النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
قوله تعالى : سنقرئك فلا تنس. سورة الاعلى.
سَنُقْرِعُكَ فَلَا تَنْسَّ (٣) إِلَّ مَا شَآءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى
آخرون هدى أى دلهم بأفعاله على توحيده وجلال كبرباته، وأموت صمديته، وفردانيته، وذلك
لأن العاقل يرى فى العالم أفعال محكمة متقنة منتسقية منتظمة، فهى لا محالة تدل على الصانع القديم ، وقال
قتادة فى قوله (فهدى) إن الله تعالى ما أكره عبداً على معصية، ولا على ضلالة، ولارضيها له ولا
أمره بها، ولكن رضى لكم الطاعة، وأمركم بها، ونها كم عن المعصية، واعلم أن هذه الأقوال
على كثرتها لا تخرج عن قسمين ، فمنهم من حمل قوله (فهدى) على ما يتعلق بالدين كقوله ( وهديناه
النجدين) ومنهم من حمله على ما يرجع إلى مصالح الدنيا والأول أقوى، لأن قوله ( خلق فسوى
وقدر) يرجع إلى أحوال الدنيا، ويدخل فيه إكمال العمل والقوى ثم اجمع بقوله (فهدى) أى كلفه
ودل على الدين ، أما قوله تعالى ( والذى أخرج المرعى ) ما علم أنه سبحانه لما بين ما يختص به
الناس أتبعه بذكر ما يختص به غير الناس من النعم: فقال ( والذى أخرج المرعى) أى هو القادر
على إنبات العشب لا الأصنام التى عبدتها الكفرة ، والمرعى ما تخرجه الأرض من النبات ومن
الثمار والزروع والحشيش، قال ابن عباس المرعى الكلا الأخضر. ثم قال جعله غثاء أحوى
وفيه مسالتان :
المسألة الأولى﴾ الغشاء ما يبس من النبت حملته الأودية والمياه وألوت به الرياح، وقال
قطرب واحد الغناء غشاءة .
المسألة الثانية﴾ الحوة السواد، وقال بعضهم الأحوى هو الذى يضرب إلى السواد إذا
أصابته رطوبة ، وفى أحوى قولان (أحدهما) أنه نعت الغناء أى صار بعد الخضرة يابساً
فتغير إلى السواد، وسبب ذلك السواد أموز (أحدها) أن العشب إنما يجف عند استيلاء البرد
على الهواء، ومن شأن البرودة أنها تبيض الرطب وتسود اليابس ( وثانيها) أن يحملها السيل
فيلصق بها أجزاء كدرة فتسود (وثالثها) أن يحملها الربح ملصق بهالاتفكر الكثير قدود
(القول الثانى) وهو اختيار الفراء وأبى عبيدة. وهو أن يكون الأحوى هو الأسود لشدة
خضرته، كما قيل (مدها منان) أى سوداوان لشدة خضرنهما. والقدر الذى أخرج المرعى
أحوى جعله غناء، كقوله ( ولم يجعل له عوجاً قيما) أى أنزله فيما ولم يجعل له عوجاً .
قوله تعالى: ﴿ سفرتك فلا تنسى، إلا ما شاء الله !. يعلم الجهر وما يخفى﴾.
أعلم أنه تعالى لما أمر محمداً بالتسبيح فقال ( سبح اسم ربك الأعلى) وعلم محمداً عليه السلام
أن ذلك التسبيح لا يتم ولا يكمل إلا بقراءة ما أنزله الله تعالى عليه من القرآن، لما بينا أن
التسبيح الذى يليق به هو الذى يرقضية لنفسه، فلا جرم كان يتذكر القرآن فى نفسه مخافة أن
يفسى فأزال اللّه تعالى ذلك الخوف عن قلبه بقوله ( سنقرئك فلا تنسى) وفيه مسائل:

١٤٢
قوله تعالى: الا ما شاء الله. سورة الاعلى.
﴿ المسألة الأولى ﴾ قال الواحدى (سنقرتك) أى سنجعلك قارئاً بأن نلهمك القراءة فلا
تنسى ما تقرؤه، والمعنى نجعلك قارئاً للقرآن تقرؤه فلا تنساه، قال مجاهد ومقاتل والكلى: كان
عليه السلام إذا نزل عليه القرآن أكثر تحريك لسانه مخافة أن ينسى ، وكان جبريل لا يفرغ من
آخر الوحى حتى يتكلم هو بأوله مخافة النسيان، فقال تعالى (سنقرئك فلا تنسى) أى سنعلمك هذا
القرآن حتى تحفظه، ونظيره قوله (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه) وقوله
( لا تحرك به لسانه لتعجل به.) ثم ذكروا فى كيفية ذلك الاستقراء والتعليم وجوهاً (أحدها)
أن جبريل عليه السلام سيقرأ عليك القرآن مرات حتى تحفظه حفظاً لاتنساه ( وثانيها) أنا نشرح
صدرك ونقوى خاطرك حتى تحفظ بالمرة الواحدة حفظاً لاتنساه (وثالثها) أنه تعالى لما أمره فى أول
السورة بالتسبيح فكأنه تعالى قال: واظب على ذلك ودم عليه فإنا سنقرئك القرآن الجامع لعلوم الأولين
والآخرين ويكون فيه ذكرك وذكر قومك ونجمعه فى قلبك، ونيسرك لليسرى وهو العمل به .
