلوق أن يحلف بغير الله، لقوله وَ له: ((من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)). وقوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ مبتدأ خبره محذوف، أي لعمرك قسمي، وسمع من العرب تقديم الراء على اللام في لعمرك فتقول فيها: رعملك، ومنه قول الشاعر: تعرض لي من طائر لصدوق رعملك إن الطائر الواقع الذي وقوله: ﴿لَفِى سَكْرَنِهِمْ﴾ [الحجر: ٧٢]؛ أي عماهم وجهلهم وضلالهم، والعمه: عمى ٢٥٣ سورة هود: الآية (٨١). القلب، فمعنى ﴿يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] يترددون متحيرين لا يعرفون حقاً من باطل، ولا نافعاً من ضار، ولا حسناً من قبيح. واختلف العلماء في المراد بقول لوط - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام -: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِ﴾ في الموضعين على أقوال: الأول: أنه أراد المدافعة عن ضيفه فقط، ولم يرد إمضاء ما قال، وبهذا قال عكرمة وأبو عبيدة. الثاني: أن المراد بناته لصلبه، وأن المعنى: دعوا فاحشة اللواط وأزوجكم بناتي، وعلى هذا فتزويج الكافر المسلمة كان جائزاً في شرعه، كما كانت بنات نبينا وَلي تحت الكفار في أول الإسلام كما هو معروف، وقد أرسلت زينب بنت رسول الله صل﴾ عقدها الذي زفتها به أمها خديجة بنت خويلد ◌ّا إلى زوجها أبي العاص بن الربيع، أرسلته إليه في فداء زوجها أبي العاص المذكور لما أسره المسلمون كافراً يوم بدر، والقصة مشهورة، وقد عقدها الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في مغازيه بقوله في غزوة بدر: إذ في فداه زينب أرسلت وابن الربيع صهر هادي الملة له خديجة وزففتها بعقدها الذي به أهدتها: إليه أن يردها له غدا سرحه بعقدها وعهدا إلخ، القول الثالث: أن المراد بالبنات: جميع نساء قومه؛ لأن نبي القوم أب ديني لهم، كما يدل عليه قوله تعالى في نبينا وَ لَ: ﴿الَِّىُّ أَوْلَ بِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمٌّ وَأَزْوَجُهُ: أُمَّهَمُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وفي قراءة أبيّ بن كعب: ((وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم)) وروي نحوها عن ابن عباس، وبهذا القول قال كثير من العلماء. وهذا القول تقربه قرينة وتبعده أخرى، أما القرينة التي تقربه فهي: أن بنات لوط لا تسع جميع رجال قومه كما هو ظاهر، فإذا زوجهن لرجال بقدر عددهن بقي عامة رجال قومه لا أزواج لهم فيتعين أن المراد عموم نساء قومِه، ويدل للعموم قوله: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَلَمِينَ (٨٥﴾ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٥، ١٦٦]، وقوله: ﴿لَتَأْتُونَ الْرِجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ﴾ [الأعراف: ٨١]، ونحو ذلك من الآيات. وأما القرينة التي تبعده: فهي أن النبي ليس أباً للكافرات، بل أبوة الأنبياء الدينية للمؤمنين دون الكافرين، كما يدل عليه قوله: ﴿النَّبِىِّ ◌ِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٦]. أَوْلی وقد صرح تعالى في الذاريات: بأن قوم لوط ليس فيهم مسلم إلا أهل بيت واحد، ﴾ [الذاريات]. وهم أهل بيت لوط، وذلك في قوله: ﴿فَا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ قوله تعالى: ﴿قَالَ لَوَّ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رَّكْنِ شَدِيدٍ ﴿ قَالُواْ يَلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَيِّكَ لَنْ يَصِلُواْ إِلَيْكٌ﴾. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن نبيه لوطاً وعظ قومه ونهاهم أن يفضحوه في ضيفه، وعرض عليهم النساء وترك الرجال، فلم يلتفتوا إلى قوله، ٢٥٤ سورة هود: الآية (٨١) وتمادوا فيما هم فيه من إرادة الفاحشة فقال لوط: ﴿لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً﴾ ... الآية. فأخبرته الملائكة بأنهم رسل ربه، وأن الكفار الخبثاء لا يصلون إليه بسوء. وبين في القمر أنه تعالى طمس أعينهم، وذلك في قوله: ﴿وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَنِ ضَيْفِهِ، فَطَمَسْنَا أَغْيُّنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابٍ وَنُذُرِ (® ﴾ [القمر]. قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الَّتْلِ وَلَا يَلْنَفِتْ مِنكُمْ أَحَدُّ إِلَّا أَمْرَئِكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآَ أَصَابَهُمْ﴾. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه أمر نبيه لوطاً أن يسري بأهله بقطع من الليل، ولم يبين هنا هل هو من آخر الليل، أو وسطه، أو أوله، ولكنه بيّن في القمر أن ذلك من آخر الليل وقت السحر، وذلك في قوله: ﴿إِلَّ ءَالَ لُوطٍ تَّخَمْتُهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤]. ولم يبين هنا أنه أمره أن يكون من ورائهم وهم أمامه، ولكنه بين ذلك في الحجر بقوله: ﴿فَأَشْرِ بِأَهْلِكَ يِقِطْعِ مِّنَ الَّيْلِ وَأَشَبِعْ أَدْبَرَهُمْ وَلَا يَلْنَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَأَمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (9)﴾ [الحجر]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَلْنَفِتْ مِنكُمْ أَحَدُّ إِلَّا أَقْرَأَنَكِّ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾. قرأه جمهور القراء: ﴿إِلَّا أَقْرَأَنَكَ﴾ بالنصب، وعليه فالأمر واضح؛ لأنه استثناء من الأهل، أي أسر بأهلك إلا امرأتك فلا تسر بها، واتركها في قومها فإنها هالكة معهم. ويدل على هذا الوجه قوله فيها في مواضع: ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَبِينَ﴾ [الأعراف: ٨٣] والغابر: الباقي، أي من الباقين في الهلاك. وقرأ أبو عمرو وابن كثير: ﴿إِلَّا أَفْرَأَتَكَ﴾ بالرفع على أنه بدل من ((أحد)) وعليه فالمعنى أنه أمر لوطاً أن ينهى جميع أهله عن الالتفات إلا امرأته فإنه أوحي إليه أنها مالكة لا محالة، ولا فائدة في نهيها عن الالتفات لكونها من جملة الهالكين. وعلى قراءة الجمهور فهو لم يسر بها، وظاهر قراءة أبي عمرو وابن كثير: أنه أسرى بها والتفتت فهلكت. قال بعض العلماء: لما سمعت هذا العذاب التفتت وقالت: واقوماه؛ فأدركها حجر فقتلها . قال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر أن وجه الجمع بين القراءتين المذكورتين أن السر في أمر لوط بأن يسري بأهله، هو النجاة من العذاب الواقع صبحاً بقوم لوط، وامرأة لوط مصيبها ذلك العذاب الذي أصاب قومها لا محالة، فنتيجة إسراء لوط بأهله لم تدخل فيها امرأته على كلا القولين، وما لا فائدة فيه كالعدم، فيستوي معنى أنه تركها ولم يسر بها أصلاً، وأنه أسرى بها وهلكت مع الهالكين. فمعنى القولين راجع إلى أنها هالكة وليس لها نفع في إسراء لوط بأهله؛ فلا فرق بين كونها بقيت معهم، أو خرجت وأصابها ما أصابهم .. فإذا كان الإسراء مع لوط لم ينجها من العذاب، فهي ومن لم يسر معه سواء، والعلم عند الله تعالی. ٢٥٥ سورة هود: الآيات (٨١ - ٨٣) - وقوله: ﴿فَأَشْرِ بِأَهْلِكَ﴾ قرأه نافع وابن كثير ((فاسر)) بهمزة وصل؛ من سرى يسري، وقرأه جمهور القراء: ﴿فَأَشْرِ بِأَهْلِكَ﴾ بقطع الهمزة، من أسرى الرباعي على وزن أفعل، وسرى وأسرى: لغتان وقراءتان صحيحتان سبعيتان، ومن سرى الثلاثية، قوله تعالى: ﴿وَالَّلِ إِذَا يَسْرِ ﴾﴾﴾ [الفجر]، فإن فتح ياء ((يسري)) يدل على أنه مضارع سرى الثلاثية، وجمع اللغتين قول نابغة ذبيان: أسرت عليه من الجوازء سارية تزجى الشمال عليها جامد البرد فإنه قال: أسرت، رباعية في أشهر روايتي البيت. وقوله: سارية، اسم فاعل سرى الثلاثية، وجمعهما أيضاً قول الآخر: حتى النضيرة ربة الخدر أسرت إليك ولم تكن تسري بفتح تاء ((تسري)) واللغتان كثيرتان جداً في كلام العرب، ومصدر الرباعية الإسراء على القياس، ومصدر الثلاثية السُّرى - بالضم - على وزن فُعَلْ - بضم ففتح - على غير قياس، ومنه قول عبد الله بن رواحة: عند الصباح يحمد القوم السرى وتنجلي عنهم غيابات الكرى قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن موعد إهلاك قوم لوط وقت الصبح من تلك الليلة، وكذلك قال في الحجر في