النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ مقدمة المؤلف -- الثاني: أن قوله: في السموات وفي الأرض متعلق بقوله: يعلم سركم وعليه فالمعنى وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات والأرض، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ التِزَّ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ الآية [الفرقان: ٦]. الثالث: وهو اختيار ابن جرير أن الوقف على قوله: ﴿فِ السَّمَوَتِ﴾ وقوله: ﴿وَفِى اٌلْأَرْضِ﴾ متعلق بقوله: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ [الأنعام: ٣]، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَمِنْثُم مَّن فِى السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ الآية [الملك: ١٦]، وسترى - إن شاء الله - إيضاحه في الأنعام. ومن أنواع البيان المذكورة فيه تفسير اللفظ بلفظ أشهر منه وأوضح عند السامع كقوله في حجارة قوم لوط: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةٌ مِّن سِجِيلٍ﴾ الآية [الحجر: ٧٤]، فإنه تعالى بيّن في الذاريات في القصة بعينها أن المراد بالسجيل الطين، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَآَ إِلَى قَوْرٍ مُّجْرِنَ (٣) لِتُسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ (٣)﴾ [الذاريات] الآية. ومن أنواع البيان المذكورة فيه أن يرد لفظ محتمل لأن يراد به الذكر وأن تراد به الأنثى، فيبين المراد منهما، ومثاله قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ الآية [البقرة: ٧٢]، فإن النفس تطلق على الذكر والأنثى، وقد أشار تعالى إلى أنها هنا ذكر بتذكير الضمير العائد إليها في قوله: ﴿فَقُلْنَا أَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَاً﴾ الآية [البقرة: ٧٣]. ومن أنواع البيان المذكورة فيه أن يكون الله خلق شيئاً لحكم متعددة فيذكر بعضها في موضع، فإنا نبين البقية المذكورة في المواضع الأخر، ومثاله قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِهْتَدُواْ بِهَا﴾ الآية [الأنعام: ٩٧]، فإن من حكم خلق النجوم تزيين السماء الدنيا ورجم الشياطين أيضاً كما بينه تعالى بقوله: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَلَةَ الذُّنْيَا بِمَصِيحَ وَجَعَلْتَهَا رُجُومًا لِلشَّيَطِينِّ﴾ [الملك: ٥]. وقوله: ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَآءَ الذُّنْيَا بِنَةِ الْكَوَكِ [الصافات]. وَحِفْظًا مِّنْ كُلِّ شَيْطَنِ مَارِدٍ. ومن أنواعها أن يذكر أمر أو نهي في موضع، ثم يبين في موضع آخر هل حصل الامتثال في الأمر أو النهي أو لا؟ وكذلك أن يذكر شرط ثم يذكر في موضع آخر هل حصل ذلك الشرط أو لا؟ فمثال الأمر قوله تعالى لنبيه وَ له والمؤمنين: ﴿قُولُوْ ءَامَنَا بِالَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] إلى قوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦]. فقد بين أنهم امتثلوا هذا الأمر بقوله: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، إلى قوله: وَلَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلٌِّ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. ومثال النهي قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا لَمْ لَا تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ﴾ [النساء: ١٥٤]، فقد بيّن أنهم لم يمتثلوا بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ آَعْتَدَوْاْ مِنكُمْ فِ السَّبْتِ﴾ الآية [البقرة: ٦٥]، وقوله: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِ السَّبْتِ﴾ الآية [الأعراف: ١٦٣]، والمراد بعضهم. ٢٢ - - مقدمة المؤلف ومثال الشرط قوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُذُوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَعُواْ﴾ [البقرة: ٢١٧]، فقد بيّن في أول المائدة أنهم لم يستطيعوا بقوله: ﴿اَلْيَوْمَ يَبِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وقد بينه أيضاً بقوله في براءة والفتح والصف: ﴿ُِظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]. ومن أنواع البيان المذكورة فيه أن يذكر أن شيئاً سيقع ثم يبين وقوعه بالفعل كقوله في الأنعام: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرُوْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا﴾ الآية [الأنعام: ١٤٨]، وصرح في النحل، بأنهم قالوا ذلك بالفعل بقوله: ﴿وَقَالَ الَِّينَ أَشْرَّكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ﴾ الآية [النحل: ٣٥]. ومن أنواع البيان المذكورة في هذا الكتاب المبارك أن يحيل تعالى على شيء ذكر في آية أخرى، فإنا نبين الآية المحال عليها كقوله في النساء: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَتِ الَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَ نَفْعُدُواْ مَعَهُمْ﴾ الآية [النساء: ١٤٠]، والآية المحال عليها هي قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى ◌ّ ءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهٍ﴾ [الأنعام: ٦٨]. ومن أمثلته قوله تعالى في النحل: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ الآية [النحل: ١١٨]، والمراد به ما قص عليه في الأنعام في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى تُظُفُرٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٦]. ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَنتُوهُرَ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فإن محل الإتيان المعبر عنه بلفظة حيث المحال على الأمر به هنا أشير إليه في موضعين: أحدهما: قوله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرَثٌ لَّكُمْ فَأَتُوْ حَرْتَكُمْ أَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]؛ لأن قوله: ﴿فَأَتُواْ﴾ أمر منه تعالى بالإتيان، وقوله: ﴿حَرْثَكُمْ﴾ يعين محل الإتيان وأنه في محل حرث الأولاد وهو القبل دون الدبر فاتضح أن محل الإتيان المأمور به المحال عليه هو محل بذر الأولاد، ومعلوم أنه القبل، وسترى - إن شاء الله - تحقيق تحريم الإتيان في الدبر في سورة البقرة. ثانيهما: قوله تعالى: ﴿فَالْثَنَ بَشِرُوهُنَّ وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. فقوله تعالى: ﴿بَشِرُوهُنَّ﴾ أي جامعوهن، والمراد ب﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمَّ﴾ الولد على التحقيق، وهو قول الجمهور، وعليه فالمعنى جامعوهن ﴿وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمَّ﴾، أي ولتكن تلك المجامعة في محل ابتغاء الولد، ومعلوم أنه القبل دون غيره، وسترى إيضاحه - إن شاء الله تعالى - في محله. ومن أنواع البيان المذكورة فيه أن يذكر شيئاً له أوصاف مذكورة في مواضع أخر، فإنا نبين أوصافه المذكورة في تلك المواضع كقوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلَّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧]، فإنا نبين صفات ظل أهل الجنة المذكورة في غير هذا الموضع كقوله: ﴿أُكُلُهَا (٣)﴾ [الواقعة]، ونحو ذلك، ومنها أيضاً دَآَبِعٌ وَظِلُهَا﴾ [الرعد: ٣٥]، وقوله: ﴿وَظِلٍ تَمَّدُودٍ ٢٣ - مقدمة المؤلف - أن يذكر وصف الشيء، ثم يذكر نقيض ذلك الوصف لضد ذلك الشيء كقوله في ظل أهل النار: ﴿أَنْطَلِقُواْ إِلَى مَا كُنتُم بِهِ، تُكَذِّبُونَ ﴿ أَنَطَلِّقُواْ إِلَى ظِلّ ذِى تَثِ شُعَبٍ ﴿ لَّا ظَلِلٍ وَلَا [المرسلات]، مع ذكر أوصاف ظل أهل الجنة كما قدمنا. يُغْنِ مِنَ اللَّهَبِ ﴾ ومن أهم أنواع البيان المذكورة فيه أن يشير تعالى في الآية من غير تصريح إلى برهان يكثر الاستدلال به في القرآن العظيم على شيء، فإنا نبين ذلك، ومثاله قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءُ وَأَنْزَلَ مِنَ الشَّمَاءِ مَآءَ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١، ٢٢]، فقد أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى ثلاثة براهين من براهين البعث يكثر الاستدلال على البعث بكل واحد منها في القرآن. الأول: خلق الخلائق أولاً فإنه من أعظم الأدلة على القدرة على الخلق مرة أخرى، وقد أشار تعالى إلى هذا البرهان هنا بقوله: ﴿الَّذِى خَلَقَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢١]، وأوضحه في آيات كثيرة كقوله: ﴿قُلْ يُحْبِيهَا الَّذِىّ أَشَأَهَا أَوْلَ مََّةٍ﴾ [يس: ٧٩]. وقوله: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَثُ عَلَيْةٍ﴾ [الروم: ٢٧]. وقوله: ﴿يَّأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنْتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥]، والآيات بمثل هذا كثيرة جدًّا. الثاني: خلق السموات والأرض؛ لأن من خلق ما هو أكبر وأعظم فهو قادر على خلق ما هو أصغر بلا شك، وأشار لذلك هنا بقوله: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءُ﴾ [البقرة: ٢٢] وأوضحه في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقَّا أَمِ السَّمَاءُ بَنَّهَا (٣)﴾ الآية [النازعات]. وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَى وَهُوَ الْخَلَّقُ الْعَلِيمُ ﴾﴾ [يس]، وقوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]، والآيات بمثل هذا كثيرة أيضاً. الثالث: إحياء الأرض بعد موتها، وقد أشار له هنا بقوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَخَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢]، وأوضحه في آيات كثيرة كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِىّ أَحْيَاهَا لَمُحِىِ الْمَوْنَىَّ﴾ [فصلت: ٣٩]، وقوله: ﴿وَيُحِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩]. وقوله: ﴿وَأَحْبَيْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوِيجُ﴾ [ق: ١١]، والآيات بمثل ذلك كثيرة أيضاً، وسترى إن شاء الله تعالى أمثلة كثيرة للبراهين الثلاثة المذكورة في محلها . ومن أنواع البيان المذكورة فيه أن يذكر لفظ عام، ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فيه كقوله: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَكَبِرَ اللَّهِ﴾ الآية [الحج: ٣٢]، فقد صرح بدخول البدن في هذا العموم بقوله بعده: ﴿وَاَلْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُم مِّن شَعَكِ اللَّهِ﴾ الآية [الحج: ٣٦]. واعلم: أن مما التزمنا في هذا الكتاب المبارك أنه إن كان للآية الكريمة مبيّن من القرآن غير واف بالمقصود من تمام البيان فإنا نتمم البيان من السنة من حيث إنها تفسير ٢٤ مقدمة المؤلف للمبين باسم الفاعل، ومثاله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، فقد أشار تعالى إلى أوقاتها في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ الآية [الإسراء: ٧٨]، وقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَ النَّهَارِ ﴾ الآية [هود: ١١٤]، وقوله: ﴿فَسُبْحَنَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾﴾ الآية [الروم]، على ما ذكره جمع من العلماء من أنها في أوقات الصلاة وكقوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، على القول بأنها في الزكاة وأنها غير منسوخة، فإنها تشير لها آيات الزكاة كقوله: ﴿وَءَ اتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله: ﴿وَمِنَّآ أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وكقوله: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِى مَآ أُوِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥]، فإن القرآن زيد فيه على هذا الحصر تحريم الخمر فنبين ما زاده * بالسنة الصحيحة، فمثل هذه المسائل نبينها بياناً تامًّا بالسنة تبعاً للبيان القرآني. واعلم: أن الغالب في الأمثلة التي ذكرناها تعددها في القرآن بكثرة، ومنها ما يتعدد من غير كثرة وربما ذكرنا فرداً من أفراد البيان لا نظير له كإشارته تعالى إلى أقل أمد الحمل بقوله: ﴿وََلُهُ وَفِصَلُهُ ثَكَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]. مع قوله: ﴿وَفِصَلُهُ فِى عَمَيْنٍ﴾ [لقمان: ١٤]، فلم يَبْقَ للحمل من الثلاثين شهراً بعد عامي الفصال إلا ستة أشهر، فدل ذلك على أنها أمد للحمل يوضع فيه تامًّا . واعلم: أن أقسام البيان في هذا الكتاب المبارك بالنسبة إلى المنطوق والمفهوم أربعة؛ لأن كلا من المبين باسم المفعول والمبين باسم الفاعل قد يكون منطوقاً، وقد يكون مفهوماً، فالمجموع أربع من ضرب حالتي المنطوق في حالتي المفهوم. الأولى: بيان منطوق بمنطوق كبيان قوله تعالى: ﴿إِلَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]. وبقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَهُ﴾ الآية [المائدة: ٣]. الثانية: بيان مفهوم بمنطوق كبيان مفهوم قوله: ﴿هُدَّى لِلْمُثَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، · بمنطوق قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِّ ◌َاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّى﴾ [فصلت: ٤٤] وقوله: ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِينَ إلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]. الثالثة: بيان منطوق بمفهوم كبيان قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَّيْنَةُ وَالذَّمُ ﴾ الآية [المائدة: ٣]. بمفهوم آية الأنعام، فإن تحريم الدم مطلقاً منطوق هنا وقوله تعالى في الأنعام: ﴿أَوْ دَمَا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، يدل بمفهوم مخالفته على أن غير المسفوح ليس كذلك فيبين هذا المفهوم أن المراد بالدم في الآية الأولى غير المسفوح، ومن أمثلته بيان قوله: ﴿وَأَِّ﴾ [النور: ٢]، بمفهوم الموافقة في قوله: ﴿فَعَلَِهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، فإنه يفهم من مفهوم موافقته أن العبد الذكر كالأمة في ذلك يجلد خمسين جلدة، فيبين هذا المفهوم أن المراد بالزاني خصوص الحر. واعلم: أن مثل هذا من مفهوم الموافقة يسميه الشافعي وبعض الأصوليين قياساً، ٢٥ مقدمة المؤلف - وهو المعروف عندهم بالقياس في معنى الأصل، ويسمى مفهوم الموافقة، وإلغاء الفارق، وتنقيح المناط، وأكثر أهل الأصول على أنه مفهوم وليس بقياس، كما سترى تحقيقه في مواضع من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، ومن أمثلة بيان المنطوق بالمفهوم قوله في الخمر: ﴿رِجُْ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ﴾ [المائدة: ٩٠]، فإنه يدل على أنها نجسة العين؛ لأن الرجس هو المستقذر الخبيث ويدل عليه مفهوم قوله في شراب الآخرة: ﴿وَسَقَلُهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا لَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]؛ فإن مفهومه أن خمر أهل الدنيا ليست كذلك كما قاله الفراء وغير واحد، وسترى إيضاحه في المائدة إن شاء الله تعالى. الرابعة: بيان مفهوم بمفهوم ومثاله قوله تعالى: ﴿ وَأَلْعُصَنَتُّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾ [المائدة: ٥]، على القول بأن المراد بالمحصنات الحرائر، كما روي عن مجاهد فإنه يدل بمفهومه على أن الأمة الكتابية لا يجوز نكاحها، ويدل لهذا أيضاً مفهوم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًّا أَنْ يَنَكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن ◌َّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِّن فَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾ [النساء: ٢٥]، فمفهوم قوله: المؤمنات يدل على منع تزويج الإماء الكافرات ولو عند الضرورة، وهو بيان مفهوم بمفهوم كما ترى. واعلم - وفقني الله وإياك لما يحبه ويرضاه -: أن هذا الكتاب المبارك تضمن أنواعاً كثيرة جدًّا من بيان القرآن بالقرآن غير ما ذكرنا تركنا ذكر غير هذا منها خوف إطالة الترجمة، والمقصود بما ذكرنا من الأمثلة مطلق بيان كثرة الأنواع التي تضمنها واختلاف جهاتها - وفي البعض تنبيه لطيف على الكل - والغرض أن يكون الناظر في الترجمة على بصيرة مما يتضمنه الكتاب في الجملة قبل الوقوف على جميع ما فيه. ٢٦ مقدمة المؤلف مقدمة في تعريف الإجمال والبيان في اصطلاح أهل الأصول اعلم أولاً أن المجمل في اللغة: هو المجموع، وجملة الشيء مجموعه، وأما في الاصطلاح فقد اختلفت فيه عبارات أهل الأصول، والتحقيق: أنه هو ما احتمل معنيين أو أكثر من غير ترجح لواحد منهما أو منها على غيره، وعرفه في مراقي السعود بقوله: وذو وضوح محكم والمجمل هو الذي المراد منه يجهل واعلم أن المبهم أعم من المجمل عموماً مطلقاً، فكل مجمل مبهم، وليس كل مبهم مجملاً، فمثل قولك لعبدك: تصدق بهذا الدرهم على رجل، فيه إبهام وليس مجملاً؛ لأن معناه لا إشكال فيه؛ لأن كل رجل تصدق عليه به حصل به المقصود، والدليل على أن المجمل هو ما ذكرنا أن اللفظ لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يدل على معنى واحد لا يحتمل غيره فهو النص نحو: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وإما أن يحتمل غيره، وهذا له حالتان: الأولى: أن يكون أحد المحتملين أظهر. والثانية: أن يتساويا بأن لا يكون أحدهما أظهر من الآخر، فإن كان أحد المعنيين أظهر فهو الظاهر ومقابله محتمل، وإن استويا فهو المجمل كما ذكرنا، وحكم النص أنه لا يعدل عنه إلا بنسخ، وحكم الظاهر أنه لا يعدل عنه إلا بدليل أقوى منه يدل على صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى المحتمل المرجوح، وحكم المجمل أن يتوقف فيه حتى يدل دليل مبين للمقصود من المحتملين، وصرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى المحتمل المرجوح هو المعروف في اصطلاح أهل الأصول بالتأويل، وسيأتي إيضاح أنواع التأويل كلها - إن شاء الله تعالى - في سورة آل عمران. · واعلم أن اللفظ قد يكون واضح الدلالة من وجه مجملاً من وجه آخر كقوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، فإنه واضح في إيتاء الحق، مجمل في مقداره؛ لاحتماله النصف أو أقل أو أكثر، وإلى هذا أشار في مراقي السعود بقوله: وجه يراه ذا بيان من قطن وقد يجي الإجمال من وجه ومن وأما البيان فهو لغة: اسم مصدر بمعنى التبيين، وهو الإيضاح والإظهار كالسلام بمعنى التسليم، والكلام بمعنى التكليم، والطلاق بمعنى التطليق، وقد يطلق على المبين والمبين؛ بالكسر والفتح، ومن أهل الأصول من يطلق البيان على كل إيضاح سواء أتقدمه خفاء أم لا، وكثير من الأصوليين لا يطلقون البيان بالاصطلاح الأصولي إلا على ٢٧ مقدمة المؤلف إظهار ما كان فيه خفاء وعليه درج في مراقي السعود بقوله معرفاً للبيان في الاصطلاح: وهو واجب على النبي تصيير مشكل من الجلي من الدليل مطلقاً يجلو العمي إذا أريد فهمه وهو بما فكل ما يزيل الإشكال يسمى بياناً في الاصطلاح بمعنى المبين بالكسر، وسترى - إن شاء الله - في هذا الكتاب المبارك من أنواع البيان وأنواع ما به البيان ما فيه كفاية. واعلم أن التحقيق جواز بيان المتواتر من كتاب أو سنة بأخبار الآحاد، وكذلك يجوز بيان المنطوق بالمفهوم كما قدّمنا خلافاً لقوم منعوا ذلك زاعمين أن المنطوق أظهر من المفهوم والأظهر لا يبين بالأخفى، وحكاه الباجي عن أكثر المالكية وأجيب بأنه ما كل منطوق يقدم على المفهوم بل بعض المفاهيم أقوى دلالة على الأمر من دلالة المنطوق عليه، ألا ترى أن دلالة مفهوم حديث ((في الغنم السائمة زكاة)» عند من لا يرى الزكاة في المعلوفة أظهر في عدم الزكاة في المعلوفة، من دخولها في عموم منطوق حديث [في أربعين شاة شاة]؛ لأن المفهوم أخص بها وأقوى دلالة فيها من عموم المنطوق، وإلى هذا أشار في مراقي السعود بقوله: وبين القاصر من حيث السند أو الدلالة على ما يعتمد فالبيان بالقاصر سنداً كبيان المتواتر بالآحاد، والبيان بالقاصر دلالة كبيان المنطوق بالمفهوم كما قدّمنا، والمراد بقصوره في الدلالة أغلبية ذلك لا لزومه في كل حال كما أشرنا إليه آنفاً، وحكى القاضي الباقلاني عن جماعة من العراقيين أن المبين بالفتح إن كان وجوبه يعم جميع المكلفين كالصلاة فلا يبين إلا بمتواتر، وإليه أشار في (مراقي السعود) بقوله: إذا وجوب ذي الخفاء عما وأوجبن عند بعض علما ولا يخفى سقوط هذا القول وأنه لا وجه لرد حديث صحيح دال على بيان نص من غير معارض بدعوى أنه لم يتواتر ومنع بيان المتواتر مطلقاً بالآحاد أشد سقوطاً. واعلم أن الأصوليين اختلفوا في البيان بالقول هل هو أقوى من البيان بالفعل أو لا؟ قال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر أن التحقيق في ذلك هو ما حققه أبو إسحاق الشاطبي تخذفه، وهو أن كل واحد منهما أقوى من صاحبه من جهة، فالفعل يبلغ من بيان الكيفيات المعينة المخصوصة ما لا يبلغه القول، والقول يبلغ من بيان الخصوص والعموم في الأحوال والأشخاص ما لا يبلغه الفعل. مسائل تتعلق بالبيان المسألة الأولى: إذا ورد بعد المجمل قول وفعل، فلا يخلو الأمر من واحدة من ثلاث حالات: ٢٨ - مقدمة المؤلف الأولى: أن يتفق القول والفعل. الثانية: أن يزيد الفعل على القول. الثالثة: أن يزيد القول على الفعل، فإن اتفق القول والفعل معاً، فالمتقدم منهما هو المبين والثاني تأكيد له، كما لو قال بعد نزول آية القطع في السرقة: القطع من الكوع، وقطع بالفعل من الكوع وإن جهل المتقدم فالبيان بأحدهما لا بعينه، وقال الآمدي: يتعين المرجوح إن كان أحدهما أرجح؛ لأن المرجوح لا يكون مؤكداً للراجح. قال القرافي: وهو غير متجه؛ لأن الأضعف يزيد في رتبة الظن الحاصلة قبله كزيادة شاهد على أربعة وإن زاد الفعل على القول، كبيانه وهيل ر، أن كيفية الصوم هي صوم كل يوم بانفراده من غير وصال بين يومين، مع أنه وسلّ ربما واصل، فإن البيان يكون بالقول والفعل يدل على مطلق الطلب في حقه وله، خاصة بندب أو إيجاب تقدم القول أو تأخر، وقال أبو الحسن البصري: المتقدم منهما هو البيان وألزم نسخ الفعل المتقدم مع إمكان الجمع، قال المحلي: ولو نقص الفعل عن مقتضى القول كما لو طاف بعد نزول آية الحج طوافاً واحداً وأمر باثنين فقياس الأول أن القول هو البيان ونقص الفعل تخفيف عنه وَّر، تأخر الفعل أو تقدم، وقياس ما لأبي الحسن أن البيان هو المتقدم، وإلى هذه المسألة أشار في (مراقي السعود) بقوله: قائم البيان للذي قد سبقا والقول والفعل إذا توافقا والفعل يقتضي بلا قيد طلب وإن يزد فعل فللقول انتسب وفعله التخفيف فيه بين والقول في العكس هو المبين المسألة الثانية: اعلم أنه لا يجوز تأخير البيان لمجمل أو ظاهر لم يرد ظاهره عن وقت الحاجة إلى العمل به، وقال قوم: يجوز عقلاً لكنه لم يقع بالفعل، وأجراه كثير منهم على الخلاف في مسألة التكليف بما لا يطاق، وإلى هذه المسألة أشار في (مراقي السعود) بقوله: تأخر البيان عن وقت