النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ سورة الأعراف: الآيات (١٤٨ - ١٥٨). دلت عليه الآيات المذكورة، وتواترت به الأحاديث الصحاح، وأما في الدنيا فممنوعة شرعاً كما تدل عليه آية ((الأعراف)) هذه، وحديث: ((إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا)) كما أوضحناه في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب .. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اَتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَلِمِينَ﴾. بين في هذه الآية الكريمة سخافة عقول عبدة العجل، ووبخهم على أنهم يعبدون ما لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً، وأوضح هذا في ((طه)) بقوله: ﴿أَفَلاَ يَوْنَ أَلَّا يَّجِعُ إِلَيْهِمْ فَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرَّ وَلَا نَفْعًا (٣)﴾ [طه]، وقد قدمنا في سورة (البقرة)) أن جميع آيات اتخاذهم العجل إلهاً حذف فيها المفعول الثاني في جميع القرآن كما في قوله هنا: ﴿وَأَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ حُلِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ ... الآية، أي اتخذوه إلها، وقد قدمنا أن النكتة في حذفه دائماً: التنبيه: على أنه لا ينبغي التلفظ بأن عجلاً مصطنعاً من جماد إله، وقد أشار تعالى إلى هذا المفعول المحذوف دائماً في ((طه)) بقوله: ﴿فَقَالُواْ هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه: ٨٨]. قوله تعالى: ﴿وَلَّا سُقِطَ فِى أَيَدِيِهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوْ قَالُواْ لَيِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا ١٤٩) ﴾. وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن عبدة العجل اعترفوا بذنبهم، وندموا على ما فعلوا، وصرح في سورة ((البقرة)) بتوبتهم ورضاهم بالقتل وتوبة الله - جل وعلا - عليهم بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِتَخَاذِكُمُ الْعِبْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيِّكُمْ فَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَرِيكُمْ فَابَ عَلَيْكُمَّ إِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾﴾ [البقرة]. قوله تعالى: ﴿وَلَنَّا رَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفًا قَالُ بِنْسَمَا خَلَفْتُنِ مِنْ بَعْدِىٌّ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبَّكُمْ﴾. أوضح الله ما ذكره هنا بقوله في ((طه)»: ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَلَمْ يُعِذْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنَّأْ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدَّتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُ مَّوْعِدِى قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ [طه: ٨٦، ٨٧]. قوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُزُُّ إِلَيْهٍ قَالَ أَبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ لُسْتَضْعَفُونِ﴾ الآية. أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى ما اعتذر به نبي الله هارون لأخيه موسى عما وجهه إليه من اللوم، وأوضحه في ((طه) بقوله: ﴿قَالَ يَبْنَؤُّمَ لَا تَأْخُذْ بِلِحْتِى وَلَا بِرَأْسِّ إِنِّىِ خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيّ إِسْرَّهِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِ (@)﴾ [طه]، وصرح الله تعالى ببراءته بقوله: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَرُونُ مِن قَبْلُ يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمِ بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَأَّعُونِ (@)﴾ [طه]. وَأَطِيعُواْ أَمْرِى ﴿ قَالُواْ لَنْ تََّْحَ عَلَيَِّ ◌َكِفِينَ حَتَّى يَرْجَعَ إِلَيْنَا مُوسَّى قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾. هذه الآية الكريمة فيها التصريح بأنه ولّ رسول إلى جميع الناس، وصرح بذلك في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا كَاَفَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى ٢٠٢ سورة الأعراف: الآيات (١٥٨ - ١٧٣) عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا ﴾﴾ [الفرقان]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَخْزَابِ فَالنَّارُ ج مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧]، وقيد في موضع آخر عموم رسالته ببلوغ هذا القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَأُوْحِىَ إِلَّ هَا الْقُرْءَانُ لِأُنذِرَّكُم بِهِ، وَمَنْ بَغْ﴾ [الأنعام: ١٩]، وصرح بشمول رسالته لأهل الكتاب مع العرب بقوله: ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْأُمِنَ ءَأَسْلَمْتُمَّ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ أَهْتَدَواْ وَإِنْ قَوَلَّأْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ﴾ [آل عمران: ٢٠]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿فَامِنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِّ الْأُمِّيّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِلّهِ وَكَلِمَتِهِ﴾ الآية. لم يبين هنا كثرة كلماته، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر، كقوله: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ نَفَدَ كَلِمَتُ رَبِّ وَلَوْ جِثْنَا بِمِثْلِهِ، مَدَدًّا (َ﴾ [الكهف]، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِى اْأَرْضِ مِن شَجَرَةِ أَقْلَهٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْجُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اَللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧]. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِيثَقُ الْكِتَبِ أَنْ لَّا يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ الآية. هذا الميثاق المذكور يبينه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَمُبِيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًاٌ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (19)﴾ [آل عمران]. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَآدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَلَهُمْ عَّ أَنفُسِهِمْ أَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىُّ شَهِدْنَهُ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غُفِلِينَ (َ ) أَوْ نَقُولُواْ إِنّآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ اٌلْمُبْطِلُونَ في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند العلماء: أحدهما: أن معنى أخذه ذرية بني آدم من ظهورهم: هو إيجاد قرن منهم بعد قرن، وإنشاء قوم بعد آخرين، كما قال تعالى: ﴿كَمَآ أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِيَّةٍ قَوْمٍ ،َآَخَرِنَ﴾ [الأنعام: ١٣٣]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَيْفَ فِىِ الْأَرْضِّ﴾ [فاطر: ٣٩]، وقال: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ﴾ [النمل: ٦٢]، ونحو ذلك من الآيات: وعلى هذا القول، فمعنى قوله: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبَّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ أن إشهادهم على أنفسهم إنما هو بما نصب لهم من الأدلة القاطعة بأنه ربهم المستحق منهم لأن يعبدوه وحده، وعليه، فمعنى ﴿قَالُواْ بَلَى﴾، أي قالوا ذلك بلسان حالهم لظهور الأدلة عليه، ونظيره من إطلاق الشهادة على شهادة لسان الحال قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اللَّهِ شَهِدِينَ عَ أَنْفُسِهِم بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]، أي بلسان حالهم على القول بذلك، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ )﴾ [العاديات] أي بلسان حاله أيضاً على اُلْإِنسَنَ لِرَبٍِّ، لَكُنُودٌ ﴿ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ القول بأن ذلك هو المراد في الآية أيضاً. واحتج من ذهب إلى هذا القول بأن الله - جل وعلا - جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك به - جل وعلا - في قوله: ﴿أَنِ تَقُولُوْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ أَوْ نَقُولُواْ إِنَّا أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ قالوا: فلو كان الإشهاد المذكور الإشهاد عليهم يوم الميثاق، وهم في صورة الذر لما كان حجة عليهم؛ لأنه لا يذكره منهم أحد عند وجوده في الدنيا، وما لا علم للإنسان به لا يكون حجة عليه. ٢٠٣ سورة الأعراف: الآيات (١٥٨ - ١٧٣) - فإن قيل: إخبار الرسل بالميثاق المذكور كاف في ثبوته قلنا: قال ابن كثير في تفسيره: الجواب عن ذلك أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره، وهذا جعل حجة مستقلة عليهم، فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من التوحيد، ولهذا قال: ﴿أَنْ تَقُولُواْ﴾ ... الآية، اهـ منه بلفظه. فإذا علمت هذا الوجه الذي ذكرنا في تفسير الآية، وما استدل عليه قائله به من القرآن، فاعلم أن الوجه الآخر في معنى الآية: أن الله أخرج جميع ذرية آدم من ظهور الآباء في صورة الذر، وأشهدهم على أنفسهم بلسان المقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَى﴾، ثم أرسل بعد ذلك الرسل مذكرة بذلك الميثاق الذي نسيه الكل ولم يولد أحد منهم وهو ذاكر له، وإخبار الرسل به يحصل به اليقين بوجوده. قال مقيده - عفا الله عنه -: هذا الوجه الأخير يدل عليه الكتاب والسنة: أما وجه دلالة القرآن عليه، فهو أن مقتضى القول الأول أن ما أقام الله لهم من البراهين القطعية كخلق السماوات والأرض، وما فيهما من غرائب صنع الله؛ الدالة على أنه الرب المعبود وحده، وما ركز فيهم من الفطرة التي فطرهم عليها تقوم عليهم به الحجة، ولو لم يأتهم نذير، والآيات القرآنية مصرحة بكثرة، بأن الله تعالى لا يعذب أحداً حتى يقيم عليه الحجة بإنذار الرسل، وهو دليل على عدم الاكتفاء بما نصب من الأدلة، وما ركز من الفطرة، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، فإنه قال فيها : حتى نبعث رسولا، ولم يقل حتى نخلق عقولا، وننصب أدلة ونركز فطرة. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُّبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُبَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ... الآية [النساء: ١٦٥]، فصرح بأن الذي تقوم به الحجة على الناس، وينقطع به عذرهم، هو إنذار الرسل، لا نصب الأدلة والخلق على الفطرة. وهذه الحجة التي بعث الرسل لقطعها، بينها في (طه)) بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ، لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَّبِعَ ءَايَئِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى [طه]، وأشار لها في ((القصص)) بقوله: ﴿وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُصِيبَةٌ بِمَا فَدَمَتْ أَيْدِيِهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَتَتَّبِعَ ءَايَئِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (@)﴾ [القصص]، ومن ذلك أنه تعالى صرح بأن جميع أهل النار قطع عذرهم في الدنيا بإنذار الرسل، ولم يكتف في ذلك بنصب الأدلة كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلِّفِىَ فِهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَهَا أَلَمْ يَأْتِّكُمْ نَذِيرٌ ﴿ قَالُواْ بَ قَدْ جَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبَّنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِ ضَلَلِ كَبِيرٍ ﴾﴾ [الملك]، وقوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًّا حَتَّىَ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَُهَا أَلَمَّ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ رَتِكُمْ وَيُنْذِرُونَّكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَلَ وَلَكِنْ حَقَّتْ ﴾ [الزمر]. ومعلوم أن لفظة (كلما) في قوله: ﴿كُلَّمَآ أُلْقِىَ فِيهَا كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى اَلْكَفِرِينَ فَوْجٌ﴾ [الملك: ٨] صيغة عموم، وأن لفظة (الذين) في قوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الزمر: ٧١] صيغة عموم أيضاً؛ لأن الموصول يعم كل ما تشمله صلته. ٢٠٤ سورة الأعراف: الآيات (١٨٠) وأما السنة: فإنه قد دلت أحاديث كثيرة على أن الله أخرج ذرية آدم في صورة الذر فأخذ عليهم الميثاق كما ذكر هنا، وبعضها صحيح. قال القرطبي في تفسير هذه الآية: قال أبو عمر - يعني ابن عبد البر -: لكن معنى هذا الحديث قد صح عن النبي وقلّ من وجوه ثابتة كثيرة من حديث عمر بن الخطاب ظه، وعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وأبي هريرة ﴿ أجمعين وغيرهم، اهـ. محل الحاجة منه بلفظه، وهذا الخلاف الذي ذكرنا، هل يكتفى في الإلزام بالتوحيد بنصب الأدلة، أو لا بد من بعث الرسل لينذروا؟ هو مبنى الخلاف المشهور عند أهل الأصول في أهل الفترة: هل يدخلون النار بكفرهم؟ وحكى القرافي عليه الإجماع، وجزم به النووي في (شرح مسلم). أو يعذرون بالفترة؟ وهو ظاهر الآيات التي ذكرناها، وإلى هذا الخلاف أشار في (مراقي السعود) بقوله: ذو فترة بالفرع لا يراع وفي الأصول بينهم نزاع وقد حققنا هذه المسألة مع مناقشة أدلة الفريقين في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة ((بني إسرائيل)) في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَقََّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ولذلك اختصرناها هنا. قوله تعالى: ﴿فَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾. ضرب الله تعالى المثل لهذا الخسيس الذي آتاه آياته فانسلخ منها بالكلب، ولم تكن حقارة الكلب مانعة من ضربه تعالى المثل به، وكذلك ضرب المثل بالذباب في قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُّ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهِّ وَإِن يَسْلُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنَقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ: (٣)﴾ [الحج]، وكذلك ضرب المثل ببيت العنكبوت في قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُونِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوَهَنَ اٌلْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُونْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ. [العنكبوت]، وكذلك ضرب المثل بالحمار في قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ النَّوْرَنَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوْهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِنْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾﴾ [الجمعة]، وهذه الآيات تدل على أنه تعالى لا يستحي من بيان العلوم النفيسة عن طريق ضرب الأمثال بالأشياء الحقيرة، وقد صرح بهذا المدلول في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَخِىءٍ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]. قوله تعالى: ﴿وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَنْبِهِّ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ . هدد تعالى في هذه الآية الذين يلحدون في أسمائه بتهديدين: الأول: صيغة الأمر في قوله: ﴿وَذَرُواْ﴾ فإنها للتهدید. والثاني: في قوله: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، وهدد الذين يلحدون في آياته في سورة حم ((السجدة)) بأنهم لا يخفون عليه، في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى ءَايَتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَاً﴾ [فصلت: ٤٠]، ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿أَفَنَ يُلْقَى فِ النَّارِ﴾ الآية [فصلت: ٤٠]، ٢٠٥ سورة الأعراف: الآيات (١٨٧ - ١٩٠). وأصل الإلحاد في اللغة: الميل، منه اللحد في القبر، ومعنى إلحادهم في أسمائه هو كاشتقاقهم اسم اللات من اسم الله، واسم العزى من اسم العزيز، واسم مناة من المنان، ونحو ذلك. والعرب تقول: لحد وألحد بمعنى واحد. وعليهما، القراءتان يلحدون بفتح الياء والحاء من الأول، وبضمها وكسر الحاء من الثاني. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّ لَا يَُلِّهَا لِوَقَِاْ إِلَّا هُوْ﴾ ... الآية. هذه الآية الكريمة تدل على أن وقت قيام الساعة لا يعلمه إلا الله - جل وعلا -. وقد جاءت آيات أخر تدل على ذلك أيضاً كقوله تعالى: ﴿يَسْشَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيََّنَ مُرْسَهَا إِلَى رَبِّكَ مُنَهَنَهَا ﴾﴾ [النازعات]، وقوله: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ فِيمَ أَنْتَ مِن ذِكْرَهَا ﴾ ٤٣ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوْ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقد ثبت في الصحيح عنه ◌َّ أنها الخمس المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية [لقمان: ٣٤]. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَأُسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ ... الآية. هذه الآية تدل على أنه ولو لم يكن يعلم من الغيب إلا ما علمه الله، وقد أمره تعالى أن يقول: إنه لا يعلم الغيب، في قوله في ((الأنعام)): ﴿قُل لَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ ... الآية [الأنعام: ٥٠]، وقال: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًّا ﴿ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَسُولٍ﴾ ... الآية [الجن: ٢٦، ٢٧]، وقال: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ... الآية [النمل: ٦٥]، إلى غير ذلك من الآيات. والمراد بالخير من هذه الآية الكريمة، قيل: المال، ويدل على ذلك كثرة ورود ﴾ [العادیات]، الخير بمعنى المال في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (ج) وقوله: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًّا﴾ [البقرة: ١٨٠]، وقوله: ﴿قُلْ مَآ أَنَفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ﴾ ... الآية [البقرة: ٢١٥]، إلى غير ذلك من الآيات. وقيل: المراد بالخير فيها العمل الصالح، كما قاله مجاهد وغيره، والصحيح الأول؛ لأنه * مستكثر جداً من الخير الذي هو العمل الصالح؛ لأن عمله ولو كان ديمة، وفي رواية كان إذا عمل عملاً أثبته. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهًا﴾ ... الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أنه خلق حواء من آدم ليسكن إليها، أي: ليألفها ويطمئن بها، وبين في موضع آخر أنه جعل أزواج ذريته كذلك، وهو قوله: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ: أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجَا لِتَتْكُنُواْ إِلَيْهَا وَحَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةً وَرَحْمَةٌ﴾ [الروم: ٢١]. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ ءَاتَنُهُمَا صَِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَّكَةَ فِيمَآ ءَاتَنُهُمَأْ فَتَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند العلماء، والقرآن يشهد لأحدهما : الأول: أن حواء كانت لا يعيش لها ولد، فحملت، فجاءها الشيطان، فقال لها : ٢٠٦ - : سورة الأعراف: الآيات (٢٠٠ - ٢٠٢) سمي هذا الولد عبد الحارث فإنه يعيش، والحارث من أسماء الشيطان، فسمته عبد الحارث فقال تعالى: ﴿فَلَمَّآ ءَاتَنْهُمَا صَلِحًا﴾ أي ولداً إنساناً ذكراً جعلا له شركاء بتسميته عبد الحارث. وقد جاء بنحو هذا حديث مرفوع، وهو معلول كما أوضحه ابن كثير في تفسيره. الوجه الثاني: أن معنى الآية أنه لما آتى آدم وحواء صالحاً كفر به بعد ذلك كثير من ذريتهما، وأسند فعل الذرية إلى آدم وحواء؛ لأنهما أصل لذريتهما كما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْتَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَلِكُمْ﴾ أي بتصويرنا لأبيكم آدم؛ لأنه أصلهم؛ بدليل قوله بعده: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أُسْجُدُواْ لَِدَمَ﴾، ويدل لهذا الوجه الأخير أنه تعالى قال بعده: ﴿فَتَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣٨) أَيْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١)﴾، وهذا نص قرآني صريح في أن المراد المشركون من بني آدم، لا آدم وحواء. واختار هذا الوجه غير واحد لدلالة القرآن عليه. وممن ذهب إليه الحسن البصري، واختاره ابن كثير - والعلم عند الله تعالى -. قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَمُنْ بِلْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِينَ ﴿ وَإِنَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْعٌ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيهُ ﴾﴾. بين في هذه الآية الكريمة ما ينبغي أن يعامل به الجهلة من شياطين الإنس والجن، فبين أن شيطان الإنس يعامل باللين، وأخذ العفو، والإعراض عن جهله وإساءته. وأن شيطان الجن لا منجى منه إلا بالاستعاذة بالله منه. قال في الأول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِلْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِنَ ﴿)﴾، وقال في (٥)﴾، وبين هذا الثاني: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْعٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيهُ الذي ذكرنا في موضعين آخرين : أحدهما: في سورة (قد أفلح المؤمنون)) قال فيه في شيطان الإنس: ﴿أَدْفَعْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةُ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (@)﴾ [المؤمنون]، وقال في الآخر: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٨)﴾ [المؤمنون]. ٩٧ مِنْ هَمَزَتِ الشَّيَاطِينِ وثانيهما: في حم ((السجدة))، قال فيه في شيطان الإنس: ﴿آدَفَعْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَّةٌ كَأَنَّهُ وَلِىُّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]. وزاد هنا أن ذلك لا يعطاه كل الناس، بل لا يعطيه الله إلا لذي الحظ الكبير والبخت العظيم عنده فقال: ﴿وَمَا يُلَفَّدِهَا ﴾ [فصلت] ثم قال في شيطان الجن: (٣٥) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّهَا إِلَّا ذُو حَظٍ عَظِيمٍ ( ﴿وَإِمَّا يَغْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْعٌ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( (٣) ﴾ [فصلت] . ١٢٠٢ قوله تعالى: ﴿وَإِخْوَنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِ الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ذكر في هذه الآية الكريمة أن إخوان الإنس من الشياطين يمدون الإنس في الغي، ثم لا يقصرون، وبين ذلك أيضاً في مواضع أخر كقوله: ﴿أَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى اَلْكَفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزَّا (٣)﴾ [مريم]، وقوله: ﴿يَمَعْشَرَ اُلْجِنْ قَدِ أُسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِِّ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، وبين في موضع آخر أن بعض الإنس إخوان للشياطين، وهو قوله: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِنَ كَانُواْ إِخْوَنَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧]. ٢٠٧ سورة الأنفال: الآية (١) براسه الرحمن الرحيم سورة الأنفال قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِّ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية. اختلف العلماء في المراد بالأنفال هنا على خمسة أقوال: الأول: أن المراد بها خصوص ما شذ عن الكافرين إلى المؤمنين، وأخذ بغير حرب، كالفرس والبعير يذهب من الكافرين إلى المسلمين، وعلى هذا التفسير، فالمراد بالأنفال هو المسمى عند الفقهاء فيئاً، وهو الآتي بيانه في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَقََّ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]، وممن قال بهذا القول عطاء بن أبي رباح. الثاني: أن المراد بها الخمس، وهو قول مالك. الثالث: أن المراد بها خمس الخمس. الرابع: أنها الغنيمة كلها، وهو قول الجمهور، وممن قال به ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، والضحاك، وقتادة، وعطاء الخراساني، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد. قاله ابن كثير. الخامس: أن المراد بها أنفال السرايا خاصة، وممن قال به الشعبي، ونقله ابن جرير عن علي بن صالح بن حي، والمراد بهذا القول: ما ينفله الإمام لبعض السرايا زيادة على قسمهم مع بقية الجيش، واختار ابن جرير أن المراد بها الزيادة على القسم. قال ابن كثير: ويشهد لذلك ما ورد في سبب نزول الآية، وهو ما رواه الإمام أحمد، حيث قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا أبو إسحاق الشيباني، عن محمد بن عبيد الله الثقفي، عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم بدر، وقتل أخي عمير، قتلت سعيد بن العاص. وأخذت سيفه وكان يسمى ذا الكتيفة، فأتيت به النبي والر فقال: ((اذهب فاطرحه في القبض))، قال: فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي. قال: فما جاوزت إلا يسيراً حتى نزلت سورة الأنفال. فقال رسول الله وَ لجر: ((اذهب فخذ سلبك))، وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن عاصم بن أبي النجود، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن مالك قال: قلت: يا رسول الله قد شفاني الله اليوم من المشركين فهب لي هذا السيف. فقال: ((إن هذا السيف لا لك ولا لي، ضعه)»، قال: فوضعته، ثم رجعت فقلت: عسى أن يعطي هذا السيف من لا يبلي بلائي، قال: ٢٠٨ سورة الأنفال: الآية (١) فإذا رجل يدعوني من ورائي، قال: قلت: قد أنزل الله فيَّ شيئاً. قال: ((كنت سألتني السيف، وليس هو لي وإنه قد وهب لي فهو لك)). قال: وأنزل الله هذه الآية: ﴿يَسْلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْقَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ورواه أبو داوود والترمذي والنسائي من طرق عن أبي بكر بن عياش، وقال الترمذي: حسن صحيح، وهكذا رواه أبو داود الطيالسي: أخبرنا شعبة، أخبرنا سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد قال: نزلت فيَّ أربع آيات من القرآن: أصبت سيفاً يوم بدر فأتيت النبي وَ ل﴿ فقلت: نفلنيه. فقال: (ضعه من حيث أخذته)) - مرتين - ثم عاودته فقال النبي وقال: ((ضعه من حيث أخذته)) فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية، وتمام الحديث في نزول ﴿وَوَضَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنََّا الْخَفُرُ وَالْمَيْسِيرُ﴾ ... الآية [المائدة: ٩٠]، وآية الوصية. وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث شعبة به، وقال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر عن بعض بني ساعدة قال: سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة . يقول: أصبت سيف ابن عائذ يوم بدر، وكان السيف يدعى بالمرزبان، فلما أمر رسول الله ور الناس أن يردوا ما في أيديهم من النفل أقبلت به فألقيته في النفل، وكان رسول الله ﴿ ﴿ لا يمنع شيئاً يسأله، فرآه الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي فسأله رسول الله ﴿ فأعطاه إياه، ورواه ابن جرير من وجه آخر، اهـ. كلام ابن كثير. قال مقيده - عفا الله عنه -: جمهور العلماء على أن الآية نزلت في غنائم بدر لما اختلف الصحابة فيها، فقال بعضهم: نحن هم الذين حُزنا الغنائم، وحويناها فليس لغيرنا فيها نصيب، وقالت المشيخة: إنا كنا لكم ردءاً، ولو هزمتم للجأتم إلينا. فاختصموا إلى النبي ول﴾. وقد روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن عبادة بن الصامت: أنها نزلت في ذلك. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. ورواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وروى نحو ذلك أبو داود والنسائي، وابن حبان والحاكم، وابن جرير، وابن مردويه من طريق عن داود بن أبي هند، عن عكرمة عن ابن عباس. وعلى هذا القول الذي هو قول الجمهور، فالآية مشكلة مع قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّنْ شَىْءٍ﴾ الآية. وأظهر الأقوال التي يزول بها الإشكال في الآية: هو ما ذكره أبو عبيد ونسبه القرطبي في تفسيره لجمهور العلماء أن قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ ... الآية. ناسخ لقوله: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ ... الآية. إلا أن قول أبي عبيد: إن غنائم بدر لم تخمس؛ لأن آية الخمس لم تنزل إلا بعد قسم غنائم بدر، غير صحيح، ويدل على بطلانه ما ثبت في صحيح مسلم من حديث علي بن أبي طالب ظه: ((كان لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان رسول الله # أعطاني شارفاً من الخمس يومئذٍ)) الحديث. فهذا نص صحيح في تخميس غنائم بدر؛ لأن قول علي في هذا الحديث الصحيح ((يومئذٍ)) صريح في أنه يعني يوم بدر كما ترى .. ٢٠٩ سورة الأنفال: الآيات (٢ - ١٩). فالحاصل أن آية ﴿وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّمَا غَنِمْتُم﴾ ... الآية. بينت أنه ليس المراد قصر الغنائم على الرسول المذكور في أول السورة، وأنها تعطى أربعة أخماس منها للغانمين، وقد ذكرنا آنفاً أن أبا عبيد قال: إنها ناسخة لها، ونسبه القرطبي للجمهور، وسيأتي لهذا المبحث زيادة إيضاح إن شاء الله تعالى في الكلام على قوله: ﴿وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ ... الآية قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. في هذه الآية الكريمة التصريح بزيادة الإيمان، وقد صرح تعالى بذلك في مواضع أخر كقوله: ﴿وَإِذَا مَآ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِةٍ إِيمَانًا فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيَنَّا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١)﴾ [التوبة]، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيمَنًا مَعَ إِيمَنِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، وقوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ وَيَزْدَادَ أَلَّذِينَ ءَمَنُواْ إِمَنً﴾ [المدثر: ٣١]. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ أُهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدَّى﴾ [محمد: ١٧]. وتدل هذه الآيات بدلالة الالتزام على أنه ينقص أيضاً؛ لأن كل ما يزيد ينقص، وجاء مصرحاً به في أحاديث الشفاعة الصحيحة كقوله: ((يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال حبة من إيمان)) ونحو ذلك. قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ﴾. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه ألقى النعاس على المؤمنين ليجعل قلوبهم آمنة غير خائفة من عدوها؛ لأن الخائف الفزع لا يغشاه النعاس، وظاهر سياق هذه الآية أن هذا النعاس ألقي عليهم يوم بدر؛ لأن الكلام هنا في وقعة بدر، كما لا يخفى. وذكر في سورة آل عمران أن النعاس غشيهم أيضاً يوم أحد، وذلك في قوله تعالى في وقعة أحد: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةُ نُعَاسًا﴾ ... الآية [آل عمران: ١٥٤]. قوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَفْئِحُواْ فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحٌ﴾ ... الآية. المراد بالفتح هنا في هذه الآية عند جمهور العلماء: الحكم، وذلك أن قريشاً لما أرادوا الخروج إلى غزوة بدر تعلقوا بأستار الكعبة، وزعموا أنهم قطان بيت الله الحرام، وأنهم يسقون الحجيج، ونحو ذلك، وأن محمداً مَ﴿ فرق الجماعة، وقطع الرحم، وسفه الآباء، وعاب الدين، ثم سألوا الله أن يحكم بينهم وبين النبي و ﴿، بأن يهلك الظالم منهم، وينصر المحق. فحكم الله بذلك وأهلكهم، ونصره، وأنزل الآية. ويدل على أن المراد بالفتح هنا الحكم؛ أنه تعالى أتبعه بما يدل على أن الخطاب لكفار مكة، وهو قوله: ﴿وَإِن تَنَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدّ﴾، ويبين ذلك إطلاق الفتح بمعنى الحكم في القرآن في قوله عن شعيب وقومه: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَلْنَا رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَئِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩]؛ أي احكم بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الحاكمين. ويدل على ذلك قوله تعالى عن شعيب في نفس القصة: ﴿وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِنْكُمْ ءَامَنُواْ بِلَّذِىّ أُزْسِلْتُ بِهِ، وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُواْ فَأَصْبِرُواْ حَّى يَحْكُمَ اَللَّهُ بَيْنَنَّأْ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ (®﴾ [الأعراف]، وهذه لغة حمير لأنهم يسمون القاضي فتاحاً والحكومة فتاحة، ومنه قول الشاعر: ٢١٠ سورة الأنفال: الآيتان (٢٨ - ٢٩) ألا أبلغ بني عمرو رسولاً بأني عن فتاحتكم غني أي عن حكومتكم وقضائكم. أما ما ذكره بعض أهل العلم من أن الخطاب في قوله: ﴿إِنَ تَسْتَفْئِحُواْ﴾ للمؤمنين، أي تطلبوا الفتح والنصر من الله، وأن الخطاب في للكافرين، فهو غير ظاهر، كما ترى. ◌َ قوله بعده: ﴿وَإِن تَنَهُوْ فَهُوَ خَيْرٌ قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوَأْ أَنَّمَآ أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أمر تعالى الناس في هذه الآية الكريمة أن يعلموا أن أموالهم وأولادهم فتنة يختبرون بها، هل يكون المال والولد سبباً للوقوع فيما لا يرضي الله؟ وزاد في موضع آخر أن الأزواج فتنة أيضاً، كالمال والولد، فأمر الإنسان بالحذر منهم أن يوقعوه فيما لا يرضي الله. ثم أمره إن اطّلع على ما يكره من أولئك الأعداء الذين هم أقرب الناس له وأخصهم به، وهم الأولاد والأزواج أن يعفو عنهم، ويصفح ولا يؤاخذهم، فيحذر منهم أولاً، ويصفح عنهم إن وقع منهم بعض الشيء، وذلك في قوله في التغابن: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّحِكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ إِنَّمَآ أَقْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَهُ وَاللَّهُ عِندَهُ، أَجْرُ عَظِيمٌ ﴾﴾ [التغابن]. وصرح في موضع آخر بنهي المؤمنين عن أن تلهيهم الأموال والأولاد عن ذكره - جل وعلا - وأن من وقع في ذلك فهو الخاسر المغبون في حظوظه، وهو قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا نُلْهِكُمْ أَقْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ الَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ [المنافقون]، والمراد بالفتنة في الآيات الاختبار والابتلاء، وهو أحد معاني الفتنة في القرآن. قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَبِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ ﴾﴾. قال ابن عباس، والسدي، ومجاهد وعكرمة، والضحاك وقتادة، ومقاتل بن حيان، وغير واحد: فرقاناً: مخرجاً. زاد مجاهد: في الدنيا والآخرة. وفي رواية عن ابن عباس فرقانا: نجاة. وفي رواية عنه: نصراً. وقال محمد بن إسحاق: فرقانا، أي فصلاً بين الحق والباطل، قاله ابن كثير. قال مقيده - عفا الله عنه -: قول الجماعة المذكورة: إن المراد بالفرقان المخرج يشهد له قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ ... الآية [الطلاق: ٢]. والقول بأنه النجاة أو النصر، راجع في المعنى إلى هذا؛ لأن من جعل الله له مخرجاً أنجاه ونصره. لكن الذي يدل القرآن واللغة على صحته في تفسير الآية المذكورة هو قول ابن إسحاق؛ لأن الفرقان مصدر زيدت فيه الألف والنون، وأريد به الوصف أي الفارق بين الحق والباطل، وذلك هو معناه في قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىِ نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ [الفرقان: ١]، أي الكتاب الفارق بين الحق والباطل، وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ الْقُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٤]، وقوله: ﴿وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِثَبَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: ٥٣]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَّيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ اُلْفُرْقَانَ﴾ [الأنبياء: ٤٨]، ويدل على أن المراد بالفرقان هنا: العلم الفارق بين الحق والباطل، قوله ٢١١ سورة الأنفال: الآيات (٣١ - ٣٤) تعالى في الحديد: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ، يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ... الآية [الحديد: ٢٨]. لأن قوله هنا: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] يعني: علماً وهدى تفرقون به بين الحق والباطل، ويدل على أن المراد بالنور هنا الهدى ومعرفة الحق، قوله تعالى فيمن كان كافراً فهداه الله: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْئًا فَأَخْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِى النَّاسِ﴾ الآية [الأنعام: ١٢٢]. فجعل النور المذكور في الحديد: هو معنى الفرقان المذكور في الأنفال كما ترى. وتكفير السيئات والغفران المرتب على تقوى الله في آية الأنفال، كذلك جاء مرتباً أيضاً عليها في آية الحديد، وهو بيان واضح كما ترى. قوله تعالى: ﴿قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾. قد بينا قبل هذا الآيات المصرحة بكذبهم، وتعجيز الله لهم عن الإتيان بمثله، فلا حاجة إلى إعادتها هنا، وقوله هنا في هذه الآية عنهم: ﴿إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ رد الله عليهم كذبهم وافتراءهم هذا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ أَكْتَنَّبَهَا فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ قُلْ أَنَزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ النِزَ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيماً ﴾ [الفرقان] وما أنزله عالم السر في السموات والأرض فهو بعيد جداً من أن يكون أساطير الأولين، وكقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِمُهُ بَشَرٌ لِسَابُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِكُ مُّبِينٌ ﴾﴾ [النحل]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةٌ مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( ذكر هنا في هذه الآية الكريمة ما يدل على أن كفار مكة في غاية الجهل حيث قالوا: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا﴾ ... الآية، ولم يقولوا فاهدنا إليه، وجاء في آيات أخر ما يدل على ذلك أيضاً كقوله عنهم: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّلِ لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (®﴾ [ص]، وقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ ... الآية [الحج: ٤٧]، وقوله: ﴿وَلَيِنْ أَخَرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَ أُنَِّ مَّعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَ مَا يَحْبِسُهُ﴾ [هود: ٨] وذكر عن بعض الأمم السالفة شبه ذلك، كقوله في قوم شعيب: ﴿فَأَسْقِطْ عَيْنَا كِسَفَا مِنَ السَّمَاءِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ [الشعراء]، وقوله عن قوم صالح: ﴿يَصَلِحُ أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧]، وسيأتي لهذا إن شاء الله زيادة إيضاح في سورة ((سأل سائل)). قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوْ أَوْلِيَآءٌَّ إِنْ أَوْ لِيَآؤُهُ إِلَّ الْمُنَّقُونَ﴾. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بنفي ولاية الكفار على المسجد الحرام، وأثبتها لخصوص المتقين، وأوضح هذا المعنى في قوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ الَّهِ شَهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِم بِالْكُفِّْ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ وَفِ النَّارِ هُمْ خَلِدُونَ ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّ اللَّهَ فَعَسَىّ أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٣)﴾ [التوبة]. ٢١٢ - سورة الأنفال: الآيات (٣٥ - ٤١) قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ اُلْبَيْتِ إِلَّا مُكَآءٍ وَتَصْدِيَةٌ﴾ الآية. المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق. قال بعض العلماء: والمقصود عندهم بالصفير والتصفيق التخليط حتى لا يسمع الناس القرآن من النبي وسل*، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَلَغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (®﴾ [فصلت]. قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ, وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَالْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنٍ اُلْسَبِيلِ﴾. ظاهر هذه الآية الكريمة أن كل شيء حواه المسلمون من أموال الكفار فإنه يخمس حسبما نص عليه في الآية، سواء أوجفوا عليه الخيل والركاب أو لا، ولكنه تعالى بين في سورة ((الحشر)) أن ما أفاء الله على رسوله من غير إيجاف المسلمين عليه الخيل والركاب، أنه لا يخمس، ومصارفه التي بين أنه يصرف فيها كمصارف خمس الغنيمة المذكورة هنا، وذلك في قوله تعالى: في فيء بني النضير: ﴿وَمَآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]، ثم بين شمول الحكم لكل ما أفاء الله على رسوله من جميع