النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
سورة المائدة: الآية (٣٥)
وكذلك قوله: ﴿أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضِّ﴾، اختلف العلماء في المراد بالنفي فيه
أيضاً، فقال بعضهم: معناه أن يُطلبوا حتى يقدر عليهم، فيقام عليهم الحد، أو يهربوا من
دار الإسلام، وهذا القول رواه ابن جرير، عن ابن عباس، وأنس بن مالك، وسعيد بن
جبير، والضحاك، والربيع بن أنس، والزهري، والليث بن سعد، ومالك بن أنس ..
وقال آخرون: هو أن ينفوا من بلدهم إلى بلد آخر، أو يخرجهم السلطان، أو نائبه،
من عمالته بالكلية، وقال عطاء الخراساني، وسعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، والحسن،
والزهري، والضحاك، ومقاتل بن حيان: إنهم ينفون، ولا يخرجون من أرض الإسلام.
وذهب جماعة إلى أن المراد بالنفي في الآية السجن؛ لأنه نفي من سعة الدنيا إلى
ضيق السجن، فصار المسجون كأنه منفي من الأرض، إلا من موضع استقراره،
واحتجوا بقول بعض المسجونين في ذلك:
فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها
عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
إذا جاءنا السجان يوماً لحاجة
وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، ولا يخفى عدم ظهوره.
واختار ابن جرير، أن المراد بالنفي في هذه الآية، أن يخرج من بلده إلى بلد
آخر، فيسجن فيه، وروي نحوه عن مالك أيضاً، وله اتجاه؛ لأن التغريب عن الأوطان
نوع من العقوبة، كما يفعل بالزاني البكر، وهذا أقرب الأقوال، لظاهر الآية؛ لأنه من
المعلوم أنه لا يراد نفيهم من جميع الأرض إلى السماء، فعلم أن المراد بالأرض
أوطانهم التي تشق عليهم مفارقتها. والله تعالى أعلم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُاْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَيَسْعَوْنَ فِىِ الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ
يُقَتَّلُواْ﴾، فأمر بإقامة الحدود على المحارب إذا جمع بين شيئين، وهما: المحاربة،
والسعي في الأرض بالفساد. ولم يخص شريفاً من وضيع، ولا رفيعاً من دنيء. اهـ من
القرطبي .
قال مقيده - عفا الله عنه -: ومما يدل على عدم اعتبار المكافأة في قتل الحرابة،
إجماع العلماء على أن عفو ولي المقتول في الحرابة لغو لا أثر له، وعلى الحاكم قتل
المحارب القاتل. فهو دليل على أنها ليست مسألة قصاص خالص، بل هناك تغليظ زائد
من جهة المحاربة.
قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَثَّقُواْ اللَّهَ وَأَبْتَغُوْاْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾
اعلم أن جمهور العلماء على أن المراد بالوسيلة هنا هو القربة إلى الله تعالى
بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه على وفق ما جاء به محمد وَلّ بإخلاص في ذلك لله
تعالى؛ لأن هذا وحده هو الطريق الموصلة إلى رضى الله تعالى، ونيل ما عنده من خير
الدنيا والآخرة.

١٤٢
سورة المائدة: الآية (٣٥)
وأصل الوسيلة الطريق التي تقرب إلى الشيء، وتوصل إليه وهي العمل الصالح
بإجماع العلماء؛ لأنه لا وسيلة إلى الله تعالى إلا باتباع رسوله ﴾، وعلى هذا فالآيات
المبينة للمراد من الوسيلة كثيرة جداً كقوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَتَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ
عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧]، وكقولِه: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ﴾ [آل عمران: ٣١]،
وقوله: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤]، إلى غير ذلك من الآيات.
وروي عن ابن عباس هما أن المراد بالوسيلة الحاجة، ولما سأله نافع الأزرق هل
تعرف العرب ذلك؟ أنشد له بيت عنترة:
إن الرجال لهم إليكِ وسيلة
إن يأخذوكٍ تكخَّلي وتخضَّبي
قال: يعني لهم إليك حاجة، وعلى هذا القول الذي روي عن ابن عباس،
فالمعنى: ﴿وَابْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، واطلبوا حاجتكم من الله؛ لأنه وحده هو الذي
يقدر على إعطائها. ومما يبين معنى هذا الوجه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونٍ
اَللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَبْنَغُواْ عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَأَعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت: ١٧]، وقوله:
﴿وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِّةٍ:﴾، وفي الحديث: ((إذا سألت فاسأل الله)).
قال مقيده - عفا الله عنه -: التحقيق في معنى الوسيلة هو ما ذهب إليه عامة
العلماء من أنها التقرب إلى الله تعالى بالإخلاص له في العبادة، على وفق ما جاء به
الرسول * وتفسير ابن عباس داخل في هذا؛ لأن دعاء الله والابتهال إليه في طلب
الحوائج من أعظم أنواع عبادته التي هي الوسيلة إلى نيل رضاه ورحمته.
وبهذا التحقيق تعلم أن ما يزعمه كثير من ملاحدة أتباع الجهال المدعين للتصوف
من أن المراد بالوسيلة في الآية الشيخ الذي يكون له واسطة بينه وبين ربّه، أنه تخبط.
في الجهل والعمى وضلال مبين وتلاعب بكتاب الله تعالى. واتخاذ الوسائط من دون الله
من أصول كفر الكفار، كما صرح به تعالى في قوله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَا إِلَى
اللَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر: ٣] وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَتُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتْنَبُِّونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ
فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِىِ الْأَرْضِّ سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]، فيجب على كل
مكلف أن يعلم أن الطريق الموصلة إلى رضى الله وجنته ورحمته هي اتباع رسوله وَكثير،
ومن حاد عن ذلك فقد ضل سواء السبيل ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيَّكُمْ وَلَآ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَبُ مَن
يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ... الآية [النساء: ١٢٣].
والظاهر أن الوسيلة في بيت عنترة معناها التقرب أيضاً إلى المحبوب؛ لأنه وسيلة
النيل المقصود منه، ولذا أنشد بيت عنترة المذكور ابن جرير، والقرطبي وغيرهما لهذا
المعنى الذي ذكرنا. وجمع الوسيلة: الوسائل، ومنه قول الشاعر:
إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا
وعاد التصافي بيننا والوسائل
وهذا الذي فسرنا به الوسيلة هنا هو معناها أيضاً في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ

١٤٣
سورة المائدة: الآيات (٤١ - ٤٤) -
يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ﴾؟ ... الآية [الإسراء: ٥٧]، وليس المراد
بالوسيلة أيضاً المنزلة التي في الجنة التي أمرنا و * أن نسأل له الله أن يعطيه إياها،
نرجو الله أن يعطيه إياها؛ لأنها لا تنبغي إلا لعبد، وهو يرجو أن يكون هو.
قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوَهُ فَاحْذَرُواْ﴾. في هذه الآية
الكريمة إجمال؛ لأن المشار إليه بقوله هذا، ومفسر الضمير في قوله: ﴿فَخُذُوهُ﴾،
وقوله: ﴿لَّمْ تُؤْتَوَّهُ﴾ لم يصرح به في الآية، ولكن الله أشار له هنا، وذكره في موضع آخر.
اعلم أولاً: أن هذه الآية نزلت في اليهودي واليهودية اللذين زنيا بعد الإحصان،
وكان اليهود قد بدلوا حكم الرجم في التوراة، فتعمدوا تحريف كتاب الله، واصطلحوا
فيما بينهم على أن الزاني المحصن - الذي يعلمون حده في كتاب الله التوراة: الرجم -
أنهم يجلدونه ويفضحونه بتسويد الوجه والإركاب على حمار. فلما زنى المذكوران قالوا
فيما بينهم: تعالوا نتحاكم إلى محمد رَلير في شأن حدهما، فإن حكم بالجلد والتحميم
فخذوا عنه ذلك واجعلوه حجة بينكم وبين الله تعالى ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم
فيهما بذلك، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن المراد بقوله:
﴿هَذَا﴾، وقوله: ﴿فَخُذُوهُ﴾، وقوله: ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْتَوَّهُ﴾ هو الحكم المحرف الذي هو
الجلد والتحميم كما بينا، وأشار إلى ذلك هنا بقوله: ﴿يُحْرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ.
يَقُولُونَ إِنْ أُوتِتُمْ هَذَا﴾؛ يعني المحرف والمبدل الذي هو الجلد والتحميم فخذوه ﴿وَإِن
لَّمْ تُؤْتَوَّهُ﴾ بأن حكم بالحق الذي هو الرجم ﴿فَأَحْذَرُواْ﴾ أن تقبلوه.
وذكر تعالى هذا أيضاً في قوله: ﴿أَ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيِبًا مِنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى
كِتَبِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٣]، يعني التوراة ﴿يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ يعني في شأن الزانيين
المذكورين ﴿ثُمَّ يَتَوَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُعْرِضُونَ﴾ أي عما في التوراة من حكم رجم الزاني
المحصن، وقوله هنا: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَى فَرِيْقٌ مِنْهُمْ وَهُم مُعْرِضُونَ﴾، هو معنى قوله عنهم: ﴿وَإِنِ
لَمْ تُؤْتَوَهُ فَاحْذَرُواْ﴾، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ مِنْ كِنَبِ اَللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاءٌ﴾
أخبر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الأحبار والرهبان استحفظوا كتاب الله يعني
استودعوه، وطلب منهم حفظه، ولم يبين هنا هل امتثلوا الأمر في ذلك وحفظوه، أو لم
يمتثلوا الأمر في ذلك وضيعوه؟ ولكنه بين في مواضع أخر أنهم لم يمتثلوا الأمر، ولم
يحفظوا ما استحفظوه، بل حرفوه وبدلوه عمداً كقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن ◌َوَاضِعِهِ﴾
[النساء: ٤٦]. وقوله: ﴿يُحْرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ،﴾، وقوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ فَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا
وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١]، وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْثُبُونَ الْكِنَبَ بِأَيْدِبِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ
عِندِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩]، وقوله - جلّ وعلا -: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَغَرِيقًا يَلْوُنَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِنَبِ
لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَبِ وَمَا هُوَ مِنَ اُلْكِتَبِ﴾ [آل عمران: ٧٨]، إلى غير ذلك من الآيات.

١٤٤٠
سورة المائدة: الآية (٤٤)
قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَبِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾. اختلف العلماء
في هذه الآية الكريمة: هل هي في المسلمين، أم في الكفار، فروي عن الشعبي أنها
في المسلمين، وروي عنه أنها في اليهود، وروي عن طاوس أيضاً أنها في المسلمين،
وأن المراد بالكفر فيها كفر دون كفر، وأنه ليس الكفر المخرج من الملة، وروي عن
ابن عباس في هذه الآية أنه قال: ليس الكفر الذي تذهبون إليه، رواه عنه ابن أبي
حاتم، والحاكم وقال: صحيح على شرط الشیخین، ولم يخرجاه، قاله ابن كثير.
قال بعض العلماء: والقرآن العظيم يدل على أنها في اليهود؛ لأنه تعالى ذكر فيما
قبلها أنهم يحرفون الكلم من بعد مواضعه، وأنهم يقولون: ﴿إِنّ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ يعني
الحكم المحرف الذي هو غير حكم الله ﴿فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوَّهُ﴾ أي المحرف، بل أوتيتم
حكم الله الحق ﴿فَأَحْذَّرُواْ﴾، فهم يؤمرون بالحذر من حكم الله الذي يعلمون أنه حق.
وقد قال تعالى بعدها ﴿وَكَيْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، فدل على أن الكلام
فيهم، وممن قال بأن الآية في أهل الكتاب، كما دل عليه ما ذكر: البراء بن عازب،
وحذيفة بن اليمان، وابن عباس وأبو مجلز، وأبو رجاء العطاردي، وعكرمة،
وعبيد الله بن عبد الله، والحسن البصري وغيرهم، وزاد الحسن، وهي علينا واجبة.
نقله عنهم ابن كثير، ونقل نحو قول الحسن عن إبراهيم النخعي.
وقال القرطبي في تفسيره: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَبِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾
و﴿ الظَّالِمُونَ﴾ و﴿ اَلْفَسِقُونَ﴾ نزلت كلها في الكفار، ثبت ذلك في صحيح مسلم من
حديث البراء، وقد تقدم. وعلى هذا المُعْظَم. فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة.
وقيل: فيه إضمار، أي ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ ردًّا للقرآن وجحداً لقول
الرسول څ فهو كافر. قاله ابن عباس ومجاهد.
فالآية عامة على هذا، قال ابن مسعود، والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم
بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار، أي معتقداً ذلك ومستحلاً له.
فأما من فعل ذلك، وهو معتقد أنه مرتكب محرم، فهو من فساق المسلمين وأمره
إلى الله تعالى إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له.
وقال ابن عباس في رواية: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ فقد فعل فعلاً يضاهي
أفعال الكفار، وقيل: أي ومن لم يحكم بجميع ما أنزل فهو كافر. فأما من حكم
بالتوحيد، ولم يحكم ببعض الشرائع فلا يدخل في هذه الآية، والصحيح الأول، إلا أن
الشعبي قال: هي في اليهود خاصة: واختاره النحاس. قال: ويدل على ذلك ثلاثة أشياء:
منها : أن اليهود ذكروا قبل هذا في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾ فعاد الضمير عليهم.
ومنها: أن سياق الكلام يدل على ذلك، ألا ترى أن بعده ﴿وَكَتَبْنَا عَلَهِمْ﴾، فهذا
الضمير لليهود بإجماع، وأيضاً فإن اليهود هم الذين أنكروا الرجم والقصاص، فإن قال

١٤٥
سورة المائدة: الآية (٤٤) .
قائل: (مَنْ)) إذا كانت للمجازاة فهي عامة إلا أن يقع دليل على تخصيصها. قيل له:
((من)) هنا بمعنى الذي، مع ما ذكرناه من الأدلة. والتقدير: واليهود الذين لم يحكموا
بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. فهذا من أحسن ما قيل في هذا.
ويروى أن حذيفة سئل عن هذه الآيات، أهي في بني إسرائيل؟ فقال: نعم هي
فيهم، ولتسلكن سبيلهم حذو النعل بالنعل، وقيل: الكافرون للمسلمين، والظالمون
لليهود، والفاسقون للنصارى، وهذا اختيار أبي بكر بن العربي، قال: لأنه ظاهر
الآيات، وهو اختيار ابن عباس، وجابر بن زيد، وابن أبي زائدة، وابن شبرمة والشعبي
أيضاً. قال طاوس وغيره: ليس بكفر ينقل عن الملة، ولكنه كفر دون كفر.
وهذا يختلف: إن حكم بما عنده على أنه من عند الله فهو تبديل له يوجب الكفر،
وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران
للمذنبين، قال القشيري: ومذهب الخوارج أن من ارتشى، وحكم بحكم غير الله فهو
كافر، وعزا هذا إلى الحسن والسدي، وقال الحسن أيضاً: أخذ الله على الحكام ثلاثة
أشياء: ألا يتبعوا الهوى، وألا يخشوا الناس ويخشوه، وألا يشتروا بآياته ثمناً قليلاً،
انتهى كلام القرطبي.
قال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر المتبادر من سياق الآيات أن آية ﴿فَأُوْلَبِكَ هُمُ
اَلْكَفِرُونَ﴾ نازلة في المسلمين؛ لأنه تعالى قال قبلها مخاطباً لمسلمي هذه الأمة ﴿فَلَا
تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُواْ بِنَايَتِى ثَّمَنَا قَلِيلًا﴾، ثم قال: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ
اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ فالخطاب للمسلمين كما هو ظاهر متبادر من سياق الآية،
وعليه فالكفر إما كفر دون كفر، وإما أن يكون فعل ذلك مستحلاً له، أو قاصداً به جحد
أحكام الله وردها مع العلم بها .
أما من حكم بغير حكم الله، وهو عالم أنه مرتكب ذنباً فاعل قبيحاً، وإنما حمله
على ذلك الهوى فهو من سائر عصاة المسلمين، وسياق القرآن ظاهر أيضاً في أن آية
﴿فَأُوْلَكَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾ في اليهود لأنه قال قبلها: ﴿وَكَبَّنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
وَاُلْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِلسِّنَّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ
تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ, وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الَّلِمُونَ
٤٥
فالخطاب لهم لوضوح دلالة السياق عليه، كما أنه ظاهر أيضاً في أن آية
﴿فَأُوْلَكِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ في النصارى، لأنه قال قبلها: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنِيلِ بِمَآ أَنْزَلَ
@﴾.
اللَّهُ فِيَةٍ وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ
واعلم أن تحرير المقام في هذا البحث أن الكفر والظلم والفسق كل واحد منها
ربما أطلق في الشرع مراداً به المعصية تارة، والكفر المخرج من الملة أخرى: ﴿وَمَن لَّمْ
يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ معارضة للرسل وإبطالاً لأحكام الله فظلمه وفسقه وكفره كلها كفر
٠)

١٤٦
سورة المائدة: الآيات (٤٥ - ٤٧)
مخرج عن الملة، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اَللَّهُ﴾ معتقداً أنه مرتكب حراماً فاعل قبيحاً
فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج عن الملة، وقد عرفت أن ظاهر القرآن يدل على أن
الأولى في المسلمين، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى، والعبرة بعموم الألفاظ
لا بخصوص الأسباب، وتحقيق أحكام الكل هو ما رأيت، والعلم عند الله تعالی.
قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية، قد قدمنا احتجاج أبي
حنيفة كُّ تعالى بعموم هذه الآية على قتل المسلم بالذمي. ونفس الآية فيها إشارة إلى
أن الكافر لا يدخل في عموم الآية، كما ذهب إليه جمهور العلماء، وذلك في قوله
تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ ... الآية.
ومن المعلوم أن الكافر ليس من المتصدقين الذين تكون صدقتهم كفارة لهم؛ لأن
الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة، نبه على هذا إسماعيل القاضي في أحكام القرآن كما
نقله ابن حجر في فتح الباري، وما ذكره إسماعيل القاضي من أن الآية تدل أيضاً على
عدم دخول العبد، بناء على أنه لا يصح له التصدق بجرحه؛ لأن الحق لسيده غير
مسلّم؛ لأن من العلماء من يقول: إن الأمور المتعلقة ببدن العبد كالقصاص، له العفو
فيها دون سيده، وعليه فلا مانع من تصدقه بجرحه، وعلى قول من قال: إن معنى ﴿فَهُوَ
كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾، أن التصدق بالجناية كفارة للجاني، لا للمجني عليه، فلا مانع أيضاً من
الاستدلال المذكور بالآية؛ لأن الله لا يذكر عن الكافر أنه متصدق؛ لأن الكافر لا
صدقة له لكفره، وما هو باطل لا فائدة فيه لا يذكره الله تعالى في معرض التقرير
والإثبات، مع أن هذا القول ضعيف في معنى الآية.
وجمهور العلماء من الصحابة، فمن بعدهم على أن معناها: فهو كفارة للمتصدق،
وهو أظهر؛ لأن الضمير فيه عائد إلى مذكور، وذلك في المؤمن قطعاً دون الكافر،
فالاستدلال بالآية ظاهر جداً.
قوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ اَلْإِنِيلِ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيَّةٍ﴾. لم يبين هنا شيئاً مما أنزل
في الإنجيل الذي أمر أهل الإنجيل بالحكم به، وبين في مواضع أخر أن من ذلك
البشارة بمبعث نبينا محمد وسيلة، ووجوب اتباعه. والإيمان به كقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ
مَرْيَمَ يَفِىّ إِسْرَّهِلَ إِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَّ مِنَ النَّوْرَةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْنِى مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ:
أَخَدٌ﴾ [الصف: ٦]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّىَّ الْأُمِنَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا
عِندَهُمْ فِىِ التَّوْرَةِ وَالْإِنِلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، إلى غير ذلك من الآيات.
لطيفة لها مناسبة بهذه الآية الكريمة:
ذكر بعض العلماء أن نصرانياً قال لعالم من علماء المسلمين: ناظرني في الإسلام
والمسيحية أيهما أفضل؟ فقال العالم للنصراني: هلمَّ إلى المناظرة في ذلك، فقال

١٤٧
سورة المائدة: الآية (٤٧)
النصراني: المتفق عليه أحق بالاتباع أم المختلف فيه؟ فقال العالم: المتفق عليه أحق
بالاتباع من المختلف فيه؟ فقال النصراني: إذن يلزمكم اتباع عيسى معنا، وترك اتباع
محمد وهو؛ لأننا نحن وأنتم نتفق على نبوة عيسى، ونخالفكم في نبوة محمد عليهما
الصلاة والسلام، فقال المسلم: أنتم الذين تمتنعون من اتباع المتفق عليه؛ لأن المتفق
عليه الذي هو عيسى قال لكم: ﴿ وَمُبَتِّرًا بِرَسُولٍ يَأْنِى مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُمْ أَحْمَدٌ﴾ [الصف: ٦]، فلو
كنتم متبعين عيسى حقاً لاتبعتم محمداً وَله، فظهر أنكم أنتم الذين لم تتبعوا المتفق عليه
ولا غيره. فانقطع النصراني.
ولا شك أن النصارى لو كانوا متبعين عيسى، لاتبعوا محمداً ێ .
قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِفُونَ﴾ .
قد قدمنا أن هذه الآية في النصارى، والتي قبلها في اليهود، والتي قبل تلك في
المسلمين، كما يقتضيه ظاهر القرآن.
وقد قدمنا أن الكفر، والظلم، والفسق كلها يطلق على المعصية بما دون الكفر،
وعلى الكفر المخرج من الملة نفسه. فمن الكفر بمعنى المعصية. قوله وسلّ لما سألته
المرأة عن سبب كون النساء أكثر أهل النار، أن ذلك واقع بسبب كفرهن ثم فسره بأنهن
يكفرن العشير. ومن الكفر بمعنى المخرج عن الملة، قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَاَ اَلْكَفِرُونَ
لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾﴾ الآية [الكافرون)، ومن الظلم بمعنى الكفر قوله تعالى:
﴿وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا
يَضُرٌُّ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَا مِّنَ الظَّلِينَ ﴿٤﴾ [يونس] وقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
[لقمان: ١٣]. ومنه بمعنى المعصية قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ﴾
[فاطر: ٣٢]. ومن الفسق بمعنى الكفر قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَنَّهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُواْ أَنْ
يَخْرُجُواْ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠]. ومنه بمعنى المعصية قوله في الذين قذفوا
عائشة، ◌َّ: ﴿وَلَ نَقْبَلُوْ لَمْ شَهْدَةً أَبَدًا وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ [النور: ٤].
ومعلوم أن القذف ليس بمخرج عن الملة، ويدل له قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَءُو
يَلِفِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾ [النور: ١١]. ومن الفسق بمعنى المعصية أيضاً، قوله في الوليد بن
عقبة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَلٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية [الحجرات: ٦].
وقد قدمنا أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، فمن كان امتناعه من
الحكم بما أنزل الله، لقصد معارضته ورده، والامتناع من التزامه، فهو كافر ظالم فاسق
كلها بمعناها المخرج من الملة. ومن كان امتناعه من الحكم لهوى، وهو يعتقد قبح
فعله، فكفره وظلمه وفسقه غير المخرج من الملة، إلا إذا كان ما امتنع من الحكم به
شرطاً في صحة إيمانه، كالامتناع من اعتقاد ما لا بد من اعتقاده، هذا هو الظاهر في
الآيات المذكورة كما قدمنا، والعلم عند الله تعالى.

١٤٨ _
سورة المائدة: الآية (٥١)
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الْبَهُودَ وَالنَّصَرَّ أَوْلِيَةُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍِّ﴾ .
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض، ولكنه
بين في مواضع أخر أن ولاية بعضهم لبعض زائفة ليست خالصة؛ لأنها لا تستند على
أساس صحيح - هو دين الإسلام -، فبين أن العداوة والبغضاء بين النصارى دائمة إلى
يوم القيامة، بقوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىّ أَخَذْنَا مِيثَقَهُمْ فَنَسُواْ حَقًا مِّنَا
ذُكِرُواْ بِهِ، فَأَغْرَّنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمٍ اُلْقِيَمَةِ﴾، وبين مثل ذلك في اليهود
أيضاً، حيث قال فيهم: ﴿وَقَالَتِ اٌلْهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُوَةٌ غُلَّتْ أَيَدِيِهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ
يُنْفِقُ كَيْفَ بَ وَيَزِيدَنَّ كَثْرًا مِنْهُم ◌َّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن زَّيِّكَ مُغْيَنَا وَكُفْرَا وَأَلْغَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَوَةَ
وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ﴾، والظاهر أنها في اليهود فيما بينهم، كما هو صريح السياق،
خلافاً لمن قال إنها بين اليهود، والنصارى.
وصرح تعالى بعدم اتفاق اليهود معللاً له بعدم عقولهم في قوله: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا
وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر: ١٤].
تنبيه: أخذ بعض العلماء من قوله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أن اليهودي،
والنصراني، يتوارثان. ورده بعض العلماء، بأن المراد بالآية، ولاية اليهود لخصوص
اليهود، والنصارى لخصوص النصارى، وعلى هذا المعنى فلا دليل في الآية لتوارث
اليهود والنصارى.
قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَُّ مِّنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمَّ﴾. ذكر في هذه الآية الكريمة، أن من تولى
اليهود والنصارى من المسلمين فإنه يكون منهم بتوليه إياهم؛ وبين في موضع آخر أن
توليهم موجب لسخط الله، والخلود في عذابه، وأن متوليهم لو كان مؤمناً ما تولاهم،
وهو قوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ
أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِىِ الْعَذَابِ هُمْ خَلِدُونَ ﴿ وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
(٨١)
وَاَلْنَبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اُتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَسِقُونَ (
ونهى في موضع آخر: عن توليهم مبيناً سبب التنفير منه؛ وهو قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا
نَتَوَلَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَبِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا بَيِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبِ اُلْقُرِ﴾ [الممتحنة: ١٣].
وبين في موضع آخر: أن محل ذلك، فيما إذا لم تكن الموالاة بسبب خوف، وتقية،
وإن كانت بسبب ذلك فصاحبها معذور، وهو قوله تعالى: ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِينَ أَوْلِيَآءَ مِنْ
دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَىْءٍإِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةٌ﴾ [آل عمران: ٢٨]،
فهذه الآية الكريمة فيها بيان لكل الآيات القاضية بمنع موالاة الكفار مطلقاً وإيضاح؛ لأن
محل ذلك في حالة الاختيار، وأما عند الخوف والتقية، فيرخص في موالاتهم، بقدر
المداراة التي يكتفى بها شرهم، ويشترط في ذلك سلامة الباطن من تلك الموالاة.
ومن يأتي الأمور على اضطرار. فليس كمثل آتيها اختياراً

١٤٩
سورة المائدة: الآية (٥٣) .
ويفهم من ظواهر هذه الآيات أن من تولى الكفار عمداً اختياراً، رغبة فيهم أنه
کافر مثلهم.
قوله تعالى: ﴿فَرَى الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضٌ يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ تَخْشَ أَنْ تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ فَعَسَى
اللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَآ أَسَرُواْ فِىَّ أَنْفُسِهِمْ نَدِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَهَؤُلَاءِ
الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِلَّهِ جَهْدَ أَيْمَئِمُّ إِنَّهُمْ لَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَسِرِينَ﴾.
ذكر في هذه الآية الكريمة أن الذين في قلوبهم مرض، وهم المنافقون، يعتذرون
عن موالاة الكفار من اليهود بأنهم يخشون أن تدور عليهم الدوائر، أي دول الدهر
الدائرة من قوم إلى قوم، كما قال الشاعر:
كلاكله أناخ بآخرينا
إذا ما الدهر جر على أناس
يعنون إما بقحط فلا يميروننا، ولا يتفضلوا علينا، وإما بظفر الكفار بالمسلمين،
فلا يدوم الأمر للنبي وسط﴿ وأصحابه، زعماً منهم أنهم عند تقلب الدهر بنحو ما ذكر،
يكون لهم أصدقاء كانوا محافظين على صداقتهم، فينالون منهم ما يؤمل الصديق من
صديقه، وأن المسلمين يتعجبون من كذبهم في إقسامهم بالله جهد أيمانهم إنهم لمع
المسلمين، وبين في هذه الآية: أن تلك الدوائر التي حافظوا من أجلها على صداقة
اليهود أنها لا تدور إلا على اليهود، والكفار، ولا تدور على المسلمين، بقوله: ﴿فَعَسَى
اللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ ... الآية، و((عسى)) من الله نافذة؛ لأنه الكريم العظيم
الذي لا يطمع إلا فيما يعطي.
والفتح المذكور قيل: هو فتح المسلمين لبلاد المشركين. وقيل: الفتح الحكم،
كقوله: ﴿رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَئِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩]، وعليه فهو
حكم الله بقتل مقاتلة بني قريظة، وسبي ذراريهم، وإجلاء بني النضير. وقيل: هو فتح
مكة، وهو راجع إلى الأول.
وبين تعالى في موضع آخر أن سبب حلفهم بالكذب للمسلمين أنهم منهم؛ إنما
هو الفَرَقُ أي الخوف، وأنهم لو وجدوا محلاً يستترون فيه عن المسلمين لسارعوا إليه،.
لشدة بغضهم للمسلمين، وهو قوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْوَمَا هُم ◌ِنْكُوَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ
يَفْرَقُونَ ﴾ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئًا أَوْ مَغَرَتٍ أَوْ مُدَّخَلَا لَّوْلَوْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾
[التوبة: ٥٦، ٥٧] ففي هذه الآية بيان سبب أيمان المنافقين. ونظيرها قوله: ﴿أَتَّخَذُوّا
أَيْمَنَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦].
وبين تعالى في موضع آخر أنهم يحلفون تلك الأيمان ليرضى عنهم المؤمنون،
وأنهم إن رضوا عنهم، فإن الله لا يرضى عنهم، وهو قوله: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَضَوْاْ عَنْهُمِّ
فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ (﴾﴾ [التوبة].
وبين في موضع آخر: أنهم يريدون بأيمانهم إرضاء المؤمنين، وأن الله ورسوله

٠١٥٠
سورة المائدة: الآية (٥٤)
أحق بالإرضاء، وهو قوله: ﴿يَحْلِّفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِن
كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦٢].
وبين في موضع آخر أنهم يحلفون لهم ليرضوا عنهم، بسبب أن لهم عذراً
صحيحاً، وأن الله أمرهم بالإعراض عنهم، لا لأن لهم عذراً صحيحاً، بل مع الإعلام
بأنهم رجس، ومأوهم النار بسبب ما كسبوا من النفاق، هو قوله: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ
لَكُمْ إِذَا أُنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمَّ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَنَّهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءُ بِمَا
كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾﴾ [التوبة] ..
وبين في موضع آخر أن أيمانهم الكاذبة سبب لإهلاكهم أنفسهم، وهو قوله:
﴿ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ أُسْتَطَعْنَا أَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ ... الآية [التوبة: ٤٢].
وهذه الأسباب لحلف المنافقين التي ذكرت في هذه الآيات راجعة جميعاً إلى
السبب الأول، الذي هو الخوف، لأن خوفهم من المؤمنين هو سبب رغبتهم في
إرضائهم، وإعراضهم عنهم بأن لا يؤذوهم؛ ولذا حلفوا لهم؛ ليرضوهم وليعرضوا
عنهم؛ خوفاً من أذاهم، كما هو ظاهر.
تنبيه: قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَهَنُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُواْ﴾، فيه
ثلاث قراءات سبعيات:
الأولى: ((یقول)): بلا واو مع الرفع، وبها قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر.
الثانية: ((ويقول)) بإثبات الواو مع رفع الفعل أيضاً، وبها قرأ عاصم، وحمزة،
والكسائي.
الثالثة: بإثبات الواو، ونصب يقول عطفاً على ﴿أَن يَأَتِىَ بِالْفَتْحِ﴾ وبها قرأ أبو عمرو.
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ، فَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمِ يُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ: أَذِلَى
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِينَ﴾. أخبر تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة أنهم إن ارتد
بعضهم فإن الله يأتي عوضاً عن ذلك المرتد بقوم من صفاتهم: الذل للمؤمنين، والتواضع
لهم، ولين الجانب. والقسوة، والشدة على الكافرين. وهذا من كمال صفات المؤمنين،
وبهذا أمر الله نبيه وَعليه، فأمره بلين الجانب للمؤمنين، بقوله: ﴿وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
· [الشعراء]، وأمره
[الحجر: ٨٨]، وقوله: ﴿وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ أَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (5َا﴾
بالقسوة على غيرهم بقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظُ عَلَيْهِمَّ وَمَأْوَنُهُمْ جَهَنَّةٌ
[التوبة]، وأثنى تعالى على نبيه باللين للمؤمنين فى قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ الَّـ
اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وصرح بأن ذلك
المذكور من اللين للمؤمنين، والشدة على الكافرين، من صفات الرسول و آله وأصحابه
بقوله: ﴿تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩].
وقد قال الشاعر في رسول الله قال:

١٥١
سورة المائدة: الآية (٦٦) -
أبر وأوفى ذمة من محمد
وما حملت من ناقة فوق رحلها
وأمضى بحد المشرفي المهند
وأعطى إذا ما طالب العرف جاءه
وقال الآخر فيه :
وما حملت من ناقة فوق رحلها
أشد على أعدائه من محمد
ويفهم من هذه الآيات أن المؤمن يجب عليه أن لا يلين إلا في الوقت المناسب
للين، وألا يشتد إلا في الوقت المناسب للشدة؛ لأن اللين في محل الشدة ضعف
وخور، والشدة في محل اللين حمق وخرق، وقد قال أبو الطيب المتنبي:
إذا قيل حلم قُل فللحلم موضع
وحلم الفتى في غير موضعه جھل
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوْ التَّوْرَةَ وَالْإِنِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِهِمْ لَأَكَلُواْ مِن
فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن أهل الكتاب لو
أطاعوا الله، وأقاموا كتابهم باتباعه، والعلم بما فيه؛ ليسر الله لهم الأرزاق وأرسل
عليهم المطر، وأخرج لهم ثمرات الأرض.
وبين في مواضع أخر أن ذلك ليس خاصاً بهم، كقوله عن نوح وقومه ﴿فَقُلْتُ
جَ يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُعْدِدَّكُمْ بِأَمْوَلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُرُ
اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَُّ كَانَ غَفَّارًا
جَنَّتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَرًا ﴾﴾ [نوح] وقوله عن هود وقومه: ﴿وَيَقَوْمِ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ
تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَلَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَبَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]، وقوله عن
نبينا عليه الصلاة والسلام وقومه: ﴿وَأَنِ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَنِعَكُمْ مَّنَعًا حَسَنًا إِلَى
أَجَلٍ مُسَنَّى﴾ [هود: ٣]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْتَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَنُحْبِيَنَّهُ خَيَوَةً طَيِّبَةٌ﴾ [النحل: ٩٧]. على أحد الأقوال، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ
ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [الأعراف: ٩٦]. وقوله: ﴿وَمَنْ
يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَهًا ﴿﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣] وقوله: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ
بِالصَّلَوةِ وَأَصْطَيِرْ عَلَهَا لَا نَسْشَلُكَ رِزْقًاْ تَّخْنُ نَرْزُقُكُ وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَى (٣)﴾ [طه] ومفهوم الآية: أن
معصية الله تعالى سبب لنقيض ما يستجلب بطاعته، وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله:
﴿ظَهَرَ اُلْفَسَادُ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]، ونحوها من الآيات.
قوله تعالى: ﴿مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ ..
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة، أن أهل الكتاب قسمان: طائفة منهم مقتصدة
في عملها، وكثير منهم سيء العمل، وقسم هذه الأمة إلى ثلاثة أقسام في قوله:
﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ. وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ. وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهَّ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ
اُلْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢] ووعد الجميع بالجنة بقوله: ﴿جَنَّتُ عَدٍْ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِهَا مِنْ
أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلٌّ وَلِبَاسُهُمْ فِيَهَا حَرِيرٌ ﴾﴾ [فاطر]. وذكر القسم الرابع: وهو الكفار
منها بقوله ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ﴾ [فاطر: ٣٦].

١٥٢
سورة المائدة: الآيات (٦٧ - ٧١)
وأظهر الأقوال في المقتصد، والسابق، والظالم: أن المقتصد هو من امتثل
الأمر، واجتنب النهي، ولم يزد على ذلك. وأن السابق بالخيرات هو من فعل ذلك،
وزاد بالتقرب إلى الله بالنوافل، والتورع عن بعض الجائزات؛ خوفاً من أن يكون سبباً
لغيره. وأن الظالم هو المذكور في قوله: ﴿خَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ
عَلَيْهِمْ﴾ الآية [التوبة: ١٠٢]، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ ◌َلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن زَِّكٌ﴾ الآية.
أمر تعالى في هذه الآية نبيه ويله بتبليغ ما أنزل إليه، وشهد له بالامتثال في آيات
متعددة، كقوله: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْعَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ الْبَغُ﴾
@﴾ [الذاريات]، ولو كان يمكن أن
[النور: ٥٤]، وقوله: ﴿فَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنْتَ بِمَلُومٍ
يكتم شيئاً، لكتم قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنَ
تَخْشَنَّهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فمن زعم أنه وبَّ، كتم حرفاً مما أنزل عليه، فقد أعظم
الافتراء على الله وعلى رسوله ێ . .
قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُواْ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَعُواْ ثُمَّ تَبَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ
وَصَقُواْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن بني إسرائيل عموا وصموا مرتين، تتخللهم
توبة من الله عليهم، وبين تفصيل ذلك في قوله: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِيَّ إِسْرَِّيلَ فِ الْكِنَبِ
لَنُفْسِدُنَّ فِ اُلْأَرْضِ مَرَّتَيْنٍ﴾ [الإسراء: ٤]، فبين جزاء عماهم وصممهم في المرة الأولى
بقوله: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُوْلَنْهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥]، وبين
جزاء عماهم، وصممهم في المرة الآخرة بقوله: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُكُواْ وُجُوهَكُمْ
وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِرُواْ مَا عَلَوْاْ تَنْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧]، وبين التوبة
التي بينهما بقوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَكُمْ بِأَقْوَلٍ وَبَنِنَ وَجَعَلْنَكُمْ أَكْثَرَ
نَفِيرًا ﴾﴾ [الإسراء]، ثم بين أنهم إن عادوا إلى الإفساد عاد إلى الانتقام منهم بقوله:
﴿وَإِنْ عُدِتُّمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨]، فعادوا إلى الإفساد بتكذيبه ◌َّ، وكتم صفاته التي في
التوراة، فعاد الله إلى الانتقام منهم، فسلط عليهم نبيه 2 فذبح مقاتلة بني قريظة،
وسبى نساءهم وذراريهم، وأجلى بني قينقاع، وبني النضير. كما ذكر تعالى طرفاً من
ذلك في سورة الحشر. وهذا البيان الذي ذكرنا في هذه الآية ذكره بعض المفسرين،
وكثير منهم لم يذكره، ولكن ظاهر القرآن يقتضيه؛ لأن السياق في ذكر أفعالهم القبيحة
الماضية: من قتل الرسل، وتكذيبهم، إذ قبل الآية المذكورة: ﴿كُلَّا جَآءَهُمْ رَسُولُ بِمَا
لَا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ .
ومعنى ﴿وَحَسِبُواْ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ظنوا ألا يصيبهم بلاء وعذاب من الله بسبب
كفرهم، وقتلهم الأنبياء؛ لزعمهم الباطل أنهم أبناء الله، وأحباؤه، وقوله: ﴿كَثِيرٌ

١٥٣
سورة المائدة: الآيات (٧٤ - ٧٨)
مِنْهُمْ﴾ أحسن أوجه الإعراب فيه؛ أنه بدل من واو الفاعل في قوله: ﴿فَعَمُواْ وَصَفُّواْ﴾،
كقولك: جاء القوم أكثرهم. وقوله: ﴿أَلَّا تَكُونَ فِتْنَهٌ﴾، قرأه حمزة، والكسائي، وأبو
عمرو بالرفع، والباقون بالنصب، فوجه قراءة النصب ظاهر؛ لأن الحسبان بمعنى الظن،
ووجه قراءة الرفع، تنزيل اعتقادهم لذلك - ولو كان باطلاً - منزلة العلم، فتكون أن
مخففة من الثقيلة. والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.
(VE)
. . أشار في هذه الآية، إلى أن الذين قالوا: ﴿إِنَ اَللَّهَ ثَالِثُ فَلَاثَةٍ﴾ لو تابوا إليه من
ذل، لتاب عليهم وغفر لهم؛ لأنه استعطفهم إلى ذلك أحسن استعطاف، وألطفه،
بقوله: ﴿أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَ الَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾، ثم أشار إلى أنهم إن فعلوا ذلك غفر لهم
بقوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، وصرح بهذا المعنى عاماً لجميع الكفار بقوله: ﴿قُل لِلَّذِينَ
كَفَرُوَاْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ ... الآية [الأنفال: ٣٨].
قوله تعالى: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامِ﴾.
ذكر في هذه الآية الكريمة أن عيسى وأمه كانا يأكلان الطعام، وذكر في مواضع أخر
أن جميع الرسل كانوا كذلك. كقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُونَ
الطّعَامَ﴾ الآية [الفرقان: ٢٠]، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْتَهُمْ جَسَدًّا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الأنبياء:
٢]، وقوله: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٧].
وقوله تعالى: ﴿أَنْظُرْ حَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَتِ ثُمَّ أُنْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: معنى
قوله: ﴿يُؤْنَكُونَ﴾ يصرفون عن الحق، والمراد بصرفهم عنه، قول بعضهم: إن الله هو
المسيح ابن مريم، وقول بعضهم: إن الله ثالث ثلاثة، وقول بعضهم: عزيراً ابن الله -
سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً -، وعلى من يقول ذلك لعائن الله إلى يوم القيامة،
فإنهم يقولون هذا الأمر الذي لم يقل أحد أشنع منه ولا أعظم، مع ظهور أدلة التوحيد
المبينة له؛ ولذا قال تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّثُ لَهُمُ الْآَيَتِ ثُمَّ أَنْظُْ أَّى يُؤْفَكُونَ﴾
على سبيل التعجب من أمرهم، كيف يؤفكون إلى هذا الكفر مع وضوح أدلة التوحيد؟!
قوله تعالى: ﴿لُمِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِىَ إِسْرَِّيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَ ابْنِ
مَرْيَةٌ﴾ الآية.
مريم
قال بعض العلماء: الذين لعنوا على لسان داود: الذين اعتدوا في السبت،
والذين لعنوا على لسان عيسى ابن مريم: هم الذين كفروا من أهل المائدة. وعليه فلعن
الأولين مسخهم قردة، كما بينه تعالى بقوله: ﴿وَلَقَّدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ أَعْتَدَوْاْ مِنْكُمْ فِىِ السَّبْتِ
فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِينَ ﴾﴾ [البقرة]، وقوله: ﴿فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن ◌َّا نُهُواْ عَنّهُ قُلْنَا لََّ كُونُواْ
قِرَدَةً خَِفِينَ ﴾ [الأعراف]، ولعن الآخرين هو المذكور في قوله: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ
مِنْكُمْ فَإِّ أُعَذِبُهُ عَذَابًا لََّ أُعَذِّبُهُ، أَحَدًا مِّنَ اُلْعَلَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]، وذكر غير واحد أنه

١٥٤ -
سورة المائدة: الآية (٨٩)
مسخهم خنازير، وهذا القول مروي عن الحسن، وقتادة، ومجاهد، والباقر، نقله
الألوسي في تفسيره، وقال: واختاره غير واحد. ونقله القرطبي عن ابن عباس، وقتادة،
ومجاهد، وأبي مالك، وذكر أنه روي عن النبي ◌َّر .
وقال بعض من قال بهذا القول: إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت، قال داود
عليه الصلاة والسلام: ((اللهم ألبسهم اللعن مثل الرداء، ومثل المنطقة على الحقوين))،
فمسخهم الله قردة، وأصحاب المائدة لما كفروا، قال عيسى عليه الصلاة والسلام:
((اللهم عذب من كفر بعد ما أكل من المائدة عذاباً لم تعذبه أحداً من العالمين، وألعنهم
كما لعنت أصحاب السبت، فأصبحوا خنازير)".
وأن هذا معنى لعنهم على لسان داود، وعيسى ابن مريم. وفي الآية أقوال غير
هذا تركنا التعرض لها؛ لأنها ليست مما نحن بصدده.
قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيَ أَيْمَنْكُمْ وَلَكِن يُؤَاِذُكُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنِّ﴾ .
قد قدمنا في سورة البقرة أن المراد بما عقدتم الأيمان، هو ما قصدتم عقد اليمين فيه،
لا ما جرى على ألسنتكم من غير قصد نحو: ((لا والله)) و((بلى والله))، ومنه قول الفرزدق:
إذا لم تعمد عاقدات العزائم
ولست بمأخوذ بلغو تقوله
وهذا العقد معنوي، ومنه قول الحطيئة:
قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم
شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا
وقرأه حمزة، والكسائي، وشعبة عن عاصم ﴿عَقَّدتُمُ﴾ بالتخفيف بلا ألف. وقرأه
ابن ذكوان عن ابن عامر (عاقدتم) بألف بوزن فاعل، وقرأه الباقون بالتشديد من غير
ألف، والتضعيف والمفاعلة: معناهما مجرد الفعل بدليل قراءة ﴿عَقَّدْتُمُ﴾ بلا ألف، ولا
تضعيف، والقراءات يبين بعضها بعضاً، و(ما) في قوله ﴿بِمَا عَقَّدْتُمْ﴾ مصدرية على
التحقيق لا موصولة، كما قاله بعضهم زاعماً أن ضمير الربط محذوف.
وفي المراد باللغو في الآية أقوال أشهرها عند العلماء اثنان:
الأول: أن اللغو ما يجري على لسان الإنسان من غير قصد، كقوله: ((لا والله))
و((بلى والله)).
وذهب إلى هذا القول الشافعي، وعائشة في إحدى الروايتين عنها. وروي عن ابن
عمر، وابن عباس في أحد قوليه، والشعبي، وعكرمة في أحد قوليه، وعروة بن الزبير، وأبي
صالح، والضحاك في أحد قوليه، وأبي قلابة، والزهري، كما نقله عنهم ابن كثير، وغيره.
القول الثاني: أن اللغو هو أن يحلف على ما يعتقده، فيظهر نفيه، وهذا هو
مذهب مالك بن أنس، وقال: إنه أحسن ما سمع في معنى اللغو، وهو مروي أيضاً عن

١٥٥
سورة المائدة: الآية (٩٠).
عائشة، وأبي هريرة، وابن عباس في أحد قوليه، وسليمان بن يسار، وسعيد بن جبير،
ومجاهد في أحد قوليه، وإبراهيم النخعي في أحد قوليه، والحسن، وزرارة بن أوفى،
وأبي مالك، وعطاء الخراساني، وبكر بن عبد الله، وأحد قولي عكرمة، وحبيب بن أبي
ثابت، والسدي، ومكحول، ومقاتل، وطاوس، وقتادة، والربيع بن أنس، ويحيى بن
سعيد، وربيعة، كما نقله عنهم ابن كثير.
والقولان متقاربان، واللغو يشملهما؛ لأنه في الأول لم يقصد عقد اليمين أصلاً،
وفي الثاني لم يقصد إلا الحق والصواب. وغير هذين القولين من الأقوال تركته لضعفه
في نظري. واللغو في اللغة: هو الكلام بما لا خير فيه، ولا حاجة إليه، ومنه حديث:
((إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت، فقد لغوت، أو لغيت)).
وقول العجاج:
ورب أسراب حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلم
قوله تعالى: ﴿تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾.
لم يقيد هنا ((رقبة)) كفارة اليمين بالإيمان، وقيد به كفارة القتل خطأ. وهذه من
مسائل المطلق والمقيد في حالة اتفاق الحكم، مع اختلاف السبب، وكثير من العلماء
يقولون فيه بحمل المطلق على المقيد، فتقيد رقبة اليمين والظهار بالقيد الذي في رقبة
القتل خطأ، حملاً للمطلق على المقيد وخالف في ذلك أبو حنيفة ومن وافقه.
وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب) في سورة النساء عند
قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]؛ ولذلك لم نطل الكلام بها هنا.
والمراد بالتحرير: الإخراج من الرق، وربما استعملته العرب في الإخراج من الأسر
والمشقات، وتعب الدنيا ونحو ذلك، ومنه قول والدة مريم ﴿إِنّ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطِ مُحَّرًا﴾
[آل عمران: ٣٥] أي من تعب أعمال الدنيا، ومنه قول الفرزدق همام بن غالب التميمي:
فوهبتكم لعطية بن جعال
أبني غدانة إنني حررتكم
يعني حررتكم من الهجاء، فلا أهجوكم.
قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنََّا أَلْخَرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ﴾، يفهم من هذه
الآية الكريمة أن الخمر نجسة العين، لأن الله تعالى قال: إنها رجس، والرجس في
كلام العرب كل مستقذر تعافه النفس. وقيل: إن أصله من الركس، وهو العذرة والنتن.
قال بعض العلماء: ويدل لهذا مفهوم المخالفة في قوله تعالى في شراب أهل
الجنة ﴿وَسَقَنْهُمْ رَتُهُمْ شَرَابًا لَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]؛ لأن وصفه لشراب أهل الجنة بأنه طهور
يفهم منه، أن خمر الدنيا ليست كذلك، ومما يؤيد هذا أن كل الأوصاف التي مدح بها
تعالى خمر الآخرة منفية عن خمر الدنيا، كقوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَ هُمْ عَنْهَا يُنْزَقُونَ
[الصافات]، وكقوله: ﴿لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ ﴾﴾ [الواقعة]، بخلاف خمر الدنيا ففيها

١٥٦
سورة المائدة: الآية (٩٥)
غول يغتال العقول، وأهلها يصدعون أي يصيبهم الصداع الذي هو وجع الرأس بسببها،
وقوله ﴿وَلَا يُتِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] على قراءة فتح الزاي مبنياً للمفعول، فمعناه: أنهم لا
يسكرون، والنزيف السكران، ومنه قول حميد بن ثور:
كما ضرج الضاري النزيف المكلما
نزيف ترى ردع العبير بجيبها
يعني أنها في ثقل حركتها كالسكران، وأن حمرة العبير الذي هو الطيب في جيبها
كخمرة الدم على الطريد الذي ضرجه الجوارح بدمه: فأصابه نزيف الدم من جرح
الجوارح له، ومنه أيضاً قول امرئ القيس:
وإذ هي تمشي كمشي النزيف
وقوله أيضاً:
يصرعه بالكثيب البهر
نزيف إذا قامت لوجه تمايلت
تراشي الفؤاد الرخص ألا تخترا
.. "
وقول ابن أبي ربيعة أو جميل:
شرب النزيف ببرد ماء الحشرج
فلثمت فاها آخذاً بقرونها
وعلى قراءة ﴿يُِّفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] بكسر الزاي مبنياً للفاعل، ففيه وجهان من
التفسير للعلماء:
أحدهما: أنه من أنزف القوم إذا حان منهم النزف وهو السكر؛ ونظيره قولهم:
أحصد الزرع؛ إذا حان حصاده، وأقطف العنب؛ إذا حان قطافه، وهذا القول معناه
راجع إلى الأول.
والثاني: أنه من أنزف القوم إذا فنيت خمورهم، ومنه قول الحطيئة:
لعمري لئن أنزفتموا أو صحوتموا. لبئس الندامى أنتم آل أبجرا
قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَقْتُوْ اْلْضَّْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ .
هذه الآية الكريمة يفهم من دليل خطابها - أي مفهوم مخالفتها - أنهم إن حلوا من
إحرامهم جاز لهم قتل الصيد، وهذا المفهوم مصرح به في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلْتُمُ
فَاصْطَادُواْ﴾، يعني: إن شئتم، كما تقدم إيضاحه في أول هذه السورة الكريمة.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَثَلَهُ مِنكُم مُتَعَيِّدًا﴾ الآية.
ذهب جمهور العلماء إلى أن معنى هذه الآية الكريمة: ومن قتله منكم متعمداً
لقتله ذاكراً لإحرامه. وخالف مجاهد ◌ّثُ الجمهور قائلاً: إن معنى الآية: ومن قتله
منكم متعمداً لقتله في حال كونه ناسياً لإحرامه، واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ
اللهُ
فَيَنْئَقِمُ
كما
سياتى إيضاحه إن شاء الله تعالى.
مِنْهُ﴾،
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض
العلماء في الآية قولاً، ويكون فيها قرينة دالة على عدم صحة ذلك القول؛ وإذا عرفت

١٥٧
سورة المائدة : الآيات (٩٦ - ١٠٥)
ذلك فاعلم أن في الآية قرينة واضحة دالة على عدم صحة قول مجاهد تَّثُ، وهي قوله
تعالى: ﴿لَِّذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ،﴾، فإنه يدل على أنه متعمد أمراً لا يجوز، أما الناسي فهو
غير آثم إجماعاً، فلا يناسب أن يقال فيه: ﴿لَذُوقَ وَبَلَ أَمَِّهِ،﴾، كما ترى. والعلم
عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ أَلْبَحْرِ﴾ الآية. ظاهر عموم هذه الآية الكريمة يشمل
إباحة صيد البحر للمحرم بحج أو عمرة، وهو كذلك، كما بينه تخصيصه تعالى تحريم
الصيد على المحرم بصيد البر في قوله: ﴿وَحُرِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، فإنه يفهم
منه أن صيد البحر لا يحرم على المحرم، كما هو ظاهر.
قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ إِلَى
اللَّهِ﴾. قد يتوهم الجاهل من ظاهر هذه الآية الكريمة عدم وجوب الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، ولكن نفس الآية فيها الإشارة إلى أن ذلك فيما إذا بلغ جهده فلم
يقبل منه المأمور، وذلك في قوله ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾؛ لأن من ترك الأمر بالمعروف لم
يهتد. وممن قال بهذا: حذيفة، وسعيد بن المسيب، كما نقله عنهما الألوسي في
تفسيره، وابن جرير، ونقله القرطبي عن سعيد بن المسيب، وأبي عبيد القاسم بن
سلام، ونقل نحوه ابن جرير عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وابن مسعود.
فمن العلماء من قال: ﴿إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾ أي أمرتم فلم يسمع منكم. ومنهم من
قال: يدخل الأمر بالمعروف في المراد بالاهتداء في الآية، وهو ظاهر جداً ولا ينبغي
العدول عنه لمنصف.
ومما يدل على أن تارك الأمر بالمعروف غير مهتد، أن الله تعالى أقسم أنه في خسر
في قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ ﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ ﴿﴿ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
(٣)﴾ [الصبر]، فالحق وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن
وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّيْرِ
المنکر، وبعد أداء الواجب لا یضر الآمر ضلال من ضل؛ وقد دلت الآيات كقوله تعالى:
﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاضَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٥]، والأحاديث على أن
الناس إن لم يأمروا بالمعروف، ولم ينهوا عن المنكر عمهم الله بعذاب من عنده.
فمن ذلك ما خرجه الشيخان في صحيحيهما: عن أم المؤمنين أم الحكم زينب بنت
جحش ◌ّا ((أن النبي ◌َّير دخل عليها فزعاً مرعوباً يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من
شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بأصبعيه الإبهام والتي
تليها، فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث)).
وعن النعمان بن بشير ◌ًا عن النبي و ﴿ قال: ((مثل القائم في حدود الله والواقع
فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، وكان

١٥٨
سورة المائدة: الآية (١٠٥)
الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في
نصيبنا خرقاً، ولم نؤذ من فوقنا. فإن تركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعاً، وإن أخذوا
على أيديهم نجوا، ونجوا جميعاً))، أخرجه البخاري والترمذي .. .
وعن أبي بكر الصديق ﴿به قال: يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية ﴿يَأَيُها
الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُّكُم مَن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ﴾ وإني سمعت رسول الله وَّل
يقول: ((إن رأى الناس الظالم فلم يأخذوا على يده، أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه))،
رواه أبو داوود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة.
وعن ابن مسعود مظلته قال: قال رسول الله وَ له: ((إن أول ما دخل النقص على
بني إسرائيل، أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله، ودع ما تصنع، فإنه
لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه
وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: ﴿لُمِنَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ مِنْ بَفِى إِسْرَّدِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ
يَعْتَدُونَ ﴿٨ كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ
تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِفْسَ مَا قَدَمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ
عَلَيْهِمْ وَفِ الْعَذَابِ هُمْ خَلِدُونَ ﴾﴾ ثم قال: كلا، والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون
عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق
قصراً، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض ثم ليلعنكم كما لعنهم)).
رواه أبو داود والترمذي: وقال: حسن، وهذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي:
قال رسول الله وَّي: ((لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا،
فجالسوهم وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان
داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)) فجلس رسول الله وَالر وكان
متكئاً، فقال: ((لا والذي نفسي بيده حتى بأطروهم على الحق أطراً)).
ومعنى تأطروهم: أي تعطفوهم. ومعنى تقصرونه: تحبسونه.
والأحاديث في الباب كثيرة جداً، وفيها الدلالة الواضحة على أن الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر داخل في قوله: ﴿إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾ ويؤيده كثرة الآيات الدالة على
وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى
(٣)﴾ [آل عمران: ١٠٤]،
اْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل
عمران: ١١٠]، وقوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِي إِسْرَِّيِلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَىَ آَبْنٍ
مَرْيَةُّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ ﴿ كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ
لَبِئْسََ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴿4﴾، وقوله: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن زَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ

١٥٩
سورة الأنعام: الآية (١)
فَلْيَكْفُرَّ﴾ [الكهف: ٢٩]، وقوله: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤]، وقوله: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ
يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوْءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَعِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥]،
وقوله: ﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةٌ لَّا تُصِيبَنَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَضَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٥].
والتحقيق في معناها أن المراد بتلك الفتنة التي تعم الظالم وغيره هي: أن الناس
إذا رأوا المنكر فلم يغيروه عمهم الله بالعذاب، صالحهم، وطالحهم. وبه فسرها جماعة
من أهل العلم. والأحاديث الصحيحة شاهدة لذلك كما قدمنا طرفاً منها .
قوله تعالى: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَدَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذَا لَّمِنَ الْأَثِمِينَ﴾. ذكر في هذه الآية
الكريمة أن كاتم الشهادة آثم، وبين في موضع آخر أن هذا الإئم من الآثام القلبية، وهو
قوله: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَائِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ومعلوم أن منشأ الآثام والطاعات
جميعاً من القلب؛ لأنه إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْنَ بِإِذْنِ﴾. معناه إخراجهم من قبورهم أحياء بمشيئة الله
وقدرته، كما أوضحه بقوله: ﴿وَأَنْرِىءُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَفَ وَأُحْيِ الْمَوْقَ بِذْنِ اَللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩].
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىَ إِسْرَّهِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَتِ﴾ ... الآية. لم
يذكر هنا كيفية كفه إياهم عنه، ولكنه بينه في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ
وَلَكِنْ شُّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]، وقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيَنَا بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٧، ١٥٨]،
وقوله: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [آل عمران: ٥٥]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِبِنَ﴾ الآية. قال بعض أهل العلم: المراد
بالإيحاء إلى الحواريين الإلهام، ويدل له ورود الإيحاء في القرآن بمعنى الإلهام كقوله:
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ الآية [النحل: ٦٨] يعني ألهمها. قال بعض العلماء: ومنه:
[القصص: ٧]. وقال بعض العلماء معناه: أوحيت إلى
مُوسَىّ أنْ أرْضِعِیهِ﴾
وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أَمِّ
الحواريين إيحاءً حقيقياً بواسطة عيسى، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
براسه الرحمن الرحيم
سورة الأنعام
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾
في قوله تعالى: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ وجهان للعلماء:
أحدهما: أنه من العدول عن الشيء بمعنى الانحراف، والميل عنه، وعلى هذا

١٦٠
سورة الأنعام: الآية (٣)
فقوله: ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿كَفَرُوا﴾، وعليه فالمعنى: إن الذين كفروا بربهم يميلون
وينحرفون عن طريق الحق إلى الكفر والضلال، وقيل على هذا الوجه: إن ((الباء)) بمعنى
((عن)) أي يعدلون عن ربهم، فلا يتوجهون إليه بطاعة، ولا إيمان.
وثانيهما: أن ((الباء)» متعلقة بيعدلون، ومعنى يعدلون: يجعلون له نظيراً في العبادة،
من قول العرب: عدلت فلاناً بفلان، إذا جعلته له نظيراً وعديلاً؛ ومنه قول جرير :.
أثعلبة الفوارس أم رياحاً
عدلت بهم طهية والخشابا
يعني أجعلت طهية والخشاب نظراء وأمثالاً لبني ثعلبة، وبني رياح، وهذا الوجه
الأخير يدل له القرآن، كقوله تعالى عن الكفار الذين عدلوا به غيره: ﴿قَالَّهِ إِن كُنَا لَفِى
ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴿﴿ إِذْ نُسَوِّيَكُمْ بِرَبِ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ [الشعراء]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ
يَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وأشار تعالى في آيات كثيرة
إلى أن الكفار ساؤَوْا بين المخلوق والخالق - قبحهم الله تعالى - كقوله: ﴿أَمْ جَمَلُواْ لِلَّهِ
شُرَكَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَبَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمَّ قُلِ اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ الْوَحِدُ اُلْقَهَّرُ﴾ [الرعد: ١٦]،
وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾﴾ [النحل]، وقوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا
مِّنْ أَنْفُسِكُمْ هَل لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِّنِ شُرَكَآءَ فِ مَا رَزَقْنَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ
كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]، إلى غير ذلك من الآيات. وَعِدْل الشي في اللغة مثله،
ونظيره، قال بعض علماء العربية: إذا كانَ من جنسه، فهو عدل - بكسر العين - وإذا.
كان من غير جنسه، فهو عَدل - بفتح العين -. ومن الأول قول مهلهل:
إذا برزت مخبأة الخدور
على أن ليس عدلاً من كليب
إذا اضطرب العضاه من الدبور
على أن ليس عدلاً من كليب
غداة بلابل الأمر الكبير
على أن ليس عِدلاً من كليب
يعني: أن القتلى الذين قتلهم من بكر بن وائل بأخيه كليب - الذي قتله حساس بن
مرة البكري - لا يكافئونه، ولا يعادلونه في الشرف.
ومن الثاني قوله تعالى: ﴿أَوَ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]؛ لأن المراد نظير
الإطعام من الصيام، وليس من جنسه، وقوله: ﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾، وقوله: ﴿وَلَا
يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]، والعدل: الفداء؛ لأنه كأنه قيمة معادلة للمفدى تؤخذ بدله.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِ السَّمَوَتِ وَفِ الْأَرْضِّ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَّكُمْ﴾ ... الآية. في هذه
الآية الكريمة ثلاثة أوجه للعلماء من التفسير. وكل واحد منها له مصداق في كتاب الله تعالى:
الأول: أن المعنى: وهو الله في السماوات وفي الأرض، أي: وهو الإله المعبود
في السماوات والأرض؛ لأنه - جلّ وعلا - هو المعبود وحده بحقِّ في الأرض
والسماء. وعلى هذا فجملة ((يعلم)) حال، أو خبر، وهذا المعنى يبيّنه، ويشهد له قوله
تعالى: ﴿وَهُوَ اُلَّذِىِ فِ السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِ الْأَرْضِ إِلَهُ﴾ [الزخرف: ٨٤]، أي: وهو المعبود في