العمل: وقوعه عند المجيز ما حصل وذكر بعض المتأخرين عن ابن العربي المالكي أنه قال في كتابه المحصول: لحظت ذلك مدة ثم ظهر لي جوازه، ولا يكون من تكليف ما لا يطاق بل رفعاً للحكم وإسقاطاً له في حق المكلف، قال مقيده - عفا الله عنه -: وبناء على أن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الفعل صرحوا بأن التخصيص بعد العمل بالعام نسخ في البعض، وكذلك التقييد بعد العمل بالمطلق؛ لأن كلا من التخصيص والتقييد بيان وهو لا يتأخر عن وقت الفعل، فإذا تأخر تعين النسخ، وإليه أشار في (المراقي) في التخصيص بقوله: نسخ والغير مخصصاً جلى وإن أتى ما خص بعد العمل وفي التقييد بقوله : وإن يكن تأخر المقيد عن عمل فالنسخ فيه يعهد تنبيه: فإن قيل: قد وقع تأخير البيان عن وقت الحاجة كما وقع في صبح ليلة ٢٩ مقدمة المؤلف الإسراء، فإن جبريل ظلّ، لم يبين للنبي صلى، كيفيتها ولا وقتها حتى ضاعت، فالجواب من وجهين أشار لهما العبادي في الآيات البينات: أحدهما: أن وجوبها كان مشروطاً بالبيان قبل فوات وقتها ولم يبين له وَله؛ ولذا لم يفعلها أداء ولا قضاء. قال: ومن هنا يعلم أن الكلام في غير الوجوب المعلق على البيان، أما هو فلا يتصور فيه تأخير البيان عن وقت الفعل. ثانيهما: أن الصلوات الخمس فرضت ليلة الإسراء على أن ابتداء الوجوب من ظهر ذلك اليوم فما بعده دون ما قبله. المسألة الثالثة: أما تأخير البيان إلى وقت الحاجة إلى العمل به فالتحقيق أنه جائز وواقع وهو مذهب الجمهور ومقابله ثلاثة أقوال أخر: الأول: أنه لا يجوز مطلقاً . الثاني : أنه يجوز في المجمل دون ماله ظاهر غير مراد، كالعام والمطلق. الثالث: عكس هذا وهو جوازه فيما له ظاهر غير مراد دون المجمل وهو أبعدها، وإلى هذه الأقوال أشار في (المراقي) بقوله: وبعضنا هو لذاك مانع تأخيره للاحتجاج واقع ثم بعكسه لدى البعض انطق وقيل بالمنع بما كالمطلق أما تأخير أصل التبليغ إلى وقت الحاجة، فقال بعض العلماء بجوازه أيضاً، وخالف فيه بعضهم، وقال الفخر الرازي وابن الحاجب والآمدي: لا يجوز تأخير تبليغ القرآن قولاً واحداً لأنه متعبد بتلاوته، ولم يؤخر ◌َّة، تبليغه بخلاف غيره، وقال بعض أهل الأصول: قد يمنع تعجيل التبليغ ويجب تأخيره إلى وقت الحاجة إن كان يخشى من تعجيله مفسدة، قالوا: فلو أمر ◌َل98، بقتال أهل مكة بعد سنة من الهجرة، وجب تأخير تبليغ ذلك للناس، لئلا يستعد العدو إذا علم ويعظم الفساد، ولذلك لمّا أراد عليه الصلاة والسلام قتالهم قطع الأخبار عنهم حتى دهمهم، وكان ذلك أيسر لغلبتهم وقهرهم، وإلى هذا أشار في (المراقي) بقوله: ودرء ما يخشى أبى تعجيله وجائز عدم تبليغ له والضمير في قوله: له عائد إلى الاحتياج في البيت المذكور قبله أي جائز تأخير التبليغ إلى وقت الاحتیاج له. المسألة الرابعة: لا يشترط في البيان أن يعلمه جميع المكلفين الموجودين في وقته، بل يجوز أن يكون بعضهم جاهلاً به ودليله الوقوع، فقد جاءت فاطمة الزهراء والعباس ﴿ّ أبا بكر ظُه يطلبان ميراثهما من النبي وَّة، متمسكين بعموم ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلَدِكُمْ﴾ الآية [النساء: ١١] وعموم ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِىَ مِمَّا تَرَكَ الْوَلِدَانِ ٣٠ مقدمة المؤلف وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣]، ولم يعلما أنه وَلّ بيّن أن هذا العموم لا يتناول الأنبياء - صلوات الله عليهم وسلامه - بقوله: ((إنا معاشر الأنبياء لا نورث)) الحديث، وإلى هذه المسألة أشار في (المراقي) بقوله: بما يخصص من الموجود ونسبة الجهل لذي وجود وسميته: ((أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن)) وهذا أوان الشروع في المقصود. ٣١ سورة الفاتحة الآيتان (٢ - ٣) براه الرحمن الرحيم سورة الفاتحة قوله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. لم يذكر لحمده هنا ظرفاً مكانيًّا ولا زمانيًّا. وذكر في سورة الروم، أن من ظروفه المكانية: السموات والأرض في قوله: ﴿وَلَهُ اُلْحَمْدُ فِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [الروم: ١٨] - وذكر في سورة القصص أن من ظروفه الزمانية: الدنيا والآخرة في قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَهُ الْحَمْدُ فِ الْأُوْلَى وَالْآَخِرَةِ﴾ الآية [القصص: ٧٠]، وقال في أول سورة سبأ: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِى الْآَخِرَةَّ وَهُوَ اَلْحَكِيمُ الْخِيرُ﴾ [سبأ: ١] والألف واللام في ﴿الْحَمْدُ﴾ لاستغراق جميع المحامد. وهو ثناء أثنى به تعالى على نفسه وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه به. وقوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. لم يبين هنا ما العالمون، وبيّن ذلك في موضع آخر بقوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴿ قَالَ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَاً ﴾ الآية [الشعراء: ٢٣ - ٢٤]. قال بعض العلماء: اشتقاق العالم من العلامة؛ لأن وجود العالم علامة لا شك فيها على وجود خالقه متصفاً بصفات الكمال والجلال. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتِ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِ (٣)﴾ [آل عمران]، والآية في اللغة: العلامة. قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. هما وصفان لله تعالى، واسمان من أسمائه الحسنى، مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، والرحمن أشد مبالغة من الرحيم؛ لأن الرحمن هو ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا، وللمؤمنين في الآخرة، والرحيم ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة. وعلى هذا أكثر العلماء. وفي كلام ابن جرير ما يفهم منه حكاية الاتفاق على هذا. وفي تفسير بعض السلف ما يدل عليه، كما قاله ابن كثير، ويدل له الأثر المروي عن عيسى. كما ذكره ابن كثير وغيره أنه قال عليه ﴾﴾ رحیم رحمن الدنيا والآخرة و وعلى نبينا الصلاة والسلام: الآخرة. وقد أشار تعالى إلى هذا الذي ذكرنا حيث قال: ﴿ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ (٥)﴾ [طه]، فذكر الاستواء الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩]. وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى باسمه الرحمن ليعم جميع خلقه برحمته. قاله ابن كثير ومثله قوله تعالى: ﴿أَوَلَّمْ يَرَوّا إِلَى اُلَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَفَّتٍ وَيَقْبِضِنَّ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ [الملك: ١٩]، أي ومن رحمانيته: لطفه بالطير، وإمساكه إياها صافات وقابضات في جو السماء، ومن أظهر الأدلة في ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ ﴿ عَلَّمَ الْقُرْءَانَ ﴾﴾ [الرحمن]. إلى قوله: ﴿فَأَتِ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا ٣٢ سورة الفاتحة: الآيتان (٤ - ٥) تُكَّذِّبَانِ (٣)﴾ [الرحمن]. وقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، فخصهم باسمه الرحيم. فإن قيل: كيف يمكن الجمع بين ما قررتم، وبين ما جاء في الدعاء المأثور من قوله وسلم: ((رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما؟)). فالظاهر في الجواب - والله أعلم - أن الرحيم خاص بالمؤمنين كما ذكرنا، لكنه لا يختص بهم في الآخرة، بل يشمل رحمتهم في الدنيا أيضاً، فيكون معنى رحيمهما رحمته بالمؤمنين فيهما . والدليل على أنه رحيم بالمؤمنين في الدنيا أيضاً: أن ذلك هو ظاهر قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِ يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَتَبِكَتُهُ لِيُخْرِحَكُمْ مِّنَ القُلُمَتِ إِلَى النُّورِّ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب]؛ لأن صلاته عليهم وصلاة ملائكته وإخراجه إياهم من الظلمات إلى النور رحمة بهم في الدنيا. وإن كانت سبب الرحمة في الآخرة أيضاً، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَقَد تَّابَ اللهُ عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَنَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمَّ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ( ١٧ [التوبة]، فإنه جاء فيه بالباء المتعلقة بالرحيم الجارة للضمير الواقع على النبي وَّر والمهاجرين والأنصار، وتوبته عليهم رحمة في الدنيا وإن كانت سبب رحمة الآخرة أيضاً. والعلم عند الله تعالى . ... وقوله تعالى: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾﴾. لم يبينه هنا. وبينه في قوله: ﴿وَمَّاً أَدْرَئِكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴿٣ يَوَمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسُ لِّنَفْسِ شَيْئًا﴾ الآية [الانفطار: ١٧ - ١٨]. والمراد بالدين في الآية الجزاء، ومنه قوله تعالى ﴿يَوْمَيِذٍ يُوَفِّهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور: ٢٥]، أي جزاء أعمالهم بالعدل. قوله تعالى: ﴿إِنَّاكَ نَعْبُدُ﴾. أشار في هذه الآية الكريمة إلى تحقيق معنى لا إلّه إلا الله؛ لأن معناها مركب من أمرين: نفي وإثبات. فالنفي: خلع جميع المعبودات غير الله تعالى في جميع أنواع العبادات، والإثبات: إفراد رب السموات والأرض وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه المشروع. وقد أشار إلى النفي من لا إلّه إلا الله بتقديم المعمول الذي هو ﴿ إِيَّاكَ﴾. وقد تقرر في الأصول، في مبحث دليل الخطاب الذي هو مفهوم المخالفة. وفي المعاني في مبحث القصر: أن تقديم المعمول من صيغ الحصر. وأشار إلى الإثبات منها بقوله: ﴿نَعْبُدُ﴾. وقد بيّن معناها المشار إليه هنا مفصلاً في آيات أخر كقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢١]، فصرح بالإثبات منها بقوله: ﴿أَعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] .. وصرح بالنفي منها في آخر الآية الكريمة بقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]. وكقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُونَ﴾ [النحل: ٣٦]، فصرِح بالإثبات بقوله: ﴿أَنِ أُعْبُدُواْ اللَّهَ﴾ [النحل: ٢٦]، وبالنفي بقوله: ﴿وَأَحْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. وكقوله: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِلَّغُوتِ وَيُؤْمِنُ بِاللَّهِ فَقَدِ أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، فصرح بالنفي منها بقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالَّاغُوتِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]» ٣٣ سورة الفاتحة: الآيات (٥ - ٧). وبالإثبات بقوله: ﴿وَيُؤْمِ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وكقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيُ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ» إِنِّى بَرَآءُ مِمَّا تَعْبُدُونَ ﴿٣٦) إِلَّا الَّذِى فَطَرَنِ﴾ الآية [الزخرف: ٢٦ -٢٧]، وكقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىَ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ (9)﴾ [الأنبياء]. وقوله: (٥)﴾ [الزخرف]، ﴿وَسْثَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ◌َالِهَةً يُعْبَدُونَ إلى غير ذلك من الآيات. عليه قوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. أي لا نطلب العون إلا منك وحدك؛ لأن الأمر كله بيدك وحدك لا يملك أحد منه معك مثقال ذرة. وإتيانه بقوله: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؛ بعد قوله : نَعْبُدُ﴾؛ فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتوكل إلا على من إِيَّاكَإ يستحق العبادة؛ لأن غيره ليس بيده الأمر. وهذا المعنى المشار إليه هنا جاء مبيناً واضحاً في آيات أخر كقوله: ﴿فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ الآية [هود: ١٢٣]، وقوله: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنٌ﴾ الآية [التوبة: ١٢٩]. وقوله: ﴿رَبُّ اَْشْرِقِ وَالْغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَتَّخِذْهُ وَكِيلًا ﴾﴾ [المزمل: ٩]. وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الزَّحْمَنُ ءَامَنَّا بِهِ، وَعَلَيَّهِ تَوَكّنًا﴾ [الملك: ٢٩]، وإلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى: ﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. لم يبين هنا من هؤلاء الذين أنعم عليهم، وبين ذلك في موضع آخر بقوله: ﴿فَأُوْلَكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبْنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّلِحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. تنبيهان : الأول: يؤخذ من هذه الآية الكريمة صحة إمامة أبي بكر الصديق مظ لته؛ لأنه داخل فيمن أمرنا الله في السبع المثاني والقرآن العظيم - أعني الفاتحة - بأن نسأله أن يهدينا صراطهم. فدل ذلك على أن صراطهم هو الصراط المستقيم. وذلك في قوله تعالى: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَفِيمَ جَ صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾؛ وقد بين الذين أنعم عليهم فعد منهم الصديقين. وقد بين الر أن أبا بكر ظه، من الصديقين، فاتضح أنه داخل في الذين أنعم الله عليهم ... الذين أمرنا الله أن نسأله الهداية إلى صراطهم فلم يبق لبس في أن أبا بكر الصديق ظه، على الصراط المستقيم، وأن إمامته حق. الثاني: قد علمت أن الصديقين من الذين أنعم الله عليهم. وقد صرح تعالى بأن مريم ابنة عمران صديقة في قوله: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ الآية [المائدة: ٧٥]، وإذن فهل تدخل مريم في قوله تعالى: ﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أو لا؟. الجواب: أن دخولها فيهم يتفرع على قاعدة أصولية مختلف فيها معروفة، وهي: هل ما في القرآن العظيم والسنة من الجموع الصحيحة المذكرة ونحوها مما يختص بجماعة الذكور تدخل فيه الإناث أو لا يدخلن فيه إلا بدليل منفصل؟ فذهب قوم إلى أنهن يدخلن في ذلك. وعليه: فمريم داخلة في الآية واحتج أهل هذا القول بأمرين: زائدة ٣٤ سورة الفاتحة: الآية (٧) الأول: إجماع أهل اللسان العربي على تغليب الذكور على الإناث في الجمع. والثاني: ورود آيات تدل على دخولهن في الجموع الصحيحة المذكرة ونحوها، . كقوله تعالى في مريم نفسها: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِهَا وَكُتُبِهِ، وَكَانَتْ مِنَ الْفَنِينَ﴾ [التحريم: ١٢]. وقوله في امرأة العزيز: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَأَسْتَغْفِرِى لِذَنْبِكِّ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ اْخَاطِئِينَ ﴾ [يوسف]. وقوله في بلقيس: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتَ تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللهِّ إِنَّا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَفِرِينَ(®﴾ [النمل]. وقوله فيما كالجمع المذكر السالم: ﴿قُلْنَا أَهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا﴾ الآية [البقرة: ٣٨]، فإنه تدخل فيه حواء إجماعاً. وذهب كثير إلى أنهن لا يدخلن في ذلك إلا بدليل منفصل. واستدلوا على ذلك بآيات كقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾؛ إلى قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم تَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وقوله تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِينَ يَغُواْ مِنْ أَبْصَدِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزَّكَى لَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]. ثم قال: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ الآية [النور: ٣١]، فعطفهنّ عليهم يدل على عدم دخولهن. وأجابوا عن حجة أهل القول الأول بأن تغليب الذكور على الإناث في الجمع ليس محل نزاع. وإنما النزاع في الذي يتبادر من الجمع المذكر ونحوه عند الإطلاق. وعن الآيات بأن دخول الإناث فيها، إنما علم من قرينة السياق ودلالة اللفظ، ودخولهن في حالة الاقتران بما يدل على ذلك لا نزاع فيه. وعلى هذا القول: فمريم غير داخلة في الآية وإلى هذا الخلاف أشار في مراقي السعود بقوله : وما شمول من للأنثى جنف وفي شبيه المسلمين اختلفوا وقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّآلِّنَ﴾. قال جماهير من علماء التفسير: ﴿اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾؛ اليهود و﴿الضَّالِّينَ﴾؛ النصارى. وقد جاء الخبر بذلك عن رسول الله وَالله من حديث عدي بن حاتم نظره. واليهود والنصارى وإن كانوا ضالين جميعاً مغضوباً عليهم جميعاً، فإن الغضب إنما خص به اليهود، وإن شاركهم النصارى فيه؛ لأنهم يعرفون الحق وينكرونه ويأتون الباطل عمداً، فكان الغضب أخص صفاتهم. والنصارى جهلة لا يعرفون الحق، فكان الضلال أخص صفاتهم. وعلى هذا فقد يبين أن ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾؛ اليهود. قوله تعالى فيهم: ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ الآية [البقرة: ٩٠]، وقوله فيهم أيضاً: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍ مِّن ذَلِكَ مَثُوَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّمَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ الآية [المائدة: ٦٠]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُمَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالَهُمْ غَضَبٌ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٢]. وقد يبين أن الضالين النصارى، قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]. ٣٥ سورة البقرة: الآيتان (٢ - ٣) - براس الرحمن الرحيم سُورَةُ البَقَرَةِ قوله تعالى: ﴿هُدِّى لِلْمُنَّقِينَ﴾. صرح في هذه الآية بأن هذا القرآن هدى للمتقين، ويفهم من مفهوم الآية - أعني مفهوم المخالفة المعروف بدليل الخطاب - أن غير المتقين ليس هذا القرآن هدى لهم، وصرح بهذا المفهوم في آيات أخر كقوله: ﴿قُلّ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِيَّ ◌َاذَانِهِجْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّى﴾ [فصلت: ٤٤]. وقوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينُّ وَلَا يَزِيدُ الطَّلِينَ إِلَّ خَسَارًا (﴿4﴾ [الإسراء]. وقوله: ﴿وَإِذَا مَآ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِهِ إِيمَنَّا فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (9) وَأَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَفِرُونَ (٣٤)﴾ [التوبة]. وقوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَ كِثْرًا مِنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ مُفِيَنَا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٤] ... الآية. ومعلوم أن المراد بالهدى في هذه الآية الهدى الخاص الذي هو التفضل بالتوفيق إلى دين الحق، لا الهدى العام، الذي هو إيضاح الحق. قوله تعالى: ﴿وَمِنَّا رَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ﴾. عبر في هذه الآية الكريمة بـ(من)) التبعيضية الدالة على أنه ينفق لوجه الله بعض ماله لا كله. ولم يبين هنا القدر الذي ينبغي إنفاقه، والذي ينبغي إمساكه. ولكنه بين في مواضع أخر أن القدر الذي ينبغي إنفاقه: هو الزائد على الحاجة وسد الخلة التي لا بد منها، وذلك كقوله: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْمَغْوُّ﴾ [البقرة: ٢١٩]، والمراد بالعفو: الزائد على قدر الحاجة التي لا بد منها على أصح التفسيرات، وهو مذهب الجمهور. ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَقَواْ﴾ [الأعراف: ٩٥]، أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم. وقال بعض العلماء: العفو: نقيض الجهد، وهو أن ينفق ما لا يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع. ومنه قول الشاعر: خذي العفو مني تستديمي مودتي ولا تنطقي في سورتي حين أغضب وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]، فنهاه عن البخل بقوله: ﴿وَلَا تَّجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُوْلَةٌ إِلَى عُنُقِكَ﴾. ونهاه عن الإسراف بقوله: ﴿وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾؛ فيتعين الوسط بين الأمرين. كما بينه بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٣)﴾ [الفرقان: ٦٧]، فيجب على المنفق أن يفرق بين الجود والتبذير، وبين البخل والاقتصاد، فالجود غير التبذير، والاقتصاد غير البخل، فالمنع في محل الإعطاء مذموم. وقد نهى الله عنه نبيه ێ، ٣٦ سورة البقرة: الآية (٧) بقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾؛ والإعطاء في محل المنع مذموم أيضاً، وقد نهى الله عنه نبيه وَّه بقوله: ﴿وَلَا نَبْسُطَهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾، وقد قال الشاعر: يداه كالمزن حتى تخجل الدِّيما لا تمدحنَّ ابن عباد وإن هطلت يعطي ويمنع لا بخلاً ولا كرَما فإنها فلتات من وساوسه وقد بيّن تعالى في مواضع أخر أن الإنفاق المحمود لا يكون كذلك، إلا إذا كان مصرفه الذي صرف فيه مما يرضي الله. كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَاُلْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ٢١٥] ... الآية وصرح بأن الإنفاق فيما لا يرضي الله حسرة على صاحبه في قوله: ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ [الأنفال: ٣٦] ... الآية وقد قال الشاعر: إن الصنيعة لا تعد صنيعة حتى يصاب بها طريق المُصْنِعِ فإن قيل: هذا الذي قررتم يقتضي أن الإنفاق المحمود هو إنفاق ما زاد على الحاجة الضرورية، مع أن الله تعالى أثنى على قوم بالإنفاق وهم في حاجة إلى ما أنفقوا، وذلك في قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ. فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. فالظاهر في الجواب - والله تعالى أعلم - هو ما ذكره بعض العلماء من أن لكل مقام مقالاً، ففي بعض الأحوال يكون الإيثار ممنوعاً. وذلك كما إذا كانت على المنفق نفقات واجبة. كنفقة الزوجات ونحوها فتبرع بالإنفاق في غير واجب وترك الفرض لقوله ◌َل: ((وابدأ بمن تعول))، وكأن يكون لا صبر عنده عن سؤال الناس فينفق ماله ويرجع إلى الناس يسألهم مالهم، فلا يجوز له ذلك، والإيثار فيما إذا كان لم يضيع نفقة واجبة، وكان واثقاً من نفسه بالصبر والتعفف وعدم السؤال. وأما على القول بأن قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ﴾؛ يعني به الزكاة، فالأمر واضح، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمٌ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَّةٌ﴾. لا يخفى أن الواو في قوله: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ﴾؛ محتملة في الحرفين أن تكون معطوفة على ما قبلها، وأن تكون استئنافية. ولم يبين ذلك هنا، ولكن بين في موضع آخر أن قوله: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمٌ﴾ معطوف على قوله: ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾؛ وأن قوله: ﴿وَعَلَىَّ أَبْصَرِهِمْ﴾؛ استئناف والجار والمجرور خبر المبتدأ الذي هو ﴿غِشَوَةٌ﴾؛ وسوغ الابتداء بالنكرة فيه اعتمادها على الجار والمجرور قبلها. ولذلك يجب تقديم هذا الخبر؛ لأنه هو الذي سوغ الابتداء بالمبتدأ كما عقده في الخلاصة بقوله: ونحو عندي درهم ولي وطر ملتزم فيه تقدم الخبر فتحصل أن الختم على القلوب والأسماع، وأن الغشاوة على الأبصار؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَمُ هَوَنُهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عٍِ وَخَتَمَ عَلَى سَّمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى ٣٧ سورة البقرة: الآيات (٨ - ١٩) - بَصَرِهِ، غِشَوَةٌ﴾ [الجاثية: ٢٣]، والختم: الاستيثاق من الشيء حتى لا يخرج منه داخل فيه ولا يدخل فيه خارج عنه، والغشاوة: الغطاء على العين يمنعها من الرؤية. ومنه قول الحارث بن خالد بن العاص: كما هو معروف في النحو. وأجاز بعضهم كونه معطوفاً على محل المجرور. فإن قيل: قد يكون الطبع على الأبصار أيضاً. كما في قوله تعالى في سورة النحل: ﴿أُوْلَبِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمٌ﴾ [النحل: ١٠٨]. فالجواب: أن الطبع على الأبصار المذكور في آية النحل: هو الغشاوة المذكورة في سورة البقرة، والجاثية، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ٨ لم يذكر هنا بياناً عن هؤلاء المنافقين، وصرح بذكر بعضهم بقوله: ﴿وَمِمَنْ حَوْلَكُم مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَفِقُونٌ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةُ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١]. قوله تعالى: ﴿اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. لم يبين هنا شيئاً من استهزائه بهم. وذكر بعضه في سورة الحديد، في قوله: ﴿قِيلَ أَرْجِعُواْ وَرَّكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُورً﴾ [الحديد: ١٣]. قوله تعالى: ﴿ُمْ بُكْمُّ عُمْىٌ﴾. ظاهر هذه الآية أن المنافقين متصفون بالصم والبكم والعمى. ولكنه تعالى بيّن في موضع آخر أن معنى صممهم، وبكمهم، وعماهم، هو عدم انتفاعهم بأسماعهم، وقلوبهم، وأبصارهم وذلك في قوله - جلّ وعلا -: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَرًا وَأَفْئِدَةً فَمَّا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَرُهُمْ وَلَّ أَفْئِدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِئَايَتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦]. وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمُتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾. الصيب: المطر، وقد ضرب الله في هذه الآية مثلاً لما جاء به محمد ولو من الهدى والعلم بالمطر؛ لأن بالعلم والهدى حياة الأرواح، كما أن بالمطر حياة الأجسام. وأشار إلى وجه ضرب هذا المثل بقوله - جلّ وعلا -: ﴿ وَاَلْبَلَدُ الطَّيْبُ يَخْرُجُ نَّبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَلَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُ إِلَّا تَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]. وقد أوضح # هذا المثل المشار إليه في الآيتين في حديث أبي موسى المتفق عليه، حيث قال ◌َ: ((إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها، وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلاً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني به، فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به». قوله تعالى: ﴿فِيهِ ظُلُمَتُّ﴾، ضرب الله تعالى في هذه الآية المثل لما يعتري الكفار ٣٨- - سورة البقرة: الآية (١٩) والمنافقين من الشبه والشكوك في القرآن، بظلمات المطر المضروب مثلاً للقرآن، وبيّن بعض المواضع التي هي كالظلمة عليهم؛ لأنها تزيدهم عمى في آيات أخر كقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِى كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِقَن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْدٍ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ لأن نسخ القبلة يظن بسببه ضعاف اليقين أن النبي # ليس على يقين من أمره حيث يستقبل يوماً جهة، ويوماً آخر جهة أخرى، كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّئُهُمْ عَن قِبْلَنِهِمُ الَِّ كَانُواْ عَلَيْهَاً﴾ [البقرة: ١٤٢]. وصرح تعالى بأن نسخ القبلة كبير على غير من هداه الله وقوى يقينه، بقوله: ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وكقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا اُلُّؤْيَا الَّتِىّ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ وَالشَجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِ اٌلْقُرْءَانِ﴾ [الإسراء: ٦٠]؛ لأن ما رآه ليلة الإسراء والمعراج من الغرائب والعجائب كان سبباً لاعتقاد الكفار أنه س* كاذب؛ لزعمهم أن هذا الذي أخبر به لا يمكن وقوعه. فهو سبب لزيادة الضالين ضلالاً. وكذلك الشجرة الملعونة في القرآن التي هي شجرة الزقوم. فهي سبب أيضاً لزيادة ضلال الضالين منهم؛ [3]﴾ [الصافات]، قالوا: ظهر لأن النبيِ نَّهَ لما قرأ: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَّخْرُجُ فِىَّ أَصْلِ الْجَحِيمِ (® كذبه؛ لأن الشجر لا ينبت في الأرض اليابسة فكيف ينبت في أصل النار؟ وكقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [المدثر: ٣١]؛ لأنه وَُّ لما قرأ قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣)﴾ [المدثر]. قال بعض رجال قريش: هذا عدد قليل فنحن قادرون على قتلهم، واحتلال الجنة بالقوة؛ لقلة القائمين على النار التي يزعم محمد *، أنا سندخلها. والله تعالى إنما يفعل ذلك اختبارا وابتلاء، وله الحكمة البالغة في ذلك كله، سبحانه وتعالى عما يقولون علوًّا كبيراً . قوله تعالى: ﴿وَرَعْدٌ﴾. ضرب الله المثل بالرعد لما في القرآن من الزواجر التي تقرع الآذان وتزعج القلوب. وذكر بعضاً منها في آيات أخر كقوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَحِقَةٌ﴾ ... الآية [فصلت: ١٣]، أو كقوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَرُدَّهَا عَلَّ أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧]، أو كقوله: إني ﴿نَذِيْرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦]. وقد ثبت في صحيح البخاري في تفسير سورة الطور، من حديث جبير بن مطعم عنه أنه قال: سمعت رسول الله ولم يقرأ في المغرب بالطور. فلما بلغ هذه الآية ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ ﴾ [الطور]، إلى قوله: ﴿الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧]، كاد قلبي أن يطير إلى غير ذلك من قوارع القرآن وزواجره، التي خوفت المنافقين حتى قال الله تعالى فيهم: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْ هُ الْعَدُوُ﴾ [المنافقون: ٤]، والآية التي نحن بصددها، وإن كانت في المنافقين، فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب. قوله تعالى: ﴿وَّقٌ﴾. ضرب تعالى المثل بالبرق؛ لما في القرآن من نور الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة. وقد صرح بأن القرآن نور يكشف الله به ظلمات الجهل ٣٩ سورة البقرة: الآيتان (١٩ - ٢٠). والشك والشرك. كما تكشف بالنور الحسي ظلمات الدجى كقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا ◌ُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَهُ نُورًا تَهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] وقوله: ﴿وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يُحِيطٌ بِالْكَفِرِينَ﴾. قال بعض العلماء: محيط بالكافرين، أي مهلكهم، ويشهد لهذا القول قوله تعالى: ﴿لَتَأْنُنَّى بِهِ إِلَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦]، أي تهلكوا عن آخركم. وقيل: تغلبوا. والمعنى متقارب؛ لأن الهالك لا يهلك حتى يحاط به من جميع الجوانب، ولم يبق له منفذ للسلامة ينفذ منه. وكذلك المغلوب. ومنه قول الشاعر: بما قد رأوا مالوا جميعاً إلى السلم أحطنا بهم حتى إذا ما تيقنوا ومنه أيضاً: بمعنى الهلاك قوله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِشَمَرِهِ﴾ ... الآية [الكهف: ٤٢]. وقوله تعالى: ﴿وَظَنُّواْ أَنَهُمْ أُحِيطَ بِهِمٌ﴾ ... الآية [يونس: ٢٢]. قوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْرَّقُ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ﴾. أي يكاد نور القرآن لشدة ضوئه يعمي بصائرهم، كما أن البرق الخاطف الشديد النور يكاد يخطف بصر ناظره، ولا سيما إذا كان البصر ضعيفاً؛ لأن البصر كلما كان أضعف كان النور أشد إذهاباً له. كما قال الشاعر: نوراً ويعمي أعين الخفاش مثل النهار يزيد أبصار الورى وقال الآخر: خفافيش أعماها النهار بضوئه ووافقها قطع من الليل مظلم وبصائر الكفار والمنافقين في غاية الضعف، فشدة ضوء النور تزيدها عمى. وقد صرح تعالى بهذا العمى في قوله: ﴿أَفَّنْ يَعْلَمُ أَنَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيَّكَ اَلُّْ كَمَنْ هُوَ أَعْمَ﴾ [فاطر]، إلى غير ذلك من الآيات. [الرعد: ١٩]. وقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وقال بعض العلماء: ﴿يَكَدُ الْبَّقُّ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾؛ أي يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين. قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾. ضرب الله في هذه الآية المثل للمنافقين؛ إذ كان القرآن موافقاً لهوائهم ورغبتهم عملوا به، كمناكحتهم للمسلمين وإرثهم لهم. والقسم لهم من غنائم المسلمين، وعصمتهم به من القتل مع كفرهم في الباطن، وإذا كان غير موافق لهواهم، كبذل الأنفس والأموال في الجهاد في سبيل الله المأمور به فيه وقفوا وتأخروا. وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله: ﴿وَإِذَا دُهُوَاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ» (@)﴾ [النور]. وَإِنْ يَكُنْ لَُّ الْحَقُّ بَأْتُوَاْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ٤٨ لِيَحْكُمَ بََّهُمْ إِذَا فَرِقٌ مِّنْهُم ◌ُعْرِضُونَ وقال بعض العلماء: ﴿كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ﴾؛ أي إذا أنعم الله عليهم بالمال والعافية قالوا: هذا الدين حق ما أصابنا منذ تمسكنا به إلا الخير ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾؛ أي وإن أصابهم فقر أو مرض أو ولدت لهم البنات دون الذكور قالوا: ما ٤٠ - سورة البقرة: الآيتان (٢١ - ٢٢) أصابنا هذا إلا من شؤم هذا الدين وارتدوا عنه. وهذا الوجه يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهُ عَلَى حَرْفٍّ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرُّ أْمَأَنَّ ◌ِ، وَإِنْ أَصَابَنَهُ فِئْنَةُ أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الحج]. وقال بعض العلماء: إضاءته لهم معرفتهم بعض الحق منه وإظلامه عليهم ما يعرض لهم من الشك فيه. قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِىِ خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ فِرَشًا وَالسَّمَاءَ بِنَآءُ وَأَنْزَّلَ مِنَ الشَّمَاءِ مَآءٍ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمْرَتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾. أشار في هذه الآية إلى ثلاثة براهين من براهين البعث بعد الموت، وبينها مفصلة في آيات أخر. البرهان الأول: خلق الناس أولاً المشار إليه بقوله: ﴿أَعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾؛ لأن الإيجاد الأول أعظم برهان على الإيجاد الثاني، وقد أوضح ذلك في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ٢٧]. وقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقِ تُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. وكقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ من يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِى فَطَرَّكُمْ أَوَّلَ مَرََّّ﴾ [الإسراء: ٥١] وقوله: ﴿قُلْ يُحْبِيِهَا الَّذِىّ أَشَأَهَآ أَوَّلَ مََّةٍ﴾ [يس: ٧٩]. وقوله: ﴿أَفْسِيْنَا بِالْخَلْقِ اُلْأَوَّلَّ بَلَ هُمْ فِ لَبٍّ﴾ [ق: ١٥]. وكقوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَا خَقْنَكُم مِّنْ تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥]. وكقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ [الواقعة: ٦٢]. ولذا ذكر تعالى أن من أنكر البعث فقد نسي الإيجاد الأول، كما في قوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُمْ﴾ [يس: ٢٨]. وقوله: ﴿وَيَقُولُ آلْإِنسَنُ أَهِذَا مَا مِثُ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيَّا ﴿ أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِسَنُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًّا (٣٧)﴾ [مريم]، ثم رتب على ذلك نتيجة الدليل بقوله: ﴿فَوَرَيِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨]، إلى غير ذلك من الآيات. البرهان الثاني: خلق السموات والأرض المشار إليه بقوله: ﴿اَلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اُلْأَرْضَ فِرَشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءَ﴾؛ لأنهما من أعظم المخلوقات، ومن قدر على خلق الأعظم فهو على غيره قادر من باب أحرى. وأوضح الله تعالى هذا البرهان في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّعَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]. وقوله: ﴿أَلَئِشَ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمَّ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّقُ الْعَلِيمُ [يس]. وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوَأْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ الََّوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعَىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحِىَ الْمَوْقَى﴾ [الأحقاف: ٣٣]. وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ﴾ [الإسراء: ٩٩]. وقوله: ﴿وَأَنْتُ أَشَدُّ خَلْقَا أَمِ التَمَاءُ بَنَهَا ﴿ رَفَعَ سَمْكَهَا فَوَّهَا الآية [النازعات] إلى غير ذلك من الآيات. البرهان الثالث: إحياء الأرض بعد موتها؛ فإنه من أعظم الأدلة على البعث بعد الموت، كما أشار له هنا بقوله: ﴿وَأَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمّ﴾؛