النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
سورة التوبة: الآيات (٢٣ - ٣٤) -
... ومن أصرح الأدلة في ذلك: حديث طلحة بن عبيد الله وغيره في قصة الأعرابي
أخي بني سعد، من هوازن، وهو ضمام بن ثعلبة، لمَّا أخبره النبي بَّه: بأن الله فرض
عليه الزكاة، وقال: هل عليَّ غيرها، فإن النبي قال له: ((لا، إلا أن تطوع)).
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وقد قدمنا في
((البقرة)) تحقيق أنه ما زاد على الحاجة التي لا بد منها، وقوله: ((ليس فيما دون خمسة
أوسق))، الحديث؛ لأن صدقة نكرة في سياق النفي فهي تعم نفي كل صدقة.
وفي الآية أقوال أخر:
منها: أنها منسوخة بآيات الزكاة؛ كقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَِهِمْ صَدَقَّةٌ تُطَهِّرُهُمْ﴾. وذكر
البخاري هذا القول بالنسخ عن ابن عمر أيضاً. وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعراك بن
مالك، اهـ. وعن علي أنه قال: أربعة آلاف فما دونها نفقة وما كان أكثر من ذلك فهو
كنز، ومذهب أبي ذر ◌ُبه في هذه الآية معروف، وهو أنه يحرم على الإنسان أن يدخر
شيئاً فاضلاً عن نفقة عياله، اهـ. ولا يخفى أن ادخار ما أديت حقوقه الواجبة لا بأس
به، وهو كالضروري عند عامة المسلمين.
فإن قيل: ما الجواب عما رواه الإمام أحمد، عن علي رَب ◌ُنه، قال: مات رجل من
أهل الصفة، وترك دينارين أو درهمين فقال رسول الله وَ له: ((كيَّتان؛ صلوا على صاحبكم))،
اهـ. وما رواه قتادة عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة صدي بن عجلان قال: مات رجل
من أهل الصفة فوجد في مئزره دينار فقال رسول الله وَالر: (كية)) ثم توفي آخر فوجد في
مئزره ديناران فقال رسول الله يقول: ((كيتان)). وما روى عبد الرزاق وغيره عن علي ◌َله، أن
النبي وَ ﴿ قال: ((تبأ للذهب تباً للفضة))، يقولها ثلاثاً، فشق ذلك على أصحاب رسول الله وَ لّ
وقالوا: فأي مال نتخذ؟ فقال عمر ر ◌ُله: أنا أعلم لكم ذلك من رسول الله وَ﴾ فقال: يا
رسول الله؛ إن أصحابك قد شق عليهم وقالوا: فأي المال نتخذ؟ فقال: ((لساناً ذاكراً وقلباً
شاكراً وزوجة تعين أحدكم على دينه)). ونحو ذلك من الأحاديث.
فالجواب - والله تعالى أعلم -: أن هذا التغليظ كان أولاً ثم نسخ بفرض الزكاة
کما ذكره البخاري عن ابن عمر څا.
وقال ابن حجر في (فتح الباري): قال ابن عبد البر: وردت عن أبي ذر آثار كثيرة
تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش؛ فهو
كنز يذم فاعله، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك.
وخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم، وحملوا الوعيد على مانع الزكاة، إلى أن
قال: فكان ذلك واجباً في أول الأمر، ثم نسخ، ثم ذكر عن شداد بن أوس أنه قال:
كان أبو ذر يسمع الحديث من رسول الله 18 فيه الشدة ثم يخرج إلى قومه ثم يرخص
فيه النبي ◌َ له فلا يسمع الرخصة، ويتعلق بالأمر الأول، اهـ.

٢٢٢ -
سورة التوبة: الآيات (٤١ - ٦٤)
وقال بعض العلماء: هي في خصوص أهل الكتاب، بدليل اقترانها مع قوله: ﴿إِنَّ
كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالزُّهْبَانِ﴾ الآية.
فإذا علمت أن التحقيق أن الآية عامة، وأنها في من لا يؤدي الزكاة، فاعلم أن
المراد بها هو المشار إليه في آيات الزكاة؛ وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك،
أن البيان بالقرآن إذا كان غير واف بالمقصود نتمم البيان من السنّة، من حيث إنها بيان
للقرآن المبين به، وآيات الزكاة كقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَفَّةً﴾ ... الآية، وقوله:
﴿وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله: ﴿أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِّنَ
اُلْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، لا تفي بالبيان فنبيِّنه بالسنّة، وقد قال ابن خويز منداد المالكي،
تضمنت هذه الآية: زكاة العين، وهي تجب بأربعة شروط: حرية، وإسلام، وحول،
ونصاب سلیم من الدين، اهـ؛ وفي بعض هذه الشروط خلاف .
قوله تعالى: ﴿أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ الآية.
لا يخفى ما في هذه الآية الكريمة من التشديد في الخروج إلى الجهاد على كل
حال، ولكنه تعالى بين رفع هذا التشديد بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا
عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجُ﴾ [التوبة: ٩١] ... الآية؛ فهي ناسخة لها.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ فُلُوبُهُمْ وَفِىِ
الْرِقَابِ﴾. قال الشافعي، والليث: إن المراد بالرقاب المكاتبون.
وروي نحوه عن أبي موسى الأشعري، والحسن البصري، ومقاتل بن حيان، وعمر بن
عبد العزيز، وسعيد بن جبير، والنخعي، والزهري، وابن زيد. ويدل لهذا القول قوله تعالى
في المكاتبين: ﴿وَءَاتُوُهُم مِّن مَالِ اَللَّهِ الَّذِىّ ◌َاتَنْكُمْ﴾ [النور: ٣٣]، وقال ابن عباس: الرقاب
أعم من المكاتبين، فلا بأس أن تعتق الرقبة من الزكاة. وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق.
قوله تعالى: ﴿وَأَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. صرح تعالى في هذه الآية
الكريمة، بأن من يؤذي رسول الله وهو له العذاب الأليم.
وذكر في ((الأحزاب)) أنه ملعون في الدنيا والآخرة، وأن له العذاب المهين،
وذلك في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَهُمُ اللَّهُ فِ الدُّنْيَا وَالْأَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَمْ عَذَابًا
مُهِينًا ﴾﴾ [الأحزاب].
قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَفِقُونَ أَنْ تَُزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿مَا تَحْذَّرُونَ﴾
صرح في هذه الآية الكريمة بأن المنافقين يحذرون أن ينزل الله سورة تفضحهم
وتبيّن ما تنطوي عليه ضمائرهم من الخبث؛ ثم بيّن أنه مخرج ما كانوا يحذرونه، وذكر
في موضع آخر أنه فاعل ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ أَنْ
لَّنْ يُخْرِجَ اَللَّهُ أَضْغَنَهُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِيِ لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٢٩ - ٣٠]، وبيّن
في موضع آخر شدة خوفهم، وهو قوله: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: ٤].

٢٢٣
سورة التوبة: الآيات (٧٤ - ٨٦) .
قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوْاْ إِلَّ أَنْ أَغْنَدُهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهٍ﴾.
صرح في هذه الآية الكريمة: أن المنافقين ما وجدوا شيئاً ينقمونه؛ أي يعيبونه
وينتقدونه إلا أن الله تفضل عليهم فأغناهم بما فتح على نبيّه وَلفر من الخير والبركة.
والمعنى أنه لا يوجد شيء يحتمل أن يعاب أو ينقم بوجه من الوجوه، والآية
كقوله: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَنْ يُؤْمِنُواْ بِلَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾﴾ [البروج]، وقوله: ﴿وَمَا نَنْقِمُ
مِنَّ إِلَّ أَنْ ءَامَنَّا بِثَايَتِ رَيْنَا لَمَّا جَتْنَا﴾ [الأعراف: ١٢٦]، وقوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِنْ
وِيَكِهِم بِغَيْرٍ حَقٍّ إِلَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللّهُ﴾ [الحج: ٤٠].
ونظير ذلك من كلام العرب؛ قول النابغة الذبياني:
بهن فلول من قراع الكتائب
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
وقول الآخر :
أنهم يضربون إن غضبوا
ما نقموا من أمية إلا
وقول الآخر:
جبان الكلب مهزول الفصيل
فما بك في من عيب فإني
قوله تعالى: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّأْ لَّوْ كَانُواْ يَفْقَهُونَ﴾. ذكر تعالى في هذه الآية
الكريمة شدة حر نار جهنم - أعاذنا الله والمسلمين منها -، وبيّنِ ذلك في مواضع أخر؛
كقوله: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]، وقوله: ﴿كَلَّ إِنَّهَا لَظَى جَ نَزَّاعَةٌ لِلشَّوَى
﴾ [المعارج]، وقوله: ﴿كََّا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]، وقوله:
﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِ بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ٢٥) وَلَمُ مَّقَمِعُ مِنْ حَدِيدٍ
[الحج]، وقوله: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَلْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ﴾ الآية [الكهف:
٢٩]، وقوله: ﴿وَسُقُواْ مَآءً حَمِيمًا فَقَطَعَ أَمْعَلَّمَ هُمْ﴾ [محمد: ١٥]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَأُسْتَقْذَنُوَكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل أَنْ تَّخْرُجُواْ مَعِىَ
أَبَدًا﴾ إلى قوله: ﴿الْخَلِفِينَ﴾. عاقب الله في هذه الآية الكريمة: المتخلفين عن غزوة
تبوك بأنهم لا يؤذن لهم في الخروج مع نبيّه، ولا القتال معه ◌َّ؛ لأن شؤم المخالفة
يؤدي إلى فوات الخير الكثير.
وقد جاء مثل هذا في آيات أخر كقوله: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا أَنَطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِوَ
لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَّعْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلٌ﴾ [الفتح: ١٥]، وقوله:
﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ، أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]، إلى غير ذلك من
الآيات؛ والخالف هو الذي يتخلف عن الرجال في الغزو فيبقى مع النساء والصبيان،
ومنه قول الشنفرى:
يروح ويغدو داهنا يتكحل
ولا خالف دارية متربب
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةً أَنْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَجَِهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اُسْتَقْذَنَكَ أُوْلُواْ الْطَّوَّلِ
مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن مَعَ الْقَعِدِينَ

٢٢٤
سورة التوبة: الآيات (١٠٠ - ١١٤)
ذكر الله تعالى في هذه الآية الكريمة، أنه إذا أنزل سورة فيها الأمر بالإيمان،
والجهاد مع نبيّه ـ*، استأذن الأغنياء من المنافقين في التخلف عن الجهاد مع القدرة
عليه، وطلبوا النبي ◌ّثم أن يتركهم مع القاعدين المتخلفين عن الغزو.
وبيّن في موضع آخر أن هذا ليس من صفات المؤمنين، وأنه من صفات الشاكِّين
الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، وذلك في قوله: ﴿لَا يَسْتَحْذِئُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَلْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَهِدُواْ بِأَقْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُنَّقِينَ ﴿ إِنَّمَا يَسْتَئِذِئُكَ اُلَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِ رَيْبِهِمْ يَرَدَّدُونَ (®﴾، وبين أن
السبيل عليهم بذلك، وأنهم مطبوع على قلوبهم؛ بقوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ
يَسْتَقْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءٌ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَاِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الآية.
. وبيّن في مواضع أخر شدة جزعهم من الخروج إلى الجهاد، كقوله: ﴿فَإِذَا أُنزِلَتْ
سُورَةٌ: تُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ قَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِّ عَلَيْهِ مِنَ
اُلْمَوْنِ﴾ [محمد: ٢]، وقوله: ﴿فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَلَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ
مِنَ الْمَوْتِّ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَاٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنِ رَضِىَ اللَّهُ
عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن الذين اتبعوا السابقين الأولين من
المهاجرين والأنصار بإحسان، أنهم داخلون معهم في رضوان الله تعالى، والوعد بالخلود
في الجنات والفوز العظيم، وبيّن في مواضع أخر، أن الذين اتبعوا السابقين بإحسان
يشاركونهم في الخير، كقوله - جل وعلا -: ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣]،
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَلّمُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيِنَا﴾ [الحشر: ١٠]، وقوله:
﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥].
ولا يخفى أنه تعالى صرح في هذه الآية الكريمة، أنه قد رضي عن السابقين
الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وهو دليل قرآني صريح في
أن من يسبهم ويبغضهم، أنه ضال مخالف لله - جل وعلا - حيث أبغض من رضي الله
عنه؛ ولا شك أن بغض من رضي الله عنه مضادة له - جل وعلا - وتمرد وطغيان.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةُ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ الآية:
صرح في هذه الآية الكريمة أن من الأعراب ومن أهل المدينة منافقين لا يعلمهم
رسول الله ﴾، وذكر تعالى نظير ذلك عن نوح في قوله عنه: ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ.
الآية [الشعراء]، وذكر نظيره عن شعيب - عليهم كلهم صلوات الله
وسلامه - في قوله: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم ◌ُؤْمِنِينٌّ وَمَّ أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
[هود]، اهـ. وقد أطلع الله نبيّه على بعض المنافقين كما تقدم في الآيات الماضية، وقد
أخبر صاحبه حذيفة بن اليمان ها، بشيء من ذلك، كما هو معلوم.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيَمَ لِأَبِهِ إِلَّا عَنْ قَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾

٢٢٥
سورة يونس: الآية (٤).
الآية: لم يبيّن هنا هذه الموعدة التي وعدها إياه، ولكنه بيّنها في سورة ((مريم)) بقوله:
﴿قَالَ سَلَمُ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّ إِنَّهُ كَانَ بِ حَفِيًا (®﴾ [مريم].
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصُ
عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوَفٌ رَحِيمٌ (٣)﴾. هذه الآية الكريمة تدل على أن بعث هذا
الرسول الذي هو من أنفسنا الذي هو متصف بهذه الصفات المشعرة بغاية الكمال، وغاية
شفقته علينا هو أعظم منن الله تعالى، وأجزل نعمه علينا، وقد بيّن ذلك في مواضع أخر؛
كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]،
﴾ [إبراهيم]،
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرَاً وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ
وقوله : ﴿
وقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ (٣)﴾ [الأنبياء]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿عَلَيَّهِ تَوَكَّلْتٌّ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.
أمر تعالى في هذه الآية الكريمة نبيه وَلآ، بالتوكل عليه - جل وعلا -.
ولا شك أنه ممتثل ذلك، فهو سيد المتوكلين عليه صلوات الله وسلامه، والتوكل
على الله تعالى، وهو شأن إخوانه من المرسلين صلوات الله عليهم وسلامه.
كما بيّن تعالى ذلك في آيات أخر، كقوله عن هود عليه وعلى نبيّنا الصلاة
والسلام ﴿قَالَ إِنّ أُشْهِدُ اللَّهَ وَأَشْهَدُوَأْ أَنِى بَرِىٌّ مِّمَا تُشْرِكُونَ ﴿ مِن دُونِهِ، فَكِيدُونِ جَمِيعًا ثُوَّ لَا
نُظِرُونِ ﴿ إِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِ وَرَبِّكُم مَا مِن دَابَةٍ إِلَّ هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَنِهَا إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَطِ
مُسْتَقِيمٍ (63)﴾ [هود]، وقوله تعالى عن نوح: ﴿وَتَلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِ يَقَوْمِ إِن كَانَ
كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِى وَتَذْكِيرِى بِشَايَتِ اللَّهِ فَعَلَى اَللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَحِْعُوْ أَنَكُمْ وَشُرَّكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ
)﴾ [يونس]، وقوله تعالى عن جملة الرسل:
أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَةً ثُمَّ أَقْضُوْاْ إِلَىَ وَلَا نُظِرُونِ ◌َـ
﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَنَا سُبُلَنَّأْ وَلَصَِّرَنَّ عَلَى مَآ ءَاذَيْتُمُونَ﴾ [إبراهيم: ١٢].
ومن أوضح الأدلة على عظم توكل نبينا بَّل على الله، قوله يوم حنين، وهو على
بغلة في ذلك الموقف العظيم :
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
برالله الرحمن الرحيم
سورة يونس
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾ الآية
ذكر في هذه الآية الكريمة: أن الذين كفروا يعذبون يوم القيامة بشرب الحمیم،
وبالعذاب الأليم، والحميم: الماء الحار، وذكر أوصاف هذا الحميم في آيات أخر،

٢٢٦
سورة يونس: الآيات (١٠ - ١٢)
كقوله: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ ﴿)﴾ [الرحمن]، وقوله: ﴿وَسُقُواْ مَآءَ حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمَّعَلَ هُمْ﴾
[محمد: ١٥]، وقوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ أُخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمَّ فَالَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن
ثَارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ﴾ يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِى بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ﴾﴾ [الحج]،
وقوله: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوْ يُغَانُواْ بِمَآءٍ كَاَلْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ﴾ ... الآية [الكهف: ٢٩]، وقوله:
﴿فَشَرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ ﴿ فَشَرِبُونَ شُرْبَ الْحِمِ ﴿٢﴾ [الواقعة].
وذكر في موضع آخر أن الماء الذي يسقون صديد - أعاذنا الله وإخواننا المسلمين
من ذلك بفضله ورحمته -، وذلك في قوله تعالى: ﴿مِّنْ وَرَآَبِهِ، جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن ◌َّءٍ
صَدِيدٍ ﴿ يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيفُهُ﴾ [إبراهيم: ١٧].
وذكر في موضع آخر أنهم يسقون مع الحميم الغساق، كقوله: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ
وَغَسَّاقٌ ﴿ وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَجُ ﴾﴾ [صّ]، وقوله: ﴿لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا
٢٥)﴾ [النبأ]. والغساق: صديد أهل النار - أعاذنا الله والمسلمين منها -
إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَاقًا
وأصله من غسقت العين سال دمعها، وقيل: هو لغة، البارد المنتن، والحميم الآني:
الماء البالغ غاية الحرارة، والمهل: دُرْدِيُّ الزيت أو المذاب من النحاس والرصاص،
ونحو ذلك، والآيات المبينة لأنواع عذاب أهل النار كثيرة جداً ..
قوله تعالى: ﴿وَغَمِيَّئُهُمْ فِيهَا سَلَمْ﴾. ذكر تعالى في هذه الآية أن تحية أهل الجنة
في الجنة سلام، أي يسلم بعضهم على بعض بذلك، ويسلمون على الملائكة، وتسلم
عليهم الملائكة بذلك، وقد بين تعالى هذا في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿يَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ
سَمٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]، وقوله: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَتِهِم مِّن كُلِّ بَابٍ
سَلَمٌ عَلَيْكُمْ
[الرعد: ٢٣، ٢٤]، وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيَهَا لَغْوَا إِلَّا سَلَمًا﴾ [مريم: ٦٢]، وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ
فِيَهَا لَغْوَا وَلَا تَأْتِيمًا (١٥) إِلَّا قِيلًا سَلَمَا سَلَمًا (٣)﴾ [الواقعة]، وقوله: ﴿سَلَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبِّ
[يس]، إلى غير ذلك من الآيات.
زَّحِيمٍ (6).
ومعنى السلام: الدعاء بالسلامة من الآفات.
والتحية مصدر حياك الله بمعنى أطال حياتك.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسََّ الْإِنسَنَ الضُّرُّ دَعَنَا لِجَنْبِهِ، أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَيِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ .
مُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَى ضُرٍ مَّسَّهُ﴾. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الإنسان
في وقت الكرب، يبتهل إلى ربه بالدعاء في جميع أحواله فإذا فرج الله كربه، أعرض
عن ذكر ربه، ونسي ما كان فيه كأنه لم يكن فيه قط.
وبيّن هذا في مواضع أخر كقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَنَ ضُرِّ دَعَا رَبَُّ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا
خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوْاْ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ الآية [الزمر: ٨]، وقوله: ﴿فَإِذَا مَسَّ
اُلْإِنسَنَ ضُرٌ دَعَنَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَهُ نِعْمَةً مِّنَا قَالَ إِنَّمَا أُوِيتُهُ عَلَى عِلَّمَّ﴾ الآية [الزمر: ٤٩]:
وقِوله: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَنِ أَعْرَضَ وَنَا بِجَانِهِ، وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيِضٍ
(٥١)
[فصلت]، والآيات في مثل ذلك كثيرة.

٢٢٧
سورة يونس: الآيات (١٥ - ٢٤) -
إلا أن الله استثنى من هذه الصفات الذميمة عباده المؤمنين، بقوله في سورة هود:
﴿وَلَبِنْ أَذَقْتَهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآَ مَسَتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّتِّئَاتُ عَنِىَّ إِنَّهُ لَفَرِحُ فَخُورُ ﴾) إِلَّا
الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ أُوْلَيْكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾﴾ [هودًا، وقد قال وَّه:
((عجباً للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيراً له، إن أصابته ضراء فصبر كان خيراً
له، وإن أصابته سراء فشكر كان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن)).
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِيّ أَنْ أُبَدِّلَمُ مِن تِلْقَآَى نَفْسِىّ﴾. أمر الله تعالى في هذه
الآية الكريمة نبيه ◌َ ل أن يقول: إنه ما يكون له أن يبدل شيئاً من القرآن من تلقاء نفسه،
ويفهم من قوله: ﴿مِن تِلْقَآَى نَفْسِىّ﴾ ... ، أن الله تعالى يبدل منه ما شاء بما شاء.
وصرح بهذا المفهوم في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَكَانَ ءَايَةٍ وَاللّهُ
أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّدُ﴾ [النحل: ١٠١]، وقوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَاْ﴾
[البقرة: ١٠٦]، وقوله ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلاَ تَنِسَ ﴿ إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ﴾ [الأعلى].
قوله تعالى: ﴿فَقَدْ لَبِئْتُ فِكُمْ عُمُرًا مِن قَبْلِهِ، أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ .
في هذه الآية الكريمة حجة واضحة على كفار مكة؛ لأن النبي وَّ لم يبعث إليهم
رسولاً حتى لبث فيهم عمراً من الزمن، وقدر ذلك أربعون سنة، فعرفوا صدقه، وأمانته،
وعدله، وأنه بعيد كل البعد من أن يكون كاذباً على الله تعالى، وكانوا في الجاهلية
يسمونه الأمين، وقد ألقمهم الله حجراً بهذه الحجة في موضع آخر، وهو قوله: ﴿أَمْ لَمْ
يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكُرُونَ ﴾﴾ [المؤمنون]؛ ولذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا
سفيان، ومن معه عن صفاته وَّ، قال هرقل لأبي سفيان: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل
أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: فقلت: لا، وكان أبو سفيان في ذلك الوقت زعيم
الكفار، ورأس المشركين، ومع ذلك اعترف بالحق، والحق ما شهدت به الأعداء.
فقال له هرقل: فقد أعرف أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب
فيكذب على الله، اهـ، ولذلك وبّخهم الله تعالى بقوله هنا: ﴿أَفَلاَ تَعْفِلُونَ﴾ .
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَآءِ﴾ إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ .
ضرب الله تعالى في هذه الآية الكريمة المثل للدنيا بالنبات الناعم المختلط بعضه
ببعض، وعما قليل ييبس، ويكون حصيداً يابساً كأنه لم يكن قط، وضرب لها أيضاً
المثل المذكور في ((الكهف)) في قوله: ﴿وَأَضْرِبْ لَهُمُ مَّثَلَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْتَهُ مِنَ
السَّمَآءِ﴾، إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُقْنَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥]، وأشار لهذا المثل بقوله
في ((الزمر)): ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَهُ مُصْفَرًا ثُمَّ يَجْعَلُ خُطَمَاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِىِ
الْأَلْبَبِ﴾ [الزمر: ٢١]، وقوله في ((الحديد)): ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَائُهُ ثُمَّ يَبِيجُ فَرَتُهُ
مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمًا﴾ ... الآية [الحديد: ٢٠].
تنبيه: التشبيه في الآيات المذكورة عند البلاغيين من التشبيه المركب؛ لأن وجه

٢٢٨
سورة يونس: الآيتان (٣٠ - ٣١)
الشبه صورة منتزعة من أشياء، وهو كون كل من المشبه والمشبه به يمكث ما شاء الله،
وهو في إقبال وكمال، ثم عمّا قليل يضمحل ويزول، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَخْتُرُهُمْ جَميعًا﴾. ذكر في هذه الآية الكريمة، أنه يوم القيامة
يجمع الناس جميعاً، والآيات بمثل ذلك كثيرة.
وصرح في ((الكهف)) بأن لا يترك منهم أحداً، بقوله: ﴿وَحَثَرْنَهُمْ فَلَمْ تُغَادِّرْ مِنْهُمْ
أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧].
قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ﴾ الآية.
صرح في هذه الآية الكريمة، بأن كل نفس يوم القيامة تبلو، أي تخبر وتعلم ما
أسلفت، أي قدمت من خير وشر، وبين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله: ﴿يُّواْ الْإِنَُ
يَوْمَيٍِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (٣)﴾ [القيامة]، وقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى الَّرَآبُِّ ﴾﴾ [الطارق]، وقوله: ﴿وَتُخْرِجُ
أَقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِبًا
لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبًا يَلْقَنهُ مَنشُورًا.
[الإسراء]، وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ يَوَيْلَنَنَا مَالِ هَذَا اُلْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنهَاً
وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرً﴾ [الكهف: ٤٩].
وأما على قراءة تتلو بتاءين ففي معنى الآية وجهان:
أحدهما: أنها تتلو بمعنى تقرأ في كتاب أعمالها جميع ما قدمت، فيرجع إلى الأولى.
وثانيهما: أن كل أمة تتبع عملها، لقوله ◌َّلة: ((لتتبع كل أمّة ما كانت تعبده؛ فيتبع
من كان يعبد الشمس، الشمس)) ... الحديث.
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَمَن يُخْرِجُ
اُلْحَىَّ مِنَ أَلْمَيْتِ وَيُخْرِجُ﴾ إلى قوله: ﴿فَقُلْ أَفَلَا نََّقُونَ﴾ .
صرح الله تعالى في هذه الآية الكريمة، بأن الكفار يقرّون بأنه - جل وعلا - هو
ربهم الرازق المدبر للأمور المتصرف في ملكه بما يشاء، وهو صريح في اعترافهم
بربوبيته، ومع هذا أشركوا به - جل وعلا -.
والآيات الدالة على أن المشركين مقرون بربوبيته - جل وعلا - ولم ينفعهم ذلك
لإشراكهم معه غيره في حقوقه - جل وعلا - كثيرة، كقوله: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَفَهُمْ
لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وقوله: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْنَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ
اَلْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ﴾﴾ [الزخرف] وقوله: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ()
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩] إلى غير ذلك من الآيات؛
ولذا قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴿6﴾ [يوسف].
والآيات المذكورة صريحة في أن الاعتراف بربوبيته - جل وعلا - لا يكفي في
الدخول في دين الإسلام إلا بتحقيق معنى لا إله إلا الله نفياً وإثباتاً، وقد أوضحناه في
سورة ((الفاتحة)) في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥].

٢٢٩
سورة يونس: الآيات (٣٤ - ٣٧).
: أما تجاهل فرعون لعنه الله لربوبيته - جل وعلا - في قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ
اُلْعَلَمِينَ
(15)﴾ [الشعراء]؛ فإنه تجاهل عارف لأنه عبد مربوب، كما دل عليه قوله تعالى:
﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنْزَلَ هَؤُلَاءٍ إِلَّ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ﴾ الآية [الإسراء: ١٠٢]،
وقوله: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّمْ﴾ [النمل: ١٤].
قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكََّبِكُ مَن يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ .
ألقم الله تعالى المشركين في هذه الآيات حجراً، بأن الشركاء التي يعبدونها من
دونه لا قدرة لها على فعل شيء، وأنه هو وحده - جل وعلا - الذي يبدأ الخلق ثم
يعيده بالإحياء مرة أخرى، وأنه يهدي من يشاء.
وصرح بمثل هذا في آيات كثيرة كقوله: ﴿اللّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِنُكُمْ ثُمَّ
يُحْمِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَّكَئِكُمْ مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّنْ شَىْءٍّ سُبْجَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾﴾
[الروم]، وقوله تعالى: ﴿وَّخَذُواْ مِن دُونِ ءَالِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ
لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَوَةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٣] وقوله: ﴿وَأَيُّهَا النَّاسُ
أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَلٍِ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ﴾ [فاطر: ٣]، وقوله:
﴿أَفَمَّنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَّا يَخْلُقُ﴾ الآية [النحل: ١٧]، وقوله: ﴿أَمْ جَعَلُواْ لِلَِّ شُرَكَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ﴾
[الرعد: ١٦]، وقوله: ﴿قُلْ أَفََّيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ
ضُرِِّةٍ﴾ [الزمر]، وقوله: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ [الملك: ٢١]، وقوله: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَأَبْنَغُواْ عِندَ اللَّهِ اَلْرِّزْقَ﴾ [العنكبوت: ١٧].
والآيات في مثل ذلك كثيرة، ومعلوم أن تسوية ما لا يضر ولا ينفع ولا يقدر على
شيء مع من بيده الخير كله المتصرف بكل ما شاء، لا تصدر إلا ممن لا عقل له، كما
قال تعالى عن أصحاب ذلك: ﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِ أَصْخَبِ السَّعِيرِ
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا اُلْقُرْءَانُ أَنْ يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِىِ بَيْنَ يَدَيْهِ
وَتَفْصِيلَ اَلْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ (®﴾. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة، أن
هذا القرآن لا يكون مفترى من دون الله مكذوباً به عليه، وأنه لا شك في أنه من رب
العالمين - جل وعلا - وأشار إلى أن تصديقه للكتب السماوية المنزلة قبله وتفصيله
للعقائد والحلال والحرام ونحو ذلك، مما لا شك أنه من الله - جل وعلا -؛ دليل على
أنه غير مفترى، وأنه لا ريب في كونه من رب العالمين. وبيّن هذا في مواضع أخر،
كقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِ قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِّ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ
الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْضِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدَى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (®﴾ [يوسف]، وقوله:
﴿وَمَا نََّتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ﴿ وَمَا يَنْبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٣)﴾ [الشعراء]، وقوله: ﴿وَبِالْحَقّ
أَنْزَلْنَهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلْ﴾ [الإسراء: ١٠٥]، والآيات في مثل ذلك كثيرة.
ثم إنه تعالى لما صرح هنا بأن هذا القرآن ما كان أن يفترى على الله، أقام البرهان

٢٣٠ -
سورة يونس: الآيات (٣٩ - ٤٥)
القاطع على أنه من الله، فتحدى جميع الخلق بسورة واحدة مثله، ولا شك أنه لو كان من
جنس كلام الخلق لقدر الخلق على الإتيان بمثله، فلما عجزوا عن ذلك كلهم حصل
اليقين، والعلم الضروري أنه من الله - جل وعلا -، قال - جل وعلا - في هذه السورة:
﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَنَّهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ، وَأَدْعُواْ مَنِ أُسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُمْ صَدِقِينَ
تحداهم أيضاً في سورة ((البقرة)) بسورة واحدة من مثله، بقوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّمَّا
نَزّْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ ﴾ الآية [البقرة: ٢٣]، وتحداهم في ((هود)) بعشر سور مثله
بقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّهُ قُلْ فَأَتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ، مُفْتَرَيَتٍ﴾ ... الآية [هود: ١٣]،
وتحداهم في ((الطور)) به كله بقوله: ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ: إِن كَانُواْ صَدِقِينَ (®﴾ [الطور].
وصرح في سورة ((بني إسرائيل)) بعجز جميع الخلائق عن الإتيان بمثله بقوله: ﴿قُل
لَِّنِ أَجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَآلْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُنَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ
ظَهِيرًا
(د)﴾ [الإسراء]، كما قدمنا، وبيّن أنهم لا يأتون بمثله أيضاً بقوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ
وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ ... الآية [البقرة: ٢٤].
قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَُّواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ، وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُّهُ﴾. التحقيق أن تأويله
هنا، هو حقيقة ما يؤول إليه الأمر يوم القيامة، كما قدمنا في أول ((آل عمران))، ويدل
لصحة هذا قوله في ((الأعراف)): ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَةُ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ فَسُوهُ
مِن قَبْلُ قَدْ جَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ﴾ [الأعراف: ٥٣]، ونظير الآية قوله
تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِ شَكٍ مِّنْ ذِكْرِىٌّ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابٍ﴾ [صّ: ٨].
قوله تعالى: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِ عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُم بَرِيِّئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنْ بَرِىّءٌ مِّمَّا
تَعْمَلُونَ ﴾. أمر الله تعالى نبيه ◌َ ﴿ في هذه الآية الكريمة، أن يظهر البراءة من أعمال
الكفار القبيحة إنكاراً لها، وإظهاراً لوجوب التباعد عنها، وبيّن هذا المعنى في قوله: ﴿قُلْ
يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: ١ -٦]، ونظير ذلك، قول إبراهيم
الخليل - وأتباعه - لقومه: ﴿إِنَّا بُرَءَُّؤْ مِنْكُمْ وَمِنَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [الممتحنة: ٤].
وبيّن تعالى في موضع آخر أن اعتزال الكفار، والأوثان والبراءة منهم؛ من فوائده
تفضل الله تعالى بالذرية الطيبة الصالحة، وهو قوله في ((مريم)): ﴿فَلَمَّا أَعْتَزَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُمْ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٌ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٩ - ٥٠] ..
وقال ابن زيد، وغيره: إن آية: ﴿وَإِن كَذَّبُوَكَ فَقُل لِى عَمَلِىِ﴾ ... الآية، منسوخة
بآيات السيف.
والظاهر أن معناها محكم؛ لأن البراءة إلى الله من عمل السوء لا شك في بقاء مشروعيتها .
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةٌ مِّنَ النَّهَارِ﴾ الآية.
بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة، أن الكفار إذا حشروا استقلوا مدة مكثهم في
دار الدنيا، حتى كأنها قدر ساعة عندهم، وبيّن هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله في

٢٣١
سورة يونس: الآية (٤٥) -
آخر ((الأحقاف)»: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةً مِن نَّهَرٍ بَغْ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا
اُلْقَوْمُ الْفَسِقُونَ﴾ الآية [الأحقاف: ٣٥]، وقوله في آخر «النازعات)» ﴿كَّهُمْ يَوَّمَ يَرَّوْنَهَا لَمْ يَلْبُوَّا
إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ مُحَا ﴾﴾ [النازعات]، وقوله في آخر ((الروم)): ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ
الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ ... الآية [الروم: ٥٥].
وقد بيّنا بإيضاح في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) وجه الجمع بين
هذه الآيات المقتضية أن الدنيا عندهم كساعة، وبين الآيات المقتضية أنها عندهم كأكثر
من ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿يَتَخَفَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (٨)﴾ [طه]، وقوله: ﴿قَالُواْ لَيْنَ
يَوَمَّا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْتَلِ الْعَآدِينَ (٣)﴾ [المؤمنون]؛ فانظره فيه في سورة: ((قد أفلح المؤمنون))
في الكلام على قوله: ﴿قَالُواْ لَيْنَا يَوَمَّا أَوَ بَّضََ يَوْمٍ فَسْشَلِ الْعَآِّينَ
(١١) ﴾ [المؤمنون].
قوله تعالى: ﴿يَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾
صرح في هذه الآية الكريمة أن أهل المحشر يعرف بعضهم بعضاً فيعرف الآباء
الأبناء، كالعكس، ولكنه بين في مواضع أخر أن هذه المعارفة لا أثر لها، فلا يسأل
بعضهم بعضاً شيئاً، كقوله: ﴿وَلَا يَسْتَلُ حَمِيدٌ حَيْمًا ﴿ يُصَرُونَهُمْ﴾ [المعارج: ١٠، ١١]،
وقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِ الصُّورِ فَلَآ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (®]﴾ [المؤمنون].
وقد بيّنا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) أيضاً، وجه الجمع
بين قوله: ﴿فَلَّ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَيِذٍ وَلَا يَتَسَلَّمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، وبين قوله: ﴿وَأَقْبَلَ
بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَلَّلُونَ ﴾﴾ [الصافات]، في سورة: ((قد أفلح المؤمنون))، أيضاً.
قوله تعالى: ﴿قَدْ خَِرَ الَّذِينَ كَذَُّواْ بِقَدِ اللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ .
صرح تعالى في هذه الآية الكريمة: بخسران المكذبين بلقائه، وأنهم لم يكونوا
مهتدين، ولم يبيّن هنا المفعول به لقوله خسر، وذكر في مواضع كثيرة أسباباً من أسباب
الخسران، وبيّن في مواضع أخر المفعول المحذوف هنا، فمن الآيات المماثلة لهذه
الآية، قوله تعالى في ((الأنعام)): ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِقَاءِ اَللَّهِ حَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ
بَغْتَةً قَالُواْ يَحَسْرَثْنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ ... الآية [الأنعام: ٣١]، وقوله تعالى في ((البقرة)):
﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِةٍ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِىِ
الْأَرْضِّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾ [البقرة]، وقوله في ((البقرة)) أيضاً: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ
)﴾ [البقرة]،
اُلْكِتَبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُوْلَكَ يُؤْمِنُونَ بِهُ وَمِنْ يَكْفُرْ بِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْخَبِرُونَ
وقوله في ((الأعراف)): ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهَّ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ
٩٩
[الأعراف]، وقوله في ((الأعراف)) أيضاً: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِىّ وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ
هُمُ الْخَسِرُونَ ﴿٧)﴾ [الأعراف]، وقوله في ((الزمر)): ﴿لَُّّ مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضُِّ وَالَّذِينَ
كَفَرُواْ بِشَايَتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾﴾ [الزمر].
والآيات في مثل هذا كثيرة، وقد أقسم تعالى على أن هذا الخسران لا ينجو منه
إنسان؛ إلا بأربعة أمور :

٢٣٢
سورة يونس: الآية (٤٦)
الأول: الإيمان. الثاني: العمل الصالح.
الثالث: التواصي بالحق. الرابع: التواصي بالصبر.
وذلك في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ ﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ﴾ [العصر: ١، ٢] إلى آخر السورة
الكريمة، وبين في مواضع أخر، أن المفعول المحذوف الواقع عليه الخسران هو
أنفسهم، كقوله في ((الأعراف)): ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُمُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ
بِثَايَئِنَا يَظْلِمُونَ ﴾﴾ [الأعراف]، وقوله في ((المؤمنون)): ﴿وَمَنْ خَقَتْ مَوَزِينُهُمْ فَأُوْلَكَ
الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنفُسَهُمْ فِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٣)﴾ [المؤمنون] وقوله في (هود)): ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ
خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (٣)﴾ [هود).
وزاد في مواضع أخر خسران الأهل مع النفس، كقوله في ((الزمر)): ﴿قُلْ إِنَّ
لْخَسِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَمَةُ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْمُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥]، وقوله
في ((الشورى)): ﴿وَقَالَ الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّ الْخَسِنَ الَّذِينَ خَسِرُوَّأْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَّةُ
أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِ عَذَابٍ مُّقِيمٍ﴾ [الشورى: ٤٥].
وبين في موضع آخر أن خسران الخاسرين قد يشمل الدنيا والآخرة، وهو قوله:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَرُّ الْمَأَنَ بِهِ، وَإِنْ أَصَابَنَّهُ فِئْنَةُ أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ،
خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾﴾ [الحج: ١١].
قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَّكَ بَعْضَ اَلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَوَقَّنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾
بين الله تعالى في هذه الآية الكريمة لنبيه و لو أنه إما أن يريه في حياته بعض ما يعد
الكفار من النكال والانتقام، أو يتوفاه قبل ذلك، فمرجعهم إليه - جل وعلا - لا يفوته شيء
مما يريد أن يفعله بهم لكمال قدرته عليه، ونفوذ مشيئته - جل وعلا - فيهم. وبيّن هذا المعنى
أيضاً في مواضع أخر، كقوله في سورة ((المؤمن)): ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِلُهُمْ أَوْ نَوَفَيَنَّكَ
فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر: ٧٧]، وقوله في ((الزخرف)): ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم ◌ُنْتَقِمُونَ (@) أَوْ
نُرِيَنَّكَ الَّذِى وَعَدْنَهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ ﴾﴾﴾ [الزخرف]، إلى غير ذلك من الآيات.
تنبيه: لم يأت في القرآن العظيم فعل مضارع بعد (إِنْ) الشرطية المدغمة في (ما)
المزيدة لتوكيد الشرط، إلا مقترناً بنون التوكيد الثقيلة، كقوله هنا: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ الآية،
﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ﴾ الآية [الزخرف: ٤١]، ﴿فَإِمَّا نَتْقَفَنَّهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]، ﴿وَإِمَّا تَخَافَكَ مِنْ
الآية [الأنفال: ٥٨].
قَوْمٍ﴾
ولذلك زعم بعض علماء العربية وجوب اقتران المضارع بالنون المذكورة في
الحال المذكورة، والحق أن عدم اقترانه بها جائز، كقول الشاعر:
فإما تريني ولي لمة
فيإن الحوادث أودى بها
وقول الآخر:

٢٣٣
سورة يونس: الآيات (٤٧ - ٥١).
زعمت تماضر أنني إما أمت يسدد أبينوها الأصاغر خلتي
قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُنَّةٍ رَسُولٌ﴾. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أن لكل أمة
رسولاً، وبين هذا في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِ أُمَّةٍ رَّسُولًا﴾ [النحل:
٣٦]، وقوله: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَ فِيَهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، وقوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾
[الزمر: ٢٣] إلى غير ذلك من الآيات، وقد بيّن ◌َ* أن عدد الأمم سبعون أمة في حديث
معاوية بن حيدة القشيري ظُه: ((أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها، وأكرمها على الله))،
وقد بيّنا هذه الآيات في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)، ووجه الجمع
بينها وبين قوله: ﴿لِنُنْذِرَ قَوْمَا مَّ أَنْذِرَ ءَابَآؤُهُمْ﴾ [يس: ٦]، في سورة ((الرعد)) في الكلام
على قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْرٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧].
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾
أوضح الله تعالى معنى هذه الآية الكريمة في سورة ((الزمر)) بقوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ
اَلْأَرْضُ بِنُورِ بَيِهَا وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَجَِْ بِالنَّبِيْنَ وَالشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
﴾ [الزمر].
وَؤُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (
٦٩
قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلُّ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَ يَسْتَشْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ .
صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن لكل أمة أجلاً، وأنه لا يسبق أحد أجله
المحدد له، ولا يتأخر عنه.
وبين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله: ﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَفْخِرُونَ
ـرف
[الحجر]، وقوله: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرٌّ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [نوح: ٤]، وقوله: ﴿وَلّن
يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١]، إلى غير ذلك من الآيات.
٥١
قوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنُ بَِّ ءَالْكَنَ وَقَدْ كُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ
بين تعالى في هذه الآية الكريمة، أن الكفار يطلبون في الدنيا تعجيل العذاب كفراً
وعناداً، فإذا عاينوا العذاب آمنوا، وذلك الإيمان عند معاينة العذاب وحضوره لا يقبل
منهم، وقد أنكر ذلك تعالى عليهم هنا بقوله: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنَثُ بِّهِ﴾، نفى أيضاً
قبول إيمانهم في ذلك الحين بقوله: ﴿ءَالْقَنَ وَقَدْ كُم بِهِ، تَسْتَعْجِلُونَ﴾.
وأوضح هذا المعنى في آيات أخر، كقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءَامَنَّا بِالَّهِ وَحْدَهُ
وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ، مُشْرِكِينَ (
ا فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَتُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَسَّ سُنَّتَ اللَّهِ اَلَّتِى قَدْ خَلَتْ
٨٤
فِى عِبَادِهِ، وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ (٨٥)﴾ [غافر] وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ
لَّ إِلَهَ إِلَّ الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَّهِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿٣ ◌َالْكَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ
اٌلْمُفْسِدِينَ ﴾﴾ [يونس]، وقوله: ﴿وَلَيْسَتِ الثَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حََّ إِذَا حَضَّرَ
أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِ تُبْتُ الْتَنَ﴾ الآية [النساء: ١٨]، إلى غير ذلك من الآيات، واستثنى
الله تعالى قوم يونس دون غيرهم: بقوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَنُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ
لَمََّ ءَامَنُواْ كَشَغْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِرِيِ فِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَهُمْ إِلَى حِينِ (َ)﴾ [يونس: ٩٨].

٢٣٤
سورة يونس: الآيات (٨١ - ٩٩)
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾. ذكر تعالى عن موسى في هذه الآية أنه قال: إن
الله سيبطل سحر سحرة فرعون.
وصرح في مواضع أخر بأن ذلك الذي قال موسى، إنه سيقع، من إبطال الله .
لسحرهم، أنه وقع بالفعل؛ كقوله: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١٦) فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ
وَأَنْقَلَبُواْ صَغِرِينَ (1)﴾ [الأعراف] ونحوها من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَأْنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ مُبَوََّ صِدْقٍ﴾. ذكر تعالى في هذه الآية أنه بوَّأ
بني إسرائيل مُبَوَّأ صدق.
وبين ذلك في آيات أخر كقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ
٥٧
اٌلْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَّتِى بَرَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧]، وقوله: ﴿فَأَخْرَجْنَهُم مِّنْ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ
كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَهَا بَنِىَ إِسْرَِّيلَ (®﴾ [الشعراء]، وقوله: ﴿كَمْ تَرَّكُواْ مِنْ
٥٨
وَكُنُزٍ وَمَقَامِ کریمٍ
[الدخان] إلى قوله: ﴿كَذَلِكٌ وَأَوْرَثْنَهَا قَوْمًا ءَآخَرِينَ
وَزُرُوعِ وَمَقَاءٍ كَرِيمٍ (َ).
جَنَّتٍ وَعُونٍ
[١٨] [الدخان]. ومعنى ﴿بَوَّنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ مُّبَوَّأَ صِدْقٍ﴾: نزلناهم منزلا مرضياً حسناً.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَيِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٨) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ
كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوَّا الْعَذَابَ الْأَلِيَمَ ﴾﴾. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة، أن من
حقت عليه كلمة العذاب، وسبقت له في علم الله الشقاوة لا ينفعه وضوح أدلة الحق،
وذكر هذا المعنى في آيات كثيرة؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِىِ الْآَيَتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا
يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، وقوله: ﴿وَإِن يَرَوْأ ءَايَةً يُعْرِضُواْ﴾ [القمر: ٢]، وقوله ﴿وَمَا تَأْثِيِهِم مِّنْ
ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَتِ رَبِهِمْ إِلَّا كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴾﴾ [الأنعام]، وقوله: ﴿وَكَأَيِّنِ مِّنْ ءَايَةٍ فِي
﴾ [يوسف]، وقوله: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ
اُلَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ
ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]. والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّاَ ءَامَنُوْ كَشَقْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِرِيِ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَّْنَهُمْ
إِلَى حِينٍ﴾. ظاهر هذه الآية الكريمة أن إيمان قوم يونس ما نفعهم إلا في الدنيا دون
الآخرة، لقوله: ﴿كَشَقْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِىِ اٌلْحَيَوْقِ الدُّنَا﴾ .
ويفهم من مفهوم المخالفة في قوله: ﴿فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ أن الآخرة ليست
كذلك، ولكنه تعالى أطلق عليهم اسم الإيمان من غير قيد في سورة ((الصافات))،
والإيمان منقذ من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، كما أنه بين في ((الصافات)) أيضاً كثرة
عددهم وكل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِائَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ﴿ فَامَنُواْ فَمَّعْنَهُمْ
إِلَى حِينٍ (٣)﴾ [الصافات].
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَمَنَ مَن فِ الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًاً﴾ الآية.
صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لو شاء إيمان جميع أهل الأرض لآمنوا
كلهم جميعاً، وهو دليل واضح على أن كفرهم واقع بمشيئته الكونية القدرية. وبيّن ذلك

٢٣٥
سورة يونس: الآيات (٩٩ - ١٠٩)
أيضاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ﴾ [الأنعام: ١٠٧]، وقوله:
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَنَيْنَا كُلَّ نَفْسِ هُدَنهَا﴾ [السجدة: ١٣]، وقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى
اُلْهُدَىَّ﴾ [الأنعام: ٣٥]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة أن من لم يهده الله فلا هادي له، ولا يمكن
أحداً أن يقهر قلبه على الانشراح إلى الإيمان إلا إذا أراد الله به ذلك.
وأوضح ذلك المعنى في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ
اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]، وقوله: ﴿إِن تَحْرِضْ عَلَى هُدَهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ﴾ [النحل:
٤٧]، وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، وقوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَلَا هَادِىَ
[الأعراف: ١٨٦]، والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً كما تقدم، في سورة (النساء)).
والظاهر أنها غير منسوخة، وأن معناها أنه لا يهدي القلوب ويوجهها إلى الخير إلا الله
تعالى، وأظهر دليل على ذلك أن الله أتبعه بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
قوله تعالى: ﴿قُلِ أَنْظُرُواْ مَذَا فِىِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِّ﴾. أمر الله - جل وعلا - جميع
عباده أن ينظروا ماذا خلق في السماوات والأرض من المخلوقات الدالة على عظم
خالقها، وكماله، وجلاله، واستحقاقه لأن يُعبد وحده - جل وعلا -.
وأشار لمثل ذلك بقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَئِنَا فِ الْآَفَاقِ وَفِىِّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ
اُلْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]، ووبخ في سورة ((الأعراف)) من لم يمتثل هذا الأمر وهدده بأنه قد
يعاجله الموت فينقضي أجله قبل أن ينظر فيما أمره الله - جل وعلا - أن ينظر فيه لينبه
بذلك على وجوب المبادرة في امتثال أمر الله - جل وعلا - وذلك في قوله تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اَللَّهُ مِن شَىْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ أَقْنَبَ
ج
◌َجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٥].
تنبيه: آية ((الأعراف)) هذه التي ذكرنا تدل دلالة واضحة على أن الأمر يقتضي
الفور، وهو الذي عليه جمهور الأصوليين، خلافاً لجماعة من الشافعية وغيرهم.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلّينِ﴾. أوضح هذا المعنى في قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ
لِلّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِىِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ... الآية [الروم: ٣٠].
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكٌ﴾ الآية.
أوضح معناه أيضاً بقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوْ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ
إِلَّا وَجْهَهْ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (4)﴾ [القصص].
قوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اَللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ﴾. لم يبيّن هنا ما حكم الله به
بين نبيه وبين أعدائه، وقد بيّن في آيات كثيرة أنه حكم بنصره عليهم، وإظهار دينه على

٢٣٦ -
سورة هود: الآية (١)
كل دين، كقوله: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ ﴾﴾ [النصرا إلى آخر السورة، وقوله:
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا غُبِينًا ﴾ [الفتح] إلى آخرها، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِ الْأَرْضَ نَنَقُصُهَا مِنْ
أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١]، إلى غير ذلك من الآيات.
براس الرحمن الرحيم
سورة هود
قوله تعالى: ﴿الَرِ كِتَبُ أُشْكِمَتْ ءَتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾﴾
اعلم أن العلماء اختلفوا في المراد بالحروف المقطعة في أوائل السور اختلافاً
كثيراً، واستقراء القرآن العظيم يرجح واحداً من تلك الأقوال، وسنذكر الخلاف المذكور
وما يرجحه القرآن منه بالاستقراء فنقول، وبالله - جل وعلا - نستعين:
قال بعض العلماء: هي مما استأثر الله تعالى بعلمه، كما بيناه في ((آل عمران)»
وممن روي عنه هذا القول: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود
وعامر، والشعبي، وسفيان الثوري، والربيع بن خيثم، واختاره أبو حاتم بن حبان.
وقيل: هي أسماء للسور التي افتتحت بها، وممن قال بهذا القول: عبد الرحمن بن
زيد بن أسلم، ويروى ما يدل لهذا القول عن مجاهد، وقتادة، وزيد بن أسلم، قال
الزمخشري في تفسيره: وعليه إطباق الأكثر. ونقل عن سيبويه أنه نص عليه. ويعتضد
هذا القول بما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة: أن رسول الله وسلم كان يقرأ في صلاة
الصبح يوم الجمعة ((ألم)) السجدة، و﴿هَلْ أَقَ عَلَى الْإِنسَنِ﴾ [الإنسان: ١].
ويدل عليه أيضاً قول قاتل محمد السجاد بن طلحة بن عبيد الله ظًا يوم الجمل،
وهو شريح بن أبي أوفى العبسي؛ كما ذكره البخاري في صحيحه في أول سورة المؤمن:
يذكرني حاميم والرمح شاجرٌ.
فهلا تلا حاميم قبل التقدم
وحكى ابن إسحاق أن هذا البيت للأشتر النخعي قائلاً: إنه الذي قتل محمد بن
طلحة المذكور، وذكر أبو مخنف أنه لمدلج بن كعب السعدي، ويقال: كعب بن مدلج.
وذكر الزبير بن بكار أن الأكثر على أن الذي قتله عصام بن مقشعر. قال المرزباني:
وهو الثبت، وأنشد له البيت المذكور. وقبله:
قليل الأذى فيما ترى العين مسلم
وأشعث قوام بآيات ربه
فخر صريعاً لليدين وللفم
هتكت له بالرمح جيب قميصه
علياً ومن لا يتبع الحق يندم
على غير شيء غير أن ليس تابعاً.

٢٣٧
سورة هود: الآية (١)
يذكرني حاميم ... البيت، اهـ من فتح الباري.
فقوله: ((يذكرني حاميم، بإعراب ((حاميم)) إعراب من لا ينصرف))، فيه الدلالة
على ما ذكرنا من أنه اسم للسورة.
وقيل: هي من أسماء الله تعالى. وممن قال بهذا: سالم بن عبد الله، والشعبي،
وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير، وروي معناه عن ابن عباس رضيًا، وعنه
أيضاً: أنها أقسام أقسم الله بها، وهي من أسمائه، وروي نحوه عن عكرمة.
وقيل: هي حروف، كل واحد منها من اسم من أسمائه - جل وعلا -، فالألف
من ﴿الَّمَ ﴾﴾ [البقرة]، مثلاً: مفتاح اسم الله، واللام مفتاح اسمه لطيف، والميم
مفتاح اسمه مجيد، وهكذا. ويروى هذا عن ابن عباس، وابن مسعود، وأبي العالية،
واستدل لهذا القول بأن العرب قد تطلق الحرف الواحد من الكلمة، وتريد به جميع
الكلمة كقول الراجز:
قلت لها قفي فقالت لي قاف لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف
فقوله: ((قاف)) أي وقفت، وقول الآخر:
بالخير خيرات وإن شرّاً فا ولا أريد الشرّ إلا أن تا
يعني: وإن شرًّا فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء، فاكتفى بالفاء والتاء عن بقية الكلمتين.
قال القرطبي: وفي الحديث ((من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة)) الحديث، قال
سفيان: هو أن يقول في اقتل: اق، إلى غير ما ذكرنا من الأقوال في فواتح السور،
وهي نحو ثلاثين قولاً .
أما القول الذي يدل استقراء القرآن على رجحانه فهو: أن الحروف المقطعة
ذكرت في أوائل السور التي ذكرت فيها بياناً لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن
معارضته بمثله مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها. وحكى هذا
القول الرازي في تفسيره عن المبرد، وجمع من المحققين، وحكاه القرطبي عن الفراء
وقطرب، ونصره الزمخشري في (الكشاف).
قال ابن كثير: وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية، وشيخنا
الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية.
ووجه شهادة استقراء القرآن لهذا القول: أن السور التي افتتحت بالحروف
المقطعة يذكر فيها دائماً عقب الحروف المقطعة الانتصار للقرآن وبيان إعجازه، وأنه
الحق الذي لا شك فيه.
وذكر ذلك بعدها دائماً دليل استقرائي على أن الحروف المقطعة قصد بها إظهار
إعجاز القرآن، وأنه حق

٢٣٨ -
سورة هود: الآية (١)
قال تعالى في البقرة: ﴿الَمّ ﴾﴾، وأتبع ذلك بقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبُ
فِيهِ﴾ [البقرة: ١، ٢]، وقال في آل عمران: ﴿الَمّ ﴾﴾، وأتبع ذلك بقوله: ﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ
إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ ٣ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِ﴾ [آل عمران: ١ - ٣]، وقال في الأعراف:
﴿الّصّ ﴾﴾، ثم قال: ﴿كِتَبُ أُزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١ -٢]، وقال في سورة يونس:
﴿الَرَّ﴾، ثم قال: ﴿تِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١]، وقال في هذه السورة الكريمة
التي نحن بصددها - أعني سورة هود - ﴿الَر﴾ ثم قال: ﴿كِتَبُّ أُعْكِمَتْ ءَنُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ
لَّدُنْ حَكِيرٍ خَبِيرٍ﴾، وقال في سورة يوسف ﴿الَرَّ﴾ ثم قال: ﴿تِلْكَ ءَايَتُ اُلْكِتَبِ الْمُبِينِ
إِنَّا أَنزَلْنَهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ١، ٢]، وقال في الرعد: ﴿الَّمَرْ﴾، ثم قال: ﴿تِلْكَ ءَايَتُ
اُلْكِتَبْ وَالَّذِىّ ◌ُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيِكَ الْحَقُّ﴾ [الرعد: ١].
وقال في سورة إبراهيم: ﴿الَرَّ﴾، ثم قال: ﴿كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ لِنُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ
الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١]، وقال في سورة الحجر: ﴿الّرْ﴾، ثم قال: ﴿تِلْكَ ءَايَتُ
الْكِتَبٍ وَقُرْءَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الحجر: ١]، وقال في سورة طه: ﴿طه ﴾﴾، ثم قال: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا
عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى (٣)﴾ [طه]، وقال في سورة الشعراء: ﴿طنّمَ ﴾﴾، ثم قال: ﴿تِلْكَ
﴿ لَعَلَّكَ بَخِعُ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ١ - ٣]، وقال في سورة النمل: ﴿طسَّّ﴾
ءَايَتُ اُلْكِتَبِ الْمُبِينِ
ثم قال: ﴿تِلْكَ ءَايَتُ اَلْقُرْءَانِ وَكِتَابٍ تُبِينٍ﴾ [النمل: ١]، وقال في القصص: ﴿طسّمَ ))
ثم قال: ﴿تِلَّكَ ءَيَتُ اَلْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴿٣ نَتْلُوْ عَلَيْكَ مِن ◌َّبَإٍ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ
يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ [القصص]، وقال في سورة الروم: ﴿الَمّ ﴾﴾ ثم قال: ﴿عُلِبَتِ الرُّومُ ))
فِيّ أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴾﴾ [الروم]، وقال في سورة لقمان: ﴿الَّ
﴿ تِلْكَ ءَايَتُ الْكِنَبِ اَلْحَكِيمِ ﴾﴾ [لقمان] وقال في سورة السجدة: ﴿الّ
T
®﴾ [السجدة]، وقال في
ثم قال: ﴿تَزِلُ اَلْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ
سورة يس: ﴿يَسّ ﴾﴾، ثم قال: ﴿وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ ﴾﴾ [يس]، وقال في سورة صّ:
﴿صَّ﴾ ثم قال: ﴿وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾ [ص: ١]، وقال في سورة المؤمنون: ﴿حم ))
ثم قال: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾﴾ [المؤمنون]، وقال في فصلت: ﴿حمّ
ثم قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٣ كِنَبُ فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
[فصلت]، وقال في سورة الشورى ﴿حمّ جَ عَسَقّ ﴾﴾، ثم قال: ﴿كَذَلِكَ يُوجِىّ
إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ [الشورى: ١ - ٣]، وقال في سورة الزخرف: ﴿حمّ ﴾﴾ ثم
(4)﴾ [الزخرف]، وقال في سورة الدخان: ﴿حمّ ﴾﴾ ثم قال
قال: ﴿وَاُلْكِتَبِ الْمُبِينِ
إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مُبَرَكَةٍ﴾ ... الآية [الدخان: ١ -٣]، وقال في
٠٢٠
﴿وَالْكِتَبِ الْمُِّينِ
سورة الجاثية: ﴿حَمّ ﴾﴾ ثم قال: ﴿تَزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ اَلْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ إِنَّ فِ السَّمَوَتِ
[الجاثية]، وقال في سورة الأحقاف: ﴿حمّ ﴾﴾، ثم قال:
وَاْأَرْضِ لَيَتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اَللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴿ مَا خَقْنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّ بِالْحَقِ﴾
[الأحقاف: ١ - ٣]، وقال في سورة ق: ﴿قَ﴾ ثم قال: ﴿وَأَلْقُرْءَانِ اَلْمَجِيدِ﴾ [ق: ١].

٢٣٩
سورة هود: الآية (٢) -
وقد قدمنا كلام الأصوليين في الاحتجاج بالاستقراء بما أغنى عن إعادته هنا .
وإنما أخرنا الكلام على الحروف المقطعة مع أنه مرت سور مفتتحة بالحروف
المقطعة؛ كالبقرة، وآل عمران، والأعراف، ويونس؛ لأن الحروف المقطعة في القرآن
المكي غالباً، والبقرة، وآل عمران مدنيتان والغالب له الحكم، واخترنا لبيان ذلك سورة
هود؛ لأن دلالتها على المعنى المقصود في غاية الظهور والإيضاح؛ لأن قوله تعالى:
﴿كِتَبُ أُخْكِمَتْ ءَايَتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن ◌َّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ بعد قوله: ﴿الَّرَ﴾ واضح جداً فيما
ذكرنا، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوْاْ إِلَّ اللهَّ إِنَِّى لَكُ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ
هذه الآية الكريمة فيها الدلالة الواضحة على أن الحكمة العظمى التي أنزل القرآن
من أجلها، هي أن يعبد الله - جل وعلا - وحده، ولا يشرك به في عبادته شيء؛ لأن
قوله - جل وعلا -: ﴿كِنَبُّ أُعْكِمَتْ مَثُمُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ ◌َلَا تَعْبُدُواْ إِلَّا
اله﴾ ... الآية، صريح في أن آيات هذا الكتاب فصلت من عند الحكيم الخبير لأجل
أن يعبد الله وحده، سواء قلنا أن ((أنْ)) هي المفسرة، أو أن المصدر المنسبك منها ومن
صلتها مفعول من أجله؛ لأن ضابط ((أن)) المفسرة أن يكون ما قبلها متضمناً معنى
القول، ولا يكون فيه حروف القول.
ووجهه في هذه الآية أن قوله: ﴿أُخْكِمَتْ ءَايَئُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ فيه معنى قول الله تعالى
لذلك الإحكام والتفصيل دون حروف القول، فيكون تفسير ذلك هو: ﴿أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلََّّ اللَّهَ﴾.
وأما على القول بأن المصدر المنسبك من ((أن)) وصلتها مفعول له فالأمر واضح،
فمعنى الآية أن حاصل تفصيل القرآن هو أن يعبد الله تعالى وحده ولا يشرك به شيء،
ونظير هذا المعنى قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَى أَنَّمَا إِلَهُكُمْ
إِلَهُ وَحِدٌّ فَهَلْ أَنْتُم مُّسْلِمُونَ (®﴾ [الأنبياء]، ومعلوم أن لفظة ((إنما)) من صيغ الحصر،
فكأن جميع ما أوحى إليه منحصر في معنى ((لا إله إلا الله)) وقد ذكرنا في كتابنا (دفع
إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)؛ أن حصر الوحي في آية الأنبياء هذه في توحيد
العبادة، حصر له في أصله الأعظم الذي يرجع إليه جميع الفروع؛ لأن شرائع الأنبياء
كلهم داخلة في ضمن معنى ((لا إله إلا الله)) لأن معناها: خلع جميع المعبودات غير الله
- جل وعلا - في جميع أنواع العبادات، وإفراده - جل وعلا - وحده بجميع أنواع
العبادات؛ فيدخل في ذلك جميع الأوامر والنواهي القولية والفعلية والاعتقادية.
والآيات الدالة على أن إرسال الرسل، وإنزال الكتب لأجل أن يعبد الله وحده
كثيرة جداً، كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الَّاغُوتَ﴾
[النحل: ٣٦]، وقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَا
فَاعْبُدُونِ (٥)﴾ [الأنبياء]، وقوله: ﴿وَمْثَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِنْ زُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ
[الزخرف]، إلى غير ذلك من الآيات.
الرَّحْمَنِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ

٢٤٠
سورة هود: الآيات (٣ - ٥)
وقد أشرنا إلى هذا البحث في سورة الفاتحة، وسنستقصي الكلام عليه - إن
شاء الله تعالى - في سورة ((الناس))، لتكون خاتمة هذا الكتاب المبارك حسنى.
قوله تعالى: ﴿وَأَنِ أُسْتَغْفِرُوْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُعَنِّعَكُمْ مَّنَعًا حَسَنَّا إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى﴾ الآية.
هذه الآية الكريمة تدل على أن الاستغفار والتوبة إلى الله تعالى من الذنوب سبب لأن
يمتع الله من فعل ذلك متاعاً حسناً إلى أجل مسمى؛ لأنه رتب ذلك على الاستغفار
والتوبة ترتيب الجزاء على شرطه.
والظاهر أن المراد بالمتاع الحسن: سعة الرزق، ورغد العيش، والعافية في
الدنيا، وأن المراد بالأجل المسمى: الموت، ويدل لذلك قوله تعالى في هذه السورة
الكريمة عن نبيّه هود عليه وعلى نبيّنا الصلاة والسلام: ﴿وَيَقَوْمِ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ قُولُوّا
إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾، وقوله تعالى عن نوح:
وَيُعْدِدَّكُ بِأَقَوَلٍ وَبَينَ
﴿فَقُلْتُ اُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا @
وَيَجْعَل ◌َّكُمْ جَنَّتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَرًّا ﴾ [نوح]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ
أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ
وَأَتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَآِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَهُمْ أَقَامُواْ
التَّوْرَةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرُْلِهِمْ﴾ [المائدة:
٦٦]. وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَمًا ﴾ وَبَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبٌ﴾ [الطلاق: ٢،
٣]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ يَقْتُوُنَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا
يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾﴾. يبين تعالى في هذه الآية الكريمة، أنه لا
يخفى عليه شيء، وأن السر كالعلانية عنده، فهو عالم بما تنطوي عليه الضمائر وما يعلن
وما يسر، والآيات المبينة لهذا كثيرة جداً، كقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ وَنَعْلَمُ مَا نُوَسْوِسُ بِهِ
نَفْسٌُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾﴾ [ق]، وقوله - جل وعلا -: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا
فِىّ أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وقوله: ﴿فَنَقُصَنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَيِّبِينَ
[الأعراف]، وقوله: ﴿وَمَا تَكُنُ فِي شَأْنِ وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا
عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيَةٍ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ زَيِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَآءِ﴾ [يونس:
٦١]، ولا تقلب ورقة من المصحف الكريم إلا وجدت فيها آية بهذا المعنى.
تنبيه مهم: اعلم أن الله - تبارك وتعالى - ما أنزل من السماء إلى الأرض واعظاً
أكبر، ولا زاجراً أعظم مما تضمنته هذه الآيات الكريمة وأمثالها في القرآن، من أنه
تعالى عالم بكل ما يعمله خلقه، رقيب عليهم، ليس بغائب عما يفعلون. وضرب
العلماء لهذا الواعظ الأكبر، والزاجر الأعظم مثلاً ليصير به كالمحسوس، فقالوا: لو
فرضنا أن ملكاً قتالاً للرجال، سفّاكاً للدماء شديد البطش والنكال على من انتهك حرمته