النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ قوله تعالى : فجعلهم كعصف مأكول . سورة الفيل . فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍمَّأْمُودٍ جاز ذلك فليجز أن يكون بحضرتنا شموس وأقمار ولاراها، وأن يحصل الإدراك فى عين الضرير حتى يكون هو بالمشرق ويرى بقعة فى الأندلس ، وكل ذلك محال . واعلم أن ذلك جائز على مذهبنا إلا أن العادة جارية بأنها لا تقع . المسألة الثالثة﴾ ذكروا فى السجيل وجوهاً (أحدها) أن السجيل كأنه علم الديوان الذى كتب فيه عذاب الكفار ، كما أن سجيناً علم لديوان أعمالهم ، كأنه قيل بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدون، واشتقاقه من الإسجال، وهو الإرسال ، ومنه السجل الدلو المملوء ماء، وإنما سمى ذلك الكتاب بهذا الإسم لأنه كتب فيه العذاب ، والعذاب موصوف بالإرسال لقوله تعالى (وأرسل عليهم طيراً أبابيل) وقوله (فأرسلنا عليهم الطوفان) فقوله (من سجيل) أى مما كتبه الله فى ذلك الكتاب (وثانيها) قال ابن عباس سجيل معناه سنك وكل ، يعنى بعضه حجر وبعضه طين ( وثالثها) قال أبو عبيدة السجيل الشديد (ورابعها) السجيل اسم السماء الدنيا (وخامسها ) السجيل حجارة من جهنم ، فإن سجيل اسم من أسماء جهنم فأبدلت النون باللام. قوله تعالى : ﴿في لهم كصف مأكول ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى ﴾ ذكروا فى تفسير العصف وجوهاً ذكر ناها فى قوله (والحب ذو العصف ) وذكروا ههنا وجوهاً: (أحدما) أنه ورق الزرع الذى يبقى فى الأرض بعد الحصاد وتعصفه الرياح فتأكله المواشى ( وثانيها) قال أبو مسلم العصف النبن لقوله ( ذو العصف والريحان ) لأنه تعصف به الريح عند الذر فتفرقه عن الحب، وهو إذا كان ما كولا فقد بطل ولا رجعة له ولا منعة فيه ( وثالثها) قال الفراء هو أطراف الزرع قبل أن يدرك السنبل (ورابعها) هو الحب الذى أكل لبه وبقى قشره . ٠ ﴿ المسألة الثانية﴾ ذكروا فى تفسير المأكول وجوهاً (أحدها) أنه الذى أكل ، وعلى هذا الوجه ففيه احتمالان : ( أحدهما) أن يكون المعنى كزرع وتبن قد أكلته الدواب، ثم ألقته روناً ، ثم يجف وتتفرق أجزاؤه، شبه تقطع أوصالهم بتفرق أجزاء الروث، إلا أن العبارة عنه جاءت على ماعليه آداب القرآن، كقوله ( كانا يأكلان الطعام) وهو قول مقاتل ، وقتادة وعطاء عن ابن عباس. ﴿والاحتمال الثانى) على هذا الوجه أن يكون التشبيه واقعاً بورق الزرع إذا وقع فيه الأكال، وهو أن يأكله الدود (الوجه الثانى) فى تفسير قوله (ما كول ) هو أنه جعلهم ازرع قد أكل حبه وبقى تبنه، وعلى هذا التقدير يكون المعنى : كعصف مأ کول الحب كما يقال فلان حسن أى حسن الوجه ، فأجرى مأكول على العصف من أجل أنه أكل حبه لأن هذا المعنى معلوم وهذا :. ١٠٢ قوله تعالى : فجعلهم كعصف مأكول . سورة الفيل . قول الحسن (الوجه الثالث) فى التفسير أن يكون معنى (مأكول) أنه مما يؤكل، يعنى تأكله الدواب يقال لكل شىء يصلح للأكل هو مأكول والمعنى جعلهم كتبن تأكله الدواب وهو قوله عكرمة والضحاك . المسألة الثالثة﴾ قال بعضهم: إن الحجاج خرب الكعبة، ولم يحدث شىء من ذلك ، فدل على أن قصة الفيل ما كانت على هذا الوجه وإن كانت هكذا إلا أن السبب لتلك الواقعة أمر آخر سوى تعظيم الكعبة (والجواب) أنا بينا أن ذلك وقع إرهاصاً لأمر محمد رمزي، والإرهاص إنما يحتاج إليه قبل قدومه، أمابعد قدومه وتأكد نبوته بالدلائل القاطعة فلا حاجة إلى شىء من ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ١٠٣ سورة قريش (١٠٦) سورة قِنْ مكيَّة وَآَيَانِها أن يخ بِسْـ إِلَّهِالرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لإِ يلَفِ قُرَيْشٍ ﴾ إِلَفِهِمْ , بسم الله الرحمن الرحيم لإيلاف قريش إيلافهم﴾ اعلم أن ههنا مسائل : المسألة الأولى ﴾ اللام فى قوله (لإيلاف) تحتمل وجوهاً ثلاثة، فإنها إما أن تكون متعلقة بالسورة التى قبلها أو بالآية التى بعدها ، أولا تكون متعلقة لا بما قبلها، ولا بما بعدها (أما الوجه الأول) وهو أن تكون متعلقة بما قبلها، ففيه احتمالات : ﴿ الأول) وهو قول الزجاج وأبى عبيدة أن التقدير (جعلهم كعصف مأكول) لإلف قريش أى أهلك الله أصحاب الفيل لتبقى قريش ، وما قد ألفوا من رحلة الشتاء والصيف ، فإن قيل : هذا ضعيف لأنهم إنما جعلوا (كعصف مأكول) لكفرهم ولم يجعلوا كذلك لتأليف قريش، قلنا هذا السؤال ضعيف لوجوه ( أحدها) أنا لا نسلم أن اللّه تعالى إنما فعل بهم ذلك لكفرهم ، فإن الجزاء على الكفر مؤخر للقيامة، قال تعالى (اليوم تجزى كل نفس بما كسبت) وقال ( ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ) ولأنه تعالى لو فعل بهم ذلك لكفرثم ، لكان قد فعل ذلك بجميع الكفار، بل إنما فعل ذلك بهم ( لإيلاف قريش) ولتعظيم منصبهم وإظهار قدرهم ( وثانيها) هب أن زجرهم عن الكفر مقصود لكن لا ينافى کون شیء آخر مقصود حتی یکون الحکم واقعاً بمجموع الأمرین معاً (وثالثها ) هب أنهم أملكوا لكفرهم فقط، إلا أن ذلك الإهلاك لما أدى إلى إيلاف قريش ، جاز أن يقال أهلكرا لإيلاف قريش، كقوله تعالى (ليكون لهم عدواً وحزناً) وهم لم يلتقطوه لذلك ، لكن لما آل الأمر إليه حسن أن يمهد عليه الالتقاط. ﴿الاحتمال الثانى) أن يكون التقدير ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، لإيلاف قريش) كأنه تعالى قال كل مافعلنا بهم فقد فعلناه، لإيلاف قريش ، فإنه تعالى جعل كيدهم فى تضليل وأرسل عليهم طيراً أبابيل ، حتى صاروا كعصف مأكول، فكل ذلك إنما كان لأجل إيلاف قريش . ١٠٤ قوله تعالى : لا يلاف قريش إيلا فهم . سورة قريش . ﴿ الاحتمال الثالث ) أن تكون اللام فى قوله (لا يلاف) بمعنى إلى كأنه قال فعلنا كل ما فعلنا فى السورة المتقدمة إلى نعمة أخرى عليهم وهى إيلافهم (رحلة الشتاء والصيف) تقول نعمة الله نعمة ونعمة لنعمة سواء فى المعنى، هذا قول الفراء، فهذه احتمالات ثلاثة توجهت على تقدير تعليق اللام بالسورة التى قبل هذه، وبقى من مباحث هذا القول أمران: ﴿ الأول) أن للناس فى تعليق هذه اللام بالسورة المتقدمة قولين: (أحدهما) أن جعلوا السورتين سورة واحد واحتجوا عليه بوجوه: (أحدها ) أن السورتين لا بد وأن تكون كل واحدة منهما مستقلة بنفسها ، ومطلع هذه السورة لما كان متعلقاً بالسورة المتقدمة وجب أن لا تكون سورة مستقلة ( وثانيها) أن أبى بن كعب جعلهما فى مصحفه سورة واحدة ( وثالثها) ماروی أن عمر قرأ فى صلاة المغرب فى الركعة الأولى والتین ، وفى الثانية ألم تر ولا يلاف قريش معاً، من غير فصل بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم: (القول الثانى) وهو المشهور المستفيض أن هذه السورة منفصلة عن سورة الفيل ، وأما تعلق أول هذه السورة بما قبلها فليس بحجة على ما قالوه ، لأن القرآن كله كالسورة الواحدة وكالآية الواحدة يصدق بعضها بعضاً ويبين بعضها معنى بعض، ألا ترى أن الآيات الدالة على الوعيد مطلقة ، ثم إنها متعلقة بآيات التوبة وبآيات العفوا عند من يقول به، وقوله (إنا أنزلناه) متعلق بما قبله من ذكر القرآن ، وأما قوله إن أبياً لم يفصل بينهما فهو معارض بإطباق الكل على الفصل بينهما، وأما قراءة عمر فإنها لا تدل على أنهما سورة واحدة لأن الامام قد يقرأ سورتين . ﴿ البحث الثانى) فيما يتعلق بهذا القول بيان أنه لم صار ما فعله اللّه بأصحاب الفيل سبباً لا يلاف قريش؟ فنقول لاشك أن مكة كانت خالية عن الزرع والضرع على ما قال تعالى ( بواد غير ذى زرع) إلى قوله (فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات) فكان أشراف أهل مكة يرتحلون للتجارة هاتين الرحتلين، ويأتون لأنفسهم ولأهل بلدهم بما يحتاجون إليه من الأطعمة والثياب ، وهم إنما كانوا يريحون فى أسفارهم، ولأن ملوك النواحى كانوا يعظمون أهل مكة، ويقولون : هؤلاء جيران بيت الله وسكان حرمه وولاة الكعبة حتى أنهم كانوا يسمون أهل مكة أهل الله ، فلوتم للحبشة ما عزموا عليه من هدم الكعبة ، ازال عنهم هذا العزوالبطلت تلك المزايا فى التعظيم والاحترام ولصار سكان مكة كسكان سائر النواحى يتخطفون من كل جانب ويتعرض لهم فى نفوسهم وأموالهم ، فلما أملك اللّه أصحاب الفيل ورد كيدهم فى نحرثم ازداد وقع أهل مكة فى القلوب، وازداد تعطيم ملوك الأطراف لهم فازدادت تلك المنافع والمتاجر، فلهذا قال الله تعالى (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) ( لا يلاف قريش ... رحلة الشتاء والصيف). (والوجه الثانى) فيما يدل على صحة هذا القول أن قوله تعالى فى آخر هذه السورة( فليعبدوا رب ١٠٥ قوله تعالى : لا يلاف قريش إيلا فنهم . سورة قريش . هذا البيت الذى ) إشارة إلى أول سورة الفيل، كأنه قال: فليعبدوا رب هذا البيت ، الذى قصده أصحاب الفيل، ثم إن رب البيت دفعهم عن مقصودهم لأجل إيلافكم ونفعكم لأن الأمر بالعبادة إنما يحسن مرتباً على إيصال المنفعة، فهذا يدل على تعلق أول هذه السورة بالسورة المتقدمة. ﴿القول الثانى) وهو أن اللام فى ( لإيلاف ) متعلقة بقوله ( فليعبدوا) وهو قول الخليل وسيبويه والتقدير : فليعبدوا رب هذا البيت، لإيلاف قريش. أى ليجعلوا عبادتهم شكراً لهذه النعمة واعترافاً بها، فإن قيل فلم دخلت الفاء فى قوله ( فليعبدوا)؟ قلنا لما فى الكلام من معنى الشرط، وذلك لأن نعم الله عليهم لا تحصى، فكأنه قيل إن لم بعبدوه لسائر نعمه فليعبده لهذه الواحدة التى هى نعمة ظاهرة. ﴿ القول الثالث) أن تكون هذه اللام غير متعلقة، لا بما قبلها ولا بما بعدها، قال الزجاج: قال قوم هذه اللام لام التعجب ، كأن المعنى: اعجبوا لإيلاف قريش، وذلك لأنهم كل يوم يزدادون غياً وجهلا وانغماساً فى عبادة الأوثان ، والله تعالى يؤلف شملهم ويدفع الآفات عنهم، وينظم أسباب معايشهم ، وذلك لا شك أنه فى غاية التعجب من عظيم حلم الله وكرمه، ونظيره فى اللغة قولك لزيد وما صنعنا به. ولزبد وكرامتنا إياه. وهذا اختيار الكسائى والأخفش والفراء .. المسألة الثانية﴾ ذكروا فى الإيلاف ثلاثة أوجه (أحدها) أن الإيلاف هو الإلف قال علماء اللغة ألفت الشىء وألفته إلغاً وإلافاً وإيلافاً بمعنى واحد، أى لزمته فيكون المعنى لالف قريش هاتين الرحلتين فنتصلا ولا تنقطعا، وقرأ أبو جعفر: لإلف قريش. وقرأ الآخرون لإلاف قريش، وقرأ عكرمة ليلاف قريش (وثانيها) أن يكون هذا من قرلك لزمت موضع كذا وألزمنيه الله، كذا تقول ألفت كذا، وألفنيه اللّه ويكون المعنى إثبات الألفة بالتدبير الذى فيه لطف ألف بنفسه إلفاوآ لفه غيره إيلافاً، والمعنى أن هذه الألفة إنما حصلت فى قريش بتدبير الله وهو كقوله (ولكن الله ألف بينهم ) وقال (وألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً) وقد تكون المسرة سبباً للمؤانسة والاتفاق، كما وقعت عند انهزام أصحاب الفيل لقريش، فيكون المصدر ههنا مضافاً إلى المفعول، ويكون المعنى لأجل أن يجعل الله قريشاً ملازمين لرحلتيهم (وثالثها) أن يكون الايلاف هو التهيئة والتجهيز وهو قول الفراء وابن الأعرابى، فيكون المصدر على هذا القول مضافاً إلى الفاعل، والمعنى لتجهيز قريش رحلتيها حتى تتصلا ولا تنقطعا، وقرأ أبو جعفر ليلاف بغير همز فحذف همزة الإفعال حذفاً كلياً وهو كمذهبه فى يستهز.ون وقد مر تقريره. المسألة الثالثة﴾ التكرير فى قوله (لإيلاف قريش إيلافهم) هو أنه أطلق الايلاف أولا ثم جعل المقيد بدلا لذلك المطلق تفخيما لأمر الايلاف وتذ كيراً لعظيم المنة فيه، والأقرب أن يكون قوله ( لا يلاف قريش ) عاماً بجمع كل مؤانسة وموافقة كان بينهم. فيدخل فيه مقامهم ١٠٦ قوله تعالى : رحلة الشتاء والصيف . سورة قريش . ٢ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ وسيرهم وجميع أحوالهم ، ثم خص إيلاف الرحلتين بالذكر السبب أنه قوام معاشهم كما فى قوله (وجبريل وميكائيل) وفائدة ترك واو العطف التنبيه على أنه كل النعمة ، تقول العرب: ألفت كذا أى لزمته، والإلزام ضربان إلزام بالتكليف والأمر، وإلزام بالمودة والمؤانسة فإنه إذا أحب المرء شيئاً لزمه، ومنه ( ألزمهم كلمة التقوى) كما أن الإلجاء ضربان (أحدهما) لدفع الضرر كالهرب من السبع ( والثانى) الطلب النفع العظيم، كمن يجد مالا عظيما ولا مانع من أخذه لا عقلا ولا شرعا ولا حساً فإنه يكون كالملجأ إلى الأخذ، وكذا الدواعى التى تكون دون الالجاء، مرة تكون لدفع الضرر وأخرى لجلب النفع ، وهو المراد فى قوله ( إيلافهم) المسألة الرابعة) اتفقوا على أن قريشاً ولد النضر بن كنانة، قال عليه الصلاة والسلام (((إنا بنى النضر بن كنانة لانقفوا أمناً ولا ننتفى من أبينا)) وذكروا فى سبب هذه التسمية وجوها (أحدها) أنه تصغير القرش وهو دابة عظيمة فى البحر تعبث بالسفن، ولا تنطلق إلا بالنار وعن معاوية أنه سأل ابن عباس : بم سميت قريش ؟ قال بدابة فى البحر تأ كل ولا تؤكل، تعلو ولا تعلى ، وأنشد : وقريش هى التى تسكن البحر بها سميت قريش قريشاً والتصغير للتعظيم، ومعلوم أن قريشاً موصوفون بهذه الصفات لأنها تلى أمر الأمة ، فإن الأئمة من قريش (وثانيها) أنه مأخوذ من القرش وهو الكسب لأنهم كانوا كاسبين بتجاراتهم وضربهم فى البلاد ( وثالثها) قال الليث كانوا متفرقين فى غير الحرم، بجمعهم قصى بن كلاب فى الحرم حتى اتخذوها مسكناً، فسموا قريشاً لأن التقرش هو التجمع، يقال تقرش القوم إذا اجتمعوا، ولذلك سمى قصى مجمعاً ، قال الشاعر : أبو كم قصى كان يدعى مجمعاً به جمع الله القبائل من فهر (ورابعها) أنهم كانوا يسدون خلة مجاويج الحاج، فسموا بذلك قريشاً، لأن القرش التفتيش قال ابن حرة : أيها الشامت المقرش عنا عند عمرو وهل لذاك بقاء قوله تعالى: ﴿رحلة الشتاء والصيف ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى﴾ قال الليث الرحلة اسم الارتحال من القوم للمسير، وفى المراد من هذه الرحلة قولان (الأول) وهو المشهور، قال المفسرون كانت لقريش رحلتان رحلة بالشتاء إلى اليمن لأن اليمن أدفأ وبالصيف إلى الشام، وذكر عطاء عن ابن عباس أن السبب فى ذلك هو أن قريشاً إذا أصاب واحداً منهم مخمصة خرج هو وعياله إلى موضع وضربوا على أنفس خباء حتى يموتوا، قوله تعالى : فليعبدوا رب هذا البيت . سورة قريش. ١٠٧ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ٣ إلى أن جاء هاشم بن عبد مناف ، وكان سید قومه ، وكان له ابن یقال له أسد، وكانله ترب من بنی مخزوم يحبه ويلعب معه فشكا إليه الضرر والجماعة فدخل أسد على أمه يبكى فأرسلت إلى أولئك بدقيق وشحم فعاشوا فيه أياماً ، ثم أتى ترب أسد إليه مرة أخرى وشكا إليه من الجوع فقام هاشم خطيباً فى قريش ، فقال إنكم أجدبتم جدياً تقلون فيه وتذلون، وأنتم أهل حرم الله وأشراف ولد آدم والناس لكم تبع قالوا نحن تبع لك فليس عليك منا خلاف بجمع كل بنى أب على الرحلتين فى الشتاء إلى اليمن وفى الصيف إلى الشام للتجارات، فما ربح الغنى قسمه بينه وبين الفقير حتى كان فقيرهم كغنيهم، فجاء الإسلام وهم على ذلك، فلم يكن فى العرب بنو أب أكثر ما لا ولا أعزمن قريش ، قال الشاعر فيهم : الخالطين فقيرهم بغنيهم حتى يكون فقيرم كالكافى واعلم أن وجه النعمة والمنة فيه أنه لوتم لأصحاب الفيل ما أرادوا، لترك أهل الأفطار تعظيمهم وأيضاً لتفرقوا وصار حالهم كمال اليهود المذكور فى قوله ( وقطعناهم فى الأرض أنما) واجتماع القبيلة الواحدة فى مكان واحد أدخل فى النعمة من أن يكون الإجتماع من قبائل شتى، ونبه تعالى أن من شرط السفر المؤانسة والألفة ، ومنه قوله تعالى ( ولا جدال فى الحج) والسفر أحوج إلى مكارم الأخلاق من الإقامة ( القول الثانى) أن المراد رحلة الناس إلى أهل مكة فرحلة الشتاء والصيف عمرة رجب وحج ذى الحجة لأنه كان أحدهما شتاء والآخر صيفاً وموسم منافع مكة يكون بهما ، ولو كان يتم لأصحاب الفيل ما أرادوا لتعطلت هذه المنفعة. ﴿ المسألة الثانية) نصب الرحلة بإيلافيهم مفعولا به، وأراد رحلتى الشتاء والصيف ، فأفرد لأمن الإلباس كقوله: كلوا فى بعض بطنكم، وقيل معناه رحلة الشتاء ورحلة الصيف ، وقرى. رحلة بضم الراء وهى الجهة . قوله تعالى: ﴿فليعبدوا رب هذا البيت﴾ اعلم أن الإنعام على قسمين (أحدهما) دفع الضرر (والثانى ) جلب النفع والأول أهم وأقدم، ولذلك قالوا دفع الضرر عن النفس واجب أما جلب النفع [فانة] غير واجب ، فلهذا السبب بين تعالى نعمة دفع الضرر فى سورة الفيل ونعمة جلب النفع فى هذه السورة، ولما تقرر أن الإنعام لابد وأن يقابل بالشكر والعبودية ، لاجرم أتبع ذكر النعمة بطلب العبودية فقال ( فليعبدوا ) وههنا مسائل: المسألة الأولى ) ذكرنا أن العبادة هى التذلل والخضوع للمعبود على غاية ما يكون، ثم قال بعضهم: أراد فليوحدوا رب هذا البيت لأنه هو الذى حفظ البيت دون الأوثان ، ولأن التوحيد مفتاح العبادات ، ومنهم من قال المراد العبادات المتعلقة بأعمال الجوارح ١٠٨ قوله تعالى . الذي أطعمهم من جوع . سورة قريش . الَّذِىّ أَطْعَمَهُم مِّنْ جُوع ثم ذكر كل قسم من أقسام العبادات ، والأولى حمله على الكل لأن اللفظ متناول للكل إلا ما أخرجه الدليل ، وفى الآية وجه آخر، وهو أن يكون معنى فليعبدوا أى فليتركوا رحلة الشتاء والصيف وليشتغلو بعبادة رب هذا البيت فإنه يطعمهم من جوع ويؤمنهم من خوف ، ولعل تخصيص لفظ الرب تقرير لما قالوه لأبرهة إن للبيت ربً سيحفظه ، ولم يعولوا فى ذلك على الأصنام فلزمهم لإقرارهم أن لا يعبدوا سواه، كأنه يقول لما ءولتم فى الحفظ على فاصرفوا العبادة والخدمة إلى. ﴿ المسألة الثانية﴾ الإشارة إلى البيت فى هذا النظم تفيد التعظيم فإنه سبحانه تارة أضاف العبد إلى نفسه فيقول ياعبادى وتارة يضيف نفسه إلى العبد فيقول وإلهكم كذا فى البيت [نارة] يضيف نفسه إلى البيت وهو قوله (فيعدوا رب هذا البيت) وتارة يضيف البيت إلى نفسه فيقول (طهرابينى) ثم قال تعالى ﴿الذى أطعمهم من جوع) وفى هذا الاطعام وجوه (أحدها) أنه تعالى لما آمنهم بالحرم حتى لا يتعرض لهم فى رحلتيهم كان ذلك سبب إطعامهم بعد ما كانوا فيه من الجوع ( ثانيها) قال مقاتل شق عليهم الذهاب إلى اليمن والشام فى الشاء والصيف لطلب الرزق ، فقذف الله تعالى فى قلوب الحبشة أن يحملوا الطعام فى السفن إلى مكة حملوه، وجعل أهل مكة يخرجون إليهم بالإبل والخمر ، ويشترون طعامهم من جدة على مسيرة ليلتين وتتابع ذلك، فكفاهم الله مؤونه الرحلتين ( ثالثها ) قال الكلبى هذه الآية معناها أنهم لما كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم دعا عليهم ، فقال ((اللم اجعلهاعليهم سنين كسنى يوسف)) فاشتد عليهم القحط وأصابهم الجهد فقالوا يا محمد ادع الله فإنا مؤمنون، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخصبت البلاد وأخصب أهل مكة بعد القحط ، فذلك قوله ( أطعمهم من جوع ) ثم فى الآية سؤالات: ﴿ السؤال الأول) العبادة إنما وجبت لأنه تعالى أعطى أصول النعم، والاطعام ليس من أصول النعم ، فلماذا علل وجوب العبادة بالإطعام؟ ( والجواب) من وجوه (أحدها ) أنه تعالى لما ذكر إنعامه عليهم بحبس الفيل وإرسال الطير وإهلاك الحبشة ، وبين أنه تعالى فعل ذلك لإيلافهم، ثم أمرهم بالعبادة، فكان السائل يقول: لكن نحن محتاجون إلى كسب الطعام والذب عن النفس ، فلو اشتغلنا بالعيادة فمن ذا الذى أيطعمنا ، فقال : الذى أطعمهم من جوع ، قبل أن يعبدوه، ألا يطعمهم إذا عبدوه! (وثانيها) أنه تعالى بعد أن أعطى العبد أصول النعم أساء العبد إليه، ثم إنه يطعمهم مع ذلك، فكأنه تعالى يقول: إذا لم تستح من أصول النعم ألا تستحى من إحسانى إليك بعد إساءتك ( وثالثها) إنما ذكر الإنعام ، لأن البهيمة قطيع من يعلفها، فكأنه تعالى يقول لست دون البهيمة . (السؤال الثانى) أليس أنه جعل الدنيا ملكا لنا بقوله ( خلق لكم ما فى الأرض جميعاً) ١٠٩ قوله تعالى : وآمنهم من خوف . سورة قريش . ٤ وَءَامَهُمْ مِنْ خَوْفٍ فكيف تحسن المئة علينا بأن أعطانا ملكنا؟ (الجواب) انظر فى الأشياء التى لابد منها قبل الأكل حتى يتم الطعام ويتهيأ ، وفى الأشياء التى لابد منها بعد الأكل حتى يتم الانتفاع بالطعام المأكول، فإنك تعلم أنه لابد من الأفلاك والكواكب، ولابد من العناصر الأربعة حتى يتم ذلك الطعام، ولابد من جملة الأعضاء على اختلاف أشكالها وصورها حتى يتم الانتفاع بالطعام ، وحينئذ تعلم أن الإطعام يناسب الأمر بالطاعة والعبادة. ﴿ السؤال الثالث) المنة بالإطعام لا تليق بمن له شىء من الكرم، فكيف بأكرم الأكرمين؟ ( الجواب ) ليس الغرض منه المنة، بل الإرشاد إلى الأصلح ، لأنه ليس المقصود من الأكل تقوية الشهوة المانعة عن الطاعة ، بل تقوية البنية على أداء الطاعات ، فكأن المقصود من الأمر بالعبادة ذلك . ﴿ السؤال الربع) ما الفائدة فى قوله ( من جوع)؟ (الجواب) فيه فوائد (أحدها ) التفييه على أن أمر الجوع شديد، ومنه قوله تعالى ( وهو الذى ينزل الغيث من بعد ما قنطوا) وقوله تلقّى (( من أصبح آمناً فى سربه)) الحديث (وثانيها) تذكيرهم الحالة الأولى الرديئة المؤلمة وهى الجوع حتى يعرفوا قدر النعمة الحاضرة ( وثالثها ) التنبيه على أن خير الطعام ما سد الجوعة، لأنه لم يقل وأشبعهم لأن الطعام يزيل الجوع، أما الإشباع فإنه يورث البطنة . أما قوله تعالى ﴿وآمنهم من خوف﴾ ففى تفسيره وجوه (أحدها) أنهم كانوا يسافرون آمنين لا يتعرض لهم أحد ، ولا يغير عليهم أحد لا فى سفرهم ، ولا فى حضرثم وكان غيرم لا يأمنون من الغارة فى السفر والحضر، وهذا معنى قوله ( أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً) ( ثانيها) أنه آمنهم من زحمة أصحاب الفيل ( وثالثها) قال الضحاك والربيع: وآمنهم من خوف الجزام ، فلا يصيبهم بيلدتهم الجذام ( ورابعها ) آمنهم من خوف أن تكون الخلافة فى غيرهم ( وخامسها) آمنهم بالإسلام، فقد كانوا فى الكفر يتفكرون، فيعدون أن الدين الذى هم عليه ليس بشىء، إلا أنهم ما كانوا يعرفون الدين الذى يجب على العاقل أن يتمسك به (وسادسها) أطعمهم من جوع الجهل بطعام الوحى، وآمنهم من خوف الضلال ببيان الهدى ، كأنه تعالى يقول: يا أهل مكة كنتم قبل مبعث محمد تسمون جمال العرب وأجلافهم، ومن كان ينازعكم كانوا يسمون أهل الكتاب، ثم أنزلت الوحى على نبيكم، وعلىتكم الكتاب والحكمة حتى صرتم الآن تسمون ١١٠ قوله تعالى : وآمنهم من خوف . سورة قريش . أهل العلم والقرآن، وأولئك يسمون جهال اليهود والنصارى، ثم إطعام الطعام الذى يكون غذاء الجسد يوجب الشكر ، فإطعام الطعام الذى هو غذاء الروح، ألا يكون موجباً للشكر! وفى الآية سؤالات : ﴿ السؤال الأول) لم لم يقل عن جوع وعن خوف؟ (قلنا) لأن معنى عن أنه جعل الجوع بعيداً عنهم ، وهذا يقتضى أن يكون ذلك التبعيد مسبوقاً بمقاشاة الجوع زماناً، ثم يصرفه عنه ، ومن لا تقتضى ذلك، بل معناه أنهم عند ما يجوعون يطعمون ، وحين ما يخافون يؤمنون . ﴿ السؤال الثانى) لم قال من جوع، من خوف على سبيل التنكير؟ (الجواب) المراد من التنكير التعظيم. أما الجموع فلما روينا: أنه أصابتهم شدة حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة . وأما الخوف ، فهو الخوف الشديد الحاصل من أصحاب الفيل ، ويحتمل أن يكون المراد من التنكير التحقير ، يكون المعنى أنه تعالى لما لم يجوز لغاية كرمه إبقاءهم فى ذلك الجوع القليل والخوف القليل ، فكيف يجوز فى كرمه لو عبدوه أن يهمل أمرهم، ويحتمل أن يكون المراد أنه (أطعمهم من جوع) دون جوع ( وآمنهم من خوف) دون خوف ، ليكون الجوع الثانى، والخوف الثانى مذ كراً ما كانوا فيه أولا من أنواع الجوع والخوف، حتى يكونوا شاكرين من وجه، وصابرين من وجه آخر ، فيستحقوا ثواب الخصلتين . ﴿ السؤال الثالث) أنه تعالى إنما أطعمهم وآمنهم إجابة الدعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام أما فى الإطعام فهو قوله ( وارزق أهله) وأما الأمان فهو قوله (!جعل هذا البلد آمناً) وإذا كان كذلك كان ذلك منة على إبراهيم عليه السلام، فكيف جعله منة على أولئك الحاضرين؟ ( والجواب) أن اللّه تعالى لما قال (إنى جاءلك الناس إماماً) قال إبراهيم (ومن ذريتى) فقال اللّه تعالى (لا ينال عهدى الظالمين) فنادى إبراهيم بهذا الأدب، فين قال (رب أجعل هذا البلد آمناً وارزق أهله من الثمرات) قيده بقوله ( من آمن بالله) فقال الله لا حاجة إلى هذا التقيد، بل ومن كفر فأمتعه قليلا، فكأنه تعالى قال: أما نعمة الأمان فهى دينية فلا تحصل إلا لمنكان تقياً، وأما نعمة الدنيا فهى تصل إلى البر والفاجر والصالح والطالح، وإن كان كذلك كان إطعام الكافر من الجوع، وأمانه من الخوف إنعاماً من اللّه ابتداء عليه لا بدعوة إبراهيم، فزال السؤال. والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . ١١١ سورة الماعون (١٠٧) سُورة المِحُون ◌َكِيَةْ وَآَيَائِهَا سبيع بِسْـ ◌ِللَّهِ الرَّحْمِالرَّحِيمِ أَرَقَيْتَ الَّذِىِ يُكَذِّبُ بِآلدِينِ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ أرأيت الذى يكذب بالدين ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى﴾ قرأ بعضهم أريت بحذف الهمزة، قال الزجاج: وهذا ليس بالاختيار، لأن الهمزة إنما طرحت من المستقبل نحو يرى وأرى وترى ، فأما رأيت فليس يصح عن العرب فيها ربت، ولكن حرف الاستفهام لما كان فى أول الكلام سهل إلغاء الهمزة ، ونظيره: صاح هل ريت أو سمعت براع رد فى الضرع ما قرى فى العلاب وقرأ ابن مسعود أرأيتك بزيادة حرف الخطاب كقوله ( أرأيتك هذا الذى كرمت على) . المسألة الثانية) قوله (أرأيت) معناه هل عرفت الذى يكذب بالجزاء من هو، فإن لم تعرفه ( فهو الذى يدع اليقيم ) . واعلم أن هذا اللفظ وإن كان فى صورة الاستفهام ، لكن الغرض بمثله المبالغة فى التعجب كقولك أرأيت فلاناً ماذا ارتكب ولماذا عرض نفسه ؟ ثم قيل إنه خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ، وقيل بل خطاب لكل عاقل أى أرأيت ياعاقل هذا الذى يكذب بالدين بعد ظهور دلائله ووضوح تبيانه أيفعل ذلك لا لغرض، فكيف يليق بالعاقل جر العقوبة الأبدية إلى نفسه من غير غرض أو لأجل الدنيا ، فكيف يليق بالعاقل أن يبيع الكثير الباقى بالقليل الفانى. المسألة الثالثة﴾ فى الآية قولان (أحدهما) أنها مختصة بشخص معين، وعلى هذا القول ذكروا أشخاصاً ، فقال ابن جريج نزلت فى أبى سفيان كان ينحر جزورين فى كل أسبوع، فأتاه يقيم فسأله جا فقرعه بعصاه ، وقال مقاتل نزلت فى العاص بن وائل السهمى ، وكان من صفته الجمع بين التكذيب بيوم القيامة، والإتيان بالأفعال القبيحة ، وقال السدى نزلت فى الوليد بن المغيرة، وحكى الماوردى أنهانزلت فى أبى جهل، وروى أنه كان وصياً ليقيم، فجاءه وهو عريان يسأله شيئاً من مال نفسه، فدفعه ولم يعبأ به فأيس الصى ، فقال له أكابر قريش قل لمحمد يشفع لك ، وكان ٠ ١١٢ قوله تعالى : فذلك الذي يدع اليتيم . سورة الماعون . وَلَا يُحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَذَلِكَ الَّذِى يَدُعُ اَلْيَتِيمَ غرضهم الاستهزاء ولم يعرف اليقيم ذلك، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم والتمس منه ذلك، وهو عليه الصلاة والسلام ما كان يرد محتاجأ فذهب معه إلى أبى جهل فرحب به وبذل المال لليقيم فعيرة قريش، فقالوا صبوت، فقال لا والله ماصبوت ، لكن رأيت عن يمينه وعن يساره حربة خفت إن لم أجبه يطعنها فى ، وروى عن ابن عباس أنها نزلت فى منافق جمع بين البخل والمراءاة ( والقول الثانى) أنه عام لكل من كان مكذباً بيوم الدين، وذلك لأن إقدام الإنسان على الطاعات وإحجامه عن المحظورات إنما يكون للرغبة فى الثواب والرهبة عن العقاب ، فإذا كان منكراً للقيامة لم يترك شيئاً من المشتهيات واللذات ، فثبت أن إنكار القيامة كالأصل لجميع أنواع الكفر والمعاصى . ﴿ المسألة الرابعة﴾ فى تفسير الدين وجوه (أحدها) أن يكون المراد من يكذب بنفس الدين والإسلام إما لأنه كان منكراً للصانع، أو لأنه كان منكراً للنبوة، أو لأنه كان منكراً للمعاد أولشىء من الشرائع، فإن قيل كيف يمكن حمله على هذا الوجه، ولابد وأن يكون لكل أحد دين (والجواب) من وجوه (أحدها) أن الدين المطلق فى اصطلاح أهل الإسلام، والقرآن هو الإسلام قال الله تعالى (إن الدين عند الله الإسلام) أما سائر المذاهب فلا تسمى دينا إلا بضرب من التقييد كدين النصارى واليهود ( وثانيها) أن يقال هذه المقالات الباطلة ليست بدين، لأن الدين هو الخضوع لله وهذه المذاهب إنما هى خضوع للشهوة أو للشبهة (وثالثها) وهو قوله أكثر المفسرين . أن المراد أرأيت الذى يكذب بالحساب والجزاء، قالوا وحمله على هذا الوجه أولى لأن من ينكر الإسلام قد يأتى بالأفعال الحميدة ويحترز عن مقابحها إذا كان مقراً بالقيامة والبعث، أما المقدم على كل قبيح من غير مبالاة فليس هو إلا المنكر للبعث والقيامة . ثم قال تعالى ﴿ فذلك الذى يدع اليتيم ، ولا يحض على طعام المسكين واعلم أنه تعالى ذكر فى تعريف من يكذب بالدين وصفين (أحدهما ) من باب الأفعال وهو قوله ( فذلك الذى يدع اليقيم ) (والثانى) من باب التروك وهوقوله ( ولا يحض على طعام المسكين) والفاء فى قوله فذلك للسبية أى لما كان كافراً مكذباً كان كفره سبباً لدع اليتيم، وإنما اقتصر عليهما على معنى أن الصادر عمن يكذب بالدين ليس إلا ذلك، لأنا نعلم أن المكذب بالدين لا يقتصر على هذين بل على سبيل التمثيل ، كأنه تعالى ذكر فى كل واحد من القسمين مثالا واحداً تنبيهاً بذكره على سائر القبائح، أو لأجل أن هاتين الخصلتين ، كما أنهما قبيحان منكران بحسب الشرع فهما أيضاً مستنكران بحسب المروءة والإنسانية، أما قوله ( يدع اليتيم) فالمعنى أنه يدفعه بعنف وجفوة كقوله (يوم يدعون إلى نار جهنم دعا) وحاصل الأمر فى دع اليتيم أمور (أحدها) دفعه ١١٣ قوله تعالى : فويل للمصلين الذين . سورة الماعون . اُلَّذِينَ هُمْ عَنِ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينُّ عن حقه وماله بالظلم ( والثانى ) ترك المواساه معه، وإن لم تكن المواساة واجبة. وقد يذم المرء بترك النوافل لا سيما إذا أسند إلى النفاق وعدم الدين ( والثالث) يزجره ويضربه ويستخف به، وقرى. يدع أى بتركه، ولا يدعوه بدعوة ، أى يدعوا جميع الأجانب ويترك اليقيم مع أنه عليه الصلاة والسلام قال (( ما من مائدة أعظم من مائدة عليها بقيم)) وقرى. يدعو اليتيم أى يدعوه رياء ثم لا يطعمه وإنما يدعوه استخداماً أو نهراً أو استطالة. واعلم أن فى قوله ( يدع) بالتشديد فائدة ، وهى أن يدع بالتشديد معناه أنه يعتاد ذلك فلا يتناول الوعيد من وجد منه ذلك وندم عليه ، ومثله قوله تعالى (الذين يحتفيون كبائر الإثم والفواحش إلا اللهم ) سمى ذنب المؤمن مماً لأنه كالطيف والخيال يطرأ ولا يقى، لأن المؤمن كما يفرغ من الذنب يندم، إنما المكذب هو الذى يصر على الذنب. أما قوله ( ولا يحض على طعام المسكين ) ففيه وجهان (أحدهما) أنه لا يحض نفسه على طعام المسكين وإضافة الطعام إلى المسكين تدل على أن ذلك الطعام حق المسكين ، فكانه منع المسكين ما هو حقه، وذلك يدل على نهاية بخله وقساوة قلبه وخساسة طبعه ( والثانى) لا بحض غيره على إطعام ذلك المسكين بسبب أنه لا يعتقد فى ذلك الفعل ثواباً ، والحاصل أنه تعالى جعل على التكذيب بالقيامة الإقدام على إيذاء الضعيف ومنع المعروف ، يعنى أنه لو آمن بالجزاء وأيقن بالوعيد لما صدر عنه ذلك، فموضع الذنب هو التكذيب بالقيامة، وههنا سؤالان: ﴿السؤال الأول) أليس قد لا يحض المرء فى كثير من الأحوال ولا يكون آثما؟ (الجواب) لأن غيره ينوب منابه أو لأنه لا يقبل قوله أولمفسدة أخرى يتوقعها ، أما ههنا فذكر أنه لا يفعل ذلك [إلا] لما أه مكذب بالدين . ﴿السؤال الثانى) لم لم يقل ولا يطعم المسكين؟ (الجواب) إذا منع اليتيم حقه فكيف يطعم المسكين من مال نفسه، بل هو بخيل من مال غيره، وهذا هو النهاية فى الخمسة. فلأن يكون بخيلا بمال نفسه أولى، وضده فى مدح المؤمنين (وقواصوا بالمرحمة، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر). قوله تعالى: ﴿فويل للمصلين الذين هم عن صلانهم ساهون) وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ فى كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه (أحدها) أنه لا يفعل إيذاء اليقيم والمنع من الإطعام دليلا على النفاق فالصلاة لا مع الخضوع والخضوع أولى أن تدل على النفاق، لأن الإيذاء والمنع من النفع معاملة مع المخلوق ، أما الصلاة فإنها خدمة للخالق ، (وثانيها) كأنه لما ذكر إيذاء اليتيم وتركه للحض كان سائلا قال: أليس إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر؟ فقال له الصلاة كيف تنهاه عن هذا الفعل المنكر وهى مصنوعة من عين الرياء الفخر الرازي - ج ٣٢ م ٨ ١١٤ قوله تعالى : فويل للمصلين الذين . سورة الماعون . والسهو (وثالثها) كأنه يقول إقدامه على إيذاء اليقيم وتركه للحض، تقصير فيما يرجع إلى الشفقة على خلق الله، وسهره فى الصلاة تقصير فيما يرجع إلى التعظيم لأمر الله، فلما وقع التقصير فى الأمرين فقد كملت شقاوته ، فلهذا قال (فويل) واعلم أن هذا اللفظ إنما يستعمل عند الجريمة الشديدة کقوله ( ويل للمطففین ، فویل لهم ما کتبت أیدیہم ، ویل لكل همزة مزة ) وپروی ان كل أحد ينوح فى النار بحسب جريمته، فقائل يقول ويلى من حب الشرف، وآخر يقول ويلى من الحمية الجاهلية ، وآخر يقول وبلى من صلاتى، فلهذا يستحب عند سماع مثل الآية، أن يقول المرء ويلى إن لم يغفر لى . المسألة الثانية) الآية دالة على حصول التهديد العظيم بفعل ثلاثة أمور (أحدها) الهو عن الصلاة (وثانيها) فعل المراءاة (وثالثها) منع الماعون، وكل ذلك من باب الذنوب ، ولا يصير المرء به منافتاً فلم حكم الله بمثل هذا الوعيد على فاعل هذه الأفعال؟ ولأجل هذا الإشكال ذكر المفسرون فيه وجوهاً (أحدها) أن قوله ( فويل للمصلين ) أى فويل للمصلين من المنافقين الذين يأتون بهذه الأفعال ، وعلى هذا التقدير تدل الآية على أن الكافر له مزيد عقوبة بسبب إقدامه على محظورات الشرع وتركه لواجبات الشرع، وهو يدل على صحة قول الشافعى : إن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع، وهذا الجواب هو المعتمد ( وثانيها) ما رواه عطاء عن ابن عباس أنه لو قال الله فى صلاتهم ساهون، لكان هذا الوعيد فى المؤمنين لكنه قال (عن صلاتهم ساهون) والساهى عن الصلاة هو الذى لا يتذكرها ويكون فارغاً عنها، وهذا القول ضعيف لأن السهو عن الصلاة لا يجوز أن يكون مفسراً بترك الصلاة، لأنه تعالى أثبت لهم الصلاة بقوله (فويل للمصلين) وأيضاً فالسهو عن الصلاة بمعنى الترك لا يكون نفاقاً ولا كفراً فيعود الإشكال ، ويمكن أن يجاب عن الاعتراض الأول بأنه تعالى حكم عليهم بكونهم مضلين نظراً إلى الصورة وبأنهم نسوا الصلاة بالكلية نظراً إلى المعنى كما قال (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا) ويجاب عن الاعتراض الثانى بأن النسيان عن الصلاة هوأن يبقى ناسياً لذكر الله فى جميع أجزاء الصلاة وهذا لا يصدر إلا عن المنافق الذى يعتقد أنه لافائدة فى الصلاة ، أما المسلم الذى يعتقد فيها فائدة عينية يمتنع أن لا يتذكر أمر الدين والثواب والعقاب فى شىء من أجزاء الصلاة ، بل قد يحصل له السهو فى الصلاة بمعنى أنه يصير سامياً فى بعض أجزاء الصلاة ، فثبت أن السهو فى الصلاة من أفعال المؤمن والسهو عن الصلاة من أفعال الكافر (وثالثها ) أن يكون معنى (ساهون ) أى لا يتعهدون أوقات صلواتهم ولا شرائطها، ومعناه أنه لا يبالى سواء صلى أو لم يصل، وهو قول سعد بن أبى وقاص ومسروق والحسن ومقاتل . ﴿ المسألة الثالثة﴾ اختلفوا فى سهو الرسول عليه الصلاة السلام فى صلاته ، فقال كثير من العلماء إنه عليه الصلاة والسلام ماسها ، لكن الله تعالى أذن له فى ذلك الفعل حتى يفعل ما يفعله ١١٥ قوله تعالى : الذين هم يراءون . سورة الماعون . الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُ ونَ ﴾ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ الساهى فيصير ذلك بياناً لذلك الشرع بالفعل والبيان بالفعل أقوى ، ثم بتقدير وقوع السهو منه فالسهو على أقسام (أحدها ) سهو الرسول والصحابة وذلك منجبر تارة بسجود السهو وتارة بالسنن والنوافل ( والثانى) ما يكون فى الصلاة من الغفلة وعدم استحضار المعارف والنيات ( والثالث) الترك لا إلى قضاء والإخراج عن الوقت، ومن ذلك صلاة المنافق وهى شر من ترك الصلاة لأنه يستهزىء بالدين بتلك الصلاه . أما قوله تعالى ﴿ الذين هم يرامون﴾ فاعلم أن الفرق بين المنافق والمرائى؛ أن المنافق هو المظهر للإيمان المبطن للكفر ، والمرائى المظهر ما ليس فى قلبه من زيادة خشوع ليعتقد فيه من يراه أنه متدين، أو تقول المنافق لا يصلى سراً والمرائى تكون صلاته عند الناس أحسن. أعلم أنه يجب إظهار الفرائض من الصلاة والزكاة لأنها شعائر الإسلام وتاركها مستحق للعن فيجب نفى التهمة بالإظهار . إنما الإخفاء فى النوافل إلا إذا أظهر النوافل ليقتدى به ، وعن بعضهم أنه رأى فى المسجد رجلا يسجد للشكر وأطالها ، فقال ما أحسن هذا لو كان فى بيتك! لكن مع هذا قالوا لا يترك النوافل حياء ولا يأتى بها رياء ، وقدما يتيسر اجتناب الرياء ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام والرياء أخفى من دبيب النملة السوداء فى الليلة الظلماء على المسح الأسود» فإن قيل ما معنى المراءاة؟ قلنا هى مفاعلة من الإراءة لأن المراتى يرى الناس عمله، وهم يرونه الثناء علیه والإ عجاب به . واعلم أن قوله (عن صلاتهم ساهون) يفيد أمرين: إخراجها عن الوقت ، وكون الإنسان غافلا فيها ، قوله (الذين هم يرامون ) يفيد المراءاة ، فظهر أن الصلاة يجب أن تكون خالية عن هذه الأحوال الثلاثة . ثم لما شرح أمر الصلاة أعقبه بذكر الصلات فقال ﴿ويمنعون الماءون ﴾ وفيه أقوال (الأول) وهو قول أبى بكر وعلى وابن عباس وابن الحنفية وابن عمر والحسن وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والضحاك هو الزكاة ، وفى حديث أبى ((من قرأ سورة (أرأيت) غفر الله له إن كان للزكاة مؤدياً)) وذلك يوهم أن (الماءون) هو الزكاة، ولأن الله تعالى ذكره عقيب الصلاة، فالظاهر أن يكون ذلك هو الزكاة ( والقول الثانى) وهو قول أكثر المفسرين، أن (الماعون) اسم لما لا يمنع فى العادة ويسأله الفقير والغنى، ينسب ما فعه إلى سوء الخلق ولوم الطبيعة، كالفأس والقدر والدلو والمقدخة والغريال والقدوم، ويدخل فيه الملح والماء والنار. فإنه روى (( ثلاثة لا يحل منعها، الماء والنار والملح)) ومن ذلك أن يلتمس جارك أن يخبز فى تنورك، أو يضع متاعه عندك يوماً أو نصف يوم ، وأصحاب هذا القول قالوا: الماءون فاعول من المعن . وهو التى. ١١٦ قوله تعالى : ويمنعون الماعون . سورة الماعون . القليل ومنه ماله سعته ولا معنة أى كثير ولا قليل ، وسميت الزكاة ماعوناً ، لأنه يؤخذ من المال ربع العشر ، فهو قليل من كثير، ويسمى ما يستعار فى العرف كالفأس والشفرة ماعوناً، وعلى هذا التقدير يكون معنى الآية الزجر عن البخل بهذه الأشياء القليلة ، فإن البخل بها يكون فى نهاية الدناءة والركاكة، والمنافقون كانوا كذلك ، لقوله تعالى ( الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل وقال (مناع للخير معتد أثيم) قال العلماء: ومن الفضائل أن يستكثر الرجل فى منزله ما يحتاج إليه الجيران ، فيعيرهم ذلك ولا يقتصر على الواجب (والقول الثالث ) قال الفراء سمعت بعض العرب يقول. الماعون هو الماء وأنشدنى فيه : يمج بعيره الماءون مجاً ولعله خصه بذلك لأنه أعز مفقود وأرخص موجود، وأول شيء يسأله أهل النار الماء، كما قال ( أن أفيضوا علينا من الماء) وأول لذة يحدها أهل الجنة هو الماء، كما قال (وسقام ربهم) (القول الرابع) (الماءون) حسن الانقياد، يقال رض بعيرك حتى يعطيك الماعون، أى حتى يعطيك الطاعة . واعلم أن الأولى أن يحمل على كل طاعة يخف فعلها لأنه أكثر فائدة ، ثم قال المحققون فى فى الملاءمة بين قوله (يراءون) وبين قوله (ويمنعون الماءون) كانه تعالى يقول الصلاة لى والماعون للخلق، فما يجب جعله لى يعرضونه على الخلق وما هو حتى الخلق يسترونه عنهم فكانه لا يعامل الخلق والرب إلا على العكس (فإن قيل) لم لم يذكر الله اسم الكافر بعينه؟ وإن قلت لستر عليه، قلت لم لم يستر على آدم بل قال (وعصى آدم ربه)؟ (والجواب) أنه تعالى ذكر زلة أدم لكن بعد موته مقروناً بالتوبة ليكون لطفاً لأولاده، أنه أخرج من الجنة بسبب الصغيرة فكيف يطمعون فى الدخول مع الكبيرة، وأيضاً فان وصف تلك الزلة رفعة له فإنه رجل لم يصدر عنه إلا تلك الزلة الواحدة ثم تاب عنها مثل هذه التوبة. ولنختم تفسير هذه السورة بالدعاء: إلهنا، هذه السورة فى ذكر المنافقين والسنورة التى بعدها فى صفة محمد رائم فنحن وإن لم نصل فى الطاعة إلى محمد عليه الصلاة السلام وإلى أصحابه، لم نصل فى الأفعال القبيحة إلى هؤلاء المنافقين ، فاعف عنا بفضلك يا أرحم الراحمين ، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. ١١٧ سورة الكوثر (١٠٨) سُورة الكِوترمكيَةْ وَأَيَائِها ثلاثٌ بِسْـ إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ ® بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ . اعلم أن هذه السورة على اختصارها فيها لطائف: (إحداها) أن هذه السورة كالمقابلة للسورة المتقدمة ، وذلك لأن فى السورة المتقدمة وصف الله تعالى المنافق بأمور أربعة: (أولها ) البخل وهو المراد من قوله ( يدع اليقيم، ولا يحض على طعام المسكين ) (الثانى) ترك الصلاة وهو المراد منقوله ( الذين هم عن صلاتهم ساهون) (والثالث) المراءاة فى الصلاة هو المراد من قوله (الذين ثم يراء ون (والرابع) المنع من الزكاة وهو المراد من قوله ( ويمنعون الماعون) فذكرفى هذه السورة فى مقابلة تلك الصفات الأربع صفات أربعة ، فذكر فى مقابلة البخل قوله (إذا أعطيناك الكوثر) أى إنا أعطيناك الكثير، فأعط أنت الكثير ولا تبخل، وذكر فى مقابلة (الذين هم عن صلاتهم ساهون) قوله (فصل) أى دم على الصلاة ، وذكر فى مقابلة (الذين ثم براءون) قوله ( لربك) أى انت بالصلاة لرضا ربك، لا لمراءاة الناس ، وذكر فى مقابلة (ويمنعون الماءون) قوله (وانحر) وأراد به التصدق بلحم الأضاحى، فاعتبر هذه المناسبة العجيبة ، ثم ختم السورة بقوله ( إن شانئك هو الأبتر) أى المنافق الذى يأتى بتلك الأفعال القبيحة المذكورة فى تلك السورة سيموت ولا يبقى من دنياه أثر ولا خبر، وأما أنت فيبقى لك فى الدنيا الذكر الجميل، وفى الآخرة الثواب الجزيل . ﴿ والوجه الثانى) فى لطائف هذه السورة أن السالكين إلى الله تعالى لهم ثلاث درجات: (أعلاها) أن يكونوا مستغرقين بقلوبهم وأرواحهم فى نور جلال الله (وثانيها ) أن يكونوا مشتغلين بالطاعات والعبادات البدنية ( وثالثها ) أن يكونوا فى مقام منع النفس عن الأنصباب إلى الذات المحسوسة والشهوات العاجلة، فقوله (إنا أعطيناك الكوثر) إشارة إلى المقام الأول ١١٨ قوله تعالى : إنا أعطيناك الكوثر سورة الكوثر وهو كون روحه القدسية متميزة عن سائر الأرواح البشرية بالكم والکیف . أما بالكم ،لأنها أكثر مقدمات، وأما بالكيف فلأنها أسرع انتقالامن تلك المقدمات إلى النتائج من سائر الأرواح، وأما قوله ( فصل لربك ) فهو إشارة إلى المرتبة الثانية، وقوله (وانحر) إشارة إلى المرتبة الثالثة ، فإن منع النفس عن اللذات العاجلة جار مجرى النحر والذبح، ثم قال (إن شانئك هو الأبتر) ومعناه أن النفس التى تدعوك إلى طلب هذه المحسوسات والشهوات العاجلة ، أنها دائرة فانية ، وإنما الباقيات الصالحات خير عند ربك، وهى السعادات الروحانية والمعارف الربانية التى هى باقية أبدية. ولنشرع الآن فى التفسير قوله تعالى ( إنا أعطيناك الكوثر) اعلم أن فيه فوائد: ( الفائدة الأولى) أن هذه السورة كالنتمة لما قبلها من السور، وكالأصل لما بعدها من السور. أما أنها كالتتمة لما قبلها من السور ، فلأن الله تعالى جعل سورة (والضحى) فى مدح محمد عليه الصلاة والسلام وتفصيل أحواله ، فذكر فى أول السورة ثلاثة أشياء تتعلق بنبوته (أو لها) قوله (ما ودعك ربك وماقلى)، (وثانيها) قوله ( والآخرة خير لك من الأولى) ( وثالثها) .(ولسوف يعطيك ربك فترضى) ثم ختم هذه السورة بذكر ثلاثة أحوال من أحواله عليه السلام فيما يتعلق بالدنيا وهى قوله ( ألم يجدك يتيما فآوى، ووجدك ضالا فهدى، ووجدك عائلا فأغنى) ثم ذكر فى سورة ألم نشرح أنه شرفه بثلاثة أشياء (أولها) (ألم نشرح لك صدرك) (وثانيها) (ووضعنا عنك وزرك، الذى انقض ظهرك)، (وثالثها) (ورفعنا لك ذكرك)، ثم إنه تعالى شرفه فى سورة التين بثلاثة أنواع من التشريف (أولها ) أنه أقسم بلده وهو قوله (وهذا البلد الأمين)، (وثانيها) أنه أخبر عن خلاص أمته عن النار وهو قوله ( إلا الذين آمنوا)، (وثالثها) وصولهم إلى الثواب وهو قوله (فلهم أجر غير ممنون) ثم شرفه فى سورة اقرأ بثلاثة أنواع من التشريفات (أولها) (اقرأ باسم ربك) أى اقرأ القرآن على الحق مستعيناً باسم ربك (وثانيها) أنه قهر خصمه بقوله (فليدع ناديه سندع الزبانية)، (وثالثها) أنه خصه بالقرية التامة وهو ( واسجد واقترب ). وشرفه فى سورة القدر بليلة القدر التى لها ثلاثة أنواع من الفضيلة (أولها) كونها (خيراً من ألف شهر)، (وثانيها) نزول (الملائكة والروح فيها) (وثالثها) كونها (سلاماً حتى مطلع الفجر) وشرفه فى سورة (لم يكن) بأن شرف أمته بثلاثة تشريفات (أولها) أنهم (خير البرية ) (وثانيها) أن ( جزاؤهم عند ربهم جنات)، ( وثالثها) رضا الله عنهم، وشرفه فى سورة إذا زلزلت بثلاث تشريفات : (أولها) قوله ( يومئذ تحدث أخبارها) وذلك يقتضى أن الأرض تشهد يوم القيامة لأمته بالطاعة والعبودية (والثانى) قوله (يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم) وذلك يدل على أنه تعرض عليهم طاعانهم فيحصل لهم الفرح والسرور، ( ثالثها) قوله (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره) ومعرفة الله لاشك أنها أعظم من كل عظيم فلا بد وأن يصلوا إلى ثوابها ثم شرفه فى سورة العاديات بأن أقسم بخيل الغزاة من أمته فوصف ١١٩ قوله تعالى: إنا أعطيناك الكوثر . سورة الكَوْثَر. تلك الخيل بصفات ثلاث ( والعاديات ضبحاً، فالموريات قدحا ، فالمغيرات صبحاً . ثم شرف أمته فى سورة القارعة بأمور ثلاثة ( أولها) فمن ثقلت موازينه ( وثانيها ) أنهم فى عيشة راضية ( وثالثها ) أنهم يرون أعداءهم فى نار حامية . ثم شرفه فى سورة الحاكم بأن بين أن المعرضين عن دينه وشرعه يصيرون معذبين من ثلاثة أوجه (أولها) أنهم يرون الجحيم (وثانيها) أنهم يرونها عين اليقين (وثالثها) أنهم يسألون عن النعيم ثم شرف أمته فى سورة والعصر بأمور ثلاثة (أولها) الإيمان (إلا الذين آمنوا)، (وثانيها) وعملوا الصالحات (وثالثها) إرشاد الخلق إلى الأعمال الصالحة، وهو التواصى بالحق، والتواصي بالصبر، ثم شرفه فى سورة الهمزة بأن ذكرأن من همز ولمز، فله ثلاثة أنواع من العذاب (أولها) أنه لا ينتفع بدنياه البتة، وهو قوله (يحسب أن ماله أخلده كلا) (وثانيها) أنه ينبذ فى الحطمة ، (وثالثها) أنه يغلق عليه تلك الأبواب حتى لا يبقى له رجاء فى الخروج، وهو قوله ( إنها عليهم مؤصدة). ثم شرفه فى سورة الفيل بأن رد كيد أعدائه فى نحرهم من ثلاثة أوجه (أولها) جعل كيدهم فى تضليل (وثانيها) أرسل عليهم طير أبابيل (وثالثها) جعلهم كعصف مأكول. ثم شرفه فى سورة قريش بأنه راعى مصلحة أسلافه من ثلاثة أوجه (أولها) جعلهم . وتلفين متوافقين لإيلاف قريش ( وثانيها) أطعمهم من جوع ( وثالثها ) أنه آمنهم من خوف . وشرفه فى سورة الماعون، بأن وصف المكذبين بدينة بثلاثة أنواع من الصفات المذمومة. (أولها) الدناءة واللؤم، وهو قوله (يدع اليقيم ولا يحض على طعام المسكين) (وثانيها) ترك تعظيم الخالق ، وهو قوله (عن صلاتهم ساهون الذين هم يرامون) (وثالثها) ترك انتفاع الخلق، وهو قوله ( ويمنعون الماعون ). ثم إنه سبحانه وتعالى لما شرفه فى هذه السور من هذه الوجوه العظيمة، قال بعدها ( إنا أعطيناك الكوثر ) أى إنا أعطيناك هذه المناقب المنكاثرة المذكورة فى السورة المتقدمة التى كل واحدة منها أعظم من ملك الدنيا بحذافيرها، فاشتغل أنت بعبادة هذا الرب، وبإرشاد عباده إلى ماهو الأصلح لهم، أماعبادة الرب فإما بالنفس، وهو قوله (فصل لربك) وإما بالمال، وهو قوله (وانحر ) وأما إرشاد عباده إلى ما هو الأصلح لهم فى دينهم ودنياهم ، فهو قوله ( يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) فثبت أن هذه السورة كالتتمة لما قبلها من السور، وأما أنها كالأصل لما بعدها، فهو أنه تعالى يأمره بعد هذه السورة بأن يكفر جميع أهل الدنيا بقوله (يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون ) ومعلوم أن عسف الناس على مذاهبهم وأديانهم أشد من عسفهم على أرواحهم وأموالهم، وذلك أنهم يبذلون أموالهم وأرواحهم فى نصرة أديانهم ، فلا جرم كان الطعن فى مذاهب الناس يثير من العداوة والغضب مالا يثير سائر المطاعن ، فلما أمره بأن يكفر جميع أهل الدنيا ، ويبطل أديانهم لزم أن يصير جميع أهل الدنيا فى غاية العداوة له ، وذلك بما يحترف عنه كل أحد من الخلق فلا يكاد يقدم عليه، وانظر إلى موسى عليه السلام كيف ١٢٠ قوله تعالى: إنا أعطيناك الكوثر. سورة الكَوْثَر. كان يخاف من فرعون وعسكره . وأما ههنا فإن محمداً عليه السلام لما كان مبعوثاً إلى جميع أهل الدنيا، كان كل واحدمن الخلق، كفرعون بالنسبه إليه ، فدبر تعالى فى إزالة هذا الخوف الشديد تدبيراً لطيفاً، وهو أنه قدم على تلك السورة، هذه السورة فإن قوله (إنا أعطيناك الكوثر) يزيل عنه ذلك الخوف من وجوه (أحدها ) أن قوله ( إنا أعطيناك الكوثر ) أى الخير الكثير فى الدنيا والدين، فيكون ذلك وعداً من الله إياه بالنصرة والحفظ، وهو كقوله ( يا أيها التى حسبك الله) وقوله ( والله يعمصك من الناس) وقوله (إلا تنصروه فقد نصره الله) ومن كان الله تعالى ضامناً لحفظه، فإنه لا يخشى أحداً ( وثانيها) أنه تعالى لما قال (إنا أعطيناك الكوثر) وهذا اللفظ يتناول خيرات الدنيا وخيرات الآخرة ، وأن خيرات الدنيا ما كانت واصلة إليه حين كان بمكة ، والخلف، فى كلام الله تعالى محال، فوجب فى حكمة الله تعالى إبقاؤه فى دار الدنيا إلى حيث يصل إليه تلك الخيرات ، فكان ذلك كالبشارة له والوعد بأنهم لا يقتلونه، ولا يقهرونه، ولا يصل إليه مكرم بل يصير أمره كل يوم فى الازدياد والقوة ( وثالثها) أنه عليه السلام لما كفروا وزيف أديانهم ودعاهم إلى الإيمان اجتمعوا عنده، وقالوا إن كنت تفعل هذا طلباً للإل فنعطيك من المال ما قصير به أغنى الناس ، وإن كان مطلوبك الزوجة نزوجك أكرم نسائنا، وإن كان مطلوبك الرياسة فتحن تجعلك رئيساً على أنفسنا ، فقال الله تعالى (إنا أعطيناك الكوثر ) أى لما أعطاك خالق السموات والأرض خيرات الدنيا والآخرة ، فلا تغتر بما لهم ومراعاتهم (ورابعها ) أن قوله تعالى ( إنا أعطيناك الكوثر ) يفيد أن الله تعالى تكلم معه لا بواسطة، فهذا يقوم مقام قوله ( وكلم الله موسى تكليما) بل هذا أشرف لأن المولى إذا شافه عبده بالزام التربية والإحسان كان ذلك أعلى مما إذا شافه فى غير هذا المعنى ، بل يفيد قوة فى القلب ويزيل الجبن عن النفس ، فثبت أن مخاطبة الله إياه بقوله (إنا أعطيناك الكوثر) مما يزيل الخوف عن القلب والجبن عن النفس ، فقدم هذه السورة على سورة ( قل يا أيها الكافرون) حتى يمكنه الاشتغال بذلك التكليف الشاق والإقدام على تكفير جميع العالم ، وإظهار البراءة عن معبودهم فلما امتثلت أمرى ، فانظر كيف أنجزت لك الوعد، وأعطيتك كثرة الأتباع والأشياع ، أن أهل الدنيا يدخلون فى دين الله أفواجا، ثم إنه لما تم أمر الدعوة وإظهار الشريعة، شرع فى بيان ما يتعلق بأحوال القلب والباطن ، وذلك لأن الطالب إما أن يكون طلبه مقصوراً على الدنيا، أو يكون طالباً للآخرة ، أما طالب الدنيا فليس له إلا الخسار والذل والهوان، ثم يكون مصيره إلى النار، وهو المراد من سورة تبت، وأما طالب الآخرة فأعظم أحواله أن تصير نفسه كالمرآه التى تنتقش فيها صور الموجودات ، وقد ثبت فى العلوم العقلية أن طريق الخلق فى معرفة الصانع على وجهين : منهم من عرف الصانع ، ثم توسل بمعرفته إلى معرفة مخلوقاته ، وهذا هو الطريق الأشرف الأعلى ، ومنهم من عكس وهو طريق الجمهور. ثم إنه سبحانه ختم كتابه الكريم بتلك الطريق التى هى أشرف الطريقين، فبدأ بذكر صفات