النص المفهرس
صفحات 1-20
تَفَسَّيُ القُرآنِ بِالْقُرآنِ مِن أَضْوَاءُ البَّيَّان تأليف الشَّيْخِ العَلّمَة ◌ُّ الأمين بن محمد المختار الحكنى الشِّنْقِيْطِيْ إعداد أ.د. سَّد محمَّ مَادَانِي الشّفيطيّ أستاذ الإعلام الإسلامي بكليَّة الدَّعوة وَالإعلام بجايقة الإمَام محمّد بن مسعود الإِعْلَامَّة دَارُ القَضيّكَة السعوديّة تَفْسِيُ القُرآنِ بَالقُرآنِ أضْوَاء الْبَّيَّان مِن تأليف الشَّيْخِ العَلَّمَة مُمَّ الأمين بن محمّ الحُثَّارِ ايجكنى الشِّنْقِيْطِئْ إعداد أ.د. سَّ محمَّ سَاءَاتِي الشّفيطي أستاذ الإعلام الإسلامي بكليَّة الدَّعوَة وَالإعلام بجامعة الإمَام محمّ بن مُعُود الإصْلَامَّة دَارُ الفَصْيُّلَة الريَاضْ السُعُوديّة دَار الهَدي النبوي مصْر - المنصوَرَة حقوق الطَّيْعُ محفوظة الطّبعَّة الأولى ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠۵م النَّاشِر دَارُ الفَضِيَّة الرياض ١١٥٤٣ - ص.ب ٥١١٤٢ تلفاكس ٢٣٣٣٠٦٣ دَار الهَدي النبوي مصر - المنصوَرَة : مقدمة لمختصر الکتاب بسم اللهالرحمن الرحيم مقدمة مختصر الكتاب إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ. وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ ﴿٦)﴾ [آل عمران] ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَّكُم مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا (٢٥)﴾ [الأحزاب]. أما بعد: فإنه لما كان كتاب الله هو العروة الوثقى وحبل الله المتين وهو النور الذي يبدد ظلمات الكفر والجهل والمعصية والبدعة ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبُ تُبِينٌ ﴿ يَهْدِى بِ اللَّهُ مَنِ أَتَّبَعَ رِضْوَنَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ القُلُمَتِ إِلَىَ النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَفِيٍ : [المائدة]. وكنت ممن منّ الله عليهم بمعايشة كتاب الله وإطالة التأمل فيه ومحاولة الغوص وراء معانيه العظيمة وأوامره وأحكامه الرشيدة مع رغبة صادقة في معرفة زواجره ونواهيه، وكنت في سبيل ذلك كثير المداومة على مطالعة كتب التفسير التي ألفاها علماؤنا الأجلاء الفضلاء. وكنت بالفطرة شديد الميل إلى الوقوف عند التفاسير التي ركزت على تفسير القرآن بالقرآن باعتباره أفضل أنواع التفسير وأجلها قدراً، وكنت ولا زلت أتمنى . أن يكون الاهتمام بهذا المنهج في التفسير هو ما تصرف فيه الأوقات، وما ينبغي أن يكون الشغل الشاغل لمن يتصدى لتفسير كتاب الله وبيان معانيه وجعلها في متناول عامة المسلمين دعوة لهم لتكون مستند حركتهم، ومرتكز عملهم كيما يسعدوا في العاجل والآجل، لذلك وجدتني مشدوداً إلى كتاب أحسبه فريداً من نوعه في هذا الباب لم تقع عيني على مثله هو (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن لشيخنا بل شيخ الجيل الذي وجد فيه وشيخ من أتى بعده الإمام العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الجنكي الشنقيطي ابن عمنا والمقدم فينا، وتأكد بعد المعايشة أن كثيراً من الناس قد لا يحسنون الغوص وراء معانيه ولا يجدون السباحة في بحره الزاخر، لطول نفس الشيخ في العلوم التي حواها كتاب الله فوقوفه الطويل عندها في مباحث متخصصة غاية ونهاية هي محل اهتمام من طلبة العلم الراسخين فيه حيث إن الشيخ كَفُ كان يعلم يقيناً أن المستفيدين بالدرجة الأولى من الكتاب هم طلبة العلم، وكان تخلفهُ لا يوزعه في طبعته الأولى إلا عليهم وبشرط أن يكونوا قد حصلوا على الأجزاء الأولى منه لأنه كان قد أفاض في ٦ - مقدمة لمختصر الكتاب الكشف عن منهجه في مقدمة الجزء الأول من الكتاب، كما كان كثير الإحالة على الأجزاء الأخرى التي تقدمت لكل ما سبق ورغبة في جعل هذا التفسير الجليل في متناول عامة المسلمين من خلال التركيز على بيان معاني الآيات التي فسرها الشيخ وفق منهجه سواء كان التفسير بنصوص القرآن أو الأقوال اللغوية والشواهد الشعرية التي تجلي حقيقة معنى الآية مع إيضاح رأي الشيخ في المسائل التي تتعلق بالموضوعات ذات العلاقة في الآية والاقتصار على ذلك باعتباره أبرز ما يحتاج إليه عامة الناس وقد اخترت له اسماً يطابق حقيقته ويتفق مع ما وضعه الشيخ اسماً لأصل الكتاب وهو ((تفسير القرآن بالقرآن من أضواء البيان)) ولا يفوتني هنا التأكيد على أنني لم أكن لأجرأ على مثل هذا العمل لولا ما لمسته من تشجيع أخي الدكتور محمد المختار بن محمد الأمين ابن الشيخ بعد أن بينت له شدة اهتمامي بتيسير انتفاع عامة الناس بالكتاب إذ أنني حتى بعد موافقته ترددت كثيراً وأمضيت أكثر من سنتين في التردد بعدها شرح الله صدري لهذا العمل الذي أسأل الله أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم نافعاً للمسلمين. وهنا ملاحظة قبل اختتام هذه المقدمة تتمثل في أن الشيخ تَّهُ لم يفسر كل آيات القرآن وإنما اقتصر تفسير في كل سورة على الآيات التي تفسرها آيات أخرى من كتاب الله وربما كان غياب إدراك هذه الحقيقة مما حال بين الكثيرين من عامة الناس وبين الانتفاع به بصورة مثلى. ومن باب من لا يشكر الناس لا يشكر الله، فإني أتقدم لكل من ساعدني في اختصار هذا الكتاب. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أ. د. سيد بن محمد ساداتي الشنقيطي ٧ مقدمة المؤلف - مقدمة المؤلف بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحْيِ والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد بَ له، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، إلّه الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي اصطفاه وجعله سيد ولد آدم أجمعين. الحمد لله الذي أنزل على خاتم الرسل والأنبياء أكمل كتاب، فكشف به ظلمات الجهل وأسباب العذاب، وأماط به عن نفائس العلوم وذخائرها الحجاب، وكشف به عن حقائق الدين وأسراره ومحاسنه النقاب، وأخلص به العبادة للعزيز الوهاب، وفتح به لنيل مآرب الدارين الباب، وأغلق باتباعه والعمل به دون الشر جميع الأبواب، تحيى بوابل علومه القلوب النيرة أعظم مما تحيى الأرض بوابل السحاب، يتميز بتدبر آياته الخطأ من الصواب، والقشور من اللباب، وتجل ألفاظه ومعانيه وأحكامه وأخباره عن الوصمة ﴾ [ص: ٢٩]، وعد الله والعاب ﴿كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرَكُ لِيَّبَّرُوْ ءَايَتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ ( متبعه ما هو خير وأبقى، وقال فيه: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَ يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]. وأوعد المعرضين عنه من جميع الأحزاب بالنار، قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ اُلْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧]، وهو عام للكفار، وشبه بالحمر المعرضين عنه من الكفرة، قال: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ الْتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ﴿ كَنَهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنِفِرَةٌ ( [المدثر]، فيكفي ٥٠ المعرض عنه أنه حمار، وأنه من حمير النار. وبيّن تعالى أنّ المعرض عنه يحمل يوم القيامة ما لا يستطيع له حملاً، قال: ﴿وَقَدْ ءَانَيْتَكَ مِن لَّكُنَّا ذِكْرًا ﴿ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وِزْرًّا ﴿٣ خَلِينَ فِيَةٍ وَسََّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ حِمْلًا ﴾﴾ [طه]، فتح الله تعالى به قلوباً غلفاً، وأعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقال فيه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَتَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (٣)﴾ [طه]، لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على طول التكرار، ما تعاقب الليل والنهار، رفع الله تعالى به قوماً ووضع به آخرين، وقال: ﴿فَذَرْنِ وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِّ سَنَبْدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ وَأَمَلِى لَمَّ إِنَّ كَيْدِى مَنِينُ ﴾﴾ [القلم]، وهو آخر الكتب السماوية عهداً برب العالمين، فكل الشر في الإعراض عنه، وكل الخير في الإقبال عليه، فطوبى لمن كان حجةٍ له، وويل لمن كان حجة عليه ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤]، ففيه للمطيع أعظم وعد، وللعاصي أشد وعيد. ٨. - مقدمة المؤلف ومع هذا كله، فإن أكثر المنتسبين للإسلام اليوم في أقطار الدنيا معرضون عن التدبر فيْ آياته، غير مكترثين بقول من خلقهم: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٣)﴾ [محمد]، لا يتأدبون بآدابه، ولا يتخلقون بما فيه من مكارم الأخلاق يطلبون الأحكام في التشريعات الضالة المخالفة له، غير مكترثين بقول ربهم: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. وقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُواْ إِلَى اَلَّغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوَاْ أَنْ يَكْفُرُواْ بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَلَا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]، بل المتأدب بآداب القرآن المتخلق بما فيه من مكارم الأخلاق محتقر مغموز فيه عند جلهم إلا من عصمه الله فهم يحتقرونه واحتقاره لهم أشد كما قال الشافعي نظّته. وهذا فيه أزهد منه فيه فهذا زاهد فى قرب هذا وإياك يا أخي ثم إياك، أن يزهدك في كتاب الله تعالى كثرة الزاهدين فيه، ولا كثرة المحتقرين لمن يعمل به ويدعو إليه، واعلم أنّ العاقل الكيس الحكيم لا يكترث بانتقاد المجانين، واسمع قول الأديب الكبير محمد بن حنبل الشنقيطي الحسني تكذفه: " إنّ سوء الظن بالعلم عطب . لا تسؤ بالعلم ظنا يا فتى غمر الجهال أرباب الأدب لا يزهدك أخي في العلم أنّ صفر كف لم يساعده سبب إن تر العالم نضواً مرملا محرز المأمون من كل أرب وتر الجاهل قد حاز الفنى والذئاب الغبس تعتام القتب قد تجوع الأسد في آجامها مضض المرين ذل وسغب جرع النفس على تحصيله وإيار النحل مشتار الضرب لا يهاب الشوك قطاف الجنى أما بعد: فإنّا لما عرفنا إعراض أكثر المتسمين باسم المسلمين اليوم عن كتاب ربهم ونبذهم له وراء ظهورهم، وعدم رغبتهم في وعده، وعدم خوفهم من وعيده، علمنا أن ذلك مما يعين على من أعطاه الله علماً بكتابه أن يجعل همته في خدمته من بيان معانيه، وإظهار محاسنه، وإزالة الإشكال عما أشكل منه، وبيان أحكامه، والدعوة إلى العمل به، وترك كل ما يخالفه. واعلم أنّ السّنة كلها تندرج في آية واحدة من بحره الزاخر، وهي قوله تعالى: وَمَآ ءَالَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنْكُمْ عَنْهُ فَأَنَهُواْ﴾ [الحشر: ٧]، ومن أهم المقاصد في ذلك، هذا الكتاب المبارك الذي هذه ترجمته، واعلم أنّ من أهم المقصود بتأليفه أمران: أحدهما: بيان القرآن بالقرآن، لإجماع العلماء على أنّ أشرف أنواع التفسير وأجلها تفسير كتاب الله بكتاب الله، إذ لا أحد أعلم بمعنى كلام الله - جل وعلا - من الله - جل وعلا -، وقد التزمنا أن لا نبيّن القرآن إلا بقراءة سبعية، سواء كانت قراءة أخرى في الآية المبينة نفسها، أو آية أخرى غيرها، ولا نعتمد على البيان بالقراءات مقدمة المؤلف الشاذة وربما ذكرنا القراءة الشاذة استشهاداً للبيان بقراءة سبعية، وقراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف ليست من الشاذ عندنا ولا عند المحققين من أهل العلم بالقراءات . .. وثانيهما: بيان الأحكام الفقهية في جميع الآيات المبينة بالفتح في هذا الكتاب، فإننا نبين ما فيها من الأحكام، وأدلتها من السنة، وأقوال العلماء في ذلك، ونرجح ما ظهر لنا أنّه الراجح بالدليل من غير تعصب لمذهب معين، ولا لقول قائل معين؛ لأنّنا ننظر إلى ذات القول لا إلى قائله؛ لأنّ كل كلام فيه مقبول ومردود، إلا كلامه وَله، ومعلوم أن الحق حق ولو كان قائله حقيراً. ألا ترى أنّ ملكة سبأ في حال كونها تسجد للشمس من دون الله هي وقومها لما قالت كلاماً حقًّا صدقها الله فيه، ولم يكن كفرها مانعاً من تصديقها في الحق الذي قالته، وذلك في قولها فيما ذكر الله عنها: ﴿إِنَّ الْمُلُوَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلَّوْاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَِلَّةٌ﴾ [النمل: ٣٤]، فقد قال تعالى مصدقاً لها في قولها: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤]، وقد قال الشاعر: لا تحقرن الرأي وهو موافق حكم الصواب إذا أتى من ناقص ماحط قيمته هوان الغائص فالدر وهو أعز شيء يقتنى وقد تضمن هذا الكتاب أموراً زائدة على ذلك، كتحقيق بعض المسائل اللغوية وما يحتاج إليه من صرف وإعراب، والاستشهاد بشعر العرب وتحقيق ما يحتاج إليه فيه من المسائل الأصولية والكلام على أسانيد الأحاديث، كما ستراه إن شاء الله تعالى. واعلم أنّ أنواع البيان المذكورة في هذا الكتاب المبارك كثيرة جدًّا. وقد أردنا أن نذكر في هذه الترجمة جملاً من ذلك ليعلم بها الناظر كثرة ما تضمنه هذا الكتاب المبارك من أنواع بيان القرآن بالقرآن، ويكون على بصيرة في الجملة من فائدته قبل الوقوف على جميع ما فيه. وبعد ذلك نذكر مقدمة في تعريف الإجمال والبيان، وما يحتاج إليه من مسائلهما من غير تطويل في ذلك، ثم نشرع - إن شاء الله - في المقصود مرتباً على ترتيب سور القرآن العظيم، ونرجو من الله الكريم على ما فينا أن نكون داخلين في قوله ويلقى، الثابت في صحيح البخاري من حديث أمير المؤمنين عثمان بن عفان ◌ُبه: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)) وفي رواية له: ((إِنَّ أَفْضَلَكُم منْ تَعَلَّمَ الْقُرآنَ وَعَلَّمَه)) كما نرجوه تعالى أن يوفقنا للعمل بما علمنا من كتابه، والتخلق بما فيه من المكارم، والتأديب بآدابه، وأن يعلمنا ما جهلنا، ويذكرنا ما نسينا منه، وأن يرزقنا إخلاص النية في جميع الأعمال، وأن يحفظنا بفضله ورحمته من فساد القصد في الأعمال، إنّه رحيم كريم .. اعلم - وفقني الله وإياك لما يحبه ويرضاه - أن من أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك بيان الإجمال الواقع بسبب اشتراك، سواء كان الاشتراك في اسم أو فعل أو حرف. ١٠ مقدمة المؤلف ومثال الإجمال بسبب الاشتراك في اسم قوله تعالى: ﴿ثَلَثَةَ قُرُوْءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ لأنّ القرء مشترك بين الطهر والحيض، وقد أشار تعالى إلى أن المراد بأقراء العدة الأطهار بقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، فاللام للتوقيت ووقت الطلاق المأمور به فيه في الآية الطهر لا الحيض، وتدل له قرينة زيادة التاء في قوله: ﴿ثَلَثَةَ قُرُوَةٍ﴾، لدلالتها على تذكير المعدود وهو الأطهار، فلو أراد الحيضات لقال: ثلاث قروءٍ بلا هاء؛ لأن العرب تقول: ثلاثة أطهار وثلاث حيضات. وسترى بعض الكلام على هذه المسألة في هذه الترجمة وتحقيق المقام فيها بأدلته في سورة البقرة إن شاء الله تعالى. ومن أمثلة الاشتراك في اسم قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ اَلْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، فإنّ العتيق يطلق بالاشتراك على القديم، وعلى المعتق من الجبابرة وعلى الكريم وكلها قيل به في الآية وتصريح الله بأنه أقدم البيوت التي وضعت للناس في قوله: ﴿إِنَّ أَوََّ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] الآية، يدل للأول. أدبر وهي قوله تعالى: ﴿وَلَتْلِ إِذْ أَذْبَرَ ( ومثال الإجمال بسبب الاشتراك في فعل قوله تعالى: ﴿وَِّلِ إِذَا عَسْعَسَ ١٧ [التكوير]، فإنّه مشترك بين إقبال الليل وإدباره، وقد جاءت آية تؤيد أن معناه في الآية ﴾ [المدثر]، فكون عسعس في (٣٤) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ الآية بمعنى أدبر يطابق معنى آية المدثر هذه كما ترى، ولكن الغالب في القرآن أنه تعالى يقسم بالليل وظلامه إذا أقبل، وبالفجر وضيائه إذا أشرق، كقوله: ﴿وَلَيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالتَّهَارِ إِذَا تَجَّ (جَ﴾ [الليل]. وقوله: ﴿وَلَنََّرِ إِذَا جَلَّهَا ﴿ وَأَلَيْلِ إِذَا يَغْشَنهَا [الشمس]. وقوله: ﴿وَالضُّحَى ﴾ وَاُلَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾﴾ [الضحى]، إلى غير ذلك من الآيات، والحمل على الغالب أولى وهذا هو اختيار ابن كثير وهو الظاهر خلافاً لابن جرير. وسترى إيضاح هذا المبحث إن شاء الله في سورة التكوير. ومن أمثلة الاشتراك في فعل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَتِهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، فإنه مشترك بين قولهم عدل به غيره إذا سواه به ومنه قول جرير: أثعلبة الفوارس أم رياحاً عبدلت بهم طهية والخشابا أي سويتهم بهم وبين قولهم: عدل بمعنى مال وصد ويدل للأول قوله تعالى: ﴾ [الشعراء]. وقوله: ﴿وَمِنَ ٩٨ ﴿َّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿٨َ إِذْ نُوِيِكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ ( النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] الآية. ومثال الإجمال بسبب الاشتراك في حرف قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَّةٌ﴾ [البقرة: ٧]، فإنّ الواو في قوله: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمٌ﴾، وقوله: ﴿وَعَلَىّ أَبْصَرِهِمْ﴾ محتملة للعطف على ما قبلها وللاستئناف، ولكنّه تعالى بيّن في سورة الجاثية، أنّ قوله هنا: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] معطوف ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، وأنّ قوله: ﴿وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] جملة مستأنفة مبتدأ وخبر، فيكون الختم على ٠ ١ ١ مقدمة المؤلف . القلوب والأسماع والغشاوة على خصوص الأبصار، والآية التي بين بها ذلك هي قوله تعالى: ﴿أَفَرَعَيْتَ مَنِ أَّخَذَ إِلَهَهُمْ هَوَنُهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ، عِشَوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣]، وسترى في سورة البقرة، الجواب عن آية النحل إن شاء الله تعالى. ومن أمثلة الاشتراك في حرف أيضاً الاشتراك في الواو من قوله: ﴿وَالزَّسِخُونَ فِي اُلْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]، فإنها محتملة للعطف فيكون الراسخون في العلم يعلمون تأويل المتشابه ومحتملة للاستئناف، فيكون الله تعالى مستأثراً بعلمه دون خلقه، وفي الآية قرائن ترجح أنها للاستئناف أوضحها ابن قدامة في روضة الناظر قال: وفي الآية قرائن تدل على أن الله سبحانه وتعالى منفرد بعلم تأويل المتشابه وأنّ الوقف الصحيح عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، لفظاً ومعنى، أما اللفظ فلأنّه لو أراد عطف الراسخين لقال: ويقولون آمنا به بالواو، وأما المعنى فلأنّه ذم مبتغي التأويل، ولو كان ذلك للراسخين معلوماً لكان مبتغيه ممدوحاً لا مذموماً؛ ولأنّ قولهم: آمنا يدل على نوع تفويض وتسليم لشيء لم يقفوا على معناه إلى آخره. وسترى تمامه وتفصيله إن شاء الله في سورة آل عمران. ومن أمثلة الاشتراك في حرف قوله تعالى: ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، فإنّ لفظة ((من)) مشتركة بين التبعيض وابتداء الغاية، وقد قال الشافعي، وأحمد - رحمهما الله -: هي في هذه الآية الكريمة للتبعيض، فاشترطا صعيداً له غبار يعلق باليد، وقال مالك وأبو حنيفة - رحمهما الله -: هي لابتداء الغاية فلم يشترطا ماله غبار، بل أجازا التيمم على الرمل والحجارة وقولهما أنسب؛ لأنّ قوله تعالى بعده: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]، نكرة في سياق النفي زيدت قيلها لفظة ((من)) لتوكيد العموم، والنكرة إذا كانت كذلك فهي نص صريح في شمول النفي لجميع أفراد الجنس والتكليف بخصوص ما له غبار لا يخلو من حرج؛ لأنّ كثيراً من بلاد الله لا يوجد فيها إلا الجبال أو الرمال، وسيأتي تحقيق هذا المبحث وإيضاحه بالسنة في سورة المائدة، إن شاء الله تعالى. والمقصود في الترجمة مطلق المثال، ومن أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك بيان الإجمال الواقع بسبب إبهام في اسم جنس جمعاً كان أو مفرداً، أو اسم جمع أو صلة موصول أو معنى حرف، فمثال الإبهام في اسم جنس مجموع قوله تعالى: ﴿فَلَقََّ ءَدَمُ مِن رَّبِّهِ، كَلِمَتٍ﴾ [البقرة: ٣٧]، فقد أبهمها هنا وذكرها في قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ [الأعراف]، ومن أمثلته في اسم جنس مفرد قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَيِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَفِىّ إِسْرَِّيلَ بِمَا صَبِّرُواْ﴾ [الأعراف: ١٣٧] الآية، فقد أبهمها هنا وبيّنها بقوله: ﴿وَثُرِيدُ أَنْ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى ثَّهُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ فِى الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَبِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِثِن اُلْأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَا كَانُواْ يَحْذَرُونَ ﴾﴾ [القصص]، ومن ١٢ مقدمة المؤلف أمثلته قوله: ﴿ وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١]، فقد بيّنها بقوله: وَلَكِنْ حَقَّ اُلْقَوْلُ مِنِ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [السجدة: ١٣] الآية، ونحوها من الآيات. ومن أمثلته قوله: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىّ أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، فقد بيّن عهده بقوله: ﴿لَبِنْ أَقَمْتُمُ الْفَلَوَةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوَةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المائدة: ١٢] وبين عهدهم بقوله: ﴿لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [المائدة: ١٢] الآية، ومن أمثلته قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّمٌ﴾ [الأنعام: ١٥٢]؛ لأن الأشد يتناول البلوغ ويتناول ثلاثين سنة، وأربعين، وستين وغير ذلك؛ كما قيل فيه بكل ذلك ومن إطلاقه على الخمسين قول سحيم بن وثيل. أخو خمسين مجتمع أشدى .. ونجذني مداورة الشؤون ولكنَّ الله تعالى بيّن أنّ المراد به في شأن اليتيم بلوغ النكاح بقوله تعالى: ﴿حَّ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشِّدًا فَأَدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَّ﴾ [النساء: ٦]، ومثال الإجمال بسبب وَزُرُوع الإبهام في اسم جمع قوله تعالى في سورة الدخان: ﴿كَمْ تَرَّكُواْ مِنْ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ (٥) وَمَقَاءٍ كَرِيمٍ ﴿ وَنَعْمَدٍ كَانُواْ فِيَهَا فَكِينَ ﴿ كَذَلِكٌ وَأَوْرَتْنَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ (٨)﴾ [الدخان]، فالقوم: اسم جمع وقد أبهمه هنا وكذلك قوله في الأعراف: ﴿ وَأَوْرَثْنَا اُلْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٣٧] الآية، فإنه أبهم فيه القوم أيضاً ولكنه بيّن في سورة الشعراء، أنّ المراد بأولئك القوم بنو إسرائيل لقوله في القصة بعينها: ﴿فَأَخْرَحْنَهُم كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَهَا بَنِىَ إِسْرَِّيلَ (٥)﴾ [الشعراء] الآية -. مِّنِ جَثَّتٍ وَعُونِ ﴿ وَكُنُزٍ وَمَقَامٍ كَرِيرِ (١٨) ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتَ تَّعْبُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَفِرِينَ [النمل]، فإنه أبهم هؤلاء القوم هنا ولكنه أشار إلى أنهم سبأ بقوله عن الهدهد مقرراً له: ﴿فَقَالَ أَحَطَتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، وَجِئْتُكَ مِن سَبٍَ بِنَلِ يَقِينٍ ﴿﴿ إِى وَجَدتُ آمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ الآية [النمل: ٢٢ - ٢٣]، ومثال الإجمال بسبب الإبهام في صلة موصول قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] فقد أبهم هنا هذا المتلو عليهم الذي هو صلة الموصول ولكنه بينه بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَاَلَّمُ﴾ [المائدة: ٣] الآية، ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، فإنه أبهم هنا هؤلاء الذين أنعم عليهم، ولكنه بين المراد بهم بقوله: ﴿فَأُؤْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اَللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فإنّه هنا أبهم هذا الذي أخفاه وَّر، في نفسه وأبداه الله، ولكنّه أشار إلى أنّ المراد به زواجه زينب بنت جحش حيث أوحي إليه ذلك وهي في ذلك الوقت تحت زيد بن حارثة؛ لأن زواجه إياها هو الذي أبداه الله بقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَبِّدٌ مِنْهَا وَطَرًّا زَوَّحْنَكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وهذا هو التحقيق في معنى الآية الذي دل عليه القرآن وهو اللائق بجنابه وَّه، وبه تعلم أنّ ما يقوله كثير من المفسرين من أنّ ما أخفاه في نفسه وَّةَ، وأبداه الله وقوع زينب في قلبه ومحبته ١٣ مقدمة المؤلف - لها وهي تحت زيد وأنّها سمعته قال: ((سبحان مقلب القلوب)) إلى آخر القصة فإنّه كله لا صحة له، والدليل عليه أن الله لم يبد من ذلك شيئاً مع أنّه صرح بأنّه مبدي ما أخفاه رسوله . وسترى إن شاء الله تحقيق المقام في هذه المسألة في سورة الأحزاب. ومثال الإبهام في معنى حرف قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُواْ مِنِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ [المنافقون: ١٠]، فإن لفظة ((من)) فيه للتبعيض ولكن هذا البعض المدلول عليه بحرف التبعيض المأمور بإنفاقه مبهم هنا، وقد بينه تعالى بقوله: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ اَلْعَفْوِّ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآية، والعفو الزائد على الحاجة الضرورية، وسترى إيضاحه في أول سورة البقرة، إن شاء الله تعالى. ومن أنواع البيان في هذا الكتاب المبارك بيان الإجمال الواقع بسبب احتمال في مفسر الضمير وهو كثير، ومن أمثلته قوله تعالى في سورة العاديات: ﴿وَإِنَُّ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾﴾ [العاديات]، فإن الضمير يحتمل أن يكون عائداً إلى الإنسان، وأن يكون عائداً إلى رب الإنسان المذكور في قوله: ﴿إِنَّ الْإِسَنَ لِرَبِّهِ، لَكُنُودٌ ﴾﴾ [العاديات]، ولكن النظم الكريم يدل على عوده إلى الإنسان وإن كان هو الأول في اللفظ بدليل قوله بعده: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيرِ لَشَدِيدُ ﴾﴾ [العاديات]، فإنّه للإنسان بلا نزاع، وتفريق الضمائر بجعل الأول للرب والثاني للإنسان لا يليق بالنظم الكريم. ومن أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يذكر شيء في موضع ثم يقع سؤال عنه وجواب في موضع آخر كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَلَمِينَ [الفاتحة]، فإنّه لم يبين هنا ما المراد بالعالمين، ولكنه وقع سؤال عنهم وجواب في موضع آخر، وهو قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴾ قَالَ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء: ٢٣، ٢٤] الآية، وسؤال فرعون هذا - لعنه الله - وإن كان في الأصل عن الرب جل وعلا، فقد دخل فيه الجواب عن المراد بالعالمين كما ترى، ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿مْلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾﴾ [الفاتحة]، فإنّه لم يبينه هنا مع أنّه وقع سؤال عنه وجواب في موضع آخر وهو قوله: ﴿وَمَّ أَذْرَكَ مَا يَوْمُ أَلِّينِ (٣ ثُمَّ مَا أَدْرَكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴿ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسُ لِنَفْسِ شَيْئًا﴾ [الانفطار: ١٧ - ١٩] الآية. ومن أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يكون الظاهر المتبادر من الآية بحسب الوضع اللغوي غير مراد بدليل قرآني آخر على أن المراد غيره ومثاله قوله تعالى: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] الآية، فإنّ ظاهره المتبادر منه أن الطلاق كله محصور في المرتين، ولكنه تعالى بيّن أنّ المراد بالمحصور في المرتين خصوص الطلاق الذي تملك بعده الرجعة بقوله: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَجِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْبًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِلَِّى هِىَ أَحْسَنُ حَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، فإنّ المتبادر من مفهوم الغاية أنه إذا بلغ أشده، فلا مانع من قربان ماله بغير التي ١٤ - مقدمة المؤلف هي أحسن، ولكنّه تعالى بيّن أنّ المراد بالغاية أنه إن بلغها يدفع إليه ماله إن أونس منه الرشد، وذلك في قوله: ﴿حََّ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] الآية. ومن أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً، ويكون في نفس الآية قرينة تدل على بطلان ذلك القول، ومثاله قول أبي حنيفة تغذّقه: إن المسلم يقتل بالكافر الذمي مثلاً قائلاً: إنّ ذلك يفيده عموم النفس بالنفس في قوله: ﴿َكَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيَهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِآلْأُذُنِ وَالسِّنَ بِلِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ﴾ [المائدة: ٤٥] الآية، فإن قوله تعالى في آخر الآية: ﴿فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة: ٤٥] الآية، قرينة على عدم دخول الكافر؛ لأنّ صدقته لا تكفر عنه شيئاً إذ لا تنفع الأعمال الصالحة مع الكفر، كما سترى تحقيقه في المائدة إن شاء الله تعالى، ومن أمثلته قول الحسن البصري تغذّثه: إن المراد بابني آدم في قوله: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ [المائدة: ٢٧] الآية، رجلان من بني إسرائيل فإنّ قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اَللَّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ فِى الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُؤَرِى سَوْءَةً أَخِيَةٍ﴾ [المائدة: ٣١] الآية، دليل على أنّ ذلك وقع في مبدأ الأمر قبل أن يعلم الناس دفن الموتى، أما في زمن بني إسرائيل فلا يخفى دفن الموتى على أحد، ولا يحتاج إسرائيلي البتة إلى تعلم دفن الميت من الغراب كما هو ظاهر، ومن أمثلته قول مجاهد كَّتُهُ: إنّ المراد بقوله: ﴿وَمَنْ قَتَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، أنّه متعمد لقتله ناس لإحرامه، فإن قوله تعالى في آخر الآية: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ،﴾ [المائدة: ٩٥]، يدل على أنه مرتكب معصية والناسي لإحرامه غير مرتكب إثماً حتى يقال فيه ليذوق وبال أمره، ومن أمثلته قول كثير من الناس: إن آية الحجاب أعني قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآية، خاصة بأزواج النبي و لو، فإن تعليله تعالى لهذا الحكم الذي هو إيجاب الحجاب بكونه أطهر لقلوب الرجال والنساء من الريبة في قوله: ﴿ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، قرينة واضحة على قصد تعميم الحكم، إذ لم يقل أحد من جميع المسلمين: إنّ غير أزواج النبي وَّ لا حاجة إلى طهارة قلوبهن، ولا إلى طهارة قلوب الرجال من الريبة منهن، وقد تقرر في الأصول أنّ العلة قد تعمم معلولها وإليه أشار في مراقي السعود بقوله: وقد تخصص وقد تعمم لأصلها لكنها لا تخـرم وسترى - إن شاء الله - تحقيق مسألة الحجاب في سورة الأحزاب، ومن أمثلته قول بعض أهل العلم: إنّ أزواجه وَل*، لا يدخلن في أهل بيته في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرِحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] الآية، فإن قرينة السياق صريحة في دخولهن؛ لأنّ الله تعالى قال: ﴿قُل لِّأَزْوَجِكَ إِن كُتُنَّ تُرِدْنَ﴾ [الأحزاب: ٢٨]، ثم قال في نفس خطابه لهن: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرِّحْسَ﴾ [الأحزاب: ٣٣]. ثم قال بعده: ﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِى بُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٤] الآية. ١٥ مقدمة المؤلف وأجمع جمهور علماء الأصول على أنّ صورة سبب النزول قطعية الدخول فلا يصح إخراجها بمخصص، وروي عن مالك: أنّها ظنية الدخول، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله : وارو عن الإمام ظنًّا تصب واجزم بإدخال ذوات السبب. فالحق أنهن داخلات في الآية، وسترى - إن شاء الله - تحقيق ذلك في سورة الأحزاب. ومن أنواع البيان التي تضمنها أيضاً أن يذكر وقوع شيء في القرآن، ثم يذكر في محل آخر كيفية وقوعه كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةُ ثُمَّ الَّخَذْتُمُ الْمِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ،﴾ [البقرة: ٥١] الآية، فإنه لم يبين هنا كيفية الوعد بها هل كانت مجتمعة أو مفرقة؟ ولكنّه بينها في الأعراف بقوله: ﴿وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَلَثِينَ لَيْلَةُ وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَتُ رَيِّدِ. أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]، ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠]، فإنه بين كيفية إغراقه لهم في مواضع أخر كقوله: ﴿أَنِ أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْبَحْرِّ فَأَنْفَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] الآية، وقوله: ﴿فَأَضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ يَسًا﴾ [طه: ٧٧] الآية، ومن هذا القبيل أن يذكر وقوع أمر من غير تعرض إلى كونه وقع أولاً بتنجيز أو تعليق، ثم يبين ذلك في موضع آخر، ومثاله قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَئِكَةِ أَسْجُدُواْ لِلَّدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] الآية، فإنه لم يبين هنا هل ذلك الأمر بالسجود وقع أولا بتنجيز أو تعليق وقد بين في (الحجر) و(ص) أنه وقع أولاً معلقاً قال في الحجر: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ فَإِذَا سَوَيْتُهُ، وَنَفَخَّتُ فِيهِ مِنْ رُوحِى لِلْمَلَئِكَةِ إِ خَلِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَلٍ مَسْنُونٍ (٦) (٣)﴾ [الحجر]. وقال في سورة ص: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكُ لِلْمَلَئِكَةِ إِى خَلِقٌ بَشَرًاً فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ ﴿ فَإِذَا سَوَيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ (فَ﴾﴾ [ص]. مِّن طِينٍ ومن أنواع البيان المذكورة فيه أن يقع طلب الأمر، ويبين في موضع آخر المقصود من ذلك الأمر المطلوب، ومثاله قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ الْأَمْرُ﴾ [الأنعام: ٨] الآية، فإنه بيّن في الفرقان أن مرادهم بالملك المقترح إنزاله أن يكون نذيراً آخر معه نََّ، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِي الْأَتْوَاقِّ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴾﴾ [الفرقان]. ومن أنواع البيان التي تضمنها أيضاً أن يذكر أمر في موضع، ثم يذكر في موضع آخر شيء يتعلق بذلك الأمر، كأن يذكر له سبب أو مفعول أو ظرف مكان أو ظرف زمان أو متعلق: فمثال ذكر سببه في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنُّ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِىَ كَالِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ فَسْوَةٌ﴾ [البقرة: ٧٤]، فإنه لم يبين هنا سببٍ قسوة قلوبهم ولكنه بينه بقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَةٌ﴾ [المائدة: ١٣]. وقوله: ﴿فَطَالَ عَلَهُمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]. ومن أمثلة ذكر السبب قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدُ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، فإنه أشار هنا لسبب اسودادها بقوله: ﴿فَأَمَّا ١٦ - مقدمة المؤلف الَّذِينَ أَسْوَدَّتْ رُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم﴾ [آل عمران: ١٠٦] الآية، وقد بيّنه في مواضع أخر كقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]، ونحوها من الآيات كما سترى - إن شاء الله - تحقيقه في آل عمران. ... ومن أمثلة ذكر المفعول الواحد قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَ [النازعات]، فإنه لم يذكر هنا مفعول يخشى، ولكنه أشار إليه في هود والذاريات [النازعات]، راجعة وإيضاحه أن الإشارة في قوله هنا: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةٌ لِّمَنْ يَخْشَىَ ()﴾ إلى ما أصاب فرعون من النكال والعذاب المذكور في قوله: ﴿فَخَذَهُ اللَّهُ تَكَلَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَ (9)﴾ [النازعات]. فإذا عرفت ذلك فاعلم أنه تعالى صرح في سورة هود بأن فيما أصاب فرعون من العذاب آية لمن خاف عذاب الآخرة فصرح بأن الخوف واقع على عذاب الآخرة فهو المفعول، والخوف المذكور في هود هو الخشية المذكورة في. النازعات فقوله في هود: ﴿وَمَّا أَفْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ﴾ [هود: ٩٧ - ٩٨]، إلى قوله: ﴿اَلْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩]. وقوله بعده: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةٌ لِّمَنْ نَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةَّ﴾ [هود: ١٠٣] يدل على أن المفعول المحذوف في النازعات هو عذاب الآخرة لتصريحه تعالى به في نفس القصة في هود ويؤيده قوله تعالى في الذاريات: ﴿وَفِى مُوسَىَ إِذْ أَزْسَنَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾﴾ [الذاريات] الآية؛ لأن قوله: ﴿وَفِ مُوسَى﴾ [الذاريات: ٣٨]، معطوف على قوله: ﴿وَتَرَّكَا فِيَهَآ ءَايَةٌ لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [الذاريات]، فيكون المعنى: وتركنا في قصة فرعون مع موسى وما أصابه من العذاب بسبب تكذيبه له آية للذين يخافون العذاب الأليم، ففيه بيان المفعول وأنه عذاب الآخرة، كما ذكر في هود، وسترى - إن شاء الله - إيضاحه في النازعات، ومثاله في أحد المفعولين قوله: ﴿ثُمَّ أَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٥١] الآية، ونحوها من جميع آيات اتخاذهم العجل إلّهاً فإن المفعول الثاني محذوف في جميعها، وتقديره اتخذتم العجل إلّهاً ونكتة حذفه دائماً التنبيه على أنه لا ينبغي أن يتلفظ بأن عجلاً مصطنعاً إِلّه، وقد أشار إلى هذا المفعول في طه بقوله: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَِّيُّ ◌َ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَُّ خُوَارٌ فَقَالُواْ هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه: ٨٧ - ٨٨] ومثال ذكر ظرف المكان قوله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ [الفاتحة]، ثم بين في سورة الروم، أن السموات والأرض من الظروف المكانية لحمده جلّ وعلا، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ١٨] الآية. ومثال ذكر ظرف الزمان قوله تعالى في القصص: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِى الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ﴾ [القصص: ٧٠] وقوله في أول سبأ: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِىِ الْآَخِرَةَّ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخِيرُ﴾ [سبأ: ١]، فبين أن الدنيا والآخرة من الظروف الزمانية لحمده، ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، فإنه بيّن في النساء أن شهادة الرسول واقعة يوم القيامة وذلك في قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيٍ وَجِثْنَا بِكَ عَلَى ١٧ مقدمة المؤلف هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴿﴿ يَوْمَيِذٍ يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَواْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ [النساء: ٤١، ٤٢]، ومثال ذكر المتعلق قوله تعالى في النساء: ﴿وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [النساء: ٨٤] الآية. فإنه لم يبين هنا متعلق التحريض ولكنه بينه في الأنفال بقوله: و﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] الآية. ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّا صَفًّا (٣)﴾ [الفجر]. وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَبِكَةُ أَوْ يَأْتِى رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] الآية. فإنه ذكر في البقرة لإتيانه جل وعلا يوم القيامة متعلقاً، وذلك في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] الآية فالجار والمجرور الذي هو قوله في ظلل يتعلق بقوله: يأتيهم ومن أمثلته قوله: ﴿فَإِذَا أَنْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً ﴾ [الرحمن: ٣٧] الآية. وقوله: ﴿وَأَنْشَقَّتِ السَّمَآءُ فَهِىَ يَوْمَدٍ وَاحِيَةٌ [الجافة]. وقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ ﴾﴾ [الانشقاق]، فقد ذكر لانشقاقها متعلقاً في الفرقان في قوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَفَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَمِ﴾ [الفرقان: ٢٥] الآية. ومن أنواع البيان المذكورة في هذا الكتاب المبارك الاستدلال على أحد المعاني الداخلة في معنى الآية بكونه هو الغالب في القرآن فغلبته فيه دليل على عدم خروجه من معنى الآية، ومثاله قوله تعالى: ﴿لَأَغْلِيَنَ أَنَا وَّرُسُلِّ﴾ [المجادلة: ٢١]، فقد قال بعض العلماء: إن المراد بهذه الغلبة، الغلبة بالحجة والبيان، والغالب في القرآن هو استعمال الغلبة في الغلبة بالسيف والسنان، وذلك دليل واضح على دخول تلك الغلبة في الآية؛ لأن خير ما يبين به القرآن القرآن فمن ذلك قوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢]. وقوله: ﴿وَمَن يُقَتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ [النساء: ٧٤]. وقوله: ﴿إِن يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِأَنَيْنَّ وَإِن يَكُن مِنكُم مِّأْئَةٌ يَغْلُواْ أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الأنفال: ٦٥]. وقوله: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِّنكُم مِّأْتَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْتَنَيْنَّ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦٦] الآية. وقوله: ﴿الَّ (٣ عُليَتِ الرُّومُ )) فِيَّ أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّنُ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴿ فِ بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٤]، إلى غير ذلك من الآيات، وقد يكون المعنى المذكور متكرراً قصده في القرآن، إلا أنه ليس أغلب من قصد سواه، والاستدلال به مذكور في هذا الكتاب أيضاً، وهو دون الأول في الرتبة، فالاستدلال به شبه الاستئناس، ومثاله قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩]، فقد قال بعض أهل العلم: معناه مهلكهم، وإطلاق الإحاطة وإرادة الإهلاك متكرر في القرآن، إلا أنه ليس أغلب في معنى الإحاطة في القرآن ومنه قوله تعالى: ﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]، وقوله: ﴿الَتَأْنِى بِهِة جميعاً إِلَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ [يوسف: ٦٦]، على أحد القولين وقوله: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢] الآية. وسترى هذا المبحث في سورة البقرة، إن شاء الله تعالى. ومن هذا النوع إطلاق الظلم على الشرك كقوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]. وقوله: ﴿إِنَ الشِّرْكَ لَظُلُمُ﴾ [لقمان: ١٣]. وقوله: ﴿وَالْكَفِرُونَ هُمُ ١٨ مقدمة المؤلف اُلظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرٌُّ فَإِنِ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَا مِنَ الظَّلِينَ ﴾ [يونس]، كما ستراه - إن شاء الله تعالى - في البقرة والأنعام. ومن أنواع البيان المذكورة في هذا الكتاب المبارك وهو من أهمها بيان أن جميع ما وصف الله به نفسه في هذا القرآن العظيم من الصفات كالاستواء واليد والوجه ونحو ذلك من جميع الصفات، فهو موصوف به حقيقةً لا مجازاً مع تنزيهه - جل وعلا - عن مشابهة صفات الحوادث سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيراً، وذلك البيان العظيم لجميع الصفات في قوله - جلّ وعلا -: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فنفى عنه مماثلة الحوادث بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾، وأثبت له الصفات على الحقيقة بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وسترى - إن شاء الله - تحقيق هذا المبحث وإيضاحه بالآيات القرآنية بكثرة في سورة الأعراف. ومن أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أنا إذا بيّنا قرآناً بقرآن في مسألة يخالفنا فيها غيرنا، ويدعي أن مذهبه المخالف لنا يدل عليه قرآن أيضاً، فإنا نبين بالسنة الصحيحة صحة بياننا وبطلان بيانه، فيكون استدلالنا بكتاب وسنة، فإن استدل من خالفنا بسنة أيضاً مع القرآن الذي استدل به، فإننا نبين رجحان ما يظهر لنا أنه الراجح، وكذلك إذا استدل مخالفنا بقرآن ولم يقم دليل من سنة شاهداً لنا ولا له، فإنا نبین وجه رجحان بیاننا على بيانه. مثال الأولى من هذه المسائل الثلاث قولنا: إن قراءة ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنَّ﴾ [المائدة: ٦]، بالخفض المفهمة مسح الرجلين في الوضوء تبينها قراءة ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب الصريحة في الغسل فهي مبينة وجوب غسل الرجلين في الوضوء، فيفهم منها أن قراءة الخفض لأجل المجاورة للمخفوض أو لغير ذلك من المعاني، كما ستراه - إن شاء الله - مبيناً في المائدة، فيقول الشيعي القائل بمسح الرجلين في الوضوء: بل قراءة الخفض صريحة في المسح على الرجلين فهي مبينة أن قراءة النصب من العطف على المحل؛ لأن المجرور الذي هو برؤوسكم في محل نصب فنقول: السنة الصحيحة تدل على صحة بياننا وبطلان بيانك، كقوله وَله: ((وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ)) وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة المصرحة بوجوب غسل الرجلين في الوضوء، ولنا أيضاً أن نقول: لو سلمنا أن قراءة وأرجلكم بالخفض يراد بها المسح، فلا يكون ذلك المسح إلا على خف؛ لأن من أنزل عليه القرآن وَل﴿ه، قيل له: ﴿وَأَنْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] ولم يمسح ◌َّ، على رجليه في الوضوء إلا على خفين، فتكون قراءة النصب مبينة لوجوب غسلهما، وقراءة الخفض مبينة لجواز المسح على الخفين، وسترى تحقيق هذه المسألة - إن شاء الله - في محلها من سورة المائدة. ومثال المسألة الثانية من المسائل الثلاث المذكورة قولنا: إن الأظهر في القروء ١٩ مقدمة المؤلف في قوله تعالى: ﴿ثَلَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أنها الأطهار بدليل قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، والزمن المأمور بالطلاق فيه زمن الطهر لا زمن الحيض، فدل على أنّ العدة بالطهر، وتدل له السنة الصحيحة كقوله وَ ل﴿ في حديث ابن عمر: ((فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَها النِّسَاءُ)) والإشارة في قوله ((فتلك العدة)) لزمن الطهر الواقع فيه الطلاق، وهو تصريح من النبي وَلّ، بأن الطهر هو العدة، وتدل له التاء في ﴿ثَلَثَةَ قُرُوَّةٍ﴾ كما تقدم، واستدل من يقول: بأن القروء الحيضات بكتاب وسنة أيضاً، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَأَّتِى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِسَابِكُمْ إِنِ أَرْبَبْتُ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَلَِّى لَمْ يَحِضْنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، فإنّه رتب العدة بالأشهر على عدم الحيض، فدل على أن أصل العدة بالحيض، وأن الأشهر بدل من الحيضات عند عدمها، وأما السنة فحديث اعتداد الأمة بحيضتين، وحديث ((دعي الصلاة أيام أقرائك)) وسترى تفصيل هذه المسألة وأدلة الفريقين في سورة البقرة - إن شاء الله. وقد ذكرنا أن كونها الأطهار أرجح دليلاً في نظرنا؛ لأن آيتها أصرح وحديثها المصرح بها أصح. ومثال المسألة الثالثة من المسائل الثلاث المذكورة بياناً أن نائب الفاعل ربيون في قوله تعالى: ﴿وَكَيِّن مِّن نَّبِّ قَتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، على قراءة البناء للمفعول بقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلَ أَنَا وَرُسُلِىَّ﴾ [المجادلة: ٢١]، ونحوها من الآيات، وبيانه أننا لو قلنا: إن نائب الفاعل ضمير النبي لزم على ذلك قتل كثير من الأنبياء في ميدان الحرب، كما تدل عليه صيغة كأين وتصريح الله تعالى بأنه كتب الغلبة لنفسه ولرسله ينفي ذلك نفياً لا خفاء به، لا سيما وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىَ أَنَهُمْ نَصْرَنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِّمَتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٣٤]، فإن قوله تعالى: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ﴾ صريح في أنه لا مبدل لكون الرسل غالبين؛ لأن غلبتهم لأعدائهم هي مضمون كلمة ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَّأَغْلِيَ أَنَا وَرُسُلِّ﴾ [المجادلة: ٢١]، فلا شك أنها كلماته التي صرح بأنها لا مبدل لها كما ذكره القرطبي وغير واحد، ونفى عن المنصور أن يكون مغلوباً نفياً باتًّا بقوله: ﴿إِن يَنصُرُّكُمُ اللَّهُ فَلَ غَلِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠]. وقد أوضح تعالى أن المقتول من المتقاتلين ليس غالباً في قوله: ﴿وَمَن يُقَتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ الآية [النساء: ٧٤]، حيث جعل الغالب قسماً مقابلاً للمقتول، ومعلوم ضرورة من اللسان الذي نزل به القرآن المقتول من المتقاتلين ليس بغالب، فهذا يبين بإيضاح أن نائب الفاعل ربيون، ويستشهد له بقراءة قتل بالتشديد؛ لأن التكثير المدلول عليه بالتشديد يدل على وقوع القتل على الربيين، ولأجل هذه القراءة رجح الزمخشري وابن جني البيضاوي والألوسي وغيرهم أن نائب الفاعل ربيون، وقد قدمنا أنّا لا نعتمد في البيان على القراءة الشاذة، وإنما نذكرها استشهاداً للبيان بقراءة سبعية كما هنا فيقول المخالف لنا في هذه المسألة كابن جرير، وابن إسحاق، والسهيلي - رحمهم الله - وغيرهم: قد دلت آيات أخر على أنّ نائب الفاعل ضمير النبي ◌َّ وهي ٢٠- مقدمة المؤلف الآيات المصرحة بوقوع القتل على بعض الأنبياء كقوله: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا نَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]، ونحوها من الآيات، وهي تبين أن القتل في محل النزاع واقع على النبي ◌ّ فنقول: يجب تقديم بياننا على بيانكم من ثلاثة أوجه: الأول: أن الآيات المصرحة بقتل الكفار بعض الرسل التي هي دليل بيانكم أعم من محل النزاع؛ لأن النزاع في قتل الرسل في ميدان الحرب خاصة دون غيره، والآيات التي دلت على قتل بعض الرسل ليست واحدة منها في خصوص القتال البتة، والبيان لا يكون بالأعم؛ لأن الدليل على الأعم ليس دليلاً على الأخص؛ لإطباق العقلاء كافة على أن وجود الأعم لا يقتضي وجود الأخص؛ فمطلق قتل الرسول لا يدل على كونه في جهاد؛ لأنه أعم من كونه في جهاد أو غيره كما هو واضح، بخلاف البيان الذي ذكرنا بقوله: ﴿لَأَغْلِبَرَ أَنَا وَّرُسُلِّ﴾ [المجادلة: ٢١]، ونحوها، فإنه في محل النزاع؛ لأنه يصرح بأن الرسل غالبون، وهو نص في أن الرسول المقاتل غير مقتول؛ لأن المقتول غير غالب كما بينه بقوله: ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبٌ﴾ [النساء: ٧٤]، كما تقدم، ومعلوم أنه لا يعارض خاص في محل النزاع بأعم منه. الوجه الثاني: أن البيان الذي ذكرناه تتفق به آيات القرآن العظيم على أفصح الأساليب العربية ولم يقع بينها تصادم البتة، وما ذكره المخالف يؤدي إلى أن تناقضها ومصادمة بعضها لبعض؛ لأن الرسول الذي لم يؤمر بجهاد إذا قتل لم يكن في ذلك إشكال ولا مناقضة لقوله: ﴿لَأَغْلِيَ أَنَا وَرُسُلِّ﴾ [المجادلة: ٢١]، لأنه لم يؤمر بالمغالبة، فلا يصدق عليه أنه مغلوب ولا غالب لعدم وجود المغالبة من أصلها في حقه؛ لأنها إن عدمت من أصلها فلا يقال غالب ولا مغلوب؛ لأن الغلبة صفة إضافية لا تقوم إلا بين متغالبين بخلاف قتل الرسول المأمور بالمغالبة في الجهاد، فإنه مناقض لقوله: ﴿لَأَعْلِيَّ أَنَا وَرُسُلِّ﴾ [المجادلة: ٢١]، والله يقول فيما وعد به رسله: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤]. الثالث: أن جميع الآيات الدالة على قتل بعض الرسل المستدل بها على صورة النزاع كلها واردة في قتل الرسل في غير جهاد، كقتل بني إسرائيل أنبياءهم ظلماً في غير قتال، وسترى - إن شاء الله تعالى - تحقيق هذا المبحث في آل عمران، والصافات والمجادلة، وربما كان في الآية الكريمة أقوال كلها حق وكل واحد منها یشهد له قرآن، فإنا نذكرها ونذكر القرآن الدال عليها من غير تعرض لترجيح بعضها؛ لأن كل واحد منها صحيح، ومثاله قوله تعالى في أول الأنعام: ﴿وَهُوَ اَللَّهُ فِ السَّمَوَتِ وَّفِى الْأَرْضِّ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَّكُمْ﴾ الآية [الأنعام: ٣]، فإن فيه للعلماء ثلاثة أقوال: الأول: أن المعنى وهو الإلّه، أي المعبود بحق في السموات والأرض، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى فِ السَّمَاءِ إِلَهُ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤].