النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
سورة الأنعام: الآية (٧)
السماء والأرض بحق، ولا عبرة بعبادة الكافرين غيره؛ لأنها وبال عليهم، يخلدون بها
في النار الخلود الأبدي، ومعبوداتهم ليست شركاء لله سبحانه وتعالى عن ذلك علواً
كبيراً، ﴿إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمَةٌ سَيْثُوهَا أَنتُمْ وَءَابَآ ◌َكُمُ مَّا أَنزَلَ اَللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍّ﴾ [النجم: ٢٣]،
﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكَاةً إِن يَتَبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا
يَخْرُصُونَ﴾ [يونس: ٦٦]. وهذا القول في الآية أظهر الأقوال، واختاره القرطبي.
الوجه الثاني: أن قوله: ﴿فِ السَّمَوَتِ وَفِ اَلْأَرْضِ﴾ يتعلق بقوله: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ أي:
وهو الله يعلم سركم في السماوات وفي الأرض؛ وبين هذا القول ويشهد له قوله تعالى:
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ اٌلِزَّ فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ ... الآية [الفرقان: ٦].
قال النحاس: وهذا القول من أحسن ما قيل في الآية. نقله عنه القرطبي.
الوجه الثالث: وهو اختيار ابن جرير، أن الوقف تام على قوله: ﴿فِي السَّمَوَتِ﴾،
وقوله: ﴿وَفِ اَلْأَرْضِّ﴾ يتعلق بما بعده، أي يعلم سركم وجهركم في الأرض، ومعنى هذا
القول: أنه - جل وعلا - مستوٍ على عرشه فوق جميع خلقه، مع أنه يعلم سر أهل الأرض
وجهرهم لا يخفى عليه شيء من ذلك. ويبين هذا القول، ويشهد له قوله تعالى: ﴿َ أَمِثُم
قُنْ فِي السَّمَآِ أَن يَغِْفَ بِكُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ (٨١َ أَمْ أَمِنْتُم ◌َّن فِ السََِّّ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ
حَاصِبًا﴾ [الملك: ١٦، ١٧]، وقوله: ﴿الرَّحْنُ عَلَى الْعَرْشِ أُسْتَوَى ﴾﴾﴾ [طه]، مع قوله:
﴿وَهُوَ مَعَكُّةٍ أَيْنَ مَا كُنْتُمَّ﴾ [الحديد: ٤]، وقوله: ﴿فَلَنَقُضِّنَّ عَلَيْهِم بِعِلٍَّ وَمَا كُنَّا غَيِبِينَ
[الأعراف]. وسيأتي إن شاء الله تحقيق هذا المقام بإيضاح في سورة الأعراف.
واعلم أن ما يزعمه الجهمية من ((أن الله تعالى في كل مكان)) مستدلين بهذه الآية
على أنه في الأرض؛ ضلال مبين، وجهل بالله تعالى؛ لأن جميع الأمكنة الموجودة أحقر
وأصغر من أن يحل في شيء منها رب السماوات والأرض الذي هو أعظم من كل شيء،
وأعلى من كل شيء، محيط بكل شيء ولا يحيط به شيء، فالسماوات والأرض في يده
- جلّ وعلا - أصغر من حبة خردل في يد أحدنا، وله المثل الأعلى، فلو كانت حبة خردل
في يد رجل فهل يمكن أن يقال: إنه حالٌ فيها، أو في كل جزء من أجزائها. حاشا
وكلا، هي أصغر وأحقر من ذلك، فإذا علمت ذلك فاعلم أن رب السموات والأرض
أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء ((محيط بكل شيء))، ولا يحيط به شي، ولا يكون
فوقه شيء ﴿لَّ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّقٍ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَّ أَكْبَرَ إِلَّا
فِي كِتَبٍ قُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣]، سبحانه وتعالى علوًّا كبيراً لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى
على نفسه ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا (٥)﴾ [طه].
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِنَبَّا فِى فِرْطَاِ فَلَمَسُوهُ بَِيْدِهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَغَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَّا
سِكْرٌ تُبِينٌ ﴾﴾. ذكر في هذه الآية الكريمة أن الكفار لو نزل الله عليهم كتابا مكتوباً في.
قرطاس، أي: صحيفة، إجابة لما اقترحوه، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَلَنْ تُؤْمِنٌ لِرُفِكَ

١٦٢
سورة الأنعام: الآيات (٨ - ١٠)
حَتَّى تُغَزِّلَ عَلَيْنَا كِنَبًا نَّقْرَؤُمُ﴾ [الإسراء: ٣٩]، فعاينوا ذلك الكتاب المنزل، ولمسته أيديهم؛
لعاندوا، وادّعوا أن ذلك من أجل أنه سحرهم. وهذا العناد واللجاج العظيم والمكابرة
الذي هو شأن الكفار بيّنه تعالى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَلَوْ فَنَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ
فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونٌ ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾﴾ [الحجر]،
وقوله: ﴿وَإِن يَرَوْ كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُواْ سَحَابٌ مَرَّكُومٌ ﴾﴾ [الطور]، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَ
نَّْنَا إِلَهِمُ الْمَلَبِكَةَ وَكَلَّمَّهُ الْمَوْثَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوْ إِلَّ أَن يَشَآءَ
اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٢) وَلَوْ
جَاءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧]، وقوله: ﴿وَمَا تُغْنِ الْآَيَتُ وَالنُّذُرُ عَن فَوْمٍ لَّا
يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، وقوله: ﴿وَإِن يَرَوْا كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِهَا﴾ [الأنعام: ٢٥] إلى غير
ذلك من الآيات. وذكر تعالى نحو هذا العناد واللجاج عن فرعون وقومه في قوله:
﴿وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْيِنَا بِهِ، مِنْ ءَايَةٍ لِتَسْحَرَنَ بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الأعراف].
قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾. لم يبيّن هنا ماذا يريدون بإنزال الملك
المقترح، ولكنه بيّن في موضع آخر أنهم يريدون بإنزال الملك أن يكون نذيراً آخر مع
النبيِ وَّر، وذلك في قوله: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الَّعَامَ وَيَمْشِى فِي الْأَسْوَاقٌّ لَوْلًا"
أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٣)﴾ [الفرقان].
قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ﴿﴾﴾. يعني أنه لو نزل
عليهم الملائكة وهم على ما هم عليه من الكفر والمعاصي، لجاءهم من الله العذاب من
غير إمهالٍ ولا إنظار؛ لأنه حكم بأن الملائكة لا تنزل عليهم إلا بذلك، كما بيّنه تعالى
﴾ [الحجر]، وقوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ
٨
بقوله: ﴿مَا نُقَرِّلُ الْمَئِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذَا مُنظَرِينَ
الْمَلَئِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَيِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٢٢].
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًا أَّجَعَلْتَهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمِ مَا يَلْبِسُونَ
أي: لو بعثنا إلى البشر رسولاً مَلَكِيّاً لكان على هيئة الرجل ليمكنهم مخاطبته
والانتفاع بالأخذ عنه؛ لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من شدة النور، ولو كان
كذلك لالتبس عليهم الأمر كما هم يلبّسون على أنفسهم في قبول رسالة الرسول
البشري. وهذه الآية الكريمة تدل على أن الرسول ينبغي أن يكون من نوع المرسل
إليهم، كما أشار تعالى إلى ذلك أيضاً بقوله: ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِى الْأَرْضِ مَلِكَةٌ يَمْشُونَ
مُظْمَيِنِينَ لَنَزَلْنَا عَلَيْهِم ◌ِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥].
قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدِ أُسْنُّهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِأَلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ،
يَسْتَهْزِءُونَ ﴾﴾. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار استهزءوا برسل قبل نبينا وَلآت،
وأنهم حاق بهم العذاب بسبب ذلك، ولم يفصل هنا كيفية استهزائهم، ولا كيفية العذاب
الذي أُهلكوا به، ولكنه فصل كثيراً من ذلك في مواضع أخر متعددة في ذكر نوح وقومه،
وهود وقومه، وصالح وقومه، ولوط وقومه، وشعيب وقومه، إلى غير ذلك.