المسألة الثانية ﴾ هذه الآية تدل على المعجزة من وجهين (الأول) أنه كان رجلا أمياً
فحفظه لهذا الكتاب المطول من غير دراسة ولا تكرار ولا كتبة ، خارق للعادة فيكون معجزاً
(الثانى) أن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة ، فهذا إخبار عن أمر عجيب غريب مخالف للعادة
سيقع فى المستقبل وقد وقع فكان هذا إخباراً عن الغيب فيكون معجزاً ، أما فوله ( فلا تنسى)
فقال بعضهم ( فلا تنسى ) معناه النهى، والألف مزيدة للفاصلة، كقوله (السبيلا) يعنى فلا تغفل
قراءته وتكريره فتنساه إلا ما شاء الله أن ينسكه، والقول المشهور أن هذا خبر والمعنى سنقرتك
إلى أن تصير بحيث لا تنسى وتأمن النسيان ، كقولك سأ كسوك فلا تعرى أى فتأمن العرى ،
واحتج أصحاب هذا القول على ضعف القول الأول بأن ذلك القول لا يتم إلا عند التزام مجازات
فی هذه الآ يةمنها أن النسيان لا يقدر عليه إلا الله تعالی، فلا یصح ورودالآمر والنهى به ، فلا بدوأن
يحمل ذلك على المواظبة على الأشياء التى تنافى النسيان مثل الدراسة وكثرة التذكر. وكل ذلك
عدول عن ظاهر اللفظ . ومنها أن تجعل الألف مزيدة للفاصلة وهو أيضاً خلاف الأصل ومنها أنا
إذا جعلناه خبراً كان معنى الآية بشارة الله إياه بأنى أجعلك بحيث لا تنساء، وإذا جعلناه نهياً كان
معناه أن الله أمره بأن يواظب على الأسباب المانعة من النسيان وهى الدراسة والقراءة، وهذا
ليس فى البشارة وتعظيم حاله مثل الأول، ولأنه على خلاف قوله ( لا تحرك به لسانك لتعجل به)
أما قوله ( إلا ما شاء الله) ففيه احتمالان (أحدهما) أن يقال هذا الاستثناء غير حاصل فى
الحقيقة وأنه عليه السلام لم ينس بعد ذلك شيئاً. قال الكلى: إنه عليه السلام لم ينس بعد نزول
هذه الآية شيئاً، وعلى هذا التقدير يكون الغرض من قوله ( إلا ما شاء الله) أحد أمور (أحدها)
التبرك بذكر هذه الكلمة على ماقال تعالى (ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك غداً، إلا أن يشاء الله)
وكانه تعالى يقول : أنا مع أنى عالم بجميع المعلومات وعالم بعواقب الأمور على التفصيل لا أخبر عن

١٤٣
قوله تعالى : وفيسرك لليسرى. سورة الاعلى.
وَنْيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى
وقوع شىء فى المستقبل إلا مع هذه الكلمة فأنت وأمتك يا محمد أولى بها ( وثانيها) قال الفراء إنه
تغالى ماشاء أن ينسى محمد عليه السلام شيئاً، إلا أن المقصود من ذكر هذا الاستثناء بيان أنه تعالى
لو أراد أن يصير ناسياً لذلك أقدر عليه، كما قال (ولئن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا إليك ) ثم إنا
نقطع بأنه تعالى ماشاء ذلك وقال لمحمد عليه السلام ( لئن أشركت ليحبطن عملك) مع أنه عليه
الصلاة والسلام ما أشرك البتة ، وبالجملة ففائدة هذا الاستثناء أن الله تعالى يعرفه قدرة ربه حتى
يعلم أن عدم النسيان من فضل الله وإحسانه لا من قوته (وثالثها) أنه تعالى لما ذكر هذا
الاستثناء جوز رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كل ما ينزل عليه من الوحى قليلا كان أو كثيراً
أن يكون ذلك هو المستثنى ، فلا جرم كان يبالغ فى التثبت والتحفظ والتيقظ فى جميع
المواضع ، فكان المقصود من ذكر هذا الاستثناء بقاءه عليه السلام على التيقظ ، فى جميع
الأحوال (ورابعها) أن يكون الغرض من قوله ( إلا ما شاء اللّه ) نفى النسيان رأساً، كما
يقول الرجل لصاحبه: أنت سهيمى فيما أملك إلا فيما شا. [اللّه]، ولا يقصد استثناء شىء (القول
الثانى) أن قوله ( إلا ما شاء الله) استثناء فى الحقيقة، وعلى هذا التقدير تحتمل الآية وجوهاً
(أحدها) قال الزجاج: إلا ما شاء الله أن ينسى، فإنه ينسى ثم يتذكر بعد ذلك، فإذا قد ينسى
ولكنه يتذكر فلا ينسى نسياناً كلياً دائماً، روى أنه أسقط آية فى قراءته فى الصلاة ، حسب
أبى أنها نسخت، فسأله فقال نسيتها (وثانيها) قال مقاتل: إلا ما شاء الله أن ينسيه، ويكون المراد
من الإنساء ههنا نسخة ، كما قال ( ما ننسخ من آية أو نفسها نأت بخير منها ) فيكون المعنى إلا ماشاء
الله أن تنساه على الأوقات كلها، فيأمرك أن لا تقرأه ولا تصلى به.، فيصير ذلك سياً لنسيانه،
وزواله عن الصدور (وثالثها) أن يكون معنى قوله ( إلا ما شاء الله) القلة والندرة، ويشترط
أن لا يكون ذلك القليل من واجبات الشرع، بل من الآداب والسنن ، فإنه لو نسى شيئاً من
الواجبات ولم يتذكره أدى ذلك إلى الخلل فى الشرع ، وإنه غير جائز .
أما قوله تعالى ( إنه يعلم الجهر وما يخفى) ففيه وجهان (أحدهما ) أن المعنى أنه سبحانه عالم
مجهرك فى القراءة مع قراءة جبريل عليه السلام ، وعالم بالسر الذى فى قلبك وهو أنك تخاف
النسيان ، فلا تخف وأنا أكفيك ما تخافه ( والثانى) أن يكون المعنى: فلا تنسى إلا ما شاء الله أن
ينسخ ، فإنه أعلم بمصالح العبيد، فينسخ حيث يعلم أن المصلحة فى النسخ.
قوله تعالى: ﴿ونيسرك لليسرى﴾ ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ اليسرى هي أعمال الخير التى تؤدى إلى اليسر، إذا عرفت هذا فنقول:
للمفسرين فيه وجوه (أحدها) أن قوله (ونيسرك) معطوف على (سنقرؤك) وقوله (إنه يعلم

١٤٤
قوله تعالى : فذكر إن نفعت الذكرى. سورة الاعلى.
فَذَ كَرْ إِن نَفَعَتِ الذِّكْرَى
الجهر وما يخفى) اعتراض، والتقدير : سنقرؤك فلا تنسى، ونوفقك للطريقة التى هى أسهل
وأيسر ، يعنى فى حفظ القرآن ( وثانيها) قال ابن مسعود: اليسرى الجنة ، والمعنى نيسرك للعمل
المؤدى إليها ( وثالثها ) نهون عليك الوحى حتى تحفظه وتعلمه وتعمل به ( ورابعها) نوفقك
للشريعة وهى الحنيفية السهلة السمحة ، والوجه الأول أقرب.
﴿ المسألة الثانية ﴾ لسائل أن يسأل فيقول العبارة المعتادة أن يقال جعل الفعل الفلانى ميسراً
لفلان، ولا يقال جعل فلان ميسراً للفعل الفلانى فما الفائدة فيه؟ ههنا (الجواب) أن هذه العبارة
كما أنها اختيار القرآن فى هذا الموضع، وفى سورة الليل أيضاً، فكذا هى اختيار الرسول فى قوله
عليه السلام (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)) وفيه لطيفة علمية، وذلك لأن ذلك الفعل فى
نفسه ماهية ممكنة قابلة الوجود والعدم على السوية، فما دام القادر يبقى بالنسبة إلى فعلها وتركها
على السوية امتنع صدور الفعل عنه، فإذا نرجح جانب الفاعلية على جانب النار كية، في نئذ يحصل
الفعل، فثبت أن الفعل ما لم يجب لم يوجد، وذلك الرجحان هو المسمى بالنيير ، فثبت أن الأمر
بالتحقيق هو أن الفاعل يصير ميسيراً للفعل، لا أن الفعل يصير ميسراً للفاعل، فسبحان من له
تحت كل كلمة حكمة خفية وسر عجيب يبهر العقول .
﴿المسألة الثالثة﴾ إنما قال (ونيسرك لليسرى) بنون التعظيم لتكون عظمة المعطى دالة على
عظمة العطاء، نظيره قوله تعالى ( إما أنزلناه، إنا نحن نزلنا الذكر، إنا أعطيناك الكوثر) دلت
هذه الآية على أنه سبحانه فتح عليه من أبواب التيسير والستهيل مالم يفتحه على أحد غيره ، وكيف
لا وقد كان صبياً لا أب له ولا أم له نشأ فى قوم جهال ، ثم إنه تعالى جعله فى أفعاله وأقوال
قدوة للعالمين ، وهدياً للخلق أجمعين .
أما قوله تعالى ﴿فذكر إن نفعت الذكرى﴾ فاعلم أنه تعالى لما تكمل بتيسير جميع مصالح
الدنيا والآخرة أمر بدعوة الخلق إلى الحق، لأن كمال حال الإنسان فى أن يتخلق بأخلاق الله
سبحانه تاماً وفوق التمام"، فلما صار محمد عليه الصلاة والسلام تاماً بمقتضى قوله (ونيسر لليسرى)
أمر بأن يجعل نفسه فوق التمام بمقتضى قوله (فذكر) لأن التذكير يقتضى تكميل الناقصين
وهداية الجاهلين، ومن كان كذلك كان فياضاً للكمال ، فكان تاماً وفوق التمام ، وههنا سؤالات:
﴿السؤال الأول) أنه عليه السلام كان مبعوثاً إلى الكل فيجب عليه أن يذكرهم سواء نفعتهم
الذكرى أو لم تنفعهم ، فما المرادُ من تعليقه على الشرط فى قوله (إن نفعت الذكرى)؟ (الجواب) أن
المعلق بأن على الشى. لا يلزم أن يكون عدماً عند عدم ذلك الشىء، ويدل عليه آيات منها هذه الآية
ومنها قوله ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً) ومنها قوله ( واشكروا لله إن كنتم

١٤٥
قوله تعالى : سيذكر من يخشى. سورة الاعلى.
١٠
سَيَذَكَّرُ مَن يَخْشَى
إياه تعبدون) ومنها قوله (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم) فان القصر جائزوإن
لم يوجد الخوف، ومنها قوله (فإن لم تجدوا كاتباً فرهان) والرهن جائز مع الكتابة، ومنها قوله ( فلا
جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله) والمراجعة جائزة بدون هذا الظن، إذا
عرفت هذا فنقول ذكروا لذكر هذا الشرط فوائد (إحداها) أن من باشر فعلا لغرض فلا شك
أن الصورة التى علم فيها إفضاء تلك الوسيلة إلى ذلك الغرض ، كان إلى ذلك الفعل أو جب من
الصورة التى علم فيها عدم ذلك الأفضاء ، فلذلك قال ( إن نفعت الذكرى) (وثانيها ) أنه تعالى
ذكر أشرف الحالتين، ونبه على الأخرى كقوله (سرابيل تقيكم الحر) والتقدير (فذكر إن
نفعت الذكرى) أو لم تنفع ( وثالثها) أن المراد منه البعث على الانتفاع بالذكرى ، كما يقول المرء
لغيره إذا بين له الحق، قد أو ضحت لك إن كنت تعقل فيكون مراده البعث على القبول
والانتفاع به (ورابعها) أن هذا يجرى مجرى تنبيه الرسول بولثم أنه لا تنفعهم الذكرى كما يقال
للرجل ادع فلاناً إن أجابك، والمعنى وما أراه يجيبك (وخامسها) أنه عليه السلام دعاهم إلى الله
كثيراً، وكلما كانت دعوته أكثر كان عتوهم أكثر، وكان عليه السلام يخترق حسرة على ذلك
فقيل له ( وما أنت عليهم بجبار، فذكر بالقرآن من يخاف وعيد) إذ التذكير العام واجب فى أول
الأمر فأما التكرير فلعله إنما يجب عند رجاء حصول المقصود فلهذا المعنى قيده بهذا الشرط.
﴿السؤال الثانى) التعليق بالشرط إنما يحسن فى حق من يكون جاهلا بالعواقب، أما علام
الغيوم فكيف يليق به ذلك؟ (الجواب) روى فى الكتب أنه تعالى كان يقول لموسى ( فقولا له
قولا ليناً لعله يتذكر أو يخشى) وأنا أشهد أنه لا يتذكر ولا يخشى. فأمر الدعوة والبعثة شىء
وعلمه تعالى بالمغيبات وعواقب الأمور غير ولا يمكن بناء أحدهما على الآخر .
﴿السؤال الثالث) التذكير المأمور به هل مضبوط مثل أن يذكر هم عشرات مرات، أو غير مضبوط،
وحينئذ كيف يكون الخروج عن عهدة التكليف؟ (والجواب) أن الضابط فيه هو العرف والله أعلم.
قوله تعالى : ﴿سيذكر من يخشى ﴾ ففيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ اعلم أن الناس فى أمر المعاد على ثلاثة أقسام منهم من قطع بصحته ، ومنهم
من جوز وجوده ولكنه غير قاطع فيه لا بالنفى ولا بالاثبات ، ومنهم من أصر على أفكاره وقطع
بأنه لا يكون فالقسمان الأولان تكون الخشية حاصلة لها ، وأما القسم الثالث فلا خشية له
ولا خوف إذا عرفت ذلك ظهر أن الآية تحتمل تفسيرين: (أحدهما) أن يقال الذى يخشى هو
الذى يكون عارفاً بالله وعارفاً بكمال قدرته وعلمه وحكمته، وذلك يقتضى كونه قاطعاً بصحة المعاد
الفخر الرازي - ج ٣١ م ١٠

١٤٩
قوله تعالى : ويتجنبها الأشقى. الآية
ويتجنبها الأَشْقى ((١) الَّذِى يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٣)
ولذلك قال تعالى (إنما يخشى الله من عباده العلماء) فكأنه تعالى لما قال (فذكر إن نفعت
الذكرى) بين فى هذه الآية أن الذى تنفعه الذكرى من هو، ولما كان الانتفاع بالذكرى مبنياً
على حصول الخشية فى القلب ، وصفات القلوب بما لا اطلاع لأحد عليها إلا الله سبحانه وجب
على الرسول تعميم الدعوة تحصيلا للمقصود ، فإن المقصود تذكير من ينتفع بالتذكير ، ولا سبيل
إليه إلا بتعميم التذكير (الثانى) أن يقال إن الخشية حاصلة للعالمين وللمتوقفين غير المعاندين وأكثر
الخلق متوقفون غير معاندين والمعاد فيهم قليل ، فإذا ضم إلى المتوقفين الذين لهم الغلبة العارفون
كانت الغلبة العظيمة لغير المعاندين، ثم إن كثيراً من المعاندين، إنما يعاندون باللسان ، فأما المعاند
فى قلبه بينه وبين نفسه فذلك مما لا يكون أو إن كان فهو فى غاية الندرة والقلة ، ثم إن الإنسان
إذا سمع التخويف بأنه ( يصلى النار الكبرى) وأنه ( لا يموت فيها ولا يحمى) انكسر قلبه فلا بد
وأن يستمع وينتفع أغلب الخلق فى أغلب الأحوال، وأما ذلك المعرض فنادر، وترك الخير الكثير
لأجل الشر القليل شر كثير، فمن هذا الوجه كان قوله ( فذكر إن نفعت الذكرى) يوجب
تعميم التذكير .
﴿ المسألة الثالثة) السين فى قوله ( سيذكر) يحتمل أن تكون بمعنى سوف يذكر وسوف
من الله واجب كقوله (سنقرؤك فلا تنسى) ويحتمل أن يكون المعنى أن من خشى الله فانه يتذكر
وإن كان بعد حين بما يستعمله من التدبر والنظر فهو بعد طول المدة يذكر، والله أعلم .
﴿ المسألة الرابعة) العلم إنما يسمى تذكراً إذا كان قد حصل العلم أولا ثم نسيه وهذه الحالة غير
حاصلة للكفار فكيف سمى الله تعالى ذلك بالتذكر؟ (وجوابه) أن لقوة الدلائل وظهورها كان ذلك العلم
كان حاصلا، ثم إنه زال بسبب التقليد والعناد ، فلهذا أسماء الله تعالى بالتذكر.
(المسألة الرابعة) قيل نزلت هذه الآية فى عثمان بن عفان ، وقيل نزلت فى ابن أم مكتوم .
أما قوله تعالى ﴿ ويتجنبها الأشقى، الذى يصلى النار الكبرى) فاعلم أنا بينا أن أقسام الخلق
ثلاثة العارفون والمتوقفون والمعاندون ، وبينا أن القسمين الأولين، لا بد وأن يكون لهما خوف
وخشية. وصاحب الخشية لا بد وأن يستمع إلى الدعوة وينتفع بها، فيكون الأشقى هو المعائد
الذى لا يستمع إلى الدعوة ولا ينتفع بها، فلهذا قال تعالى (ويتجنبها الأشقى، الذى يصلى النار
الكبرى) وفيه مسألتان :
(المسألة الأولى) ذكروا فى تفسير النار (الكبرى) وجوهاً (أحدها) قال الحسن: الكبرى
نار جهنم، والصغرى نار الدنيا ( وثانيها) أن فى الآخرة نيراناً ودركات متفاضلة كما أن فى
الدنيا ذنوباً ومعاصى متفاضلة، وكما أن الكافر أشقى العصاة كذلك يصلى أعظم النيران (وثالثها)

١٤٧
قوله تعالى: ثم لا يموت فيها ولا يحيا . الآية
ثُمَّ لَ يُوتُ فِيهَا وَلَا يَحَى (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزََّّى ((١٤)
أن النار الكبرى هى النار السفلى، وهى نصيب الكفار على ماقال تعالى (إن المنافقين فى الدرك
الأسفل من النار ) .
