النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
قوله تعالى : أرأيت إن كان على الهدى . سورة العلق .
٠٤٠١
أَرَقَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَىّ (٨) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَىّ
عبوديته ( يروى) فى هذا المعنى أن يهودياً من فصحاء اليهودجاء إلى عمر فى أيام خلافته فقال أخبرنى
عن أخلاق رسولكم، فقال عمر: اطلبه من بلال فهو أعلم به منى. ثم إن بلالا دله على فاطمة ثم فاطمة
داته على على عليه السلام، فلما سأل علياً عنه قال: صف لى متاع الدنيا حتى أصف لك أخلاقه، فقال
الرجل هذا لا يتيسر لى، فقال على: عجزت عن وصف متاع الدنيا وقد شهد الله على قلته حيث قال
( قل متاع الدنيا قليل ) فكيف أصف أخلاق النبى وقد شهد الله تعالى بأنه عظيم حيث قال
( وإنك لعلى خلق عظيم) فكأنه تعالى قال ينهى أشدالخلق عبودية عن العبودية وذلك عين الجهل
والحق ( و ثانيها) أن هذا أبلغ فى الدم لأن المعنى أنهذا دابه وعادته فینهی کل من یری (وذ لتها)
أن هذا تخويف لكل من نهى عن الصلاه، روى عن على عليه السلام أنه رأى فى المصلى أقراماً
يصلونُ قبل صلاة العيد، فقال ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، فقيل لهألا
تهاهم؟ فقال أخشى أن أدخل تحت قوله ( أرأبت الذى ينهى عبدأ إذا صلى) فلم يصرح بالنهى
عن الصلاة، وأخذ أبو حنيفة منه هذا الأدب الجميل حين قال له أبو يوسف أقول المصلى حين
يرفع رأسه من الركوع: اللهم اغفرلى؟ قال يقول ربنا لك الحمد ويسجد ولم يصرح بالنهى (ورابعها)
أيظن أبو جهل أنه لو لم يسجد محمد لى لا أجد ساجداً غيره، إن محمداً عبدواحد، ولى من الملائكة
المقربين ما لا يحصيهم إلا أنا وهم دائما فى الصلاة والتسبيح (وخامسها) أنه تفخيم لشأن النبى عليه
السلام يقول إنه مع التنكير معرف، نظيره الكتابة فى سورة القدر حملت على القرآن ولم يسبق
له ذكر (أسرى بعبده) (أنزل على عبده) (وأنه لما قام عبد الله).
قوله تعالى: ﴿ أرأيت إن كان على الهدى، أو أمر بالتقوى) وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قوله (أرأيت) خطاب لمن؟ فيه وجهان (الأول) أنه خطاب للنبى
عليه السلام، والدليل عليه أن الأول وهو قوله ( أرأيت الذى ينهى عبداً) للنبي صلى الله عليه وسلم
والثالث وهو قوله (أرأيت إن كذب وتولى) للنبى عليه الصلاة والسلام فلو جعاذا الوسط لغير
النبى لخرج الكلام عن النظم الحسن، قول الله تعالى يا محمد: أرأيت إن كان هذا الكافر،
ولم يقل لو كان إشارة إلى المستقبل كأنه يقول أرأيت إن صار على الهدى ، واشتغل بأمر
نفسه، أما كان يليق به ذلك إذ هو رجل عاقل ذو ثروة، فلو اختار الدين والهدى والأمر بالتقرى،
أما كان ذلك خيراً له من الكفر بالله والنهى عن خدمته وطاعته ، كأنه تعالى يقول: تلهف عليه
كيف فوت على نفسه المراتب العالية وقنع بالمراتب الدنيئة .
﴿القول الثانى) أنه خطاب للكافر، لأن الله تعالى كالمشاهد الظالم والمظلوم، وكالمولى الذى
قام بين يديه عبدان ، وكالحاكم الذى حضر عنده المدعى ، والمدعى عليه نخاطب هذا مرة، وهذا

٢٢
أرأيت أن كذب وتولى. سورة العلق .
أَرَّيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَّ ﴿ أَمْ يَعْلَمَ بِأَنَّ اللَّ يَرَى
١٤
مرة. فلما قال النبى (أرأيت الذى ينهى عبدأ إذا صلى) التفت بعد ذلك إلى الكافر، فقال: أرأيت
يا كافر إن كانت صلاته هدى ودعاؤه إلى الله أمراً بالتقوى أتنهاه مع ذلك.
المسألة الثانية﴾ ههنا سؤال وهو أن المذكور فى أول الآية. هو الصلاة وهو قوله (أرأيت
الذى ينوى عبداً إذا صلى) والمذكور ههنا أمران، وهو قوله (أرأيت إن كان على الهدى) فى فعل
الصلاة، فلم ضم إليه شيئاً ثانياً، وهو قوله (أو أمر بالتقوى)؟ (جوابه) من وجوه (أحدها)
أن الذى شق على أبى جهل من أفعال الرسول عليه الصلاة والسلام هو هذان الأمران الصلاة
والدعاء إلى الله، فلا جرم ذكرهما ههنا ( وثانيها) أن النبى عليه الصلاة والسلام كان لا يوجد
إلا فى أحد أمرين، إما فى إصلاح نفسه، وذلك بفعل الصلاة أو فى إصلاح غيره، وذلك بالأمر
بالتقوى ( وثالثها) أنه عليه السلام كان فى صلاته على الهدى وآمراً بالتقوى , لأن كل من رآه
وهو فى الصلاة كان يرق قلبه . فيميل إلى الايمان ، فكان فعل الصلاة دعوة بلسان الفعل، وهو
أقوى من الدعوة بلسان القول .
ثم قال تعالى ﴿ أرأيت إن كذب وتولى﴾ وفيه قولان:
﴿ القول الأول ) أنه خطاب مع الرسول عليه الصلاة والسلام، وذلك لأن الدلائل التى
ذكرها فى أول هذه السورة جلية ظاهرة، وكل أحد يعلم بيديهة عقله، أن منع العبد من خدمة مولاه
فعل باطل وسفه ظاهر ، فإذن كل من كذب بتلك الدلائل و تولى عن خدمة مولاه بل منع غيره عن
خدمة مولاه يعلم بعقله السليم أنه على الباطل، وأنه لا يفعل ذلك إلا عناداً ، فلهذا قال تعالى لرسوله.
أرأيت يامحمد إن كذب هذا الكافر بتلك الدلائل الواضحة، وتولى عن خدمة خالقه، ألم يعلم بعقله
أن الله يرى منه هذه الأعمال القبيحة ويعلمها، أملا يزجره ذلك عن هذه الأعمال القبيحة (وانثانى)
أنه خطاب للنكافر ، والمعنی إن کان یا کافر محمد کادباً أو متولیاً ، ألا يعلم بأن الله یری حتى ينتهى
بل احتاج إلى نهيك .
أما قوله ﴿ ألم يعلم بأن الله يرى﴾ ففيه مسألتان:
﴿ المسألة الأولى ﴾ المقصود من الآية التهديد بالحشر والنشر، والمعنى أنه تعالى عالم يجميع
المعلومات حکیم لا يهمل، عالم لا يعزب عن علمه مثقال ذرة فی الأرض ولا فى السماء ، فلا بد
وأن يوصل جزاء كل أحد إليه بتمامه فيكون هذا تخويفاً شديداً للعصاة، وترغيباً عظيما لأهل الطاعة
المسألة الثانية﴾ هذه الآية وإن نزلت فى حق أبى جهل فكل من تهى عن طاعة الله فهو
شريك أبى جهل فى هذا الوعيد ، ولا يرد عليه المنع من الصلاة فى الدار المغصوبة والأوقات
المكروهة، لأن المنهى عنه غير الصلاة وهو المعصية، ولا يرد المولى بمنع عبده عن قيام الليل

٢٣
قوله تعالى : لئن لم ينته لنفعاً بالناصية . سورة العلق .
كَلَّا لَيْنِ لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعَا بِالنَّاصِيَةِ (
١٥
نَاصِيَةٍ كَذِبَةٍ خَاطِئَةٍ
وصوم التطوع وزوجته عى الاعتكاف ، لأن ذلك لاستيفاء مصلحته بإذن ربه لا بغضاً لعبادةربه.
ثم قال تعالى ﴿ کلا ﴾ وفيه وجوه( أحدها ) أنه ردع لآبی جهل ومنع له عن نهيه عن
عبادة الله تعالى وأمره بعبادة اللات ( وثانيها) كلا لن يصل أبو جهل إلى ما يقول إنه يقتل محمداً
أو يطأ عنقه، بل تلميذ محمد هو الذى يقتله ويطأ صدره ( وثالثها) قال .قاتل: كلا لا يعلم أن الله
يرى وإن كان يعلم لكن إذا كان لا ينتفع بما يعلم فكأنه لا يلم .
ثم قال تعالى ﴿لئن لم ينته﴾ أى عما هو فيه ﴿لنفعاً بالناصية، ناصية كاذبة خاطئة}
وفيه مسائل :
﴿المسألة الأولى﴾ فى قوله (لنفعاً) وجوه (أحدها) لنأخذن بناصيته وانسحبته بها إلى النار،
والسفع القبض على الشىء، وجذبه بشدة، وهو كقوله (فيؤخذ بالنواصى والأقدام ) (وثانيها)
السفع الضرب، أى لخلطمن وجهه (وثاثها) لنسودن وجهه، قال الخليل تقول للشىء إذا لفحته النار
لفحاً يسيراً يغير لون البشرة قد سفعته النار، قال والسفع ثلاثة أحجار بوضع عليها القدر سميته
بذلك لسوادها، قال والسفعة سواد فى الخدين. وبالجملة وقسويدالوجه علامة الإذلال والاهانة (ورابعها)
لنسمنه قال ابن عباس فى قوله (سنسمه على الخرطوم) إنه أبو جهل (وخامسها) لنذلنه.
المسألة الثانية) قرى. لنسفعن بالنون المشددة، أى الفاعل لهذا الفعل هو الله والملائكة،
كما قال ( فإن الله هو مولاء وجبريل وصالح المؤمنين) وقرأ ابن مسعود لأسعفن، أى يقول
الله تعالى يا محمد. أما الذى أتولى إهانته، نظيره (هو الذى أيدك)، (هو الذى أنزل السكينة).
﴿ المسألة الثالثة﴾ هذا السفع يحتمل أن يكون المراد منه إلى النار فى الآخرة وأن يكون المراد
منه فى الدنيا، وهذا أيضاً على وجوه (أحدها) ما روى أن أبا جهل لما قال: إن رأيته يصلى
الأطأن عنقة، فأنزل الله هذه السورة، وأمره جبريل عليه السلام بأن يقرأ على أبى جهل
ويخر لله ساجدا فى آخرها ففعل ، فعدا إليه أبو جهل ليطا عنقه، فلما دنا منه نكص على عقبيه
راجعاً، فقيل له مالك؟ قال إن بينى وبينه فيلا فاغراً فاهلو مشيت إليه لا لتقمنى ، وقيل كان
جبريل وميكائيل عليهما السلام على كتفيه فى صورة الأسد ( والثانى ) أن يكون المراد يوم بدر
فيكون ذلك بشارة بأنه تعالى يمكن المسلمين من ناصيته حتى بجرونه إلى القتل إذا عاد إلى النهى ،
فلما غاد لاجرم مكنهم الله تعالى من ناصية يوم بدر، روى أنه لما نزلت سورة الرحمن (علم القرآن)
قال عليه السلام لأ صحابه من يقرؤها منكم على رؤساء قريش ، فتثاقلوا مخافة أذيتهم، فقام ابن
مسعود وقال: أنا يارسول الله، فأجلسه عليه السلام، ثم قال من يقرؤها عليهم فلم يقم إلا ابن
. مسعود، ثم ثالثاً كذلك إلى أن أذن له ، وكان عليه السلام يبقى عليه لما كان يعلم من ضعفه وصغر

٢٤
قوله تعالى : ناصية كاذبة خاطئة . سورة العلق .
جثته. ثم إنه وصل إليهم فرآهم مجتمع ين حول الكعبة، فافتتح قراءة السورة ، فقام أبو جهل
فاطمه فشق أذنه وأدماه، فانصرف وعيناه تدمع ، فلما رآه النبى عليه السلام رق قلبه وأطرق
رأسه مغموماً، فإذا جبريل عليه السلام يجىء ضاحكا مستبشراً، فقال يا جبريل تضحك وابن
مسعود يبكى ! فقال ستعلم، فلما ظهر المسلمون يوم بدر التمس ابن مسعود أن يكون له حظ فى
المجاهدين، فأخذ يطالع القتلى. فإذا أبو جهل مصروع يخور، تخاف أن تكون به قوة فيؤذيه فوضع
الرمح على منخره من بعيد فطعنه، ولمعل هذا معنى قوله (سذمه على الخرطوم) ثم لما عرف عجزه ولم يقدر
أن يصعد على صدره لضعفه فارتقى إليه بحيلة، فلما رآه أبو جهل قال يارويعى الغنم لقد ارتقيت
مرتقى صعباً ، فقال ابن مسعود: الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فقال أبو جهل: بلغ صاحبك أنه لم
يكن أحد أبغض إلى منه فى حياتى ولا أحد أبغض إلى منه فى حال بماتى، فروى أنه عليه السلام
لما سمع ذلك قال ((فرعونى أشد من فرعون موسى فإنه قال (آمنت) وهو قد زاد عنواً)) ثم قال
لابن مسعود اقطع رأسى بسبفى هذا لأنه أحد وأقطع، فلما قطع رأسه لم يقدر على حمله، ولعل
الحكيم سبحانه إنما خلفه ضعيفاً لأجل أن لا يقوى على الحمل لوجوه : (أحدها ) أنه كلب
والكلب يجر (والثانى) لشق الأذن فيقتص الأذن بالأذن (والثالث) لتحقيق الوعيد المذكور
بقوله ( لنسفعاً بالناصية ) فتجر تلك الرأس على مقدمها ، ثم إن ابن مسعود لما لم يطقه شق أذنه
وجعل الخيط فيه وجعل يجره إلى رسول الله من اله وجبريل بين يديه يضحك، ويقول يا محمد
أذن بأذن لكن الرأس ههنا مع الأذن، فهذا ماروى فى مقتل أبى جهل نقلته معنى لالفظاً ، الخاطى.
معنى قوله (لنسفعاً بالناصية ) .
المسألة الرابعة ﴾ الناصية شعراً لجبهة وقد يسمى مكان الشعر الناصية ، ثم إنه تعالى کنی ههنا
عن الوجه والرأس بالناصية ، ولعل السبب فيه أن أباجهل كان شديد الأهتمام بترجيل تلك الناصية
وتطييبها، وربما كان يهتم أيضاً بتسويدها فأخبره اللّه تعالى أنه يسودها مع الوجه .
﴿ المسألة الخامسة﴾ أنه تعالى عرف الناصية بحرف التعريف كأنه تعالى يقول الناصية المعروفة
عند كمذاتها لكنها مجهولة عند كم صفاتها ناصية وأى ناصية كاذبة قولا خاطئة فعلا، وإنما وصف
بالكذب لأنه كان كاذباً على الله تعالى فى أنه لم يرسل محمداً وكاذباً على رسوله فى أنه ساحر أو كذاب
أو ليس بنى، وقيل كذبه أنه قال. أنا أكثر أهل هذا الوادى نادياً، ووصف الناصية بأنها خاطئة
لأن صاحبها متمرد على الله تعال قال الله تعالى ( لا يأكله إلا الخاطقرن) والفرق بين الخاطى.
والمخطىء أن الخاطى. معاقب مؤاخذ والمخطىء غير مؤاخذ، ووصف الناصية بالخاطئة الكاذبة كما
وصف الوجوه بأنها ناظرة فى قوله تعالى ( إلى ربها ناظرة).
﴿ المسألة السادسة﴾ ( ناصية) بدل من الناصية، وجاز إبدالها من المعرفة وهى نكرة، لأنها
وصفت فاستقلت بفائدة .

٢٥
قوله تعالى : سندع الزبانية . سورة العلق .
فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ( سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ
المسألة السابعة) قرى. ناصية بالرمع والتقدير هى ناصية، وناضية بالنصب وكلاهما على
الشتم، واعلم أن الرسول عليه السلام لما أغلظ فى القول لأبى جهل وتلا عليه هذه الآيات ،
قال: یا محمد بمن تهددنى وإنى لأ كثر هذا الوادى نادياً، فافتخر بجماعته الدين كانوا يأكلون حطامه،
قنزل قوله تعالى ﴿ فليدع زادیه، سندع الزبانية ﴾ وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ قدمر تفسير النادى عند قوله ( وتأتون فى ناديكم المنكر ) قال أبو عبيدة
ناديه أى أهل مجلسه، وبالجملة فالمراد من النادى أهل النادى ، ولا يسمى المكان نادياً حتى يكون
فيه أهله، وسمى نادياً لأن القوم يندون إليه نداً وبدوة، ومنه دار الندوة مكة ، وكانوا يجتمعون
فيها للتشاور، وقيل سمى نادياً لأنه مجلس الندى والجود، ذكرذلك على سبيل التهكم أى: اجمع أهل
الكرم والدفاع فى زعمك لينصروك .
المسألة الثانية﴾ قال أبو عبيدة والمبرد واحد الزبانية زبنية وأصله من زبنية إذا دفعته
وهو متمرد من إنس أو جن ، ومثله فى المعنى والتقدير عفرية يقال فلان زبنية عفرية ، وقال
الأخفش قال بعضهم واحده الزبانى ، وقال آخرون الزابن ، وقال آخرون هذا من الجمع الذى
لا واحد له من لفظه فى لغة العرب مثل أبابيل وعباديد وبالجملة فالمراد ملائكة العذاب، ولا شك
أنهم مخصوصون بقوة شديدة. وقال مقاتل هم خزنة جهنم أرجلهم فى الأرض ورؤسهم فى
السماء، وقال قتادة الزبانية هم الشرط فى كلام العرب وهم الملائكة العلاظ الشداد، وملائكة النار
سموا الزبانية لأنهم يزبنون الكفار أى يدفعونهم فى جهم.
المسألة الثالثة) فى الآية قولان (الأول ) أى فليفعل ماذكره من أنه يدعو أنصاره
ويستعين بهم فى مباطلة محمد ، فإنه لو فعل ذلك فنحن ندعو الزبانية الذين لاطاقة لناديه وقومه
بهم، قال ابن عباس: لودعا ناديه لأخذته الزبانية من ساعته معاينة، وقيل هذا إخبار من اللّه تعالى
بأنه يحر فى الدنيا كالكلب وقد فعل به ذلك يوم بدر ، وقيل بل هذا إخبار بأن الزبانية بحرونه
فى الآخرة إلى النار ( القول الثانى) أن فى الآية تقديما وتأخيراً أى لنفعاً بالناصية وسندع
الزبانية فى الآخرة ، فليدع هو ناديه حينئذ فليمنعوه .
المسألة الرابعة﴾ الفاء فى قوله (فليدع ناديه ) تدل على المعجز، لأن هذا يكون تحريضاً
للكافر على دعوة ناديه وقومه ، ومتى فعل الكافر ذلك ترتب عليه دعوة الزبانية ، فلما لم يجترى.
الكافر على ذلك دل على ظهور معجزة الرسول منز له .
﴿ المسألة الخامسة) قرى. (ستدعى) على المجهول. وهذه السين ليست للشك و إن عسى

٢٦
قوله تعالى : كلا لا تطعه واسجد واقترب . سورة العلق .
كَّ لَاتُطِعْهُ وَأَسْجُدْ وَاقْتَرِب.
من الله واجب الوقوع، وخصوصاً عند بشارة الرسول وم لتزم بأن ينتقم له من عدوه، ولعل فائدة
السين هو المراد من قوله عليه السلام ((لأنصرنك ولو بعد حين)).
ثم قال ﴿کلا﴾ وهو ردع لآبی جهل ، وقيل معناه لن يصل إلى ما يتصلف به من أنه يدعو
ناديه ولئن دعاهم لن ينفعوه ولن ينصروه، وهو أذل وأحقر من أن يقاومك، ويحتمل: لن ينال
ما يتمنى من طاعتك له حين نهاك عن الصلاة ، وقيل معناه: ألا لا تطعه .
ثم قال ﴿لا تطعه) وهو كقوله (فلا قطع المكذبين)، ﴿ واسمد﴾ وعند أكثر أهل
التأويل أراد به صل وتوفر على عبادة الله تعالى فعلا وإبلاغاً، وليقل فكرك فى هذا العدو فإن الله
مقويك وناصرك، وقال بعضهم بل المراد الخضوع، وقال آخرون: بل المراد نفس السجود فى الصلاة.
ثم قال ﴿ واقترب﴾ والمراد وابتغ بسجودك قرب المنزلة من ربك، وفى الحديث «أقرب
ما یکون العبد من ربه إذا سجد » و قال بعضهم المراد : اسجد یا محمد ، واقترب یاأبا جهل منه حتى
تبصر ما ينالك من أخذ الزبانية إياك ، فكأنه تعالى أمره بالسجود ليزداد غيظ الكافر ، كقوله
(ايغيظ بهم الكفار) والسبب الموجب لازدياد الغيظ هو أن الكفار كان يمنعه من القيام، فيكون
غيظه وغضبه عند مشاهدة السجود أنم ، ثم قال عند ذلك ( واقترب ) منه يا أبا جهل وضع قدمك
عليه ، فإن الرجل ساجد مشغول بنفسه، وهذا تهكم به واستحقار لشأنه، والله سبحانه وتعالى أعلم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله ومحبه وسلم .

٢٧
سورة القدر
(٩٧) سورة القدر مكيّة
وَآَيَانْهَاِ خْتُ
بِسْـ
إِلَلَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
٢٠
٥-٤/
إِنَّا أَنْزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ
١
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إنا أنزلناه فى ليلة القدر ﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ أجمع المفسرون على أن المراد: إنا أنزلنا القرآن فى ليلة القدر، ولكنه
تعالى ترك التصريح بالذكر، لأن هذا التركيب يدل على عظم القرآن من ثلاثة أوجه (أحدما)
أنه أسند إنزاله إليه وجعله مختصاً به دون غيره (والثانى) أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر. شهادة
له بالنباهة والاستغناء عن التصريح، ألا ترى أنه فى السورة المتقدمة لم يذكر اسم أبى جهل ولم
يخف على أجد لاشتهاره، وقوله ( فلولا إذا بلغت الحلقوم) لم يذكر الموت لشهرته ، فكذا مهنا
(والثالث ) تعظيم الوقت الذى أنزل فيه.
المسألة الثانية﴾ أنه تعالى قال فى بعض المواضع (إنى) كقوله (إنى جاعل فى الأرض
خليفة) وفى بعض المواضع (إنا) كقوله (إنا أنزلناه فى ليلة القدر). (إنا نحن نزلنا الذكر)، (إنا
أرسلنانوحاً)، (إنا أعطيناك الكوثر). وأعلم أن قوله (إنا) تارة يراد به التعظيم، وحمله على الجمع محال
لأن الدلائل دلت على وحدة الصانع، ولأنه لو كان فى الآلهة كثرة لا نحطت رتبة كل واحد
منهم عن الإلهية ، لأنه لو كان كل واحد منهم قادراً على الكمال لاستغنى بكل واحد منهم عن كل
واحد منهم، وكونه مستغنى عنه نقص فى حقه فيكون الكل ناقصاً ، وإن لم يكن كل واحد منهم
قادراً على الكمال كان ناقصاً ، فعلمنا أن قوله (إنا) محمول على التعظيم لا على الجمع .
المسألة الثالثة) إن قيل ما معنى إنه أنزل فى ليلة القدر، مع العلم بأنه أنزل نجوماً؟ قلنا فيه
وجوه: (أحدهما ) قال الشعبى ابتداء بإنزاله ليلة القدر لأن البعث كان فى رمضان ( والثانى) قال
ابن عباس أنزل إلى سماء الدنيا جملة ليلة القدر، ثم إلى الأرض نجوماً، كما قال ( فلا أقسم بمواقع
النجوم ) وقد ذكرنا هذه المسألة فى قوله (شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن ) لا يقال : فعلى هذا
القول لم لم يقل أنزلناه إلى السماء؟ لأن إطلاقه يوهم الإنزال إلى الأرض، لأنا نقول إن إنزاله إلى
السماء کانزاله إلىالأرض ، لأنه لم یکنلیشرع فى أمرثم لا يتمه، وهو کغائب جاء إلی نواحى البلد
:

٢٨
قوله تعالى : إنا انزلناه في ليلة القدر . سورة القدر .
يقال جاء فلان، أو يقال الغرض من تقريبه وإنزاله إلى سماء الدنيا أن يشوقهم إلى نزوله كمن يسمع
الخبر بمجىء منشور لوالده أو أمه ، فإنه يزداد شوقه إلى مطالعته كما قال :
وأبرح ما يكون الشوق يوماً إذا دنت الديار من الديار
وهذا لأن السماء كالمشترك بيننا وبين الملائكة. فهى لهم مسكن ولنا سقف وزينة، كما قال:
(وجعلنا السماء سقفاً) بإزاله القرآن هناك كإنزاله ههنا (والوجه الثالث فى الجواب) أن التقدير
أنزلنا هذا الذكر ( فى ليلة القدر) أى فى فضيلة ليلة القدر وبيان شرفها.
﴿ المسألة الرابعة﴾ القدر مصدر قدرت أقدر قدراً، والمراد به ما يمضيه الله من الأمور، قال
( إنا كل شىء خلقنا بقدر) والقدر، والقدر واحد إلا أنه بالتمكين مصدر وبالفتح اسم ، قال
أوإحدى القدر فى اللغة بمعنى التقدير،, هو جعل الشىء على مساواة غيره من غير زيادة ولا
نقصان، واختلفوا فى أنه لم سميت هذه الليلة ليلة القدر، على وجوه (أحدهما ) أنها ليلة تقدير
الأمور والأحكام، قال عطاء . عن ابن عباس أن اللّه قدر ما يكون فى كل تلك السنة من مطر
ورزق وإحياء وإمارة إلى مثل هذه الليلة من السنة الآتية، ونظيره قوله تعالى ( فيها يفرق كل أمر
حكيم) واعلم أن تقدير الله لا يحدث فى تلك الليلة، فإنه تعالى قدر المقادير قبل أن يخلق السموات
والأرض فى الأزل، بل المراد إظهار تلك الليلة المقادير للملائكة فى تلك الليلة بأن يكتبها فى اللوح
المحفوظ، وهذا القول اختيار عامة العلماء (الثانى) نقل عن الزهرى أنه قال ( ليلة القدر ) ليلة
العظمة والشرف من قولهم لفلان قدر عند فلان، أى منزلة وشرف ، ويدل عليه قوله ( ليلة القدر
خير من ألف شهر) ثم هذا يحتمل وجهين (أحدهما ) أن يرجع ذلك إلى الفاعل أى من أتى فيها
بالطاعات صار ذا قدر وشرف (وثانيهما ) إلى الفعل أى الطاعات لها فى تلك الليلة قدر زائد
وشرف زائد، وعن أبى بكر الوراق سميت (ليلة القدر) لأنه نزل فيها كتاب ذو قدر ، على لسان
ملك ذى قدر ، على أمة لها قدر ، ولعل اللّه تعالى إنما ذكر لفظة القدر فى هذه السورة ثلاث مرات
لهذا السبب .
﴿ والقول الثالث) ليلة القدر، أى الضيق فإن الأرض تضيق عن الملائكة.
المسألة الخامسة﴾ أنه تعالى أخفى هذه الليلة لوجوه (أحدها ) أنه تعالى أخفاها . كما أخفى
سائر الأشياء ، فإنه أخفى رضاء فى الطاعات ، حتى يرغبوا فى الكل ، وأخفى غضه فى المعاصى
ليحترزوا عن الكل، وأخفى وليه فيما بين الناس حتى يعظموا الكل ، وأخفى الإجابة فى الدعاء
ليبالعوا فى كل الدعوات، وأخفى الإسم الأعظم ليعظمواكل الأسماء، وأخفى فى الصلاة الوسطى
ليحافظوا على الكل، وأخفى قبول التوبة ليواظب المكلف على جميع أقسام التوبة ، وأخفى
وقت الموت ليخاف المكلف ، فكذا أخفى هذه الليلة ليعظموا جميع ليالى رمضان ( وثانيها)
كأنه تعالى يقول: لو عينت ليلة القدر، وأنا عالم بتجاسركم على المعصية، فربما دعتك الشهوة فى

٢٩
قوله تعالى . إنا انزلناه فى ليلة القدر . سورة القدر .
تلك الليلة إلى المعصية ، فوقعت فى الذنب ، فكانت معصيتك مع عدمك أشد من معصيتك لا مع
عليك، فلهذا السبب أخفيتها عليك، روى أنه عليه السلام دخل المسجد فرأى نائماً، فقال يا على
نبهه ليتوضأ، فأيقظ على، ثم قال على يارسول الله إنك سباق إلى الخيرات، فلم لم تنبه ؟ قال:
لأن رده عليك ليس بكفر ، ففعلت ذلك لتخف جنايته لو أبى، فإذا كان هذا رحمة الرسول، فقس
عليه رحمة الرب تعالى ، فكأنه تعالى يقول: إذا علمت ليلة القدر فإن أطعت فيها اكتسبت ثواب
ألف شهر ، وإن عصيت فيها اكتسب عقاب ألف شهر ، ودفع العقاب أولى من جلب الثواب
(وثالثها) أنى أخفيت هذه الليلة حتى يحتهد المكلف فى طلبها، فيكتسب ثواب الاجتهاد (ورابعها)
أن العبد إذا لم يقيقن ليلة القدر، فإنه يجتهد فى الطاعة فى جميع ليالى رمضان ، على رجاء أنه ربما
كانت هذه الليلة هى ليلة القدر، فيباهى اللّه تعالى بهم ملائكته، ويقول: كنتم تقولون فيهم
يفسدون ويسفكون الدماء. فهذا جده واجتهاده فى الليلة المظنونة، فكيف لو جعلتها معلومة له !
فحينئذ يظهر سر قوله: ( إنى أعلم مالا تعلمون) .
المسألة السادسة ﴾ اختلفوا فى أن هذه الليلة هل تستنيع اليوم ؟ قال الشعبى نعم يومها
كليلنها ، ولعل الوجه فيه أن ذكر الليالى يستبع الأيام ، ومنه إذا نذر اعتكاف ليلتين ألزمنا،
بيوميهما قال تعالى ( وهو الذى جعل الليل والنهار خلفة ) أى اليوم يخلف ليلته وبالضد.
﴿ المسألة السابعة ) هذه الليلة هل هى باقية ؟ قال الخليل: من قال إن فضلها ليزول القرآن
فيها يقول انقطعت وكانت مرة ، والجمهور على أنها باقية ، وعلى هذا هل هى مختصة برمضان
أم لا؟ روى عن ابن مسعود أنه قال: من يقم الحول يصبها، وفسرها عكرمة بديلة البراءة فى قوله
(إنا أنزلناه فى ليلة مباركة) والجمهور على أنها مختصة برمضان واحتجوا عليه بقول تعالى (شهررمضان
الذى أنزل فيه القرآن ) وقال ( إنا أنزلناه فى ليلة القدر) فوجب أن تكون ليلة القدر فى رمضان
لئلا يلزم التناقص ، وعلى هذا القول اختلفوا فى تعيينها على ثمانية أقوال، فقال ابن رزين ليلة
القدر هى الليلة الأولى من رمضان ، وقال الحسن البصرى السابعة عشرة ، وعن أنس مرفوعاً
التاسعة عشرة، وقال محمد بن إسحق الحادية والعشرون. وعن ابن عباس الثالثة والعشرون، وقال
ابن مسعود الرابعة والعشرون، وقال أبو ذر الغفارى الخامسة والعشرون ، وقال أبي بن كعب
وجماعة من الصحابة السابعة والعشرون، وقال بعضهم التاسعة والعشرون . أما الذين قالوا إنها
الليلة الأولى [فقد] قالوا: روى وهب أن صحف إبراهيم أنزلت فى الليلة الأولى من رمضان والتوراة
لست ليال مضين من رمضان بعد صحف إبراهيم بسبعمائة سنة، وأنزل الزبور على داود لثقتى عشرة
ليلة خلت من رمضان بعد التوراة بخمسمائة عام وأنزل الإنجيل على عيسى لثمان عشرة ليلة خلت
من رمضان بعد الزبور بستمائة عام وعشرين عاماً ، وكان القرآن ينزل على النبى صلى الله عليه وسلم
فى كل ليلة قدر من السنة إلى السنة كان جبريل عليه السلام ينزل به من بيت العزة من السماء

٣٠
قوله تعالى : ليلة القدر خير من ألف شهر . سورة القدر .
وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ جْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌمِنْ أَلْفِ شَهْرٍ
٣
السابعة إلى سماء الدنيا، فأنزل الله تعالى القرآن فى عشرين شهراً فى عشرين سنة، فلما كان هذا الشهر
هو الشهر الذى حصلت فيه هذه الخيرات العظيمة ، لاجرم كان فى غاية الشرف والقدر والرتبة
فكانت الليلة الأولى منه ليلة القدر، وأما الحسن البصرى فانه قال هى ليلة سبعة عشر، لأنها ليلة كانت
صبيحتها وقعة بدر ، وأما التاسعة عشرة فقد روى أنس فيها خبراً، وأما ليلة السابع والعشرين
فقد مال الشافعى إليه لحديث الماء والطين ، والذى عليه المعظم أنها ليلة السابع والعشرين ،
وذكروا فيه أمارات ضعيفة (أحدها) حديث ابن عباس أن السورة ثلاثون كلمة ، وقوله (هى)
هى السابعة والعشرون منها (وثانيها) روى أن عمر سأل الصحابة ثم قال لابن عباس غص ياغواص
فقال زيد بن ثابت أحضرت أولاد المهاجرين وما أحضرت أولادنا . فقال عمر: لعلك تقول إن
هذا غلام، ولكن عنده ماليس عند كم. فقال ابن عباس أحب الأعداد إلى الله تعالى الوتر أحب
الوتر إليه السبعة ، فذكر السموات السبع والأرضين السبع والأسبوع ودركات النار
وعدد الطواف والأعضاء السبعة، فدل على أنها السابعة والعشرون (وثالثها ) نقل أيضاً
عن ابن عباس، أنه قال ( ليلة القدر ) تسعة أحرف، وهو مذ كور ثلاث مرات فتكون
السابعة والعشرين (ورابعها) أنه كان لعثمان بن أبي العاص غلام، فقال يامولاى إن البحر يعذب
ماؤه ليلة من الشهر، قال : إذا كانت تلك الليلة ، فأعلمنى فإذا هى السابعة والعشرون من رمضان.
وأما من قال إنها الليلة الأخيرة قال لأنها هى الليلة التى تنم فيها طاعات هذا الشهر ، بل أول
رمضان كآدم وآخره كمحمد ، ولذلك روى فى الحديث، يعتق فى آخر رمضان بعدد ما أعتق من
أول الشهر، بل الليلة الأولى كمن ولد له ذكر، فهى ليلة شكر، والأخيرة ليلة الفراق ، كمن مات
له ولد، فهى ليلة صبر، وقد علمت فرق ما بين الصبر والشكر.
ثم قال تعالى ﴿وما أدراك ماليلة القدر ﴾ يعنى ولم تبلغ درايتك غاية فضلها ومنتهى على قدرها،
ثم إنه تعالى بين فضيلتها من ثلاثة أوجه:
(الأول) قوله تعالى ﴿ ليلة القدر خير من ألف شهر ) وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ فى تفسير الآية وجوه (أحدها) أن العبادة فيها ( خير من ألف شهر)
ليس فيها هذه الليلة، لأنه كالمستحيل أن يقال إنها ( خير من ألف شهر) فيها هذه الليلة ، وإنما كان
كذلك لما يزيد الله فيها من المنافع والأزراق وأنواع الخير (وثانيها) قال مجاهد : كان فى
بنى إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح ثم يجاهد حتى يمسى فعل ذلك ألف شهر ، فتعجب رسول
الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من ذلك، فأنزل الله هذه الآية، أى ليلة القدر لأمتك خير من
ألف شهر لذلك الإسرائيلى الذى حمل السلاح ألف شهر ( وثالثها) قال مالك بن أنس : أرى

٣١
قوله تعالى : ليلة القدر خير من ألف شهر . سورة القدر .
رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعمار الناس، فاستقصر أعمار أمته، وخاف أن لا يبلغوا
من الأعمال مثل ما بلغه سائر الأمم ، فأعطاه الله ليلة القدر وهى خير من ألف شهر لسائر الأمم
(ورابعها) روى القاسم بن فضل عن عيسى بن مازن، قال: قلت للحسن ابن على عليه السلام
يامسود وجوه المؤمنين عمدت إلى هذا الرجل فبايعت له يعنى معاوية , فقال: إن رسول الله
صلى الله عليه وسلم، رأى فى منامه بنى أمية يطون منبره واحداً بعد واحد، وفى رواية ينزون
على منبره نزو القردة، فشق ذلك عليه فأنزل الله تعالى (إنا أنزلناه فى ليلة القدر ) إلى قوله ( خير
من ألف شهر) يعنى ملك بنى أمية قال القاسم لحسبنا ملك بنى أمية، فإذا هو ألف شهر. طعن القاضى
فى هذه الوجوه فقال ماذكر من ( ألف شهر) فى أيام بنى أمية بعيد، لأنه تعالى لا يذكر فضلها
بذ کر ألف شهر مذمومة، وأيام بنى أمية كانت مذمومة.
واعلم أن هذا الطعن ضعيف، وذلك لأن أيام بنى أمية كانت أياماً عظيمة بحسب السعادات
الدنيوية، فلا يمتنع أن يقول الله إنى: أعطيتك ليلة هى فى السعادات الدينية أفضل من تلك السعادات
الدنيوية .
﴿ المسألة الثانية) هذه الآية فيها بشارة عظيمة وفيها تهديد عظيم، أما البشارة فهى أنه تعالى
ذكر أن هذه الليلة خير، ولم يبين قدر الخيرية ، وهذا كقوله عليه السلام لمبارزة على عليه
السلام مع عمرو بن عبد ود [العامرى] أفضل من عمل أمنى إلى يوم القيامة، فلم يقل مثل عمله بل قال
أفضل كأنه يقول حسبك هذا من الوزن والباقى جزاف .
واعلم أن من أحياها فكأنما عبد الله تعالى نيفاً وثمانين سنة، ومن أحياها كل سنة فكانه
رزق أعماراً كثيرة، ومن أحيا الشهر لینالها بیقین فکانه أحیا ثلاثین قدراً ، یروی أنه يجاء يوم
القيامة بالإسرائيلى الذى عبد الله أربعمائة سنة، ويجاء برجل من هذه الأمة، وقد عبد الله أربعين
سنة فيكون ثوابه أكثر، فيقول الإسرائيلى أنت العدل، وأرى ثوابه أكثر، فيقول لأنكم كنتم
تخافون العقوبة المعجلة فتعبدون، وأمة محمد كانوا آمنين لقوله ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم)
ثم إنهم كانوا يعبدون ، فلهذا السبب كانت عبادتهم أكثر ثواباً ، وأما التهديد فهو أنه تعالى توعد
صاحب الكبيرة بالدخول فى النار ، وأن إحياء مائة ليلة من القدر لا يخلصه عن ذلك العذاب
المستجق بتطفيف حبة واحدة ، فلهذا فيه إشارة إلى تعظيم حال الذنب والمعصية .
﴿ المسألة الثالثة﴾ لقائل أن يقول: صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (أجرك
على قدر نصبك )) ومن المعلوم أن الطاعة فى ألف شهر أشق من الطاعة فى ليلة واحدة ، فكيف
يعقل استواؤهما؟ (والجواب) من وجوه: (أحدها) أن الفعل الواحد قد يختلف حاله فى
الحسن والقبح بسبب اختلاف الوجوه المنضمة إليه، ألا ترى أن صلاة الجماعة تفضل على صلاة
الفذ بكذا درجة، مع أن الصورة قد تنتقض فإن المسبوق سقطت عنه ركعة واحدة ، وأيضاً
:

٠٫٠
٣٢
قوله تعالى : تنزل الملائكة والروح فيها . سومرة القدر .
تَنْزَّلُ الْمَلَّكُ وَالرُّوحُ فِيهَا
فأنت تقول لمن يرجم: إنه إنما يرجم لأنه زان فهوقول حسن، ولو قلته للنصرانى فقدف يوجب
التعزيز، ولو قلته للمحصن فهو يوجب الحد ، فقد اختلفت الأحكام فى هذه المواضع ، مع أن
الصورة واحدة فى الكل، بل لو قلته فى حق عائشة كان كفراً ، ولذلك قال ( وتحسبونة هيناً
وهو عند الله عظيم) وذلك لأن هذا طعن فى حق عائشة التى كانت رحلة فى العلم ، لقوله عليه
السلام (( خذوا ثلثى دينكم من هذه الحميراء)) وطعن فى صفوان مع أنه كان رجلا بدرياً، وطعن
فى صفوان مع أنه كان رجلا بدرياً ، وطعن فى كافة المؤمنين لانها أم المؤمنين، والولد حق المطالبة
بقذف الآم وإن كان كافراً ، بل طعن فى النبى الذى كان أشد خلق الله غيرة، بل طعن فى حكمة
الله إذ لا يجوز أن يتركه حتى يتزوج بامرأة زانية، ثم القائل بقوله: هذا زان ، فقد ظن أن هذه
اللفظة سهلة مع أمها أثقل من الجبال ، فقد ثبت بهذا أن الأفعال تختلف آثارها فى الثواب والعقاب
لاختلاف وجوهها ، فلا يبعد أن تكون الطاعة القليلة فى الصورة مساوية فى الثواب للطاعات
الكثيرة ( والوجه الثانى) فى الجواب أن مقصود الحكيم سبحانه أن يجر الخلق إلى الطاعات
فتارة يجعل ثمن الطاعة ضعفين ، فقال (إن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً) ومرة عشراً،
ومرة سبعمائة، وتارة بحسب الأزمنة، وتارة بحسب الأمكنة، والمقصود الأصلى من الكل جر
المكلف إلى الطاعة وصرفه عن الاشتغال بالدنيا ، فتارة يرجح البيت وزمزم على سائر البلاد ،
وتارة يفضل رمضان على سائر الشهور، وتارة يفضل الجمعة على سائر الأيام، وتارة يفضل
ليلة القدر على سائر الليالى، والمقصود ما ذكرناه (الوجه الثانى ) من فضائل هذه الليلة .
قوله تعالى : ﴿ تنزل الملائكة والروح فيها﴾ وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ اعلم أن نظر الملائكة على الأرواح، ونظر البشر على الأشباح، ثم إن
الملائكة لما رأواروحك محلا الصفات الذميمة من الشهوة والغضب ما قبلوك . فقالوا أتجعل
فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ، وأبواك لما رأوا قبح صورتك فى أول الأمر حين كنت منياً
وعلقة ما قبلوك أيضاً، بل أظهروا النفرة ، واستقذروا ذلك المنى والعلقة ، وغسلوا ثيابهم عنه،
ثم كم احتالوا للاسقاط والإبطال ، ثم إنه تعالى لما أعطاك الصورة الحسنة فالأبوان لما رأوا
تلك الصورة الحسنة قبلوك ومالوا إليك ، فكذا الملائكة لما رأوا فى روحك الصورة الحسنة
وهى معرفة الله وطاعته أحبوك فنزلوا إليك معتذرين عما قالوه أولا، فهذا هو المراد من قوله
( تنزل الملائكة ) فإذا نزلوا إليك رأوا روحك فى ظلمة ليل البدن ، وظلمة القوى الجسمانية فيقئذ
يعتذرون عما تقدم ( ويستغفرون للذين آمنوا).
المسألة الثانية) أن قوله تعالى ( تنزل الملائكة) يقتضى ظاهره نزول كل الملائكة، ثم
٠٠٠

٣٣
قوله تعالى : تنزل الملائكة . سورة القدر .
الملائكة لهم كثرة عظيمة لاتحتمل كلهم الأرض، فلهذا السبب اختلفوا فقال بعضهم إها تنزل
بأسرها إلى السماء الدنيا ، فإن قيل الإشكال بعد باق لأن السما بلوأه بحيث لا يوجد فيها موضع
إهاب إلا وفيه ملك، فكيف تسع الجميع سماء واحدة ؟ قلنا يقضى بعموم الكتاب على خبر
الواحد، كيف والمروى إنهم ينزلون فوجاً فوجاً فمن نازل وصاعد كأهل الحج بابهم على كثرتهم
يدخلون الكعبة بالكلية لكن الناس بين داخل وخارج، ولهذا السبب مدت إلى غاية طلوع العجر
فلذلك ذكر بلفظ ( تنزل ) الذى يفيد المرة بعد المرة.
﴿ والقول الثانى) وهو إختيار الأكثربن أهم ينزلول إلى الأرض وهو الأوجه، لأن
الغرض هو الترغيب فى إحياء هذه الليلة، ولأنه دلت الأحاديث على أن الملائكة ينزلون فى سائر
الأيام إلى مجالس الذكروالدين، ملأن يحصل ذلك فى هذه الليلة مع علو شأنها أولى، ولأن النزول
المطلق لا يفيد إلا النزول من السماء إلى الأرض، ثم اختلف من قال يعزلون إلى الأرض على وجوه:
(أحدها) قال بعضهم ينزلون ليروا عبادة البشروجدهم واجتهادهم فى الطاعة (وثانيها) أن الملائكة
قالوا (وما نتنزل إلا بأمر ربك) فهذا يدل على أنهم كاوا مأمورين بذلك النزول فلا يدل على غاية المحبة.
وأما هذه الآية وهو قوله ( بإذن ربهم) فإنها تدل على أهم استأذوا أولا فأذنوا، وذلك يدل
على غابة المحبة، لأنهم كانوا يرغبون إلينا ويتمنون لقاءنا. لكن كلوا ينتطرون الإذن، فإن قيل قوله
( وإنا لنحن الصافون) ينافى قوله ( تنزل الملائكة) قلنا تصرف الحالتين إلى زمانين مختلفين
و(ثالثها) أنه تعالى وعد فى الآخرة أن الملائكة ( يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم ) فههنا
فى الدنيا إن اشتغلت بعبادتى نزلت الملائكة عليك حتى يدخلوا عليك للتسليم والزيارة ، روى
عن على عليه السلام ((أنهم ينزلون ليسلموا علينا وليشفعوا لنا فمن أصابته التسليمة غفر له ذنبه))
(ورابعها ) أن الله تعالى جعل فضيلة هذه الليلة فى الاشتغال بطاعته فى الأرض فهم ينزلون إلى
الأرض لتصير طاءاتهم أكثر ثواباً ، كما أن الرجل يذهب إلى مكة لتصير طاعاته هناك أكثر
ثواباً ، وكل ذلك ترغيب للانسان فى الطاعة ( وخامسها ) أن الإنسان يأتى بالط عات والخيرات
عند حضور الأكار من العلماء والزهاد أحسن ما يكون فى الخلوة، فالله تعالى أنزل الملائكة
المقربين حتى أن المكلف يعلم أنه إنما يأتى بالطاعات فى حضور أولئك العلماء العباد الزهاد
فيكون أنم وعن النقصان أبعد (وسادسها ) أن من الناس من خص لفظ الملائكة ببعض فرق
الملائكة، عن كعب أن سدرة المنتهى على حد السماء السابعة مما بلى الجنة ، فهى على حد هواء
الدنيا وهواء الآخرة، وساقها فى الجنة وأغصاتها تحت الكرسى فيها ملائكة لا يعلم عددهم إلا
الله يعبدون الله ومقام جبريل فى وسطها، ليس فيها ملك إلا وقد أعطى الرأفة والرحمة المؤمنين
ينزلون مع جبربل ليلة القدر ، فلا تبقى بقعة من الأرض إلا وعليها ملك ساجد أو قائم بدعو
للمؤمنين والمؤمنات، وجبريل لا يدع أحداً من الناس إلا صافهم، وعلامة ذلك من اقشعر جلده
الفخر الرازي - ج ٣٢ م ٣

٣٤
قوله تعالى : بأذن ربهم . سورة القدر :
٠٠
بِإِذْنِ رَبِهِم
ورق قلبه ودمعت عيناه ، فإن ذلك من مصاخة جبريل عليه السلام ، من قال فيها ثلاث مرات لا إله
إلا الله غفر له بواحدة، وتجاه من النار بواحدة، وأدخله الجنة بواحدة. وأول من يصعد جبريل
حتى يصير أمام الشمس فيبسط جناحين أخضرين لا ينشرهما إلا تلك الساعة من يوم تلك الليلة
ثم يدعو ملكا ملكا، فيصعد الكل ويجتمع نور الملائكة ونور جناح جبريل عليه السلام، فيقيم
جبريل ومن معه من الملائكة بين الشمس وسماء الدنيا يومهم ذلك مشغولين بالدعاء والرحمة
والاستغفار للمؤمنين ، ولمن صام رمضان احتساباً، فإذا أمسوا دخلوا سماء الدنيا فيجلسون حلقاً
حلقاً فتجمع إليهم ملائكة السماء فيسألونهم عن رجل رجل وعن امرأة امرأة، حتى يقولوا ما فعل
فلان وكيف وجدتموه؟ فيقولون وجدناه عام أول متعبداً، وفى هذا العام مبتدعاً، وفلان كان
عام أول مبتدعا، وهذا العام متعبداً، فيكفون عن الدعاء الأول، ويشتغلون بالدعاء الثانى، ووجدنا
فلاناً تالياً ، وفلاناً راكمعا ، وفلاناً ساجداً، فهم كذلك يومهم وليلتهم حتى يصعدوا السماء الثانية
وهكذا يفعلون فى كل سماء حتى ينتهوا إلى السدرة. فتقول لهم السدرة: ياسكانى حدثونى عن الناس
فإن لى عليكم حقاً، وإنى أحب من أحب الله، فذكر كعب أنهم يعدون لها الرجل والمرأة بأسمائهم
وأسماء آبائهم، ثم يصل ذلك الخبر إلى الجنة ، فتقول الجنة: اللهم مجملهم إلى، والملائكة، وأهل
السدرة يقولون: آمين آمين ، إذا عرفت هذا فيقول، كلما كان الجمع أعظم ، كان نزول الرحمة هناك
أكثر، ولذلك فإن أعظم الجموع فى موقف الحج، لا جرم كان نزول الرحمة هناك أكثر، فكذا
فى ليلة القدر يحصل مجمع الملائكة المقربين ، فلا جرم كان نزل الرحمة أكثر
﴿ المسألة الثانية﴾ ذكروا فى الروح أقوالا (أحدها) أنه ملك عظيم، لو التقم السموات
والأرضين كان ذلك له لقمة واحدة ( وثانيها ) طائفة من الملائكة لا ترام الملائكة إلا ليلة
القدر ، كالزهاد الذين لا نراهم إلا يوم العيد ( وثالثها ) خلق من خلق الله يأكلون ويلبسون
ليسوا من الملائكة، ولا من الإنس ، ولعلهم خدم أهل الجنة (ورابعها) يحتمل أنه عيسى عليه
السلام لأنه اسمه ، ثم إنه ينزل فى مواقفة الملائكة ليطلع على أمة محمد ( وخامسها) أنه القرآن .
(وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا) (وسادسها) الرحمة قرى. (لا تيأسوا من روح الله) بالرفع
كأنه تعالى، يقول الملائكة ينزلون رحمتى تنزل فى أثرهم فيجدون سعادة الدنيا وسعادة الآخرة
(وسابعها) الروح أشرف الملائكة (وثامنها) عن أبى نجيح الروح هم الحفظة والكرام الكاتبون
فصاحب اليمين يكتب إتيانه بالواجب، وصاحب الشمال يكتب تركه القبيح، والأصح أن الروح
ههنا جبريل. وتخصيصه بالذكر لزيادة شرفه كانه تعالى يقول الملائكة فى كفة والروح فى كفة
قوله تعالى: ﴿بإذن ربهم) فقد ذكرنا أن هذا يدل على أنهم كانوا مشتاقين إلينا، فإن

٣٥
قوله تعالى : من كل أمر . سورة القدر .
مِّنْ كُلِّ أَمٍْ
ـم
٤
قيل : كيف يرغبون إلينا مع علمهم بكثرة معاصينا؟ قلنا إنهم لا يقفون على تفصيل المعاصى
روى أنهم يطالعون اللوح، فيرون فيه طاعة المكلف مفصلة ، فإذا وصلوا إلى معاصيه أرخى الستر
فلا ترونها ، حينئذ يقول سبحان من أظهر الجميل ، وستر على القبيح، ثم قد ذكرنا فوائد فى نزولهم
ونذكر الآن فوائد أخرى وحاصلها أنهم يرون فى الأرض من أنواع الطاعات أشياء مارأوما فى
عالم السموات (أحدها ) أن الأغنياء يجيئون بالطعام من بيوتهم فيجعلونه ضيافة للفقراء والفقراء
يأكلون طعام الأغنياء ويعبدون الله، وهذا نوع من الطاعة لا يوجد فى السموات (وثانيها) أنهم
يسمعون أنين العصاة وهذا لا يوجد فى السموات (وثالثها) أنه تعالى قال ((لأنين المذنبین أحب
إلى من زجل المسبحين)) فقالوا تعالوا نذهب إلى الأرض فنسمع صوتاً هو أحب إلى ربنا من
صوت تسبيحا، وكيف لا يكون أحب وزجل المسبحين إظهار لكمال حال المطيعين ، وأنين العصاة
إظهار لغفارية رب الأرض والسموات .
المسألة الثانية) هذه الآية دالة على عصمة الملائكة ونظيرها قوله ( وما نتنزل إلا بأمر
ربك) وقوله (لا يسبقونه بالقول) وفيها دقيقة وهى أنه تعالى لم يقل مأذونين بل قال ( بإذن ربهم)
وهو إشارة إلى أنهم لا يتصرفون تصرفا ما إلا بإذنه ، ومن ذلك قول الرجل لامرأته إن خرجت
إلا بإذنى ، فإنه يعتبر الإذن فى كل خرجة .
﴿ المسألة الثالثة) قوله (ربهم) يفيد تعظيما للملائكة وتحقيراً للعصاة، كأنه تعالى قال : كانو
لى فكنت لهم ، ونظيره فى حقنا ( إن ربكم اللّه الذى خلق السموات والأرض ) وقال
لمحمد عليه السلام (وإذ قال ربك ) ونظيره ماروى أن داود لما مرض مرض الموت قال: إلى
کن اسلیمان کما کنت لی، فنزلالوحی و قال : قل اسلمان فلیکن لی كما كنتلى، وروى عن إبراهيم
الخليل عليه السلام أنه فقد الضيف أياماً نخرج بالسفرة ليلتمس ضيفاً فإذا بخيمة ، فنادى أتريدون
الضيف ؟ فقيل نعم ، فقال للمضيف أيوجد عندك إدام لبن أو عسل؟ فرفع الرجل صخرتين فضرب
إحداهما بالأخرى فانشقا نخرج من إحداهما اللبن ومن الأخرى العسل، فتعجب إبراهيم وقال :
إلهى أنا خليلك ولم أجد مثل ذلك الإكرام، فماله؟ فنزل الوحى يا خليلى كان لنا فكنا له.
أما قوله تعالى ﴿من كل أمر﴾ فمعناه تنزل الملائكة والروح فيها من أجل كل أمر، والمعنى أن
كل واحد منهم إنما نزل لمهم آخر، ثم ذكروا فيه وجوهاً (أحدها ) أنهم كانوا فى أشغال كثيرة
فبعضهم الركوع وبعضهم للسجود، وبعضهم بالدعاء ، وكذا القول فى التفكر والتعليم ، وإبلاغ
الوحى، وبعضهم لإدراك فضيلة الليلة أو ليسلموا على المؤمنين (وثانيها) وهو قول الأكثرين
١

٣٦
قوله تعالى : سلام هي حتى مطلع الفجر . سورة القدر .
سَلَامٌ هِىَ حَتَّى مَطَلَعِ الْفَجْرِ
من أجل كل أمر قدر فى تلك السنة من خير أو شر، وفيه إشارة إلى أن نزولهم إنما كان عبادة ،
فكأنهم قالواما زلنا إلى الأرض لهوى أنفسنا، لكن لأجل كل أمر فيه مصلحة المكلفين ، وعم
لفظ الأمر لیعم خير الدنيا والآخرة بیاناً منه أنهم ينزلون بما هو صلاح المكلف فى دينه ودنياه
كأن السائل يقول من أين جئت؟ فيقول: مالك وهذا الفضول، ولكن قل لأى أمر جئت لأنه
حظك (وثالثها) قرأ بعضهم (من كل أمرى.) أى من أجل كل إنسان، وروى أنهم لا يلقون مؤمناً
ولا مؤمنة إلا سلموا عليه ، قيل: أليس أنه قد روى أنه تقسم الآجال والأرزاق ليلة النصف
من شعبان ، والآن تقولون إن ذلك يكون ليلة القدر؟ فلنا عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال
((إن الله يقدر المقادير فى ليلة البراءة، فإذا كان ليلة القدر يسلمها إلى أربابها)) وقيل يقدر ليلة
البراءة الآجال والأرزاق، وليلة القدر بقدر الأمور التى فيها الخير والبركة والسلامة، وقيل
يقدر فى ليلة القدر ما يتعلق به إعزاز الدين، وما فيه النفع العظيم للمسلمين ، وأما ليلة البراءة
فيكتب فيها أسماء من يموت ويسلم إلى ملك الموت.
(الوجه الثالث) من فضائل هذه الليلة. قوله تعالى ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر) وفيه مسائل
﴿ المسألة الأولى﴾ فى قوله سلام وجوه (أحدها ) أن ليلة القدر. إلى طلوع الفجر سلام
أى تسلم الملائكة على المطيعين ، وذلك لأن الملائكة ينزلون فوجأفوجاً من ابتداء الليل إلى طلوع
الفجر فترادف النزول لكثرة السلام (وثانيها) وصفت الليلة بأنها سلام، ثم يجب أن لا يستحقر
هذا السلام لأن سبعة من الملائكة سلموا على الخليل فى قصة العجل الحنيذ، فازداد فرحه بذلك
على فرحه بملك الدنيا، بل الخليل لما سلم الملائكة عليه صار نار نمروذ عليه (برداً وسلاماً)
أملا قصير ثاره تعالى بيركة تسليم الملائمكة علينا برداً وسلاماً لكن ضيافة الخليل لهم كانت
مجلا شوياً وهم يريدون منا قلباً مشوياً، بل فيه دقيقة، وهى إظهار فضل هذه الأمة، فإن هناك
الملائكة، نزلوا على الخليل، وههنا نزلوا على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ( وثالثها) أنه سلام من
الشرور والآفات، أى سلامة وهذا كمايقال: إنما فلان حج وغزو أى هو أبداً مشغول بهما، ومثله:
((فانما هى إقبال وإدبار))
وقالوا تنزل الملائكة والروح فى ليلة القدر بالخيرات والسعادات ولا ينزل فيها من تقدير
المضار شئ. فما ينزل فى هذه الليلة فهو سلام، أى سلامة ونفع وخير (ورابعها) قال أبو مسلم
سلام أى الليلة سالمة عن الرياح والأذى والصواعق إلى ماشابه ذلك ( وخامسها).سلام لا يستطيع
الشيطان فيها سوءاً ( وسادسها) أن الوقف عند قوله ( من كل أمر سلام) فيتصل السلام بما قبله
ومعناه أن تقدير الخير والبركة والسلامة يدوم إلى طلوع الفجر، وهذا الوجه ضعيف (وسابعها)

٣٧
قوله تعالى : سلام هي حتى مطلع الفجر . سورة القدر .
أنها من أولها إلى مطلع الفجر سالمة فى أن العبادة فى كل واحد من أجزائها خير من ألف شهر
ليست كار الليالى فى أنه يستحب للفرض الثلث الأول والعبادة النصف والدعاء السحر بل هى
متساوية الأوقات والأجزاء ( وثامنها) سلام هى ، أى جنة هى لأن من أسماء الجنة دار السلام
أى الجنة المصوغة من السلامة .
المسألة الثانية ﴾ المطلع الطلوع يقال طلع الفجر طلوعاً ومطلعاً، والمعنى أنه يدوم ذلك
السلام إلى طلوع الفجر ، ومن قرأ بكسر اللام فهو اسم لوقت الطلوع وكذا مكان الطلوع مطلع
قاله الزجاج، أما أبو عبيدة والفراء وغيرهما فانهم اختاروا فتح اللام لأنه بمعنى المصدر ، وقالو
الكسر اسم نحو المشرق ولا معنى لاسم موضع الطلوع ههنا بل إن حمل على ما ذكره الزجاج من
اسم وقت الطلوع صح ، قال أبو على ويمكن حمله على المصدر أيضاً ، لأن من المصادر التى ينبغى
أن تكون على المفعل ما قد كسر كقولهم علاء المكبر والمعجز، قوله ( ويسألونك عن المحيض)
فكذلك كسر المطلع جاء شاذاً عما عليه بابه. والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد
وعلى آله وصحبه وسلم.

٣٨
سورة البينة .
(٩٨) سورة البَّكْ مَلَنِيَّة
وَآيَاتِها مِان
بِسُـ
اللَّهِ الرَّحْمِ الَّحِيم
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّنَ خَّى
تَأْتِيُهُمُ الْبَيِّنَةُ ﴾ رَسُولٌ مِّنَ اللّهِ مُ يَتْلُواْ مُهُفًا مُطَهَرَةً يَ فِيهَا كُبٌ
قَبِمَةٌ ﴾ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيْنَةُ (﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشر كين منفکین حتى تأتيهم البيئة ، رسول من
الله يتلوا صحفاً مطهرة، فيها كتب قيمة ، وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ماجاءتهم البينة)
إعلم أن فى الآية مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قال الواحدى فى كتاب البسيط: هذه الآية من أصعب ما فى القرآن نظا
وتفسيراً، وقد تخبط فيها الكبار من العلماء ، ثم إنه رحمه الله تعالى لم يلخص كيفية الإشكال فيها
وأنا أقول: وجه الإشكال أن تقدير الآية ( لم يكن الذين كفروا منفكين حتى تأتيهم البينة ) التى
هى الرسول، ثم إنه تعالى لم يذكر أنهم منفكون عن ماذا لكنه معلوم، إذ المراد هو الكفر الذى
كانوا عليه، فصار التقدير: لم يكن الذين كفروا منفكين ، عن كفرهم حتى تأتيهم البينة التى هى
الرسول ، ثم إن كلمة حتى لانتهاء الغاية فهذه الآية تقتضى أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان
الرسول ، ثم قال بعد ذلك ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ماجاءتهم البينة) وهذا
يقتضى أن كفرهم قد ازداد عند مجىء الرسول عليه السلام، فحينئذ بحصل بين الآية الأولى والآية
الثانية مناقضة فى الظاهر، هذا منتهى الإشكال فيما أظن (والجواب) عنه من وجوه (أولها)
وأحسنها الوجه الذى لخصه صاحب الكشاف . وهو أن الكفار من الفريقين أهل الكتاب
وعبدة الأوثان ، كانوا يقولون قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم: لا ننفك عما نحن عليه من
ديننا ، ولا نتركه حتى يبعث النبى الموعود الذى هو مكتوب فى التوراة والإنجيل. وهو محمد
عليه السلام، حكى الله تعالى ما كانوا يقولونه، ثم قال: ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ) يعنى

٣٩
قوله تعالى : منفكين حتى تأتيهم البينه . سورة البينة .
أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة والاتفاق على الحق إذا جاءهم الرسول ، ثم ما فرقهم عن الحق
ولا أقرهم على الكفر إلا مجىء الرسول، ونظيره فى الكلام أن يقول الفقير الفاسق لمن يعظه: لست
أمتنع مما أنا فيه من الأفعال القبيحة حتى يرزقنى الله الغنى، فلما رزقه الله الغنى ازداد فسقاً فيقول
واعظه لم تكن منفكا عن الفسق حتى توسر ، وما غمست رأسك فى الفسق إلا بعد اليسار بذكره
ما كان يقوله توبيخاً وإلزاماً ، وحاصل هذا الجواب يرجع إلى حرف واحد، وهو أن قوله ( لم يكن
الذين كفروا منفكين ) عن كفرهم (حتى تأتيهم البينة ) مذكورة حكاية عنهم ، و قوله ( وما تفرق
الذين أوتوا الكتاب) هو إخبار عن الواقع، والمعنى أن الذى وقع كان على خلاف ما ادعوا
( وثانيها) أن تقدير الآية ، لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرثم وإن جاءتهم البيئة . وعلى هذا
التقدير يزول الإشكال هكذا ذكره القاضى إلا أن تفسير لفظة حتى بهذا ليس من اللغة فى شىء
(وثالثها) أنا لا تحمل قوله (منفكين) على الكفر بل على كونهم منفكين عن ذكر محمد بالمناقب
والفضائل والمعنى لم يكن الذين كفروا منفكين عن ذكر محمد بالمناقب والفضائل حتى تأتيهم البينة قال
ابن عرفة أى حتى أتنهم ، فاللفظ لفظ المضارع ومعناه الماضى، وهو كقوله تعالى (ما تتلوا الشيطين)
أى ما تلت ، والمعنى أهم ما كانوا منفكين عن ذكر مناقبه، ثم لما جاءهم محمد تفرقوا فيه، وقال
كل واحد فيه قولا آخر ردياً ونظيره قوله تعالى ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا
فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) والقول المختار فى هذه الآية هو الأول ، وفى الآية وجه رابع
وهو أنه تعالى حكم على الكفار أنهم ما كانوا منفكين عن كفرهم إلى وقت مجىء الرسول ، وكلمة
حتى تقتضى أن يكون الحال بعد ذلك ، بخلاف ما كان قبل ذلك ، والأمر هكذا كان لأن ذلك
المجموع ما بقوا على الكفر بل تفرقوا فمنهم من صار مؤمناً، ومنهم من صار كافراً ، ولما لم يبق
حال أولئك الجمع بعد مجىء الرسول كما كان قبل مجيئه ، كفى ذلك فى العمل بمدلول لفظ حتى ،
وفيها (وجه خامس) وهو أن الكفار كانوا قبل مبعث الرسول منفكين عن التردد فى كفرهم بل
كانوا جازمين به معتقدين حقيقته ، ثم زال ذلك الجزم بعد مبعث الرسول، بل بقواشا كين متحيرين
فى ذلك الدين وفى سائر الأديان ، ونظيره قوله (كان الناس أمةٍ واحد فبعث الله النبيين مبشرين
ومنذرين) والمعنى أن الدين الذى كانوا عليه صار كأنه اختاط بلحمهم ودمهم فاليهودى كان جازماً.
فى يهوديته وكذا النصرانى وعابد الوثن، فلما بعث محمد عليه الصلاة والسلام: اضطربت الخواطر
والأفكار وتشكك كل أحد فى دينه ومذهبه ومقالته ، وقوله تعالى ( منفكين ) مشعر بهذا لأن
انفكاك الشىء عن الشىء هو انفصاله عنه، فمعناه أن قلوبهم ماخلت عن تلك العقائد وما انفصلت عن
الجزم بصحتها ، ثم إن بعد المعبث لم يبق الأمر على تلك الحالة .
المسألة الثانية ﴾ الكفار كانوا جنسين (أحدهما) أهل الكتاب كفرق اليهود والنصارى
وكانوا كفاراً بإحداثهم فى دينهم ما كفروا به كقولهم (عزير ابن الله) و (المسيح ابن الله) وتحريفهم

٤٠
قوله تعالى : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب . سورة البينة .
كتاب الله ودينه (والثانى) المشركون الذين كانوا لا ينسبون إلى كتاب ، فذكر الله تعالى الجنسين
بقوله ( الذين كفروا) على الإجمال ثم أردف ذلك الإجمال بالتفضل، وهو قوله (من أهل
الكتاب والمشركين ) وههنا سؤالان:
( السؤال الأول ) تقدير الآية: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ومن المشركين
فهذا يقتضى أن أهل الكتاب منهم كافر ومنهم ليس بكافر ، وهذا حق ، وأن المشركين منهم كافر
ومنهم ليس بكافر ، ومعلوم أن هذا ليس بحق ( والجواب) من وجوه (أحدها ) كلمة من ههنا
ليست للتبعيض بل للتبيين كقوله (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) ( وثانيها) أن الذين كفروا
بمحمد عليه الصلاة والسلام، بعضهم من أهل الكتاب وبعضهم من المشركين ، فإذخبال كلمة من
لهذا السبب ( وثالثها ) أن يكون قوله (والمشركين) أيضاً وصفاً لأهل الكتاب، وذلك لأن
النصارى مثلثة واليهود عامتهم مشبهة ، وهذا كله شرك، وقد يقول القائل جاءنى العقلاء والظرفاء
يريد بذلك قوماً بأعيانهم يصفهم بالأمرين. وقال تعالى ( الرا كعون الساجدون الآمرون
بالمعرف والناهون عن المنكر، والحافظون لحدود) وهذا وصف لطائفة واحدة، وفى القرآن
من هذا الباب كثير، وهو أن ينعت قوم بنعوت شتى ، يعطف بعضها على بعض بواو العطف
ويكون الكل وصفاً لموصوف واحد .
﴿ السؤال الثانى) المجوس هل يدخلون فى أهل الكتاب ؟ ( قلنا) ذكر بعض العلماء أنهم
داخلون فى أهل الكتاب لقوله عليه السلام ((سنوليهم سنة أهل الكتاب)) وأنكره الآخرون
قال لأنه تعالى إنما ذكر من الكفار من كان فى بلاد العرب، وهم اليهود والنصارى ، قال تعالى
حكاية عنهم ( أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا) والطائفتا هم اليهود والنصارى .
﴿ السؤال الثالث) ماالفائدة فى تقديم أهل الكتاب فى الكفر على المشركين؟ حيث قال
( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشر كين) ؟ (الجواب) أن الواو لا تفيد الترتيب،
ومع هذا ففيه فوائد (أحدها ) أن السورة مدنية فكأن أهل الكتاب هم المقصودون بالذكر
(وثانيها) أنهم كانوا علماء بالكتب فكانت قدرتهم على معرفة صدق محمد أتم ، فكان إصرارهم
على الكفر أفح (وثاثها) أنهم لكونهم علما. يقتدى غيرهم بهم فكان كفرهم أصلا لكفر
غيرهم ، فلهذا قدموا فى الذكر ( ورابعها) أنهم لكونهم علماء أشرف من غيرهم فقدموا
فى الذكر
﴿ السؤال الرابع ) لم قال من أهل الكتاب، ولم يقل من اليهود والنصارى؟ (الجواب) لأن
قوله (من أهل الكتاب) يدل على كونهم علماء، وذلك يقتضى إما مزيد تعظيم، فلا جرم ذكروا
بهذا اللقب دون اليهود والنصارى ، أو لأن کویہ عالماً يقتضى مزید قبح فی کفرہ، فذ کروا بهذا
الوصف تنبيهاً على تلك الزيادة من العقاب.