١٦٣
سورة الأنعام: الآية (١٤)
فمن استهزائهم بنوح: قولهم له: ((بعد أن كنت نبياً صرت نجاراً))، وقد قال الله
تعالى عن نوح: ﴿إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا قَدْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨]، وذكر ما حاق
بهم بقوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعُوفَاتُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤] وأمثالها من الآيات.
وثمّن استهزائهم بهوذ:" ما ذكره الله عنهم من قولهم: ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا أَعْتَرَنِكَ بَعْضُ
ءَالِهَتِنَا بِسُوْءٍ﴾ [هود: ٥٤]، وقوله عنهم أيضاً: ﴿قَالُواْ يَهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيْنَةٍ وَمَا نَحْمنُ
بِتَارِكِي ءَالِهَئِنَا عَن قَوْلِكَ﴾ ... الآية [هود: ٥٣]. وذكر ما حاق بهم من العذاب في
قوله: ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْرِيْعَ الْعَقِيمَ﴾ ... الآية [الذاريات: ٤١]، وأمثالها من الآيات.
ومن استهزائهم بصالح: قولهم فيما ذكره الله عنهم: ﴿يَصَلِحُ أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن
كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧]، وقولهم: ﴿يَصَلِحُ قَدْ كُنْتَ فِنَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَّاً﴾
[هود: ٦٢]. وذكر ما حاق بهم بقوله: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِىِ دِيَِهِمْ
جَثِمِينَ ﴾ [هود]، ونحوها من الآيات.
ومن استهزائهم بلوط: قولهم فيما حكى الله عنهم: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ: إِلَّ
أَنْ قَالُواْ أَخْرِيُوْاْ ءَالَ لُوطٍ مِّنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ الآية [النمل: ٥٦]، وقولهم له أيضاً: ﴿لَيْن لََّّ ◌َتَهِ
يَلْوُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧]. وذكر ما حاق بهم بقوله: ﴿فَجَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةٌ مِّنْ سِجِيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] ونحوها من الآيات.
ومن استهزائهم بشعيب: قولهم فيما حكى الله عنهم: ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا
(﴾﴾ [هود].
◌ِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَتَرَكَ فِنَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنُكٌ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيرٍ
وذكر ما حاق بهم بقوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
[الشعراء: ١٨٩]]، ونحوها من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾. يعني أنه تعالى هو الذي يرزق الخلائق، وهو
الغني المطلق فليس بمحتاج إلى رزق. وقد بيّن تعالى هذا بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَ
وَلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿ مَآ أُرِدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ذُو
اُلْقُوَّةِ الْمَنِينُ ﴾﴾ [الذاريات]. وقراءة الجمهور على أن الفعلين من الإطعام، والأول
مبني للفاعل، والثاني مبني للمفعول، كما بيّناه، وأوضحته الآية الأخرى. وقرأ سعيد بن
جبير ومجاهد والأعمش الفعل الأول كقراءة الجمهور، والثاني بفتح الياء والعين مضارع
طعم الثلاثي بكسر العين في الماضي، أي: أنه يرزق عباده، ويطعمهم، وهو - جل
وعلا - لا يأكل؛ لأنه لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه المخلوق من الغذاء؛ لأنه - جل
وعلا - الغني لذاته، الغني المطلق، سبحانه وتعالى علواً كبيراً، ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُهُ
اُلْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦].
والقراءة التي ذكرنا عن سعيد ومجاهد والأعمش، موافقة لأحد الأقوال في تفسير
قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ الصَّمَدُ ﴾﴾ [الإخلاص]، قال بعض العلماء: ﴿الصََّمَدُ﴾ السيد

١٦٤
سورة الأنعام: الآيات (١٤ - ١٧)
الذي يلجأ إليه عند الشدائد والحوائج. وقال بعضهم: هو السيد الذي تكامل سؤدده
وشرفه وعظمته، وعلمه وحكمته، وقال بعضهم: ﴿الصََّمَدُ﴾ هو الذي لم يلد ولم يولد
ولم يكن له كفواً أحد، وعليه: فما بعده تفسير له. وقال بعضهم: هو الباقي بعد فناء
خلقه. وقال بعضهم: ﴿الصََّمَدُ﴾ هو الذي لا جوف له، ولا يأكل الطعام. وهو محل
الشاهد. وممن قال بهذا القول: ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب،
ومجاهد، وعبد الله بن بريدة، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وعطية
العوفي، والضحاك، والسدي؛ كما نقله عنهم ابن كثير، وابن جرير وغيرهما.
قال مقيده - عفا الله عنه -: من المعروف في كلام العرب، إطلاق الصمد على
السيد العظيم، وعلى الشيء المصمت الذي لا جوف له، فمن الأول قول الزبرقان:
سيروا جميعاً ينصف الليل واعتمدوا ولا رهينة إلا سيّد صمد
وقول الآخر:
خذها حذيف فأنت السيّد الصمد
علوته بحسام ثم قلت له
وقول الآخر:
ألا بكر الناعي بخير بني أسد
بعمرو بن مسعود وبالسيّد الصمد
ومن الثاني قول الشاعر:
شهاب حروب لا تزال جياده
عوابس يعلكن الشكيم المصمدا
فإذا علمت ذلك، فالله تعالى هو السيد الذي هو وحده الملجأ عند الشدائد
والحاجات، وهو الذي تنزه وتقدس وتعالى عن صفات المخلوقين كأكل الطعام ونحوه،
سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيراً .
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلِمْ﴾ الآية.
يعني أول من أسلم من هذه الأمة التي أرسلت إليها، وليس المراد أول من أسلم
من جميع الناس، كما بينه تعالى بآيات كثيرة تدل على وجود المسلمين قبل وجوده وَيقر،
ووجود أمته، كقوله عن إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ: أَسْلِمَّ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَتِّ الْعَلَمِينَ
[البقرة]، وقوله عن يوسف: ﴿تَوَقَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِ بِالصَّلِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، وقوله:
﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقوله عن لوط وأهله: ﴿فَا وَحَدْنَا فِيهَا
[الذاريات]، إلى غير ذلك من الآيات.
غَيّرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ
قوله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ: إِلَّا هُوٍّ وَإِن يَنْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾. أشار تعالى بقوله هنا: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَهْءٍ قَدِيرٌ (٣)﴾ بعد قوله: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ
يَخَيْرٍ﴾ إلى أن فضله وعطاءه الجزيل لا يقدر أحد على رده، عمن أراده له تعالى. كما صرح
بذلك في قوله: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآَذَ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ، مَن يَشَآءُ﴾ [يونس: ١٠٧].

١٦٥
سورة الأنعام: الآيات (١٩ - ٣٣).
قوله تعالى: ﴿وَأُوْحِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَغَ﴾ .
صرح في هذه الآية الكريمة بأنه * منذر لكل من بلغه هذا القرآن العظيم كائناً
من كان. ويفهم من الآية أن الإنذار به عام لكل من بلغه، وأن كل من بلغه ولم يؤمن
به فهو في النار، وهو كذلك. أما عموم إنذاره لكل من بلغه، فقد دلت عليه آيات أخر
أيضاً كقوله: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ◌َمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]،
وقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا كَاَفَّةُ لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىِ نَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى
عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا ﴾﴾ [الفرقان]. وأما دخول من لم يؤمن به النار، فقد صرح
به تعالى في قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧]. وأما من لم
تبلغه دعوة الرسول ﴿ فله حكم أهل الفترة الذين لم يأتهم رسول. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُوْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ .
هذه الآية الكريمة تدل على أن الله - جل وعلا - الذي أحاط علمه بكل موجود
ومعدوم، يعلم المعدوم الذي سبق في الأزل أنه لا يكون لو وجد كيف يكون؛ لأنه
يعلم أن رد الكفار يوم القيامة إلى الدنيا مرة أخرى لا يكون، ويعلم هذا الرد الذي لا
يكون لو وقع كيف يكون، كما صرح به بقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُوْ عَنْهُ وَإِنَهُمْ
لَكَذِبُونَ﴾. وهذا المعنى جاء مصرحاً به في آيات أخر:
فمن ذلك: أنه تعالى سبق في علمه أن المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، لا
يخرجون إليها معه ◌َ﴿﴿ والله ثبطهم عنها لحكمة، كما صرح به في قوله: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ
اللَّهُ أَنْمِعَانَهُمْ فَتَبَّطَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٤٦]، وهو يعلم هذا الخروج الذي لا يكون لو وقع
كيف يكون، كما صرح به تعالى في قوله: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ ...
الآية [التوبة: ٤٧]. ومن الآيات الدالة على المعنى المذكور قوله تعالى: ﴿﴿ وَلَوْ رَحْنَهُمْ
وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن شُرٍ لَّلَجُواْ فِ مُغْيَكِنِهِمْ يَعْمَهُونَ (٣)﴾ [المؤمنون]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿قَدْ نَعَلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ ﴾ الآية.
صرح تعالى في هذه الآية الكريمة، بأنه يعلم أن رسوله و * يحزنه ما يقوله الكفار
من تكذيبه ، وقد نهاه تعالى عن هذا الحزن المفرط في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿فَلاَ
نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَيْهِمْ حَرَّيَّ﴾ الآية [فاطر: ٨]، وقوله: ﴿فَلَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾
[المائدة: ٦٨]، وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَى ءَاثَِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ
أَسَفًا ﴾﴾ [الكهف]، وقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَخِعُ تَّمْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء].
والباخع: هو المهلك نفسه، ومنه قول غيلان بن عقبة:
لشيء نحته عن يديه المقادر
ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه
وقوله: ﴿فَلَّكَ بَنْهُ﴾ في الآيتين يراد به النهي عن ذلك، ونظيره: ﴿فَلَمَلَّكَ تَارٌِّ
بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ [هود: ١٢]، أي: لا تهلك نفسك حزناً عليهم في الأول، ولا
تترك بعض ما يوحى إليك في الثاني.