قوله: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْعُوعُ ﴾ [الحجر]، وزاد في الحجر أن صيحة العذاب وقعت عليهم وقت الإشراق، تُصْبِحِينَ ( (يَا﴾ [الحجر]. وهو وقت طلوع الشمس بقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ﴾. اختلف العلماء في المراد بحجارة السجيل اختلافاً كثيراً، والظاهر أنها حجارة من طين في غاية الشدة والقوة. والدليل على أن المراد بالسجيل: الطين. قوله تعالى في الذاريات في القصة بعينها : [الذاريات]، وخير ما يفسر ◌ُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِنَ (نَا﴾ ٣٣ ﴿لِتُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّنْ طِينٍ ( به القرآن: القرآن. والدليل على قوتها وشدتها: أن الله ما عذبهم بها في حالة غضبه عليهم، إلا لأن النكال بها بالغ شديد. وأيضاً فإن بعض العلماء قالوا: السجيل والسجين: أختان، كلاهما الشديد من الحجارة والضرب. ومنه قول ابن مقبل: ٠٠ ضرباً تواصي به الأبطال سجينا ورجلة يضربون البيض ضاحية وعلى هذا، فمعنى من سجيل: أي من طين شديدة القوة. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَمَا هِىَ مِنَ الَِّينَ بِبَعِيدٍ﴾. في هذه الآية الكريمة ثلاثة أوجه من التفسير للعلماء: اثنان منها كلاهما يشهد له القرآن، وواحد يظهر أنه ضعيف. أما الذي يظهر أنه ضعيف فهو أن المعنى: أن تلك الحجارة ليست ببعيدة من قوم لوط؛ أي لم تكن تخطئهم. ٢٥٦ سورة هود: الآية (٨٨). قاله القرطبي وغيره؛ لأن هذا يكفي عنه قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَّرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً ﴾. [الحجر: ٧٤] ونحوها من الآيات، أما الوجهان اللذان يشهد لكل واحد منهما قرآن :.... فالأول منهما: أن ديار قوم لوط ليست ببعيدة من الكفار المكذبين لنبينا؛ فكان عليهم أن يعتبروا بما وقع لأهلها إذا مروا عليها في أسفارهم إلى الشام، ويخافوا أن يوقع الله بهم بسبب تكذيب نبينا محمد مثل ما وقع من العذاب بأولئك، بسبب تكذيبهم لوطاً عليّ، والآيات الدالة على هذا كثيرة جداً؛ كقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَمُونَ عَلَيْهِم ﴿ إِنَّ فِى لِبِسَبِيلِ مَّقِيمٍ [الصافات]، وقوله: مُصْبِحِينٌ (٣٧) وَبِلَيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (َ) ذَلِكَ لَيَّةً لِّلْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الحجر]، وقوله: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَآ ءَايَةُ لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧) (٣٥)﴾ [العنكبوت]، إلى [الذاريات]، وقوله: ﴿وَلَقَد تَّرَكِكْنَا مِنْهَآ ءَايَةٌ بَيْنَةُ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ غير ذلك من الآيات، وعلى هذا القول فالضمير في قوله: ﴿وَمَا هِىَ﴾ راجع إلى ديار قوم لوط المفهومة من المقام. الوجه الثاني: أن المعنى: وما تلك الحجارة التي أمطرت على قوم لوط ببعيد من الظالمين الفاعلين مثل فعلهم، فهو تهديد لمشركي العرب كالذي قبله. ومن الآيات الدالة على هذا الوجه قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيُرُواْ فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَفِرِينَ أَمْثَلُهَا ﴾﴾ [محمد]، فإن قوله: ﴿وَلِلْكَفِنَ أَمْثَلُهَا﴾ ظاهر جداً في ذلك، والآيات بنحو ذلك كثيرة. وللعلماء في عقوبة من ارتكب جريمة اللواط أقوال مبسوطة في الأصل فليرجع إليها من أراد الوقوف عليها . قوله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَدُكُمْ عَنْهُ﴾. ذكر الله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة عن نبيه شعيب - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - أنه أخبر قومه أنه إذا نهاهم عن شيء انتهى هو عنه، وإن فعله لا يخالف قوله. ويفهم من هذه الآية الكريمة أن الإنسان يجب عليه أن يكون منتهياً عما ينهى عنه غيره، مؤتمراً بما يأمر به غيره. وقد بيّن تعالى ذلك في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]، وقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف]. وفي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد هما أن النبي وسلم قال: ((يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار، فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع عليه أهل النار فيقولون: أي فلان! ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنکر؟! فيقول: کنت آمرکم بالمعروف ولا آتیه، وأنهاکم عن المنکر وآتیه)). ومعنى قوله مَ له: ((فتندلق أقتابه))؛ أي تتدلى أمعاؤه. وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبزار وابن المنذر وابن أبي ٢٥٧ سورة هود: الآية (٩١) - حاتم وابن حيان، وأبو نعيم في الحلية، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان وغيرهم عن أنس بنظالله قال: قال رسول الله وَله: (رأيت ليلة أسري بي رجالاً تقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلما قرضت رجعت، فقلت لجبريل: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون)). قاله صاحبٍ (الدر المنثور)، اهـ. وقد قال الشاعر: عار عليك إذا فعلت عظيم : لا تنه عن خلق وتأتي مثله وقد أجاد من قال: وغير تقي يأمر الناش بالتقى طبيب يداوي الناس وهو مريض ومعلوم أن عمل الإنسان بما ينصح به غيره أدعى لقبول غيره منه؛ كما قال الشاعر: فإنك إذا ما تأت ما أنت آمر به تلف من إياه تأمر آتيا قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَشْعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَا تَقُولُ وَإِنَا لَنَرَكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلًا رَهْطُكَ لَرَجَمْتَكٌ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيرٍ ﴾﴾. بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة أن نبيه شعيباً - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - منعه الله من الكفار، وأعز جانبه بسبب العواطف العصبية، والأواصر النسبية من قومه الذين هم الكفار. وهو دليل على أن المتمسك بدينه قد يعينه الله ويعزه بنصرة قريبه الكافر، كما بينه تعالى في مواضع أخر؛ كقوله في صالح وقومه: ﴿قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَتُبِيِّنَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ، مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ ... الآية [النمل: ٤٩]. ففي الآية دليل على أنهم لا قدرة لهم على أن يفعلوا السوء بصالح - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - إلا في حال الخفاء، وأنهم لو فعلوا به ذلك خفاء وسرقة لكانوا يحلفون لأوليائه الذين هم عصبته أنهم ما فعلوا به سوءاً، ولا يشهدوا ذلك ولا حضروه خوفاً من عصبتة؛ فهو عزيز الجانب بسبب عصبته الكفار، وقد قال تعالى لنبينا اليه: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَاوَى ﴾﴾ [الضحى)؛ أي آواك بأن ضمك إلى عمك أبي طالب. وذلك بسبب العواطف العصبية، والأواصر النسبية، ولا صلة له بالدين البتة؛ فكونه - جل وعلا - يمتن على رسوله وَله بإيواء أبي طالب له؛ دليل على أن الله قد ينعم على المتمسك بدينه بنصرة قريبه الكافر. ومن ثمرات تلك العصبية النسبة قول أبي طالب: حتى أوسد في التراب دفينا والله لن يصلوا إليك بجمعهم أبشر بذاك وقر منه عيونا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وقوله أيضاً : ونمنعه حتى نصرع حوله. ونذهل عن أبنائنا والحلائل ٢٥٨ سورة هود: الآية (٩١) ولهذا لما كان نبي الله لوط - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - ليس له عصبة في قومه الذين أرسل إليهم، ظهر فيه أثر عدم العصبة؛ بدليل قوله تعالى عنه: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِ بِكُمْ قُوًّ أَوْ ءَاوِئ ◌ِلَى زُكْنِ شَدِيدٍ ٨٠ وهذه الآيات القرآنية تدل على أن المسلمين قد تنفعهم عصبية إخوانهم الكافرين. ولما ناصر بنو المطلب بن عبد مناف بني هاشم لم يناصرهم بنو عبد شمس بن عبد مناف وبنو نوفل بن عبد مناف؛ عرف النبي ◌َّ لبني المطلب تلك المناصرة التي هي عصبية نسبية لا صلة