﴿ المسألة الثانية ) قالوا نزلت هذه الآية فى الوليد وعتبة وأبى، وأنت تعلم أن العبرة بعموم
اللفظ لا بخصوص السبب، لاسيما وقد بينا صحة هذا الترتيب بالبرهان العقلى.
﴿ المسألة الثالثة) لقائل أن يقول إن اللّه تعالى ذكرههنا قسمين (أحدهما) الذى يذكر
ويخشى ( والثانى ) الأشقى الذى يصلى النار الكبرى، لكن وجود الأشقى، يستدعى وجود الشقى
فكيف حال هذا القسم؟ (وجوابه) أن لفظة الأشقى لا تقتضى وجود الشقى إذ قد يجرى مثل هذا
اللفظ من غير مشاركة، كقوله تعالى (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلا) وقيل
المعنى، ويتجنبها الشقى الذى يصلى كما فى قوله (وهو أهون عليه) أى هين عليه، ومثل قول القائل:
بيتاً دعائمه أعز وأطول
إن الذى سمك السماء بنى لنا
هذا ما قيل لكن التحقيق ماذكرنا أن الفرق ثلاثة، العارف والمتوقف والمعاند فالسعيد هو
العارف، والمتوقف له بعض الشقاء والأشقى هو المعاند الذى بينا أنه هو الذى لا يلتفت إلى
الدعوة ولا يصغى إليها ويتجنبها.
أما قوله تعالى ( ثم لا يموت فيها ولا يحي) ففيه مسألتان:
﴿ المسألة الأولى) المفسرين فيه وجهان: (أحدهما) لا يموت فيستريح ولا يحيا حياة تنفعه،
كما قال ( لا يقضى عليهم فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها) وهذا على مذهب العرب تقول
للمبتلى بالبلاء الشديد لاهو حى ولا هو ميت ( وثانيهما) معناه أن نفس أحدهم فى النار تصير فى
حلقه فلا تخرج فيموت ، ولا ترجع إلى موضعها من الجسم فيحيا.
﴿ المسألة الثانية) إنما قيل (ثم) لأن هذه الحالة أفظع وأعظم من الصلى فهو متراخ عنه فى
مراتب الشدة .
أما قوله تعالى ﴿ قد أفلح من تزكى) ففيه وجهان: (أحدهما) أنه تعالى لما ذكر وعيد
من أعرض عن النظر والتأمل فى دلائل اللّه تعالى ، أتبعه بالوعد لمن تزكى وتطهر من دنس الشرك
(وثانيهما) وهو قول الزجاج تكثر من التقوى لأن معنى الزاكى النامى الكثير، وهذا الوجه
معتضد بقوله تعالى ( قد أفلح المؤمنون ، الذين هم فى صلاتهم خاشعون ) أثبت الفلاح
للمستجمعين لتلك الخصال وكذلك قوله تعالى فى أول البقرة ( وأولئك هم المفلحون) وأما
الوجه الأول فانه معتضد بوجهين: ( الأول ) أنه تعالى لما لم يذكر فى الآية ما يجب التزكى عنه
علمنا أن المراد هو التزكى عما مر ذكره قبل الآية، وذلك هو الكفر، فعلمنا أن المراد ههنا ( قد

١٤٨
قوله تعالى : وذكر اسم ربه فصلى. سورة الاعلى.
١٥
وَذَ كَرَاُسْمَ رَبِهِ، فَصَلَى
أفلح من تزكى) عن الكفر الذى مر ذكره قبل هذه الآية (والثانى) أن الإسم المطلق ينصرف
إلى المسمى الكامل، وأكمل أنواع التزكية هو تزكية القلب عن ظلمة الكفر فوجب صرف هذا
المطلق إليه، ويتأكد هذا التأويل بما روى عن ابر عباس أنه قال معنى (تزكى) قول لا إله إلا الله.
قوله تعالى : ﴿ وذ کر اسم ربه فصلی ﴾ ففيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ ذكر المفسرون فيه وجوها. (أحدها) قال ابن عباس ذكر معاده وموقفه
بين يدى ربه فصلى له. وأقول هذا التفسير متعين وذلك لأن مراتب أعمال المكلف ثلاثة (أولها)
إزالة العقائد الفاسدة عن القلب (وثانيها) استحضار معرفة الله تعالى بذاته وصفاته وأسمائه (وثالثها)
الاشتغال بخدمته .
﴿ فالمرتبة الأولى) هى المراد بالتز كية فى قوله (قد أفلح من تزكى).
﴿ وثانيها) هى المراد بقوله (وذكر اسم ربه) فان الذكر بالقلب ليس إلا المعرفة.
﴿ وثالثها) الخدمة وهى المراد بقوله (فصلى) فإن الصلاة عبارة عن التواضع والخشوع
فمن استنار قلبه بمعرفة جلال الله تعالى وكبريائه، لابد وأن يظهر فى جوارحه وأعضائه أثر
الخضوع والخشوع.
﴿ وثانيها) قال قوم من المفسرين قوله (قد أفلح من تزكى) يعنى من تصدق قبل مروره
إلى العيد ( وذكر اسم ربه فصلى) يعنى ثم صلى صلاة العيد بعد ذلك مع الإمام. وهذا قول عكرمة
وأبى العالية وابن سيرين وابن عمر وروى ذلك مرفوعا إلى النبى صلى الله عليه وسلم، وهذا
التفسير فيه إشكال من وجهين ( الأول) أن عادة اللّه تعالى فى القرآن تقديم ذكر الصلاة على
ذكر الزكاة لا تقديم الزكاة على الصلاة ( والثانى) قال الثعلبى هذه السورة مكية بالإجماع ولم يكن
بمكة عيد ولا زكاة فطر. أجاب الواحدى عنه بأنه لا يمتنع أن يقال لما كان فى معلوم الله تعالى
أن ذلك سيكون أثنى على من فعل ذلك ( وثالثها) قال مقاتل ( قد أفلح من تز كى) أى تصدق من
ماله وذكر ربه بالتوحيد فى الصلاة فصلى له ، والفرق بين هذا الوجه وما قبله أن هذا يتناول الزكاة
والصلاة المفروضتين، والوجه الأول ليس كذلك ( ورابعها) قد أفلح من تزكى، ليس المراد
منه زكاة المال بل زكاة الأعمال أى من تطهر فى أعماله من الرياء والتقصير، لأن اللفظ المعتاد أن
يقال فى المال زكى ولا يقال تزكى قال تعالى (ومن تزكى فإنما يتز كى لنفسه)، (وخامسها)
قال ابن عباس (وذكر اسم ربه) أى كبر فى خروجه إلى العيد وصلى صلاة العيد ( وسادسها)
المعنى وذكر اسم ربه فى صلاته ولا تكون صلاته كصلاة المنافقين حيث يراؤون الناس ولا
يذكرون الله إلا قليلا.

١٤٩
قوله تعالى : بل تؤثرون الحياة الدنيا .. سورة الاعلى.
بَلْ تُؤْثِرُ ونَ الْحَيَةَ الدُّنْيَا (٦َ وَآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَ (٦) إِنَّ هَاذَا لَفِ الصُّحُفِ
الأُولی
١٨
المسألة الثانية﴾ الفقهاء احتجوا بهذه الآية على وجوب تكبيرة الافتتاح، واحتج أبو حنيفة
رحمه الله بها على أن تكبيرة الافتتاح ليشنت من الصلاة ، قال لأن الصلاة معطوفة عليها والعطف
يستدعى المغايرة ، واحتج أيضاً بهذه الآية على أن الافتتاح جاز بكل اسم من اسمائه وأجاب
أهمابنا بأن تقدير الآية ، وصلى فذ کر اسم ربه ولا فرق بين أن تقول أ کرمتنی فزر تنی وبین أن
محمول زرتنى فأكرمتنى، ولابى حنيفة أن يقول : ترك العمل بفاء التعقيب لا يجوز من غير دليل
(والأولى) فى الجواب أن يقال الآية تدل على مدح كل من ذكر اسم الله فصلى عقيبه وايس فى الآية
بيان أن ذلك الذكر هو تكبيرة الافتتاح. فلعل المراد به أن من ذكر الله بقلبه وذكر ثوابه وعقابه
دعاه ذلك إلى فعل الصلاة ، فينتذيأتى بالصلاة التى أحد أجزائها التكبير، وحينئذ يندفع الاستدلال.
ثم قال تعالى ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا) وفيه قراء تان: قراءة العامة بالتاء ويؤ كده حرف
أبى، أى بل أنتم تؤثرون عمل الدنيا على عمل الآخرة . قال ابن مسعود: إن الدنيا أحضرت،
ومجمل لنا طعامها وشرابها ونساؤها ولذاتها وبهجتها ، وإن الآخرة لغيب لنا وزويت عنا ، فأخذنا
بالعاجل وتركنا الآجل. وقرأ أبو عمرو (يؤثرون) بالياء يعنى الأشقى.
ثم قال تعالى ﴿ والآخرة خير وأبقى ﴾ وتمامه أن كل ما كان خبراً وأبقى فهو آثر، فيلزم أن
تكون الآخره آثر من الدنيا وهم كانوا يؤثرون الدنيا، وإنما قلنا إن الآخرة خير لوجوه (أحدها)
أن الآخرة مشتملة على السعادة الجسمانية والرحانية، والدنيا ليست كذلك، فالآخرة خير من
الدنيا (وثانيها) أن الدنيا لذاتها مخلوطة بالآلام ، والآخرة ليست كذلك ( وثالثها ) أن الدنيا
فانية ، والآخرة باقية ، والباقى خير من الفانى.
ثم قال ﴿ إن هذا لفى الصحف الأولى﴾ واختلفوا فى المشار إليه بلفظ هذا منهم من قال
جميع السورة، وذلك لأن السورة مشتملة على التوحيد والنبوة والوعيد على الكفر بالله، والوعد
على طاعة الله تعالى .
ومنهم من قال بل المشار إليه بهذه الإشارة هو من قوله (قد أفلح من تزكى) إشارة إلى تطهير
النفس عن كل ما لا ينبغى . أما القوة النظرية فعن جميع العقائد الفاسدة ، وأما فى القوة العملية
فعن جميع الأخلاق الذمية .
وأما قوله ( وذكراسم ربه) فهو إشارة إلى تكميل الروح بمعرفة الله تعالى، وأما قوله (فصلى)
فهو إشارة إلى تكميل الجوارح وتزيينها بطاعة الله تعالى .

١٥٠
قوله تعالى: صحف إبراهيم وموسى. الآية
◌ُفِ إِبْرَاهِيمٍ وَمُوسَى (١٩،
وأما قوله ( بل تؤثرون الحياة الدنيا) فهو إشارة إلى الزجر عن الالتفات إلى الدنيا.