١٦٦
سورة الأنعام: الآيات: (٣٦ - ٤١)
قوله تعالى: ﴿وَاُلْمَوْنَى يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ﴾ الآية. قال جمهور علماء التفسير: المراد
بالموتى في هذه الآية: الكفار، وتدل لذلك آيات من كتاب الله؛ كقوله تعالى: ﴿أَوَ مَن
كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ﴾ [٢٢]، وقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَحَّْةُ وَلَ الْأَمْوَتُ﴾ [فاطر: ٢٢]، وقوله:
﴿وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِىِ اُلْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرُ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ ءَايَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
ذكر في هذه الآية الكريمة: أنه قادر على تنزيل الآية التي اقترحها الكفار على
رسوله، وأشار لحكمة عدم إنزالها بقوله: ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وبيّن في موضع
آخر: أن حكمة عدم إنزالها أنها لو أنزلت ولم يؤمنوا بها لنزل بهم العذاب العاجل،
كما وقع بقوم صالح لما اقترحوا عليه إخراج ناقة عشراء، وبْراء، جوفاء، من صخرة
صماء، فأخرجها الله لهم منها بقدرته ومشيئته، فعقروها ﴿وَقَالُواْ يَصَلِحُ أَثْتِنَا بِمَا
تَعِدُنَآَ﴾ [الأعراف: ٧٧]، فأهلكهم الله دفعة واحدة بعذاب استئصال، وذلك في قوله:
﴿وَمَا مَنَعْنَا أَنْ تُّرْسِلَ بِلَيَتِ إِلَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَءَانَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَاْ وَمَا
نُرْسِلُ بِلْأَيَتِ إِلَّا تَخْرِيفًا ﴾﴾ [الإسراء]. وبيّن في مواضع أخر أنه لا داعي إلى ما
اقترحوا من الآيات؛ لأنه أنزل عليهم آية أعظم من جميع الآيات التي اقترحوها
وغيرها، وتلك الآية هي هذا القرآن العظيم؛ وذلك في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا
عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيَّهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]، فإنكاره - جل وعلا - عليهم عدم الاكتفاء
بهذا الكتاب عن الآيات المقترحةَ يدل على أنه أعظم وأفخم من كل آية، وهو كذلك.
ألا ترى أنه آية واضحة، ومعجزة باهرة، أعجزت جميع أهل الأرض، وهي باقية تتردد
في آذان الخلق غضة طريّة حتى يأتي أمر الله، بخلاف غيره من معجزات الرسل
صلوات الله عليهم وسلامه؛ فإنها كلها مضت وانقضت.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْنَكُمْ إِنْ أَتَكُمْ عَذَابُ اَللَّهِ أَوْ أَتَنَّكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اَللَّهِ تَدْعُونَ إِن
كُنْتُمْ صَدِقِينَ ﴿ بَلّ إِيَّاهُ تَّدْعُونَ﴾ [٤٠ - ٤١] الآية.
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن المشركين إذا أتاهم عذاب من الله، أو أتتهم
الساعة أخلصوا الدعاء الذي هو مخ العبادة لله وحده، ونسوا ما كانوا يشركون به؛
لعلمهم أنه لا يكشف الكروب إلا الله وحده - جل وعلا .
ولم يبيّن هنا نوع العذاب الدنيوي الذي يحملهم على الإخلاص لله، ولم يبين هنا
أيضاً إذا كشف عنهم العذاب هل يستمرون على إخلاصهم، أو يرجعون إلى كفرهم
وشرکهم، ولکنه بیّن كل ذلك في مواضع أخر.
فبيّن أن العذاب الدنيوي الذي يحملهم على الإخلاص، هو نزول الكروب التي
يخاف من نزلت به الهلاك؛ كأن يهيج البحر عليهم وتلتطم أمواجه، ويغلب على ظنهم
أنهم سيغرقون فيه إن لم يخلصوا الدعاء لله وحده؛ كقوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا كُنتُمْ فِي

١٦٧
سورة الأنعام: الآية (٥٢).
اَلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيجَ طَنِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَمَتْهَا رِيعُ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَنُّواْ
أَنَهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الذِينَ لَبِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَ مِنَ الشَّكِرِينَ (49) فَلَمَّاً
أَنْجَنُهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقْ﴾ [يونس: ٢٢، ٢٣]، وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْغُرُّ فِي
الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، وقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الْفُلْكِ دَعَوُاْ اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وقوله: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ قَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢] ... إلى غير ذلك من الآيات.
وبين أنهم إذا كشف الله عنهم ذلك الكرب، رجعوا إلى ما كانوا عليه من الشرك
في مواضع كثيرة؛ كقوله: ﴿فَمَّا نَّكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَنُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧]،
وقوله: ﴿فَلَمَّا نَّنَهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَّكُمْ مِنْهَا
وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴾﴾ [يونس]، وقوله: ﴿فَلَمَّآ أَنْجَنُهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِ اَلْأَرْضِ
بِغَيْرِ آلْحَقِّ﴾ [يونس: ٢٣]، إلى غير ذلك من الآيات.
وبيّن تعالى أن رجوعهم للشرك بعد أن نجاهم الله من الغرق من شدة جهلهم،
وعماهم؛ لأنه قادر على أن يهلكهم في البر كقدرته على إهلاكهم في البحر، وقادر على
أن يعيدهم في البحر مرة أخرى، ويهلكهم فيه بالغرق، فجرأتهم عليه إذا وصلوا البر لا
وجه لها؛ لأنها من جهلهم وضلالهم، وذلك في قوله: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ آلْبَرِّ
أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوْ لَكُمْ وَكِيلًا ( أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيْسِلَ
عَلَيْكُمْ فَاصِفًا مِنَ الْرِّيجِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ، نَبِيعًا (﴾﴾ [الإسراء].
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَظَرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَمٌ﴾
[الأنعام: ٥٢]. نهى الله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة نبيه وَّل عن طرد ضعفاء
المسلمين وفقرائهم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه. وأمره في آية
أخرى أن يصبر نفسه معهم، وأن لا تعدو عيناه عنهم إلى أهل الجاه والمنزلة في الدنيا،
ونهاه عن إطاعة الكفرة في ذلك وهي قوله: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم
بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَكَ عَنْهُمْ ثُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا
٢٨)) [الكهف].
قَلْبَهُ عَن ذِكِْنَا وَأَنَّبَعَ هَوَنَّهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطَا
كما أمره هنا بالسلام عليهم، وبشارتهم برحمة ربهم - جل وعلا - في قوله: ﴿وَإِذَا جَآََ
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِثَايَتِنَا فَقُلْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] الآية.
وبيّن في آيات أخر أن طرد ضعفاء المسلمين الذين طلبه كفار العرب من نبينا وَّل
فنهاه الله عنه، طلبه أيضاً قوم نوح من نوح، فأبى؛ كقوله تعالى عنه: ﴿وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدٍ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [هود: ٢٩]، وقوله: ﴿وَقَوْمِ مَن يَنصُرُنِ مِنَ اللَّهِ إِن ◌َتُهُمْ﴾ الآيةِ [هود: ٣٠]،
وقوله: ﴿وَمَا أَنْ بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (13)﴾ [الشعراء]، وهذا من تشابه قلوب الكفار المذكور في
قوله تعالى: ﴿تَشَبَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨].

١٦٨ -
-
سورة الأنعام: الآيات (٥٣ - ٥٧)
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُواْ أَهْتُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمِ مِنْ بَيْنِنَأُ
@)﴾. أجرى الله تعالى الحكمة بأنّ أكثر أتباع الرسل ضعفاء
أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ
الناس؛ ولذلك لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان عن نبينا و لر: أأشراف النّاس
يتبعونه، أم ضفعاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم. قال: هم أتباع الرسل.
فإذا عرفت ذلك فاعلم أنه تعالى أشار إلى أن من حكمة ذلك فتنة بعض الناس ببعض،
فإن أهل المكانة والشرف والجاه يقولون: لو كان في هذا الدين خير لما سبقنا إليه هؤلاء؛
لأنا أحق منهم بكل خير، كما قال هنا: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِيَقُولُواْ أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ
عَلَيْهِمِ مِنْ بَيْنِناً﴾ ... الآية، إنكاراً منهم أن يمنّ الله على هؤلاء الضعفاء دونهم، زعماً منهم
أنهم أحق بالخير منهم، وقد رد الله قولهم هنا بقوله: ﴿أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِنَ؟﴾ .
وقد أوضح هذا المعنى في آيات أخر؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَاً إِلَيْهٍ﴾ [الأحقاف: ١١]، وقوله: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا بَيْنَتٍ قَالَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيَّا (٣)﴾ [مريم].
والمعنى: أنهم لما رأوا أنفسهم أحسن منازل، ومتاعاً من ضعفاء المسلمين
اعتقدوا أنهم أولى منهم بكل خير، وأن اتّباع الرسول وي # لو كان خيراً ما سبقوهم إليه.
ورد الله افتراءهم هذا بقوله: ﴿وَلَنْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْدٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَثًا وَرِهْيًّا (®)﴾ [مريم]،
وقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُم بِهِ، مِن قَالٍ وَبَِنُّ ﴿®َ نَارِعُ لَمْ فِى الْخَيْرَتِّ بَل لَّا يَشْعُرُونَ
(٥٦)
[المؤمنون]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ ◌ِّ﴾ الآية.
أمر الله تعالى نبيه في هذه الآية الكريمة أن يخبر الكفار، أن تعجيل العذاب
عليهم الذي يطلبونه منه و 38 ليس عنده، وإنما هو عند الله إن شاء عجله، وإن شاء أخره
عنهم. ثم أمره أن يخبرهم بأنه لو كان عنده لعجله عليهم، بقوله: ﴿قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا
تَسْتَعِْلُونَ بِهِ، لَقُضِىَ الْأَمْرُ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية. وبيّن في مواضع أخر أنهم ما حملهم على
استعجال العذاب إلا الكفر والتكذيب، وأنهم إن عاينوا ذلك العذاب علموا أنه عظيم
هائل لا يستعجل به إلا جاهل مثلهم؛ كقوله: ﴿وَلَيِنْ أَخَّنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَّ أُنَّةٍ مَعْدُودَةٍ
لَيْقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهٌُ أَلَا يَوْمَ بَأْنِهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم ◌َّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
[هود]، وقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ [الشورى:
١٨]، وقوله: ﴿يَسْتَعِْطُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ ﴾﴾ [العنكبوت]، وقوله:
﴿قُلْ أَََيْتُمْ إِنْ أَتَنَّكُمْ عَذَابُ بَيْئًّا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (@)﴾ [يونس].
وبيّن في موضع آخر أنه لولا أن الله حدد لهم أجلاً لا يأتيهم العذاب قبله، لعجله
عليهم، وهو قوله: ﴿وَيَسْتَعِْلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَّ أَجْلٌ مُسَمَّى لََّ هُ الْعَذَابُ﴾ [العنكبوت: ٥٣].
تنبيه: قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَمْجِلُونَ بِهِ، لَّقُضِىَ

١٦٩
سورة الأنعام: الآية (٥٩) .
الْأَمْرُ﴾ الآية، صريح في أنه وَ لو لو كان بيده تعجيل العذاب عليهم، لعجله عليهم، مع
· أنه ثبت في الصحيحين من حديث عائشة ثنا: أن النبي * أرسل الله إليه ملَكَ
الجبال، وقال له: إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين - وهما جبلا مكة اللذان يكتنفانها -
فقال ◌َله: ((بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً)).
والظاهر في الجواب: هو ما أجاب به ابن كثير - كَّفُ - في تفسير هذه الآية،
وهو أن هذه الآية دلت على أنه لو كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبون تعجيله في وقت
طلبهم تعجيله لعجله عليهم. وأما الحديث فليس فيه أنهم طلبوا تعجيل العذاب في ذلك
الوقت، بل عرض عليه المَلَك إهلاكهم، فاختار عدم إهلاكهم. ولا يخفى الفرق بين
المتعنت الطالب تعجيل العذاب وبين غيره.
قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْدِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ﴾ الآيةِ.
بيّن تعالى المراد بمفاتح الغيب بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ
وَيَعْلَمُ مَا فِىِ الْأَرْحَِ وَمَا تَدْرِى نَقْسُ مَاذَا تَحْكَسِبُ غَدَّا وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِّ أَرْضٍ تَمُوتُّ إِنَّ اللَّهَ
عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾﴾ [لقمان]، فقد أخرج البخاري وأحمد وغيرهما عن ابن عمر، عن
النبي لر أن المراد بمفاتح الغيب: الخمس المذكورة في الآية المذكورة.
والمفاتح: الخزائن، جمع مفتح بفتح الميم، بمعنى المخزن، وقيل: هي المفاتيح
جمع مفتح، بكسر الميم، وهو المفتاح، وتدل له قراءة ابن السميفع: مفاتيح بياء بعد
التاء جمع مفتاح. وهذه الآية الكريمة تدل على أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وهو
كذلك؛ لأن الخلق لا يعلمون إلا ما علّمهم خالقهم - جل وعلا.
وعن عائشة ﴿ثا، قالت: ((من زعم أنّ رسول الله وَلَ يخبر بما يكون في غد فقد
أعظم على الله الفرية، والله يقول: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيّبَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[النمل: ٦٥])) أخرجه مسلم. والله تعالى في هذه السورة الكريمة أمره و ﴿ أن يعلن للناس
أنه لا يعلم الغيب، وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلِ لَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَّآِنُ اللَّهِ وَلَّ أَعْلَمُ
اُلْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِّ مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَى﴾ [الأنعام: ٥٠].
ولذا لما رُمِيَت عائشة حيثّا بالإِفك، لم يعلم أهي بريئة أم لا، حتى أخبره الله
تعالى بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَُّونَ مِمَا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦].
وقد ذبح إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عجله للملائكة، ولا علم له
بأنهم ملائكة حتى أخبروه، وقالوا له: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠]. ولما
جاءوا لوطاً لم يعلم أيضاً أنهم ملائكة، ولذا ﴿مِّءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَمُ
عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧]، يخاف عليهم من أن يفعل بهم قومه فاحشتهم المعروفة حتى قال:
﴿لَوْ أَنَّ لِ بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رَّكْنِ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]، ولم يعلم خبرهم حتى قالوا له:
﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُواْ إِلَيْكٌ﴾ ... الآيات [هود: ٨١].

١٧٠
سورة الأنعام: الآيات (٢٠ - ٦٨)
ويعقوب فظلّل ابيضت عيناه من الحزن على يوسف، وهو في مصر لا يدري خبره
حتى أظهر الله خبر يوسف .
وسليمان الظّا مع أن الله سخّر له الشياطين والريح، ما كان يدري عن أهل مأرب
قوم بلقيس، حتى جاءه الهدهد وقال له: ﴿أَحَطِتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، وَجِئْتُكَ مِن سَيَمٍ بِنَكِ
يَقِينٍ﴾ ... الآيات [النمل: ٢٢].
ونوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ما كان يدري أن ابنه الذي غرق ليس من
أهله الموعود بنجاتهم، حتى قال: ﴿رَبِّ إِنَّ أَبِىِ مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ ﴾ [هود: ٤٥]،
ولم يعلم حقيقة الأمر حتى أخبره الله بقوله: ﴿قَالَ يَنُوُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكْ إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرُ
صَلِحِّ فَلَ تَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌّ إِنَّ أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ (@)﴾ [هود].
وقد قال تعالى عن نوح في سورة هود: ﴿وَلََّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَّابِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ
اُلْغَيْبَ﴾ [هود: ٣١]، والملائكة عليهم الصلاة والسلام لما قال لهم: ﴿أَنِْئُونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ
إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ قَالُواْ سُبْحَنَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآَ﴾ [البقرة: ٣١، ٣٢].
فقد ظهر أن أعلم المخلوقات وهم الرسل والملائكة، لا يعلمون من الغيب إلا ما
علمهم الله تعالى، وهو تعالى يعلّم رسله من غيبه ما شاء، كما أشار له بقوله: ﴿وَمَا كَانَ
اللَّهُ لِيُطْلَِّكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِى مِن رُسُلِهِ، مَن ◌َشَاءٍ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، وقوله: ﴿عَلِمُ
اُلْغَيْبِ فَلَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِ أَحَدًا (٨َ إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَسُولٍ﴾ ... الآية [الجن: ٢٦، ٢٧].
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَتَوَّفَّكُمْ بِلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم ◌ِالنَّهَارِ﴾. ذكر في هذه
الآية الكريمة أن النوم وفاة. وأشار في موضع آخر إلى أنه وفاة صغرى، وأن صاحبها
لم يمت حقيقةً، وأنه تعالى يرسل روحه إلى بدنه حتى ينقضي أجله، وأن وفاة الموت
التي هي الكبرى قد مات صاحبها؛ ولذا يمسك روحه عنده، وذلك في قوله تعالى:
﴿اللَّهُ يَتَوَلَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَلَِّى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ
وَبُرْسِلُ الْأُخْرَىَ إِلَى أَجَلِ تُسَمَّىَّ إِنَّ فِىِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾﴾ [الزمر].
قوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ الآية. لم يبين هنا ماذا يحفظون. وبيّنه في
مواضع أخر، فذكر أن مما يحفظونه بدن الإنسان بقوله: ﴿لَهُ مُعَقِبَتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ
خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]، وذكر أن مما يحفظونه جميع أعماله من خير
وشر، بقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ
١٠
كِرَامًا كَئِينَ ﴿﴿ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ
﴾ [الانفطار]،
وقوله: ﴿إِذْ يَقَّى الْمُلِفِيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشَِّالِ فَعِيدٌ ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّ لَدَيْهِ رَقِبُ عَنِدٌ
[ق]، وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَنُهُمَّ بَلَى وَرُسُنَا لَدَيْهِمْ يَكْثُبُونَ (®﴾ [الزخرف].
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيّ ءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهٍ﴾. نهى
الله تعالى نبيه و الر في هذه الآية الكريمة عن مجالسة الخائضين في آياته، ولم يبيّن كيفية
خوضهم فيها التي هي سبب منع مجالستهم، ولم يذكر حكم مجالستهم هنا. وبيّن ذلك كله

١٧١
سورة الأنعام: الآيات (٧٦ - ٨٢)
في موضع آخر، فبين أن خوضهم فيها بالكفر والاستهزاء بقوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِ اَلْكِنَبِ
أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اَللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْنَهْزَأُ بِهَا فَلَ نَفْعُدُواْ مَعَهُمْ﴾ الآية [النساءِ: ١٤٠].
وبين أن مَنْ جالسهم في وقت خوضهم فيها مثلهم في الإثم بقوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذَا
مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، وبين حكم من جالسهم ناسياً، ثم تذكر، بقوله هنا: ﴿وَلِمَّا يُنْسِيَنَّكَ
الشَّيْطَانُ فَلَ نَفْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الَّلِينَ﴾، كما تقدم في سورة النساء.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَءَا كَوَكَبِّ قَالَ هَذَا رَبِ﴾ ... الآيات ..
قوله: ﴿هَذَا رَبِّ﴾ في المواضع الثلاثة؛ محتمل لأنه كان يظن ذلك، كما رؤي
عن ابن عباس وغيره، ومحتمل لأنه جازم بعدم ربوبية غير الله، ومراده: هذا ربي في
زعمكم الباطل، أو أنه حذف أداة استفهام الإنكار. والقرآن يبين بطلان الأول، وصحة
الثاني. أما بطلان الأول، فالله تعالى نفى كون الشرك الماضي عن إبراهيم في قوله:
﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ في عدة آياتِ، ونفي الكون الماضي يستغرق جميع الزمن
الماضي، فثبت أنه لم يتقدم عليه شرك يوماً ما .
وأما كونه جازماً موقناً بعدم ربوبية غير الله، فقد دل عليه ترتيب قوله تعالى:
﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَءَا كَوَّكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّ﴾ - إلى آخره - ((بالفاء)) على قوله تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ نُرِىٌ إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ اُلْمُوقِنِينَ ﴾﴾ فدل على أنه قال
ذلك موقناً مناظراً ومحاجاً لهم، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَحَآَجَّهُ قَوْمٌُ﴾ ... الآية،
وقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَّيْنَهَا إِنْزَهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ،﴾. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿اَلَِّينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيَمَنَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الآية ..
المراد بالظلم هنا الشرك كما ثبت عن النبي # في صحيح البخاري وغيره من
حديث عبد الله بن مسعود نظّته، وقد بينه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
[لقمان: ١٣]، وقوله: ﴿وَاُلْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ
اللَّهِ مَا لَا يَنَفَعُكَ وَلَا يَضُرُّلَكِّفَإِنِ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَا مِّنَ الَِّمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦].
قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَهَا إِبْزَهِيمَ﴾، الآية.
قال مجاهد وغيره: هي قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ
أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِلَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، عَلَيْكُمْ سُلْطَنَّا فَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِلْأَمْنِّ﴾؟ [الآية:
(٨]، وقد صدقه الله، وحكم له بالأمن والهداية، فقال: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَاْ إِيَمَنَهُم
٢٨٢
◌ِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم ◌ُهْتَدُونَ
والظاهر شمولها لجميع احتجاجاته عليهم، كما في قوله: ﴿لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ﴾؛
لأن الأفول الواقع في الكوكب والشمس والقمر أكبر دليل وأوضح حجة على انتفاء
الربوبية عنها، وقد استدل إبراهيم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام -، بالأقول على
انتفاء الربوبية في قوله: ﴿لَاَ أُحِبُّ الْآَفِلِينَ﴾، فعدم إدخال هذه الحجة في قوله:

١٧٢
سورة الأنعام: الآيات (٨٨ _ ٩٤)
﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا﴾ غير ظاهر، وبما ذكرنا من شمول الحجة لجميع احتجاجاته المذكورة
صدر القرطبي. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. ذكر تعالى أن هؤلاء الأنبياء
المذكورين في هذه السورة الكريمة لو أشركوا بالله لحبط جميع أعمالهم.
وصرح في موضع آخر بأنه أوحى هذا إلى نبينا، والأنبياء قبله - عليهم كلهم
صلوات الله وسلامه -، وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ أُوْجِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَبِنْ أَشْرَكْتَ
لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وهذا شرط، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع، لقوله: ﴿قُلّ
إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ [الزخرف: ٨١]، على القول بأن ((إن)) شرطية، وقوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ
تَّخِذَ لَوَا﴾ [الأنبياء: ١٧]، وقوله ﴿لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [الزمر: ٤].
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ﴾. أي لا أحد أظلم ممن قال: سأنزل
مثل ما أنزل الله. ونظيرها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ
لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١]. وقد بين الله تعالى كذبهم في افترائهم هذا حيث تحدى
جميع العرب بسورة واحدة منهم، كما ذكره تعالى في البقرة بقوله: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن
مِثْلِهِ،﴾ [البقرة: ٢٣]، وفي يونس بقوله: ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨]، وتحداهم
في هود بعشر سُوَرٍ مثله في قوله: ﴿قُلّ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ، مُفْتَرَيَتٍ﴾ [هود: ١٣]،
وتحداهم به كله في الطور بقوله: ﴿فَلَيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ: إِن كَانُواْ صَدِقِينَ ﴾ [الطور].
ثم صرح في سورة بني إسرائيل بعجز جميع الخلائق عن الإتيان بمثله في قوله:
﴿قُل لَِّنِ أَجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَأَلْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْبَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَنَ بَعْضُهُمْ
لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾﴾ [الإسراء]. فاتضح بطلان دعواهم الكاذبة.
قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾ الآية.
لم يصرح هنا بالشيء الذي بسطوا إليه الأيدي، ولكنه أشار إلى أنه التعذيب
بقوله: ﴿أَخْرِجُوْ أَنفُسَكُمْ أَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ أَلْهُونٍ﴾، وصرح بذلك في قوله: ﴿وَلَوْ
تَرَىّ إِذْ يَتَوَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠]، وبيّن في
مواضع أخر أنه يراد ببسط اليد التناول بالسوء، كقوله: ﴿وَيَبْسُطُوَاْ إِلَيْكُمْ أَبْدِيَهُمْ وَأَسْتَهُم
بِالسُّوْءٍ﴾ [الممتحنة: ٢]، وقوله: ﴿لَيْنُ بَسَطَتَ إِلَىَ يَلَكَ لِنَقْتُلَنِىِ﴾ الآية [المائدة: ٢٨].
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَى كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَكْتُم مَّا خَلْنَكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمّ﴾
الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار يأتون يوم القيامة كل واحد منهم بمفرده،
ليس معهم شركاؤهم. وصرح تعالى بأن كل واحد يأتي فرداً في قوله: ﴿وَكُلُّهُمْ ءَاتِهِ يَوْمَ
اَلْقِيَمَةِ فَرْدًا ﴾﴾ [مريم]. وقوله في هذه الآية: ﴿كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي منفردين لا
مال، ولا أثاث، ولا رقيق، ولا خول عندكم، حفاة عراة غرلاً، أي غير مختونين، ﴿كَمَا
بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقِ تُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنََّ فَعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. وقد عرفت من الآية

١٧٣
سورة الأنعام: الآيات (٩٤ - ٩٨) .
أن واحد الفرادى فرد، ويقال فيه أيضاً: فرد بالتحريك، ومنه قول نابغة ذبيان:
طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد
من وحش وجرة موشي أكارعه
قوله تعالى: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ .
ذكر في هذه الآية الكريمة: أن الأنداد التي كانوا يعبدونها في الدنيا تضل عنهم
يوم القيامة، وينقطع ما كان بينهم وبينها من الصلات في الدنيا، وأوضح هذا المعنى في
آياتٍ كثيرة جداً؛ كقوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَمْ أَعْدَاءَ وَكَنُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَفِرِنَ
[الأحقاف]، وقوله ﴿كَلَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَّهِمْ ضِدًّا (٨)﴾ [مريم]، وقوله: ﴿وَقَالَ
إِنَّمَا أَتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَّا قَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِىِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ
بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَبُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّصِرِينَ
[العنكبوت]، وقوله: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْنَصِرُونَ (13)﴾ [الشعراء]،
وقوله هنا: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَلَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] الآية.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ أَلَّيْلَ سَكًا﴾.
أي مظلماً ساجياً، ليسكن فيه الخلق فيستريحوا من تعب الكدّ بالنهار؛ كما بينه قوله
تعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُوْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧]، وقوله: ﴿قُلّ
أَّيْتُمْ إِن جَعْلَ اللَّهُ عَيْكُمُ الَّلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَّمَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ الَّهِ يَأْتِيِكُم بِضِيَاءٍ أَفَلَا
تَسْمَعُونَ ﴿ قُلْ أَءَ يْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهُ غَيَّرُ اللَّهِ
يَأْتِكُم بِيلٍ تَسْكُنُنَ فِيَةٍ أَفَلاَ نُصِرُونَ (*) وَمِن زَحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُمُ اَلَيْلَ وَاَلنَّهَارَ لِتَسْكُواْ فِهِ
وَلِتَبْثَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧١ - ٧٣]، وقوله: ﴿لِتَسْكُواْ فِيهِ﴾ يعني الليل، ﴿وَلِتَبْتَغُواْ
مِن فَضْلِهِ﴾ يعني بالنهار، ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ أَلَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ [فصلت: ٣٧].
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اُلُّجُوَمَ لِتَدُواْ بِهَا فِ تُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَعْرِ﴾ الآية.
ظاهر هذه الآية الكريمة أن حكمة خلق النجوم هي الاهتداء بها فقط؛ كقوله:
﴿ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]، ولكنه تعالى بيّن في غير هذا الموضع أن لها حكمتين
أخريين غير الاهتداء بها، وهما: تزيين السماء الدنيا، ورجم الشياطين بها؛ كقوله:
﴿وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَّةُ الدُّنْيَا بِمَصَنِيحَ وَجَعَلْتَهَا رُجُومًا لِلشَّيَطِينِّ﴾ [الملك: ٥]، وقوله ﴿إِنَّا زَبَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا
مِنَةٍ الْكُوَكِبِ ﴾ وَحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطَنِ مَّارِدٍ ﴿﴿ لَّا يَسَّمَّعُونَ إلَى أَلْعَلَا الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَالِبٍ
﴿ دُعُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبُ ﴿﴿ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطِفَةَ فَأَنْتَعَهُمْ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (®﴾ [الصافات]،
وقوله: ﴿وَزَيَّنَا السَّمَّةَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَحِفْظَأْ ذَلِكَ تَعْدِيرُ الْغَهِزِ اَلْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢].
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِىّ أَنْشَأَكُم مِّنِ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَُسْتَقَرٌ﴾ الآية.
لم يبين هنا كيفية إنشائهم من نفس واحدة، ولكنه بين في مواضع أخر أن كيفيته:
أنه خلق من تلك النفس الواحدة التي هي آدم: زوجها حواء، وبث منهما رجالاً كثيراً
ونساء، كقوله: ﴿يَتُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَّكُمْ الَّذِى خَلَقَّكُم مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَ مِنْهُمَا

١٧٤
سورة الأنعام: الآيات (١٠٣ - ١٠٥)
رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءٌ﴾ [النساء: ١]، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا
لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ الآية [الأعراف: ١٨٩].
قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ الآية.
أشار في مواضع أخر إلى أن نفي الإدراك المذكور هنا لا يقتضي نفي مطلق
الرؤية، كقوله: ﴿وُجُوهُ يَوْمَيِذٍ نَاضِرَةُ ﴿ إِلَى بِهَا نَاظِرَةٌ ﴾ [القيامة]، وقوله: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ
اَلُْْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، والحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم،
(١٥)﴾ [المطففين]، يفهم منه أن المؤمنين ليسوا
وقوله: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَنْ تَّبِهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْجُوبُونَ
محجوبین عنه، وهو كذلك
قوله تعالى: ﴿وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾ الآية. يعني ليزعموا أن النبي ◌ّ إنما تعلم هذا
القرآن بالدرس والتعليم من غيره من أهل الكتاب، كما زعم كفار مكة أنه هو تعلم هذا
القرآن من جبر ويسار، وكانا غلامين نصرانيين بمكة، وقد أوضح الله تعالى بطلان
افترائهم هذا في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُمْ بَشَرٌ لِسَانُ
الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَحِيٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِيٌ مُبِينُ )﴾ [النحل]، وقوله: ﴿فَقَالَ إِنْ
هَذَا إِلَّا سِرٌ يُؤْثَرُ ﴿ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ٥ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾﴾ [المدثر]، ومعنى ﴿يُؤثرُ﴾:
يرويه محمد ﴾ عن غيره في زعمهم الباطل. وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِنْ هَذَا إِلَّ إِفُْ
أَفْتَرَهُ وَأَعَنَهُ عَلَيْهِ قَوْمُ ءَآخَرُونٌَ فَقَدْ جَءُوَ ظُلْمًا وَزُورًا ﴿﴿ وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ أُكْتَتَبَهَا
فَهِىَ تُعْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴿﴿ قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ اُلِرَّ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾
[الفرقان: ٤ - ٦]، إلى غير ذلك من الآيات. وفي قوله: ﴿وَرَسْتَ﴾ ثلاث قراءات
سبعيات: قرأه ابن كثير، وأبو عمرو: ((دَارَسْتَ)) بألف بعد الدال مع إسكان السين وفتح
التاء؛ من المفاعلة بمعنى: دارست أهل الكتاب ودارسوك حتى حصّلت هذا العلم.
وقرأه بقية السبعة غير ابن عامر: ((درسْتَ)) بإسقاط الألف، مع إسكان السين وفتح التاء
أيضاً، بمعنى: درست هذا على أهل الكتاب حتى تعلّمته منهم.
وقرأه ابن عامر: ((دَرَسَت)) بفتح الدال والراء والسين وإسكان التاء على أنها تاء
التأنيث، والفاعل ضمير عائد إلى الآيات المذكورة في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِفُ الْآَيَتِ﴾ .
قال القرطبي: وأحسن ما قيل في قراءة ابن عامر أن المعنى: ولئلا يقولوا
انقطعت وانمحت، وليس يأتي محمد وَلّ بغيرها. اهـ.
وقال القرطبي: ﴿وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾ الواو للعطف على مضمر؛ أي نصرّف الآيات،
لتقوم الحجة وليقولوا: درست. وقيل: ﴿وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾ صرّفناها ..
قال مقيده - عفا الله عنه -: ومعناهما آيل إلى شيء واحد، ويشهد له القرآن في
آيات كثيرة دالة على أنه يبين الحق واضحاً في هذا الكتاب ليهدي به قوماً، ويجعله حجة
على آخرين، كقوله: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لًَّّا﴾ [مريم: ٩٧]، وقوله: ﴿قُلْ

١٧٥
سورة الأنعام: الآيات (١١٢ - ١٢٣)
هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِيَّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّىَ﴾
[فصلت: ٤٤]، وقوله: ﴿لِيَسْتَّقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَبَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِيَأْ وَلَا يَابَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ
وَأْمُؤْمِنُونُّ وَلَقُولَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َّرٌَ وَالْكَفِرُونَ مَاذَآ أَرَدَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن ◌َآءُ﴾ [المدثر:
٣١]، كما قال هنا: ﴿وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبِيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. فالأشقياء يقولون: تعلمته
من البشر بالدراسة وأهل العلم، والسعداء يعلمون أنه الحق الذي لا شك فيه.
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيَ عَدُوًّا شَيَطِينَ الْإِنِسِ وَآلْجِنِّ﴾. ذكر تعالى في
هذه الآية الكريمة أنه جعل لكل نبي عدواً، وبيّن هنا أن أعداء الأنبياء هم شياطين
الإنس والجن. وصرح في موضع آخر أن أعداء الأنبياء من المجرمين، وهو قوله:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ اُلْمُجْرِمِنُّ﴾ [الفرقان: ٣١]، فدل ذلك على أن المراد
بالمجرمين شياطين الإنس والجن. وذكر في هذه الآية أن من الإنس شياطين، وصرح
بذلك في قوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤]. وقد جاء الخبر
بذلك مرفوعاً من حديث أبي ذر عند الإمام أحمد وغيره. والعرب تسمي كل متمرد
شيطاناً سواء كان من الجن أو من الإنس كما ذكرنا أو من غيرهما، وفي الحديث:
((الكلب الأسود شيطان)). وقوله: ((شياطين)) بدل من قوله: ((عدواً))، أو مفعول أول لـ
((جعلنا))، والثاني ((عدواً)) أي جعلنا شياطين الإنس والجنّ عدواً.
قوله تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ذكر في هذه
الآية الكريمة أن إطاعة أكثر أهل الأرض ضلال، وبيّن في مواضع أخر أن أكثر أهل
الأرض غير مؤمنين، وأن ذلك واقع في الأمم الماضية، كقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: ١٧]، وقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
١٠٣
[يوسف]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ ﴾﴾ [الصافات]، وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾﴾ [الشعراء]، إلى غيرها من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَّصَلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية.
التحقيق أنه فصّله لهم بقوله: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاِمٍ
يَطْعَمُهُ إِلَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ ... [الآية ١٤٥]. ومعنى الآية؛ أي شيء يمنعكم أن
تأكلوا ما ذكيتم، وذكرتم عليه اسم الله، والحال أن الله فصّل لكم المحرم أكله عليكم
في قوله: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَّىَّ﴾ ... الآية، وليس هذا منه.
وما يزعمه كثير من المفسرين من أنه فصّله لهم بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾ ...
الآية [المائدة: ٣]، فهو غلط؛ لأن قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾ من سورة المائدة،
وهي من آخر ما نزل من القرآن بالمدينة، وقوله: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ من
سورة الأنعام، وهي مكية. فالحق هو ما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا﴾ الآية.

١٧.٦
سورة الأنعام: الآيات (١٢٤ - ١٣٠)
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أنه جعل في كل قرية أكلبر المجرمين. منها
ليمكروا فيها، ولم يبين المراد بالأكابر هنا، ولا كيفية مكرهم .. وبيّن جميع ذلك في
مواضع أخر: فبين أن مجرميها الأكابر هم أهل الترف، والنعمة في الدنيا، بقوله: ﴿وَمَا
أَرْسَلْنَا فِ قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَّا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَِفِرُونَ (®)﴾ [سبأ]، وقوله:
﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَاَ ءَابَنَا عَلَىَّ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى
ءَائَِّهِم مُقْتَدُونَ (٣)﴾ [الزخرف]، ونحو ذلك من الآيات.
وبيّن أن مكر الأكابر المذكور: هو أمرهم بالكفر بالله تعالى، وجعل الأنداد له،
بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَآ أَنْ تَكْفُرَ بِاللَّهِ
وَنَجْعَلَ لَهُ: أَنْدَادًا﴾ [سبأ: ٣٣]، وقوله: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًّا كُبَارًا ﴿يَ وَقَالُواْ لَا نَذَرُنَّ ءَالِهَتَّكُ﴾
الآية [نوح: ٢٢، ٢٣]. وأظهر أوجه الإعراب المذكورة في الآية عندي اثنان:
أحدهما: أن ((أكابر)) مضاف إلى مجرميها، وهو المفعول الأول لجعل التي بمعنى
صيّر، والمفعول الثاني هو الجار والمجرور، أعني ﴿فِى كُلِّ قَبَةٍ﴾.
وثانيهما: أن ((مجرميها)) مفعول أول، و((أكابر)) مفعول ثان، أي جعلنا مجرميها
أكابرها، والأكابر جمع الأكبر.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُواْ لَنْ نُّؤْمِنَ حَّى نُؤْثَ مِثْلَ مَا أُوْنِىَ رُسُلُ اللهِ﴾ .
يعنون أنهم لن يؤمنوا حتى تأتيهم الملائكة بالرسالة، كما أتت الرسل، كما بينه تعالى
في آيات أخر، كقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرَّجُونَ لِقَاءَ نَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَتِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ الآية
[الفرقان: ٢١]، وقوله: ﴿أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَلْبِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اَللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾ الآية.
جاء عن النبي ولو أنه سئل عن هذه الآية الكريمة، فقيل: كيف يشرح صدره يا
رسول الله ( 98: قال: ((نور يقذف فيه، فينشرح له، وينفسح)). قالوا: فهل لذلك من
أمَارة يعرف بها؟ قال: ((الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد
للموت قبل لقاء الموت)). ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اَللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ
عَلَى نُورٍ مِّن رَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢].
قوله تعالى: ﴿يَمَعْشَرَ أُلْجِنِّ وَاُلْإِنِسِ أَلَ بَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ﴾ الآية. قال بعض العلماء:
المراد بالرسل من الجن نذرهم الذين يسمعون كلام الرسل، فيبلغونه إلى قومهم. ويشهد
لهذا أن الله ذكر أنهم منذِرون لقومهم في قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْئًا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ
اُلْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُنذِرِينَ (﴾﴾ [الأحقاف].
وقال بعض العلماء: ﴿رُسُلٌ مِّنْكُمْ﴾ أي: من مجموعكم الصادق بخصوص الإنس؛
لأنه لا رسل من الجن، ويستأنس لهذا القول بأن القرآن ربما أطلق فيه المجموع مراداً
بعضه، كقوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، وقوله: ﴿فَكَذَّبُوُهُ فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس:
١٤]، مع أن العاقر واحد منهم، كما بيّنه بقوله: ﴿فَدَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَعَاطَى فَقَّرَ (١)﴾ [القمر].

١٧٧
سورة الأنعام: الآيات (١٣١ - ١٤٨).
واعلم أن ما ذكره الحافظ ابن كثير تَظّفُ وغيره من أجلاء العلماء في تفسير هذه
الآية، من أن قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُقُ وَالْمَرْبَانُ (٣)﴾ [الرحمن]، يراد به البحر الملح
خاصة دون العذب: غلط كبير، لا يجوز القول به؛ لأنه مخالف مخالفة صريحة لكلام الله
تعالى؛ لأن الله ذكر البحرين الملح والعذب، بقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ قُرَاتٌ
سَبِغٌ شَرَابُ وَهَذَا مِلْحُ أُجَاجٌ﴾ [فاطر: ١٢]، ثم صرّح باستخراج اللؤلؤ والمرجان منهما جميعاً
بقوله: ﴿وَمِن كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيئًا وَتَسْتَخْرِجُونَ عِيَةٌ تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢]، والحلية
المذكورة هي: اللؤلؤ والمرجان، فقصره على الملح مناقض للآية صريحاً، كما ترى.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِطَلْمٍ وَأَهْلُهَا غَفِلُونَ
النفي في هذه الآية الكريمة منصب على الجملة الحالية، والمعنى أنه لا يهلك
قوماً في حال غفلتهم، أي عدم إنذارهم ، بل لا يهلك أحداً إلا بعد الإعذار والإنذار
على ألسنة الرسل عليهم صلوات الله وسلامه؛ كما بيّن هذا المعنى في آيات كثيرة،
كقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَقَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله: ﴿رُسُلًا مُّبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ
لِّلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُبَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقوله: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَ
فِيَهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُقٍَّ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَحْتَنِبُواْ
اُلَّغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍ دَرَجَتٌ مِّنَا عَمِلُواْ﴾ .
بيّن في موضع آخر: أن تفاضل درجات العاملين في الآخرة أكبر، وأن تفضيلها
أعظم من درجات أهل الدنيا، وهو قوله: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضَِّ وَلَلْأَخِرَةُ أَكْبَرُ
﴾ [الإسراء].
دَرَجَتٍ وَأَكْبِرُ تَفْضِيلًا
قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ الآية.
اختلف العلماء في المراد بهذا الحق المذكور هنا، وهل هو منسوخ أو لا؟ فقال
جماعة من العلماء: هذا الحق هو الزكاة المفروضة، وممن قال بهذا: أنس بن مالك،
وابن عباس، وطاوس، والحسن، وابن زيد، وابن الحنفية، والضحاك، وسعيد بن
المسيب، ومالك. نقله عنهم القرطبي، ونقله ابن كثير عن أنس وسعيد وغيرهما. ونقله
ابن جرير عن ابن عباس، وأنس، والحسن، وجابر بن زيد، وسعيد بن المسيب،
وقتادة، وطاوس، ومحمد ابن الحنفية، والضحاك، وابن زيد.
قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا﴾ الآية. ذكر في هذه الآية
الكريمة أنهم سيقولون: لو شاء الله ما أشركنا، وذكر في غير هذا الموضع أنهم قالوا ذلك
بالفعل؛ كقوله في النحل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ، مِنْ شَىْءٍ﴾
[النحل: ٣٥]، وقوله في الزخرف: ﴿وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠].
ومرادهم أن الله لما كان قادراً على منعهم من الإشراك، ولم يمنعهم منه أن ذلك دليل

١٧٨
سورة الأنعام: الآيتان (١٥١ - ١٥٢)
على رضاه بشركهم، ولذلك كذبهم هنا بقوله: ﴿قُلِّ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن
تَنَِّعُونَ إِلَّا الَّنَّ﴾ ... الآية، وكذّبهم في الزخرف بقوله: ﴿مَّ لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ
إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠]، وقال في الزمر: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧].
قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئًا﴾ الآية.
الظاهر في قوله: ما حرم ربكم عليكم، أنه مضمن معنى ما وصاكم به فعلاً، أو تركاً؛
لأن كلاً من ترك الواجب وفعل الحرام، حرام؛ فالمعنى وصاكم ألا تشركوا، وأن
تحسنوا بالوالدين إحسانا .
وقد بيّن تعالى أن هذا هو المراد بقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُم مِّنْ إِمْلَقٍ﴾ الآية.
نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن قتل الأولاد من أجل الفقر الواقع
بالفعل؛ ونهى في سورة الإسراء عن قتلهم خشية الفقر المترقب المخوف منه، مع أنه
غير واقع في الحال بقوله: ﴿وَلَ نَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]. وقد أوضح ◌َّ
معناه حين سأله عبد الله بن مسعود قالله: أي الذنب أعظم؟ فقال: ((أن تجعل لله نداً
وهو خلقك))، قال: ثم أي؟ قال: ((أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك))، قال: ثم أي؟
قال: ((أن تزاني حليلة جارك))، ثم تلا رسول الله وَله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا
ءَآخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨].
وأخذ بعض أهل العلم من هذه الآية منع العزل؛ لأنه وَأُد خفي. وحديث جابر:
((كنا نعزل والوحي ينزل))، يدل على جوازه. لكن قال جماعة من أهل العلم: إنه لا
يجوز عن الحرة إلا بإذنها، ويجوز عن الأمة بغير إذنها، والإملاق: الفقر، وقال بعض
أهل العلم: الإملاق: الجوع.
وحكاه النقاش عن مؤرج، وقيل: الإملاق: الإنفاق، يقال: أملق ماله بمعنى
أنفقه، وذكر أن علياً قال لامرأته: أملقي ما شئت من مالك.
وحكي هذا القول عن منذر بن سعيد، ذكره القرطبي، وغيره، والصحيح الأول ..
قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَقِيِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ الآية.
قد يتوهم غير العارف من مفهوم مخالفة هذه الآية الكريمة، أعني مفهوم الغاية في
قوله: ﴿َّى يَبْلُغَ أَشُدَّمُ﴾ أنه إذا بلغ أشده فلا مانع من قربان ماله بغير التي هي أحسن، وليس
ذلك مراداً بالآية، بل الغاية ببلوغ الأشد يراد بها أنه إن بلغ أشده يدفع إليه ماله، إن أونس
منه الرشد، كما بيّنه تعالى بقوله: ﴿فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَأَدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
والتحقيق: أن المراد بالأشد في هذه الآية البلوغ، بدليل قوله تعالى: ﴿إِذَا بَلَغُواْ
النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦].
والبلوغ يكون بعلامات كثيرة: كالإنبات، واحتلام الغلام، وحيض الجارية،
وحملها، وأكثر أهل العلم على أن سن البلوغ خمس عشرة سنة، ومن العلماء من قال:

١٧٩
سورة الأنعام: الآيتان (١٥١ - ١٥٢) .
١٥٢)-
إذا بلغت قامته خمسة أشبار، فقد بلغ، ويروى هذا القول عن علي، وبه أخذ الفرزدق
في قوله یرثي یزید بن المهلب:
ما زال مذ عقدت يداه إزاره ..... فسما فأدرك خمسة الأشبار.
في ظل معتبط الغبار مثار.
يدني خوافق من خوافق تلتقي.
والأشد، قال بعض العلماء: هو واحد لا جمع له كالآنك، وهو الرصاص،
وقيل: واحده شد، كفلس وأفلس، قاله القرطبي وغيره، وعن سيبويه أنه جمع شدة،
ومعناه حسن؛ لأن العرب تقول: بلغ الغلام شدته، إلا أن جمع الفعلة فيه على أفعل
غير معهود، كما قاله الجوهري. وأما أنعم، فليس جمع نعمة، وإنما هو جمع نعم، من
قولهم بؤس ونعم، قاله القرطبي. وقال أيضاً: وأصل الأشد من شد النهار إذا ارتفع،
يقال: أتيته شد النهار، وكان محمد بن محمد الضبي ينشد بيت عنترة:
خضب اللبان ورأسه بالعظام
عهدي به شد النهار كأنما
وقال الآخر:
طويلة أنقاء اليدين سحوق
تطيف به شد النهار ظعينة
قال مقيده - عفا الله عنه -: ومنه قول كعب بن زهير:
قامت فجاوبها نكد مثاكيل
شد النهار ذراعاً عيطل نصف
فقوله: ((شد النهار))، يعني وقت ارتفاعه، وهو بدل من اليوم في قوله قبله :.
كأن ضاحيه بالشمس محلول
يوما يظل به الحرباء مصطخداً
فشد النهار بدل من قوله ((يوماً))، بدل بعض من كل، كما أن قوله: ((يوماً)) بدل
من ((إذا) في قوله قبل ذلك:
كأن أوب ذراعيها إذا عرقت
وقد تلفع بالقور العساقيل
٠٠٠
لأن الزمن المعبر عنه ((بإذا)) هو بعينه اليوم المذكور في قوله ((يوماً يظل)) البيت.
ونظيره في القرآن، قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَمَتِ الطَّامَةُ الْكُبْرَ (٢٤ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَنُ مَا سَعَى
٣٥
[النازعات]، وقوله: ﴿فَإِذَا جَآءَتِ الصَّغَّةُ ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْرَّهُ﴾ ... الآية [عبس: ٣٣، ٣٤]،
وإعراب أبيات كعب هذه يدل على جواز تداخل البدل، وقوله: ((ذراعاً عيطل)) خبر كأن
في قوله: ((كأن أوب ذراعيها)) البيت.
وقال السدي: الأشد ثلاثون سنة، وقيل: أربعون سنة، وقيل: ستون سنة، ولا
يخفى أن هذه الأقوال بعيدة عن المراد بالآية كما بيّنا، وإن جازت لغة، كما قال
سحيم بن وثيل :
أخو خمسين مجتمع أشدى
ونجذني مداورة الشؤون

١٨٠ ــ
سورة الأنعام: الآيات (١٥٢ - ١٥٧)
قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَاَلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. أمر تعالى
في هذه الآية الكريمة بإيفاء الكيل والميزان بالعدل، وذكر أن من أخلّ بإيفائه من غير قصد
منه لذلك، لا حرج عليه لعدم قصده، ولم يذكر هنا عقاباً لمن تعمد ذلك، ولكنه توعده
بالويل في موضع آخر، ووبخه بأنه لا يظن البعث ليوم القيامة، وذلك في قوله: ﴿وَيْلٌ
لِلْمُطَفِّفِينَ ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴿ وَإِذَا كَالُوَهُمْ أَو ◌َزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُ
أُوْلَكَ أَنَّهُم ◌َّبْعُوقُونٌّ (٨) لِيَقْ عَظِيمِ (® يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ [المطففين].
وذكر في موضع آخر أن إيفاء الكيل والميزان خير لفاعله، وأحسن عاقبة، وهو قوله
تعالى: ﴿وَأَوْفُوْ اَلْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِيُواْ بِلْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥)﴾ [الإسراء].
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبٌ﴾. أمر تعالى في هذه الآية الكريمة
بالعدل في القول، ولو كان على ذي قرابة، وصرّح في موضع آخر بالأمر بذلك، ولو
كان على نفسه أو والديه، وهو قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ
لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنَّ﴾ [النساء: ١٣٥].
قوله تعالى: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ﴾ الآية. أمر تعالى في هذه الآية الكريمة بالإيفاء
بعهد الله، وصرح في موضع آخر أن عهد الله سيسأل عنه يوم القيامة، بقوله: ﴿وَأَوْفُواْ
بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، أي عنه.
قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَبُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمَّ﴾ الآية. ذكر تعالى في
هذه الآية الكريمة أن من حكم إنزال القرآن العظيم قطع عذر كفار مكة؛ لئلا يقولوا: لو
أنزل علينا كتاب لعملنا به، ولَكُنَّا أهدى من اليهود والنصارى، الذين لم يعملوا بكتبهم.
وصرح في موضع آخر أنهم أقسموا على ذلك، وأنه لما أنزل عليهم ما زادهم نزوله إلا
نفوراً وبعداً عن الحق، لاستكبارهم ومكرهم السيئ، وهو قوله تعالى: ﴿ وَأَفْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ
أَيْفَتِهِمْ لَيْنِ جَهُمْ نَذِيرٌ لَّيْكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِعْدَى الْأُمَجِّ فَلَمَّا بَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا
٤٣
أَسْتِكَبَارَا فِى الْأَرْضِ وَمَكَرَ السَِّ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَِّّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ،﴾ [فاطر: ٤٢، ٤٣].
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِقَن كَذَّبَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهًا﴾ الآية.
قال بعض العلماء: إن هذا الفعل - أعني صدف - في هذه الآية لازم، ومعناه
أعرض عنها، وهو مروي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة.
وقال السدي: ((صدف)) في هذه الآية متعدية للمفعول، والمفعول محذوف،
والمعنى أنه صدّ غيره عن اتباع آيات الله، والقرآن يدل لقول السدي؛ لأن إعراض هذا
الذي لا أحد أظلم منه عن آيات الله صرّح به في قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَذَّبَ بِثَايَتِ اللَّهِ
وَصَدَفَ عَنْهًا﴾، إذ لا إعراض أعظم من التكذيب، فدل ذلك على أن المراد بقوله:
﴿ وَصَدَفَ عَنهً﴾، أنه صدّ غيره عنها فصار جامعاً بين الضلال والإضلال.
وعلى القول الأول فمعنى ((صدف)) مستغنى عنه بقوله: ((كذب))، ونظير الآية على