لها بالدين؛ فأعطاهم من خمس الغنيمة مع بني هاشم، وقال: ((إنا وبني المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام)) ومنع بني عبد شمس وبني نوفل من خمس الغنيمة، مع أن الجميع أولاد عبد مناف بن قصي. وقال أبو طالب في بني عبد شمس وبني نوفل: عقوبة شر عاجل غير آجل جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا له شاهد من نفسه غير عائل بميزان قسط لا يخيس شعيرة بني خلف قيضا بنا والغياطل لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا والغياطل ((بالغين المعجمة)). ومراد أبي طالب بهم: بنو سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي ((القبيلة المشهورة من قبائل قريش)). وإنما سموا الغياطل؛ لأن قيس بن عدي بن سعد بن سهم الذي هو من سادات قريش العظام، وهو الذي يعنيه عبد المطلب بقوله يرقص ابنه عبد الله وهو صغير: في دار سعد ينتدي أهل الندى كأنه في العز قيس بن عدي تزوج امرأة من كنانة تسمى ((الغيطلة)) وهي أم بعض أولاده؛ فسمي بنو سهم الغياطل؛ لأن قيس بن عدي المذكور سيدهم. فهذه الآيات القرآنية تدل على أن الله قد يعين المؤمن بالكافر لتعصبه له، وربما كان لذلك أثر حسن على الإسلام والمسلمين؛ وقد يكون من منن الله على بعض أنبيائه المرسلين - صلوات الله وسلامه عليهم -، وفي الصحيح عنه والر أنه قال: ((إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)) وفي المثل: ((اجتن الثمار وألق الخشبة في النار)). فإذا عرفت دلالة القرآن على أن المسلم قد ينتفع برابطة نسب وعصبية من كافر، فاعلم أن النداء بالروابط العصبة لا يجوز؛ لإجماع المسلمين على أن المسلم لا يجوز له الدعاء بيا لبني فلان ونحوها . وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث جابر عنه أن النبي وّ قال في تلك الدعوة: (دعوها فإنها منتنة)). وقولُه ◌َالر: ((دعوها)) يدل على وجوب تركها؛ لأن صيغة افعل للوجوب، إلا لدليل صارف عنه، وليس هنا دليل صارف عنه، ويؤكد ذلك تعليله الأمر بتركها بأنها منتنة، وما صرح النبي ول# بالأمر بتركه وأنه منتن لا يجوز لأحد ٢٥٩ سورة يوسف: الآية (٤) - تعاطيه، وإنما الواجب على المسلمين النداء برابطة الإسلام التي هي من شدة قوتها تجعل المجتمع الإسلامي كله كأنه جسد إنسان واحد؛ فهي تربطك بأخيك المسلم كربط أعضائك بعضها ببعض، قال : ((إن مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادّهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى)). وإذا تأملت قوله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآذُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوْ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]، تحققت أن الروابط النسبية تتلاشى مع الروابط الإسلامية؛ وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]. ولا يخفى أن أسلافنا معاشر المسلمين إنما فتحوا البلاد ومصرّوا الأمصار بالرابطة الإسلامية، لا بروابط عصبية، ولا بأواصر نسبية. قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى الْجَنَّةِ خَلِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّ مَا شَآءَ﴾. قيّد تعالى خلود أهل الجنة وأهل النار بالمشيئة، فقال في كل منهما: ﴿التَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ﴾، ثم بين عدم الانقطاع في كل منهما، فقال في خلود أهل الجنة: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى الْجَنَّةِ خَلِينَ فِيهَا مَا﴾ [هود: ١٠٨]، ﴿عَطَةٌ غَيْرَ مَجْذُونٍ﴾ [هود: ١٠٨]. وقال في خلود أهل النار: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]. ومعلوم أن ((كلما)) تقتضي التكرار بتكرر الفعل الذي بعدها . وقد أوضحنا هذه المسألة إيضاحاً تاماً في كتابنا ((دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)) في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَنَّكُمْ خَلِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَآءَ اَللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، وفي سورة النبأ في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَِّثِينَ فِيَهَا أَحْقَابًا (٣)﴾ [النبأ]. باسم الرحمن الرحيم سورة يوسف قوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِهِ يَكَأَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبَاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْنُهُمْ لِ سَجِدِينَ ﴾﴾. لم يبين هنا تأويل هذه الرؤيا، ولكنه بينه في هذه السورة الكريمة في قوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَىَ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ ﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّ حَقًّا﴾. ومن المعلوم أن رؤيا الأنبياء وحي. ٢٦٠ سورة يوسف: الآيات (٦ - ٨) قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْنَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ آلْأَحَادِيثِ﴾. بين الله - جل وعلا - أنه علم نبيه يوسف من تأويل الأحاديث، وصرح بذلك أيضاً في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِ﴾. وقوله تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ ءَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّْتَنِ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ . واختلف العلماء في المراد بتأويل الأحاديث. فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المراد بذلك: تعبير الرؤيا، فالأحاديث على هذا القول هي الرؤيا، قالوا: لأنها إما حديث نفس أو ملك أو شيطان. وكان يوسف أعبر الناس للرؤيا، ويدل على هذا الوجه الآيات الدالة على خبرته بتأويل الرؤيا، كقوله: ﴿يَصَحِى السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ، قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾﴾ وقوله: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبَا فَا حَصَدُمْ فَذَرُؤُهُ فِى سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا نَأْكُونَ (@) إلى قوله: ﴿يَعْصِرُونَ﴾. قال بعض العلماء: المراد بتأويل الأحاديث معرفة معاني كتب الله وسنن الأنبياء، وما غمض وما اشتبه على الناس من أغراضها ومقاصدها، يفسرها لهم ويشرحها، ویدلهم على مودعات حكمها . وسميت أحاديث؛ لأنها يحدث بها عن الله ورسله، فيقال: قال الله كذا، وقال رسوله كذا، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَمُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥]. وقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ لَلْحَدِيثِ﴾ ... الآية [الزمر: ٢٣]. ويدل على هذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ, ءَاتَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [يوسف: ٢٢] وقوله: ﴿قَالَ لَا يَأْتِكُمَا طَعَامٌ ثُزَقَانِ: إِلَّا نَْتَكُمَا بِتَأْوِيلِهِ، قَبْلَ أَنْ يَأْنِيَكُمَّأَ ذَلِكُمَا مِمَا عَلَّمَنِى رَبِّ﴾ ... الآية. قال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر أن الآيات المذكورة تشمل ذلك كله: من تأويل الرؤيا، وعلوم كتب الله وسنن الأنبياء، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِنَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةُ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ ﴾﴾. الظاهر أن مراد أولاد يعقوب بهذا الضلال الذي وصفوا به أباهم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - في هذه الآية الكريمة، إنما هو الذهاب عن علم حقيقة الأمر كما ينبغي. ويدل على هذا ورود الضلال بهذا المعنى في القرآن وفي كلام العرب، فمنه بهذا المعنى قوله تعالى عنهم مخاطبين أباهم: ﴿قَالُواْ ثَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَلِكَ الْقَدِيمِ ﴾﴾ وقوله تعالى في نبينا وَله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَاَلًّا فَهَدَى ﴾﴾ [الضحى]، أي لست عالماً بهذه العلوم التي لا تعرف إلا بالوحي، فهداك إليها وعلمك بما أوحى إليك من هذا القرآن العظيم. ومنه بهذا المعنى قول الشاعر: