النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ قوله تعالى : الله الصمد . سورة الإخلاص . اللَّهُ الصَّمَدُ قوله تعالى : ﴿الله الصمد﴾ فيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ ذكروا فى تفسير (الصمد) وجهين (الأول) أنه فعل بمعنى مفعول من صمد إليه إذا قصده، وهو السيد المصمود إليه فى الحوائج، قال الشاعر: بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد ألا بكر الناعى بخير بنى أسد خذها حذيف فأنت السيد الصمد وقال أيضاً: علوته بحسامى ثم قلت له والدليل على صحة هذا التفسير ماروى ابن عباس ((أنه لما نزلت هذه الآية قالوا ما الصمد؟ قال عليه السلام هو السيد الذى يصمد إليه فى الحوائج)) وقال الليث صمدت صمد هذا الأمر أى قصدت قصده ( والقول الثانى ) أن الصمد هو الذى لا جوف له ، ومنه يقال لسداد القارورة الضماد، وشىء مصمد أى صلب ليس فيه رخاوة ، وقال قتادة ، وعلى هذا التفسير: الدال فيه مبدلة من التاء وهو المصمت ، وقال بعض المتأخرين من أهل اللغة الصمد هو الأملس من الحجز الذى لا يقبل الغبار ولا يدخله شىء ولا يخرج منه شىء ، واعلم أنه قد استدل قوم من جهال المشبهة بهذه الآية فى أنه تعالى جسم ، وهذا باطل لأنا بينا أن كونه أحداً ينافى جسما فقدمة هذه الآية دالة على أنه لا يمكن أن يكون المراد من الصمد هذا المعنى ، ولأن الصمد بهذا التفسير صفة الأجسام المتضاغطة وتعالى الله عن ذلك، فإذن يجب أن يحمل ذلك على مجازه، وذلك لأن الجسم الذى يكون كذلك يكون عديم الانفعال والتأثر عن الغير وذلك إشارة إلى كونه سبحانه واجباتذاته متنع التغير فى وجوده وبقائه وجميع صفاته، فهذا ما يتعلق بالبحث اللغوى فى هذه الآية . وأما المفسرون فقد نقل عنهم وجوه ، بعضها يليق بالوجه الأول وهو كونه تعالى سيداً مرجوعاً إليه فى دفع الحاجات ، وهو إشارة إلى الصفات الإضافية ، وبعضها بالوجه الثانى وهو كونه تعالى واجب الوجود فى ذانه وفى صفاته ممتنع التغير فيهما وهو إشارة إلى الصفات السلبية وتارة يفسرون الصمد بما يكون جامعاً للوجهين. أما النوع (الأول) فذكروا فيه وجوهاً: (الأول) الصمد هو العالم بجميع المعلومات لأن كونه سيداً مرجوعا إليه فى قضاء الحاجات لا يتم إلا بذلك (الثانى) الصمد هو الحليم لأن كونه سيداً يقتضى الحلم والكرم (الثالث ) وهو قول ابن مسعود والضحاك الصمد هو السيد الذى قد انتهى سيؤدده (الرابع ) قال الأصم الصمد هو الخالق للأشياء، وذلك لأن كونه سيداً يقتضى ذلك ( الخامس ) قال السدى الصمد هو المقصود فى الرغائب ، المستغاث به عند المصائب (السادس) قال الحسين بن الفضل البجلى: الصمد هو الذى يفعل مايشاء ويحكممایرید، لامعقب لحكمه، ولا راد لقضائه (السابع) أنه السيد المعظم ( الثامن) أنه الفرد الماجد لا يقضى فى أمر دونه. ١٨٢ قوله تعالى : الله الصمد . سورة الإخلاص . وأما النوع ( الثانى) وهو الاشارة إلى الصفات السلبية فذكروا فيه وجوهاً: (الأول) الصمد هو الغنى على ما قال (وهو الغنى الحميد) (الثانى) الصمد الذى ليس به أحد لقوله (وهو القاهر فوق عباده ( ولا يخاف من فوقه، ولا يرحو من دونه ترفع الحوانج إليه (الثالث ) قال قتادة لا يأكل ولا يشرب ( وهو يطعم ولا يطعم) (الرابع ) قال قتادة الباقى بعد فناء خلقه ( كل من عليها فان) (الخامس) قال الحسن البصرى: الذى لم يزل ولا يزال ، ولا يجوز عليه الزوال کان ولا مكان ، ولا أین ولا أوان، ولا عرش ولا کرسی، ولا جنى ولا إنسى وهو الآنكما كان (التنادس) قال أبى بن كعب: الذى لا يموت ولا يورث وله ميراث السموات والأرض (السابع) قال يمان وأبو مالك: الذى لا ينام ولا يسهو (الثامن) قال ابن كيسان: هو الذى لا يوصف بصفة أحد (التاسع) قال مقاتل بن حبان: هو الذى لا عيب فيه (العاشر ) قال الربيع بن أنس: هو الذى لا تعتريه الآفات ( الحادى عشر ) قال سعيد بن جبير: إنه الكامل فى جميع صفاته ، وفى جميع أفعاله ( الثانى عشر ) قال جعفر الصادق: إنه الذى يغلب ولا يغلب (الثالث عشر) قال أبو هريرة: إنه المستغنى عن كل أحد (الرابع عشر) قال أبو بكر الوراق: إنه الذى أيس الخلائق من الاطلاع على كيفيته ( الخامس عشر ) هو الذى لا تدركه الأبصار (السادس عشر) قال أبو العالية ومحمد القرظى: هو الذى لم يلد ولم يولد، لأنه ليس شىء يلد إلا سيورث، ولا شىء يولد إلا وسيموت (السابع عشر) قال ابن عباس: إنه الكبير الذى ليس فوقه أحد ( الثامن عشر) أنه المنزه عن قبول النقصانات والزيادات ، وعن أن يكون مورداً للتغيرات والتبدلات، وعن إحاطة الأزمنة والأمكنة والآنات والجهات . وأما (الوجه الثالث) وهو أن يحمل لفظ الصمد على الكل وهو محتمل، لأنه بحسب دلالته على الوجوب الذاتى يدل على جميع السلوب ، وبحسب دلالته على كونه مبدأ للكل يدل على جميع النعوت الإلهية . المسألة الثانية) قوله (الله الصمد) يقتضى أن لا يكون فى الوجود صمد سوى الله، وإذا كان الصمد مفسراً بالمصمود إليه فى الحوائج، أو بما لا يقبل التغير فى ذاته لم أن لا يكون فى الوجود موجود هكذا سوى الله تعالى، فهذه الآية تدل على أنه لا إله سوى الواحد، فقوله (اللّه أحد) إشارة إلى كونه واحداً، بمعنى أنه ليس فى ذاته تركيب ولا تأليف بوجه من الوجوه، وقوله (الله الصمد) إشارة إلى كونه واحداً، بمعنى نفى الشر كاء والأنداد والأضداد. وبقى فى الآية سؤالان: ﴿السؤال الأول) لم جاء أحد منكراً، وجاء الصمد معرفاً؟ (الجواب) الغالب على أكثر أوهام الخلق أن كل موجود محسوس ، وثبت أن كل محسوس فهو منقسم، فإذا مالا يكون منقسما لا يكون خاطراً بيان أكثر الخلق، وأما الصمد فهو الذى يكون مصعوداً إليه فى الحوائج، وهذا كان معلوماً للعرب بل لأكثر الخلق على ما قال (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) وإذا كانت ١٨٣ قوله تعالى : لم يلد ولم يولد . سورة الإخلاص . لَّمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ الأحدية مجهولة مستنكرة عند أكثر الخلق ، وكانت الصمدية معلومة الثبوت عند جمهور الخلق ، لا جرم جاء لفظ أحد على سبيل التنكير ولفظ الصمد على سبيل التعريف . ( السؤال الثانى) ما الفائدة فى تكرير لفظة الله فى قوله ( اللّه أحد الله الصمد)؟ (الجواب لو لم تكرر هذه اللفظة لوجب فى لفظ أحد وصمد أن يردا ، إما نكرتين أو معرفتين ، وقد بينا أن ذلك غير جائز، فلا جرم كررت هذه اللفظة حتى يذكر لفظ أحد منكراً ولفظ الصمد معرفاً. قوله تعالى: ﴿لم يلد ولم يولد ﴾ فيه سؤالات: ﴿ السؤال الأول) لم قدم قوله ( لم يلد) على قوله ( ولم يولد) مع أن فى الشاهد يكون أولا مولودا، ثم يكون والدا؟ (الجواب) إنما وقعت البداءة بأنه لم يلد. لأنهم ادعوا أن له ولداً، وذلك لأن مشركى العرب قالوا ( الملائكة بنات اللّه، وقالت اليهود عزيرا بن اللّه، وقالت النصارى المسيح ابن الله) ولم يدع أحد أن له والدا فلهذا السبب بدأ بالأهم فقال (لم يلد) ثم أشار إلى الحجة فقال: ( ولم يولد) كأنه قيل الدليل على امتناع الولدية اتفاقنا على أنه ما كان ولداً لغيره . ﴿السؤال الثانى) لماذا اقتصر على ذكر الماضى فقال (لم يلد) ولم يقل لن يلد؟ (الجواب) إنما اقتصر على ذلك لأنه ورد جواباً عن قولهم ولد اللّه والدليل عليه قوله تعالى (ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد اللّه) فلما كان المقصود من هذه الآية تكذيب قولهم وهم إنما قالوا ذلك فى الماضى، لا جرم وردت الآية على وفق قولهم . ﴿ السؤال الثالث) لم قال ههنا (لم يلد) وقال فى سورة؟) إسرائيل (ولم يتحذ ولدا)؟ (الجواب ) أن الولد يكون على وجهين: (أحدهما) أن يتولد منه مثله وهذا هو الولد الحقيقى (والثانى) أن لا يكون متولداً منه ولكنه يتخذه ولداً ويسميه هذا الإسم، وإن لم یکن ولداً له فى الحقيقة، والنصارى فريقان: منهم من قال عيسى ولد الله حقيقة، ومنهم من قال إن اللّه اتخذه ولداً تشريفاً له، كما اتخذ إبرهيم خليلا تشريفاً له ، فقوله (لم يلد) فيه إشارة إلى نفى الوالد فى الحقيقة، وقوله ( لم يتخذ ولداً ) إشارة إلى نفى القسم الثانى، ولهذا قال (لم يتخذ ولداً، و لمیکن له شريك فى الملك) لأن الإنسان قد يتخذ ولداً ليكون ناصراً ومعينا له على الأمر المطلوب ، ولذلك قال فى سورة أخرى (وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه هو الغنى) وإشارة إلى ما ذكرنا أن اتخاذ الولد إنما يكون عند الحاجة . ﴿السؤال الرابع) نفى كونه تعالى والداً ومولوداً، هل يمكن أن يعلم بالسمع أم لا، وإن كان لا يمكن ذلك فما الفائدة فى ذ كره ههنا؟ (الجواب) نفى كونه تعالى والداً مستفاد من العلم بأنه تعالى ليس بجسم ولا متبعض ولا منقسم ، ونفى كونه تعالى مولوداً مستفاد من العلم بأنه تعالى ١٨٤ قوله تعالى : ولم يكن له كفواً أحد . سورة الإخلاص . وَلَمْ يَكُن لَّهُو كُفُوْا أَحَدٌ w قديم، والعلم بكل واحد من هذين الأصلين متقدم على العلم بالنبوة والقرآن، فلا يمكن أن يكونا مستفادين من الد لائل السمعية . بقى أن يقال فلما لم يكن استفادتهما من السمع ، فما الفائدة فى ذكرهما فى هذه السورة؟ ( قلنا) قد بينا أن المراد من كونه أحداً كونه سبحانه فى ذاته وما هيته منزهاً عن جميع أنحاء التراكيب، وكونه تعالى عمداً معناه كونه واجباً لذاته ممتنع التغير فى ذاته وجميع صفاته ، وإذا كان كذلك فالأحدية والصمدية يوجبان نفى الولدية والمولودية، فلما ذكر السبب الموجب لانتفاء الوالدية والمولودية ، لاجرم ذكر هذين الحكمين ، فالمقصود من ذكرهما تنبيه الله تعالى على الدلالة العقلية القاطعة على انتفائهما. ﴿ السؤال الخامس) هل فى قوله تعالى ( لم يلد ولم يولد) فائدة أزيد من نفى الولدية ونفى المولودية؟ ( قلنا ) فيه فوائد كثيرة ، وذلك لأن قوله ( الله أحد) إشارة إلى كونه تعالى فى ذاته وما هيته منزماً عن التركيب، وقوله (الله الصمد) إشارة إلى نفى الأضداد والأنداد والشركاء والأمثال وهذان المقامان الشريفان بما حصل الاتفاق فيهما بين أرباب الملل والأديان، وبين الفلاسفة ، إلا أن من بعد هذا الموضع حصل الاختلاف بين أرباب الملل وبين الفلاسفة ، فإن الفلاسفة قالوا: إنه يتولد عن واجب الوجود عقل، وعن العقل عقل آخر ونفس وذلك ، ومكذ على هذا الترتيب حتى ينتهى إلى العقل الذى هو مدير ما تحت كرة القمر، فعلى هذا القول يكون واجب الوجود تقد ولد العقل الأول الذى هو تحتة ، ويكون العقل الذى هو مدير لعالمنا هذا كالمولود من العقول التى فوقه، فالحق سبحانه وتعالى نفى الوالدية أولا، كأنه قيل إنه لم يلد العقول والنفوس ، ثم قال : والشىء الذى هو مدير أجساد كم وأرواحكم وعالمكم هذا ليس مولوداً من شىء آخر ، فلا والد ولا مولود ولا مؤثر إلا الواحد الذى هو الحق سبحانه . قوله سبحانه ﴿ ولم يكن له كفواً أحد ﴾ فيه سؤالان: ﴿ السؤال الأول ) الكلام العربى الفصيح أن يؤخر الظرف الذى هو لغو غير مستقر ولا يقدم ، وقد نص سيبويه على ذلك فى كتابه، فما باله ورد مقدماً فى أفصح الكلام ؟ (والجواب) هذا الكلام إنما سيق لنفى المكافأة عن ذات الله، واللفظ الدال على هذا المعنى هو هذا الظرف، وتقديم الأم أولى، فلهذا السبب كان هذا الظرف مستحقاً للتقديم . ﴿السؤال الثانى) كيف القراءة فى هذه الآية؟ (الجواب) قرى. (كفواً) بضم الكاف والفاء وبضم الكاف وكسرها مع سكون الفاء، والأصل هو الضم ثم يخفف مثل طنب وطنب وعنق وعنق ، وقال أبو عبيدة يقال كفو وكفء وكفاء كله بمعنى واحد وهو المثل، وللمفسرين فيه أقاويل ( أحدها ) قال كعب وعطاء لم يكن له مثل ولا عديل، ومنه المكانأه فى الجزاء لأنه ١٨٥ قوله تعالى : ولم يكن له كفواً أحد . سورة الإخلاص . يعطيه ما يساوى ما أعطاه ( وثانيها) قال مجاهد: لم يكن صاحبة كأنه سبحانه وتعالى قال: لم يكن أحد كفؤاً له فيصاهره ، رداً على من حكى اللّه عنه قوله ( وجعلوا بينة وبين الجنة نسباً) فتفسير هذه الآية كالتا كيد اقوله تعالى (لم يلد) (وثالثها) وهو التحقيق أنه تعالى بين لما بين أنه هو المصمود إليه فى قضاء الحوائج ونفى الوسائط من البين بقوله (لم يلد ولم يولد) على ما بيناه، حينئذ ختم السورة بأن شيئاً من الموجودات يمتنع أن يكون مساوياً له فى شىء من صفات الجلال والعظمة ، أما الوجود فلا مساواة فيه لأن وجوده من مقتضيات حقيقته فإن حقيقته غير قابلة للعدم من حيث هى هى، وأما سائر الحقائق، فإنها قابلة للعدم، وأما العلم فلا مساواة فيه لإن علمه ليس بضرورى ولا باستدلالى ولا مستفاد من الحس ولا من الرؤية ولا يكون فى معرض الغلط والزلل وعلوم المحدثات كذلك ، وأما القدرة فلا مساواة فيها وكذا الرحمة والجود والعدل والفضل والإحسان! واعلم أن هذه السورة أربع آيات ، وفى ترتيبها أنواع من الفوائد: ﴿ الفائدة الأولى) أن أول السورة يدل على أنه سبحانه واحد، والصمد على أنه كريم رحيم لأنه لا يصمد إليه حتى يكون محسناً و ( لم يلد ولم يولد) على أنه غنى على الإطلاق ومنزه عن التغيرات فلا يبخل بشىء أصلا ، ولا يكون جوده لأجل جر نفع أو دفع ضر، بل بمحض الإحسان وقوله (ولم يكن له كفواً أحد) إشارة إلى نفى مالا يجوز عليه من الصفات. ﴿الفائدة الثانية﴾ نفى اللّه تعالى عن ذاته أنواع الكثرة بقوله (أحد) ونفى النقص والمغلوبية بلفظ الصمد ، ونفى المعلولية والعلمية بلم يلد ولم يولد، ونفى الأضداد والأنداد بقوله (.ولم يكن له كفواً أحد ) ﴿ الفائدة الثالثة) قوله (أحد) يبطل مذهب الثنوية القائلين بالنور والظلمة، والنصارى فى التثليث، والصابتين فى الأفلاك والنجوم، والآية الثانية تبطل مذهب من أثبت خالقاً سوى الله لأنه لو وجد خالق آخر لما كان الحق مصموداً إليه فى طلب جميع الحاجات ، والثالثة تبطل مذهب اليهود فى عزير، والنصارى فى المسيح، والمشر كين فى أن الملائكة بنات الله، والآية الرابعة تبطل مذهب المشركين حيث جعلوا الأصنام أكفاء له وشركاء . ( الفائدة الرابعة) أن هذه السورة فى حق الله مثل سورة الكوثر فى حق الرسول لكن الطعن فى حق الرسول كان بسبب أنهم قالوا: إنه أبتر لا ولد له، وههنا الطعن بسبب أنهم أثبتوا لله ولداً، وذلك لأن عدم الولد فى حق الانسان عيب ووجود الولد عيب فى حق الله تعالى، فلهذا السبب قال ههنا (قل ) حتى تكون ذاباً عنى ، وفى سورة ( إنا أعطيناك ) أنا أقول ذلك الكلام حتی أ کون أنا ذاباً عنك، والله سبحانه وتعالى أعلم ، ١٨٦ سورة الفلق (١١٣) سُورةِ الفَلِفِمُكِيَّة وَآيَاتِهَا خِسُ ١٠٩١ بِشْـ قبل الخوض فى التفسير لا بد من تقديم فصلين : ( الفصل الأول ) سمعت بعض العارفين فسر هاتين السورتين على وجه عجيب ، فقال إنه سبحانه لما شرح أمر الإلهية فى سورة الإخلاص ذكر هذه السورة عقيبها فى شرح مراتب مخلوقات الله فقال أولا ( قل أعوذ برب الفلق) وذلك لأن ظلمات العدم غير متناهية ، والحق سبحانه هو الذى فلق تلك الظلمات بنور التكوين والإيجاد والإبداع، فلهذا قال (قل أعوذ برب الفلق ) ثم قال ( من شر ما خلق) والوجه فيه أن عالم الممكنات على قسمين عالم الأمر وعالم الخلق على ماقال (ألاله الخلق والأمر) وعالم الأمر كله خيرات محضة بريئة عن الشرور والآفات، أما عالم الخلق وهو عالم الأجسام والجسمانيات، فالشرلا يحصل إلا فيه، وإنما سمى عالم الأجسام والجسمانيات بعالم الخلق. لأن الخلق هو التقدير: والمقدار من لواحق الجسم، فلما كان الأمر كذلك، لا جرم قال: أعوذ بالرب الذى فلق ظلمات بحر العدم بنور الإيجاد والإبداع من الشرور الواقعة فى عالم الخلق وهو عالم الأجسام والجسمانيات ، ثم من الظاهر أن الأجسام، إما أثرية أو عنصرية والأجسام الأثرية خيرات ، لأنها بريئة عن الاختلال والفطور، على ما قال ( ما ترى فى خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ) وأما العنصريات فهى إما جماد أو نبات أو حيوان، أما الجمادات فهى خالية عن جميع القوى النفسانية ، فالظلمة فيها خالصة والأنوار عنها بالكلية زائلة، وهى المراد من قوله (ومن شر غاسق إذا وقب ) وأما النبات فالقوة الغاذية النباتية هى التى تزيد فى الطول والعرض والعمق معاً ، فهذه النباتية كأنها تنفث فى العقد الثلاثة ، وأما الحيوان فالقوى الحيوانية هى الحواس الظاهرة والحواس الباطنية والشهوة والغضب وكلها تمنع الزوح الإنسانية عن الانصباب إلى عالم الغيب ، والاشتغال بقدس جلال الله وهو المراد من قوله ( ومن شر حاسد إذا حسد) ثم إنه لم يبق من السفليات بعد هذه المرتبة سوى النفس الإنسانية ، وهى المستعيذة، فلا تكون مستعاذاً منها، فلا جرم قطع هذه السورة وذكر بعدها فى سورة الناس مراقب درجات النفس الإنسانية فى العرقى، وذلك لأنها بأصل فطرتها مستعدة ، لأن تفتفش بمعرفة الله تعالى ومحبته إلا أنها تكون أول الأمر عالية عن هذه المعارف بالكلية ، ثم إنه فى المرتبة الثانية يحصل فيها علوم أولية بديهية يمكن التوصل بها إلى استعلام المجهولات ١٨٧ قوله تعالى : قل أعوذ برب الناس . سورة الناس . الفكرية ، ثم فى آخر الأمر تلك المجهولات الفكرية من القوة إلى الفعل ، فقوله تعالى ( قل أعوذ برب الناس ) إشارة إلى المرتبة الأولى من مراتب النفس الإنسانية وهى خال كونها خالية من جميع العلوم البديهية والكسبية ، وذلك لأن النفس فى تلك المرتبة تحتاج إلى مرب يربيها ويزينها بتلك المارف البديهية ، ثم فى المرتبة الثانية وهى عند حصول هذه العلوم البديهية يحصل لها ملكة من الانتقال منها إلى استعلام العلوم الفكرية وهو المراد من قوله ( ملك الناس ) ثم فى المرتبة الثالثة وهى عند خروج تلك العلوم الفكرية من القوة إلى الفعل يحصل الكمال التام للنفس وهو المراد من قوله (إله الناس) فكان الحق سبحانه يسمى نفسه بحسب كل مرتبة من مراتب النفس الإنسانية بما يليق بتلك المرتبة، ثم قال (من شر الوسواس الخناس) والمراد منه القوة الوهمية ، والسبب فى اطلاق اسم الخناس على الوهم أن العقل والوهم ، قد يساعدان على تسليم بعض المقدمات ، ثم إذا آل الأمر إلى النتيجة فالعقل يساعد على النتيجة والوهم يخنس ، ويرجع ويمتنع عن تسليم النتيجة ، فلهذا السبب يسمى الوهم (بالخناس) ثم بين سبحانه أن ضرر هذا الخناس عظيم على العقل، وأنه قدما ينفك أحد عنه فكأنه سبحانه بين فى هذه السورة مراتب الأرواح البشرية ونبه على عدوها ونبه على مابه يقع الامتياز بين العقل وبين الوهم، وهناك آخر درجات مراتب النفس الإنسانية، فلا جرم، وقع ختم الكتاب الكريم والفرقان العظيم عليه . ﴿ الفصل الثانى ) ذكروا فى سبب نزول هذه السورة وجوها (أحدها) روى أن جبريل عليه السلام أتاه وقال إن عفريناً من الجن يكيدك ، فقال إذا أويت إلى فراشك قل أعوذ برب السورتين (وثانيها) أن الله تعالى أنزلهما عليه ليكونا رقية من العين ، وعن سعيد بن المسيب أن قريشاً قالوا : تعالوا نتجوع فنعين محمداً ففعلوا، ثم أتوه وقالوا ما أشد عضك, وأقوى ظهرك وأنضر وجهك ، فأنزل الله تعالى المعوذتين (وثالثها) وهو قول جمهور المفسرين، أن لبند بن أعصم اليهو دی سمر النبي هام فى إحدى عشرة عقدة وفى وتر دسه فى بثر يقال لها ذروان فرض رسول اللّه مَ اليٍ ، واشتد عليه ذلك ثلاث ليال فنزلت المعوذتان لذلك، وأخبره جبريل بموضع السحر فأرسل عليا عليه السلام، وطلحة وجاءابه ، وقال جبريل للنبى حل عقدة، واقرأ آية ففعل وكان كلما قرأ آية انحلت عقدة فكان يجد بعض الخفة والراحة. واعلم أن المعتزلة أنكروا ذلك بأسرهم ، قال القاضى هذه الرواية باطلة، وكيف يمكن القول بصحتها ، والله تعالى يقول (والله يعصمك من الناس) وقال (ولا يفلح الساحر حيث أتى) ولأن تجويزه يفضى إلى القدح فى النبوة، ولأنه لو صح ذلك لكان من الواجب أن يصلوا إلى الضرر لجميع الأنبياء والصالحين، ولقدروا على تحصيل الملك العظيم لأنفسهم، وكل ذلك باطل ، ولأن الكفار كانوا يعيرونه بأنه مسحور، فلو وقعت هذه الواقعة لكان الكفار صادقين فى تلك "! ١٨٨ قوله تعالى : قل أعوذ برب الفلق .. سورة الفلق . الدعوة، ولحصل فيه عليه السلام ذلك العيب، ومعلوم أن ذلك غير جائز، قال الأصحاب: هذه القصة قد حت عند جمهور أهل النقل ، والوجوه المذكورة قد سبق الكلام عليها فى سورة البقرة أما قوله: الكفار كانوا يعيبون الرسول عليه السلام بأنه مسحور، فلو وقع ذلك لكان الكفار صادقين فى ذلك القول ( جوابه) أن الكفار كانوا يريدون بكونه مسحوراً أنه مجنون أزيل عقله بواسطة السحر ، فلذلك ترك دينهم، فأما أن يكون مسحوراً بألم يجده فى بدنه فذلك مما لا ينكره أحد، وبالجملة فالله تعالى ما كان يسلط عليه لا شيطاناً ولا إنسياً ولا جنياً يؤذيه فى دينه وشرعه ونبوته، فأما فى الإضرار ببدنه فلا يبعد ، وتمام الكلام فى هذه المسألة قد تقدم فى سورة البقرة ولنرجع إلى التفسير: ١ قُلْ أَعُوذُ بِرَبَ الْفَلَقِ بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى : ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى) فى قوله (قل) فوائد (أحدها) أنه سبحانه لما أمر بقراءة سورة الإخلاص تنزيهاً له عما لا يليق به فى ذاته وصفاته، وكان ذلك من أعظم الطاعات ، فكأن العبد قال: إلهنا هذه الطاعة عظيمة جداً لا أثق بنفسى فى الوفاء بها، فأجاب بأن قال (قل أعوذ برب الفلق) أى استعذ بالله، والتجىء إليه حتى يوفقك لهذه الطاعة على أكمل الوجوه ( وثانيها) أن الكفار لما سألوا الرسول عن نسب الله وصفته، فكأن الرسول عليه السلام قال: كيف أنجو من هؤلاء الجهال الذين تجاسروا وقالوا فيك مالا يليق بك ، فقال الله (قل أعوذ برب الفلق) أى استعذ بى حتى أصونك عن شرهم ( وثالثها) كانه تعالى يقول: من التجأ إلى بيتى شرقته وجعلته آمناً فقلت ومن دخله كان آمناً فالتجىء أنت أيضاً إلى حتى أجعلك آمناً ( فقل أعوذ برب الفلق). المسألة الثانية ﴾ اختلفوا فى أنه هل يجوز الاستعانة بالرقى والعوذ أم لا ؟ منهم قال إنه بجوز واحتجوا بوجوه (أحدها) ماروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتكى فرقاه جبريل عليه السلام، فقال بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ، والله يشفيك ( وثانيها ) قال ابن عباس كان رسول اللّه ◌َّ اله يعلمنا من الأوجاع كلها والحمى هذا الدعاء «بسم الله الكريم، أعوذبالله العظيم من شر كل عرق فعار، ومن شر حر النار)) (وثالثها) قال عليه السلام من دخل على مريض لم يحضره أجله، فقال أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك سبع مرات شفى (ورابعها) عن على عليه السلام قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل على مريض قال: ((أذهب الباس رب الناس، اشف أنت الشافى، لاشافى إلا أنت)) (وخامسها) عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين يقول ((أعيذ كما بكلمات الله التامة من شيطان وهامة، ومن ١٨٩ قوله تعالى : قل أعوذ برب الفلق کل عین لامة» ويقول ھکذا كان أبى إبراهيم یعوذ ابنیه إسماعيل وإسحاق (وسادسها) قال عثمان بن أبى العاص الثقفى قدمت على رسول الله وبى وجع قد كاد يبطلنى فقال رسول الله ربيع («اجعل يدك اليمنى عليه، وقل بسم الله أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد)) سبع مرات ففعلت ذلك فشفالى الله (وسبابعها) روى أنه عليه السلام كان إذا سافر فنزل منزلا يقول (( يا أرض، ربى وربك الله أعوذ بالله من شرك وشر مافيك وشر ما يخرج منك، وشر ما يدب عليك ، وأعوذ بالله من أسد وأسود وحية وعقرب، ومن شر ساكنى البلد ووالد وما ولد» (وثامنها) قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا اشتكى شيئاً من جسده قرأ (قل هو الله أحد) والمعوذتين فى كفه اليمنى ومسح بها المكان الذی یشتکی ومن الناس من منع من الرقی لما روى عن جابر ، قال نهى رسول اللّه وَ له عن الرقى، وقال عليه السلام ((إن لله عباداً لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكاون)) وقال عليه السلام (« لم يتوكل على الله من اكتوى واسترقى)) وأجيب عنه بأنه يحتمل أن يكون النهى عن الرقى المجهولة التى لا تعرف حقائقها، فأما ما كان له أصل موثوق ، فلا نهى عنه ، واختلفوا فى التعليق، فروى أنه عليه السلام قال ((من علق شيئاً وكل إليه )) وعن ابن مسعود : أنه رأى على أم ولده تميمة مربوطة بعضدها ، جنبها جذباً عنيعاً فقطعها، ومنهم من جوزه ، سئل الباقر عليه السلام عن التعويذ يعلق على الصبيان فرخص فيه ، واختلفوا فى النفث أيضاً، فروى عن عائشة أنها قالت: كان رسول اللّه رَّم ينفت على نفسه إذا اشتكى بالمعوذات ويمسح بيده، فلما اشتكى رسول اللّه يمتلئيم وجعه الذى توفى فيه طفقت أنفث عليه بالمعوذات التى کان ینفث بها على نفسه ، وعنه علیه السلام « أنه كان إذا أخذ مضجعه نفث فى يديه وقرأ فيهما بالمعوذات ، ثم مسح بهما جسده)) ومنهم من أنكر النفث ، قال عكرمة : لا ينبغى للرقى أن ينفث ولا يمسح ولا يعقد . وعن إبراهيم قال: كانوا يكرهون النفث فى الرقى ، وقال بعضهم: دخلت على الضحاك وهو وجميع، فقلت ألا أعوذك يا أبا محمد ؟ قال بلى ولكن لا تنفث، فعوذته بالمعوذتين. قال الحليمى: الذى روى عن عكرمة أنه ينبغى للراقى أن لا ينفث ولا يمسح ولا يعقد ، فكأنه ذهب فيه إلى أن الله تعالى جعل النفث فى العقد مما يستعاذ منه، فوجب أن يكون منهياً عنه إلا أن هذا ضعيف، لأن النفث فى العقد إنما يكون مذموماً إذا كان سحراً مضراً بالأرواح والأبدان. فأما إذا كان هذا النفث لإصلاح الأرواح والأبدان وجب أن لا يكون حراماً. المسألة الثالثة) أنه تعالى قال فى مفتاح القراءة ( فاستعذ بالله) وقال ههنا (أعوذ برب الفلق) وفى موضع آخر ( وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين) وجاء فى الأحاديث (أعوذ بكلمات الله التامات) ولا شك أن أفضل أسماء اللّه هو الله، وأما الرب فإنه قد يطلق على غيره، قال تعالى (أأرباب متفرقون) فما السبب فى أنه تعالى عند الأمر بالتعوذ لم يقل أعوذ بالله بل قال (برب الفلق )؟ وأجابوا عنه من وجوه: (أجدها) أنه فى قوله ( وإذا قرأت القرآن فاستعذ ٠ ١٩٠ قوله تعالى : قل أعوذ برب الفلق . سورة الفلق . بالله) إنما أمره بالاستعاذة هناك لأجل قراءة القرآن ، وإنما أمره بالاستعاذة ههنا فى هذه السورة لأجل حفظ النفس والبدن عن السحر ، والمهم الأول أعظم ، فلا جرم ذكر هناك الاسم الأعظم (وثانيها) أن الشيطان يبالغ حال منعك من العبادة أشد مبالغة فى إيصال الضر إلى بدنك وروحك، فلا جرم ذكر الاسم الأعظم هناك دون ههنا (وثالثها) أن اسم الرب يشير إلى التربية فكأنه جعل تربية الله له فيما تقدم وسيلة إلى تربيته له فى الزمان الآتى، أو كان العبد يقول: التربية والاحسنان حرفتك فلا تهملنى ، ولا تخيب رجائى (ورابعها) أن بالتربية صار شارعاً فى الإحسان ، والشروع ملزم (وخامسها) أن هذه السورة آخر سور القرآن فذكر لفظ الرب تنبيهاً على أنه سبحانه لا تنقطع عنك تربيته وإحسانه، فإن قيل إنه ختم القرآن على اسم الإله حيث قال ( ملك الناس إله الناس) قلنا فيه لطيفة وهى كونه تعالى قال قل أعوذ بمن هو ربى ولكنه إله قاهر الوسوسة الخناس فهو كالأب المشفق الذى يقول ارجع عند مهماتك إلى أبيك المشفق عليك الذى هو كالسيف القاطع والنار المحرقة لأعدائك فيكون هذا من أعظم أنواع الوعد بالإحسان والتربية (وسادسها) كان الحق قال لمحمد عليه السلام قلبك لى فلا تدخل فيه حب غيرى ، ولسانك لى فلا تذكر به أحداً غيرى ، وبدنك لى فلا تشغله بخدمة غيرى، وإن أردت شيئاً فلا تطلبه إلا منى ، فإن أردت العلم فقل (رب زدنى علماً) وإن أردت الدنيا فاسألوا الله من فضله، وإن خفت ضرراً فقل ( أعوذ برب الفلق ) فإنى أنا الذى وصفت نفسى بأنى خالق الأصباح. وبأنى فالق الحب والنوى، وما فعلت هذه الأشياء إلا لأجلك، فإذا كنت أفعل كل هذه الأمور لأجلك ، أفلا أصونك عن الآفات والمخافات . المسألة الرابعة ﴾ ذكروا فى (الفلق) وجوهاً (أحدها ) أنه الصبح وهو قول الأكثرين قال الزجاج لأن الليل يفلق عنه الصبح ويفرق فعل بمعنى مفعول يقال هو أبين من فلق الصبح ومن فرق الصبح وتخصيصه فى التعوذ لوجوه (الأول ) أن القادر على إزالة هذه الظلمات الشديدة عن كل هذا العالم يقدر أيضاً أن يدفع عن العائذ كل ما يخافه ويخشاه (الثانى) أن طلوع الصبح كالمثال لمجى. الفرج، فكما أن الإنسان فى الليل يكون منتظراً لطلوع الصباح كذلك الخائف يكون مترقياً لطلوع صباح النجاح (الثالث ) أن الصبح كالبشرى فإن الإنسان فى الظلام يكون كلحم على وضم ، فإذا ظهر الصبح فكأنه صاح بالأمان وبشر بالفرج، فإذا السبب يجد كل مريض ومهموم خفة فى وقت السحر، فالحق سبحانه يقول ( قل أعوذ برب) يعطى إنعام فلق الصبح قبل السؤال. فكيف بعد السؤال (الرابع) قال بعضهم إن يوسف عليه السلام لما ألقى فى الجب وجعت ركبته وجعاً شديداً فبات ليلته ساهراً فلما قرب طلوع الصبح نزل جبريل عليه السلام بإذن الله يسليه ويأمره بأن يدعوا ربه فقال يا جبريل ادع أنت وأؤمن أنا فدعا جبريل وأمن يوسف فكشف الله ما كان به من الضر، فلما طاب وقت يوسف قال جيريل وأنا أدعو أيضاً ١٩١ قوله تعالى : قل أعوذ برب الفلق . سورة الفلق . وتؤمن أنت، فسأل يوسف ربه أن يكشف الضر عن جميع أهل اللاء فى ذلك الوقت ، فلا جرم ما من مريض إلا ويجد نوع خفة فى آخر الليل ، وروى أن دعاءه فى الجب : يا عدتى فى شدتى ويامؤنسى فى وحشتى وياراحم غربتى ويا كاشف كربتى ويا مجيب دعوتى، ويا إلهى وإله آبائى إبراهيم وإسحق ويعقوب ارحم صغر سنى وضعف ركنى وقلة حيلتى ياحى ياقوم ياذا الجلال والإكرام (الخامس) لعل تخصيص الصبح بالذكر فى هذا الموضع لأنه وقت دعاء المضطرين وإجابة الملهوفين فكأنه يقول قل أعوذ برب الوقت الذى يفرج فيه عن كل مهموم (السادس) يحتمل أنه خص الصبح بالذكر لأنه أنموذج من يوم القيامة لأن الخلق كالأموات والدور كالقبور، ثم منهم من يخرج من داره مفلساً عرياناً لا يلتفت إليه، ومنهم من كان مديوناً فيجر إلى الحبس ، ومنهم من كان ملكا مطاعا فتقدم إليه المرا كب ويقوم الناس بين يديه، كذا فى يوم القيامة بعضهم مفلس عن الثواب عار عن لباس التقوى يجر إلى الملك الجبار ، ومن عبد كان مطيعاً لربه فى الدنيا فصار ملكا مطاعا فى العقبى يقدم إليه البراق (السابع) يحتمل أنه تعالى خص الصبح بالذكر لأنه وقت الصلاة الجامعة لأحوال القيامة فالقيام فى الصلاة يذكر القيام يوم القيامة كما قال (يوم يقوم الناس لرب العالمين) والقراءة فى الصلاة تذكر قراءة الكتب والركوع فى الصلاة يذكر من القيامة قوله (ناكسوا رؤوسهم) والسجود فى الصلاة يذكر قوله ( ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ) والقعود يذكر قوله ( وترى كل أمة جائية) فكان العبد يقول : إلى كما خلصتنى من ظلمة الليل فصلنى من هذه الأهوال، وإنما خص وقت صلاة الصبح لأن لها مزيد شرف على ما قال (إن قرآن الفجر كان مشهوداً) أى تحضرها ملائكة الليل والنهار (الثامن ) أنه وقت الاستغفار والتضرع على ماقال ( والمستغفرين بالأسحار) (القول الثانى) فى الفلق أنه عبارة عن كل ما يفلقه الله كالأرض عن النبات (إن الله فالق الحب والنوى) والجبال عن العيون (وإن منها لما يتفجر منه الأنهار) والسحاب عن الأمطار والأرحام عن الأولاد والبيض عن الفرخ والقلوب عن المعارف، وإذا تأملت الخلق تبين لك أن أكثره عن انقلاب ، بل العدم كأنه ظلمة والنور كأنه الوجود ، وثبت أنه كان الله فى الأزل ولم يكن معه شىء البتة فكأنه سبحانه هو الذى فلق بحار ظلمات العدم بأنوار الإيجاد والتكوين والإبداع ، فهذا هو المراد من الغلق ، وهذا التأويل أقرب من وجوه (أحدما) هو أن الموجود إما الخالق وإما الخلق ، فإذا فسرنا الفلق بهذا التفسير صار كأنه قال: قل أعوذ برب جميع الممكنات، ومكون كل المحدثات والمبدعات. فيكون التعظيم فيه أعظم ، ويكون الصبح أحد الأمور الداخلة فى هذا المعنى (وثانيها) أن كل موجود إما واجب لذاته أو ممكن لذاته ،. الممكن لذاته يكون موجوداً بغيره، معدوماً فى حد ذاته ، فإذن کل ممكن فلا بد له من مؤثر يؤثر فيه حال حدوثه ويبقيه حال بقائه، فإن الممكن حال بقائه يفتقر إلى المؤثر. والتربية، إشارة لا إلى حال الحدوث بل إلى حال البقاء، فكأنه يقول: إنك لست محتاجاً إلى حال ١٩٢ قوله تعالى : من شر ما خلق . سورة الفلق . ٢ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ الحدوث فقط بل فى حال الحدوث وحال البقاء معاً فى الذات وفى جميع الصفات ، فقوله (برب الفلق ) يدل على احتياج كل ما عداه إليه حالتى الحدوث والبقاء فى الماهية والوجود بحسب الذوات والصفات وسر التوحيد لا يصفو عن شوائب الشرك إلا عند مشاهدة هذه المعانى، (وثالثها ) أن التصوير والتكوين فى الظلمة أصعب منه فى النور ، فكأنه يقول أنا الذى أفعل ما أفعله قبل طلوع الأنوار وظهور الأضواء ومثل ذلك مما لا يتأتى إلا بالعلم التام والحكمة البالغة وإليه الإشارة بقوله ( هو الذى يصور كم فى الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم) (القول الثالث) أنه واد فى جهنم أوجب فيها من قولهم لما اطمأن من الأرض الفلق والجمع فلقان ، وعن بعض الصحابة أنه قدم الشام فرآى دور أهل الذمة وما هم فيه من خصب العيش فقال لا أبالى ، أليس من ورائهم الفلق ، فقيل وما الفلق؟ قال بيت فى جهنم إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدة حره ، وإنما خصه بالذكرههنا لأنه هو القادر على مثل هذا التعذيب العظيم الخارج عن حد أوهام الخلق، ثم قد ثبت أن رحمته أعظم وأكمل وأتم من عذابه، فكأنه يقول ياصاحب العذاب الشديد أعوذ برحمتك التى هى أعظم وأكمل وأتم وأسبق وأقدم من عذابك . قوله تعالى: ﴿ من شر ما خلق ) وفيه مسألتان: المسألة الأولى﴾ فى تفسير هذه الآية وجوه (أحدها ) قال عطاء عن ابن عباس يريد إبليس خاصة لأن الله تعالى لم يخلق خلقاً هو شر منه ولأن السورة إنمنا نزلت فى الاستعاذة من السحر، وذلك إنما يتم يابليس وبأعوانه وجنوده (وثانيها) يريد جهنم كأنه يقول قل أعوذ برب جهنم ومن شدائد ما خلق فيها ( وثالثها) ( من شر ما خلق) يريد من شر أصناف الحيوانات المؤذياب كالسباع والهوام وغيرهما ، ويجوز أن يدخل فيه من يؤذينى من الجن والإنس أيضاً ووصفأ فعالها بأنها شر، وإنما جاز إدخال الجن والإنسان تحت لفظة ما، لأن الغلبة لماحصلت فى جانب غير العقلاء حسن استعمال لفظة ما فيه، لأن العبرة بالأغلب أيضاً ويدخل فيه شرور الأطعمة الممرضة وشرور الماء والنار ، فإن قيل الآلام الحاصلة عقيب الماء والنار ولدغ الحية والعقرب حاصلة بخلق الله تعالى ابتداء ، على قول أكثر المتكلمين ، أو متولدة من قوى خلقها اللّه تعالى فى هذه الأجرام، على ما هو قول جمهور الحكماء وبعض المتكلمين، وعلى التقديرين فيصير حاصل الآية أنه تعالى أمر الرسول عليه السلام بأن يستعيذ بالله من الله، فما معناه ؟ قلنا وأى بأس بذلك، ولقد صرح عليه السلام بذلك، فقال ((وأعوذ بك منك)) (ورابعها) أراد به ما خلق من الأمراض والأسقام والقحط وأنواع المحن والآفات ، وزعم الجبائى والقاضى أن هذا التفسير باطل ، لأن فعل الله تعالى لا يجوز أن يوصف بأنه شر، قالوا ١٩٣ قوله تعالى : ومن شر غاسق إذا وقب . سورة الفلق . وَمِنْ شَرِ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ويدل عليه وجوه (الأول ) أنه يلزم على هذا التقدير أن الذى أمر بالتعوذ منه هو الذى أمرنا أن تتعوذ به ، وذلك متناقض (والثانى) أن أفعال الله كلها حكمة وصواب، وذلك لا يجوز أن يقال إنه شر ( والثالث) أن فعل الله لو كان شراً لوصف فاعله بأنه شرير ويتعالى الله عن ذلك ( والجواب) عن الأول أنا بينا أنه لا امتناع فى قوله أعوذ بك منك ؟ وعن الثانى أن الإنسان لما تألم به فإنه يعد شراً ، فورد اللفظ على وفق قوله، كمافى قوله . (وجزاء سيئة سيئة مثلها) وقوله (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) وعن الثالث أن اسماء الله توقيفية لا اصطلاحية ، ثم الذى يدل على جواز تسمية الأمراض والأسقام بأنها شرور قوله تعالى (إذا مسه الشر جزوعا) وقوله (وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض) وكان عليه السلام يقول ((وأعوذ بك من شر طوارق الليل والنهار )). ﴿ المسألة الثانية﴾ طعن بعض الملحدة فى قوله (قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ) من وجوه (أحدها) أن المستعاذ منه أهو واقع بقضاء الله وقدره ، أولا بقضاء الله ولا بقدره؟ فإن كان الأول فکیف أمر بأن يستعيذ بالله منه، وذلك لأن ماقضی الله به وقدره فهو واقع، فكانه تعالی یقول الشىء الذی قضیت بوقوعه، وهو لابد واقع فاستعذ بی منه حتى لا أوقعه، وإن لم یکن بقضائه وقدره فذلك يقدح فى ملك الله وملكوته (وثانيها) أن المستعاذ منه إن كان معلوم الوقوع فلا دافع له ، فلافائدة فى الاستعاذة وإن كان معلوم اللاوقوع، فلاحاجة إلى الاستعاذة (وثالثها ) أن المستعاذ منه إن كان مصلحة فكيف رغب المكلف فى طلب دفعه ومنعه ، وإن كان مفسدة فكيف خلقه وقدره، واعلم أن الجواب عن أمثال هذه الشبهات ، أن يقال إنه ( لا يسأل عما يفعل ) وقد تكرر هذا الكلام فى هذا الكتاب. قوله تعالى: ﴿ومن شر غاسق إذا وقب﴾ ذكروا فى الغاسق وجوهاً (أحدها) أن الغاسق هو الليل إذا عظم ظلامه من قوله (إلى غسق الليل) ومنه غسقت العين إذا امتلأت دمعاً وغسقت الجراحة إذا امتلأت دماً ، وهذا قول الفراء وأبى عبيدة، وأنشد ابن قيس : إن هذا الليل قد غسقا واشتكيت الهم والأرقا وقال الزجاج الغاسق فى اللغة هو البارد، وسمى الليل غارقاً لأنه أبرد من النهار، ومنه قوله إنه الزمهرير ( وثالثها) قال قوم الغاسق والغساق هو السائل من قولهم: غسقت العين تغنق غسقاً إذا سالت بالماء، وسمى الليل غاسقاً لا نصباب ظلامه على الأرض ، أما الوقوب فهو الدخول فى شىء آخر بحيث يغيب عن العين ، يقال وقب يقب وقوباً إذا دخل ، الوقبة النقرة لأنه يدخل فيها الماء ، والإيقاب إدخال الشىء فى الوقبة، هذا ما يتعلق باللغة والمفسرين فى الآية أقوال الفخر الرازي - ج ٣٢ م ١٣ ١٩٤ قوله تعالى : ومن شر النفاثات في العقد . سورة الفلق . وَمِنْ شَرِ النَّفَّشَتِ فِ الْعُقَدِ (أحدها) أن الغاسق إذا وقب هو الليل إذا دخل، وإنما أمر أن يتعوذ من شر الليل لأن فى الليل تخرج السباع من آجامها والهوام من مكانها، ويهجم السارق والمكابر ويقع الحريق ويقل فيه الغوث ، ولذلك لو شهر [ معتد] سلاحا على إنسان ليلافقتله المشهور عليه لا يلزمه قصاص، ولو كان نهاراً يلزمه لأنه يوجد فيه الغوث، وقال قوم إن فى الليل تنتشر الأرواح المؤذية المسماة بالجن والشياطين، وذلك لأن قوة شعاع الشمس كأنها تقهرهم ، أما فى الليل فيحصل لهم نوع استيلاء (وثانيها) أن الغاسق إذا وقب هو القمر، قال ابن قتيبة الغاسق القمر سمى به لأنه يكسف فيغسق، أى يذهب ضوؤه ويسود، [ و] وقوبه دخوله فى ذلك الاسوداد، روى أبو سلمة عن عائشة أنه أخذ رسول اللّه يَّيتم بيدها وأشار إلى القمر، وقال ((استعيذى بالله من شر هذا فإنه الغاسق إذا وقب)» قال ابن قتيبة : ومعنى قوله تعوذى بالله من شره إذا وقب أى إذا دخل فى الكسوف ، وعندى فيه وجه آخر: وهو أنه صح أن القمر فى جرمه غير مستنير بل هو مظلم، فهذا هو المراد من كونه غاسقاً، وأما وقوبه فهو انمحاء نوره فى آخر الشهر، والمنجمون يقولون إنه فى آخر الشهر يكون •نحوساً قليل القوة لأنه لا يزال ينتقص نوره فبسبب ذلك تزداد نحوسته، ولذلك فإن السحرة إنما يشتغلون بالسحر المورث للتمريض فى هذا الوقت ، وهذا مناسب لسبب نزول السورة فأنها إنما نزلت لأجل أنهم سحروا النبى معَ الله لأجل التمريض ( وثالثها) قال ابن زيد الغاسق إذا وقب يعنى الثريا إذا سقطت قال، وكانت الأسقام تكثر عند وقوعها ، وترتفع عندطلوعها، وعلى هذا تسمى التريا غاسقاً ، لانصبابه عند وقوعه فى المغرب ، ووقوبه دخوله تحت الأرض وغير بته عن الأعين ( ورابعها) قال صاحب الكشاف يجوز أن يراد بالغاسق الأسود من الحيات ووقوبه ضربه ونقبه، والوقب والنقب واحد، واعلم أن هذا التأويل أضعف الوجوه المذكورة (وخامسها) الغاسق (إذا وقب ) هو الشمس إذا غابت وإنما سميت غاسقاً لأنها فى الفلك تسبح فسمى حركتها وجريانها بالغسق، ووقوبها غيبتها ودخولها تحت الأرض. قوله تعالى: ﴿ومن شر النفائات فى العقد﴾ فيه مسائل. المسألة الأولى﴾ فى الآية قولان (الأول) أن النفث النفخ مع ريق ، هكذا قاله صاحب الکشاف ، ومنهم من قال إنه النفخ فقط ، ومنه قوله عليه السلام إن جبريل نفث فی روعی والعقد جمع عقدة، والسبب فيه أن الساحر إذا أخذ فى قراءة الرقية أخذ خيطاً ، ولا يزال يعقد عليه عقداً بعد عقد وينفث فى تلك العقد ، وإنما أنث النفاثات لوجوه (أحدها ) أن هذه الصناعة إنما تعرف بالنساء لأنهن يعقدن وينفثن، وذلك لأن الأصل الأعظم فيه ربط القلب بذلك الأمر وإحكام الهمة والوهم فيه ، وذلك إنما يتأتى من النساء لقلة علمهن وشدة شهوتهن ، فلا جرم كان ١٩٥ قوله تعالى : ومن شر حاسد إذا حسد . سورة الفلق . ٥ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ هذا العمل منهن أقوى، قال أبو عبيدة (النفاثات) هن بنات لبيد بن أعصم اليهودى سحرن النبي وز ائع (وثانيها) أن المراد من (النفائات) النفوس (وثالثها) المراد منها الجماعات ، وذلك لأنه كلما كان اجتماع السحرة على العمل الواحدا كثر كان التأثير أشد ( القول الثانى) وهو اختيا أبى مسلم ( من شر النفاثات ) أى النساء فى العقد, أى فى عزائم الرجال وآرائهمر وهو مستعار من عقد الحبال، والنفث وهو قليين العقدة من الحبل بريق يقذفه عليه ليصير حله سهلا، فمعنى الآية أن النساءلأجل كثرة حبهن فى قلوب الرجال يتصرفن فى الرجال يحولنهم من رأى إلى رأى ، ومن عزيمة إلى عزيمة ، فأمر الله رسوله بالتعوذ من شرهن كقوله ( إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم ) فلذلك عظم الله كيدهن فقال (إن كيدكن عظيم). وأعلم أن هذا القول حسن ، لولا أنه على خلاف قول أكثر المفسرين . المسألة الثانية ﴾ نكرت المعتزلة تأثير السحر، وقد تقدمت هذه المسأله، ثم قالوا سبب الاستعاذة من شرهن لثلاثة أوجه (أحدها) أن يستعاذ من اثم عملهن فى السحر ( والثانى) أن يستعاذ من فتنتهن الناس بسحرهن ( والثالث ) أن يستعاذ من إطعامهن الأطعمة الرديئة المورثة الجنون والموت . قوله تعالى: ﴿ومن شر حاسد إذا حسد﴾ من المعلوم أن الحاسد هو الذى تشتد محبته لإزالة نعمة الغير إليه ، ولا يكاد يكون كذلك إلا ولو تمكن من ذلك بالحيل لفعل ، فلذلك أمر الله بالتعوذ منه ، وقد دخل فى هذه السورة كل شر يتوقی ويتحرز منه ديناً ودنيا ، فلذلك لما نزلت فرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بنزولها لكونها مع ما يليها جامعة فى التعوذ لكل أمر، ويجوز أن يراد بشر الحاسد ائمه وسماجة حاله فى وقت حسده وإظهاره أثره. بقى هناسؤ الآن: ﴿ السؤال الأول) قوله ( من شر ما خلق) عام فى كل ما يستعاذ منه، فما معنى الاستعاذة بعده من الغاسق والنفاثات والحاسد ( الجواب ) تنبيهاً على أن هذه الشرور أعظم أنواع الشر. ﴿ السؤال الثانى﴾ لم عرف بعض المستعاذ منه ونكر بعضه؟ (الجواب) عرف النفاثات لأن كل نفاثة شريرة ، ونكر غاسقاً لأنه ليس كل غاسق شريراً ، وأيضاً ليس كل حاسد شريراً ، بل رب حسد يكون محموداً وهو الحسد فى الخيرات. والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. ١٩٦ سورة الناس (١١٤) سُورَة الْنِاسْ مَكِيَّة وَأَيَأنَّهَاسِِّّتٌْ بسـ إِلّهِ الرَّحْمِالرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ ٢ ٣ بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الناس ، ملك الناس، إله الناس ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى﴾ قرى. (قل أعوذ) بحذف الهمزة ونقل حر كتها إلى اللام ونظيره (فخذ أربعة من الطير) وأيضاً أجمع القراء على ترك الإمالة فى الناس ، وروى عن الكسائى الإمالة فى الناس إذا كان فى موضع الخفض ، المسألة الثانية﴾ أنه تعالى رب جميع المحدثات ، ولكنه ههنا ذكر أنه رب الناس على التخصيص وذلك لوجود (أحدها) أن الاستعاذة وقعت من شر الموسوس فى صدور الناس فكأنه قيل : أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذى يملك عليهم أمورهم وهو إلههم ومعبودهم كما يستغيث بعض الموالى إذا اعتراهم خطب بسيدهم ومخدومهم ووالى أمرهم (وثانيها) أن أشرف المخلوقات فى العالم هم الناس (وثالثها ) أن المأمور بالاستعاذة هو الإنسان ، فإذا قرأ الإنسان هذه صار كأنه يقول: يارب يا ملكى يا إلهى. ﴿.المسألة الثالثة) قولة تعالى (ملك الناس، إله الناس) هما عطف بيان كقوله سيرة أبی حفص عمر الفاروق ، فوصف أولا بأنه رب الناس ثم الرب قد يكون ملكا وقد لا یکون ،کما یقال رب الدار ورب المتاع قال تعالى (اتخذوا أحارثم ورهبانهم أرباباً من دون الله) فلا جرم بينه بقوله (ملك الناس) ثم الملك قد يكون إلها وقد لا يكون فلا جرم بينه بقوله ( إله الناس) لأن الإله خاص به وهو سبحانه لا يشركه فيه غيره وأيضاً بدأ بذكر الرب وهو اسم لمن قام بتدبيره وإصلاحه، وهو من أوائل نعمه إلى أن رباه وأعطاه العقل فينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك وهو ملكه ، فنى بذكر الملك، ثم لما علم أن العبادة لازمة له واجبة عليه ، وعرف أن معبوده مستحق لتلك العبادة عرف أنه إله ، فلهذا ختم به ، وأيضاً أول ما يعرف العبد من ربه كونه مطيعاً لما عنده من النعم الظاهرة والباطنة، وهذا هو الرب ، ثم لا يزال يتنقل من معرفة هذه الصفات ١٩٧ قوله تعالى : من شر الوسواس الخناس . سورة الناس . مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ﴿ الَّذِى يُوَسْوِسُ فىِ صُدُورِ النَّاسِ (®ّ إلى معرفة جلالته واستغنائه عن الخلق، حينئذ يحصل العلم بكونه ملكا، لأن الملك هو الذى يفتقر إليه غيره ويكون هو غنياً عن غيره ، ثم إذا عرفه العبد كذلك عرف أنه فى الجلالة والكبرياء فوق وصف الواصفين وأنه هو الذى ولهت العقول فى عزته وعظمته، حينئذ يعرفه إلهاً. ﴿ المسألة الرابعة﴾ السبب فى تكرير لفظ الناس أنه إنما تكررت هذه الصفات، لأن عطف البيان يحتاج إلى مزيد الإظهار ، ولأن هذا التكرير يقتضى مزيد شرف الناس ، لأنه سبحانه كأنه عرف ذاته بكونه رباً للناس، ملكا للناس، إلهاً للناس. ولولا أن الناس أشر مخلوقاته وإلا لما ختم كتابه بتعريف ذاته بكونه رباً وملكا وإلهاً لهم . المسألة الخامسة﴾ لا يجوز ههنا مالك الناس ويجوز ( مالك يوم الدين) فى سورة الفاتحة ، والفرق أن قوله (رب الناس) أفاد كونه مالكا لهم فلا بد وأن يكون المذكور عقيبه هذا الملك ليفيد أنه مالك ومع كونه مالكا فهو ملك ، فإن قيل أليس قال فى سورة الفاتحة ( رب العالمين ) ثم قال ( مالك يوم الدين ) فيلزم وقوع التكرار هناك ؟ قلنا اللفظ دل على أنه رب العالمين، وهى الأشياء الموجودة فى الحال ، وعلى أنه مالك ليوم الدين أى قادر عليه فهناك الرب مضاف إلى شىء والمالك إلى شىء آخر فلم يلزم التكرير، وأما مهنا لو ذكر المالك لكان الرب والمالك مضافين إلى شىء واحد، فيلزم منه التكرير فظهر الفرق، وأيضاً جواز القراءات يتبع النزول لا القياس ، وقد قرى. مالك لكن فى الشواذ . قوله تعالى : ﴿من شر الوسواس الخناس﴾ الوسواس اسم بمعنى الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة. وأما المصدر فوسواس بالكسر كزلزال والمراد به الشيطان سمى بالمصدر، كأنه وسوسة فى نفسه لأنها صنعته وشغله الذى هو عاكف عليه، نظيره قوله (إنه عمل غير صالح) والمراد ذو الوسواس وتحقيق الكلام فى الوسوسة قد تقدم فىقوله (فوسوس لهما الشيطان) وأما الخناس فهو الذى عادته. أن يخنس منسوب إلى الخنوس وهو التأخر كالعواج والنفاثات ، عن سعيد بن جبير إذا ذكر الإنسان ربه خذس الشيطان وولى ، فإذا غفل وسوس إليه . قوله تعالى : ﴿ الذی یو سوس فى صدور الناس اعلم أن قوله (الذى يوسوس) يجوز فى محله الحركات الثلاث فالجر على الصفة والرفع والنصب على الشتم، ويحسن أن يقف القارى. على الخناس ويبتدى الذى يوسوس ، على أحد هذين الوجهين . ١٩٨ قوله تعالى : من الجنة والناس . سورة الناس . مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أما قوله تعالى ﴿ من الجنة والناس﴾ ففيه وجوه : ( أحدها ) كأنه يقول الوسواس الخناس قد يكون من الجنة وقد يكون من الناس كما قال (شياطين الإنس والجن) وكما أن شيطان الجن قد يوسوس تارة ويخفس أخرى فشيطان الإنس يكون كذلك، وذلك لأنه يرى نفسه كالناصح المشفق ، فإن زجره السامع يخفس ، ويترك الوسوسة ، وإن قبل السامع كلامه بالغ فيه ( وثانيها ) قال قوم قوله ( من الجنة والناس ) قسمان مند رجان تحت قوله فى ( صدور الناس) كان القدر المشترك بين الجن والإنس، يسمى إنساناً والإنسان أيضاً يسمى إنساناً فيكون لفظ الإنسان واقعاً على الجنس والنوع بالاشتراك، والدليل على أن لفظ الإنسان يندرج فيه الجن والإنس ما روى أنه جاء نفر من الجن فقيل لهم من أنتم فقالوا أناس من الجن ، وأيضاً قد سماهم الله رجالا فى قوله (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن) جاز أيضاً أن يسميهم مهنا ناساً، فمعنى الآية على هذا التقدير أن هذا الوسواس الخناس شديد الخنث لا يقتصر على إضلال الإنس بل يضل جنسه وهم الجن ، جدير أن يحذر العاقل شره، وهذا القول ضعيف ، لأن جعل الإنسان اسما للجنس الذى يندرج فيه الجن والإنس بعيد من اللغة لأن الجن سموا جناً لاجتنانهم والإنسان إنساناً لظهوره من الإيناس وهو الإبصار، وقال صاحب الكشاف من أراد تقرير هذا الوجه، فالأولى أن يقول المراد من قوله ( يوسوس فى صدور الناس ) أى فى صدور الناسى كقوله ( يوم يدع الداع) وإذا كان المراد من الناس الناسى ، فينئذ يمكن تقسيمه إلى الجن والإنس لأنهما هما النوعان الموصوفان بنسيان حق الله تعالى ( وثالثها) أن يكون المراد أعوذ برب الناس من الوسواس الخناس ومن الجنة والناس كأنه استعاذ بربه من ذلك الشيطان الواحد، ثم استعاذ بربه من الجميع الجنة والناس، واعلم أن هذه السورة لطيفة أخرى : وهى أن المستعاذ به فى السورة الأولى مذ كور بصفة واحدة وهى أنه رب الفلق، والمستعاذ منه ثلاثة أنواع من الآفات ، وهى الغاسق والنفاثات والحاسد، وأما فى هذه السورة فالمستعاذ به مذكور بصفات ثلاثة: وهى الرب والملك والإله والمستعاذ منه آفة واحدة ، وهى الوسوسة، والفرق بين الموضعين أن الثناء يجب أن يتقدر بقدر المطلوب ، فالمطلوب فى السورة الأولى سلامة النفس والبدن ، والمطلوب فى السورة الثانية سلامة الدين، وهذا تنبيه على أن مضرة الدين وإن قلت ، أعظم من مضار الدنيا وإن عظمت ، والله سبحانه وتعالى أعلم . ١٩٩ الفهرست فهرست الجزء الثانى والثلاثون من التفسير الكبير للامام فخر الدين الرازى صفحة ( تفسير سورة ألم نشرح). ٢ قوله تعالى ( ألم نشرح لك صدرك). الكلام على حادثة شق الصدر . لم لم يقل ألم نشرح لك قلبك؟. ٣ لم لم يقل ألم نشرح صدرك؟. (((((( ألم أشرح؟. قوله تعالى (ووضعنا عنك وزرك) . ٤ الاحتجاج بالآية على جواز وقوع المعصية من الأنبياء. قوله تعالى ( ورفعنا لك ذكرك ). ٥ تفصيل وبيان لوجوه رفع ذكرالرسول صلى الله عليه وسلم . ٦ قوله تعالى ( فإن مع العسر يسراً). وجه تعلق الآية بما قبلها . معنى اليسر والعسر. و جه التنکیر فی الیسر . قوله تعالى (فإذا فرغت فانصب). ٧ وجه تعلق هذا بما قبله. قوله تعالى ( وإلى ربك فارغب ). ( تفسير سورة التين ) . ٨ قوله تعالى (والتين والزيتون) الآيات. المراد التين والزيتون المعروفان . بيان مزاياها . ليس المراد بهما هاتين الثمرتين؟. ٩ صفحة ما المراد بالطور ؟. ١٠ ما المراد بالبلد الأمين ؟ ١٠ قوله تعالى (لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم) . قوله تعالى (ثم رددناه أسفل سافلين). ١١ (( (( (إلا الذين آمنوا) الآية . (((( (أليس الله بأحكم الحاكمين). ١٢ ١٣ ( تفسير سورة القلم ). ١٣ قوله تعالى ( اقرأ باسم ربك). المراد ( اقرأ القرآن ) . قوله تعالى ( الذى خاق ). ١٣ الكلام على لفظ الرب. ١٤ الحكمة فى أنه أضاف ذانه إليه . وجود تفسير الآيات الثلاثة .. ١٥ احتج الأصحاب على أنه لا خالق غير الله اتفق المتكلمون على أن أول الواجبات معرفة الله . لم قال ( من علق). ١٦ قوله تعالى (اقرأباسم ربك الأكرم). معنى الكريم . المناسبة بين الخلق والتعليم. المراد من القلم الكتابة مطلقا، أو الكتابة بالقلم. قوله تعالى (علم الإنسان ما لم يعلم). ١٧ ٢٠٠ فهرست الجزء الثانى والثلاثون من الفخر الرازى صفحة قوله تعالى ( كلا إن الإنسان ليطغى) ١٧ المراد إنسان واحد هو أبو جهل : ١٧ معانی( كلا). ١٨ ما سبب التأكيد باللام؟. ١٩ قوله تعالى ( أن رآه استغنى). وجوه الاستغناء. فى الآية مدح للعلم وذم للمال. الالتفات فى الآية. قوله تعالى ( إن إلى ربك الرجعى). ١٩ (((( (أرأيت الذى ينهى) الآية. ٢٠ (((( (أرأيت إن كان على الهدى) الآية ٢١ (((( (أرأيت إن كذب وتولى) الآية. ٢٢ (((( (كلا لئن لم ينته لنسفعاً) الآية . ٢٣ (( (( ( فليدع ناديه ) الآية ٢٥ (( (( ( كلا لا قطعه وأسجد واقترب) ٢٦ ( تفسير سورة القدر ). ٢٧ قوله تعالى (إنا أنزلناه فى ليلة القدر). (( (وما أدراك ماليلة القدر). ٣٠ (( (ليلة القدر خير من ألف شهر). D ٣٢ (( (تنزل الملائكة والروح فيها). د ( بإذن ربهم ). ٣٤ (( (من كل أمر). A ٣٥ (( (( (سلام هي حتى مطلع الفجر). ٣٦ ( تفسير سورة البينة ). ٣٨ قوله تعالى ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ) الآية . قوله تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا الله ٤٣ مخلصين له الدين ) الآ ية . صفحة ٤٩ قوله تعالى ( إن الذين كفروا من أهل الكتاب ) الآية . ٥١ قوله تعالى (أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) الآية . قوله تعالى( جزاؤهم عند ربهم جنات ٥٢ عدن ) الآية . ( تفسير سورة الزلزلة ) . ٥٧ قوله تعالى (إذا زلزلت الأرض). (((( (وأخرجت الأرض أثق الها). ٥٨ (((( (وقال الإنسان مالها). ٥٩ (((( ( يومئذ تحدث أخبارها). (( (( (بأن ربك أوحى لها). ٦٠ (( (( ( يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم). ( ( (فمن يعمل مثقال ذرة)الآيات. ٦١ ( تفسير سورة العاديات). ٦٣ قوله تعالى ( والعاديات ضبحاً ). (((( (فالموريات قدحاً). ٦٤ (((( (فالمغيرات صبحاً). ٦٥ (((( (فأثرن به نقعاً). ( (( (فوسطن به جمعاً). ٦٦ (((( (إن الإنسان لربه لكنود). ٦٧ ( ( وإنه على ذلك لشهيد). (((( (وإنه لحب الخير لشديد). (أفلا يعلم إذا بعثر ما فى القبور). ٦٨ (وحصل مافى الصدور). (((( (إن ر .. م بهم يومئذ لخبير) ٦٩ فی التی بعدما .