النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
قوله تعالى : إن الينا إيابهم. سورة الغاشية.
إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ (٥ٌ ثُمَّإِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (﴾
يكون العذاب الأكبر حاصلا فى الدنيا، وذلك بالقتل وسى الذرية وغنيمة الأموال، القول
الأول أولى وأقرب .
قوله تعالى: ﴿إن إلينا إيابهم، ثم إن علينا حسابهم) وهذا كأنه من صلة قوله ( فيعذبه
الله العذاب الأكبر) وإنما ذكر تعالى ذلك ليزيل به عن قلب النبى مؤلّ حزنه على كفرهم، فقال:
طب نفساً عليهم، وإن عاندوا وكذبوا وجحدوا فإن مرجعهم إلى الموعد الذى وعدنا، فإن
علينا حسابهم (وفيه سؤال) وهو أن محاسبة الكفار إنما تكون لإيصال العقاب إليهم وذلك
حق الله تعالى، ولا يجب على المالك أن يستوفى حق نفسه ( والجواب ) أن ذلك واجب عليه
إما بحكم الوعد الذى يمتنع وقوع الخلف فيه، وإما فى الحكمة، فإنه لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم
لكان ذلك شبيهاً بكونه تعالى راضياً بذلك الظلم وتعالى الله عنه، فلهذا السبب كانت المحاسبة واجبة
وههنا مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرأ أبو جعفر المدنى (إيابهم) بالتشديد. قال صاحب الكشاف:
وجهه أن يكون فيعالا مصدره أيب فيعل من الإباب ، أو يكون أصله أواباً فعالا من أوب، ثم
قبل إيواباً كديوان فى دون ، ثم فعل به ما فعل بأصل سيد .
﴿ المسألة الثانية) فائدة تقديم الظرف التشديد بالوعيد، فإن (إياهم) ليس إلا إلى الجبار
المقتدر على الإنتقام، وأن حسابهم ليس بواجب إلا عليه، وهو الذى يحاسب على النقير والقطمير،
والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
الفخر الرازي - ج ٣١ م ١١

١٦٢
سورة الفجر
(٨٩) سُورة الفحمِمِكِيَّة
وَأَيَائِهَا ثلَثُونْ
بِسْـ
وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ چٌ وَالشَّفْعِ وَالْوَّرِ * وَاَلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ﴾
هَلْ فِ ذَلِكَ قَسَمُ لِّى ◌ِرٍ ﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
والفجر ، وليال عشر، والشفع والوتر ، والليل إذا يسر ، هل فى ذلك قسم لذى حجر ﴾
أعلم أن هذه الأشياء التى أقسم اللّه تعالى بها لابد وأن يكون فيها إما فائدة دينية مثل كونها
دلائل باهرة على التوحيد ، أو فائدة دنيوية توجب بعثاً على الشكر، أو مجموعهما، ولأجل
ماذكرناه اختلفوا فى تفسير هذه الأشياء اختلافاً شديداً، فكل أحد فسره بما رآه أعظم درجة
فی الدین، وأ کثر منفعة فى الدنيا .
أما قوله ( والفجر) فذكروا فيه وجوهاً (أحدما) ما روى عن ابن عباس أن الفجر هو
الصبح المعروف ، فهو انفجار الصبح الصادق والكاذب ، أقسم الله تعالى به مما يحصل به من
انقضاء الليل وظهور الضوء، وانتشار الناس وسائر الحيوانات من الطير والوحرش فى طلب
الأرزاق ، وذلك مشاكل لنشور الموتى من قبورهم ، وفيه عبرة أن تأمل، وهذا كقوله (والصبح إذا
أسفر) وقال فى موضع آخر، والصبح إذا تنفس، وتمدح فى آية أخرى بكونه خالفاً له ، فقال (فالق
الإصباح) ومنهم من قال المراد به جميع النهار إلا أنه دل بالابتداء على الجميع، نظيره ( والضحى)
وقوله ( والنهار إذا تجلى ) و(وثانيها) أن المراد نفس صلاة الفجر وإنما أقسم بصلاة الفجر لأنها
صلاة فى مفتتح النهار وتجتمع لها ملائكة النهار وملائكة الليل كما قال تعالى ( إن قرآن الفجر كان
مشهوداً) أى تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار القراءة فى صلاة الصبح (وثالثها ) أنه يجر يوم
معين، وعلى هذا القول ذكروا وجوهاً (الأول) أنه نجر يوم النحر، وذلك لأن أمر المناسك
من خصائص ملة إبراهيم ، وكانت العرب لا تدع الحج وهو يوم عظيم يأتى الإنسان فيه
بالقربان كأن الحاج يريد أن يتقرب بذبح نفسه ، فلما عجز عن ذلك فدى نفسه بذلك القرمان.

١٦٣
قوله تعالى : وليال عشر. سورة الفجر.
كأ قال تعالى (وفديناه بذبح عظيم ) (الثانى) أراد بير ذى الحجة لأنه قرن به قوله (وليال عشر)
ولأنه أول شهر هذه العبادة المعظمة (الثالث) المراد جر المحرم، أقسم به لأنه أول يوم من كل سنة
وعند ذلك يحدث أموراً كثيرة مما يتكرر بالسنين كالحج والصوم والزكاة واستئناف الحساب بشهور
الأهلة ، وفى الخبر أن أعظم الشهور عند الله المحرم، وعن ابن عباس أنه قال غير السنة هو الحزم
بجعل جملة المحرم لجراً (ورابعها) أنه عنى بالفجر العيون التى تنفجر منها المياه، وفيها حياة الخلق،
أما قرله ( وليال عشر ) ففيه مسألتان:
﴿ المسألة الأولى﴾ إنما جاءت منكرة من بين ما أقسم الله به لأنها ليال مخصوصة بفضائل
لا تحصل فى خيرسبا والتشذكير دال على الفضيلة العظيمة.
المسألة الثانية﴾ ذكروا فيه وجوهاً (أحدها) أنها عشر ذي الحجة لأنها أيام الاشتغال
بهذا التك فى الجملة، وفى الخبر ما من أيام العمل الصالح فيه أفضل من أيام العشر (وثانيها)
أنها عشر المحرم من أوله إلى آخره، وهو تنبيه على شرف تلك الأيام، وفيها يوم عاشوراء ولصومه
من الفضل ما ورد به الأخبار (وثالثها) أنها العشر الأواخر من شهر رمضان ، أقسم اللّه تعالى
بها لشرفها وفيها لية القدر، إذ فى الخبر اطلبوها فى العشر الأخير من رمضان، وكان عليه الصلاة
والسلام، إذا دخل العشر الأخير من رمضان شد المنزر، وأيقظ أهله أى كف عن الجماع وأمر
أهله بالنهجد، وأما قوله ( والشفع والوتر) ففيه مسألتان:
﴿ المسألة الأولى﴾ الشفع والوتر، هو الذى تسميه العرب الخسا والزكا والعامة الزوج
والفرد ، قال يونس أهل العالية يقولون الوتر بالفتح فى العدد والوتر بالكسر فى الذحل وتميم
تقول وتر بالكنشر فيهما معاً، وتقول أوترته أوتره إيتاراً أى جعلته وتراً، ومنه قوله عليه الصلاة
والسلام (من استجمر فليوتر)) والكسر قراءة الحمن والأعمش وابن عباس، والفتح قراءة أهل
المدينة وهى لغة حجازية .
﴿ المسألة الثانية) اضطرب المفسرون فى تفسير الشفع والوتر، وأكثروا فيه،ونحن نرى
ما هو الأقرب (أحدها) أن الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة، وإنما أقسم الله بهما لشرفهما أما
يوم عرفة فهو الذى عليه بدور أمر الحج كما فى الحديث الحج عرفة، وأما يوم النحر فيقع فيه القربان
وأكثر أمور الحج من الطواف المفروض، والحلق والرمى، ويروى يوم النحر هو يوم الحج الأكبر
فلما اختص هذان اليومان بهذه الفضائل لا جرم أقسم الله بهما ( وثانيها ) أن أيام التشريق أيام
بقية أعمال الحج فهى أيام شريفة، قال الله تعالى (واذكروا الله فى أيام معدودات، فمن تعجل
فى يومين فلا إثم عليه ) والشفع هو يومان بعد يوم النحر ، الوتر هو اليوم الثالث ، ومن ذهب
إلى هذا القول قال حمل الشفع والوتر على هذا أولى من حملهما على العيد وعرفة مت وجهين
(الأول) أن العيد وعرفة دخلا فى العشر ، فوجب أن يكون المراد بالشفع والوتر غيرهما

