النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ سورة النساء: الآيات (٢ - ١١) وقال بعض العلماء: معنى إيتائهم أموالهم إجراء النفقة والكسوة زمن الولاية عليهم. وقال أبو حنيفة: إذا بلغ خمساً وعشرين سنة أعطي ماله على كل حال؛ لأنه يصير جدًّا، ولا يخفى عدم اتجاهه. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُواْ أَمْوَهُمْ إِلَّ أَمْوَلِكُمَّ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ . ذكر في هذه الآية الكريمة أن أكل أموال اليتامى حوب كبير؛ أي إثم عظيم، ولم يبين مبلغ هذا الحوب من العظم، ولكنه بينه في موضع آخر وهو قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اَلْيَتَمَى ◌ُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَبَصْلَوْنَ سَعِيرًا ١٠ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِىِ الْيَى فَأَنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. لا يخفى ما يسبق إلى الذهن في هذه الآية الكريمة من عدم ظهور وجه الربط بين هذا الشرط، وهذا الجزاء، وعليه، ففي الآية نوع إجمال، والمعنى كما قالت أم المؤمنين، عائشة هنا: إنه كان الرجل تكون عنده اليتيمة في حجره؛ فإن كانت جميلة، تزوجها من غير أن يقسط في صداقها، وإن كانت دميمة رغب عن نكاحها وعضلها أن تنكح غيره؛ لئلا يشاركه في مالها. فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا إليهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن أي: كما أنه يرغب عن نكاحها إن كانت قليلة المال، والجمال، فلا يحل له أن يتزوجها إن كانت ذات مال وجمال إلا بالإقساط إليها، والقيام بحقوقها كاملة غير منقوصة، وهذا المعنى الذي ذهبت إليه أم المؤمنين، عائشة ﴿ا، يبينه ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى اُلِّسَاءِ قُلِ اَللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَبِ فِ يَتَىِ اُلْنِسَاءِ الَّتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ وقالت: غَّا: إن المراد بما يتلى عليكم في الكتاب هو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِى الْيَ﴾، فتبين أنها يتامى النساء بدليل تصريحه بذلك في قوله: ﴿فِى يَتَلْمَى اُلْنِّسَاءِ الَّتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾. فظهر من هذا أن المعنى: وإن خفتم ألا تقسطوا في زواج اليتيمات فدعوهن، وانكحوا ما طاب لكم من النساء سواهن، وجواب الشرط دليل واضح على ذلك؛ لأن الربط بين الشرط والجزاء يقتضيه، وهذا هو أظهر الأقوال لدلالة القرآن عليه، وعليه فاليتامى جمع يتيمة على القلب، كما قيل: أيامي والأصل أيائم ويتائم لما عرف أن جمع الفعلية فعائل، وهذا القلب يطرد في معتل اللام كقضية، ومطية، ونحو ذلك ويقصر على السماع فيما سوى ذلك. قوله تعالى: ﴿لِلِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلْنِسَآءِ نَصِيبٌ﴾؛ إلى قوله وَمَّفْرُوضًا﴾. لم يبين هنا قدر هذا النصيب الذي هو للرجال والنساء مما ترك الوالدان والأقربون، ولكنه بينه في آيات المواريث كقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ فِىَّ أَوْلَدِكُمْ﴾ الآيتين، وقوله في خاتمة هذه السورة الكريمة: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِ الْكَلَلَّةِ﴾ قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اَللَّهُ فِى أَوْلَدِكُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ ١٠٢ سورة النساء: الآيات (٢ - ١١) لم يبين هنا حكمة تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث مع أنهما سواء في القرابة. ولكنه أشار إلى ذلك في موضع آخر وهو قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى اُلِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنَفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]؛ لأن القائم على غيره المنفق ماله عليه مترقب للنقص دائماً، والمقوم عليه المنفق عليه المال مترقب للزيادة دائماً، والحكمة في إيثار مترقب النقص على مترقب الزيادة جبراً لنقصة المترقب ظاهرة جدًّا. قوله تعالى: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءٍ فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكٌ وَإِن كَانَتْ وَحِدَةً فَلَهَا النَّصْفُ﴾. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن البنات إن كن ثلاثاً فصاعداً، فلهن الثلثان وقوله: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ يوهم أن الاثنتين ليستا كذلك، وصرح بأن الواحدة لها النصف، ويفهم منه أن الاثنتين ليستا كذلك أيضاً، وعليه ففي دلالة الآية على قدر ميراث البنتين إجمال. وقد أشار تعالى: في موضعين إلى أن هذا الظرف لا مفهوم مخالفة له، وأن للبنتين الثلثين أيضاً : الأول: قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، إذ الذكر يرث مع الواحدة الثلثين بلا نزاع، فلا بد أن يكون للبنتين الثلثان في صورة، وإلا لم يكن للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأن الثلثين ليسا بحظ لهما أصلاً، لكن تلك الصورة ليست صورة الاجتماع، إذ ما من صورة يجتمع فيها الابنتان مع الذكر ويكون لهما الثلثان، فتعين أن تكون صورة انفرادهما عن الذكر. واعتراض بعضهم هذا الاستدلال بلزوم الدور قائلاً: إن معرفة أن للذكر الثلثين في الصورة المذكورة تتوقف على معرفة حظ الأنثيين؛ لأنه ما علم من الآية أن للذكر مثل حظ الأنثيين فلو كانت معرفة حظ الأنثيين مستخرجة من حظ الذكر لزم الدور ساقط؛ لأن المستخرج هو الحظ المعين للأنثيين وهو الثلثان، والذي يتوقف عليه معرفة حظ الذكر هو معرفة حظ الأنثيين مطلقاً، فلا دور الانفكاك الجهة، واعترضه بعضهم أيضاً بأن للابن مع البنتين النصف، فيدل على أن فرضهما النصف، ويؤيد الأول أن البنتين لما استحقيا مع الذكر النصف علم أنهما إن انفردتا عنه، استحقتا أكثر من ذلك؛ لأن الواحدة إذا انفردت أخذت النصف، بعدما كانت معه تأخذ الثلث، ويزيده إيضاحاً أن البنت تأخذ مع الابن الذكر الثلث بلا نزاع، فلأن تأخذه مع الابنة الأنثى أولى. فبهذا يظهر أنه - جلّ وعلا -، أشار إلى ميراث البنتين بقوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ كما بينا، ثم ذكر حكم الجماعة من البنات، وحكم الواحدة منهن بقوله: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءٍ فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَّكٌ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةٌ فَلَهَا النِّصْفُ﴾ ومما يزيده إيضاحاً، أنه تعالى فرعه عليه بالفاء في قوله: ﴿فَإِن كُنَّ﴾، إذ لو لم يكن فيما قبله ما يدل على سهم الإناث لم تقع الفاء موقعها كما هو ظاهرحادة ۔ ١٠٣ سورة النساء: الآيات (٢ - ١١) - - الموضع الثاني: هو قوله تعالى في الأختين: ﴿فَإِنِ كَانَتَا أَثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكْ﴾؛ لأن البنت أمسّ رحماً، وأقوى سبباً في الميراث من الأخت بلا نزاع. فإذا صرح تعالى: بأن للأختين الثلثين، علم أن البنتين كذلك من باب أولى، وأكثر العلماء على أن فحوى الخطاب، أعني: مفهوم الموافقة الذي المسكوت فيه أولى بالحكم من المنطوق، من قبيل دلالة اللفظ لا من قبيل القياس، خلافاً للشافعي وقوم، كما علم في الأصول فالله تبارك وتعالى لما بين أن للأختين الثلثين، أفهم بذلك أن البنتين كذلك من باب أولى. وكذلك لما صرح أنه لما زاد على الاثنتين من البنات الثلثين فقط، ولم يذكر حكم ما زاد على الاثنتين من الأخوات، أفهم أيضاً من باب أولى أنه ليس لما زاد من الأخوات غير الثلثين؛ لأنه لما لم يعط للبنات علم أنه لا تستحقه الأخوات، فالمسكوت عنه في الأمرين أولى بالحكم من المنطوق به، وهو دليل على أنه قصد أخذه منه، ويزيد ما ذكرنا إيضاحاً ما أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وابن ماجة، عن جابر بنه، قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صل﴾، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد قتل أبوهما يوم أحد، وإن عمهما أخذ مالهما، ولم يدع لهما مالاً، ولا ينكحان إلا ولهما مال، فقال ◌َله: ((يقضي الله تعالى، في ذلك)). فنزلت آية الميراث فبعث رسول الله بَّه إلى عمهما، فقال: ((اعط ابنتي سعد الثلثين، واعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك)). وما يروى عن ابن عباس ﴿هَا، من أنه قال: للبنتين النصف؛ لأن الله تعالى، قال: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَآءٍ فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكٌ﴾ فصرح بأن الثلثين إنما هما لما فوق الاثنتين فيه أمور، الأول: أنه مردود بمثله؛ لأن الله قال أيضاً: ﴿وَإِن كَانَتْ وَحِدَةً فَلَهَا النَّصْفُّ﴾ فصرح بأن النصف للواحدة جاعلاً كونها واحدة شرطاً معلقاً عليه فرض النصف. وقد تقرر في الأصول أن المفاهيم إذا تعارضت قدم الأقوى منها، ومعلوم أن مفهوم الشرط أقوى من مفهوم الظرف؛ لأن مفهوم الشرط لم يقدم عليه من المفاهيم، إلا ما قال فيه بعض العلماء: إنه منطوق لا مفهوم وهو النفي والإثبات، وإنما من صيغ الحصر والغاية، وغير هذا يقدم عليه مفهوم الشرط قال في (مراقي السعود) مبيناً مراتب مفهوم المخالفة: فما لمنطوق بضعف انتمى أعلاه لا يرشد إلا العلما فالشرط فالوصف الذي يناسب فمطلق الوصف الذي يقارب وهو حجة على النهج الجلي فعدد ثمة تقديم يلي وقال صاحب جمع الجوامع ما نصه: مسألة الغاية: قيل: منطوق والحق مفهوم يتلوه الشرط، فالصفة المناسبة، فمطلق الصفة غير العدد، فالعدد، فتقديم المعمول ... إلخ، وبهذا تعلم أن مفهوم الشرط في قوله: ﴿وَإِن كَانَتْ وَحِدَةٌ فَلَهَا النَّصْفُّ﴾ أقوى من مفهوم الظرف في قوله: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءٍ فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ﴾ الثاني: دلالة الآيات المتقدمة على ١٠٤ - سورة النساء: الآية (١٢) أن للبنتين الثلثين، الثالث: تصريح النبي * بذلك في حديث جابر المذكور آنفاً. الرابع: أنه روي عن ابن عباس الرجوع عن ذلك. قال الألوسي في تفسيره ما نصه: وفي شرح الينبوع نقلاً عن الشريف شمس الدين الأرموني أنه قال في شرح فرائض الوسيط: صح رجوع ابن عباس رضيها عن ذلك فصار إجماعاً. اهـ. منه بلفظة. قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةٌ أَوِ أَمْرَأَةٌ وَلَهُ، أَخُّ أَوْ أُخْتٌ﴾ إلى قوله ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِ الثُّلْثِ﴾. المراد في هذه الآية بالإخوة الذين يأخذ المنفرد منهم السدس وعند التعدد يشتركون في الثلث ذكرهم وأنثاهم، سواء إخوة الأم بدليل بيانه تعالى أن الأخوة من الأب أشقاء أو لا، يرث الواحد منهم كل المال، وعند اجتماعهم يرثّون المال كله للذكر مثل حظ الأنثيين. وقال في المنفرد منهم: وهو يرثها إن لم يكن لها ولد، وقال في جماعتهم: وإن كانوا إخوة رجالاً ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين. وقد أجمع العلماء على أن هؤلاء الإخوة هم الإخوة من الأب، كانوا أشقاء أو لأب. كما أجمعوا على أن قوله: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةً﴾ ... الآية. أنها في إخوة الأم وقرأ سعد بن أبي وقاص وله أخ أو أخت من أم. والتحقيق أن المراد بالكلالة عدم الأصول والفروع كما قال الناظم: هي انقطاع النسل لا محالة ويسألونكِ عن الكلالة. فانقطع الأبناء والجدود لا والد يبقى ولا مولود وهذا قول أبي بكر الصديق ظه وأكثر الصحابة وهو الحق - إن شاء الله تعالى -. واعلم أن الكلالة تطلق على القرابة من غير جهة الولد والوالد، وعلى الميت الذي لم يخلف والداً ولا ولداً، وعلى الوارث الذي ليس بوالد ولا ولد. وعلى المال الموروث عمن ليس بوالد ولا ولد، إلا أنه استعمال غير شائع واختلف في اشتقاق الكلالة. واختار كثير من العلماء أن أصلها من تكاله إذا أحاط به، ومنه الإكليل لإحاطته بالرأس، والكل لإحاطته بالعدد؛ لأن الورثة فيها محيطة بالميت من جوانبه لا من أصله ولا فرعه .. وقال بعض العلماء: أصلها من الكلال بمعنى الإعياء؛ لأن الكلالة أضعف من قرابة الآباء والأبناء. وقال بعض العلماء: أصلها من الكل بمعنى الظهر وعليه فهي ما تركه الميت وراء ظهره، واختلف في إعراب قوله: كلالة. فقال بعض العلماء: هي حال من نائب فاعل يورث على حذف مضاف؛ أي يورث في حال كونه ذا كلالة أي قرابة غير الآباء والأبناء، واختاره الزجاج وهو الأظهر، وقيل: هي مفعول له؛ أي يورث لأجل الكلالة أي القرابة، وقيل: هي خبر كان، ويورث صفة لرجل، أي: كان رجل موروث ذا كلالة ليس بوالد ولا ولد، وقيل غير ذلك والله تعالى أعلم. : ١٠٥ سورة النساء: الآيات (١٥ - ٢٢) - قوله تعالى: ﴿فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُهُنَ فِى الْبُيُوتِ حَقَّ يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. لم يبين هنا هل جعل لهن سبيلاً أو لا؟ ولكنه بين في مواضع أخر أنه جعل لهن السبيل بالحد كقوله في البكر: ﴿الَِّيَةُ وَالزَِّ فَلْلِدُواْ كُلَّ وَجِدٍ مِنْهُمَا﴾ الآية [النور: ٢]. وقوله في الثيب (الشيخ والشيخة إذا زينا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم) لأن هذه الآية باقية الحكم كما صح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضيبه وأرضاه وإن كانت منسوخة التلاوة. وروي عن ابن عباس ﴿ها أن حكم الرجم مأخوذ أيضاً من آية أخرى محكمة غير منسوخة التلاوة وهي قوله تعالى: ﴿أَلَّ تَرَ إِلَى الَّيْنَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ اَلْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَبِ الَِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُعْرِضُونَ (٣)﴾ [آل عمران: ٢٣]؛ فإنها نزلت في اليهودي واليهودية اللذين زنيا وهما محصنان ورجمهما النبي (أَّآ، فذمه تعالى في هذا الكتاب للمعرض عما في التوراة من رجم الزاني المحصن، دليل قرآني واضح على بقاء حكم الرجم، ويوضح ما ذكرنا من أنه تعالى جعل لهن السبيل بالحد قوله وية الثابت في الصحيح: ((خذوا عني: قد جعل الله لهن سبيلاً)). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَبَآَؤُكُمٍ مِنَ الْنِسَآءِ﴾ الآية. نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن نكاح المرأة التي نكحها الأب، ولم يبين ما المراد بنكاح الأب هل هو العقد أو الوطء، ولكنه بين في موضع آخر أن اسم النكاح يطلق على العقد وحده، وإن لم يحصل مسيس وذلك في قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ﴾ [الأحزاب: ٤٩] فصرح بأنه نكاح وأنه لا مسيس فيه. وقد أجمع العلماء على أن من عقد عليها الأب حرمت على ابنه وإن لم يمسها الأب، وكذلك عقد الابن محرم على الأب إجماعاً، وإن لم يمسها وقد أطلق تعالى النكاح في آية أخرى مريداً به الجماع بعد العقد، وذلك في قوله: ﴿فَإِن طَلَقَهَا فَلاَ تِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ لأن المراد بالنكاح هنا ليس مجرد العقد، بل لا بد معه من الوطء كما قال ◌َله لامرأة رفاعة القرظي: ((لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك)) يعني الجماع ولا عبرة بما يروى من المخالفة عن سعيد بن المسيب؛ لوضوح النص الصريح الصحيح في عين المسألة. ومن هنا قال بعض العلماء: لفظ النكاح مشترك بين العقد والجماع، وقال بعضهم: هو حقيقة في الجماع مجاز في العقد؛ لأنه سببه وقال بعضهم بالعكس. تنبيه: قال بعض العلماء: إن لفظة (ما) من قوله: ﴿وَلَا نَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَبَاؤُكُمْ﴾ مصدرية وعليه فقوله: من النساء متعلق بقوله: ﴿نَنكِحُوا﴾ لا بقوله نكح، وتقرير المعنى على هذا القول ولا تنكحوا من النساء نكاح آبائكم أي: لا تفعلوا ما كان يفعله آباؤكم من النكاح الفاسد، وهذا القول هو اختيار ابن جرير، والذي يظهر وجزم به غير واحد من المحققين أن ما موصولة واقعة على النساء التي نكحها الآباء، كقوله تعالى: ﴿فَنْكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ﴾ وقد قدمنا وجه ذلك؛ لأنهم كانوا ينكحون نساء آبائهم ١٠٦ - - سورة النساء: الآيات (١٥ - ٢٢) كما يدل له سبب النزول، فقد نقل ابن كثير عن أبي حاتم أن سبب نزولها أنه لما توفي أبو قيس بن الأسلت خطب ابنه امرأته، فاستأذنت رسول الله و 98 في ذلك، فقال: ارجعي إلى بيتك فنزلت: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَبَاؤُكُمْ﴾ . قال مقيده - عفا الله عنه -: نكاح زوجات الآباء كان معروفاً عند العرب، وممن فعل ذلك أبو قيس بن الأسلت المذكور، فقد تزوج أم عبيد الله وكانت تحت الأسلت أبيه، وتزوج الأسود بن خلف ابنة أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار وكانت تحت أبيه خلف، وتزوج صفوان بن أمية فاختة ابنة الأسود بن المطلب بن أسد. وكانت تحت أبيه أمية، كما نقله ابن جرير عن عكرمة قائلاً: إنه سبب نزول الآية، وتزوج عمرو بن أمية زوجة أبيه بعده فولدت له مسافراً وأبا معيط، وكان لها من أمية أبو العيص وغيره، فكانوا إخوة مسافر وأبي معيط وأعمامها، وتزوج منظور بن زبان بن سيار الفزاري زوجة أبيه مليكة بنت خارجة، كما نقله القرطبي وغيره ومليكة هذه هي التي قال فيها منظور المذكور بعد أن فسخ نكاحها منه عمر بن الخطاب ظته: ألا لا أباً لي اليوم ما فعل الدهر إذا منعت مني مليكة والخمر فإن تك قد أمست بعيداً مزارها فحيّ ابنة المري ما طلع الفجر وأشار إلى تزويج منظور هذا زوجة أبيه ناظم عمود النسب، بقوله في ذكر مشاهير فزارة. منظور الناكح مقتاً وحلف خمسين ما له على منع وقف وقوله: وحلف ... إلخ. قال شارحه: إن معناه أن عمر بن الخطاب حلفه " خمسين يميناً بعد العصر في المسجد أنه لم يبلغه نسخ ما كان عليه أهل الجاهلية من نكاح أزواج الآباء، وذكر السهيلي وغيره أن كنانة بن خزيمة تزوج زوجة أبيه خزيمة فولدت له النضر بن كنانة، قال: وقد قال ◌َ: ((ولدت من نكاح لا من سفاح)) فدل على أن ذلك كان سائغاً لهم. قال ابن كثير: وفيما نقله السهيلي من قصة كنانة نظر، وأشار إلى تضعيف ما ذكره السهيلي ناظم عمود النسب بقوله: شخيصه وأم عنز ثالثه وهند بنت مر أم حارثه كنانة خزيمة وضعفا برة أختها عليها خلفا عذرة التي الهوى يقتلها أختهما عاتكة ونسلها . وذكر شارحه أن الذي ضعف ذلك هو السهيلي نفسه، خلافاً لظاهر كلام ابن كثير ومعنى الأبيات أن هند بنت مر أخت تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس هي أم ثلاثة من أولاد وائل بن قاسط وهم الحارث وشخيص وعنز، وأن أختها برة بنت مر كانت زوجة خزيمة بن مدركة، فتزوجها بعد ابنه كنانة، وأن ذلك مضعف، وأن أختهما عاتكة بنت مر هي أم عذرة أبي القبيلة المشهورة بأن الهوى يقتلها، وقد كان من ١٠٧ سورة النساء: الآيتان (٢٣ - ٢٤) مختلفات العرب في الجاهلية إرث الأقارب أزواج أقاربهم، كان الرجل منهم إذا مات وألقى ابنه أو أخوه مثلاً ثوباً على زوجته ورثها وصار أحق بها من نفسها، إن شاء نكحها بلا مهر وإن شاء أنکحها غيره وأخذ مهرها، وإن شاء عضلها حتى تفتدي منه، إلى أن نهاهم الله عن ذلك بقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ الْنِسَآءَ كَرْهًا﴾ ... الآية. وأشار إلى هذا ناظم عمود النسب بقوله: ولم يقد إليه إلا النزق القول فيما اختلفوا واخترقوا ثم شرع يعدد مختلقاتهم إلى أن قال: ونحوه بعد الثوى ثوباً يريه وأن من ألقى زوج أبيه نكح أو أنكح أو أساء أولى بها من نفسها إن شاء ومهرها في النكحتين للردى بالعضل كي يرثها أو تفتدى وأظهر الأقوال في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أن الاستثناء منقطع، أي لكن ما مضى من ارتكاب هذا الفعل قبل التحريم فهو معفو عنه كما تقدم، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَحَبِلُ أَنَبِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَمْلَبِكُمْ﴾ الآية. يفهم منهن أن حليلة دعيه الذي تبناه لا تحرم عليه، وهذا المفهوم صرح به تعالى في قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ قِنْهَا وَطَرًّا زَوَّجْنَكَهَا لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَجِ أَدْعِبَابِهِمْ إِذَا قَضَوْ مِنْهُنَّ وَطَرَأَّ وَكَانَ أَمْرُ الَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَّكُمْ أَبْنَكُمْ ذَلِكُمْ فَوَّلُكُمْ ◌ِأَفْوَهِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] وقوله: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبّ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٤٠]. أما تحريم منكوحة الابن من الرضاع فهو مأخوذ من دليل خارج وهو تصريحه ولا بأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَالْمُعْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ . اعلم أولاً أن لفظ المحصنات أطلق في القرآن ثلاث إطلاقات: الأول: المحصنات العفائف. ومنه قوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ﴾ أي عفائف غير زانيات. الثاني: المحصنات الحرائر. ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَلَتِهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي على الإماء نصف ما على الحرائر من الجلد. الثالث: أن يراد بالإحصان التزوج. ومنه على التحقيق قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾. أي: فإذا تزوجن. وقول من قال من العلماء: إن المراد بالإحصان في قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَ﴾ الإسلام خلاف الظاهر من سياق الآية؛ لأن سياق الآية في الفتياتِ المؤمنات حيث قال: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ ◌َوْلًا﴾. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية ما نصه: والأظهر والله أعلم أن المراد ١٠٨ - سورة النساء: الآية (٢٤) بالإحصان ههنا التزويج؛ لأن سياق الآية يدل عليه حيث يقول ◌َالَ: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًّا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن ◌َّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِّن فَيَتِكُمُ﴾ والله أعلم. والآية الكريمة سياقها في الفتيات المؤمنات، فتعين أن المراد بقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ أي تزوجن كما فسره ابن عباس وغيره. اهـ. محل الغرض منه بلفظه. فإذا علمت ذلك فاعلم أن في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَآءِ﴾ - أوجه من التفسير هي أقوال للعلماء، والقرآن يفهم منه ترجيح واحد معين منها. قال بعض العلماء: المراد بالمحصنات هنا أعم من العفائف والحرائر والمتزوجات، أي حرمت عليكم جميع النساء إلا ما ملكت أيمانكم بعقد صحيح أو ملك شرعي بالرق، فمعنى الآية على هذا القول تحريم النساء كلهن إلا بنكاح صحيح أو تسر شرعي، وإلى هذا القول ذهب سعيد بن جبير وعطاء والسدي، وحكي عن بعض الصحابة واختاره مالك في الموطأ. وقال بعض العلماء: المراد بالمحصنات في الآية الحرائر، وعليه فالمعنى وحرمت عليكم الحرائر غير الأربع، وأحل لكم ما ملكت أيمانكم من الإماء، وعليه فالاستثناء منقطع. وقال بعض العلماء: المراد بالمحصنات: المتزوجات، وعليه فمعنى الآية وحرمت عليكم المتزوجات؛ لأن ذات الزوج لا تحل لغيره إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي من الكفار، فإن السبي يرفع حكم الزوجية الأولى في الكفر، وهذا القول هو الصحيح، وهو الذي يدل القرآن لصحته؛ لأن القول الأول فيه حمل ملك اليمين على ما يشمل ملك النكاح، وملك اليمين لم يرد في القرآن إلا بمعنى الملك بالرق، كقوله: ﴿فَمِن ◌َّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِّنِ فَيَتِّكُمُ﴾. وقوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وقوله: ﴿وَالضَاحِبٍ بِالْجَنْبِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَالَِّيْنَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونٌ ﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَهُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦،٥] في الموضعين، فجعل ملك اليمين قسماً آخر غير الزوجية. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ اُلْكِتَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النور: ٣٣] فهذه الآيات تدل على أن المراد بما ملكت أيمانكم الإماء دون المنكوحات كما هو ظاهر، وكذلك الوجه الثاني غير ظاهر؛ لأن المعنى عليه: وحرمت عليكم الحرائر إلا ما ملكت أيمانكم، وهذا خلاف الظاهر من معنى لفظ الآية كما ترى. :.. قوله تعالى: ﴿فَمَا أُسْتَمْتَعْثُم بِهِ مِنْهُنَّ فَقَاتُوُهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. يعني: كما أنكم تستمتعون بالمنكوحات فأعطوهن مهوره في مقابلة ذلك، وهذا المعنى تدل له آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ فإفضاء بعضهم إلى بعض المصرح بأنه سبب لاستحقاق الصداق كاملاً، هو بعينه الاستمتاع المذكور هنا في ١٠٩ سورة النساء: الآية (٢٥). قوله: ﴿فَمَا أَسْتَمْتَعْثُم بِهِ، مِنْهُنَّ﴾ ... الآية. وقوله: ﴿وَءَاتُواْ أَلِسَآءَ صَدُقَتِنَّ فِعْلَةٌ﴾، وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩]. فالآية في عقد النكاح، لا في نكاح المتعة كما قال به من لا يعلم معناها، فإن قيل التعبير بلفظ الأجور يدل على أن المقصود الأجرة في نكاح المتعة؛ لأن الصداق لا يسمى أجراً، فالجواب أن القرآن جاء فيه تسمية الصداق أجراً في موضع لا نزاع فيه؛ لأن الصداق لما كان في مقابلة الاستمتاع بالزوجة كما صرح به تعالى في قوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ صار له شبه قوي بأثمان المنافع فسمي أجراً، وذلك الموضع هو قوله تعالى: ﴿فَأَنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورهن بلا نزاع، ومثله قوله تعالى: ﴿وَالْحْصَنَتُ مِنَّ الْمُؤْمِنَتِ وَالْعُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥]؛ أي مهورهن فاتضح أن الآية في النكاح لا في نكاح المتعة. قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ اَلْمُؤْمِنَتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِّن فَيَتِّكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾. ظاهر هذه الآية الكريمة أن الأمة لا يجوز نكاحها، ولو عند الضرورة إلا إذا كانت مؤمنة بدليل قوله: ﴿مِّن فَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾ فمفهوم مخالفته أن غير المؤمنات من الإماء لا يجوز نكاحهن على كل حال، وهذا المفهوم يفهم من مفهوم آية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَاَلْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾ [المائدة: ٥] فإن المراد بالمحصنات فيها الحرائر على أحد الأقوال، ويفهم منه أن الإماء الكوافر لا يحل نكاحهن ولو كن كتابيات، وخالف الإمام أبو حنيفة تفتته فأجاز نكاح الأمة الكافرة، وأجاز نكاح الإماء لمن عنده طول ينكح به الحرائر؛ لأنه لا يعتبر مفهوم المخالفة كما عرف في أصوله - تَخْذَهُ . أما وطء الأمة الكافرة بملك اليمين، فإنها إن كانت كتابية فجمهور العلماء على إياحة وطئها بالملك؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَىَّ أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]. ولجواز نكاح حرائرهم فيحل التسري بالإماء منهم. وأما إن كانت الأمة المملوكة له مجوسية أو عابدة وثن ممن لا يحل نكاح حرائرهم فجمهور العلماء على منع وطئها بملك اليمين. قال ابن عبد البر: وعليه جماعة فقهاء الأمصار وجمهور العلماء، وما خالفه فهو شذوذ لا يعد خلافاً، ولم يبلغنا إباحة ذلك إلا عن طاوس. قال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر من جهة الدليل - والله تعالى أعلم .، جواز وطء الأمة بملك اليمين وإن كانت عابدة وثن أو مجوسية؛ لأن أكثر السبايا في عصره وي﴿ من كفار العرب وهم عبدة أوثان، ولم ينقل عن النبي صل أنه حرم وطأهن بالتملك لكفرهن ولو كان حراماً لبينه، بل قال ◌َ : ((لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة)) ولم يقل حتى يسلمن ولو كان ذلك شرطاً لقاله، وقد أخذ الصحابة سبايا فارس وهن مجوس، ولم ينقل أنهم اجتنبوهن حتى أسلمن. ١١٠ سورة النساء: الآية (٢٥) قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ اَلْعَذَابِ﴾. لم يبين هنا هذا العذاب الذي على المحصنات - وهن الحرائر - الذي نصفه على الإماء، ولكنه بين في موضع آخر أنه جلد مائة بقوله: ﴿الزِّيَّةُ وَالَِّ فَجْلِدُواْ كُلَّ. وَحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةً جَدَةٍ﴾ [النور: ٦] فيعلم منه أن على الأمة الزانية خمسين جلدة، ويلحق بها العبد الزاني فيجلد خمسين، فعموم الزانية مخصوص بنص قوله تعالى: ﴿فَعَلَتِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ وعموم الزاني مخصوص بالقياس على المنصوص؛ لأنه لا فارق البتة بين الحرة والأمة إلا الرق، فعلم أنه سبب تشطير الجلد فأجري في العبد لاتصافه بالرق الذي هو مناط تشطير الجلد، وهذه الآية عند الأصوليين من أمثلة تخصيص عموم النص بالقياس، بناء على أن نوع تنقيح المناط المعروف بإلغاء الفارق يسمى قياساً، والخلاف في كونه قياساً معروف في الأصول. أما الرجم فمعلوم أنه لا يتشطر، فلم يدخل في المراد بالآية. تنبيه: قد علمت مما تقدم أن التحقيق في معنى أحصنَّ أن المراد به تزوجن، وذلك هو معناه على كلتا القراءتين قراءته بالبناء للفاعل والمفعول، خلافاً لما اختاره ابن جرير من أن معنى قراءة أحصن - بفتح الهمزة والصاد مبنياً للفاعل - أسلمن، وأن معنى أحصن ـ بضم الهمزة وكسر الصاد مبنياً للمفعول - زوجن، وعليه فيفهم من مفهوم الشرط في قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾، أن الأمة التي لم تتزوج لا حدَّ عليها إذا زنت؛ لأنه تعالى علق حدها في الآية بالإحصان، وتمسك بمفهوم هذه الآية ابن عباس، وطاوس، وعطاء، وابن جريج، وسعيد بن جبير، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وداود بن علي في رواية فقالوا: لا حد على مملوكة حتى تتزوج، والجواب عن هذا - والله أعلم - أن مفهوم هذه الآية فيه إجمال وقد بينته السنة الصحيحة، وإيضاحه أن تعليق جلد الخمسين المذكور في الآية على إحصان الأمة، يفهم منه أن الأمة التي لم تحصن ليست كذلك فقط، فيحتمل أنها لا تجلد ويحتمل أنها تجلد أكثر من ذلك أو أقل أو ترجم إلى غير ذلك من المحتملات، ولكن السنة الصحيحة دلت على أن غير المحصنة من الإماء كذلك، لا فرق بينها وبين المحصنة، والحكمة في التعبير بخصوص المحصنة دفع توهم أنها ترجم كالحرة، فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني هما قالا: سئل النبي ﴿ عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، قال: ((إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها ثم يبعوها ولو بضفير)). قال ابن شهاب: لا أدري أبعد الثالثة، أو الرابعة، وحمل الجلد في الحديث على التأديب غير ظاهر، لاسيما وفي بعض الروايات التصريح بالحد، فمفهوم هذه الآية هو بعينه الذي سئل عنه النبي ◌ّ، وأجاب فيه بالأمر بالجلد في هذا الحديث المتفق عليه، والظاهر أن السائل ما سأله إلا لأنه أشكل عليه مفهوم هذه الآية، فالحديث نص في محل النزاع، ولو كان جلد غير المحصنة أكثر أو أقل من جلد المحصنة لبينه وقال ١١١ سورة النساء: الآيات (٣٤ - ٤٣) - وبهذا تعلم أن الأقوال المخالفة لهذا لا يعول عليها، كقول ابن عباس ومن وافقه المتقدم آنفاً، وكالقول بأن غير المحصنة تجلد مائة، وهو المشهور عن داود بن علي الظاهري، ولا يخفى بعده وكالقول بأن الأمة المحصنة ترجم وغير المحصنة تجلد خمسين، وهو قول أبي ثور، ولا يخفى شدة بعده. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَلَّتِى تَّخَافُونَ نُشُوزَهُنَ﴾. ذكر في هذه الآية الكريمة أن النشوز قد يحصل من النساء، ولم يبين هل يحصل من الرجال نشوز أو لا؟ ولكنه بين في موضع . آخر أن النشوز أيضاً قد يحصل من الرجال، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾. وأصل النشوز في اللغة الارتفاع، فالمرأة الناشز كأنها ترتفع عن المكان الذي يضاجعها فيه زوجها، وهو في اصطلاح الفقهاء الخروج عن طاعة الزوج، وكأن نشوز الرجل ارتفاعه أيضاً عن المحل الذي فيه الزوجة وتركه مضاجعتها . والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا﴾. لم يبين في هذه الآية الكريمة أقل ما تضاعف به الحسنة، ولا أكثره، ولكنه بين في موضع آخر أن أقل ما تضاعف به عشر أمثالها، وهو قوله: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. وبين في موضع آخر أن المضاعفة ربما بلغت سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، وهو قوله: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] كما تقدم. قوله تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ يَوَذُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَواْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ الآية. على القراءات الثلاث معناه أنهم يتمنون أن يستووا بالأرض، فيكونوا تراباً مثلها على أظهر الأقوال، ويوضح هذا المعنى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْهُ مَا قَدَمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ اُلْكَافُ يَتَنِ كُنْتُ تُرَبًا﴾ [النبأ: ٤٠]. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَكْنُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ . بين في موضع آخر أن عدم الكتم المذكور هنا، إنما هو باعتبار إخبار أيديهم وأرجلهم بكل ما عملوا عند الختم على أفواههم إذا أنكروا شركهم ومعاصيهم وهو قوله تعالى: (٥)﴾ [يس: ٦٥]، ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَ أَفْوَِهِمْ وَتُكَلِمُنَا أَيْدِيِهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ فلا يتنافى قوله: ﴿ وَلَا يَكْثُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ مع قوله عنهم: ﴿وَاللَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وقوله عنهم أيضاً: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوْمٌ﴾ [النحل: ٢٨] وقوله عنهم: ﴿بَل لَّمْ نَكُنْ تَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ [غافر: ٧٤] للبيان الذي ذكرنا والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾. بين تعالى في هذه الآية زوال السكر بأنه هو أن يثوب للسكران عقله، حتى يعلم معنى الكلام الذي يصدر منه بقوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ . قوله تعالى: ﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يَشْتَرُونَ الضَّلَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُواْ ٢١٢ سورة النساء: الآيات (٤٤ - ٤٨) السَّبِيلَ (@). ذكر في هذه الآية الكريمة أن الذين أوتوا نصيباً من الكتاب مع اشترائهم الضلالة يريدون إضلال المسلمين أيضاً. وذكر في موضع آخر أنهم كثير، وأنهم يتمنون ردة المسلمين، وأن السبب الحامل لهم على ذلك إنما هو الحسد، وأنهم ما صدر منهم ذلك إلا بعد معرفتهم الحق وهو قوله تعالى: ﴿وَذَّ كَثِرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدٍ إِمَنِكُمْ كُفَّارًا حَدًا مِّنْ عِندِ أَنْفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]. وذكر في موضع آخر أن هذا الإضلال الذي يتمنونه للمسلمين لا يقع من المسلمين، وإنما يقع منهم - أعني المتمنين الضلال للمسلمين - وهو قوله: ﴿وَدَّت ◌َطَآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يُضِلُونَكُمْ وَمَا يُضِلُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ()﴾ [آل عمران]. قوله تعالى: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَبَ السَّبْتِ﴾. لم يبين هنا كيفية لعنه لأصحاب السبت، ولكنه بين في غير هذا الموضع أن لعنه لهم هو مسخهم قردة ومن مسخه الله قرداً غضباً عليه فهو ملعون بلا شك، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُ الَّذِينَ لَعْتَدَوْاْ مِنْكُمْ فِ السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَّةً خَسِينَ ٦٥) [البقرة]، وقوله: ﴿فَلَمَّا عَتَوْ عَنْ مَّا ◌ُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِِينَ (٣)﴾ [الأعراف]. والاستدلال على مغايرة اللعن للمسخ بعطفه عليه في قوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَّةً عِندَ اللَّهِ مَّن لَّمَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَاُلْخَازِيَرَ﴾ [المائدة: ٦٠] لا يفيد أكثر من مغايرته للمسخ في تلك الآية، كما قاله الألوسي في تفسيره وهو ظاهر، واللعنة في اللغة: الطرد والإبعاد، والرجل الذي طرده قومه وأبعدوه لجناياته تقول له العرب: رجل لعين، ومنه قول الشاعر: ذعرت به القطا ونفيت عنه. مقام الذئب كالرجل اللعين وفي اصطلاح الشرع: اللعنة: الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ومعلوم أن المسخ من أكبر أنواع الطرد والإبعاد. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتََّ إِثْمًا عَظِيمًا (®﴾. ذكر في هذه الآية الكريمة أنه تعالى لا يغفر الإشراك به وأنه يغفر غير ذلك لمن يشاء، وأن من أشرك به فقد افترى إثماً عظيماً. وذكر في مواضع أخر أن محل كونه لا يغفر الإشراك به إذا لم يتب المشرك من ذلك، فإن تاب غفر له كقوله: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠]؛ فإن الاستثناء راجع لقوله: ﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] وما عطف عليه؛ لأن معنى الكل جمع في قوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]، وقوله: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وذكر في موضع آخر: أن من أشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً عن الحق، وهو قوله في هذه السورة الكريمة أيضاً: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ . ١١٣ سورة النساء: الآيات (٤٩ - ٥٩). يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَا بَعِيدًا (٣)﴾. وصرح بأن من أشرك بالله فالجنة عليه حرام ومأواه النار بقوله: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢]، وقوله: ﴿وَنَادَىّ أَصْحَبُ النَّارِ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللّهُ قَالُواْ إِنتَ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِينَ ﴾﴾ [الأعراف] .. وذكر في موضع آخر أن المشرك لا يرجى له خلاص، وهو قوله: ﴿وَمَن يُثْرِ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الظَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِقٍ﴾ [الحج: ٣١] وصرح في موضع آخر: بأن الإشراك ظلم عظيم بقوله عن لقمان مقرراً له: ﴿إِنتَ الشِّرْكَ لَظُلْمً عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. وذكر في موضع آخر: أن الأمن التام والاهتداء، إنما هما لمن لم يلبس إيمانه بشرك، وهو قوله: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَنَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُّ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (13)﴾ [الأنعام] وقد صرح عنه وَّر أن معنى بظلم بشرك. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَّكُونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَِّّ مَن يَشَآءُ﴾ أنكر تعالى عليهم في هذه الآية تزكيتهم أنفسهم بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ﴾ وبقوله: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اَللَّهِ اَلْكَذِبِّ وَكَفَى بِهَ إِثْمَّا قُبِينًا (®﴾ وصرح بالنهي العام عن تزكية النفس وأحرى نفس الكافر التي هي أخس شيء وأنجسه بقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُتْ إِذْ أَنشَأَكُ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِ بُونِ أُمَّهَنِّكُمْ فَلاَ تُزَكُواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَهُ بِمَنِ آَتَفَ﴾ [النجم: ٣٢]. ولم يبين هنا كيفية تزكيتهم أنفسهم، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَرَى نَحْنُ أَبْنَوَأْ اللَّهِ وَأَحِبَّكُمُ﴾ [المائدة: ١٨] وقوله: ﴿وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّ مَن كَانَ هُودَّا أَوْ نَصَرَى﴾ [البقرة: ١١١] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿وَنُدِّلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾. وصف في هذه الآية الكريمة ظل الجنة بأنه ظليل، ووصفه في آية أخرى بأنه دائم، وهي قوله: ﴿أُكُلُهَا دَآْبِرٌ وَظِلُهَا﴾ [الرعد: ٣٥]، ووصفه في آية أخرى بأنه ممدود وهي قوله: ﴿وَظِلِ تَمْدُورِ (٣٥)﴾ [الواقعة: ٣٠]. وبين في موضع آخر أنها ظلال متعددة وهو قوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِ ظِلَلِ وَعُونٍ (4)﴾ [المرسلات]. وذكر في موضع آخر أنهم في تلك الظلال متكئون مع أزواجهم على الأرائك وهو قوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَجُهُمْ فِ ظِلَلٍ عَلَى الْأَرَابِكِ مُتَّكِئُونَ ﴾﴾ [يس]، والأرائك: جمع أريكة وهي السرير في الحجلة؛ والحجلة بيت يزين للعروس بجميع أنواع الزينة، وبين أن ظل أَنْطَلِقُواْ إِلَى ظِلِ ذِى ثَلَثِ أهل النار ليس كذلك بقوله: ﴿أَنْطَلِقُواْ إِلَى مَا كُنتُم بِهِ، تُكَذِّبُونَ (9) شُعَبٍ (٣٨َ لَّا ظَلِيلِ وَلَا يُغْنِى مِنَ اَللَّهَبِ ﴾﴾ [المرسلات]، وقوله: ﴿وَأَصْحَبُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَبُ [الواقعة]. (٤٤ الشِّمَالِ ﴿٨ فِ سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ﴿٨ وَظِلٍ مِّنِ يَحْمُومِ ﴿ لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ. قوله تعالى: ﴿فَإِن نَزَعْنُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية. أمر الله في هذه الآية الكريمة، بأن كل شيء تنازع فيه الناس من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى كتاب الله وسنة نبيه والر؛ لأنه تعالى قال: ﴿مَّن يُطِع ١١٤ سورة النساء: الآيات (٦١ - ٦٥) الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾؛ وأوضح هذا المأمور به هنا بقوله: ﴿وَمَا أُخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اَللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] الآية، ويفهم من هذه الآية الكريمة أنه لا يجوز التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة نبيه وَله، وقد أوضح تعالى هذا المفهوم موبخاً للمتحاكمين إلى غير كتاب الله وسنة نبيه وَله مبيناً أن الشيطان أضلهم ضلالاً بعيداً عن الحق بقوله: ﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَنْ يَكْفُرُواْ بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾﴾، وأشار إلى أنه لا يؤمن أحد حتى يكفر بالطاغوت بقوله: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِلَّغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِالَّهِ فَقَدِ أَسْتَمْسَكَ بِلْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]. ومفهوم الشرط أن من لم يكفر بالطاغوت لم يستمسك بالعروة الوثقى وهو كذلك، ومن لم يستمسك بالعروة الوثقى فهو بمعزل عن الإيمان؛ لأن الإيمان بالله هو العروة الوثقى، والإيمان بالطاغوت يستحيل اجتماعه مع الإيمان بالله؛ لأن الكفر بالطاغوت شرط في الإيمان بالله أو ركن منه، كما هو صريح قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ ... الآية [البقرة: ٢٥٦]. تنبيه: استدل منكرو القياس بهذه الآية الكريمة، أعني قوله تعالى: ﴿فَإِن نَعْثُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾، على بطلان القياس قالوا: لأنه تعالى أوجب الرد إلى خصوص الكتاب والسنة دون القياس، وأجاب الجمهور بأنه لا دليل لهم في الآية؛ لأن إلحاق غير المنصوص بالمنصوص لوجود معنى النص فيه لا يخرج عن الرد إلى الكتاب والسنة، بل قال بعضهم: الآية متضمنة لجميع الأدلة الشرعية، فالمراد بإطاعة الله العمل بالكتاب وبإطاعة الرسول العمل بالسنة، وبالرد إليهما القياس؛ لأن رد المختلف فيه غير المعلوم من النص إلى المنصوص عليه، إنما يكون بالتمثيل والبناء عليه، وليس القياس شيئاً وراء ذلك. وقد علم من قوله تعالى: ﴿فَإِن نَنَزَعْنُمْ﴾ أنه عند عدم النزاع يعلم بالمتفق عليه، وهو الإجماع قاله الألوسي في تفسيره. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا ﴾﴾. ذكر في هذه الآية الكريمة أن المنافقين إذا دعوا إلى ما أنزل الله، وإلى الرسول # يصدون عن ذلك صدوداً؛ أي يعرضون إعراضاً. وذكر في موضع آخر أنهم إذا دعوا إليه ولو ليستغفر لهم لووا رؤوسهم، وصدوا واستكبروا، وهو قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَمْ تَعَالَوْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْاْ رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُونَ وَهُم مُسْتَكْبِرُونَ ﴾﴾ [المنافقون]. قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ﴾﴾. أقسم تعالى في هذه الآية الكريمة بنفسه الكريمة المقدسة، أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم رسوله ﴿ في جميع الأمور، ثم ينقاد لما حكم به ظاهراً وباطناً ويسلمه تسليماً كلياً من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، وبين في آية أخرى ١١٥ سورة النساء: الآيات (٧٢ - ٨٨) أن قول المؤمنين محصور في هذا التسليم الكلي، والانقياد التام ظاهراً وباطناً لما حكم بِهِ وَّ﴾، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُهُوَاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُرَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ الآية [النور: ٥١]. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَصَبَتَّكُم ◌ُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ ذكر في هذه الآية الكريمة أن المنافقين إذا سمعوا بأن المسلمين أصابتهم مصيبة؛ أي من قتل الأعداء لهم، أو جراح أصابتهم، أو نحو ذلك يقولون: إن عدم حضورهم معهم من نعم الله عليهم. وذكر في مواضع أخر أنهم يفرحون بالسوء الذي أصاب المسلمين، كقوله تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا﴾ [آل عمران: ١٢٠] وقوله: ﴿وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ [التوبة: ٥٠]. . وقوله تعالى: ﴿وَلَيِنْ أَصَبَّكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَّمْ تَكُنُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ, مَوَدَّةٌ يَلَيْتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (®﴾. ذكر في هذه الآية الكريمة، أن المنافقين إذا سمعوا أن المسلمين أصابهم فضل من الله، أي: نصر وظفر وغنيمة، تمنوا أن يكونوا معهم ليفوزوا بسهامهم من الغنيمة. وذكر في موضع آخر أن ذلك الفضل الذي يصيب المؤمنين يسوءهم لشدة عداوتهم الباطنة لهم، كقوله تعالى: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَّةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٠] وقوله: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [التوبة: ٥٠]. قوله تعالى: ﴿وَمَن يُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة، أنه سوف يؤتي المجاهد في سبيله أجراً عظيماً سواء أقتل في سبيل الله، أم غلب عدوه، وظفر به. وبين في موضع آخر أن كلتا الحالتين حسنى، وهو قوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَّا إِلََّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] والحسنى صيغة تفضيل؛ لأنها تأنيث الأحسن. قوله تعالى: ﴿وَحَرِّضِ الْؤُمِنِينَ﴾. لم يصرح هنا بالذي يحرض عليه المؤمنين، ما هو، وصرح في موضع آخر بأنه القتال، وهو قوله: ﴿حَرْضِ الْمُؤْمِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]. وأشار إلى ذلك هنا بقوله في أول الآية: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٠] وقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [النساء: ٨٤]. قوله تعالى: ﴿أَثْرِيدُونَ أَنْ تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ . أنكر تعالى في هذه الآية الكريمة على من أراد أن يهدي من أضله الله، وصرح فيها بأن من أضله الله لا يوجد سبيل إلى هداه، وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًاْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمَّ لَهُمْ فِ الدُّنْيَا خِزْىٌّ وَلَهُمْ فِى الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١] وقوله: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلاَ هَادِىَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] ويؤخذ من هذه الآيات أن العبد ١١٦ - سورة النساء: الآيات (٩٥ - ١٠١) ينبغي له كثرة التضرع والابتهال إلى الله تعالى: أن يهديه ولا يضله، فإن من هداه الله لا يضل، ومن أضله لا هادي له؛ ولذا ذكر عن الراسخين في العلم أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا لَا تُعْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨]. قوله تعالى: ﴿لَّا يُسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ﴾ إلى قوله ﴿أَجْرًا. عَظِيمًا ﴾﴾. ذكر في هذه الآية الكريمة أنه فضل المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وأجراً عظيماً، ولم يتعرض لتفضيل بعض المجاهدين على بعضٍ، ولكنه بين ذلك في موضع آخر وهو قوله: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُمُ مَنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلْ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُواْ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْمُسْنَىَّ﴾ [الحديد: ١٠] وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿غيّرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ يفهم من مفهوم مخالفته أن من خلفه العذر إذا كانت نيته صالحة يحصل ثواب المجاهد. وهذا المفهوم صرح به النبي 18 في حديث أنس الثابت في الصحيح أن رسول الله وَّر قال: ((إن بالمدينة أقواماً ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه))، قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟! قال: ((نعم حبسهم العذر)) وفي هذا المعنى قال الشاعر: ؟ يا ظاعنين إلى البيت العتيق لقد سرتم جسوماً، وسرنا نحن أرواحا ومن أقام على عذر فقد راحا إنا أقمنا على عذر وعن قدر تنبيه: يؤخذ من قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكُلّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين؛ لأن القاعدين لو كانوا تاركين فرضاً لما ناسب ذلك وعده لهم الصادق بالحسنى؛ وهي الجنة والثواب الجزيل. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَيُّ فِ الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفِْنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. قال بعض العلماء: المراد بالقصر في قوله: ﴿أَنْ نَقْصُرُواْ﴾ في هذه الآية قصر كيفيتها لا كميتها، ومعنى كيفيتها: أن يجوز فيها من الأمور ما لا يجوز في صلاة الأمن. كأن يصلي بعضهم مع الإمام ركعة واحدة، ويقف الإمام حتى يأتي البعض الآخر فيصلي معهم الركعة الأخرى وكصلاتهم إيماء رجالاً وركباناً وغير متوجهين إلى القبلة، فكل هذا من قصر كيفيتها ويدل على أن المراد هو هذا القصر من كيفيتها، قوله تعالى: بعده يليه مبيناً له ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ فَلْنَهُمْ طَآئِفَةٌ مِنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمِّ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآَبِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةُ أُخْرَى لَمْ يُصَلُواْ فَلْيُصَلُواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] ويزيده إيضاحاً أنه قال هنا: ﴿فَإِذَا أَطْمَأْتَنْتُمْ فَأَقِيمُواْ اٌلْضَّلَوَةٌ﴾ وقال في آية البقرة: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩]؛ لأن معناه فإذا أمنتم فأتموا كيفيتها بركوعها وسجودها وجميع ما يلزم فيها مما يتعذر وقت الخوف. ١١٧ سورة النساء: الآية (١٠٣) · وعلى هذا التفسير الذي دل له القرآن، فشرط الخوف في قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ معتبر أي: وإن لم تخافوا منهم أن يفتنوكم فلا تقصروا من كيفيتها، بل صلوها على أكمل الهيئات، كما صرح به في قوله: ﴿فَإِذَا أَطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ وصرح باشتراط الخوف أيضاً لقصر كيفيتها بأن يصليها الماشي والراكب بقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. ثم قال: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٩]. يعني فإذا أمنتم فأقيموا صلاتكم كما أمرتم بركوعها وسجودها، وقيامها وقعودها، على أكمل هيئة وأتمها، وخير ما يبين القرآن القرآن، ويدل على أن المزاد بالقصر في هذه الآية القصر من كيفيتها كما ذكرنا، أن البخاري صدر باب صلاة الخوف بقوله: باب صلاة الخوف وقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَيُّ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُ أَنْ يَفْئِتَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوْاْ إِنَّ الْكَفِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا ◌ُِّنًا ﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِيِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ فَلْنَقُمْ طَآئِفَةٌ مِنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمّ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآَبِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآَيِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلَيُعَلُواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمَّ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةٌ وَحِدَةٌ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذَى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنْتُم مَرْضَى أَنْ تَضَعُوْاْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَذَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (َ﴾ وما ذكره ابن حجر وغيره من أن البخاري ساق الآيتين في الترجمة ليشير إلى خروج صلاة الخوف عن هيئة بقية الصلوات بالكتاب قولاً، وبالسنة فعلاً، لا ينافي ما أشرنا إليه من أنه ساق الآيتين في الترجمة لينبه على أن قصر الكيفية. الوارد في أحاديث الباب هو المراد بقصر الصلاة في قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُ أَنْ يَغْيِتَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ويؤيده أيضاً أن قصر عددها لا يشترط فيه الخوف، وقد كان ل يقصر هو وأصحابه في السفر وهم في غاية الأمن، كما وقع في حجة الوداع وغيرها، وكما قال ◌َ﴿ لأهل مكة: ((أتموا فإنا قوم سفر)). ومن رغب المزيد فليعد للأصل. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا﴾ .. ذكر في هذه الآية الكريمة أن الصلاة كانت ولم تزل على المؤمنين كتابا أي: شيئاً مكتوباً عليهم واجباً حتماً، موقوتاً أي: له أوقات يجب بدخولها ولم يشر هنا إلى تلك الأوقات، ولكنه أشار لها في مواضع أخر كقوله: ﴿أَفِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اَلَيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ أَلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾﴾ [الإسراء] فأشار بقوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وهو زوالها عن كبد السماء على التحقيق إلى صلاة الظهر والعصر وأشار بقوله: ﴿إِلَى غَسَقِ اَلَيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وهو ظلامه إلى صلاة المغرب والعشاء، وأشار بقوله: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ﴾ [الإسراء: ٧٨] إلى صلاة الصبح وعبر عنها بالقرآن بمعنى القراءة؛ لأنها ركن فيها من التعبير عن الشيء باسم بعضه. ١١٨ سورة النساء: الآية (١٠٤) وهذا البيان أوضحته السنة إيضاحاً كلياً، ومن الآيات التي أشير فيها إلى أوقات الصلاة كما قاله جماعة من العلماء، قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَنَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (®)﴾ [الروم]. قالوا: المراد بالتسبيح في هذه الآية الصلاة. وأشار بقوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ إلى صلاة المغرب والعشاء وبقوله: ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ إلى صلاة الصبح، وبقوله: ﴿وَعَشِيًّا﴾ إلى صلاة العصر، وبقوله: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ إلى صلاة الظهر. وقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] وأقرب الأقوال في الآية أنه أشار بطرفي النهار إلى صلاة الصبح أوله وصلاة الظهر والعصر آخره؛ أي في النصف الأخير منه وأشار بزلف من الليل إلى صلاة المغرب والعشاء. وقال ابن كثير: يحتمل أن الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس، وكان الواجب قبلها صلاتان: صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها، وقيام الليل، ثم . نسخ ذلك بالصلوات الخمس، وعلى هذا فالمراد بطرفي النهار والصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها والمراد بزلف من الليل قيام الليل. قال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر أن هذا الاحتمال الذي ذكره الحافظ ابن كثير تَغَفُ بعيد؛ لأن الآية نزلت في أبي اليسر في المدينة بعد فرض الصلوات بزمن فهي على التحقيق مشيرة لأوقات الصلاة، وهي آية مدنية في سورة مكية وهذه تفاصيل أوقات الصلاة بأدلتها المبينة لها من السنة، ولا يخفى أن لكل وقت منها أولاً وآخراً، أما أول وقت الظهر فهو زوال الشمس عن كبد السماء بالكتاب والسنة والإجماع. : أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿أَقِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]؛ فاللام للتوقيت ودلوك الشمس زوالها عن كبد السماء على التحقيق. وأما السنة فمنها حديث أبي برزة الأسلمي عند الشيخين كان النبي ◌ُّ يصلي الهجير التي تدعونها حين تدحض الشمس ... الحديث، ومعنى تدحض: تزول عن كبد السماء. وفي رواية لمسلم: حين تزول، وفي الصحيحن عن جابر نظُه كان النبي ◌َّر يصلي الظهر بالهاجرة، وفي الصحيحين من حديث أنس نظنه أنه خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر، وفي حديث ابن عباس عن النبي وَّر قال: ((أمني جبريل عند باب البيت مرتين فصلى بي الظهر حين زالت الشمس)) الحديث أخرجه الإمامان الشافعي وأحمد، وأبو داود وابن خزيمة والدارقطني والحاكم في المستدرك وقال: هو حديث صحيح. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُواْ فِى أَبْتِغَاءِ الْقَوْمِّ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (®﴾. نهى الله تعالى المسلمين في هذه الآية الكريمة عن الوهن، وهو الضعف في طلب أعدائهم الكافرين، وأخبرهم بأنهم إن كانوا يجدون الألم من القتل والجراح فالكفار كذلك، والمسلم يرجو من الله من الثواب والرحمة ما لا يرجوه الكافر، فهو ١١٩ سورة النساء: الآيات (١١١ - ١١٤) أحق بالصبر على الآلام منه، وأوضح هذا المعنى في آيات متعددة كقوله: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ فَرْعٌ فَقَدْ مَسَّ اُلْقَوْمَ فَرْحٌ مِثْلُ﴾ [آل عمران: ٣] وكقوله: ﴿فَلَا تَهِنُواْ وَتَدْعُوَاْ إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوَّنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَلَكُمْ (٣٥)﴾ [محمد] ... إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ, عَلَى نَفْسٍِ﴾. ذكر في هذه الآية أن من فعل ذنباً فإنه إنما يضر به خصوص نفسه لا غيرها، وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسِ إِلَّا عَلَيَّهَا وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىْ﴾ [الأنعام: ١٦٤] وقوله: ﴿وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾ ... الآية [فصلت: ٤٦] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ﴾ الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أنه علم نبيه و ﴿ ما لم يكن يعلمه، وبين في مواضع أخر أنه علمه ذلك عن طريق هذا القرآن العظيم الذي أنزله عليه كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَاً إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَ الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًا تَّهْدِى بِهِ، مَن ◌َّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَاً﴾ الآية [الشورى: ٥٢]. وقوله: ﴿فَخْنُ نَقُضُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا [يوسف] إلى غير ذلك من الآيات. اٌلْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ الْغَفِلِينَ قوله تعالى: ﴿لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَدُهُمْ﴾ الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أن كثيراً من مناجاة الناس فيما بينهم لا خير فيه. ونهى في موضع آخر عن التناجي بما لا خير فيه، وبين أنه من الشيطان؛ ليحزن به المؤمنين وهو قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا تَجَيْتُمْ فَلَ تَنْتَجَوْ بِلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَجُواْ بِآلْرِ وَالنَّقْوَىْ وَأَتَّقُواْ اللَّهُ الَّذِىَّ إِلَيْهِ مُشَّرُونَ ﴿ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَنِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيْسَ بِضَارِهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَنَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٣)﴾ [المجادلة]. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِ﴾ لم يبين هنا هل المراد بالناس المسلمون دون الكفار أو لا. ولكنه أشار في مواضع أخر أن المراد بالناس المرغب في الإصلاح بينهم هنا المسلمون خاصة كقوله تعالى: ﴿إِنََّا اُلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقوله: ﴿وَإِن ◌َاِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]. فتخصيصه المؤمنين بالذكر يدل على أن غيرهم ليس كذلك كما هو ظاهر، وكقوله تعالى: ﴿فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]. وقال بعض العلماء: إن الأمر بالمعروف المذكور في هذه الآية في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ يبينه: قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ ﴿ إِنَّ الْإِنسَنَ لَفِى خُسْرٍ ﴾ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ ﴾﴾ [العصر]، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨] والآية الأخيرة فيها أنها في الآخرة، والأمر بالمعروف المذكور إنما هو في الدنيا. والعلم عند الله تعالى. ١٢ سورة النساء: الآيتان (١١٧ - ١١٨) قوله تعالى: ﴿وَإِن يَدْعُونَ إِلَّ شَيْطَنَّا قَرِيدًا﴾. المراد في هذه الآية بدعائهم الشيطان المريد عبادتهم له، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَمَ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِىّ ءَدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّبْطَنِّ﴾ ... الآية [يس: ٦٠]. وقوله عن خليله إبراهيم مقرراً له: ﴿يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ [مريم: ٤٤] وقوله عن الملائكة ﴿بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ أَلْجِنَّ﴾ ... الآية [سبأ: ٤١] وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ زَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] ولم يبين في هذه الآيات ما وجه عبادتهم للشيطان ولكنه بين في آيات أخر أن معنى عبادتهم للشيطان إطاعتهم له واتباعهم لتشريعه وإيثاره على ما جاءت به الرسل من عند الله تعالى كقوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُؤُحُونَ إِلَى أَوْلِيَأْبِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمَّ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقوله: ﴿أَتَّخَذُوَأْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]؛ فإن عدي بن حاتم ظه لما قال للنبي و ﴿ كيف اتخذوهم أرباباً؟ قال له النبي ◌َّ: ((إنهم أحلوا لهم ما حرم الله وحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم)) وذلك هو معنى اتخاذهم إياهم أرباباً، ويفهم من هذه الآيات بوضوح - لا لبس فيه - أن من اتبع تشريع الشيطان مؤثراً له على ما جاءت به الرسل. فهو كافر بالله، عابد للشيطان، متخذ الشيطان رباً وإن سمى اتباعه للشيطان بما شاء من الأسماء؛ لأن الحقائق لا تتغير بإطلاق الألفاظ عليها كما هو معلوم. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ بين هنا فيما ذكر الشيطان كيفية اتخاذه لهذا النصيب المفروض بقوله: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَّأُمَنِيَنَّهُمْ وَلَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِكُنَّ ءَإِذَانَ الْأَنْعَمِ وَلَمَُّهُمْ فَيُغَيْنَ خَلْقَ اَللَّهِ ﴾ المراد بتبتيك آذان الأنعام شق أذن البحيرة مثلاً وقطعها ليكون ذلك سمة وعلامة لكونها بحيرة أو سائبة كما قاله قتادة والسدي وغيرهما، وقد أبطله تعالى بقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيْرَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]. والمراد ببحرها شق أذنها كما ذكرنا والتبتيك في اللغة: التقطيع ومنه قول زهير: حتى إذا ما هوت كف الوليد لها طارت وفي كفه من ريشها بتك أي: قطع، كما بين كيفية اتخاذه لهذا النصيب المفروض في آيات أخر كقوله: : ◌ُمَّ لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ وَمِنْ خَلِّفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَنْ شَيِلِهِمَّ وَلَا ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ( تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِنَ. (َ﴾ [الأعراف] وقوله: ﴿أَرَبَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَى لَبِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ [الإسراء: ٦٢]. ولم يبين هنا هل هذا الظن الذي ظنه إبليس ببني آدم أنه يتخذ منهم نصيباً مفروضاً، وأنه يضلهم تحقق لإبليس، أو لا ولكنه بين في آية أخرى أن ظنه هذا تحقق له وهي قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِسُ ظَنَهُ﴾ [سبأ: ٢٠]. ولم يبين هنا الفريق السالم من كونه من نصيب إبليس، ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾﴾ [الحجر: ٣٩، ٤٠] وقوله: [النحل]، إلى غير ذلك من ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِ مُشْرِكُونَ