النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
قوله تعالى : فسنيسره لليسرى. سورة الليل.
وتعب فهو من العسرى، وذلك وصف كل المعاصى .
﴿ المسألة الثانية﴾ التأنيث فى لفظ اليسرى، ولفظ العسرى فيه وجوه (أحدها) أن المراد
من اليسرى والعسرى إن كان جماعة الأعمال، فوجه التأنيث ظاهر، وإن كان المراد عملا واحداً رجع
التأنيث إلى الخلة أو الفعلة ، وعلى هذا من جعل يسرى هو تيسير العود [i] إلى ما فعله الإنسان من
الطاعة رجع التأنيث إلى العود[٥]، وكأنه قال فسنيسره للعود[٥] التى هى كذا ( وثانيها) أن يكون
مرجع التأنيث إلى الطريقة فكانه قال للطريقة اليسرى والعسرى (وثالثها ) أن العبادات أمور
شاقة على البدن ، فإذا علم المكلف أنها تفضى إلى الجنة سهلت تلك الأفعال الشاقة عليه ، بسبب
توقعه للجنة، فسمى الله تعالى الجنة يسرى، ثم علل حصول اليسرى فى أداء الطاعات بهذه اليسرى
وقوله (فسنيسره لليسرى) بالضد من ذلك .
﴿ المسألة الثالثة) فى معنى التيسير لليسرى والعسرى وجوه: وذلك لأن من فسر اليسرى
بالجنة فسر التيسير لليسرى بإدخال اللّه تعالى إياهم فى الجنة بسهولة وإكرام، على ما أخبر الله تعالى
عنه بقوله ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم) وقوله ( طبتم فادخلوها خالدين )
وقوله ( سلام عليكم بما صبر تم فنعم عقبى الدار) وأما من فسر اليسرى بأعمال الخير فالتيير لها
هو تسهيلها على من أراد حتى لا يعتريه من التثاقل ما يعترى المرائين والمنافقين من الكسل، قال
اللّه تعالى (وإنها الكبيرة على الخاشعين) وقال (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى) وقال
( مالكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل اللّه اثا قلتم إلى الأرض) فكان التيسير هو التنشيط.
﴿ المسألة الرابعة) استدل الأصحاب بهذه الآية على صحة قولهم فى التوفيق والخذلان ،
فقالوا إن قوله تعالى ( فسنيسره لليسرى ) يدل على أنه تعالى خص المؤمن بهذا التوفيق ، وهو أنه
جعل الطاعة بالنسبة إليه أرجح من المعصية، وقوله (فسنيسره للعسرى) يدل على أنه خص الكافر
بهذا الخذلان، وهو أنه جعل المعصية بالنسبة إليه أرجح مرن الطاعة، وإذا دلت الآية على
حصول الرجحان لزم القوم بالوجوب لأنه لا واسطة بين الفعل والترك، ومعلوم أن حال
الاستواء يمنع الرجحان، فال المرجوحية أولى بالامتناع، وإذا امتنع أحد الطرفين وجب حصول
الطرف الآخر ضرورة أنه لاخروج عن طرفى النقيض . أجاب القفال رحمه الله عن وجه التمسك
بالآية من وجوه (أحدها ) أن تسمية أحد الضدين باسم الآخر مجاز مشهور، قال تعالى ( وجزاء
سيئة سيئة مثلها) وقال (فبشرهم بعذاب أليم) فلما سمى الله فعل الألطاف الداعيه إلى الطاعات
تيسيراً لليسرى ، سمى ترك هذه الألطاف تيسيراً للعسرى (وثانيها) أن يكون ذلك على جهة إضافة
الفعل إلى المسبب له دون الفاعل . كما قيل فى الأصنام (رب إنهن أضللن كثيراً من الناس)
(وثالثها) أن يكون ذلك على سبيل الحكم به والإخبار عنه ( والجواب) عن الكل أنه عدول
عن الظاهر ، وذلك غير جائز ، لاسيما أنا بينا أن الظاهر من جانبنا متأكد بالدليل العقلى القاطع، ثم

٢٠٢
قوله تعالى : اما یغنی عنه ماله. سورة الليل.
وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالَهُ { إِذَا تَرَدَّىّ
٠٠,١٠٠
إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى
إن أصابنا أكدوا ظاهر هذه الآية بما روى عن على عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال (( ما من نفس منفوسة إلا وقد علم اللّه مكانها من الجنة والنار، قلنا: أفلا نشكل؟ قال: لا
اعملوا فكل ميسر لما خلق له)) أجاب القفال عنه بأن الناس كلهم خلقوا ليعبدوا الله، كما قال
( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) واعلم أن هذا ضعيف لأنه عليه السلام إنما ذكر هذا
جواباً عن سؤالهم ، يعنى اعملوا فكل ميسر لما وافق معلوم الله، وهذا يدل على قولنا أن ماقدره
الله على العبد وعلمه منه فانه متنع التغيير والله أعلم.
المسألة الخامسة﴾ فى دخول السين فى قوله (فسنيسره) وجوه (أحدها) أنه على سبيل
التوفيق والتلطيف وهو من الله تعالى قطع ويقين، كما فى قوله (اعبدوا ربكم - إلى قوله - لعلكم
تتقون) و (ثانيها) أن يحميل ذلك على أن المطيع قد يصير عاصياً، والعاصى قد يصير بالتوبة
مطيعاً، فهذا السبب كان التغيير فيه محالا ( وثالثها) أن الثواب لما كان أكثره وانعاً فى الآخرة،
وكان ذلك بما لم يأت وقته ، ولا يقف أحد على وقته إلا اللّه، لا جرم دخله تراخ، فأدخلت السين
لأنها حرف التراخى ليدل بذلك على أن الوعد آجل غير حاضر، والله أعلم .
قوله تعالى: ﴿وما يغنى عنه ماله إذا تردى﴾ فاعلم أن ما هنا يحتمل أن يكون استفهاماً
بمعنى الإنكار، ويحتمل أن يكون نفياً. وأما (تردى) ففيه وجهان (الأول) أن يكون ذلك
مأخوذاً من قولك: تردى من الجبل: قال الله تعالى (والمتردية والنطيحة) فيكون المعنى. تردى
فى الحفرة إذا قبر، أو تردى فى قعر جهنم، وتقدير الآية: إنا إذا يسرناه للعسرى، وهى النار
تردی فی جهنم ، فماذا یغنی عنه ماله الذی بخل به وتركه لوارثه ، ولم يصحبه منه إلى آخر ته، التی هی
موضع فقره وحاجته شىء، كما قال (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتر كتم
ما خولناكم وراء ظهور كم) وقال (ونرئه ما يقول ويأتينا فرداً) أخبر أن الذى ينتفع الإنسان
به هو ما يقدمه الإنسان من أعمال البر وإعطاء الأموال فى حقوقها، دون المال الذى يخلفه على
ورثته ( الثانى) أن تردى تفعل من الردى وهو الهلاك يريد الموت.
قوله تعالى: ﴿إن علينا للهدى): اعلم أنه تعالى لما عرفهم أن سعيهم شتى فى العواقب
وبين ما للمحسن من اليسرى والمسىء من العسرى، أخبرهم أنه قد قضى ما عليه من البيان والدلالة
. والترغيب والترهيب والإرشاد والهداية فقال ( إن علينا للهدى ) أى إن الذى يجب علينا فى
الحكمة إذا خلفنا الخلق للعبادة أن نبين لهم وجوه التعبد وشرح ما يكون المتعبد به مطيعاً مما
يكون به عاصياً، إذ كنا إنما خلقناهم لنتنفعهم ونرحمهم ونعرضهم للنعيم المقيم ، فقد فماذا ما كان

٢٠٣
قوله تعالى : وان لنا الآخرة والاولى. سورة الليل.
فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (٨) لَا يَصْلَنْهَاَ
وَإِنَّ لَنَا لِلْاِرَةَ وَالْأُولَى ◌َ
COt
الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَى
١٥)
إِلَّ الْأَشْقَ
فعله واجباً علينا فى الحكمة ؛ والمعتزل احتجوا بهذه الآية على صحة مذهبهم فى مسائل ( إحداها)
أنه تعالى أباح الأعذار وما كلف المكلف إلا ما فى وسعه وطاقته ، فثبت أنه تعالى لا يكلف بما
لا يطاق ( وثانيها) أن كلمة على الوجوب ، فتدل على أنه قد يجب العبد على الله شى. (وثالثها)
أنه لو لم يكن العبد مستقلا بالإيجاد لما كان فى وضع الدلائل فائدة، وأجوبة أصحابنا عن مثل
هذه الوجوه مشهورة، وذكر الواحدى وجهاً آخر نقله عن الفراء فقال المعنى: إن علينا للهدى
والإضلال، فترك الإضلال كما قال (سرابيل تقيكم الحر) وهى تفى الحر والبرد، وهذا معنى
قول ابن عباس فى رواية عطاء، قال يريد أرشد أوليائى إلى العمل بطاعتى ، وأحول بين أعدائى أن
يعملوا بطاعتى فذكر معنى الإضلال، قالت المعتزلة هذا التأويل ساقط لقوله تعالى ( وعلى الله
قصد السبيل ومنها جائر ) فبين أن قصد السبيل على الله، وأما جور السبيل فبين أنه ليس على الله
ولا منه، واعلم أن الاستقصاء قد سبق فى تلك الآية .
قوله تعالى: ﴿وإن لنا الآخرة والأولى) فقيه وجهان (الأول) أن لنا كل ما فى الدنيا
والآخرة فليس يضرباترككم الاهتداء بهدانا، ولا يزيد فى ملكنا اهتداؤكم ، بل نفع ذلك وضره
عائدان عليكم ولو شئنا لمنعناكم من المعاصى قهراً، إذ لنا الدنيا والآخرة وأكنا لا نمنعكم من هذا
الوجه، لأن هذا الوجه يخل بالتكليف، بل نمنعكم بالبيان والتعريف، والوعد والوعيد (الثانى) أن
لنا ملك الدارين نعطى ما نشاء من نشاء، فيطلب سعادة الدارين منا والأول أوفق لقول المعتزلة،
والثانى أو فق لقولنا .
قوله تعالى: ﴿ فأنذرتكم ناراً تلظى، لا يصلالها إلا الأشقي، الذى كذب وتولى﴾ تلظى أى
تتوقد وتتلهب وتتوهج، يقال تلظت النار تلظياً، ومنه سميت جهنم لظى ، ثم بين أنها من هى
بقوله (لا يصلاها إلا الأشقى) قال ابن عباس: نزلت فى أمية بن خلف وأمثاله الذين كذبوا محمداً
والأنبياء قبله، وقيل إن الأشقى بمعنى الشقى كما يقال: لست فيها بأوحد أى بواحد ، فالمعنى
لا يدخلها إلا الكافر الذى هو شقى لأنه كذب بآيات الله، وتولى أى أعرض عن طاعة الله.
واعلم أن المرجئة يتمسكون بهذه الآية فى أنه لا وعيد إلا على الكفار ، قال القاضى: ولا يمكن
إجراء هذه الآية على ظاهرها ، ويدل على ذلك ثلاثة أوجه (أحدها) أنه يقتضى أن لا يدخل النار
( إلا الأشقى الذى كذب وتولى)فوجب فى الكافر الذى لم يكذب ولم يتول أن لا يدخل النار
( وثانيها) أن هذا إغراء بالمعاصى، لأنه بمنزلة أن يقول الله تعالى، لمن صدق بالله ورسوله ولم
٠

٢٠٤
قوله تعالى : لا يصلاها الا الا شقى. سورة الليل.
يكذب ولم يتول: أى معصية أقدمت عليها، فلن قصرك ، وهذا يتجاوز حد الإغراء إلى أن تصير
كالإباحة ، وتعالى الله عن ذلك (وثالثها) أن قوله تعالى: من بعد ( وسيجنبها الأتق) يدل على ترك
هذا الظاهر لأنه معلوم من حال الفاسق، أنه ليس بأتقى، لأن ذلك مبالغة فى التقوى ، ومن يرتكب
عظائم الكبار لا يوصف بأنه أتقى ، فإن كان الأول يدل على أن الفاسق لا يدخل النار ، فهذا
الثانى يدل على أن الفاسق لا يجنب النار ، وكل مكاف لا يجنب النار، فلابد وأن يكون من أهلها ،
ولما ثبت أنه لابد من التأويل، فنقول: فيه وجهان (الأول ) أن يكون المراد بقوله (ناراً تلظى)
ناراً مخصوصة من الغير ان، لأنها دركات لقوله تعالى (إن المنافقين فى الدرك الأسفل من النار )
فالآية تدل على أن تلك النار المخصوصة لا يصلاها سوى هذا الأشقي، ولا تدل على أن الفاسق وغير
من هذا صفته من الكفار لا يدخل سائر النيران (الثانى) أن المراد بقوله ( ناراً تاظى) النيران
أجمع، ويكون المراد بقوله (لا يصلاها إلا الأشقي) أى هذا الأشقي به أحق، وثبوت هذه الزيادة
فى الاستحقاق غير حاصل إلا لهذا الأشقى. واعلم أن وجوه القاضى ضعيفة.
أما قوله (أولا) يلزم فى غير هذا الكافر أن لا يدخل النار (نج وابه) أن كل كافر لابدوأن يكون
مكذباً للنبى فى دعواه ، ويكون منولياً عن النظر فى دلالة صدق ذلك النبى، فيصدق عليه أنه أشقى
من سائر العصاة ، وأنه ("كذب وتولى) وإذا كان كل كافر داخلا فى الآية سقط ماقاله القاضى.
وأما قوله ( ثانياً) إن هذا إغراء بالمعصية فضعيف أيضاً ، لأنه يكفى فى الزجر عن المعصية
حصول الذم فى العاجل وحصول غضب الله بمعنى أنه لا يكرمه ولا يعظمه ولا يعيطه الثواب،
ولعله يعذبه بطريق آخر ، فلم يدل دليل على انحصار طريق التعذيب فى إدخال النار .
وأما قوله ( ثالثاً) (وسيجنبها الأتقى) فهذا لا يدل على حال غير الأتقى إلا على سبيل
المفهوم ، والتمسك بدليل الخطاب وهو ينكر ذلك فكيف تمسك به؟ والذى يؤكد هذا أن هذا
يقتضى فيمن ليس بأتقى دخول النار ، فيلزم فى الصبيان والمجانين أن يدخلوا النار وذلك باطل .
وأما قوله (رابعاً) المراد منه نار مخصوصة، وهى النار التى تتلظى فضعيف أيضاً ، لأن قوله
(ناراً تلظى) يحتمل أن يكون ذلك صفة لكل النيران، وأن يكون صفة لنار مخصوصة ، لكنه تعالى
وصف كل نار جهنم بهذا الوصف فى آية أخرى ، فقال ( كلا إنها لظى نزاعة للشوى )
وأماقوله: المراد إن هذا الأشقي أحق به فضعيف لأنه ترك للظاهر من غير دليل ، فثبت ضعف
الوجوه التى ذكرها القاضى ، فإن قيل فما الجواب عنه على قولكم، فانكم لا تقطعون بعدم وعيد
الفساق؟ (الجواب) من وجهين: (الأول) ماذكره الواحدى وهو أن معنى (لا يصلاها)
لا يلزمها فى حقيقة اللغة ، يقال. صلى الكافر النار إذا لزمها مقاسياً شدتها وحرها، وعندنا أن هذه
اللازمة لا تثبت إلا للكافر ، أما الفاسق فإما أن لا يدخلها أو إن دخلها تخلص منها ( الثانى) أن
يخص عموم هذا الظاهر بالآيات الدالة على وعيد الفساق ، والله أعلم.

٢٠٥
قوله تعالى : وسيجنيها الاتقى . سورة الليل .
وَسَيُجَُّهَا الْأَثْقَى ◌َ الَّذِى يُؤْتِى مَا لَهُ يَتَزَكْى (٨) وَمَ لِأَحَدٍ عِندَهُ، مِن
نِعْمَةٍ تُجْزَىّ
قوله تعالى : ﴿ وسیجنبها الآتقى، الذى يؤتى ماله يتزكى، وما لأحد عنده من نعمة تجزى﴾ معنى
سيجنبها أى سيبعدها و يجعل منها على جانب يقال جنفته الشىء أى بعدته وجنبته عنه، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾ أجمع المفسرون منا على أن المراد منه أبو بكر رضى الله تعالى عنه. واعلم
أن الشيعة بأسرهم ينكرون هذه الرواية، ويقولون إنها نزلت فى حق على ابن أبى طالب عليه السلام
والدليل عليه قوله تعالى (ويؤتون الزكاة وهم راكعون) فقوله (الأتقى، الذى يؤتى ماله يتزكى)
إشارة إلى ما فى الآية من قوله ( يؤتون الزكاة وهم راكعون) ولما ذكر ذلك بعضهم فى محضرى
قلت - أقيم الدلالة العقلية على أن المراد من هذه الآية أبو بكر وتقريرها: إن المراد من هذا الأتقى هو
أفضل الخلق ، فإذا كان كذلك، وجب أن يكون المراد هو أبوبكر، فهاتان المقدمتان منى صحتاصح
المقصود، إنما قلنا إن المراد من هذا الأتقى أفضل الخلق لقوله تعالى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)
والأكرم هو الأفضل ، فدل على أن كل من كان أتقي وجب أن يكون أفضل ، فإن قيل الآية
دلت علی أن کل من كان أ کرم کان أتقى ، وذلك لا يقتضى أن كل من كان أتقى كان أكرم، قلنا
وصف كون الإنسان أتقى معلوم مشاهد، ووصف كونه أفضل غير معلوم ولا مشاهد ، والإخبار
على المعلوم بغير المعلوم هو الطريق الحسن، أما عكسه فغير مفيد، فتقدير الآية كأنه وقعت الشبهة
فى أن الأكرم عند الله من هو ؟ فقيل: هو الأتقى، وإذا كان كذلك كان التقدير أتقا كم أكرمكم
عند الله، فثبت أن الأتقى المذكور ههنا لابد وأن يكون أفضل الخلق عند الله، فنقول: لابد
وأن يكون المراد به أبا بكر لأن الأمة مجمعة على أن أفضل الخلق بعدرسول اللّه، إما أبو بكر أو على،
ولا يمكن حمل هذه الآية على على بن أبى طالب ، فتعين حملها على أبى بكر، وإنما قلنا إنه لا يمكن
حملها على على بن أبى طالب لأنه قال فى صفة هذه الأتقى (وما لأحد عنده من نعمة تجزى )
وهذا الوصف لا يصدق على على بن أبى طالب، لأنه كان فى تربية النبى يؤلتع لأنه أخذه من أبيه
وكان يطعمه ويسقيه ، ويكسوه، ويربيه ، وكان الرسول منعما عليه نعمة يجب جزاؤها ، أما أبو بكر
فلم يكن للنبى عليه الصلاة والسلام عليه دنيوية ، بل أبو بكر كان ينفق على الرسول عليه السلام
بل كان الرسول عليه السلام عليه نعمة الهداية والإرشاد إلى الدين ، إلا أن هذا لا يجزى ، لقوله
تعالى ( ما أسألكم عليه من أجر) والمذكور ههنا ليس مطلق النعمة بل نعمة تجزى ، فعلمنا أن
هذه الآية لا تصلح لعلى ابن أبى طالب ، وإذا ثبت أن المراد بهذه الآية من كان أفضل الخلق
وثبت أن ذلك الأفضل من الأمة، إما أبو بكر أو على، وثبت أن الآية غير صالحة لعلى، تعين

٢٠٦
قوله تعالى : إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى . سورة الليل .
إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَ (٣٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٨)
حملها على أبى بكسر رضى الله عنه، وثبت دلالة الآية أيضاً على أن أبا بكر أفضل الأمة، وأما
الرواية فهى أنه كان بلال [عبداً] لعبد الله بن جدعان، فسلح على الأصنام فشكا إليه المشر كون
فعله ، فوهبه لهم ، ومائة من الإبل ينحرونها لآلهتهم ، فأخذوه وجعلوا يعذبونه فى الرمضاء
وهو يقول: أحد، أحد، فمن به رسول الله، وقال: ينجيك أحد، أحد. ثم أخبر رسول الله
أبا بكر أن بلالا يعذب فى اللّه: لحمل أبو بكر وطلا من ذهب فابتاعه به، فقال المشر كون ما فعل
ذلك أبو بكر إلا ليد كانت لبلالى عنده، فنزل ( وما لأحد عنده من نعمة تجزى ، إلا ابتغاء وجه ربه
الأعلى) وقال ابن الزبير وهو على المنبر: كان أبو بكر يشترى الضعفة من العبيد فيعتقهم ، فقال له
أبوه: يابنى لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك، فقال. منع ظهرى أريد. فنزلت هذه الآية.
﴿ المسألة الثانية﴾ قال صاحب الكشاف فى مجل (يتزكى) وجهان: إن جعلت بدلا من يؤتى
فلا محل له ، لأنه داخل فى حكم الصلة، والصلات لا محل لها. وإن جعلته حالا من الضمير فى
(يؤتى) فمحله النصب .
قوله تعالى: ﴿إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، ولسوف يرضى﴾ فيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ (ابتغاء وجه ربه) مستثنى من غير جنسه وهو النعمة (أى مالأحد عنده)
نعمة ( إلا ابتغاء وجه ربه) كقولك ما فى الدار أحداً إلا حماراً، وذكر الفراء فيه وجهاً آخر وهو
أن يضمر الإنفاق على تقدير: ما ينفق إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، كقوله ( وما تنفقون إلا ابتغاء
وجه الله ).
﴿ المسألة الثانية) اعلم أنه تعالى بين أن هذا (الأتقى الذى يؤتى ماله يتز كى) لا يؤتيه
مكافأة على هدية أو نعمة سالفة ، لأن ذلك يجرى مجرى أداء الدين ، فلا يكون له دخل فى استحقاق
مزيد الثواب بل إنما يستحق الثواب إذا فعله ، لأجل أن الله أمره به وحثه عليه.
المسألة الثالثة﴾ المجسمة تمسكوا بلفظة الوجه والملحدة تمسكوا بلفظة (ربه الأعلى) وإن
ذلك يقضى وجود رب آخر ، وقد تقدم الكلام على كل ذلك.
﴿ المسألة الرابعة) ذكر القاضى أبو بكر الباقلانى فى كتاب الإمامة، فقال: الآية الواردة فى
حق على عليه السلام ( إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولاشكوراً، إنا نخاف من ربنا يوم
عبوساًقطريراً) والآية الواردة فى حق أبى بكر (إلا ابتغاء وجهربه الأعلى، ولسوف يرضى) فدلت.
الآيتان على أن كل واحد منهما إنما فعل ما فعل لوجه الله إلا أنآية على تدل على أنه فعل ما فعل لوجه
الله، وللخوف من يوم القيامة على ما قال (إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً) وأما آية أبى بكر
فإنها دلت على أنه فعل ما فعل لمحض وجه الله من غير أن يشوبه طمع فيما يرجع إلى رغبة فى ثواب

٢٠٧
قوله تعالى : ولسوف يرضى . سورة الليل .
أو رهبة من عقاب ، فكان مقام أبى بكر أعلى وأجل .
﴿ المسألة الخامسة) من الناس من قال: ابتغاء اللّه بمعنى ابتغاء ذاته وهى محال، فلابد وأن
يكون المراد ابتغاء ثوابه وكرامته، ومن الناس من قال لاحاجة إلى هذا الإضمار، وحقيقة هذه
المسألة راجعة إلى أنه هل يمكن أن يحب العبد ذات الله. أو المراد من هذه المحبة محبة ثوابه وكرامته،
وقد تقدم الكلام فى هذه المسألة فى تفسير قوله ( والذين آمنوا أشد حباً مه).
﴿ المسألة السادسة﴾ قرأ يحيى بن وثاب (إلا ابتغاء وجه ربه) بالرفع على لغة من يقول ما فى
الدار أحد إلا حماراً وأنشد فى اللغتين، قوله :
وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس
أما قوله (ولسوف يرضى) فالمعنى أنه وعد أبا بكر أن يرضيه فى الآخرة بثوايه، وهو كقوله
لرسوله صلى الله عليه وسلم (ولسوف يعطيك ربك فترضى) وفيه عندى وجه آخر، وهو أن
المراد أنه ما أنفق إلا اطلب رضوان الله، ولسوف يرضى الله عنه، وهذا عندى أعظم من الأول
لأن رضا الله عن عبده أكمل للعبد من رضاه عن ربه، وبالجملة فلابد من حصول الأمرين على
ما قال (راضية مرضة) والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلىآله وصحبه وسلم.
-

٢٠٨
سورة والضّحى
(٩٣) سُورة الضَّحِى لَكِيَّة
وَآَيَانِها إِحْرَى عشرة
-١
٩-١
بِسُـ
وَالضُّحَى ﴾ وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى
CY
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿والضحى، والليل إذا سجى﴾ لأمل التفسير فى قوله. (والضحى) وجهان: (أحدهما)
أن المراد بالضحى وقت الضحى وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس وتلقى شعاعها (وثانيها)
الضحى هو البهار كله بدليل أنه جعل فى مقابلة الليل كله .
وأما قوله ( والليل إذا سجى) فذكر أهل اللغة فى (جى) ثلاثة أوجه متقاربة. سكن وأظلم
وغطى (أما الأول) فقال أبو عبيد والمبرد والزجاج: سجى أى سكن يقال ليلة ساجية أى ساكنة
الريح، وعين ساجية أى فازة الطرف. وسحمى البحر إذا سكنت أمواجه، وقال فى الدعاء:
يا مالك البحر إذا البحر سجى
( وأما الثانى) وهو تفسير سيجى بأظلم. فقال الفراء: سجى أى أظلم ور كد فى طوله.
(وأما الثالث) وهو تفسير سجى بغطى، فقال الأصمعى وابن الأعرابى سجى الليل تغطيته
النهار، مثل ما يجى الرجل بالثوب، واعلم أن أقوال المفسرين غير خارجة عن هذه الوجوه الثلاثة
فقال ابن عباس: غطى الدنيا بالظلمة، وقال الحسن: ألبس الناس ظلامه، وقال ابن عباس فى رواية
سعيد بن جبير : إذا أقبل الليل غطى كل شىء ، وقال مجاهد وقتادة والسعى وابن زيد: سكن بالناس.
ولسكونة معنيان (أحدهما) سكون الناس فنسب إليه كما يقلل ليل نائم ونهارصائم ( والثانى) هو
أن سكونه عبارة عن استقرار ظلامه واستوائه فلا يزداد بعدذلك، وههنا سؤالات :
﴿ السؤال الأول) ما الحكمة فى أنه تعالى فى السورة الماضية قدم ذكر الليل، وفى هذه
السورة أخره؟ قلنا: فيه وجوه (أحدها) أن بالليل والنهار ينتظم مصالح المكلفين، والليل له فضيلة
السبق لقوله (وجعل الظلمات والنور) وللهار فضيلة النور، بل الليل كالدنيا والنهار كالآخرة ، فلما
كان لكل واحد فضيلة ليست الآخر، لا جرم قدم هذا على ذاك تارة وذاك ، على هذا أخرى

٢٠٩
قوله تعالى : والضحى والليل . سورة الضحى .
:
ونظيره أنه تعالى قدم السجود على الركوع فى قوله ( واسجد وار كعى) ثم قدم الركوع على
السجود فى قوله ( ار كعوا واسجدوا) (وثانيها) أنه تعالى قدم الليل على النهار فى سورة
أبى بكر لأن أبا بكر سبقه كفر ، وههنا قدم الضحى لأن الرسول عليه الصلاة والسلام ما سبقه
ذنب ( وثالثها) سورة والليل -ورة أبى بكر، وسورة الضحى سورة محمد عليه الصلاة والسلام
ثم ما جعل بينهما واسطة ليعلم أنه لا واسطة بين محمد وأبى بكر ، فإذا ذكرت الليل أولا وهو
أبو بكر، ثم صعدت وجدت بعده النهار وهو محمد، وإن ذكرت والضحى أولا وهو محمد، ثم
نزلت وجدت بعده، والليل وهو أبو بكر ، ليعلم أنه لا واسطة بينهما .
﴿ السؤال الثانى) ما الحكمة ههنا فى الحلف بالضحى والليل فقط؟ ( والجواب) لوجوه
(أحدها) كأنه تعالى يقول الزمان ساعة، فساعة ساعة ليل، وساعة نهار، ثم يزداد فمرة تزداد ساعات
الليل وتنقص ساعات النهار، ومرة بالعكس فلا تكون الزيادة لهوى ولا النقصان لقلى. بل
للحكمة ، كذا الرسالة وإنزال الوحى بحسب المصالح فمرة إنزال ومرة حبس ، فلا كان الإنزال عن
هوى، ولا كان الحبس عن قلى (وثانيها) أن العالم لا يؤثر كلامه حتى يعمل به، فلما أمر الله تعالى
بأن البينة على المدعى واليمين على من أنكر ، لم يكن بد من أن يعمل به ، فالكفار لما ادعوا أن
ربه ودعه وقلاه، قال هاتوا الحجة فعجزوا فلزمه اليمين بأنه ماودعه رنه وما قلاه ( وثانيها) كاته ..
تعالى يقول: انظروا إلى جوار الليل مع النها لا يسلم أحدهما عن الآخر بل الليل تارة يغلب وتارة
يغلب فكيف تطمع أن تسلم على الخلق .
﴿السؤال الثالث) لم خص وقت الضحى بالذكر؟ (الجواب) فيه وجوه (أحدها ) أنه وقت
اجتماع الناس وكمال الأنس بعد الاستيحاش فى زمان الليل، فبشروه أن بعد استيحاشك بسبب
احتباس الوحى يظهر ضحى نزول الوحى (وثانيها) أنها الساعة التى كلم فيها موسى ربه، وألقى فيها
السحرة سوداً ، فاكتسى الزمان صفة الفضيلة لكونه ظرفاً ، فكيف فاعل الطاعة ! وأفاد أيضاً أن
الذى أكرم موسى لا يدع إكرامك، والذى قلب قلوب السحرة حتى سجدوا يقلب قلوب أعدائك.
﴿ السؤال الرابع﴾ ما السبب فى أنه ذكر الضحى وهو ساعة من النهار، وذكر الليل بكليته؟
(الجواب) فيه وجوه (أحدها) أنه إشارة إلى أن ساعة من النهار توازى جميع الليل كما أن.
محمداً إذا وزن يوازى جميع الأنبياء ( والثانى) أن النهار وقت السرور والراحة، والليل وقت
الوحشة والغم فهو إشارة إلى أن هموم الدنيا أدوم من سرورها ، فإن الضحى ساعة والليل كذا
ساعات ، يروى أن اللّه تعالى لما خلق العرش أظلت غمامة سوداء عن يسارة، ونادت ماذا أمطر؟
فأجيبت أن أمطرى الهموم والأحزان مائة سنة، ثم انكشفت فأمرت مرة أخرى بذلك وهكذا
إلى تمام ثلاثمائة سنة ، ثم بعد ذلك أظلت عن يمين العرش غمامة بيضاء ونادت: ماذا أمطر؟
فأجيبت أن أمطرى السرور ساعة، فلهذا السبب ترى الغموم والأحزان دائمة، والسرور قليلا
الفخر الرازي - ج ٣١ م ١٤

٢١٠
قوله تعالى : ما ودعك ربك وما قلى . سورة الضحى .
٣
مَا وَدَّ عَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَ
ونادراً (وثالثها) أن وقت الضحى وقت حركة الناس وتعارفهم فصارت نظير وقت الحشر، والليل
إذا سكن نظير سكون الناس فى ظلمة القبور، فكلاهما حكمة ونعمة لكن الفضيلة للحياة على الموت،
ولما بعد الموت على ماقبله، فلهذا السبب قدم ذكر الضحى على ذكر الليل (ورابعها) ذكروا
الضحى حتى لا يحصل اليأس من روحه، ثم عقبه بالليل حتى لا يحصل الأمن من مكره.
﴿ السؤال الخامس) هل أحد من المذكرين فسر الضحى بوجه محمد والليل بشعره ؟
(والجواب) نعم ولا استبعاد فيه ومنهم من زاد عليه فقال: والضحى ذكور أهل بيته، والليل
إنائهم ، ويحتمل الضحى رسالته والليل زمان احتباس الوحى، لأن فى حال النزول حصل
الاستئناس وفى زمن الاحتباس حصل الاستيحاش، ويحتمل والضحى أور عليه الذى به يعرف
المستور من الغيوب: والليل عفوه الذى به يسترجميع العيوب. ويحتمل أن الضحى إقبال الإسلام
بعد أن كل غريباً والليل إشارة إلى أنه سيعود غريباً، ويحتمل والضحى كمال العقل، والليل حال
الموت، ويحتمل أقسم بعلانيتك التى لايرى عليها الخلق عيباً ، وبسرك الذى لا يعلم عليه عالم الغيب عيباً
قوله تعالى : ﴿ ما ودعك ربك وما قلى ﴾ فيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ قال أبو عيدة والمبرد: ودعك من التوديع كما يودع المفارق ، وقرى.
بالتخفيف أى ماتركك، والتوديع مبالغة فى الوداع، لأن من ودعك مفارقاً فقد بالغ فى تركاء
والفلى البغض. يقال قلاه يقليه قلى ومقلية إذا أبغضه، قال الفراء: يريد وما قلاك، وفى ذف
الکاف وجوم (أحدها) حذفت الکافا کتفاء بالکاف الأولی فی ودعك ، ولان رؤس الآيات
بالياء، فأوجب اتفاق الفواصل حذف الكاف (وثانيها ) فائدة الإطلاق أنه ما قلاك ولا [لا ]
أحد من أصحابك. ولا أحداً ممن أحبك إلى قيام القيامة، تقريراً لقوله ((المرءمع من أحب)).
المسألة الثانية﴾ قال المفسرون أبطأ جبريل على النبى صلى الله عليه وسلم. فقال المشر كون
قد قلاه الله وودعه، فأنزل الله تعالى عليه هذه الآية، وقال السدى: أبطأ عليه أربعين ليلة
فشكا ذلك إلى خديجة ، فقالت لعل ريك نسيك أو فلاك، وقيل إن أم جميل امرأة أبى لهب
قالت له: يا محمدما أرى شيطانك إلا قد تركك، وروى عن الحسن أنه قال أبطأ على الرسول صلى
الله عليه وسلم الوحى، فقال لخديجة ((إن ربى ودعنى وقلانى، يشكو إليها، فقالت كلا والذي بعثك
بالحق ما ابتدأك الله بهذه الكرامة إلا وهو يريد أن يتمها لك)) فنزل ( ما ودعك ربك وما قلى)
وطعن الأصوليون فى هذه الرواية، وقالوا أنه لا يليق بالرسول بدليل أن يظن أن اللّه تعالى ودعه
وقلاه، بل يعلم أن عزل النبى عن النبوة غير جائز فى حكمة الله تعالى، ويعلم أن نزول الوحى
يكون بحسب المصلحة، وربما كان الصلاح تأخيره، وربما كان خلاف ذلك، فثبت أن هذا

٢١١
قوله تعالى : وللآخرة خير لك من الاولى . سورة الضحى .
وَلَلْأَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى ﴾
الكلام غير لائق بالرسول عليه الصلاة والسلام ، ثم إن صح ذلك يحمل على أنه كان مقصوده
عليه الصلاة والسلام أن يجربها ليعرف قدر عليها ، أو ليعرف الناس قدر عليها، واختلفوا فى
قدر مدة أنقطاع الوحى، فقال ابن جريج اثنا عشر يوماً ، وقال الكلبى خمسة عشر يوماً ، وقال
ابن عباس خمسة وعشرون يوماً ، وقال السدى ومقاتل أربعون يوماً، واختلفو فى سبب احتباس
جبريل عليه السلام، فذكر أكثر المفسرين أن اليهود سألت رسول الله عَ لجه عن الروح
وذى القرنين وأصحاب الكهف، فقال (( سأخبركم غداً ولم يقل إن شاء الله )) فاحتبس عنه الوحى،
وقال ابن زيد: السبب فيه كون جرو فى بيته الحسن والحسين ، فلما نزل جبريل عليه السلام،
عاقبه رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال (( أما علمت أنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة))
وقال جندب بن سفيان: رمى النبى عليه الصلاة بحجر فى إصبعه ، فقال:
هل أنت إلا أصبع دميت وفى سبيل الله ما لقيت
فأبطأ عنه الوحى، وروى أنه كان فيهم من لا يفلم الأظفار وههنا سؤالان.
﴿ السؤال الأول ) الروايات التى ذكرتم تدل على أن احتباس الوحى كان عن قلى (قلنا)
أقصى ما فى الباب أن ذلك كان تركا للأفضل والأولى، وصاحبه لا يكون بمقوتاً ولا مبغضاً،
وروى أنه عليه الصلاة والسلام قال لجبريل ((ما جئتنى حتى اشتقت إليك، فقال جبريل: كنت
إليك أشوق ولكنى عبداً مأمور)) وتلا ( وما نتنزل إلا بأمر ربك).
(السؤال الثانى) كيف يحسن من السلطان أن يقول لأعظم الخلق قربة عنده: إنى لا أبغضك
تشريفاً له؟ (الجواب) أن ذلك لا يحسن ابتداء، لكن الأعداء إذا ألقوا فى الألسنة أن السلطان
يبغضه، ثم تأسف ذلك المقرب فلا لفظ أقرب إلى تشريفه من أن يقول له: إنى لا أبغضك ولا
أدعك ، وسوف ترى منزلتك عندى.
﴿ المسألة الثالثة) هذه الوابعة تدل على أن القرآن من عند الله، إذ لو كان من عنده لما امتنع.
قوله تعالى: ﴿والآخرة خير لك من الأولى}
وأعلم أن فى اتصاله بما تقدم وجوهاً ( أحدما) أن يكون المعنى أن انقطاع الوحى لا يجوز أن
يكون لأنه عزل عن النبوة، بل أقصى ما فى الباب ، أن يكون ذلك لأنه حصل الاستغناء عن الرسالة،
وذلك أمارة الموت فكأنه يقال انقطاع الوحى متى حصل دل على الموت ، لكن الموت خير لك.
فإن مالك عند الله فى الآخرة خير وأفضل مما لك فى الدنيا ( وثانيها) لما نزل (ماوعك ربك)
حصل له بهذا تشريف عظيم ، فكانه استعظم هذا التشريف فقيل له (وللآخرة خيرلك من الأولى
أى هذا التشريف وإن كان عظيما إلا أن مالك عند الله فى الآخرة خير وأعظم (وثالثها ) ما يخطر

٢١٢
قوله تعالى : ولسوف يعطيك . سورة الضحى .
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَّ
يالى، وهو أن يكون المعنى وللأحوال الآتية خير لك من الماضية كأنه تعالى وعده بأنه سيزيده
كل يوم عزاً إلى عز، ومنصباً إلى منصب ، فيقول: لا تظن أنى قليتك بل تكون كل يوم يأتى فإنى
أزيدك منصباً وجلالا ، وههنا سؤالان :
﴿السؤال الأول) بأى طريق يعرف أن الآخرة كانت له خيراً من الأولى؟ (الجواب)
لوجوه (أحدها ) كأنه تعالى يقول له إنك فى الدنيا على خير لأنك تفعل فيها ماتريد ، ولكن
الآخرة خير لك لأنا نفعل فيها ما نريد ( وثانيها) الآخرة خير لك يجتمع عندك أمتك إذ الأمة له
كالأولاد قال تعالى (وأزواجه أمهاتهم) وهو أب لهم، وأمته فى الجنة فيكون كأن أولاده فى الجنة،
ثم سمى الولد قرة أعين ، حيث حكى عنهم (هب لنا من أزواجنا وزرياتنا قرة أعين) ( وثالثها )
الآخرة خير لك لأنك اشتريتها ، أما هذه ليست لك ، فعلى تقدير أن لو كانت الآخرة أقل من
الدنيا لكانت الآخرة خيراً لك، لأن مملوكك خير لك مما لا يكون ملوكالك ، فكيف ولانسبة
للآخرة إلى الدنيا فى الفضل (ورابعها) الآخرة خير لك من الأولى لأن فى الدنيا الكفار يطعنون
فيك أما فى الآخرة فأجعل أمتك شهداء على الأمم، وأجعلك شهيداً على الأنبياء ، ثم أجعل ذاتى
شهيداً لك كما قال (وكفى بالله شهيداً محمد رسول الله) (وخامسها) أن خيرات الدنيا قليلة مشوية
منقطعة، ولذات الآخرة كثيرة خالصة دائمة .
﴿ السؤال الثانى) لم قال (والآخرة خير لك) ولم يقل خير لكم؟ (الجواب) لأنه كان فى
جماعته من كانت الآخرة شراً له، فلو أنه سبحانه عمم لكان كذباً، ولو خصص المطيعين بالذكر
لافتضح المذنبون والمنافقون . ولهذا السبب قال موسى عليه السلام (كلا إن معی ربي سيهدين)
وأما محمد ◌ِ يمٍ فالذى كان معه لما كان من أهل السعادة قطعاً، لا جرم قال (إن الله معنا) إذ لم يكن
ثم إلا فى وصديق ، وروى أن موسى عليه السلام خرج الاستسقاء، ومعه الألوف ثلاثة أيام فلم
يجدوا الإجابة، فسأل موسى عليه السلام عن السبب الموجب لعدم الإجابة. فقال: لا أجيبكم مادام
معكم ساع بالنميمة، فسأل موسى من هو؟ فقال: [إنى] أبغضه فكيف أعمل عمله، فما مضت مدة قليلة
حتى نزل الوحى بأن ذلك النمام قدمات ، وهذه جنازته فى مصلى ، كذا فذهب موسى عليه السلام
إلى تلك المصلى، فإذا فيها سبعون من الجنائز ، فهذا ستره على أعدائه فكيف على أولياته. ثم تأمل
فإن فيه دقيقة لطيفة، وهى أنه عليه السلام قال ((لولا شيوخ ركع)) وفيه إشارة إلى زيادة فضيلة هذه
الأمة ، فإنه تعالى كان يرد الألوف لمذنب واحد، وههنا يرحم المذنبين لمطيع واحد.
قوله تعالى: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ واعلم اتصاله بما تقدم من وجهين (الأول)
هو أنه تعالى لما بين أن الآخرة (خير له من الأولى) ولكنه لم يبين أن ذلك التفاوت إلى أى حد

٢١٣
قوله تعالى : ولسوف يعطيك ربك . سورة الضحى .
يكون . فبين بهذه الآية مقدار ذلك التفاوت ، وهو أنه ينتهى إلى غاية ما يتمناه الرسول ويرقضيه
(الوجه الثانى) كأنه تعالى لما قال (والآخرة خير لك من الأولى) فقيل ولم قلت إن الأمر
كذلك، فقال لأنه يعطيه كل ما يريده وذلك بما لا تتسع الدنيا له ، فثبت أن الآخرة خير له من
الأولى، واعلم أنه إن حملنا هذا الوعد على الآخرة فقد يمكن حمله على المنافع ، وقد يمكن حمله
على التعظيم ، أما المنافع ، فقال ابن عباس: ألف قصر فى الجنة من لؤلؤ أبيض ترابه المسك وفيها
ما يليق بها ، وأما التعظيم فالمروى عن على بن أبى طالب عليه السلام وابن عباس ، أن هذا هو
الشفاعة فى الأمة ، يروى أنه عليه السلام لما نزلت هذه الآية قال إذاً لا أرضى وواحد من أمتى
فى النار ، واعلم أن الحمل على الشفاعة متعين ، ويدل عليه وجوه (أحدها) أنه تعالى أمره فى الدنيا
بالاستغفار فقال ( استغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ) فأمره بالاستغفار والاستغفار
عبارة عن طلب المغفرة ، ومن طلب شيئاً فلا شك أنه لا يريد الرد ولا يرضى به وإنما يرضى
بالإجابة ، وإذا ثبت أن الذى يرضاه الرسول صلى الله عليه وسلم هو الإجابة لا الرد ، ودات هذه
الآية على أنه تعالى يعطيه كل مايرتضيه. علمنا أن هذه الآية دالة على الشفاعة فى حق المذنبين
(والثانى) وهو أن مقدمة الآية مناسبة لذلك كأنه تعالى يقول لا أودعك ولا أبغضك بل لا أغضب
على أحد من أصحابك وأتباعك وأشياعك طلباً لمرضاتك وتطيباً لقلبك ، فهذا التفسير أوفق
المقدمه الآية (والثالث) الأحاديث الكثيرة الواردة فى الشفاعة دالة على أن رضا الرسول عليه الصلاة
والسلام فى العفو عن المذنبين ، وهذه الآية دلت على أنه تعالى يفعل كل مايرضاه الرسول فتحصل
من مجموع الآية والخبر حصول الشفاعة، وعن جعفر الصادق عليه السلام أنه قال : رضاء جدى
أن لا يدخل النار موحد، وعن الباقر، أهل القرآن يقولون: أرجى آية قوله ( ياعبادي الذين أسرفوا
على أنفسهم) وإنا أهل البيت نقول أرجى آية قوله ( ولسوف يعطيك ربك فترضى) والله إنها
الشفاعة ليعطاها فى أهلى لا إله إلا الله حتى يقول رضيت، هذا كله إذا حملنا الآية على أحوال الآخرة،
أما لو حملنا هذا الوعد على أحوال الدنيا فهو إشارة إلى ما أعطاه الله تعالى من الظفر بأعدائه يوم
بدر ويوم فتح مكة ودخول الناس فى الدين أفواجاً ، والغلبة على قريظة والنضير وإجلائهم وبث
عساكره وسراياه فى بلاد العرب ، وما فتح على خلفائه الراشدين فى أقطار الأرض من المدائن ،
و[ما] هدم بأيديهم من مالك الجبابرة، وأنهبهم من كنوز الأكاسرة ، وما قذف فى أهل الشرق
والغرب من الرعب وتهيب الإسلام وفشو الدعوة، واعلم أن الأولى حمل الآية على خيرات
الدنيا والآخرة ، وههنا سؤالات :
﴿السؤال الأول) لمالم يقل يعطيكم مع أن هذه السعادات حصلت للمؤمنين أيضاً؟ (الجواب)
لوجوه: (أُحدها) أنه المقصود وهم أتباع (وثانيها) أنى إذا أكرمت أصحابك فذاك فى
الحقيقة إكرام لك، لأنى أعلم أنك بلغت فى الشفقة عليهم إلى حيث تفرح بإ كرامهم فوق

٢١٤
قوله تعالى : الم يجدك یتیما فآوى . سورة الضحى
أَمْ يَجَدْكَ يَتِمًا فَعَاوَى
ما تفرح بإكرام نفسك ، ومن ذلك حيث تقول الأنبياء: نفسى نفسى، أی أبدا بجزائى وثوابى
قبل أمتی، لأن طاعتی کانت قبل طاعة أمتی ، وأنت تقول: أمتی أمتی، أى أبدا بهم، فإن سروری
أن أراهم فائزين بثوابهم (وثالثها) أنك عاملتنى معاملة حسنة، فإنهم حين شجرا وجهك، قلت ((اللهم
اهدقومى فإنهم لا يعلمون)) وحين شغلوك يوم الخندق عن الصلاة، فلت ((اللهم املأ بطونهم ناراً))
فتحملت الشجة الحاصلة فى وجه جسدك ، وما تحملت الشجة الحاصلة فى وجه دينك ، فإن وجه
الدين هو الصلاة، فرجحت حقى على حقك ، لا جرم فضلتك، فقلت من ترك الصلاة سنين، أو
حبس غيره عن الصلاة سنين لا أكفره ، ومن آذى شعرة من شعرانك ، أو جزء من
نملك أكفره.
﴿ السؤال الثانى) ما الفائدة فى قوله (ولسوف) ولم لم يقل: وسيعطيك ربك؟ (الجواب)
فيه فوائد (إحداها ) أنه يدل على أنه ما قرب أجله، بل يعيش بعد ذلك زماناً ( وثانيها) أن
المشركين لما قالوا: ودعه ربه وقلاه فالله تعالى رد عليهم بعين تلك اللفظة، فقال (ما ودعك
ربك وما قلى) ثم قال المشر كون: سوف يموت محمد، فرد اللّه عليهم ذلك بهذه اللفظة فقال.
( ولسوف يعطيك ربك فترضى) .
.(السؤال الثالث) كيف يقول الله (ولسوف يعطيك ربك فترضى)؟ (الجواب) هذه
السورة من أولها إلى آخرها كلام جبريل عليه السلام معه، لأنه كان شديد الاشتياق إليه وإلى
كلامه كما ذكرنا، فأراد الله تعالى أن يكون هو المخاطب له بهذه البشارات.
﴿ السؤال الرابع ﴾ ما هذه اللام الداخلة على سوف؟ (الجواب) قال صاحب الكشاف
هى لام الابتداء المؤ كدة لمضمون الجملة ، والمبتدأ محذوف تقديره: ولأنت سوف يعطيك ربك
والدليل على ما قلنا أنها إما أن تكون لام القسم ، أو لام الابتداء ، ولام القسم لا تدخل على
المضارع إلا مع نون التوكيد، فقى أن تكون لام ابتداء، ولام الابتداء لاتدخل إلا على الجملة
من المبتدأ والخبر، فلا بد من تقدير مبتدأ وخبر، وأن يكون أصله : ولأنت سوف يعطيك،
فإن قيل ما معنى الجمع بين حرفى التوكيد والتأخير ؟ قلنا معناه: أن العطاء كائن لا محالة ، وإن تأخر
لما فى التأخير من المصلحة .
قوله تعالى: ﴿ألم يجدك يتيما فآوى﴾ فيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ أن اتصاله بما تقدم هو أنه تعالى يقول (ألم يجدك يتيما) فقال الرسول.
بلى يارب ، فيقول: انظر [أ] كانت طاعاتك فى ذلك الوقت أكرم أم الساعة؟ فلا بدمن أن يقال بل الساعة
فيقول الله: حين كنت صبياً ضعيفاً ما تركناك بل ربيناك ورقيناك إلى حيث صرت مشرفاً على

٢١٥
قوله تعالى : ألم يجدك يتيما فآوى . سورة الضحى .
شرفات العرش وقلنا لك، لولاك ما خلقنا الأفلاك، أنظن أنا بعد هذه الحالة نهجرك ونتركك.
المسألة الثانية ﴾ (ألم يجدك) من الوجود الذى بمعنى العلم، والمنصوبان مفعولا وجد
والوجود من اللّه، والمعنى ألم يعلمك الله بتيما فآوى، وذكروا فى تفسير اليقيم أمرين (الأول)
أن عبد الله بن عبد المطلب فيما ذكره أهل الأخبار توفى وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم حامل
به، ثم ولد رسول الله فكان مع جده عبد المطلب ومع أمه آمنة ، فهلكت أمه آمنة وهو ابن ست
سنين فكان مع جده ، ثم هلك جده بعد أمه بسنتين ورسول اللّه ابن ثمان سنين. وكان عبد المطلب
يرضى أبا طالب به لأن عبد اللّه وأبا طالب كانا من أم واحدة، فكان أبو طالب هو الذى يكفل
رسول الله بعد جده إلى أن بعثه الله النبوة، فقام بنصرته مدة مديدة، ثم توفى أبو طلب بعد ذلك
فلم يظهر على رسول الله يتم البتة فأذكره الله تعالى هذه النعمة، روى أنه قال أبو طالب يوماً لأخيه
العباس: ألا أخبرك عن محمد بما رأيت منه؟ فقال بلى فقال إنى ضممته إلى فكيف لا أفارقه ساعة
من ليل ولا نهار، ولا!أتمن عليه أحداً حتى أنى كنت أنومه فى فراشى، فأمرته ليلة أن يخلع ثيابه
وينام معى، فرأيت الكراهة فى وجهه لكنه كره أن يخالفنى، وقال: ياعماه اصرف بوجهك غنى
حتى أخلع ثيابى إذ لا ينبعى لأحد أن ينظر إلى جسدى ، فتعجبت من قوله وصرفت بصرى حتى
دخل الفراش فلما دخلت معه الفراش إذا بينى وبينه ثوب والله ما أدخلته فراشى فإذا هو فى غاية
اللين وطيب الرائحة كأنه غمس فى المسك، لجهدت لأنظر إلى جسده فما كنت أرى شيئاً وكثيراً
ما كنت أفتقده من فراشى فإذا قمت لأطلبه نادانى ها أنا ياعم فأرجع ، ولقد كنت كثيراً ما أسمع
منه كلاماً يعجبنى وذلك عند مضى الليل وكنا لانسمى على الطعام والشراب ولا نحمده بعده ،
وكان يقول فى أول الطعام: بسم الله الأحد. فإذا فرغ من طعامه قال: الحمد لله، فتعجبت منه، ثم
لم أر منه كذبة ولا ضحكا ولا جاهلية ولا وقف مع صبيان يلعبون.
وأعلم أن العجائب المروية فى حقه من حديث بحيرى الراهب وغيره مشهورة.
﴿التفسير الثانى لليقيم﴾ أنه من قولهم درة يقيمة، والمعنى ألم يجدك واحداً فى قريش عديم
النظير فآراك ؟ أى جعل لك من تأوى إليه وهو أبو طالب ، وقرى. فأوى وهو على معنيين: إما
من أواه بمعنى آواه، وإما من أوى له إذا رحمه، وههنا سؤالان :
( السؤال الأولى ) كيف بحسن من الجود أن يمن بنعمة، فيقول (ألم يحدك يتيما فآوى)؟
والذى يؤكد هذا السؤال أن الله تعالى حكى عن فرعون أنه قال (ألم تربك فينا وليداً) فى معرض
الذم لفرعون ، فماكان مذموماً من فرعون كيف يحسن من الله؟ (الجواب ) أن ذلك بحسن إذا
قصد بذلك أن يقوى قلبه ويعده بدوام النعمة ، وبهذا يظهر الفرق بين هذا الامتنان وبين امتنان
فرعون، لأن امتنان فرعون محبط، لأن الغرض فما بالك لا تخدمنى ، وامتنان الله بزيادة نعمه،
كأنه يقول: مالك تقطع عنى رجاءك ألست شرعت فى تربيتك ، أتظنى تار كا لما صنعت، بل لابد

٢١٦
قوله تعالى : ووجدك ضالاً فهدى . سورة الضحى .
وَوَجَدَكَ ضَآَلَّا فَهَدَى
وأن أتمم عليك وعلى أمتك النعمة، كما قال ( ولأتم نعمتى عليكم) أما علمت أن الحامل التى تسقط
الولد قبل التمام معيبة ترد ، ولو أسقطت أو الرجل أسقط عنها بعلاج تجب الغرة وتستحق الذم ،
فكيف يحسن ذلك من الحى القيوم ، فما أعظم الفرق بين مان هو الله، وبين مان هو فرعون ،
ونظيره ما قاله بعضهم ( ثلاثة رابعهم كلبهم) فى تلك الأمة، وفى أمة محمد (ما يكون من نجوى
ثلاثة إلا هو رابعهم) فشتان بين أمة رابعهم کلبهم ، وبین أمة رابعهم ربهم .
﴿ السؤال الثانى) أنه تعالى من عليه بثلاثة أشياء، ثم أمره بأن يذكر نعمة ربه، فما وجه
المناسبة بين هذه الأشياء؟ (الجواب) وجه المناسبة أن نقول قضاء الدين واجب، ثم الدين نوعان
مالى وإنعامى ( والثانى) أقوى وجوباً، لأن المالى قد يسقط بالإبراء (والثانى) يتأكد بالإبراء،
والمالى يقضى مرة فينجو الإنسان منه ( والثانى ) يجب عليك قضاؤه طول عمرك ، ثم إذا تعذر
قضاء النعمة القليلة من منعم هو ملوك، فكيف حال النعمة العظيمة من المنعم العظيم ، فكان العبد
يقول: إلهى أخرجتنى من العدم إلى الوجود بشراً سوياً، طاهر الظاهر نجس الباطن ، بشارة
منك أنك تستر على ذنوبى بستر عفوك، كما سترت نجاستى بالجلد الظاهر، فكيف يمكنى قضاء
نعمتك التى لاحد لها ولا حصر؟ فيقول تعالى الطريق إلى ذلك أن تفعل فى حق عبيدی مافعلته فى
حقك، کنت یقیما فآويتك فافعل فى حق الأيتام ذلك، و کنت ضنالا نهديك فافعل فى حق
عبيدى ذلك، وكنت (عائلا) فأغنيتك فافعل فى حق عبيدى ذلك ثم إن فعلت كل ذلك فاعلم أنك
إنمنا فعلتها بتوفيقى لك ولطفى وإرشادى، فكن أبداً ذا كراً لهذه النعم والألطاف.
أما قوله تعالى ﴿ووجدك ضالا فهدى﴾ فاعلم أن بعض الناس ذهب إلى أنه كان كافراً فى
أول الآمن، ثم هداه الله وجعله نبياً، قال الكلى (وجدك ضالا) يعنى كافراً فى قوم ضلال فهداك
التوحيد، وقال السدى كان على دين قومه أربعين سنة ، وقال مجاهد ( وجدك ضالا) عن الهدى
لدينه واحتجوا على ذلك بآيات أخر منها قوله ( ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان)
وقوله ( وإن كنت من قبله لمن الغافلين) وقوله ( لئن أشركت ليحبطن عملك) فهذا يقتضى صحة
ذلك منه، وإذا دلت هذه الآية على الصحة وجب حمل قوله (ووجدك ضالا) عليه، وأما الجمهور
من العلماء فقد اتفقوا على أنه عليه السلام ما كفر بالله لحظة واحدة ، ثم قالت المعتزلة هذا غير جائز
عقلا لما فيه من التنفير، وعند أصحابنا هذا غير ممتع عقلا لأنه جائز فى العقول أن يكون الشخص
كافراً فيرزقه الله الإيمان ويكرمه بالنبوة، إلا أن الدليل السمعى قام على أن هذا الجائز لم يقع وهو
قوله تعالى ( ما ضل صاحبكم وما غرى) ثم ذكروا فى تفسير هذه الآية وجوها كثيرة (أحدها)
ما روى عن ابن عباس والحسن والضحاك وشهر بن حوشب ( وجدك ضالا) عن معالم النعمة

٢١٧
فوله تعالى : ووجدك ضالاً فهدى . سورة الضحى .
وأحكام الشريعة غافلا عنها فهداك إليها ، وهو المراد من قوله (ما كنت تدرى ما الكتاب ولا
الإيمان) وقوله ( وإن كنت من قبله لمن الغافلين)، ( وثانيها) ضل عن مرضعته حليمة حين
أرادت أن ترده إلى جده حتى دخلت إلى هبل وشكت ذلك إليه فتساقطت الأصنام ، وسمعت
صوتاً يقول: إنما هلاكنا بيد هذا الصبى، وفيه حكاية طويلة (وثالثها) ما روى مرفوعاً أنه عليه
الصلاة والسلام قال ((ضللت عن جدى عبد المطلب وأنا صبى ضائع، كاد الجموع يقتلنى، فهدانى
الله)) ذكره الضحاك، وذكر تعلقه بأستار الكعبة ، وقوله :
يا رب رد ولدى محمداً اردده ربى واصطنع عندى يداً
فازال یردد هذا عند البيت حتى أتاه أبو جهل على ناقة وبين يديه محمد وهو يقول: لا ندرى
ماذا نرى من أبنك ، فقال عبد المطلب ولم؟ قال إنى أنخت الناقة وأركبته من خلفى فأبت الناقة أن
تقوم ، فلما أركبته أمامى قامت النافة ، كأن النامة تقول يا أحمق هو الإمام فكيف يقوم خلف
المقتدى ! وقال ابن عباس رده الله إلى جده بيد عدوه كما فعل بموسى حين حفظه على يد عدوه
( ورابعها) أنه عليه السلام لما خرج مع غلام خديجة ميسرة أخذ كافر بزمام بعيره حتى ضل ،
فأنزل الله تعالى جبريل عليه السلام فى صورة آدمى ، فهداه إلى القافلة ، وقيل إن أبا طالب خرج.
به إلى الشأم فضل عن الطريق فهداه الله تعالى ( وخامسها) يقال ضل الماء فى اللبن إذا صار
مغموراً، فمعنى الآية كنت مغموراً بين الكفار بمكة فقواك الله تعالى حتى أظهرت دينه (وسادسها)
العرب تسمى الشجرة الفريدة فى الفلاة ضالة ، کأنه تعالى يقول كانت تلك البلاد كالمفازة ليس فيها
شجرة تحمل ثمر الإيمان بالله ومعرفته إلا أنت ، فأنت ، شجرة فريدة فى مفازة الجهل فوجدتك
ضالا فهديت بك الخلق، ونظيره قوله عليه السلام ((الحكمة ضالة المؤمن)) (وسابعها) ووجدك
منالا عن معرفة الله تعالى حين كنت طفلا صبياً، كما قال (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون
شيئاً) :خلق فيك العقل والهداية والمعرفة، والمراد من الضال الخالى عن العلم لا الموصوف بالاعتقاد
الخطأ (وثامنها) كنت ضالا عن النبوة ما كنت تطمع فى ذلك ولا خطر شىء من ذلك فى قلبك ،
فإن اليهود والنصارى كانوا يزعمون أن النبوة فى بنى إسرائيل فهديتك إلى النبوة التى ماكنت
تطمع فيها البتة ( وتاسعها) أنه قد يخاطب السيد، ويكون المراد قومه فقوله ( ووجدك ضالا)
أى وجد قومك ضلالا ، فهداهم بك وبشرعك (وعاشرها) وجدك ضالا عن الضالين منفرداً عنهم
مجاناً لدينهم ، فكلما كان بعدك عنهم أشد كان ضلالهم أشد ، فهداك إلى أن اختلطت بهم
ودعوتهم إلى الدين المبين (الحادى عشر) وجدك ضالا عن الهجرة ، متحيراً فى يد
قريش متمنياً فرافهم وكان لا يمكنك الخروج بدون إذنه تعالى ، فلما أذن له ووافقه الصديق
عليه وهداه إلى خيمة أم معبد، وكان ما كان من حديث سراقه ، وظهور القوة فى الدين كان ذلك
المراد بقوله (فهدى)، ( الثانى عشر) ضالا عن القبلة ، فانه كان يتمنى أن تجعل الكعبة قبلة له
:

٢١٨
قوله تعالى : ووجدك عائلا فأغنى . سورة الضحى .
٨
وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى
وما كان يعرف أن ذلك هل يحصل له أم لا ، فهداه الله بقوله ( فلنولينك قبلة ترضاها) فكأنه سمى
ذلك التحير بالضلال ( الثالث عشر ) أنه حين ظهرها له جبريل عليه السلام فى أول أمره ما كان
يعرف أهو جبريل أم لا، وكان يخافه خوفاً شديداً، وربما أراد أن ياقى نفسه من الجبل فهداء
الله حتى عرف أنه جبريل عليه السلام (الرابع عشر) الضلال بمعنى المحبة كما فى قوله ( إنك لفى
ضلالك القديم ) أى محبتك، ومعناه أنك محب فهديتك إلى الشرائع التى بها تتقرب إلى خدمة
محب: بك (الخامس عشر) ضالا عن أمور الدنيا لا تعرف التجارة ونحرها، ثم هديتك حتى
ربحت تجارتك، وعظم ربحت حتى رغبت خديجة فيك، والمعنى أنه ما كان لك وقوف على الدنيا ،
وما كنت تعرف سوى الدين ، فهديتك إلى مصالح الدنيا بعد ذلك ( السادس عشر) (ووجدك
ضالا) أى ضائما فى قومك ؛ كانوا يؤذونك ، ولا يرضون بك رعية ، فقوى أمرك وهداك
إلى أن صرت آمراً والياً عليهم (السابع عشر) كنت ضالا ما كنت تهتدى على طريق السموات
فهديتك إذ عرجت بك إلى السموات ليلة المعراج ( الثامن عشر) ووجدك ضالا أى ناسياً لقوله
تعالى (أن تضل إحداهما) فهديتك أى ذكرتك، وذلك أنه ليلة المعراج نسى ما يجب أن يقال بسبب
الهيبة ، فهداه الله تعالى إلى كيفية الثناء حتى قال (لا أحصى ثناء عليك) (التاسع عشر) أنه وإن
كان عارفاً باللّه بقلبه إلا أنه كان فى الظاهر لا يظهر لهم خلافاً ، فعبر عن ذلك بالضلال
(العشرون) روى على عليه السلام عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((ما هممت بشىء ما كان
أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين ، كل ذلك يحول الله بينى وبين ما أريد من ذلك، ثم ما هممت
بعدهما بسوء حتى أكر منى الله برسالته، فإنى قلت ليلة لغلام من قريش، كان يرعى معى بأعلى مكا،
لو حفظت لى غنمى حتى أدخل مكة ، فأسمر بها كما يسمر الشبان، خرجت أريد ذلك حتى أتيت أول
دار من دور مكة ، فسمعت عزداً بالدفوف والمزامير ، فقالوا فلان ابن فلان يزوج بفلانة ، جلست
أنظر إليهم وضرب الله على أذنى فنمت فما أيقظنى إلا مس الشمس، قال نجنت صاحبى، فقال
ما فعلت ؟ فقلت ما صنعت شيئاً، ثم أخبرته الخبر، قال ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك ، فضرب
الله على أذنى فما أيقظنى إلامس الشمس، ثم ماهممت بعدهما بسوء حتى أكرمنى اللّه تعالى برسالته)).
قوله تعالى: ﴿ووجدك عائلا فأغنى﴾ ففيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ العائل هو ذو العيلة، وذكرنا ذلك عند قوله (أن لا تحولوا) ويدل عليه
قوله تعالى ( وإن خفتم عيلة ) ثم أطلق العائل على الفقير، وإن لم يكن له عيال، وههنا فى تفسير
العائل قولان :
﴿ الأول) وهو المشهور أن المراد هو الفقير، ويدل عليه ماروى أنه فى مصحف عبد الله

٢١٩
قوله تعالى : ووجدك عائلا فأغنى . سورة الضحى .
(ووجدك عديماً) وقرى. عيلا كما قرى. سيحات(١)، ثم فى كيفية الإغناء وجوه (الأول) أن الله
تعالى أغناه بتربية أبى طالب، ولما اختلت أحوال أبى طالب أغناه [اللّه] بمال خديجة، ولما اختل
ذلك أغناه [اللّه] بمال أبى بكر، ولما اختل ذلك أمره بالهجرة وأغناه بإعادة الأنصار، ثم أمره
بالجهاد، وأغناه بالغنائم، وإن كان إنما حصل بعد نزول هذه السورة، لكن لما كان ذلك معلوم
الوقوع كان كالواقع، روى أنه عليه السلام ((دخل على خديجة وهو مغموم، فقالت له مالك ، فقال
الزمان زمان قحط بإن أنا بذات المال ينفد مالك فأستحى منك ، وإن لم أبذل أخاف الله ،
فدعت قريشاً وفيهم الصديق، قال الصديق: فأخرجت دنانير وصبتها حتى بلغت مبلغاً لم يقع
بصرى على من كان جالساً قدامى لكثرة المال ، ثم قالت : اشهدوا أن هذا المال ماله إن شاء
فرقه، وإنشاء أمكه)) (الثانى) أغناه بأصحابه كانوا يعبدون الله سراً حتى قال عمر حين أسلم: ابرز
أتعبد اللات جهراً ونعبد الله سراً! فقال عليه السلام: حتى تكثر الأصحاب، فقال «سبك الله وأنا
فقال تعالى ( حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين) فأغناه اللّه بمال أبى بكر، وبهيبة عمر))
(الثالث ) أغناك بالقناعة فصرت بحال يستوى عندك الحجر والذهب، لا تجد فى قلبك سوى
ربك ، فربك غنى عن الأشياء لا بها، وأنت بقناعك استغنيت عن الأشياء، وإن الغنى الأعلى
الغنى عن الشىء لا به، ومن ذلك أنه عليه السلام خير بين الغنى والفقر، فاختار الفقر (الرابع)
كنت عائلا عن البراهين والحجج، فأنزل الله عليك القرآن، وعلمك مالم تكن تعلم فأغناك.
( القول الثانى فى تفسير العائل) أنت كنت كثير العيال وهم الأمة، فكفاك. وقيل «أغنام
بك لأنهم فقراء بسبب جهلهم، وأنت صاحب العلم، فهداهم على يدك، وههنا -ؤالات:
( السؤال الأول) ما الحكمة فى أنه تعالى اختار له اليتيم؟ (قلنا) فيه وجوه (أحدها) أن
يعرف قدر اليتامى فيقوم بحقهم وصلاح أمرهم، ومن ذلك كان يوسف عليه السلام لا يشبع .
فقيل له فى ذلك، فقال أخاف أن أشبع فأنسى الجياع (وثانيها) ليكون اليقيم مشاركا له فى الإسم
فيكرم لأجل ذلك، ومن ذلك قال عليه السلام ((إذا سميتم الولد محمداً فأ كرموه، ووسعوا له فى
المجلس)) ( وثالثها) أن من كان له أب أو أم كان اعتماده عليهما، فسلب عنه الولدان حتى لا يعتمد
من أول صباه إلى آخر عمره على أحد سوى الله، فيصير فى طفوليته متشبهاً بإبراهيم عليه السلام
فى قوله: حسبى من سؤالى، علمه بحالى، وجواب مريم ( أنى لك هذا ، قالت هو من عند الله).
( ورابعها) أن العادة جارية بأن اليقيم لا تخفى عيوبه بل تظهر ، وربما زادوا على الموجود فاختار
تعالى له اليتيم ، ليتأمل كل أحد فى أحواله، ثم لا يجدوا عليه عيباً فيتفقون على نزاهته ، فإذا اختاره
اللّه للرسالة لم يجدوا عليه ٠ طعناً (وخامسها) جعله يفيما ليعلم كل أحد أن فضيلته من اللّه ابتداء
لأن الذى له أب، فإن أباه يسعى فى تعليمه وتأديبه (وسادسها) أن اليتم والفقر نقص فى حق
(١) هكذا فى الأصل ولعله يعنى قرى (ووجدك عيلا) تشديد لياء مع مع كسرها كما قرى. (سيحات) كذلك فى قوله تعالى
(سائحات). والله أعلم

٢٢٠
قوله تعالى : فاما اليتيم فلا تقهر . سورة الضحى .
فَأَمَّا الْبَّنِيمَ فَلَا تَقْهَرْ جٌ وَأَمَّا السَّآبِلَ فَلَا تَنْهَرْ لَّ
الخلق ، فلما صار محمد عليه الصلاة والسلام ، مع هذين الوصفين أكرم الخلق ، كان ذلك قلباً للعادة ،
فكان من جنس المعجزات .
﴿ السؤال الثانى) ما الحكمة فى أن اللّه ذكر هذه الأشياء؟ (الجواب) الحكمة أن لا ينسى
نفسه فيقع فى العجب ،
﴿السؤال الثالث) روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال («سألت ربى مسألة وددت
أنى لم أسألها، قلت: اتخذت إبراهيم خليلا، وكلمت موسى تكليما، وسخرت مع داود الجبال،
وأعطيت سليمان كذا وكذا، وأعطيت فلاناً كذا وكذا ، فقال: ألم أجدك يتيما فآويتك؟
ألم أجدك ضالا فهديتك؟ ألم أجدك عائلا فأ غنيتك؟ قلت بلى (فقال: ألم أشرح لك صدرك؟ قلت
بلى ، قال: ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت بلى ! قال ألم أصرف عنك وزرك؟ قلت بلى ألم أوتك مالم
أوت نبياً قبلك وهى خواتيم سورة البقرة؟ ألم أتخذك خليلا كما اتخذت إبراهيم خليلا؟)) فهل يصح
هذا الحديث ( فلنا ) طعن القاضى فى هذا الخبر فقال إن الأنبياء عليهم السلام لا يسألون مثل ذلك
إلا عن إذن، فكيف يصح أن يقع من الرسول مثل هذا السؤال. ويكون منه تعالى ما يجرى
مجرى المعاقبة .
قوله تعالى: ﴿فأما اليتيم فلا تقهر﴾ وقرى. فلا تكهر، أى لا تعبس وجهك إليه، والمعنى
عامله بمثل ما عاملك به، ونظيره من وجه (وأحسن كما أحسن الله إليك) ومنه قوله عليه السلام
« الله الله فيمن ليس له إلا الله)) (وروى) أنها نزلت حين صاح النبى صلى الله عليه وسلم على ولد
خديجة ومنه حديث موسى عليه السلام حين ((قال إلهى بم نلت مانلت؟ قال أتذكر حين هربت منك
السخلة ، فلا قدرت عليها قلت أنعبت نفسك ثم حملتها. «لهذا السبب جعلتك ولياً على الخلق، فلما نال
موسى عليه السلام النبوة بالإحسان إلى الشاة فكيف بالإحسان إلى اليقيم، وإذا كان هذا العتاب بمجرد
الصياح أو العبوسية فى الوجه، فكيف إذا أذله أو أكل ماله، عن أنس عن التى عليه الصلاة والسلام
(( إذا بكى اليتيم وقعت دموعه فى كف الرحمن، ويقول تعالى: من أبكى هذا اليتيم الذى واريت
والده فى التراب ، من أسكته وله الجنة )).
قوله تعالى : ﴿ واما السائل فلا تنهر ﴾ يقال نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره، وفى
المراد من السائل قولان ( أحدهما) وهو اختيار الحسن أن المراد منه من يسأل العلم ونظيره
من وجه ( عبس وتولى، أن جاءه الأعمى) وحينئذ يحصل الترتيب، لأنه تعالى قال له أولا (ألم
بجدك يتيما فآوى، ووجدك ضالا فهدى، ووجدك عائلا فأغنى) ثم اعتبر هذا الترتيب، فأوصاه
برعاية حق اليتيم ، ثم برعاية حق من يسأله عن العلم والهداية، ثم أوصاه بشكر نعم الله عليه