١٦٤
قوله تعالى : والشفع والوتر. سورة الفجر.
(الثانى) أن بعض أعمال الحج إنما يحصل فى هذه الأيام، حمل اللفظ على هذا يفيد القسم بجميع
أيام أعمال المناسكَ (وثالثها) الوتر آدم شفع بزوجته ، وفى رواية أخرى الشفع آدم وحواء
والوتر هو اللّه تعالى ( ورابعها) الوتر ما كان وتراً من الصلوات كالمغرب والشفع ما كان شفعاً
منها، ورى عمران بن الحصين عن النبي ◌َّم أنه قال ((هى الصلوات منها شفع ومنها وتر)) وإنما
أقسم الله بها لأن الصلاة تالية للايمان، ولا يخفى قدرها ومحلها من العبادات (وخامسها) الشفع
هو الخلق كاء لقوله تعالى ( ومن كل شىء خلقنا زوجين) وقوله (وخلقنا كم أزواجاً ) والوتر هو
اللّه تعالى، وقال بعض المتكلمين لا يصح أن يقال الوتر هو اللّه لوجوه (الأول) أنا بينا أن قوله
(والشفع والوتر ) تقديره ورب الشفع والوتر، فيجب أن يراد بالوتر المربوب في14 ما قالوه
( الثانى) أن الله تعالى لا يذكر مع غيره على هذا الوجه بل يعظم ذكره حتى يتميز من غيره،
وروى أن عليه الصلاة والسلام سمع من يقول الله ورسوله فهاه، وقال ((قل الله ثم رسوله))
قالوا وما روى أنه عليه الصلاة والسلام قال ((إن الله وتريحب الوتر)) ليس بمقطوع به (وسادسها)
أن شيئاً من المخلوقات لا ينفك عن كونه شفعاً ووتراً فكأنه يقال أقسم برب الفرد والزوج من
خلقه فدخل كل الخلق تحته، ونظيره قوله ( فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون) (وسابعها)
الشفع درجات الجنة وهى ثمانية، والوتر دركات النار وهى سبعة ( وثامنها) الشفع صفات الخلق
كالعلم والجهل والقدرة والعجز والإرادة والكراهية والحياة والموت، أما الوتر فهو سفة الحق
وجود بلا عدم، حياة بلا موت، علم بلا جهل، قدرة بلا عجز ، عز بلا ذل ( وتابعتها ) المراد
بالشفع والوتر ، نفس العدد فكانه أقسم بالحساب الذى لا بد للخلق منه وبحو بمنزلة الكتاب
والبيان الذى من الله به على العباد إذ قال (علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم)، وحال (علمه البيان).
وكذلك بالحساب، يعرف مواقيت العبادات والأيام والشهور، قال تعالى (الشمس والقمر
بحسبان) وقال: ( لتعلموا عدد السنين والحساب، ما خلق اللّه ذلك إلا بالحق) ( وعاشرها) قال
مقاتل الشفع هو الأيام والليالى والوتر هو اليوم الذى لاليل بعده وهو يوم القيامة (الحادى عشر)
الشفع كل نبى له اسمان مثل محمد وأحمد والمسيح وعيسى ويونس وذى النون والوتر كل نبي له اسم
واحد مثل آدم ونوح وإبراهيم (الثانى عشر) الشفع آدم وحواء والوتر مريم (الثالث عشر)
الشفع العيون الاثنتا عشرة، التى يجرها الله تعالى لموسى عليه السلام والوتر، الآيات التسع التى
أو فى مرسى فى قوله ( ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات)، (الرابع عشر) الشفع أيام عاد والوتر
لياليهم لقوله تعالى (سبع ليال وثمانية أيام حسوما) (الخامس عشر) الشفع البروج الإثنا عشر
لقوله تعالى (جعل فى السماء بروجاً) والوتر الكواكب السبعة (السادس عشر) الشفع الشهر
الذى يتم ثلاثين يوماً ، والوتر الشهر الذى يتم تسعة وعشرين يوماً (السابع عشر) الشفع الأعضاء
والوتر القلب، قال تعالى (ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه)، (الثامن عشر) الشفع الشفتان

١٦٥
قوله تعالى : والليل إذا يسر. سورة الفجر.
والوتر اللسان قال تعالى (ولساناً وشفتين) (التاسع عشر) الشفع السجدتان والوتر الركوع
(العشرون ) الشفع أبواب الجنة لأنها ثمانية والوتر أبواب النار لأنها سبعة ، واعلم أن الذى يدل
عليه الظاهر ، أن الشفع والوتر أمران شريفان ، أقسم الله تعالى بهما، وكل هذه الوجوه التى
ذكر ناها محتمل ، والظاهر لا إشعار له بشىء من هذه الأشياء على التعيين ، فإن ثبت فى شىء منها
خبر عن رسول الله وبرئع أو إجماع من أهل التأويل حكم بأنه مر المراد، وإن لم يثبت ، فيجب أن
يكون الكلام على طريقة الجواز لا على وجه القطع، ولقائل أن يقول أيضاً إنى أحمل الكلام
على الكل لأن الألف واللام فى الشفع والوتر تفيد العموم ، أما قوله تعالى ( والليل إذا ير)
ففيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ إذا يسر، إذا يمضى كمافال (والليل إذا أدبر) وقوله (والليل إذا عسمس) وسراها
ومضيها وانقضاؤها أو يقال سراها هو السير فيها، وقال قتادة (إذا يسر ) أى إذا جاء وأقبل.
المسألة الثانية ﴾ أكثر المفسرين على أنه ليس المراد منه ليلة مخصوصة بل العموم بدايل
قوله ( والليل إذا أسفر - والليل إذا عسعس) ولأن نعمة الله بتعاقب الليل والنهار واختلاف
مقاديرهما على الخلق عظيمة، فصح أن يقسم به لأن فيه تنبيهاً على أن تعاقبهما بتدبيره مدبر حكيم عالم
بجميع المعلومات، وقال مقاتل هى ليلة المزدلفة فقوله (إذا يسر) أى إذا يسار فيه كما يقال ليل
قائم لوقوع النوم فيه، وليل ساهر لوقوع السهر فيه، وهى ليلة يقع السرى فى أولها عند الدفع من
عرفات إلى المزدلفة، وفى آخرها كما روى أنه عليه الصلاة والسلام كان يقدم ضعفة أهله فى هذه
الليل ، وإنما يجوز ذلك عند الشافعى رحمه الله بعد نصف الليل.
المسألة الثالثة ﴾ قال الزجاج قرى. (إذا يسر) بإثبات الياء، ثم قال وحذفها أحب إلى لأنها
فاصلة والفواصل تحذف منها الياءات ، ويدل عليها الكسرات ، قال الفراء : والعرب قد تحذف الياء
وتكتفى بكسرة ما قبلها ، وأنشد :
كفاك كف ما يبقى درهما جوداً وأخرى تعط بالسيف الدما
فإذا جاز هذا فى غير الفاضلة فهو فى الفاصلة أولى، فإن قيل لم كان الاختيار أن تحذف الياء إذا
كان فى فاصلة أو قافية، والحرف من نفس الكلمة ، فوجب ان يثبت كما أثبت سائر الحروف ولم
بحذف؟ أجاب أبو على فقال القول فى ذلك أن الفواصل والقوافى موضع وقف والوقف موضع
تغيير فلما كان الوقف تغير فيه الحروف الصحيحة بالتضعيف والإسكان وروم الحر کة فيها
غيرت هذه الحروف المشابهة للزيادة بالحذف ، وأما من أثبت الياء فى يسرى فى الوصل والوقف
فإنه يقول الفعل لا يحذف منه فى الوقف كما يحذف فى الأسماء نحو قاض وغاز ، تقول هو يقضى
وأنا أقضى فتثبت الياء ولا تحذف .
قوله تعالى : ﴿ هل فى ذلك قسم لذى حجر ﴾ فيه مسألتان :
{ المسألة الأولى﴾ الحجر العقل سمى به لأنه يمنع عن الوقوع فيما لا ينبغى كما سمى عقلا ونهية

