النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ قوله تعالى : فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره . سورة الزلزلة . ١٠,٤٠ ٤٠٠ ٤٠٠ ◌َنْ يَعْمَلَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، (٣) وَمَن يَعْمَل مِثْقَالَ ذَرَةٍ شَرًا يَرَهُ( نفس العمل بل المجاز فى ذلك أدخل من الحقيقة، وفى قراءة النبى تين ( ليروا ) بالفتح. قوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراًيره﴾ وفيه مسائل: ﴿المسألة الأولى) (مثقال ذرة) أى زنة ذرة قال الكلى الذرة أصغر النمل، وقال ابن عباس إذا وضعت راحتك على الأرض ثم رفعتها فكل واحد بما لزق به من النراب مثقال ذرة فليس من عبد عمل خيراً أو شراً قليلا كان أو كثيراً إلا أراه الله تعالى إياه . المسألة الثانية﴾ فى رواية عن عاصم (يره) برفع الياء وقرأ البافون (يره) بفتحها وقرأ بعضهم (يره ) بالجزم . ﴿ المسألة الثالثة﴾ فى الآية إشكال وهو أن حسنات الكافر محبطة بكفره وسيئات المؤمن مغفورة، إما ابتداء وإما بسبب اجتناب الكبائر، فما معنى الجزاء بمثقيل الذر من الخير والشر؟. واعلم أن المفسرين أجابواعنه من وجوه: (أحدها ) قال احمد بن كعب القرظى (فمن يعمل مثقال ذرة) من خير وهو کافر فإنه یری ثواب ذلك فى الدنيا حتى يلقى الآخرة ، وليس له فيها شىء، وهذا مروى عن ابن عباس أيضاً، ويدل على صحة هذا التأويل ماروى أنه عليه السلام قال لأبى بكر (( ياأبا بكر ما رأيت فى الدنيا ما تكره فبمثاقيل ذر الشر ويدخر الله لك مثاقيل الخير حتى توفاها يوم القيامة)) (وثانيها) قال ابن عباس: ليس من مؤمن ولا كافر عمل خيراً أوشراً إلا أراه الله إياه ، فأما المؤمن فيغفر الله سيئاته و یثیه بحسناته، وأما الكافر فترد حسناته و یعذب سيتانه (و ثالثها أن حسنات الكافر وإن كانت محبطة بكفره ولكن الموازنة معتبرة فتقدر تلك الحسنات انحبطت من عقاب كفره ، وكذا القول فى الجانب الآخر فلا يكون ذلك قادحاً فى عموم الآية (ورابعها) أن تخصص عموم قوله (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره) ونقول: المراد فمن يعمل من السعداء مثقال ذرة خيراًيره، ومن يعمل من الأشقياء مثقال ذرة شراً يره. ﴿ المسألة الرابعة ﴾ لقائل أن يقول إذا كان الأمر إلى هذا الحد فأين الكرم؟ (والجواب) هذا هو الكرم، لأن المعصية وإن قلت ففيها استخفاف ، والكريم لا يحتمله وفى الطاعة تعظيم ، وإن قل فالكريم لا يضيعه، وكأن الله سبحانه يقول لا تحسب مثقال الذرة من الخير صغيراً، فإنك مع أؤ مك وضعفك لم تضيع منى الذرة، بل اعتبرتها ونظرت فيها، واستدللت بها على ذاتى وصفاتى واتخذتها مركباً به وصلت إلى، فإذا لم تضيع ذرتى أفأضيع ذرتك ! ثم التحقيق أن المقصود هو النية والقصد، فإذا كان العمل قليلا لكن النية خالصة فقد حصل المطلوب , وإن كان العمل كثيراً والنية دائرة فالمقصود فائت، ومن ذلك ما روى عن كعب: لا تحقروا شيئاً من المعروف، فإن رجلا دخل الجنة بإعارة إبرة فى سبيل الله، وإن امرأة أعانت بحبة فى بناء بيت ٦٢ قوله تعالى : ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره . سورة الزلزلة . المقدس فدخلت الجنة . وعن عائشة ((كان بين يديها عنب فقدمته إلى نسوة بحضرتها ، نجاء سائل فأمرت له بحبة من ذلك العنب مضحك بعض من كان عندها ، فقالت إن فيما ترون مثاقيل الذرة وتلت هذه الآية)) ولعلها كان غرضها التعليم، وإلا فهى كانت فى غاية السخاوة . روى (( أن ابن الزبير بعث إليها بماته ألف وثمانين ألف درهم فى غرارتين، فدعت بطبق وجعلت تقسمه بين الناس ، فلما أمستٍ قالت: ياجارية فطورى هلى فجاءت بخبز وزيت، فقيل لها أما أمسكت لنا درهما نشترى به ما نفطر عليه، فقالت لو ذكرتنى لفعلت ذلك)) وقال مقاتل: نزلت هذه الآية فى رجلين كان أحدهما يأتيه السائل فيستقل أن يعطيه النمرة والكسرة والجوزة ، ويقول ما هذا بشىء، وإنما تؤجر على ما نعطى او كان الآخر يتهاون بالذنب اليسير، ويقول لاشىء على من هذا إنما الوعيد بالنار على الكبائر ، فنزلت هذه الآية ترغيباً فى القليل من الخير فإنه يوشك أن يكثر، وتحذيراً من اليسير من الذنب فإنه يوشك أن يكبر، ولهذا قال عليه السلام («اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة ، والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . : ٠ ١٣ سورة العاديات (١٠٠) سُورَة العَاِبَاتَّمُكِيَّةْ وَآَيَانِهَا إِخْرَى عِشِرة -١ ت ١١ ٩١- ١ بِسْـ وَالْعَدِيَتِ ضَبْحاً - بسم الله الرحمن الرحيم والعاديات ضبحا أعلم أن الضبح أصوات أنفاس الخيل إذا عدت ، وهو صوت ليس بصهيل ولا حمحمة ، ولكنه صوت نفس ، ثم اختلفوا فى المراد بالعاديات على قولين : (الأول) ماروى عن على عليه السلام وابن مسعود أنها الإبل، وهو قول ابراهيم والقرظی روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال « بينا أنا جالس فى الحجر إذا أتانى رجل فسألنى عن العاديات ضبحا، ففسرتها بالخيل فذهب إلى على عليه السلام وهو تحت سقاية زمزم فسأله وذكر له ما قلت ، فقال أدعه لى فلما وقفت على رأسه ، قال تفتى الناس بما لا علم لك به، والله إن كانت لأول غزوة فى الإسلام بدر وما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس للقداد (والعاديات ضبحا) الإبل من عرفة إلى مزدلفة، ومن المزد لفة إلى منى، يعنى إبل الحاج ، قال ابن عباس فرجعت عن قولى إلى قول على عليه السلام ) ويتأكد هذا القول بما روى أبى فى فضل السورة مرفوعا ((من قرأها أعطى من الأجر بعدد من بات بالمزدلفة وشهد جماً) وعلى هذا القول (فالموريات قدحا ) أن الحوافر ترمى بالحجر من شدة العدو فتضرب به حجراً آخر فتورى النار أو يكون المعنى الذين يركبون الإبل وهم الحجيج إذا أوقدوا نيرانهم بالمزدلفة (فالمغيرات ) الإغارة سرعة السير وهم يند فعون صبيحة يوم النحر مسرعين إلى منى (فأثرن به نفعاً) يعنى غباراً بالعدو وعن محمد بن كوب النقع ما بين المزدلفة إلى منى (فوسطن به جمعاً) يعنى مزدلفة لأنها قسمى الجمع لا جتماع الحاج بها، وعلى هذا التقدير؛ فوجه القسم به من وجوه (أحدها) ما ذكرنا من المنافع الكثيرة فيه فى قوله (أفلا ينظرون إلى الإبل) (وثانيها) كأنه تعريض بالآدمى الكنود فكأنه تعالى يقول: إنى سخرت مثل هذا لك وأنت متمرد عن طاعتى ( وثالثها ) الغرض بذكر إبل الحج الترغيب فى الحج، كأنه تعالى يقول: جعلت ذلك الإبل مقسما به ، فكيف أضيع ٦٤ قوله تعالى : فالموريات قدحا. سورة العاديات . فَالْمُورِيَتِ قَدْحاً .: عملك! وفيه تعريض لمن يرغب الحج، فإن الكنود هو الكفور، والذى لم يحج بعد الوجوب موصوف بذلك، كما فى قوله تعالى (ولله على الناس حج البيت) إلى قوله ( ومن كفر). ﴿القول الثاني) قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وعطاء وأكثر المحققين أنه الخيل، وروى ذلك مرفوعاً. قال الكلبى: بعث رسول اللّه وَ يتم سرية إلى أناس من كتابة فمكث ما شاء الله أن يمكث لا ياتيه منهم خبر فتخرف عليها. فنزل جبريل عليه السلام بخبر مسيرها، فإن جعلنا الألف واللام فى (والعاديات) للمعهود السابق كان محل القسم خيل تلك السرية ، وإن جعلناهما للجنس كان ذلك قسما بكل خيل عدت فى سبيل الله. واعلم أن ألفاظ هذه الآيات تنادى أن المراد هو الخيل، وذلك لأن الضبح لا يكون إلا للفرس، واستعمال هذا اللفظ فى الإبل يكون على سبيل الاستعارة، كما استغير المشافر والحافر للانسان، والشفتان للبهر، والعدول من الحقيقة إلى المجاز بغير ضرورة لا يجوز، وأيضاً فالقدح يظهر بالحافر مالا يظهر بخف الإبل ، وكذا قوله (فالمغيرات صبحاً) لأنه بالخيل أسهل منه بغيره، وقد روينا أنه ورد فى بعض السرايا ، وإذا كان كذلك فالأقرب أن السورة مدنية، لأن الإذن بالقتال كان بالمدينة ، وهو الذى قاله الكلى ، إذا عرفت ذلك فههنا مسائل : ﴿المسألة الأولى﴾ أنه تعالى إنما أقسم بالخيل لأن لها فى العدو من الخصال الحميدة ما ليس لسائر الدواب، فإنها تصلح للطلب والهرب والكر والفر، فإذا ظننت أن النفع فى الطلب عدوت إلى الخصم لتفوز بالغنيمة، وإذا ظننت أن المصلحة فى الهرب قدرت على أشد العدو ، ولا شك أن السلامة إحدى الغنيمتين، فأقسم تعالى بفرس الغازى لما فيه من منافع الدنيا والدين ، وفيه تنبيه على أن الإنسان يجب عليه أن يمسكه لا الزينة والتفاخر ، بل لهذه المنفعة ، وقد نبه تعالى على هذا المعنى فى قوله ( والخيل والبغال والحمير [٦ كبوها وزينة) فأدخل لام التعليل على الركوب وما أدخله على الزينة وإنما قال (ضبحاً ) لأنه أمارة يظهر به التعب وأنه يبذل كل الوسع ولا يقف عند التعب ، فكأنه تعالى يقول: إنه مع ضعفه لا يترك طاعتك ، فليكن العبد فى طاعة مولاه أيضاً كذلك. المسألة الثانية﴾ ذكروا فى انتصاب (ضبحاً) وجوهاً (أحدها) قال الزجاج: والعاديات تضبح ضبحاً (وثانيها) أن يكون ( والعاديات) فى معنى والضابحات، لأن الضبح يكون مع العدو، وهو قول الفراء (وثالثها) قال البصريون: التقدير: والعاديات ضابحة ، فقوله ( ضبجا) نصب على الحال . أما قوله تعالى ﴿ فالموريات قدحاً ﴾ ٦٥ قوله تعالى : فالمغيرات صبحاً . سورة العاديات . /٠٠٠٤ فَأَثَرْنَ بِهِء نَفْعًا فَالْمُغِيرَتِ صُبْحًا ﴾ ٤ فاعلم أن الإيراء إخراج النار، والقدح الصك تقول قدح فأورى وقد فأصلد، ثم فى تفسير الآية وجوه (أحدها) قال ابن عباس: يريد ضرب الخيل بحوافرها الجبل فأورت منه النار مثل الزند إذا قدح، وقال مقاتل: يعنى الخيل تقدحن بحوافر هن فى الحجارة ناراً كنار الحباحب (١) والحباحب اسم رجل كان بخيلا لا يوقد النار إلا إذا نام الناس، فإذا انتبه أحد أطعاً ناره لئلا ينتفع بها أحد. فشبهت هذه النار التى تنقدح من حوافر الخيل بتلك النار التى لم يكن فيها نفع ومن الناس من يقول: انها فعل الحديد يصك الحجر فتخرج النار، والأول أبلغ لأن على ذلك التقدير تكون السنابك نفسها كالحديد (وثالثها) قال قوم هذه الآيات فى الخيل، ولكن إبراؤها أن تهيج الحرب بين أصحابها وبين عدوهم، كما قال تعالى (كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفاها الله) ومنه يقال للحرب إذا التخمت حى الوطيس ( وثالثها) هم الذين يغزون فيورون بالليل نيرانهم لحاجتهم وطعامهم (فالموريات) هم الجماعة من الغزاة ( ورابعها) إنها هى الألسنة تورى نار العداوة لعظم ما تتكلم به (وخامسها) هى أفكار الرجال تورى نار المكر والخديمة، روى ذلك عن ابن عباس، ويقال لأقد حن لك ثم الأورين لك، أى لأهيجن عليك شراً وحرباً، وقيل هو المكر إلا أنه مكر باتماد النار ليراهم العدو كثيراً، ومن عادة العرب عند الغزو إذا قربوا من العدو أن يوقدوا نيراناً كثيرة، لكى إذا نظر العدو إليهم ظهم كثيراً (وسادسها) قال عكرمة الموريات قدحا الآسنة (وسابها) (فالموريات قدما) أى فالمنجحات أمراً، يعنى الذين وجدوامقصودهم وفازوا بمطلوبهم من الغزوو الحج، ويقال للمنجح فى حاجته ورى زنده، ثم يرجع هذا إلى الجماعة المنجحة ، ويجوز أن يرجع إلى الخيل ينجح ركبانها وجدنا الأزدأكرمهم جواداً وأوراهم إذا قدحوا زنادا قال جرير : ويقال فلان إذا قدح أورى، وإذا منح أورى، وأعلم أن الوجه الأول أقرب لأن لفظ الإيراء حقيقة فى إبراء النار ، وفى غيره مجاز ، ولا يجوز ترك الحقيقة بغير دليل . أما قوله تعالى ﴿فالمغيرات صبحاً ﴾ يعنى الخيل تغير على العدو وقت الصبح، وكاوا يغيرون صباحاً لأنهم فى الليل يكونون فى الظلمة فلا يبصرون شيئاً ، وأما النهار فالناس يكونون فيه كالمستعدين المدافعة والمحاربة، أما هذا الوقت فالناس يكونون فيه فى الغفلة وعدم الاستعداد. وأما الذين حملوا هذه الآيات على الإبل، قالوا المراد هو الإبل تدفع بركبانها يوم النحر من جمع إلى منى ، والسنة أن لا تغير حتى تصبح ، ومعنى الإغارة فى اللعة الإسراع، يقال أغار إذا أسرع وكانت العرب فى الجاهلية تقول: أشرق ثبير كيما نغير . أى نسرع فى الإفاضة. أما قوله ﴿ فأثرن به نفعاً﴾ فقيه مسائل . (١) ويقال: الحباحب طائر صغير كالذبابة تضىء ليلا فيظنه الرائى ناراً. الفخر الرازي - ج ٣٢ م.٥ . : ٠٠ ٦٦ قوله تعالى : فوسطن به جمعاً . سورة العاديات . فَوَسَطْنَ بِهِ، بَجْعًا المسألة الأولى) فى النقع قولان (أحدهما) أنا هو الغبار وقيل إنه مأخوذ من نقع الصوت إذا ارتفع، فالغبار يسمى نقعاً لارتفاعه ، وقيل هو من النقع فى الماء، فكأن صاحب الغبار غاص فيه ، كما يغوص الرجل فى الماء ( والثانى) النقع الصباح من قوله عليه الصلاة والسلام . ((مالم يكن نقع ولا لقلقة)) أى فهيجن فى المغار عليهم صياح النوائح، وارتفعت أصواتهن، ويقال ثار الغبار والدخان ، أى ارتفع وثار القطا عن مفحصه، وأثرن الغيار أبى هيجنه ، والمعنى أن الخيل أثرن الغبار لشدة العدو فى الموضع الذى أغرن فيه . المسألة الثانية) الضمير فى قوله به إلى ماذا يعود؟ فيه وجوه (أحدها) وهو قول الفراء أنه عائد إلى المكان الذى انتهى إليه، والموضع الذى تقع فيه الإغارة، لأن فى قوله ( فالمغيرات صيحاً ) دليلا على أن الإغارة لابد لها من وضع، وإذا علم المعنى جاز أن يكنى عما لم يجر ذكره باتصريح كقوله ( إنا أنزلناه فى ليلة القدر ) و(ثانيها) إنه عائد إلى ذلك الزمان الذى وقعت فيه الإغارة، أى فأثرن فى ذلك الوقت نقعاً (وثالثها) وهو قول الكسائى أنه عائد إلى العدو ، أى فأثرن بالعدوانقعاً، وقد تقدم ذكر العدو فى قوله ( والعاديات ). المسألة الثالثة ) فإن قيل على أى شىء عطف قوله (فأثرن) قلنا على الفعل الذى وضع اسم الفاعل موضعه، والتقدير واللائى عدون فأورين ، وأغرن أثرن. المسألة الرابعة﴾ قرأ أبو حيوة (فأثرن) بالتشديد بمعنى فأظهرن به غباراً، لأن التأثير فيه معنى الإظهار، أو قلب ثورن إلى وثرن وقلب الواو همزة. قوله تعالى: ﴿ فوسطن به جمعاً﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى ﴾ قال الليث وسطت النهر والمفازة أسطها وسطا وسطة، أى صرت فى وسطها، وكذلك وسطنها وتوسطنها، ونحو هذا، قال الفراء: والضمير فى قوله (به) إلى ماذا يرجع فيه وجوه ( أحدها ) قال مقاتل: أى بالعدو، وذلك أن العاديات تدل على العدو . جازت الكناية عنه، وقوله (جمعاً) يعنى جمع العدو ، والمعنى صرن بعدوهن وسط جمع العدو ، ومن حمل الآبات على الإبل ، قال يعنى جمع انى (وثانيها) أن الضمير عائد إلى النقع أى (وسظن) بالنفع الجمع ( وثالثها) المراد أن العاديات وسطن مليسا بالنقع جمعاً من جموع الأعداء، ﴿ المسألة الثانية﴾ قرى. (فوسطن) بالتشديد للتعدية، والباء .زبدة للتوكيد كقوله (وأتوا به) وهى مبالغة فى وسطن، واعلم أن الناس أكثروا فى صفة الفرس، وهذا القدر الذى ذكره الله أحسن، وقال عليه الصلاة السلام (الخيل معقود بنواصيها الخير))، وقال أيضا (( ظهرها حرز ٦٧ قوله تعالى : إن الإنسان لربه لكنود . سورة العاديات . إِنَّ الْإِنْسَنَ لِرَبِّهِ، لَكِنُودٌ (﴾ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (يَمْ وَ إِنَُّ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ٨ وبطها كنز)) واعلم أنه تعالى لما ذكر المقسم به، ذكر المقسم عليه وهو أمور ثلاثة : (أحدها) قوله ﴿إن الإنسان لربه لكنود﴾ قال الواحدى أصل الكنود منع الحق والخير والكنود الذى يمنع ما عليه، والأرض الكنود هى التى لا تنبت شيئاً ثم للفسرين عبارات ، فقال ابن عباس ومجاهد عكرمة والضحاك وقتادة: الكنود هو الكفور قالوا ومنه سمى الرجل المشهور كندة لأنه كند أباه ففارقه، وعن الكلى الكنود بلسان كندة العاصى وبلسان بنى مالك البخيل ، وبلسان مضر وربيعة الكفور، وروى أبو أمامة عن النبى صلى الله عليه وسلم أن (الكنود) هو الكفور الذى يمنع رفده ، ويأكل وحده، ويضرب عبده، وقال الحسن (الكنود) اللوام لربه بعد المحن والمصائب، وينسى النعم والراحات، وهو كقوله (وأما إذا ما ابتلاه ربه فقدره عليه رزقه فتقول ربى أمان ). واعلم أن معنى الكنود لا يخرج عن أن يكون كفراً أو فسقاً، وكيفما كان فلا يمكن حمله على كل الناس ، فلا بد من صرفه إلى كافر معين ، أو إن حملناه على الكل كان المعنى أن طبع الإنسان يحمله على ذلك إلا إذا عصمه الله باطفه وتوفيقيه من ذلك، والأول قول الأكثرين قالو لأن .ابن عباس قال: إنها نزلت فى قرط بن عبد الله بن عمرو بن نوفل القرشى، وأيضاً فقوله (أفلا يعلم إذا بعثر ما فى القبور ) لا يليق إلا بالكافر، لأن ذلك كالدلالة على أنه منكر لذلك الأمر . ﴿ الثانى) من الأمور التى أقسم الله عليها قوله ﴿وإنه على ذلك لشهيد) وفيه قولان (أحدهما) أن الإنسان على ذلك أى على كنوده لشهيد يشهد على نفسه بذلك، أما لأنه أمر ظاهر لا يمكنه أن يجحده، أو لأنه يشهد على نفسه بذلك فى الآخرة ويعترف بذنوبه ( القول الثانى) المراد وإن الله على ذلك لشهيد قالوا وهذا أولى لأن الضمير عائد إلى أقرب المذكورات والأقرب ههنا هو لفظ الرب تعالى ويكون ذلك كالوعيد والزجر له عين المعاصى من حيث إنه يحصى عليه أعماله، وأما الناصرون للقول الأول فقالوا إن قوله بعد ذلك (وإنه لحب الخير الشديد) الضمير فيه عائد إلى الانسان، فيجب أن يكون الضمير فى الآية التى قبله عائداً إلى الإنسان ليكون النظم أحسن. ﴿الأمر الثالث) بما أقسم الله عليه قوله ﴿وإنه لحب الخير الشديد﴾ الخير المال من قوله تعالى ( إن ترك خيراً) وقوله (وإذا مسه الخير منوعا) وهذا لأن الناس يعدون المال في) بينهم خيراً كما أنه تعالى سمى ما نال المجاهد من الجراح وأذى الحرب سوءا فى قوله (لم يمسسهم : ٦٨ قوله تعالى : أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور . سورة العاديات . وحصلَ مَافِی الصُّدُورِ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَمَا فِ اَلْقُبُورِ ( سوه ) والشديد البخيل الممسك، يقال فلان شديدة ومتشدد ، قال طرفة : أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى عقيلة مال الفاحش المتشدد ثم فى التفسيرى وجوه (أحدها) أنه لأجل حب المال لبخيل مك (وثانيها ) أن يكون المراد من الشديدة القرى ، ويكون المعنى وإنه لحب المال وإيثار الدنيا وطلبها قوى مطيق ، وهو لحب عبادة الله وشكر أحمه ضعيف، تقول هو شديد لهذا الأمر وقوى له، وإذا كان مطيقاً له ضابطاً ( وثالثها) أراد إنه لحب الخيرات غير هنى منبسط ولكنه شديد منقبض ( ورابعها) قال الفراء يجوز أن يكون المعنى وإنه لحب الخير لشديد الحب يعنى أنه يحب المال، ويحب كونه محجباً له، إلا أنه ا کتفی بالحب الأول عن الثانى ، کما قال (اشتدت به الريح فی یوم عاصف) أی فی یوم عاصف الريح فاكتفى بالأولى عن الثانية (وخامسها) قال قطرب، أى إنه شديدحب الخير، كقولك. إنه لزيد ضروب أى أنه ضروب زيد . واعلم أنه تعالى لما عد عليه قبائح أفعاله خوفه، فقال ﴿ أفلا يعلم إذا بعثر ما فى القبور} وفيه مسألتان : المسألة الأولى ﴾ القول فى (بعثر) مضى فى قوله تعالى ( وإذا القبور بعثرت) وذكرنا. أن معنى ( بعثرت) بعث وأثير وأخرج، وقرى. بحثر. ﴿ المسألة الثانية﴾ لقائل أن يسأل لم قال (بعثر ما فى القبور) ولم يقل بعثر من فى القبور ؟ ثم إنه لما قال ما فى القبور ، فلم قال (إن ربهم بهم) ولم يقل إذربها بها يومئذ لخبيير؟ ( الجواب عن السؤال الأول)هو أن مافى الأرض من غير المكلفين أكثر فأخرج الكلام على الأغلب، أو يقال أنهم حال ما يبعثون لا يكونون أحياء عقلاء بل بعد البعث يصيرون كذلك، فلا جرم كان الضمير الأول ضمير غير العقلاء، والضمير الثانى ضمير العقلاء. ثم قال تعالى ﴿ وحصل مافى الصدر) قال أبو عبيدة، أى ميز ما فى الصدر، وقال الليث: الحاصل من كل شىء مابقى وثبت وذهب سواه ، والتحصيل تمييز ما يحصل والإسم الحصيلة قال لبيد : وكل امرى يوماً سيعلم سعيه إذا حصلت عند الإله الحصائل وفى التفسير وجوه (أحدها) معنى حصل جمع فى الصحف، أى أظهرت محصلامجموعاً (وثانيها) أنه لا بد من التميز بين الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والمحظور، فإن لكل واحد ومنه قيل للمنخل المحصل (وثالثها ) أن كثيراً ما يكون باطن الإنسان بخلاف ظاهره، أما فى يوم القيامة فإنه تتكشف الأسرار وتبتهك الأستار، ويظهر ما فى البواطن، كما قال (يوم تلى السرائر) واعلم أن حظ الوعظ منه أن يقال إنك تستعد فيما لا فائدة لك فيه ، فتبنى المقبرة وتشترى قوله تعالى : إن ربهم بهم يؤمئذ لخبير . سورة العاديات . // ٦٩ إِنَّ رَبَهُم ◌ِمْ يَوْمَيِذٍ تَحَبِيرٌ ﴾ التابوت ، وتفصل الكفن، وتغزل العجوز الكفن، فيقال هذا كله للديدان, فأين حظ الرحمن ! بل المرأة إذا كانت حاملا فإنها تعد للطفل ثياباً، فإذا قلت لها لاطفل لك فما هذا الاستعداد؟ فتقول أليس يبعثر ما فى بطنى؟ فيقول الرب لك: ألا يبعثر ما فى بطن الأرض ، فأين الاستعداد ، وقرى. وحصل بالفتح والتخفيف بمعنى ظهر. ثم قال ﴿ إن ربهم بهم يومئذ الخبير) اعلم أن فيه سؤالات: ﴿ الأول) أنه يوم أن علمه بهم فى ذلك اليوم إنما حصل بسبب الخبرة، وذلك يقتضى سبق الجهل وهو على اللّه تعالى محال (الجواب) من وجهين (أحدهما ) كانه تعالى يقول: إن من لم يكن عالما، فإنه يصير بسبب الاختبار عالماً؛ فمن كان لم يزل عالماً أن يكون خبيرا بأحو ألك! (وثانيهما) أن فائدة تخصيص ذلك الوقت فى قوله ( يومئذ) مع كونه عالماً لم يزل أنه وقت الجزاء، وتقريره لمن الملك كأنه يقول لا حاكم يروج حكمه ولا عالم تروج فتواه يومئذ إلا هو، وكم عالم لا يعرف الجواب وقت الواقعة ثم يتذكره بعد ذلك، فكأنه تعالى يقول لست كذلك. ﴿ السؤال الثانى) لم خص أعمال القلوب بالذكر فى قوله ( وحصل ما فى الصدور ) وأهمل ذكر أعمال الجوارح؟ (الجواب) لأن أعمال الجوارح تابعة لأعمال القلب . فإنه لولا البواعث والإردات فى القلوب لما حصلت أفعال الجوارح ، ولذلك إنه تعالى جعلها الأصل فى الذم ، فقال (آ ثم قلبه) والأصل فى المدح، فقال ( وجلت قلوبهم) . ﴿السؤال الثالث) لم قال (وحصل ما فى الصدور) ولم يقل وحصل ما فى القلوب؟ (الجواب) لأن القلب مطية الروح وهو بالطبع محب لمعرفة اللّه وخدمته، إنما المنازع فى هذا الباب هو النفس ومحلها ما يقرب من الصدر ، ولذلك قال ( يوسوس فى صدور الناس ) وقال (أفن شرح الله صدره للاسلام ) فجعل الصدر موضعاً للاسلام . (السؤال الرابع) الضمير فى قوله (إن ربهم بهم) عائد إلى الإنسان وهو واحد (والجواب) الإنسان فى معنى الجمع كقوله تعالى (إن الإنسان افى خسر) ثم قال (إلا الذين آمنوا) ولولا أنه للجمع وإلا لما صح ذلك. واعلم أنه بقى من مباحث هذه الآية مـألتان: ﴿ المسألة الأولى﴾ هذه الآية تدل على كونه تعالى عالمياً بالجزئيات الزمانيات، لأنه تعالى نص على كونه عالماً بكيفية أحوالهم فى ذلك اليوم فيكون منكره كافراً . المسألة الثانية ) نقل أن الحجاج سبق على لسانه أن بالنصب، فأسقط اللام من قوله (لخبير ) حتى لا يكون الكلام لحناً، وهذا يذكر فى تقرير فصاحته ، فزعم بعض المشايخ أن هذا كفر لأنه قصد لتغيير المنزل. ونقل عن أبى السماءل أنه قرأ على هذا الوجه ، والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ٧٠ سورة القارعة (١٠١) سُورة الفارِعَتْمُكِيَّة وآَيَانُها إِحْدَى عشرة أعلم أنه سبحانه وتعالى لما ختم السورة المتقدمة بقوله ( إن ربهم بهم يومئذ لخبير) فكأنه قيل وما ذلك اليوم ؟ فقيل هى القارعة . بِسْـ الْقَارِعَةُ (٢) مَا الْقَارِعَةُ () وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا الْقَارِعَةُ ٣ بسم الله الرحمن الرحيم القارعة، القارعة ، ما القاعة وما أدراك ما القارعة ﴾ اعلم أن فيه مسائل: المسألة الأولى﴾ الفرع الضرب بشدة واعتماد ، ثم سميت الحادثة العظيمة من حوادث. الدهر قارعة ، قال الله تعالى ( ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة) ومنه قولهم : العبد يقرع بالعصا ، ومنه المقرعة وقوارع القرآن وقرع الباب ، وتقارعوا تضاربوا بالسيوف، واتفقوا على أن القارعة اسم من أسماء القيامة، واختلفوا فى لمية هذه التسمية على وجوه (أحدها) أن سبب ذلك هو الصيحة التى تموت منها الخلائق، لأن فى الصيحة الأولى تذهب العقول، قال تعالى: ( فصعق من فى السموات ومن فى الأرض) وفى الثانية تموت الخلائق سوى إسرافيل ، ثم يميته الله ثم يحييه، فينفخ الثالثة فيقومون. وروى أن الصور له ثقب على عدد الأموات لكل واحد ثقبة معلومة، فيحيى الله كل جسد يتلك النفخة الواصله إليه من تلك الثقبة المعينة.، والذى يؤكد هذا الوجه قوله تعالى (ما ينظرون إلا صيحة واحدة، فإنما هى زجرة واحدة) (وثانيها) أن الأجرام العلوية والسفلية يصطكان اصطكاكا شديداً عند تخريب العالم ، فبسبب تلك القرعة سمى يوم القيامة بالقارعة (وثالثها ) أن القارعة هى التى تقرع الناس بالأهوال والإفزاع ، وذلك فى السموات بالانشقاق والانفطار، وفى الشمس والقمر بالتكور ، وفى الكواكب بالانتشار ، وفى الجبال بالدك والنسف، وفى الأرض بالعلى والتبديل، وهو قول الكلى ( ورابعها ) أنها تفرع أعداء الله بالعذاب والخزى والنكال، وهو قول مقاتل ، قال بعض المحققين وهذا أولى من قول الكلى لقوله تعالى (وهم من فزع يومئذ آمنون). المسألة الثانية﴾ فى إعراب قوله (القارعة ما القارعة) وجوه (أحدما) أنه تحذير وقد ٧١ قوله تعالى : يوم يكون الناس كالفراش . سورة القارعة . يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَ لْفَرَاشِ الْمَبْنُونِ ﴾ وَتَكُونُ الْحِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ جاء التحذير بالرفع والنصب تقول الأسد الأسد، فيجوز الرفع والنصب ( وثانيها) فيه إضمار أى ستأتيكم القارعة على ما أخبرت عنه فى قوله (إذا بعثر مافى القبور) ( وثالثها) رفع بالابتداء وخبره (ما القارعة) وعلى قول قطرب الخبر. (وما أدراك ما القارعة ) فإن قيل إذا أخبرت عن شىء بشىء فلابدوأن تستفيدمنه سناً زائدا، وقوله (وما أدراك) يفيد كونه جاهلا به فكيف يعقل أن يكون هذا خبراً؟ قلنا قد حصل لنا بهذا الخبر علم زائد، لأنا كنا نظن أنها قارعة كسائر القوارع ، فبهذا التجهيل علمنا أنها قارعة فاقت القوارع فى الهول والشدة . المسألة الثالثة) قوله ( وما أدراك ما القارعة ) فيه وجوه (أحدها ) معناه لا علم لك بكنهها، لأنها فى الشدة بحيث لا يبلغها وهم أحد ولا فهمه، وكيفما قدرته فهو أعظم من تقديرك كأنه تعالى قال: قوارع الدنيا فى جنب تلك القارعة كأنها ليست بقوارع، ونار الدنيا فى جنب نار الآخرة كأنها ليست بنار، ولذلك قال فى آخر السورة (نار حامية) تنبيهاً على أن نار الدنیا فی جنب تلك ليست بحامية، وصار آخر السورة مطابقاً لأولها من هذا الوجه. فإن قيل ههنا قال (وما أدراك ما القارعة ) وقال فى آخر السورة (فأمه هاويه، وما أراك ماهيه) ولم يقل وما أدراك ما هاوية فما الفرق ؟ قلنا الفرق أن كونها قارعة أمر محسوس، أما كونها هاوية فليس كذلك، فظهر الفرق بين الموضعين ( وثانيها) أن ذلك التفصيل لا سبيل لأحد إلى العلم به إلا بأخبار اللّه وبيانه، لأنه بحث عن وقوع الوقعات لا عن وجوب الواجبات ، فلا يكون إلى معرفته دليل إلا بالسمع. المسألة الرابعة﴾ نظير هذه الآية قوله ( الحاقة، ما الحاقة، وما أدراك ما الحاقة ) ثم قال المحققون قوله ( القارعة ما الفارعة ) أشد من قوله ( الحاقة ما الحافة ) لأن النازل آخراً لابد وأن يكون أبلغ لأن المقصود منه زيادة التنبيه، وهذه الزيادة لا تحصل إلا إذا كانت أقوى، وأما بالنظر إلى المعنى ، فالحاقة أشد لكونه راجعاً إلى معنى العدل، والقارعة أشد لما أنها تهجم على القلوب بالأمر الهائل . قوله تعالى : ﴿ يوم يكون الناس كالفراش المبثوث، وتكون الجبال كالعهن المنقوش ﴾ قال صاحب الكشاف : الظرف نصب بمضمر دلت عليه القارعة ، أى تقرع يوم يكون الناس كذا . واعلم أنه تعالى وصف ذلك اليوم بأمرين (الأول) كون الناس فيه (كالفراش المبثوث) قال الزجاج: الفراش هو الحيوان الذى يتهافت فى النار، وسمى فراشاً لتفرشه وانتشاره ، ثم إنه ٧٢ قوله تعالى : وتكون الجبال كالعهن . سورة القارعة . تعالى شبه الخلق وقده البعث ههنا بالفراش المبثوث ، وفى آية أخرى بالجراد المنقشر. أما وجه التشبيه بالفراش، لأن الفراش إذا ثار لم يتجه لجهة واحدة ، بل كل واحدة منها تذهب إلى غير جهة الأخرى ، يدل هذا على أنهم إذا بعثوا فزعوا ، واختلفوا فى المقاصد على جهات مختلفة غير معلومة، والمبثوث المفرق ، يقال بثه إذا فرقه . وأما وجه التشبيه بالجراد فهو فى الكثرة. قال الفراء: كغوغاء الجراد يركب بعضه بعضاً، وبالجملة فالله سبحانه وتعالى شبه الناس فى وقت البعث بالجراد المنقشر ، وبالفراش المبثوث ، لأنهم لما بعثوا يموج بعضهم فى بعض كالجراد والفراش ، ويأكد ما ذكرنا بقوله تعالى ( فتأتون أفواجاً ) وقوله ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) وقوله فى قصة يأجوج ومأجوج (وتركنا بعضهم يومئذ يموج فى بعض) فإن قيل الجراد بالنسبة إلى الفراش كبار، فكيف شبه الشىء الواحد بالصغير والكبير معاً؟ قلنا شبه الواحد بالصغير والكبير لكن فى وصفين . أما التشبيه بالفراش فيذهاب كل واحدة إلى غير جهة الأخرى. وأما بالجراد فبالكثرة والتتابع، ويحتمل أن يقال إنها تكون كباراً أولا كالجراد ، ثم قصير صغاراً كالفراش بسبب احتراقهم بحر الشمس ، وذكروا فى التشبيه بالفراش وجوهاً أخرى (أحدها) ماروى أنه عليه السلام قال ((الناس عالم ومتعلم، وسائر الناس همج رعاع)) جعلهم الله فى الآخرى كذلك (جزاء وفاقاً) (وثانيها) أنه تعالى إنما أدخل حرف التشبيه، فقال (كافراش) لأنهم يكونون فى ذلك اليوم أذل من الفراش، لأن الفراش لا يعذب ، وهؤلاء يعذبون، ونظيره (كالأنعام بل هم أضل ) . ﴿ الصفة الثانية﴾ من صفات ذلك اليوم قوله تعالى ( وتكون الجبال كالعهن المنفوش) العهن الصوف ذو الألوان ، وقد مر تحقيقه عند قوله ( وتكون الجبال كالعهن) والنفش فك الصوف حتى ينتفش بعضه عن بعض ، وفى قراءة ابن مسعود: كالصوف المنفوش . وأعلم أن الله تعالى أخبر أن الجبال مختلفة الألوان على ما قال ( ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود) ثم إنه سبحانه يفرق أجزاءها ويزيل التأليف والتر كيب عنها فيصبر ذلك مشابهاً للصوف الملون بالألوان المختلفة إذا جعل منفوشاً؛ وههنا مسائل: المسألة الأولى﴾ إنما ضم بين حال الناس وبين حال الجبال، كأنه تعالى نبه على أن تأثير تلك القرعة فى الجبال هو أنها صارت كالعهن المنفوش ، فكيف يكون حال الإنسان عند سماعها ! فالويل ثم الوبل لابن آدم إن لم تتداركه رحمة ربه ، ويحتمل أن يكون المراد أن جبال النار قصير کالعهن المنفوش لشدة حمرتها . المسألة الثانية) قد وصف الله تعالى تغير الأحوال على الجبال من وجوه (أولها) أن قصیر قطعاً ، کما قال( ودکت الجبال دکا)، (و ثانيها) أن تصیر کثیاً مهیلا ، کما قال ( وتری الجبال تحسبها جامدة وهی تمر مر السحاب ) ثم تصیر کالبهن المنفوش ، وهی أجزاء كلاذر تدخل ٧٣ قوله تعالى : فأما من ثقلت موازينه . سورة القارعة . فَأَمَّا مَنْ ثَقْلَتْ مَوَزِينُهُ، چ فَهُوَفِ عِشَةٍ رَاضِيَةِ چ) ٥٤٠ /٠٠ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوزِینُهُ, ے من كورة البيت لا تمسها الأيدى، ثم قال فى الرابع تصير سراباً، كما قال ( وسيرت الجبال فكانت سراباً ). ﴿ المسألة الثالثة) لم يقل يوم يكون الناس كالفراش المبثوث والجبال كالعهن المنفوش بل قال ( وتكون الجبال كالعهن المنفوش ) لأن التكوير فى مثل هذا المقام أبلغ فى التحذير. واعلم أنه تعالى لما وصف يوم القيامة قسم الناس فيه إلى قسمين فقال ﴿ فأما من ثقات موازينه﴾ واعلم أن فى الموازين قولين (أحدهما) أنه جمع موزون وهو العمل الذى له وزن وخطر عند الله، وهذا قول الفراء قال ونظيره يقال: عندى درهم بميزان درممك ووزن درهمك ودارى بميزان دارك ووزن دارك أى يحذاتها ( والثانى) أنه جمع ميزان ، قال ابن عباس الميزان له لسان وكفتان لا يوزن فيه إلا الأعمال فيؤتى بحسنات المطيع فى أحسن صورة ، فإذا رجح فالجنة له ويؤتى بسيئات الكافر فى أفبح صورة فيخف وزنه فيدخل النار . وقال الحسن فى الميزان له كفتان ولا يوصف، قال المتكلمون إن نفس الحسنات والسيئات لا يصح وزنهما ، خصوصاً وقد نقضيا، بل المراد أن الصحف المكتوب فيها الحسنات والسيئات توزن، أو يجعل النور علامة الحسنات والظلمة علامة السيئات، أو تصور صحيفة الحسنات بالصورة الحسنة وصحيفة السيئات بالصورة القبيحة فيظهر بذلك الثقل والخفة ، وتكون الفائدة فى ذلك ظهور حال صاحب الحسنات فى الجمع العظيم فيزداد سروراً، وظهور حال صاحب السيئات فيكون ذلك كالفضيحة له عند الخلائق . أما قوله تعالى ﴿فهو فى عيشة راضية﴾ فالعيشة مصدر بمعنى العيش، كالخيفة بمعنى الخوف، وأما الراضية فقال الزجاج: معناه أى عيشة ذات رضا يرضاها صاحبها وهى كقولهم لابن ، وتامر بمعى ذو لبن وذو تمر ، ولهذا قال المفسرون تفسيرها مرضية على معنى برضاها صاحبها. ثم قال تعالى ﴿وأما من خفت موازينه ﴾ أى قلت حسناته فرجحت السيئات على الحسنات قال أبو بكر رضى الله عنه إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه باتباعهم الحق فى الدنيا وثقله عليهم ، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت موازينه باتباعهم الباطل فى الدنيا وخفته عليهم ، وحق لميزان يوضع فيه الباطل أن يكون حفيفاً، وقال مقاتل : إنما كان كذلك لأن الحق ثقيل والباطل خفيف . ٧٤ قوله تعالى : فأمه هاويه . سورة القارعة . فَأُمَّهُ, هَاوِيَةٌ ﴾ وَمَا أَدْرَئِكَ مَاهِيَهُ (٢َ نَارٌّ حَلِيَةٌ ـ أما قوله تعالى ﴿ فأمه هاوية﴾ ففيه وجوه: (أحدها) أن الهاوية من أسماء النار وكأنها النظر العميقة يهوى أهل النار فيها مهوى بعيداً، والمعنى فمأواه النار، وقيل للمأوى أم على سبيل التشبيه بالأم التى لا يقع الفزع من الولد إلا إليها (وثانيها) فأم رأسه هاوية فى النار ذكره الأخفش، والكلى ، وقتادة قال لأنهم يهوون فى النار على رؤوسهم (وثالثها) أنهم إذا دعوا على الرجل بالهلاك قالوا هوت أمه لأنه إذا هوى أى سقط وهلك فقد هوت أمه حزناً وثكلا، فكانه قيل ( وأما من خفت موازينه) فقد هلك . ثم قال تعالى ﴿ وما أدراك ما هيه﴾ قال صاحب الكشاف هيه ضمير الداهية التی دل عليها قوله ( فأمه هاوية) فى التفسير ( الثالث ) أو ضمير (هاوية) والهاء للسكت فإذا وصل جاز حذفها والاختيار الوقف بالهاء لاتباع المصحف والهاء ثابتة فيه، وذكرنا الكلام فى هذه الهاء عند قوله ( لم يتسنه ، فبهداهم اقتده، ما أغنى عنى ماليه). ثم قال تعالى ﴿نار حامية﴾ والمعنى أن سار النيران بالنسبة إليها كأنها ليست حامية، وهذا القدر كاف فى التنبيه على قوة سخرنتها ، نعوذ بالله منها ومن جميع أنواع العذاب، ونسأله التوفيق وحسن المآب (ربنا وآننا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد). ٧٥ سورة التكاثر (١٠٢) سورة التكاثرِمِكيَّة وَآيَاتِهَا ◌ْمَانْ، ٩ -- ١ بِسْـ أَلْهَكُ اَلَّكَاتُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ ألهاكم التكاثر، حتى زرتم المقابر ﴾ فيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ الإلهاء الصرف إلى اللهو. واللهو الانصراف إلى ما يدعو إليه الهوى، ومعلوم أن الانصراف إلى الشىء يقتضى الإعراض عن غيره، فلهذا قال أهل اللغة ألهانى فلان عن كذا أى أنسانى وشغلى، ومنه الحديث (( أن الزبير كان سمع صوت الرعد لهى عن حديثه)) أى تركه وأعرض عنه، وكل شىء تر كته فقد لهيت عنه ، والتكاثر التباهى بكثرة المال والجاه والمناقب يقال تكاثر القوم تكاثراً إذا تعادلوا مالهم من كثرة المناقب، وقال أبو مسلم: التكاثر تفاعل من الكثرة والتفاعل يقع على أحد وجوه ثلاثة يحتمل أن يكون بين الإثنين فيكون مفاعله، ويحتمل تكلف الفعل تقول تكارهت على كذا إذا فعلته وأنت كاره ، وتقول تباعدت عن الأمر إذا تكلفت العمى عنه وتقول تغافلت ، ويحتمل أيضاً الفعل بنفسه كما تقول تباعدت عن الأمر أى بعدت عنه، ولفظ التكاثر فى هذه الآية ويحتمل الوجهين الأولين ، فيحتمل التكاثر بمعنى المفاعلة لأنه كم من اثنين يقول كل واحد منهما لصاحبه ( أنا أكثر منك مالا وأعز نفراً) ويحتمل تكلف الكثرة فان الحريص يتكلف جميع عمره تكثير ماله، واعلم أن التفاخر والتكاثر شىء واحد ونظير هذه الآية قوله تعالى ( وتفاخر بينكم). ﴿ المسألة الثانية ) اعلم أن التفاخر إنما يكون بإثبات الإنسان نوعاً من أنواع السعادة لنفسه ، وأجناس السعادة ثلاثة : (فأحدها) فى النفس (والثانية) فى البدن (والثالثة ) فيما يطيف بالبدن من خارج، أما التى فى النفس فهى العلوم والأخلاق الفاضلة وهما المرادان بقوله حكاية عن إبراهيم (رب هب لى حكما والحقى بالصالحين ) وبهما ينال البقاء الأبدى والسعادة السر مدية. وأما التى فى البدن فهى الصحة والجمال وهى المرتبة الثانية ، وأما التى تطيف بالبدن من خارج فقسمان: (أحدهما) ضرورى وهو المال والجاه والآخر غير ضرورى وهو الأقرباء والأصدقاء ٧٦ قوله تعالى : الهاكم التكاثر. سورة التكاثر . وهذا الذى عددناه فى المرتبة الثالثة إنما يراد كله للبدن بدليل أنه إذا تألم عضو من أعضائه فإنه يجعل المال والجاه فداء له . وأما السعادة البدنية فالفضلاء من الناس إنما يريدونها للسعادة النفسانية فإنه ما لم يكن صحيح البدن لم يتفرغ لاكتساب السعادات النفسانية الباقية ، إذا عرفت هذا فنقول : العاقل ينبغى أن يكون سعيه فى تقديم الأهم على المهم ، فالتفاخر بالمال والجاه والأعوان والأقرباء تفاخر بأخس المراتب من أسباب السعادات ، والاشتغال به يمنع الانسان من تحصيل السعادة النفسانية بالعلم والعمل، فيكون ذلك ترجيحاً لأخس المراتب فى السعادات على أشرف المراتب فيها ، وذلك يكون عكس الواجب ونقيض الحق ، فلهذا السبب ذمهم اللّه تعالى فقال ( ألها كم التكاثر ) ويدخل فيه التكاثر بالعدد وبالمال والجاه والأقرباء والأنصار والجيش، وبالجملة فيدخل فيه التكاثر بكل ما يكون من الدنیا ولذاتها وشهواتها . ﴿ المسألة الثالثة) قوله (الحاكم) يحتمل أن يكون إخباراً عنهم ، ويحتمل أن يكون استفهاما معنى التوبيخ والتقريع أى أألهاكم، كما قرى. أنذرتهم وألذدتهم، وإذا كنا عظاماً وأنذا كنا عظا]. ﴿ المسألة الرابعة) الآية دات على أن التكار والتفاخر مذموم والعقل دل على إن التكاثر والتفاخر فى السعادات الحقيقية غير مذموم، ومن ذلك ما روى من تفاخر العباس بأن السقاية بيده، وتفاخر شيبة بأن المفتاح بيده إلى أن قال على عليه السلام : وأنا قطعت خرطوم الكفر بسيفى فصار الكفر مثلة فأسلمتم فشق ذلك عليهم فنزل قوله تعالى (أجعلتم سقاية الحاج) الآية وذكرنا فى تفسير قوله تعالى ( وأما بنعمة ربك فحدث ) أنه يجوز للإنسان أن يفتخر بطاعاته ومحاسن أخلاقه إذا كان يظن أن غيره يقتدى به ، فثبت أن مطلق التكاز ليس بمذموم ، بل التكاثر فى العلم والطاعة والأخلاق الحميدة، هو المحمود، وهو أصل الخيرات، فالألف واللام فى التكاثر ليسا للاستغراق، بل للمعهود السابق، وهو التكاثر فى الدنيا ولذاتها وعلائقها ، فإنه هو الذى يمنع عن طاعة الله تعالى وعبوديته، ولما كان ذلك مقرراً فى العقول ومتفقاً عليه فى الأديان ، لا جرم حسن إدخال حرف التعريف عليه . ﴿ المسألة الخامسة﴾ فى تفسير الآية وجوه (أحدها) (ألهاكم التكاثر) بالعدد روى أنها نزلت فى بنى سهم وبنى عبد مناف تفاخروا أيهم أكثر فكان بنو عبد مناف أكثر فقال بنو سهم عدوا مجموع أحيائنا وأمواتنا مع مجموع أحياتكم وأمواتكم، ففعلوا فزاد بنوسهم ، فنزلت الآية وهذه الرواية مطابقة لظاهر القرآن ، لأن قوله ( حتى زرتم المقابر ) يدل على أنه أمر مضى . فكانه تعالى يعجبهم من أنفسهم ، ويقول هب أنكم أكثر منهم عدداً فماذا ينفع ، والزيارة إتيان الموضع، وذلك يكون لأغراض كثيرة، وأهمها وأولاها بالرعاية ترقيق القلب وإزالة حب الدنيا ٧٧ قوله تعالى : حتى زرتم المقابر . سورة التكاثر . فإن مشاهدة القبور تورث ذلك على ماقال عليه السلام ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألافزوروها فإن فى زيارتها تذكرة )) ثم إنكم زارتم القبور، بسبب قساوة القلب والاستغراق فى حب الدنيا فلما انعكست هذه القضية ، لاجرم ذكر الله تعالى ذلك فى معرض التعجيب. ﴿ والقول الثانى) أن المراد هو التكاثر بالمال واستدلوا عليه بما روى مطرف بن عبد الله ابن الشخير عن أبيه، أنه عليه السلام كان يقرأ ( ألها كم) وقال ابن آدم ، يقول مالى مالى ، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنبت ، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، والمراد من قوله (حتى زرتم المقابر) أى حتى متم وزيارة القبر عبارة عن الموت، يقال لمن مات زار قبره وزار رمسه ، قال جرير الأخطل : زار القبور أبو مالك فأصبح ألأم زوارها أى مات فيكون معنى الآية: ألهاكم حرصكم على تكثير أموالكم عن طاعة ربكم حتى أتاكم الموت ، وأنتم على ذلك ، يقال حمله على هذا الوجه مشكل من وجهين (الأول ) أن الزائر هو الذى يزور ساعة ثم ينصرف، والميت يبقى فى قبره، فكيف يقال إنه زار القبر؟ (والثانى) أن قوله ( حتى زرتم المقابر) إخبار عن الماضى، فكيف يحمل على المستقبل؟ (والجواب) عن السؤال الأول أنه قد يمكث الزائر ، لكن لا بد له من الرحيل ، وكذا أهل القبور يرحلون عنها إلى مكان الحساب (والجواب) عن السؤال الثانى من وجوه (أحدها) يحتمل أن يكون المراد من كان مشرفاً على الموت بسبب الكبر ، ولذلك يقال فيه إنه على شفير القبر ( وثانيها ) أن الخبر عمن تقدمهم وعظاً لهم، فهو كالخبر عنهم، لأنهم كلوا على طريقتهم ، ومنه قوله تعالى ( ويقتلون التدين) ( وثالثها) قال أبو مسلم: إن الله تعالى يتكلم بهذه السورة يوم القيامة تعبيراً للكفار ، وهم فى ذلك الوقت قد تقدمت منهم زيارة القبور . ﴿ القول الثالث) (ألهاكم) الحرص على المال وطلب تكثيره حتى منعتم الحقوق المالية إلى حين الموت، ثم تقول فى تلك الحالة: أوصيت لأجل الزكاة بكذا، ولأجل الحج بكذا . ﴿ القول الرابع﴾ (ألهاكم التكاثر) فلا تلتفتون إلى الدين، بل قلوبكم كأنها أحجار لا تنكسر البتة إلا إذا زرتم المقابر، هكذا ينبغى أن تكون حالكم، وهو أن يكون حظكم من دينكم ذلك القدر القليل من الانكسار ، ونظيره قوله تعالى ( قليلا ما نشكرون) أى لا أقنع منكم بهذا القدر القليل من الشبكر . ﴿ المسألة السادسة) أنه تعالى لم يقل (ألهاكم التكاثر) عن كذا وإنما لم يذكره. لأن المطلق أبلغ فى الذم لأنه يذهب الوهم فيه كل مذهب ، قيدخل فيه جميع ما يحتمله الموضع، أى : ألهاكم التكاثر عن ذكر الله وعن الواجبات والمندوبات فى المعرفة والطاعة والتفكر والتدبر، أو نقول إن نظرنا إلى ما قبل هذه الآية فالمعنى: الها كم التكاثر عن التدبر فى أمر القارعة والاستعداد لها قبل الموت ، وإن نظرنا إلى الأسفل فالمعنى أنهاكم التكاثر، فنسيتم القبر حتى زرتموه . ٧٨ قوله تعالى : كلا سوف تعلمون . سورة التكاثر . كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (بَ ثُمَّ كَلََّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلمَ اَلْبَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (* ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اَلْبَقِينِ. ٧ أما قوله تعالى ﴿ كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون﴾ فهو يتصل بما قبله وبما بعده أما الأول ، فعلى وجه الزد والتكذيب أى ليس الأمر كما يتو همه هؤلاء من أن السعادة الحقيقية بكثرة العدد والأموال والأولاد، وأما اتصاله بما بعده ، فعلى معنى القسم أى حقاً سوف تعلمون لكن حين يصير الفاسق تائباً، والكافر مسلماً، والحريص زاهداً، ومنه قول الحسن لا يغرنك كثرة من ترى حولك فإنك تموت وحدك، وتبعث وحدك ، وتحاسب وحدك، وتقريره (يوم يفر المرء، ويأتينا فرداً، ولقد جتنمونا فرادى) إلى أن قال (وتركتم ما خولناكم) وهذا يمنعك عن التكاثر، وذكروا فى التكرير وجوهاً (أحدها) أنه للتأكيد، وأنه وعيد بعد وعيد كما تقول للمنصوح أقول لك، ثم أقول لك لا تفعل (وثانيها) أن الأول عند الموت حين يقال له لا بشرى والثانى فى سؤال القبر: من ربك؟ والثالث عند النشور حين ينادى المنادى، فلان شقى شقاوة لاسعادة بعدها أبداً وحين يقال (وامتازوا اليوم) ( وثالثها) عن الضحاك سوف تعلمون ، أيها الكفار (ثم كلا سوف تعلمون ) أيها المؤمنون، وكان يقرؤها كذلك، فالأول وعيد والثانى وعد (ورابعها) أن كل أحد يعلم قبح الظلم والكذب وحسن العدل والصدق لكن لا يعرف قدر آثارها ونتائجها ، ثم إنه تعالى يقول، سوف تعلم العلم المفضل لكن التفصيل يحتمل الزائد فيمهما حصلت زيادة لذة ، ازداد علماً، وكذا فى جانب العقوبة فقسم ذلك على الأحوال ، فعند المعاينة يزداد ، ثم عند البعث ، ثم عند الحساب، ثم عند دخول الجنة والنار ، فلذلك وقع التكرير (وخامسها) أن إحدى الحالتين عذاب القبر والأخرى عذاب القيامة ، كما روى عن ذر أنه قال كنت أشك فى عذاب القبر ، حتى سمعت على بن أبى طالب عليه السلام يقول ، إن هذه الآية تدل على عذاب القبر، وإنما قال (ثم) لأن بين العالمين والحياتين موتاً. قوله تعالى: ﴿كلالو تعلمون علم اليقين، لترون الجحيم، ثم لنرونها عين اليقين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى﴾ اتفقوا على أن جواب لو محذوف، وأنه ليس قوله (لترون الجحيم) جواب لو ويدل عليه وجهان (أحدهما ) أن ما كان جواب لو فنفيه إثبات، وإثباته نفى ، فلو كان قوله ( لنرون الجحيم) جواباً للر لوجب أن لا تحصل هذه الرؤية ، وذلك باطل ، فإن هذه الرؤية واقعة قطعاً ، فإن قيل المراد من هذه الرؤية رؤبتها بالقلب فى الدنيا، ثم إن هذه الرؤية غير واقعة قلنا ترك الظاهر خلاف الأصل (والثانى) أن قوله (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم) إخبار عن أمر سيقع قطعاً ، فعطفه على ما لا يوجد ولا يقع قبيح فى النظم ، واعلم أن ترك الجواب ٧٩ قوله تعالى : كلا لو تعلمون علم اليقين . سورة التكاثر . فى مثل هذا المكان أحسن، يقول الرجل للرجل لو فعلت هذا أى لكان كذا، قال الله تعالى ( لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ) ولم يجىء له جواب وقال (ولو ترى إذ وقفوا على ربهم) إذا عرفت هذا فنقول: ذكروا فى جواب لو وجوهاً (أحدما) قال الأخفش ( لو تعلمون علم اليقين ) ما ألهاكم التكاثر (وثانيها) قال أبو مسلم لو علمتم ماذا يجب عليكم تمسكتم به أو لو علمتم لأى أمر خلقتم لاشتغلتم به (وثالثها) أنه حذف الجواب ليذهب الوهم كل مذهب فيكون التهويل أعظم ، وكأنه قال (لو علمتم علم اليقين) لفعلتم مالا يوصف ولا يكتنه ، ولكنكم ضلال وجهلة ، وأما قوله ( لترون الجحيم) فاللام يدل على أنه جواب قسم محذوف، والقسم لتوكيد الوعيد ، وأن ما أوعدا به مما لا مدخل فيه للريب وكرره معطوفاً ثم تغليظاً للتهديد وزيادة فى التهويل. ﴿ المسألة الثانية﴾ أنه تعالى أعاد لفظ كلا وهو للزجر، وإنما حسنت الإعادة لأنه عقبه فى كل موضع بغير ما عقب به الموضع الآخر ، أنه تعالى قال لا تفعلوا هذا فإنكم تستحقون به من العذاب كذا لا تفعلوا هذا فإنكم تستوجبون به ضرراً آخر، وهذا التكرير ليس بالمكروه بل هو مرضى عندهم، وكان الحسن رحمه الله يجعل معنى (كلا) فى هذا الموضع بمعنى حقاً كانه قيل حقاً (لو تعلمون علم اليقين). ﴿ المسألة الثالثة﴾ فى قوله (علم اليقين) وجهان (أحدهما) أن معناه عدماً يقيناً فأضيف الموصوف إلى الصفة ، كقوله تعالى (ولدار الآخرة) وكما يقال مسجد الجامع وعام الأول ( والثانى ) أن اليقين ههنا هو الموت والبعث والقيامة، وقد سمى الموت يقيناً فى قوله (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) ولأنهما إذا رفعا جاء اليقين، وزال الشك فالمعنى لو تعلمون علم الموت وما يلقى الإنسان معه وبعده فى القبر وفى الآخرة لم يلهكم التكاثر والتفاخر عن ذكر الله، وقد يقول الإنسان، أنا أعلم علم كذا أى أتحققه، وفلان يعلم علم الطب وعلم الحساب ، لأن العلوم أنواع فيصلح لذلك أن يقال علمت علم كذا . ﴿ المسألة الرابعة﴾ العلم من أشد البواعث على العمل، فإذا كان وقت العمل أمامه كان وعداً وعظة ، وإن كان بعد وفاة وقت العمل فيفئذ يكون حسرة وندامة، كماذكر أن ذا القرنين لما دخل الظلمات [وجدخرزاً] ، فالذين كانوا معه أخذوا من تلك الخرز فلما خرجوا من الظلمات وجدوها جواهر، ثم الأخذون كانوا فى الغم أى لما لم يأخذوا أكثر مما أخذوا، والذين لم يأخذواكانوا أيضا فى الغم، فهكذا يكون أحوال أهل القيامة المسألة الخامسة﴾ فى الآية تهديد عظيم للعلماء فإنها دلت على أنه لو حصل اليقين بما فى التكاثر والتفاخر من الآفة لتركوا التكاثر والتفاخر، وهذا يقتضى أن من لم يترك التكاثر والتفاخر لا يكون اليقين حاصلا له فالويل للعالم الذى لا يكون عاملا ثم الويل له . المسألة السادسة﴾ فى تكرار الرؤية وجوه (أحدها) أنه لتأكيد الوعيد أيضاً لعل القوم ٨٠ قوله تعالى : ثم لتسألن يومئذ عن النعيم . سورة التكاثر. ثُمَّلَتُسْعَلُنَّ يَوْمَيِذٍ عَنِ النَّعِيمِ هـ كانوا يكرهون سماع الوعيد فكرر لذلك ونون التأكيد تقتضى كون تلك الرؤية اضطرارية، يعنى لو خليتم ورأيكم ما رأيتموها لكنكم تحملون على رؤيتها شتم أم أبيتم ( وثانيها) أن أولهما الرؤية من البعيد ( إذا رأتهم من مكان بعيد، سمعوا لها تغيظاً) وقوله ( وبرزت الجحيم لمن يرى) والرؤية الثانية إذا صاروا إلى شفير النار ( وثالثها) أن الرؤية الأولى عند الورود والثانية عند الدخول فيها ، وقيل هذا التفسير ليس بحسن لأنه قال (ثم لتسألن) والسؤال يكون قبل الدخول ( ورابعها) الرؤية الأولى الموعد والثانية المشاهدة (وخامسها ) أن يكون المراد لترون الجحيم غير مرة فيكون ذكر الرؤية مرتين عبارة عن تتابع الرؤية واتصالها لأنهم مخلدون فى الجحيم فكأنه قيل لهم ، على جهة الوعيد، ان كنتم اليوم شاكين فيها غير مصدقين بها فسترونها رؤية دائمة متصلة فتزول عنكم الشكوك وهو كقوله ( مازى فى خلق الرحمن من تفاوت - إلى قوله - فارجع النصر كرتين ) بمعنى لو أعدت النظر فيها ماشئت لم تجد فطوراً ولم يرد مرتين فقط ، فكذا ههنا، إن قيل ما فائدة تخصيص الرؤية الثانية باليقين؟ قلنا لأنهم فى المرة الأولى رأوا لهباً لا غير ، وفى المرة الثانية رأوا نفس الحفرة وكيفية السقوط فيها وما فيها من الحيوانات المؤذية ، ولا شك أن هذه الرؤية أجلى، والحكمة فى النقل من العلم الأخفى إلى الأجلى التفريع على ترك النظر لأنهم كانوا يقتصرون على الظن ولا يطلبون الزيادة. المسألة السابعة﴾ قراءة العامة لترون بفتح التاء ، وقرىء بضمها من رأيته الشىء، والمعنى أنهم يحشرون إليها فيرونها ، وهذه القراءة تروى عن ابن عامر والكسائى كأنهما أرادا لترونها فترونها ، ولذلك قرأ الثانية (ثم لترونها) بالفتح، وفى هذه الثانية دليل على أنهم إذا أروها رأوها وفى قراءة العامة الثانية تكرير للتأكيد ولسائر الفوائد التى عددناها، واعلم أن قراءة العامة أولى لوجهين (الأول ) قال الفراء قراءة العامة أشبه بكلام العرب لأنه تغليظ ، فلا ينبغى أن الجحيم لفظه (الثانى) قال أبو على المعنى فى (لترون الجحيم) لنرون عذاب الجحيم ، ألا ترى أن الجحيم براها المؤمنون أيضا بدلالة قوله ( وإن منكم إلا واردها) وإذا كان كذلك كان الوعيد فى رؤية عذابها لا فى رؤية نفسها يدل على هذا قوله ( إذ رون العذاب) وقوله (وإذا رأى الذين ظلموا العذاب) وهذا يدل على أن لترون أرجح من لترون. قوله تعالى : ﴿ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم﴾ فيه قولان: المسألة الأولى ﴾ فى أن الذى يسأل عن النعيم من هو ؟ فيه قولان . ﴿ أحدهما) وهو الأظهر أنهم الكفار، قال الحسن لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار ويدل عليه وجهان (الأول) ما روى أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية، قال يارسول الله: أرأيت