القرى بقوله: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: ٧]. : اعلم أولاً أن أكثر العلماء فرقوا بين الفيء والغنيمة، فقالوا: الفيء هو ما يسره الله للمسلمين من أموال الكفار من غير انتزاعه منهم بالقهر، كفيء بني النضير الذين نزلوا على حكم النبي ◌ّير ومكنوه من أنفسهم وأموالهم يفعل فيها ما يشاء؛ لشدة الرغب الذي ألقاه الله في قلوبهم، ورضي لهم وط و أن يرتحلوا بما يحملون على الإبل غير السلاح، وأما الغنيمة فهي ما انتزعه المسلمون من الكفار بالغلبة والقهر، وهذا التفريق يفهم من قوله: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم﴾ ... الآية، مع قوله: ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]، فإن قوله تعالى: ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ ... الآية: ظاهر في أنه يراد به بيان الفرق بين ما أوجفوا عليه وما لم يوجفوا عليه كما ترى، والفرق المذكور بين الغنيمة والفيء عقده الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي بقوله: في غزوة بني النضير ما لم يكن أخذ عن قتال وفيئهم والفيء في الأنفال والأخذ عنوة لدى الزحاف أما الغنيمة فعن زحـاف لخير مرسل إلخ. وقوله: وفيئهم مبتدأ خبره لخير مرسل، وقوله: والفيء في الأنفال .. إلخ: كلام اعتراضي بين المبتدأ والخبر بيّن به الفرق بين الغنيمة والفيء. وعلى هذا القول فلا إشكال في الآيات؛ لأن آية ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم﴾ ذكر فيها حكم الغنيمة، وآية ﴿مَّ أَفَآءَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧] ذكر فيها حكم الفيء. وأشير لوجه الفرق بين المسألتين بقوله: ﴿فَمَآ أَوَجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]؛ أي فكيف يكون غنيمة لكم، وأنتم لم تتعبوا فيه ولم تنتزعوه بالقوة من مالكيه. ٢١٣ سورة الأنفال: الآية (٤٥) وقال بعض العلماء: إن الغنيمة والفيء واحد، فجميع ما أخذ من الكفار على أي وجه كان غنيمة وفيئاً، وهذا قول قتادة تَخْفُ وهو المعروف في اللغة، فالعرب تطلق اسم الفيء على الغنيمة، ومنه قول مهلهل بن ربيعة التغلبي: فلا وأبي جليلة ما أفأنا من النعم المؤبل من بعير على الأثباج منهم والنحور ولكنا نهكنا القوم ضرباً يعني: أنهم لم يشتغلوا بسوق الغنائم ولكن بقتل الرجال، فقوله: أفأنا يعني غنمنا، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب :. ٥٠]؛ لأن ظاهر هذه الآية الكريمة شمول ذلك لجميع المسببات ولو كن منتزعات قهراً، ولكن الاصطلاح المشهور عند العلماء هو ما قدمنا من الفرق بينهما، وتدل له آية الحشر المتقدمة، وعلى قول قتادة فآية الحشر مشكلة مع آية الأنفال هذه، ولأجل ذلك الإشكال قال قتادة تَخْفُ تعالى: إن آية ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم﴾ ... الآية، ناسخة لآية ﴿وَمَاً أَقَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ ... الآية [الحشر: ٦]. وهذا القول الذي ذهب إليه تخذتُهُ باطل بلا. شك، ولم يلجئ قتادة تَغْفُ إلى هذا القول إلا دعواه اتحاد الفيء والغنيمة، فلو فرق بينهما كما فعل غيره لعلم أن آية الأنفال في الغنيمة، وآية الحشر في الفيء، ولا إشكال. ووجه بطلان القول المذكور: أن آية ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّنْ شَىْءٍ﴾ ... الآية، نزلت بعد وقعة بدر، قبل قسم غنيمة بدر؛ بدليل حديث علي الثابت في صحيح مسلم، الدال على أن غنائم بدر خمست، وآية التخميس التي شرعه الله بها هي هذه، وأما آية الحشر فهي نازلة في غزوة بني النضير بإطباق العلماء، وغزوة بني النضير بعد غزوة بدر بإجماع المسلمين ولا منازعة فيه البتة، فظهر من هذا عدم صحة قول قتادة - رحمه الله تعالى -. وقد ظهر لك أنه على القول بالفرق بين الغنيمة والفيء لا إشكال في الآيات، وكذلك على قول من يرى أمر الغنائم والفيء راجعاً إلى نظر الإمام، فلا منافاة على قوله بين آية الحشر، وآية التخميس إذا رآه الإمام. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ أمر الله تعالى المؤمنين فى هذه الآية الكريمة بالثبات عند لقاء العدو، ٤٥ وذِكْرِ الله كثيراً، مشيراً إلى أن ذلك سبب للفلاح؛ والأمر بالشيء نهي عن ضده، أو مستلزم للنهي عن ضده، كما علم في الأصول، فتدل الآية الكريمة على النهي عن عدم الثبات أمام الكفار، وقد صرح تعالى بهذا المدلول في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلاَ تُوَلُوهُمُ الْأَذْبَارَ ﴾﴾ إلى قوله: ﴿وَيِشْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال]، وفي الأمر بالإكثار من ذكر الله تعالى في أضيق الأوقات؛ وهو وقت التحام القتال، دليل واضح على أن المسلم ينبغي له الإكثار من ذكر الله على كل حال؛ ولا سيما في وقت الضيق، والمحب الصادق في حبه لا ينسى محبوبه عند نزول الشدائد. ٢١٤ - سورة الأنفال: الآيات (٤٦ - ٤٨) قال عنترة في معلقته: مني وبيض الهند تفطر من دمي : ولقد ذكرتك والرماح نواهل وقال الآخر: وقد نهلت فينا المثقفة السمر ذكرتك والخطى يخطر بيننا تنبيه: قال بعض العلماء: كل ((لعل)) في القرآن فهي للتعليل إلا التي في سورة الشعراء: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَائِعَ لَعَلَّكُمْ تَّخْلُونَ (19)﴾ [الشعراء] فهي بمعنى ((كأنكم تخلدون)). قال مقيده - عفا الله عنه -: لفظة ((لعل)) قد ترد في كلام العرب مراداً بها التعليل، ومنه قوله: نكف ووثقتم لنا كل موثق فقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا كشبه سراب بالملا متألق فلما كففنا الحرب كانت عهودكم فقوله (لعلنا نكف)) يعني ((لأجل أن نكف))، وكونها للتعليل لا ينافي معنى الترجي؛ لأن وجود المعلول يرجى عند وجود علته. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. نهى الله - جل وعلا - المؤمنين في هذه الآية الكريمة عن التنازع، مبيناً أنه سبب الفشل، وذهاب القوة، ونهى عن الفرقة أيضاً في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، ونحوها من الآيات، وقوله في هذه الآية: ﴿وَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي قوتكم. وقال بعض العلماء: نَصْرَكُمْ؛ كما تقول العرب: الريح لفلان إذا كان غالباً، ومنه قوله: فإن لكل عاصفة سكون إذا هبت رياحك فاغتنمها واسم ((إن)) ضمير الشأن. وقال صاحب الكشاف: الريح الدولة، شبهت في نفوذ أمرها، وتمشيه بالريح في هبوبها، فقيل: هبت رياح فلان، إذا دالت له الدولة، ونفذ أمره، ومنه قوله: يا صاحبي ألا لا حي بالوادي أتنظران قليلاً ريث غفلتهم إلا عبيد قعود بين أذوادي أم تعدوان فإن الريح للعادي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّ بَرِىٌّ مِّنْكُمْ﴾. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الشيطان غرَّ الكفار، وخدعهم، وقال لهم: لا غالب لكم وأنا جار لكم. وذكر المفسرون: أنه تمثل لهم في صورة ((سراقة بن مالك بن جعشم)) سيد بني مدلج بن بكر بن كنانة، وقال لهم ما ذكر الله عنه، وأنه مجيرهم من بني كنانة، وكانت بينهم عداوة، ﴿فَلَمَّا تَرَآءَتِ اُلْفِتَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، عندما رأى الملائكة وقال لهم: ﴿إِى بَرِىٌّ مِّنكُمْ إِّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾، فكان حاصل أمره أنه غرهم، وخدعهم حتى أوردهم الهلاك، ثم تبرأ منهم. ٢١٥ سورة الأنفال: الآيات (٥٣ - ٦٤). وهذه هي عادة الشيطان مع الإنسان كما بينه تعالى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿كَمَثَلٍ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَنِ أَكْفُرْ فَلَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّ بَرِىٌّ مِنْكَ﴾ الآية [الحشر: ٥٩]. وقوله: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَنُ لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدَّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّ كَفَرْتُ بِنَّا أَشْرَكْتُونِ مِن قَبْلٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. وكقوله: ﴿بَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيِهِمٌّ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٣)﴾ [النساء]، وقد قال حسان بن ثابت څته: لو يعلمون يقين الأمر ما ساروا سرنا وساروا إلى بدر لحينهم إن الخبيث لمن ولاه غرار دلاهم بغرور ثم أسلمهم قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمٌ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴾﴾. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب ارتكبه؛ وأوضح هذا المعنى في آيات أخر، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِرُ مَا بِقَوْمٍ حَّى يُغَيِرُواْ مَا يَنْفُسِهِمُّ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُمْ وَمَا لَهُم مِّن دُونِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١]، وقوله: ﴿وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن ◌ُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ (®َ)﴾ [الشورى]، وقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكٌ﴾ [النساء: ٧٩]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ أَتَبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قال بعض العلماء: إن قوله: ﴿وَمَنِ أَتَّعَكَ﴾ في محل رفع بالعطف على اسم الجلالة، أي حسبك الله، وحسبك أيضاً من اتبعك من المؤمنين. وممن قال بهذا الحسن، واختاره النحاس وغيره، كما نقله القرطبي، وقال بعض العلماء: هو في محل خفض بالعطف على الضمير الذي هو الكاف في قوله: ﴿حَسْبُكَ﴾ وعليه، فالمعنى: حسبك الله أي كافيك وكافي من اتبعك من المؤمنين، وبهذا قال الشعبي، وابن زيد وغيرهما، وصدر به صاحب الكشاف، واقتصر علیه ابن كثير وغيره، والآيات القرآنية تدل على تعيين الوجه الأخير، وأن المعنى كافيك الله، وكافي من اتبعك من المؤمنين؛ لدلالة الاستقراء في القرآن على أن الحسب والكفاية لله وحده، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَآ ءَاتَنْهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ إِنَّآ إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ ﴾﴾ [التوبة]، فجعل الإيتاء لله ورسوله، كما قال: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، وجعل الحسب له وحده، فلم يقل: وقالوا حسبنا الله ورسوله، بل جعل الحسب مختصاً به وقال: ﴿أَلَتِسَ اَللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ؟﴾ [الزمر: ٣٦] فخص الكفاية التي هي الحسب به وحده، وتمدح تعالى بذلك في قوله: ﴿وَمَن يَنَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِن يُرِيدُواْ أَنْ يَخْدَعُوَكَ فَإِنَ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِىّ أَيََّكَ بِنَصْرِهِ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ (﴾﴾، ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده. وقد أثنى سبحانه وتعالى على أهل التوحيد والتوكل من عباده حيث أفردوه ٢١٦ - سورة الأنفال: الآية (٧٥) بالحسب، فقال تعالى: ﴿ الَِّينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (٣)﴾ [آل عمران]، وقال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ﴾ الآية [التوبة: ١٢٩]، إلى غير ذلك من الآيات، فإن قيل: هذا الوجه الذي دل عليه القرآن، فيه أن العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض، ضعفه غير واحد من علماء العربية، قال ابن مالك فى (الخلاصة) :. ضمير خفض لازماً قد جعلا وعود خافض لدى عطف على فالجواب من أربعة أوجه : الأول: أن جماعة من علماء العربية صححوا جواز العطف من غير إعادة الخافض، قال ابن مالك في (الخلاصة): وليس عندي لازماً إذ قد أتى في النظم والنثر الصحيح مثبتاً وقد قدمنا في ((سورة النساء» في الكلام على قوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِى اُلْكِتَبِ﴾ [النساء: ١٢٧] شواهده العربية، ودلالة قراءة حمزة عليه، في قوله تعالى: ﴿وَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَلَمَلُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَمُ﴾ [النساء: ١]. الوجه الثاني: أنه من العطف على المحل؛ لأن الكاف مخفوض في محل نصب، إذ معنى ﴿حَسْبَكَ﴾ يكفيك، قال في (الخلاصة): وجر ما يتبع ما جر ومن راعى في الاتباع المحل فحسن الوجه الثالث: نصبه بكونه مفعولاً معه، على تقدير ضعف وجه العطف، كما قال في (الخلاصة): والعطف إن يمكن بلا ضعف أحق والنصب مختار لدى ضعف النسق الوجه الرابع: أن يكون ﴿وَمَنْ﴾ مبتدأ خبره محذوف، أي ﴿وَمَّنِ أَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فحسبهم الله أيضاً، فيكون من عطف الجملة، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ ٧٥ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضِ فِي كِتَبِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ لم يعين تعالى في هذه الآية الكريمة المراد بأولي الأرحام؛ واختلف العلماء في هذه الآية، هل جاء في القرآن ما يبين المراد منها أو لا؛ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها بينتها آيات المواريث؛ كما قدمنا نظيره في قوله: ﴿لِلْرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَلِدَانِ وَاْلْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧]. ومن أراد الزيادة فليرجع إلى الأصل. ٢١٧ سورة التوبة راس الرحمن الرحيم سورة التوبة ٢٢: اعلم أولاً أن الصحابة ﴿ه لم يكتبوا سطر ﴿إِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحْمِ﴾ فى سورة ((براءة» هذه في المصاحف العثمانية، واختلف العلماء في سبب سقوط البسملة منها على أقوال: منها: أن البسملة رحمة وأمان، و(«براءة» نزلت بالسيف؛ فليس فيها أمان، وهذا القول مروي عن علي نظره، وسفيان بن عيينة. ومنها: أن ذلك على عادةً العرب إذا كتبوا كتاباً فيه نقض عهد، أسقطوا منه البسملة، فلما أرسل النبي ◌ّ علياً رَّبه ليقرأها عليهم في الموسم؛ قرأها، ولم يبسمل على عادة العرب في شأن نقض العهد. نقل هذا القول بعض أهل العلم، ولا يخفى ضعفه. ومنها: أن الصحابة لما اختلفوا هل ((براءة)) و((الأنفال)) سورة واحدة أو سورتان؛ تركوا بينهما فرجة؛ لقول من قال: إنهما سورتان، وتركوا البسملة؛ لقول من قال: هما سورة واحدة، فرضي الفريقان وثبتت حجتاهما في المصحف. ومنها: أن سورة ((براءة)) نسخ أولها فسقطت معه البسملة. وهذا القول رواه ابن وهب، وابن القاسم، وابن عبد الحكم، عن مالك، كما نقله القرطبي. وعن ابن عجلان، وسعيد بن جبير، أنها كانت تعدل سورة ((البقرة))، وقال القرطبي: والصحيح أن البسملة لم تكتب في هذه السورة؛ لأن جبريل لم ينزل بها، فيها. قاله القشيري، اهـ. قال مقيده - عفا الله عنه -: أظهر الأقوال عندي في هذه المسألة؛ أن سبب سقوط البسملة في هذه السورة؛ هو ما قاله عثمان راته لابن عباس. فقد أخرج النسائي، والترمذي، وأبو داود، والإمام أحمد، وابن حبان في (صحيحه)، والحاكم في (المستدرك) وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، عن ابن عباس ﴿ًا قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال ـ وهي من المثاني -، وإلى براءة - وهي من المائين - فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ووضعتموهما في السبع الطول، فما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان له: إن رسول الله و *، كان إذا أنزل عليه شيء يدعو بعض من ٢١٨. سورة التوبة: الآيتان (١ - ٢) يكتب عنده، فيقول: ضعوا هذا في السورة التي فيها كذا وكذا، وتنزل عليه الآيات فيقول: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت ((الأنفال)) من أوائل ما أنزل بالمدينة، و((براءة)) من آخر ما أنزل من القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، وقبض رسول الله وَلر، ولم يبين لنا أنها منها، فظننت أنها منها، فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ووضعتها في السبع الطول، اهـ. تنبيهان : الأول: يؤخذ من هذا الحديث أن ترتيب آيات القرآن بتوقيف من النبي وَلّ، وهو كذلك بلا شك، كما يفهم منه أيضاً: أن ترتيب سوره بتوقيف أيضاً فيما عدا سورة ((براءة))، وهو أظهر الأقوال، ودلالة الحديث عليه ظاهرة. الثاني: قال أبو بكر بن العربي المالكي - رحمه الله تعالى -: في هذا الحديث دليل على أن القياس أصل في الدين. ألا ترى إلى عثمان وأعيان الصحابة كيف لجأوا إلى قياس الشبه عند عدم النص، ورأوا أن قصة ((براءة)) شبيهة بقصة ((الأنفال)) فألحقوها بها، فإذا كان القياس يدخل في تأليف القرآن، فما ظنك بسائر الأحكام. قوله تعالى: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾. ظاهر هذه الآية الكريمة العموم في جميع الكفار المعاهدين، وأنه بعد انقضاء أشهر الإمهال الأربعة المذكورة في قوله: ﴿فَسِيحُواْ فِى الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ لا عهد لكافر. وفي هذا اختلاف كثير بين العلماء، والذي يبينه القرآن، ويشهد له من تلك الأقوال، هو أن محل ذلك إنما هو في أصحاب العهود المطلقة غير الموقتة بوقت معين، أو من كانت مدة عهده الموقت أقل من أربعة أشهر، فتكمل له أربع أشهر، أما أصحاب العهود الموقتة الباقي من مدتها أكثر من أربعة أشهر، فإنه يجب لهم إتمام مدتهم، ودليله المبيّن له من القرآن؛ هو قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوَكُمْ شَيِّئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَتِقُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مَُّّتِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ ﴾﴾ وهو اختيار ابن جرير، وروي عن الكلبي، ومحمد بن كعب القرظي، وغير واحد، قاله ابن كثير. ويؤيده حديث علي ظُه أن النبي وَل، بعثه حين أنزلت («براءة)» بأربع: ألَّا يطوف بالبيت عريان. ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامهم هذا. ومن كان بينه وبين رسول الله صَ لّ عهد فهو إلى مدته. ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة. قوله تعالى: ﴿فَسِيحُواْ فِى الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ ... الآية. قال بعض العلماء: كان ابتداء التأجيل بالأشهر الأربعة المذكورة من شوال؛ ٢١٩ سورة التوبة: الآيتان (٤ - ٥) - وآخره سلخ المحرم، وبه قال الزهري - رحمه الله تعالى - ولكن القرآن يدل على أن ابتداءها من يوم النحر على الأصح من أنه يوم الحج الأكبر، أو يوم عرفة على القول بأنه هو يوم الحج الأكبر، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَذَنٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجْ الْأَكْبَرِ﴾ ... الآية. وهو صريح في أن ابتداء الإعلام المذكور من يوم الحج الأكبر، وهو يوم النحر، ولا يخفى انتهاؤها في العشر من ربيع الثاني. قال ابن كثير : - في تفسير هذه الآية - وقال الزهري: كان ابتداء التأجيل من شوال، وآخره سلخ المحرم، وهذا القول غريب، وكيف يحاسبون بمدة لم يبلغهم حكمها، وإنما ظهر لهم أمرها يوم النحر، حين نادى أصحاب رسول الله صل* بذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَذَنٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْتَرِ﴾. قوله تعالى: ﴿إِلَّ الَّذِينَ عَهَدِثُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوَكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُلَّتِهِمْ ﴾ يفهم من مفهوم مخالفة هذه الآية: أن المشركين إذا نقضوا العهد جاز قتالهم، ونظير ذلك أيضاً، قوله تعالى: ﴿فَمَا أُسْتَقَدّمُواْ لَكُمْ فَأَسْتَقِيمُواْ لَهُمْ﴾ وهذا المفهوم في الآيتين صرح به - جل وعلا - في قوله: ﴿وَإِن تَكَثُواْ أَيْمَنَهُم مِّنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِىِ دِينِكُمْ فَقَئِلُواْ أَبِغَّةَ الْكُفْرِّ إِنَّهُمْ لَ أَيْمَنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ الْحُرُ﴾ ... الآية. اختلف العلماء في المراد بالأشهر الحرم. فقال ابن جرير: إنها المذكورة في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ اُلْغَيِّمَّ فَلَا تَظْلِمُواْ فِهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ قاله أبو جعفر الباقر. ولكن قال ابن جرير: آخر الأشهر الحرم في حقهم المحرّم، وحكى نحو قوله هذا علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وإليه ذهب الضحاك. ولكن السياق يدل على أن المراد بها أشهر الإمهال المذكورة في قوله: ﴿فَسِيحُواْ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ . قال ابن كثير، في تفسير هذه الآية: والذي يظهر من حيث السياق، ما ذهب إليه ابن عباس، في رواية العوفي عنه، وبه قال مجاهد، وعمرو بن شعيب، ومحمد بن إسحاق، وقتادة، والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن المراد بها، الأشهر الأربعة المنصوص عليها بقوله: ﴿فَسِيحُواْ فِ الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ ثم قال: ﴿فَإِذَا اُنسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ أي: إذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرمنا عليكم قتالهم فيها، وأجلناهم فيها، فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم؛ لأن عود العهد على مذكور أولى من مقدر، مع أن الأشهر الأربعة المحرمة سيأتي بيان حكمها في آية أخرى، اهـ. قوله تعالى: ﴿وَهَقُواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن كفار مكة هموا بإخراجه وث من مكة، وصرح في مواضع أخر بأنهم أخرجوه بالفعل، ٢٢٠ - سورة التوبة: الآيات (٢٣ - ٣٤) كقوله: ﴿يُخْرِيُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الممتحنة: ١]، وقوله: ﴿وَكَأَيْنِ مِّن قَرْبَةٍ هِىَ أَشَدُ قُوَّةً مِّن قَرْيَئِكَ الَّتِىَ أَخْرَجَنْكَ﴾ [محمد: ١٣]، وقوله: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، وذكر في مواضع أخر: محاولتهم لإخراجه قبل أن يخرجوه، كقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوَكَ أَوْ يُخْرِجُوَكٌ﴾ [الأنفال: ٣٠]، وقوله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ [الإسراء: ٧٦]. قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوْ ءَابَآءَ كُمْ وَإِخْوَتَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ أُسْتَحَبُّواْ اُلْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَنَ﴾. نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن موالاة الكفار، ولو كانوا قرباء، وصرح في موضع آخر: بأن الاتصاف بوصف الإيمان مانع من موادّة الكفار ولو كانوا قرباء، وهو قوله: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَاذُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوْ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنٍَِّ إِذْ أَعْجَبَنْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَمَ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَنْتُم مُدْبِنَ﴾ .. ذكر تعالى ما أصاب المسلمين يوم حنين في هذه الآية الكريمة، وذكر ما أصابهم يوم أحد بقوله: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُنَ عَلَىَّ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيَّ أُخْرَائِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، وصرح بأنه تاب على من تولى يومٍ أحد بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اَللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، وأشار هنا إلى توبته على من تولى يوم حنين بقوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَآءُ وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (﴾﴾ كما أشار بعض العلماء إليه. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. أظهر الأقوال وأقربها للصواب في معنى ﴿يَكْنِزُونَ﴾ في هذه الآية الكريمة، أن المراد بكنزهم الذهب والفضة وعدم إنفاقهم لها في سبيل الله، أنهم لا يؤدون زكاتهما . قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: وأما الكنز؟ فقال مالك: عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: هو المال الذي لا تؤدى زكاته. وروى الثوري، وغيره، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ما أُدي زكاته فليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين، وما كان ظاهراً لا تؤدى زكاته فهو كنز. وقد روي هذا عن ابن عباس، وجابر، وأبي هريرة، موقوفاً ومرفوعاً. وقال عمر بن الخطاب نحوه: أيما مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفوناً في الأرض، وأیما مال لم تؤد زکاته فهو کنز یکوی به صاحبه، وإن کان علی وجه الأرض، اهـ. وممن روي عنه هذا القول: عكرمة، والسدي، ولا شك أن هذا القول أصوب الأقوال؛ لأن من أدى الحق الواجب في المال الذي هو الزكاة لا يكوى بالباقي إذا أمسكه؛ لأن الزكاة تطهره كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَهِمْ صَدَقَّةُ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم بِهَا﴾ ولأن المواريث ما جعلت إلا في أموال تبقى بعد مالكيها.