١٦٦
قوله تعالى : ألم تر كيف فعل ربك. سورة الفجر.
أَّ ◌َكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ي إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ﴾ أَّتِى لَمْ يُحْلَقْ مِثْلُهَا
فى آلْبِلدِ
وَفِرْعَوْنَ ذِى الْأُوْنَادِ
﴿ وَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ
٨
اُلَّيْنَ طَغَوْ فِى الْبِلَدِ (٨) فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الْفَسَادَ () فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ
سَوْطَ عَذَابٍ (® إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾ لبِالْمُرْصَادِ
لأنه يعقل ويمنع وحصاة من الإحصاء وهو الضبط، قال الفراء والعرب تقول إنه لذو حجر إذا
كان قاهراً لنفسه ضابطاً لها كأنه أخذ من قولهم حجرت على الرجل ، وعلى هذا سمى العقل حجراً
لأنه يمنع من القبيح من الحجر وهو المنع من الشىء بالتضييق فيه.
﴿ المسألة الثانية) قوله (هل فى ذلك قسم) استفهام والمراد منه التأكيد كمن ذكر حجة
باهرة ، ثم قال هل فيما ذكرته حجة ؟ والمعنى أن من كان ذا لب علم أن ما أقسم اللّه تعالى به من
هذه الأشياء فيه جائب ودلائل على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بأن يقسم به لدلالته على خالقه .
قال القاضى وهذه الآية تدل على ماقلنا : أن القسم واقع برب هذه الأمور لأن هذه الآية دالة
على أن هذا مبالغة فى القسم. ومعلوم أن المبالغة فى القسم لا تحصل إلا فى القسم بالله، ولأن النهى
قد ورد بأن يحلف العاقل بهذه الأمور .
قوله تعالى: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بعاد، إرم ذات العماد، التى لم يخلق مثلها فى البلاد وثمود،
الذين جابوا الصخرة بالواد، وفرعون ذى الأوتاد ، الذين طغوا فى البلاد ، فأكثروا فيها الفساد ،
فصب عليهم ربك صوت عذاب ، إن ربك لبالمرصاد
وأعلم أن فى جواب القسم وجهين (الأول) أن جواب القسم هو قوله ( إن ربك لبالمرصاد)
وما بين الموضعين معترض بينهما ( الثانى) قال صاحب الكشاف المقسم عليه محذوف وهو
لنعذبن الكافرين ، يدل عليه قوله تعالى (ألم تر - إلى قوله - فصب عليهم ربك سوط عذاب) وهذا
أولى من الوجه الأول لأنه لما لم يتعين المقسم عليه ذهب الوهم إلى كل مذهب، فكان أدخل فى
التخويف ، فلما جاء بعده بيان عذاب الكافرين دل على أن المقسم عليه أولا هو ذلك .
أما قوله تعالى (ألم تر ) ففيه مسالتان:
المسألة الأولى﴾ ألم تر، ألم تعلم لأن ذلك مما لا يصح أن يراه الرسول وإنما أطلق لفظ
الرؤية ههنا على العلم، وذلك لأن أخبار عاد وثمود وفرعون كانت منقولة بالتواتر! أما عاد وثمود
فقد كانا فى بلاد العرب وأما فرعون فقد كانوا يسمعونه من أهل الكتاب، وبلاد فرعون أيضاً

١٦٧
قوله تعالى : إرم ذات العماد. سورة الفجر.
متصلة بأرض العرب وخبر التواتر يفيد العلم الضرورى ، والعلم الضرورى جار مجرى الرؤية فى
القوة والجلاء والبعد عن الشبهة ، فلذلك قال ( ألم تر ) بمعنى ألم تعلم .
﴿ المسألة الثانية) قوله (ألم تر) وإن كان فى الظاهر خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم لكنه
عام لكل من علم ذلك. والمقصود من ذكر الله تعالى حكايتهم أن يكون زجراً للكفار عن الإقامة
على مثل ما أدى إلى هلاك عاد وثمود وفرعون وقومه ، وليكون بعثاً للمؤمنين على الثبات على
على الإيمان .
قوله تعالى: ﴿بعاد، إرم ذات العماد ﴾ ففية مسائل:
المسألة الأولى ﴾ أنه تعالى ذكرههنا قصة ثلاث فرق من الكفار المتقدمين وهى عاد
ويمود وقوم فرعون على سبيل الإجمال حيث قال (فصب عليهم ربك سوط عذاب ) ولم يبين
كيفية ذلك العذاب ، وذكر فى سورة الحاقة بيان ما أبهم فى هذه السورة فقال ( فأما نمود فأهلكوا
بالطاغية، وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر - إلى قوله - وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات
بالخاطئة ) الآية .
﴿ المسألة الثانية﴾ عاد هو عاد بن عرص بن أرم بن سام بن نوح، ثم إنهم جعلوا لفظة عاد
اسما للقبيلة كما يقال لبنى هاشم هاشم ولبنى تميم تميم ، ثم قالوا للمتقدمين من هذه القبيلة عاد الأولى
قال تعالى (وأنه أهلك عاد الأولى) والمتأخرين عاد الأخيرة، وأما إرم فهو اسم لجد عاد، وفى
المراد منه فى هذه الآية أقوال (أحدها) أن المتقدمين من قبيلة عاد كانوا يسمون بعاد الأولى
فلذلك يسمون بإرم تسمية لهم بإسم جدهم ( والثانى) أن إرم اسم لبلدتهم التى كانوا فيها ثم قبل
تلك المدينة هى الاسكندرية وقيل دمشق (والثالث) أن إرم أعلام قوم عاد كانوا يبنونها على
هيئة المنارة وعلى هيئة القبور، قال أبو الدقيش: الأروم قبور عاد، وأنشد
بها أروم كهوادى البحث
ومن الناس من طعن فى قول من قال إن إرم هى الإسكندرية أو دمشق، قال لأن منازل عاد
كانت بين عمان إلى حضرموت وهى بلاد الرمال والأحقاف ، كماقال واذكر أخا عاد إذ أنذر
قومه بالأحقاف) وأما الإسكندرية ودمشق فليستا من بلاد الرمال.
المسألة الثالثة﴾ إرم لا تنصرف قبيلة كانت أو أرضاً للتعريف والتأنيث.
المسألة الرابعة﴾ فى قوله (إرم) وجهان وذلك لأنا إن جعلناه اسم القبيلة كان قوله (إرم)
عطف بيان لعاد وإيذاناً بأنهم عاد الأولى القديمة وإن جعلناه اسم البلدة أو الأعلام كان التقدير
بعاد أهل إرم ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، كما فى قوله (واسأل القرية) ويدل
عليه قراءة ابن الزبير بعاد إرم على الإضافة .
المسألة الخامسة﴾ قرأ الحسن (بعاد إرم) مفتوحين وقرى. (بعاد إرم) بسكون الراء على

١٦٨
قوله تعالى : التي لم يخلق مثلها في البلاد. سورة الفجر.
التخفيف كما قرى. ( بورقكم) وقرى. ( بعاد إرم ذات العماد) بإضافة (إرم) إلى (ذات العماد)
وقرى. ( بعاد إرم ذات العماد ) بدلا من فعل ربك ، والتقدير: ألم تر كيف فعل ربك بعاد جعل
ذات العماد وميما ، أما قوله ( ذات العماد) ففيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾ فى إعرابه وجهان وذلك لأنا إن جعلنا (ارم) اسم القبيلة فالمعنى أنهم
كانوا بدوبين يسكنون الأخبية والخيام والخباء لابد فيها من العماد ، والعماد بمعنى العمود. وقد
يكون جمع العمد أو يكون المراد بذات العماد أنهم طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة
وقيل ذات البناء الرفيع ، وإن جعلناه اسم البلد ، فالمعنى أنها ذات أساطين أى ذات أبنية مرفوعة
على العمد وكانوا يعالجون الأعمدة فينصبونها ويبنون فوقها القصور ، قال تعالى فى وصفهم (أتبنون
بكل ربع آية تعبثون ) أى علامة وبناء رفيعاً .
المسألة الثانية )روى أنه كان لعاد ابنان شدادو شديدفلكا وقهرا ثم مات شديدو خلص الأمر
اشداد فلك الدنيا ودانت له ملوكها ، فسمع بذكر الجنة فقال ابنى مثلها ، فبنى إرم فى بعض
صوارى عدن فى ثلاثمائة سنة وكان عمره تسعمائة سنة وهى مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة
وأساطينها من الزبرجد والياقوت وفيها أصناف الأشجار والأنهار، فلما تم بناؤها سار إليها بأهل
ملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا، وعن عبد الله
ابن قلابة أنه خرج فى طلب إبل له فوصل إلى جنة شداد لحمل ما قدر عليه مما كان هناك وبلغ
خبره معاوية فاستحضره وقص عليه ، فبعث إلى كعب فسأله ، فقال هى إدم ذات العماد ،
وسيدخلها رجل من المسلمين فى زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عنقه خال ، يخرج
فى طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن [أبى] فلابة فقال هذا والله هو ذلك الرجل
أما قوله ( التى لم يخلق مثلها فى البلاد) فالضمير فى مثلها إلى ماذا يعود ؟ فيه وجوه : (الأول)
( لم يخلق مثلها) أى مثل عاد فى البلاد فى عظم الجثة وشدة الفوة، كان طول الرجل منهم أربعمائة
ذراع وكان يحمل الصخرة العظيمة فيلقيها على الجمع فيهلكوا (الثانى) لم يخلق مثل مدينة شداد فى جميع
بلاد الدنيا، وقرأ ابن الزبير (لم يخلق مثلها) أى لم يخلق الله مثلها (الثالث) أن الكناية عائدة إلى العماد
أى لم يخلق مثل تلك الأساطين فى البلاد، وعلى هذا فالعمادجمع عمد، والمقصود من هذه الحكاية زجر
الكفار بإنه تعالى بين أنه أهلكهم بما كفروا وكذبوا الرسل ، مع الذى اختصوا به من هذه
الوجوه، هلأن تكونوا خائفين من مثل ذلك أيها الكفار إذا اقتم على كفركم مع ضعفكم كان
أولى. أما قوله تعالى ( ونمود الذين جابوا الصخر بالواد) فقال الليث : الجوب قطعك الشىء
كما يجاب الجيب يقال جاب يجوب جوباً. وزاد الفراء يجيب جيباً ويقال جبت البلاد جوباً أى
جلت فيها وقطعتها ، قال ابن عباس كانوا بجوبون البلاد فيجعلون منها بيوتاً وأحواضاً وما أرادوا
من الأبنية ، كما قال ( وتنحتون من الجبال بيوتاً) قيل أول من نحت الجبال والصخور والرخام

١٦٩
قوله تعالى : وفرعون ذي الاوتاد. سورة الفجر.
نمود، وبنوا ألفاً وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة، وقوله (بالواد) قال مقاتل بوادى القرى .
وأما قوله تعالى (وفرعون ذی الأوتاد) فالاستقصاء فيه مذکور فى سورة ص ، ونقول
الآن قيه وجوه (أحدها) أنه سمى ذا الأوتاد لكثرة جنوده ومضاربهم التى كانوا يضربونها إذا
نزلوا ( وثانيها) أنه كان يعذب الناس ويشدهم بها إلى أن يموتوا، روى عن أبى هريرة أن فرعون
وتد لامرأته أربعة أوتاد وجعل على صدرها رحا واستقبل بها عين الشمس فرفعت رأسها إلى
السماء وقالت رب ابن لى عندك بيتاً فى الجنة، ففرج الله عن بيتها فى الجنة فرأته (وثالثها) ذى
الأوتاد، أى ذى الملك والرجال ، كما قال الشاعر:
فى ظل ملك رأسخ الأوتاد
(ورابعها) روى قتادة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن تلك الأوتاد كانت ملاعب
يلعبون تحتها لأجله، واعلم أن الكلام محتمل لکل ذلك ، فبین الله تعالی لرسوله أن كل ذلك ،)
تعظم به الشدة والقول والكثرة لم يمنع من ورود هلاك عظيم بهم ، ولذلك قال تعالى (الذين طغوا
فى البلاد) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ يحتمل أنه يرجع الضمير إلى فرعون خاصة لأنه يليه، ويحتمل أن يرجع
إلى جميع من تقدم ذكرهم، وهذا هو الأقرب .
﴿ المسألة الثانية﴾ أحسن الوجوه فى إعرابه أن يكون فى محل النصب على الذم، ويجوز أن يكون
مرفوعاً على [الإخبار، أى] هم الذين ظغرا أو مجروراً على وصف المذكوريز عادوثمودو فرعون.
المسألة الثالثة﴾ طغوا فى البلاد. أى عملوا المعاصى وتجبروا على أنبياء الله والمؤمنين ثم فسر
طغيانهم بقوله تعالى (فأكثروا فيها الفساد) ضد الصلاح فكما أن الصلاح يتناول جميع أقسام
البر ، فالفساد يتناول جميع أقسام الآثم، فمن عمل بغير أمر الله وحكم فى عباده بالظلم فهو مفسد
ثم قال تعالى ( فصب عليهم ربك سوط عذاب) واعلم أنه يقال صب عليه السوط وغشاه وقنعه،
وذكر السوط إشارة إلى أن ما أحله بهم فى الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعد لهم فى
الآخرة، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به . قال الفاضى وشبهه بصب السوط الذى يتواتر
على المضروب فيهلكه ، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال إن عند الله أسواطاً كثيرة فأخذم
بسوط منها، فإن قيل: أليس أن قوله تعالى ( ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها
من دابة ) يقتضى تأخير العذاب إلى الآخرة فكيف الجمع بين هاتين الآيتين ؟ قلنا هذه الآية
تقتضى تأخير تمام الجزاء إلى الآخرة والواقع فى الدنيا شىء من ذلك ومقدمة من مقدماته . ثم قال
تعالى ( إن ربك لبالمرصاد) تقدم عندقوله (كانت مرصاداً) ونقول: المرصاد المكان الذى يترقب
فيه الراصد مفعال من رصده كالميقات من وقته، وهذا مثل لإرصاده العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه،
وعن بعض الغرب أنه قيل له: أين ربك ؟ فقال بالمرصاد ، وللمفسرين فيه وجوه (أحدها )

١٧٠
قوله تعالى : فأما الإنسان إذا ما ابتلاه. سورة الفجر.
فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا أَبْتَلَئُهُ رَبُّهُ، فَأَكْرَمَهُ، وَنَعَّمَهُ، فَيَقُولُ رَبِ أَكْرَمَنِ
وَأَمَّا إِذَا مَا أَبْتَلَنُهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، فَيَقُولُ رَبِ أَهَنِ (!
قال الحسن يرصد أعمال بنى آدم (وثانيها) قال الفراء: إليه المصير، وهذان الوجهان عامان للمؤمنين
والكافرين، ومن المفسرين من يخص هذه الآية إما بوعيد الكفار، أو بوعيد العصاة، أما الأول
فقال الزجاج يرصد من كفر به وعدل عن طاعته بالعذاب، وأما الثانى فقال الضحاك يرصد لأهل
الظلم والمعصية ، وهذه الوجوه متقاربة .
قوله تعالى: ﴿ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه، فيقول ربى أكرمن، وأما إذا
ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربى أمانن ﴾
اعلم أن قوله (فأما الإنسان) متعلق بقوله (إن ربك لبالمرضاد) كأنه قيل إنه تعالى لبالمرصاد فى
الآخرة، فلا يريد إلا السعى للآخرة فأما الإنسان فإنه لا يهمه إلا الدنيا ولذاتها وشهواتها ، فإن وجد
الراحة فى الدنيا يقول ربى أكرمنى، وإن لم يجد هذه الراحة يقول ربى أهانى، ونظيره قوله تعالى
فى صفة الكفار ( يعدون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) وقال ( ومن الناس
من يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه ) وهذا
خطأ من وجوه ( أحدها ) أن سعادة الدنيا وشقاوتها فى مقالة ما فى الآخرة من السعادة والشقاوة
كالقطرة فى البحر ، فالمتنعم فى الدنيا لو كان شقياً فى الآخرة فذاك التنعم ليس بسعادة، والمتألم
المحتاج فى الدنيا لو كان سعيداً فى الآخرة فذاك ليس بإهانة ولا شقاوة، إذ المتعم فى الدنيا لا يجوز
له أن يحكم على نفسه بالسعادة والكرامة، والمتألم فى الدنيا لا يجوز له أن يحكم على نفسه بالشقاوة
والهوان ( وثانيها) أن حصول النعمة فى الدنيا وحصول الآلام فى الدنيا لا يدل على الاستحقاق
فإنه تعالى كثيراً ما يوسع على العصاة والكفرة، إما لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وإما يحكم
المصلحة، وإما على سبيل الاستدراج والمكر، وقد يضيق على الصديقين لأضداد ما ذكرنا ، فلا
ينبغى للعبد أن يظن أن ذلك لنجازاة ( وثالثها) أن المتنعم لا ينبغى أن يغفل عن العاقبة،
فالأمور بخواتيمها، والفقير والمحتاج لا ينبغى أن يغفل عما لله عليه من النعم التى لا حد لها، من
سلامة البدن والعقل والدين ودفع الآفات والآلام التى لا حد لها ولا حصر ، فلا ينبغى أن يقضى.
على نفسه بالإهانة مطلقاً (ورابعها) أن النفس قد ألفت هذه الح وسات، فمتى حصلت هذه
المشتهيات واللذات صعب عليها الانقطاع عنها وعدم الاستغراق فيها، أما إذا لم يحصل للانسان
شىء من هذه المحسوسات رجعت شاءت أم أبت إلى الله، واشتغلت بعبودية الله فكان وجدان
الدنيا سبباً للحرمان من الله، فكيف يجوز القضاء بالشقارة والإهانة عند عدم الدنيا، مع أن ذلك

١٧١
قوله تعالى : فاكرمه و نعمه. سورة الفجر.
أعظم الوسائل إلى أعظم السعادات (وخامسها) أن كثرة الممارسة سبب لتأكد المحبة ، وتأكد
المحبة -جب لتأكد الألم عند الفراق، فكل من كان وجدانه الدنيا أكثر وأدوم كانت محبته لها
أشد، فكان تألمه بمفارقتها عند الموت أشد، والذى بالضدفبالضد ، فإذن حصول لذات الدنيا سبب
للألم الشديد بعد الموت، وعدم حصولها سبب للسعادة الشديدة بعدالموت، فكيف يقال إن وجدان
الدنيا سعادة وفقدانها شقاوة؟ .
واعلم أن هذه الوجوه إنما تصح مع القول بإثبات البعث روحانياً كان أو جسمانياً ، فأما من
ينكر البعث من جميع الوجوه فلا يستقيم على قوله شىء من هذه الوجوه ، بل يلزمه القطع بأن
وجدان الدنيا هو السعادة وفقدانها هو الشقاوة، ولكن فيه دقيقة أخرى وهى أنه ربما كان
وجدان الدنيا الكثيرة سبباً للقتل والنهب والوقوع فى أنواع العذاب ، فربما كان الحرمان سبباً
المقاء السلامة ، فعلى هذا التقدير لا يجوز أيضاً لمنكر البعث من جميع الوجوه أن يقضى على صاحب
الدنيا بالسعادة، وعلى فاقدها بالهوان ، فربما ينكشف له أن الحال بعد ذلك بالضد، وفى
الآية سؤالات :
﴿السؤال الأول) قوله (وأما الإنسان، المرادمنه شخصينمعين أو الجنس؟ (الجواب) فيهقولان
(الأول) أن المراد منه شخصين معين ، فروى عن ابن عباس أنه عتبة بن ربيعة، وأبو حذيفة ان
المغيرة، وقال الكلبى هو أبى بن خلف، وقال مقاتل نزات فى أمية بن خلف ( والقوّل الثانى)
أن المراد من كان موصوفاً بهذا الوصف وهو الكافر الجاحد ليوم الجزاء.
﴿ السؤال الثانى) كيف سمى بسط الرزق وتقديره ابتلاء؟ (الجواب) لأن كل واحد منهما
اختبار للعبد ، فإذا بسط له فقد اختبر حاله أيشكر أم يكفر ، وإذا قدر عليه فقد اختبر حاله أيصبر
أم يخزع، فالحكمة فيهما واحدة، ونحوه قوله تعالى ( ونبلو كم بالشر والخير فتنة).
( السؤال الثالث) لما قال (فأكرمه) فقد صمح أنه أكرمه. وأثبت ذلك ثم إنه لما حكى
عنه أنه قاء (ربى أكرمتى) ذمه عليه فكيف الجمع بينهما؟ (والجواب) لأن كلمة الإنكار هي قوله
(كلا) فلم لا يجوز أن يقال إنها مختصة بقوله (ربى أهانن) سلمنا أن الإنكار عائد إليهما معاً ولكن فيه
وجوه ثلاثة (أحدها ) أنه اعتقد حصول الاستحقاق فى ذلك الإكرام ( الثانى) أن نعم الله تعالى
كانت حاصلة قبل وجدان المال، وهى نعمة سلامة البدن والعقل والدين ، فلما لم يعترف بالنعمة
إلا عند وجدان المال ، علمنا أنه ليس غرضه من ذلك شكر نعمة الله ، بل التصلف بالدنيا والتكثر
بالأموال والأولاد (الثالث) أن تصلفه بنعمة الدنيا وإعراضه عن ذكر نعمة الآخرة يدل على
كونه منكراً للبعث، فلا جرم استحق الذم على ما حكى الله تعالى ذلك، فقال ( ودخل جنته وهو
ظالم لنفسه، قال ما أظن أن تبيد هذه أبداً، وما أظن الساعة قائمة) إلى قوله (أكفرت بالذى
خلقك من تراب ).

١٧٢
قوله تعالى : كلا بل لا تكرمون اليتم. سورة الفجر.
كَلَّ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْبَغِيَمَ ﴾ وَلَا تَحَمُونَ عَلَى طَعَامِ اَلْمِسْكِينِ
وَتَأْكُونَ الْتَّاثَ أَعْلَا لَّمَّا (٦﴾ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًََّّا
﴿ السؤال الرابع) لم قال فى القسم الأول (إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه) وفى القسم الثانى
(وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه) فذكر الأول بالفاء والثانى بالواو؟ (والجواب) لأن رحمة اله
سابقة على غضبه وابتلاءه بالنعم سابق على ابتلائه بإنزال الآلام، فالفاء تدل على كثرة ذلك القسم
وقبله الثانى على ما قال ( وإن تعدوا نعمة الله لاتحصوها).
﴿ السؤال الخامس) لما قال فى القسم الأول (فأكرمه فيقول ربى أكرمن) يجب أن يقول
فى القسم الثانى (فأهانه) فيقول (ربى أهانن) لكنه لم يقل ذلك ( والجواب) لأنه فى قوله
(أكرمن) صادق وفى قوله (أهان) غير صادق فهو ظن قلة الدنيا وتقتيرها إهانة ، وهذا جهل
واعتقاد فاسد، فكيف يحكى الله سبحانه ذلك عنه .
( السؤال السادس) ما معنى قوله فقدر عليه رزقه ؟ (الجراب) ضيق عليه بأن جعله على
مقدار البلغة ، وقرى. فقدر على التخفيف وبالتشديد أى قتر، وأكرمن وأمانن بسكون النون فى
الوقف فيمن ترك الياء فى المدرج مكتفياً منها بالكسرة .
قوله تعالى : ﴿ كلا بل لا تكرمون اليقيم، ولا تحاضون على طعام المسكين، وتأكلون التراث
أكلالمنا ، وتحبون المال حباًجماً
واعلم أنّه تعالى لما حكى عنهم تلك الشبهة قال (كلا) وهو ردع للانسان عن تلك المقالة ، قال.
ابن عباس المعنى لم أبتله بالغنى لكرامته على، ولم أبتله بالفقر لهوانه على، بل ذلك إما على مذهب
أهل السنة، فمن محض القضاء أو القدر والمشيئة، والحكم الذى تنزه عن التعليل بالعلل، وإما على
مذهب المعتزلة فبسب مصالح خفية لا يطلع عليها إلا هو ، فقد يوسع على الكافر لا لكرامته ،
ويقتر على المؤمن لا لهوانه ، ثم إنه تعالى لما حكى من أقوالهم تلك الشبهة فكانه قال بل لهم فعل
هو شر من هذا القول ، وهو أن الله تعالى يكرمهم بكثرة المال، فلا يؤدون ما يلزمهم فيه من
إكرام اليتيم، فقال ( بل لا يكرمون اليقيم وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ قرأ أبو عمر و(يكرمون) وما بعده بالياء المنقوطة من تحت، وذلك أنه
لما تقدم ذكر الإنسان، وكان يراد به الجنس والكثرة، وهو على لفظة الغيبة حمل يكرمون
ويحبون عليه، ومن قرأ بالتاء فالتقدير قل لهم يا محمد ذلك.
﴿ المسألة الثانية﴾ قال مقاتل كان قدامة بن مظعون يتيما فى حجرأمية بن خلف، فكان يدفعه
عن حقه ،

١٧٣
قوله تعالى : كلا إذا دكت الارض. سورة الفجر.
كَّ إِذَا دَُتِ الْأَرْضُ دَكّا دَ كّا (﴾ وَجَآءَ رَبُّكَ وَاَلْمَلَكُ صَفًّا صَقًّا
واعلم أن ترك إكرام اليتيم على وجوه (أحدها) ترك بره ، وإليه الإشارة بقوله (ولا تحاضون
على طعام المسكين (والثانى) دفعه عن حقه الثابت له فى الميراث وأكل ماله، وإليه الإشارة
بقوله تعالى (وتأكلون التراث أكلا لما) و (الثالث) أخذ ماله منه وإليه الإشارة بقوله (وتحبون
المال حباًجما) أى تأخذون أموال اليتامى وتضمونها إلى أموالكم، أما قوله (ولا تحضون على
طعام المسكين) قال مقاتل ولا تطعمون مسكيناً، والمعنى لا تأمرون بإطعامه كقوله تعالى (إنه
كان لا يؤمن بالله العظيم، ولا يحض على طعام المسكين) ومن قرأ ولا تحاضون أراد تتحاضون
فحذف تاء تتفاعلون، والمعنى ( لا يحض بعضكم بعضاً) وفى قراءة ابن مسعود (ولا تحاضون) بضم
التاء من المحاضة .
أما قوله ﴿وتأكلون التراث أكلا لما﴾ ففيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ قالوا أصل التراث وراث، والتاء تبدل من الواو المضمومة نحو تجاه ووجاه
من واجهت .
﴿ المسألة الثانية﴾ قال الليث اللم الجمع الشديد، ومنه كتيبة ملمومة وحجر ملموم، والآكل
يلم الثريد فيجعله لة) ثم يأكله ويقال لممت ما على الخوان ألمه أى أكلته أجمع، فمعنى اللم فى اللغة
الجمع، وأما التفسير ففيه وجوه (أحدما) قال الواحدى والمفسرون يقولون فى قوله (أكلا
لما) أى شديداً وهو حل معنى وليس بتفسير، وتفسيره أن اللم مصدر جعل نعتً للأكل، والمراد
به الفاعل أى آ لا لا ما أى جائعاً كانهم يستوعبونه بالأكل، قال الزجاج كانوا يأكلون أموال
اليتامى إسرافاً وبداراً، فقال الله (وتأكلون التراث أكلا لماً) أى تراث اليتامى لما أبى تدون
جميعه ، وقال الحسن أى يأكلون نصيبهم ونصيب صاحبهم .. فيجمعون نصيب غير ثم إلى نصيبهم
( وثانيها ) أن المال الذى يبقى من الميت بعضه حلال، وبعضه شبهة وبعضه حرام، فالوارث يلم
الكل أی یضم البعض إلى البعض ویأخذ الکل و یأ کله( وثالثها ) قال صاحب الکشاف، ويجوز
أن يكون الذم متوجهاً إلى الوارث الذى ظفر بالمال سهلا مهلا من غير أن يعرق فيه جبينه
فيسرف فى أنفاقه ويأكله أكلا لماً واسعاً، جامعاً بين ألوان المشتهيات من الأطعمة والأشربه
والفواكه ، كما يفعله الوراث البطالون .
قوله تعالى: ﴿ويحبون المال حباً جماً﴾ فاعلم أن الجم هو الكثرة يقال جم الشىء يجم جموماً يقال
ذلك فى المال وغيره فهو شىء جم وجام وقال أبو عمرو جم يجم أى يكثر، والمعنى: ويحبون
المال حباً كثيراً شديداً، فبين أن حرصهم على الدنيا فقط وأنهم عادلون عن أمر الآخرة.
قوله تعالى: ﴿ كلا إذا دكت الأرض دكادكا، وجاء ربك والملك صفاً صفاً، وجىء يومئذ

١٧٤
قوله تعالى : وجيء يومئذ بجهنم. سورة الفجر.
وَجِىّءَ يَوْمَيِِ يَهْتُمْ يَوْمَيِذٍ يَقَدَعَُّ الْإِنسَانُ وَّى لَهُ الذِّرَى
بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى
اعلم أن قوله (كلا) زدع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم أى لا ينبغى أن يكون الأمر هكذا
فى الحرص على الدنيا وقصر الهمة والجهاد على تحصيلها والاتكال عليها وترك المواساة منها وجمعها
من حيث تتهيأ من حل أو حرام، وتوهم أن لاحساب ولا جزاء. فإن من كان هذا حاله يندم حين
لا تنفعه الندامة ويتمنى أن لو كان أفنى عمره فى التقرب بالأعمال الصالحة والمواساة من المال إلى
الله تعالى، ثم بين أنه إذا جاء يوم موصوف بصفات ثلاثة فإنه يحصل ذلك التمنى وتلك الندامة.
﴿ الصفة الأولى) من صفات ذلك اليوم قوله (إذا دكت الأرض دكاد كا) قال الخليل
الدك كسر الحائط والجبل والد كداك رمل متلبد، ورجل مدك شديد الوطء على الأرض، وقال
المبرد الدك حط المرتفع بالبسط والدك سنام البعير إذا انفرش فى ظهره ، وناقة دكاء إذا كانت
كذلك ومنه الدكان لا ستوائه فى الانفراش ، فمعنى الدك على قول الخليل كسر كل شىء على وجه
الأرض من جبل أو شجر حين زلزلت فلم يبق على ظهرها شىء، وعلى قول المبرد معناه أنها استوت
فى الانفراش فذهبت دورها وقصورها وسائر أبنيتها حتى تصير كالصحرة الملساء، وهذا معنى قول
ابن عباس: تمد الأرض يوم القيامة.
واعلم أن التكرار فى قوله (دكاد كا) معناه دكا بعد دك كقولك حسبته باباً باباً وعلمته حرفاً
حرفاً أى كرر عليها الدك حتى صارت هباء منثوراً. واعلم أن هذه التدكدك لابد وأن يكون
متأخراً عن الزلزلة ، فاذا زلزلت الأرض زلزلة بعد زلزلة وحركت تحريكا بعد تحريك انكسرت
الجبال التى عليها وانهدمت التلال وأمتلأت الأغوار وصارت ملساء، وذلك عند انقضاض الدنيا
وقد قال تعالى ( يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة) وقال ( وحملت الأرض والجبال فدكتادكة
واحدة) وقال (إذا رجت الأرض رجاً، وبست الجبال بساً).
﴿ الصفة الثانية) من صفات ذلك اليوم قوله ( وجاء ربك والملك ضفاً صفاً)
واعلم أنه ثبت بالدليل العقلى أن الحر کة على الله تعالى محال ، لأن كل ما کان کذلك کائ جسماً".
والجسم يستحيل أن يكون ازلياً فلابد فيه من التأويل، وهو أن هذا من باب حذف المضاف وإقامة
المضاف إليه مقامه ، ثم ذلك المضاف ما هو ؟ فيه وجوه (أحدها) وجاء أمر ربك بالمحاسبة والمجازاة
(وثانيها) وجاء قهر ربك كما يقال جاءتنا بنو أمية أى قهرهم (وثالثها) وجاء جلائل آيات ربك لأن
هذا يكون يوم القيامة، وفى ذلك اليوم تظهر العظائم وجلائل الآيات ، جعل مجيئها مجيئاً له تفخيما
لشأن تلك الآيات (ورابعها) وجاء ظهور ربك ، وذلك لآن معرفة الله تصير فى ذلك اليوم
ضرورية فصار ذلك كظهوره وتجليه للخاق ، فقيل ( وجاء ربك) أى زالت الشبهة وارتفعت

١٧٥
قوله تعالى : يقول يا ليتني قدمت لحياتي، سورة الفجر.
٢٤
يَقُولُ یَلَيْئَنِى قَدَّمْتُ لِحِيَانِى
الشكوك (خامسها) أن هذا تمثيل لظهور آيات الله وتبيين آثار قهره وسلطانه، مثلت حاله فى
ذلك بحال الملك إذا حضر بنفسه ، فإنه يظهر بمجرد حضوره من آثار الهيبة والسياسة مالا يظهر
بحضور عساكره كلها ( وسادسها) أن الرب هو المربى، ولعل ملكا هو أعظم الملائكة هو مربى
للنى على جاء فكان هو المراد من قوله (وجاء ربك)
أما قوله ( والملك صفاً صفاً) فالمعنى أنه تنزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفاً بعد صف
محدقين بالجن والإنس .
( الصفة الثالثة) من صفات ذلك اليوم قوله تعالى (وحى. يومئذ بجهنم) ونظيره قوله
تعالى ( وبرزت الجهنم للغاوين) قال جماعة من المفسرين: جىء بها يوم القيامة مزمومة بسبعين
ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها حتى تنصب عن يسار العرش فتشرد شردة
لو تركت لأحرقت أهل الجمع، قال الأصوليون، ومعلوم أنها لا تنفك عن مكانها ، فالمراد
(وبرزت) أى ظهرت حتى رآها الخلق، وعلم الكافر أن مصيره إليها، ثم قال (يومئذ يتذكر
الإنسان ) واعلم أن تقدير الكلام : إذا دكت الأرض ، وحصل كذا وكذا فيومئذ يتذكر
الإنسان ، وفى تذكره وجوه ( الأول) أنه يتذكر ما فرط فيه لأنه حين كان فى الدنيا كانت
همته تحصيل الدنيا، ثم إنه فى الآخرة يتذكر أن ذلك كان ضلالا ، وكان الواجب عليه أن
تكون همته تحصيل الآخرة (الثانى) يتذكر أى يتعظ، والمعنى أنه ما كان يتعظ فى الدنيا فيصير
فى الآخرة متعظاً فيقول (ياليتنا ترد ولانكذب بآيات ربنا). (الثالث) يتذكر يتوب وهو مروى
عن الحسن؛ ثم قال تعالى( وأنى له لهم الذ کری ، وقد جاءهم رسول مبين):
واعلم أن بين قوله ( يتذكر) وبين قوله ( وأنى له الذكرى) تناقضاً فلا بدمن إضمار المضاف
والمعنى ومن أين له منفعة الذكرى .
ويتفرع على هذه الآية مسألة أصولية، وهى أن قبول التوبة عندنا غير واحب على اللّه عقلا،
وقالت المعتزلة: هو واجب، فنقول الدليل على قولنا أن الآية دلت مههنا على أن الإنسان يعلم فى
الآخرة أن الذى يعمله فى الدنيا لم يكن أصلح له وأن الذى تركه كان أصلح له، ومهما غرف ذلك
لابدوأن يندم عليه، وإذا حصل الندم فقد حصلت التوبة، ثم إنه تعالى نفى كون تلك التوبة نافعة بقوله
(وأنى له الذكرى) فعلمنا أن التوبة لا يجب عقلا قبولها، فان قيل القوم إنما ندموا على أفعالهم
لالوجه قبحها بل لترتب العقاب عليها ، فلا جرم ما كانت التوبة صحيحة؟ قلنا القوم لما علموا أن
الندم على القبيح لابد وأن يكون لوجه قبحه حتى يكون نافعاً وجب أن يكون ندمهم واقعاً على
هذا الوجه، حينئذ يكونون آتين بالتوبة الصحيحة مع عدم القبول فصح قولنا
ثم شرح تعانى ما يقوله هذا الإنسان فقال تعالى: ﴿يقول ياليتنى قدمت لحياتي) وفيه مسألتان:

١٧٦
قوله تعالى : فيومئذ لا يعذب عذابه احد. سورة الفجر.
٤٠٠٠ ٨٠٤
فَيَوْمَبِذِلَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ
وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌّ
المسألة الأولى ) الآية تاويلات:
( أحدهما﴾ ( ياليتنى قدمت) فى الدنيا التى كانت حياتى فيها منقطعة ، لحياتى هذه التى هى
دائمة غير منقطعة، وإنما قال ( لحياتى) ولم يقل لهذه الحياة على معنى أن الحياة كأنها ليست إلا
الحياة فى الدار الآخرة ، قال تعالى (وإن الدار الآخرة لهى الحيوان) أى لهى الحياة.
﴿ وثانيها) أنه تعالى قال فى حق الكافر (ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت) وقال (فإن
له جهنم لا يموت فيها ولا يحي) وقال ( ويتجنبها الأشقى الذى يصلى النار الكبرى ، ثم لا يموت
فيها ولا يحيى) فهذه الآية دلت على أن أهل النار فى الآخرة كأنه لاحياة لهم، والمعنى فياليقى
قدمت عملا يوجب نجاتى من النار حتى أكون من الأحياء .
﴿ وثالثها) أن يكون المعنى: فياليقنى قدمت وقت حياتى فى الدنيا، كقرلك جثته لعشر
ليال خلون من رجب .
﴿ المسألة الثانية) استدات المعتزلة بهذه الآية على أن الاختيار كان فى أيديهم ومعلقاً بقصدهم
وإرادتهم وأهم ماكانوا محجوبين عن الطاعات محترئين على المعاصى (وجوابه) أن فعلهم كان معلقاً
بقصدهم، فقصدهم إن كان معلقاً بقصد آخر لزم التسلسل، وإن كان معلقاً بقصد الله فقد بطل الاعتزال.
قوله تعالى: ﴿فيومئذ لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد ﴾ وفيه مسالتان:
المسألة الأولى ﴾ قراءة العامة يعذب ويؤثق بكسر العين فيهما قال مقاتل معناه: فيومئذ
لا يعذب عذاب الله أحد من الخلق ولا يوثق وثاق الله أحد من الخلق، والمعنى لا يبلغ أحد من
الجاق كبلاغ الله فى العذاب والوثاق، قال أبو عبيدة هذا التفسير ضعيف لأنه ليس يوم القيامة
معذب سوى الله فكيف يقال لا يعذب أحد فى مثل عذابه، وأجيب عن هذا الاعتراض من
وجوه ( الأول) أن التقدير لا يعذب أحد فى الدنيا عذاب الله الكافر يومئذ، ولا يوثق أحد فى
الدنيا وثق اللّه الكافر يومئذ، والمعنى مثل عذابه ووثاقه فى الشدة والمبالغة (الثانى) أن المعنى
لا يتولى يوم القيامة عذاب الله أحد، أى الأمر يومئذ أمره ولا أمر لغيره (الثالث) وهو قول
أبى على الفارسى أن يكون التقدير لا يعذب أحد من الزبانية مثل ما يعذبونه ، فالضمير فى عذابه
عائد إلى الإنسان، وقرأ الكسائى لا يعذب ولا يوثق بفتح العين فيها واختاره أبو عبيدة ، وعن
. أبى عمرو أنه رجع إليها فى آخر عمره، لما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأهما بالفتح
والضمير للانسان الموصوف ، وقيل هو أبى بن خلف ولهذه القراءة تفسيران (أحدهما) لا يعذب
أحد مثل عذابه ولا يوثق بالسلاسل والأغلال مثل وثاقه، لتناهية فى كفره وفساده ( والثانى)

١٧٧
قوله تعالى : يا ايتها النفس المطمئنة. سورة الفجر.
٣٨
يَأَ يُُّهَا النَّفْسِ الْمُطْمَيِنَّةُ ( أَرْجِعِىّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً
أنه لا يعذب أحد من الناس عذاب الكافر، كقوله ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) قال الواحدى
وهذه أولى الأقوال .
﴿ المسألة الثانية﴾ العذاب فى القراءتين بمعنى التعذيب والوثاق بمعنى الإيثاق، كالعطاء بمعنى
[ أكفراً بعد رد الموت عن] وبعد عدائك المائة الرقاعا
الإعطاء فى قوله :
قوله تعالى: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعى إلى ربك راضية مرضية﴾.
أعلم أنه تعال لما وصف حال من اطمأن إلى الدنيا ، وصف حال من اطمأن إلى معرفته
وعبوديته، فقال ( يا أيتها النفس) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ تقدير هذا الكلام. يقول الله للمؤمن (يا أيتها النفس) فإما أن يكلمه
إكراماً له كما كلم موسى عليه السلام أو على لسان ملك، وقال القفال: هذا وإن كان أمراً فى الظاهر
لكنه خبر فى المعنى، والتقدير أن النفس إذا كانت مطمئنة رجعت إلى اللّه، وقال الله لها (فادخلى
فى عبادى وادخلى جنتى) قال ومجىء الأمر بمعنى الخبر كثير فى كلامهم، كقولهم: إذا لم تنح
فاصنع ما شئت .
المسألة الثانية﴾ الأطمئنان هو الاستقرار والثبات، وفى كيفية هذا الاستقرار وجوه
(أحدها) أن تكون متيقنة بالحق ، فلا يخالجها شك، وهو المراد من قوله ( ولكن ليطمئن قلبى )
(وثانيها) النفس الآمنة التى لا يستفزها خوف ولا حزن، ويشهد لهذا التفسير قراءة أبى ابن
كعب يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة وهذه الخاصة قدتحصل عند الموت عند سماع قوله (ألاتخافوا
ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة) وتحصل عند البعث ، وعند دخول الجنة لا محالة ( وثالثها) وهو
تأويل مطابق للحقائق العلقية ، فنقول القرآن والبرهان تطابقا على أن هذا الاطمئنان لا يحصل
إلا بذكر الله، أما القرآن فقوله ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب) وأما البرهان فمن وجهين
(الأول) أن القوة العائلة إذا أخذت تترقى فى سلسلة الأسباب والمسبيات. فكاما وصل إلى
سبب يكون هو ممكناً لذاته طلب العقل له سبأ آخر، فلم يقف العقل عنده ، بل لايزال ينتقل من كل
شىء إلى ما هو أعلى منه، حتى ينتهى فى ذلك الترقى إلى واجب الوجود لذاته مقطع الحاجات .
ومنتهى الضرورات، فلما وقفت الحاجة دونه وقف العقل عنده واطمأن إليه، ولم ينتقل عنه
إلى غيره، فإذا كلما كانت القوة العاقلة ناظرة إلى شىء من الممكنات ملتفة إليه استحال أن تستقر
عنده، وإذا نظرت إلى جلال واجب الوجود، وعرفت أن الكل منه استحال أن تنتقل عنه،
فثبت أن الاطمئنان لا يحصل إلا بذكر واجب الوجود (الثانى) أن حاجات العبد غير متناهية
وكل ماسوى الله تعالى فهو متناهى البقاء والقوة إلا بإمداد الله، وغير المتناهى لا يصير مجبوراً
الفخر الرازي - ج ٣١ م ١٢

١٧٨
قوله تعالى : ارجعي إلى ربك. سورة الفجر.
بالمتنامى، فلا بد فى مقابلة حاجة العبد التى لا نهاية لها من كمال اللّه الذى لا نهاية له، حتى يحصل
الاستقرار، فثبت أن كل من آثر معرفة الله لا لشىء غير الله فهو غير مطمئن، وليست نفسه نفساً
مطمئنة ، أما من آثر معرفة الله لشىء سواء فنفسه هى النفس المطمئنة ، وكل من كان كذلك كان
أنسه بالله وشوقه إلى اللّه وبقاؤه بالله وكلامه مع الله، فلا جرم يخاطب عند مفارقته الدنيا بقوله
(ارجعى إلى ربك راضية مرضية) وهذا كلام لا ينتفع الإنسان به إلا إذا كان كاملا فى القوة
الفكرية الإلهية أو فى التجريد والتفريد .
المسألة الثالثة ) اعلم أن الله تعالى ذكر مطلق النفس فى القرآن فقال (ونفس وما سواها)
وقال ( تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك) وقال ( فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين)
وقارة وصفها بكونها أمارة بالسوء، فقال ( إن النفس الأمارة بالسوء) وتارة بكونها لوامة ، فقال
(بالنفس اللوامة) وتارة بكونها مطمئنة كما فى هذه الآية. واعلم أن نفس ذاتك وحقيقتك وهى
التى تشير إليها بقولك (أنا) حين تخبر عن نفسك بقولك فعلت ورأيت وسمعت وغضبت
واشتهيت وتخيلت وتذكرت، إلا أن المشار إليه بهذه الإشارة ليس هو هذه البنية لوجهين (الأول)
أن المشار إليه بقولك (أنا) قد يكون معلوماً حال ماتكون هذه البنية المخصوصة غير معلومة،
والمعلوم غير ما هو غير معلوم (والثانى) أن هذه البنية متبدلة الأجزاء والمشار إليه بقولك (أنا)
غير متبدل، فانى أعلم بالضرورة أنى أنا الذى كنت موجوداً قبل هذا اليوم بعشرين سنة ، والمتبدل
غير ما هو غير متبدل ، فإذاً ليست النفس عبارة عن هذه البنية، وتقول: قال قوم إن النفس ليست
بجسم لأنا قد نعقل المشار إليه بقوله (أنا) حال ما أكون غافلا عن الجسم الذى حقيقته المختص
بالحيز الذاهب فى الطول والعرض والعمق. والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم، وجواب المعارضة
بالنفس مذ كور فى كتابنا المسمى بلباب الإشارات ، وقال آخرون بل هو جوهر جسمانى لطيف
صاف بعيد عن مشابهة الأجرام العنصرية نورانى سماوى مخالف بالماهية لهذه الأجسام السفلية،
فإذا صارت مشابكه لهذا البدن الكثيف صار البدن حياً وإن فارقته صار البدن ميتاً، وعلى التقدير
الأول يكون وصفها بالمجىء والرجوع بمعنى التدبير وتركه، وعلى التقدير الثا ، يكون ذلك
الوصف حقيقاً .
﴿ المسألة الرابعة) من القدماء من زعم أن النفوس أزلية، واحتجوا بهذه الآية وهى قوله
(أرجعى إلى ربك) فإن هذا إنما يقال لما كان موجوداً قبل هذا البدن .
واعلم أن هذا الكلام يتفرع على أن هذا الخطاب متى يوجد؟ وفيه وجهان (الأول )
أنه إنما يوجد عند الموت، وهنا تقوى حجة القائلين بتقدم الأرواح على الأجساد ، إلا أنه
لا يلزم من تقدمها عليها قدمها (الثانى) أنه إنما يوجد عند البعث والقيامة، والمعنى: ارجعى إلى
ثواب ربك، فادخلى فى عبادى ، أى ادخلى فى الجسد الذى خرجت منه .

١٧٩
قوله تعالى : فأدخلي في عبادي. سورة الفجر.
فَادْخُلِ فِىِ عِبَدِى (﴾ وَأَدْخُلِ جَنَّتِي
المسألة الخامسة﴾ المجسمة تمسكوا بقوله ( إلى ربك) وكلمة إلى لانتهاء الغاية (وجوابه)
إلى حكم ربك ، أو إلى أواب ربك أو إلى إحسان ربك ( والجواب) الحقيقى المفرع على القاعدة
العقلية التى قررناها، أن القوة العقلية بسيرها العقلى ترقى من موجود إلى موجود آخر، ومن
سبب إلى سبب حتى تنتهى إلى حضرة واجب الوجود ، فهناك انتهاء الغايات وانقطاع الحركات،
أما قوله تعالى (راضية مرضية) فالمعنى راضية بالثواب مر ضية عنك فى الأعمال التى عملتها فى
الدنيا ، ويدل على صحة هذا التفسير، ما روى أن رجلا قرأ عند التى ترقيم هذه الآيات ، فقال
أبو بكر. ما أحسن هذا ! فقال عليه الصلاة والسلام وأما إن الملك سيقولها لك)).
قوله تعالى : ﴿ فادخلى فى عبادى ، وادخلى جنتى﴾ وفيه مسألتان:
المسألة الأولى ﴾ قيل نزلت فى حمزة بن عبد المطلب، وقيل فى خبيت بن عدى الذى صلبه
أهل مكة وجغلوا وجهه إلى المدينة ، فقال: اللهم إن كان لى عندك خير لتحول وجهى نحو بلدتك،
حول الله وجه نحوها، فلم يستطع أحد أن يحوله، وأنت قد عرفت أن العبرة بعموم اللفظ
لا بخصوص السبب .
﴿ المسألة الثانية﴾ قوله (ادخلى فى عبادى) أى انضمى إلى عبادى المقربين، وهذه حالة
شريفة، وذلك لأن الأرواح الشريفة القدسية تكون كالمرايا المصقولة ، فإذا انضم بعضها إلى
البعض حصلت فيما بينها حاله شبيهة بالحالة الحاصلة عند تقابل المرايا المصقولة من انفتكاس الأشعة
من بعضها على بعض ، فيظهر فى كل واحدمنها كلى ما ظهر فى كلها، وبالجملة فيكون ذلك الانضمام
سبباً لتكامل تلك السعادات، وتعاظم تلك الدرجات الروحانية ، وهذا هو المراد من قوله تعالى
(فأما إن كان من أصحاب اليمين، فسلام لك من أصحاب اليمين ) وذلك هو السعادة الروحانية، ثم
قال (وأدخلى جنتى) وهذا إشارة إلى السعادة الجسمانية ، ولما كانت الجنة الروحانية غير متراخية
عن الموت فى حق السعداء، لا جرم قال ( فادخلى فى عبادى ) فذكر بفاه التعقيب، ولما كانت
الجنة الجسمانية لا يحصل الفوز بها إلا بعد قيام القيامة الكبرى ، لا جرم قال (وادخلى جنتى)
فذكره بالواو لا بالفاء، والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

١٨٠
سورة البلد
(١٠) سورة البلدمَكِيَّة
وَأَيَانِهَا عِشِرُونَ
لَ أُقْسُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴿ وَأَنْتَ حِلُّ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَ ◌َ لَقَدْ
خَلَقْنَا الآنسنَ فِی کبدٍ
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ لا أقسم بهذا البلد، وأنت حل بهذا البلد، ووالد وما ولد، لقد خلقنا الإنسان فى كبد}
أجمع المفسرون على أن ذلك البلد هى مكة ، واعلم أن فضل مكة معروف ، فإن الله تعالى جعلها
حرماً آمناً ، فقال فى المسجد الذى فيها ( ومن دخله كان آمناً) وجعل ذلك المسجد قبلة لأهل
المشرق والمغرب ، فقال (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) وشرف مقام إبراهيم بقوله
(واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) وأمر الناس بحجٍ ذلك البيت فقال (ولله على الناس حج البيت)
وقال فى البيت ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً) وقال ( وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن
لا تشرك بي شيئاً) وقال ( وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) وحرم فيه الصيد، وجعل
البيت المعمور بإزائه، ودحيت الدنيا من تحته، فهذه الفضائل وأكثر منها لما اجتمعت في مكة
لا جرم أقسم اللّه تعالى بها، فأما قوله ( وأنت حل بهذا البلد) فالمراد منه أمور (أحدها) وأنت
مقيم بهذا البلد نازل فيه حال به ، كأنه تعالى عظم مكة من جهة أنه عليه الصلاة والسلام مقيم بها
(وثانيها) الحل بمعنى الحلال، أى أن اليكفار يحترمون هذا البلد ولا ينتهكون فيه المحرمات،
ثم إنهم مع ذلك ومع إكرام الله تعالى إياك بالنبوة يستحلون إيذاءك ولو تمكنوا منك لقتلوك،
فأنت حل لهم فى اعتقادهم لا يرون لك من الحرمة ما يرونه لغيرك، عن شر حبيل: يحرمون أن
يقتلوا بها صيداً أو يعضوا بها شجرة ويستحلون إخراجك وقتلك، وفيه تثبيت لرسول الله زل}
وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة ، وتعجيب له من حالهم فى عدوانهم له ( وثالثها.)
قال قتادة (وأنت حل) أى لست بآثم، وحلال لك أن تقتل بمكة من شئت، وذلك أنالله تعالى فتح
عليه مكة وأحلها له، وما فتحت على أحد قبله، فأحل ماشاء وحرم ماشاء وفعل ماشاء، فقتل عبد الله
ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، ومقيس بن صبابة وغيرهما ، وحزم دار أبى سفيان، ثم