وأما قوله ( والآخرة خير وأبقى ) فهو إشارة إلى الترغيب فى الآخرة وفى ثواب الله تعالى،
وهذه أمور لا يجوز أن تختلف باختلاف الشرائع ، فلهذا السبب قال (إن هذا لفى الصحف الأولى)
وهذا الوجه كما تأكد بالعقل فالخبر يدل عليه، روى عن أبى ذر أنه قال: قلت هل فى الدنيا مما
فى صحف إبراهيم وموسى ؟ فقال اقرأ ياأبا ذر (قد أفلح من تزكى) وقال آخرون إن قوله هذا إشارة
إلى قوله ( والآخرة خير وأبقى ) وذلك لأن الإشارة راجعة إلى أقرب المذكورات وذلك هو
هذه الآية، وأما قوله ( افى الصحف الأولى) فهو نظير لقوله ( وإنه افى زبر الأولين) وقوله
( شرع لكم من الدين ماوصى به نوحا ) .
وقوله تعالى ﴿صحف إبراهيم وموسى﴾ فيه قولان (أحدهما) أنه بيان لقوله (فى الصحف
الأولى) و(الثانى) أن المراد أنه مذكور فى صحف جميع الأنبياء التى منها صحف إبراهيم وموسى)
روى عن أبى ذر أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كم أنزل الله من كتاب؟ فقال مائة وأربعة
كتب، على آدم عشر صحف وعلى شيث خمسين صحيفة وعلى إدريس ثلاثين صحيفة وعلى إبراهيم
عشر صحائف والتوراة والانجيل والزبور والفرقان، وقيل إن فى صحف إبراهيم: ينبغى للعاقل
أن يكون حافظاً للسانه عارفاً بزمانه مقبلا على شأنه، والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على
سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

١٥١
سورة الغاشية
( سورة الغاشية )
﴿ وهى عشرون وست آيات مكية )
ـم الله الرَّمِ الرَّحِيمُ
هَلْ أَتْكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةَ ((١)) وُجُوهُ يَوْمَذَ خَاشَةٌ (٢) عَامَلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣)
٠٠
( بسم الله الرحمن الرحيم)
( هل أتاك حديث الغاشية . وجوه يومئذ خاشعة ، عاملة ناصبة ﴾.
أعلم أن فى قوله ( هل أتاك حديث الغاشية ) مسألتين :
﴿ المسألة الأولى) ذكروا فى الغاشية وجوهاً (أحدها) أنها القيامة من قوله ( يوم يغشاه
العذاب) وإنما سميت القيامة بهذا الاسم، لأن ما أحاط بالشىء من جميع جهاته فهو غاش له ،
والقيامة كذلك من وجوه (الأول) أنها ترد على الخلق بغتة وهو كقوله تعالى (أفأمنوا أن
تأتيهم غاشية من عذاب الله)، (والثانى ) أنها تغشى الناس جميعاً من الأولين والآخرين.
( والثالث) أنها تغشى الناس بالأهوال والشدائد (القول الثانى ) الغاشية هى النار أى تغشى وجوه
الكفرة وأهل النار قال تعالى (وتغشى وجوههم النار. ومن فوقهم غواش) وهو قول سعيد
ابن جبير ومقاتل (القول الثالث ) الغاشية أهل النار يغشونها ويقعون فيها والأول أقرب،
لأن على هذا التقدير يصير المعنى أن يوم القيامة يكون بعض الناس فى الشقاوة، وبعضهم فى السعادة.
﴿المسألة الثانية) إنما قال (هل أتاك) وذلك لأنه تعالى عرف رسول الله من حالها، وحال
الناس فيها ما لم يكن هو ولا قومه عارفاً به على التفصيل، لأن العقل إن دل فإنه لا يدل إلا على
أن حال العصاة مخالفة لحال المطيعين . فأما كيفية تلك التفاصيل فلا سبيل للعقل إليها ، فلما عرفه
الله تفصيل تلك الأحوال، لا جرم قال ( هل أتاك حديث الغاشية).
أما قوله تعالى ( وجوه يومئذ خاشعة، عاملة ناصبة) فاعلم أنه وصف لأهل الشقاوة،
وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى) المراد بالوجوه أصحاب الوجوه وهم الكفار، بدليل أنه تعالى وصف
الوجوه بأنها خاشعة عاملة ناصبة ، وذلك من صفات المكلف ، لكن الخشوع يظهر فى الوجه
فعلقه بالوجه لذلك، وهو كقوله ( وجوه يومئذ ناضرة) وقوله ( خاشعة ) أى ذليلة قد عراهم
الخزى والهوان، كما قال (ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم) وقال (وتراهم يعرضون

١٥٢
قوله تعالى : ناراً حامية. سورة الغاشية.
تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً
عليها عاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي) وإنما يظهر الذل فى الوجه ، لأنه ضد الكبر الذى
محله الرأس والدماغ. وأما العاملة فهى التى تعمل الأعمال، ومعنى النصب الدؤوب فى العمل مع التعب
المسألة الثانية﴾ الوجوه الممكنة فى هذه الصفات الثلاثة لا تزيد على ثلاثة، لأنه إما أن
يقال هذه السنات بأسرها حاصلة فى الآخرة، أوهى بأسرها حاصلة فى الدنيا، أو بعضها فى الآخرة
وبعضها فى الدنيا ( أما الوجه الأول) وهو أنها بأسرها حاصلة فى الآخرة فهو أن الكفار
يكونون يوم القيامة خاشعين أى فايات رس لكنها فى الدنيا تكبرت عن عبادة الله، وعاملين
لأنها تعمل فى النار عملا تتعب فيه وهو جرها السلاسل والأغلال الثقيلة ، على ماقال ( فى سلسلة
ذرعها سبعون ذراعاً) وخوضها فى النار كما تخوض الإبل فى الوحل بحيث ترتقى عنه تارة
وتغوص فيه أخرى والتقحم فى حر جهنم والوقوف عراة حفاة جياعاً عطاشاً فى العرصات قبل
دخول النار فى يوم كان مقدارة ألف سنة ، وناصبين لأنهم دائما يكونون فى ذلك العمل قال
الحسن هذه الصفات كان يجب أن تكون حاصلة فى الدنيا لأجل الله تعالى، فلما لم تكن كذلك
سلطها اللّه عليهم يوم القيامة على سبيل العقاب ( وأما الوجه الثانى) وهو أنها بأسرها حاصلة
فى الدنيا، فقيل هم أصحاب الصوامع من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان والمجرس ، والمعنى أنها
خشعت للّه وعملت ونصبت فى أعمالها من الصوم الدائب والتهجد الواصب ، وذلك لأنهم لما
اعتقدوا فى الله مالا يليق به " فكانهم أطاعوا ذاتاً موصوفة بالصفات التى تخيلوها فهم فى الحقيقة
ما عبدوا الله وإنما عبدوا ذلك المتخيل الذى لا وجود له، فلا جرم لا تنفعهم تلك العبادة أصلا
(وأما الوجه الثالث) وهو أن بعض تلك الصفات حاصل فى الآخرة وبعضها فى الدنيا ففيه
وجوه (أجدها) أنها خاشعة فى الآخرة ، مع أنها كانت فى الدنيا عاملة ناصبة، والمعنى أنها لم
تنتفع بعملها ونصبها فى الدنيا ، ولا يمتنع وصفهم ببعض أو صاف الآخرة ، ثم يذكر بعض أو صاف
الدنيا ثم يعاد ذكر الآخرة ، إذا كان المعنى فى ذلك مفهوماً فكأنه تعالى قال : وجوه يوم
القيامة خاشعة ، لأنها كانت فى الدنيا عاملة ناصبة فى غير طاعة الله ، فهى إذن تصلى ناراً حامية فى
الآخرة ( ثانيها) أنها خاشعة عاملة فى الذنيا، ولكنها ناصبة فى الآخرة ، خشوعها فى الدنيا
خوفها الداعى لها إلى الإعراض عن لذائذ الدنيا وطيباتها، وعملها هو صلاتها وصومها ونصبها فى
الآخرة هو مقاساة العذاب على ما قال تعالى (وبدالهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) وقرى. عاملة
خاصة على الشتم ، واعلم أنه تعالى بعد أن وصفهم بهذه الصفات الثلاثة شرح بعد ذلك كيفية مكانهم
ومشربهم ومطعهم نعوذ بالله منها .
أما مكانهم فقوله تعالى ﴿تصلى ناراً حامية﴾ بقال صلى بالنار يصلى أى لزمها واحترق بها

١٥٣
قوله تعالى : تسقى من عين آنية. سورة الغاشية.
تُسْقَ مِنْ عَيْنٍ ،َانِيَّةٍ (٤ْ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامُ إِلَّ مِنِ ضَرِيعِ
وقرى. بنصب الناء وحجته قوله ( إلا من هو صال الحجيم) وقرأ أبو عمرو وعاصم برفع التاء من
أصليته النار لقوله (ثم الحجيم صلوه) وقوله (ونصلوه جهنم) وصلوه مثل أصلوه، وقرأ قوم تصلى
بالتشديد، وقيل المصلى عند العرب، أن يحفروا حفيراً فيجمعوا فيه جمراً كثيراً، ثم يعمدوا إلى
شاة فيدسوها وسطه ، فأما ما يشرى فوق الجمر أو على المقلاة أو فى التنور ، فلا يسمى مصلى .
وقوله ( حامية) أى قد أو قدت، وأحميت المدة الطويلة ، فلاحر يعدل حرها، قال ابن عباس: قد
حميت فهى تتلظى على أعداء الله .
وأما مشروبهم فقوله تعالى ﴿قتقي من عين آنية) الآنى الذى قد انتهى حره من الإيناء
بمعنى التأخير. وفى الحديث (أن رجلا أخر حضور الجمعة ثم إتخطى رقاب الناس، فقال له النبي صلى الله
عليه وسلم آنيت وآذيت)) ونظير هذه الآية قوله (يطرفون بينها وبين حميم آن) قال المفسرون
إن حرها بلغ إلى حيث لو وقعت منها قطرة على جبال الدنيا لذابت .
وأما مطعومهم فقوله تعالى ﴿ليس لهم طعام إلا من ضريع﴾ واحتلفوا فى أن الضريح.
ما هو على وجوه (أحدها) قال الحسن: لا أدرى ما الضريع ولم أسمع فيه من الصحابة شيئا
( وثانيها) روى عن الحسن أيضاً أنه قال: الضريغ بمعنى المضرع كالأليم والسميع والبديع بمعنى
المؤلم والمسمع والمبدع، ومعناه إلا من طعام يحملهم على أن يضرعوا ويذلوا عند تناوله لما فيه
من الخشونة والمرارة والحرار (وثالثها) أن الضريع ما يبس من الشبرق ، وهو جنس من الشوك.
ترعاه الإبل ما دام رطبا، فإذا يبس تحامته وهو سم قاتل ، قال أبو ذويب :
رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى وعاد ضريعاً عاد عنه النحائص
جمع نخوص وهى الحائل من الإبل، وهذا قول أكثر المفسرين وأكثر أهل اللغة ( ورابعها)
قال الخليل فى كتابه، ويقال للجلدة الى على العظم تحت اللحم هى الضريع، فكانه تعالى وصفه
بالغلة، فلا جرم لا يسمن ولا يغنى من جوع (وخامسها) قال أبو الجوزاء الضريع السلا، ويقرب
منه ما روى عن سعيد بن جبير أنه شجرة ذات شوك، ثم قال أبو الجوزاء وكيف يسمن من كان
يأكل الشوك! وفى الخبر الضريع شىء يكون فى النار شبيه الشرك أمر من الصبر، وأنتن من الجيفة
وأشد حراً من النار ، قال الففال: والمقصد من ذكر هذا الشراب وهذا الطعام، بيان نهاية ذلهم
وذلك لأن القوم لما أقامو فى تلك السلاسل والأغلال تلك المدة الطويلة عطاشا جياعاً ، ثم ألقوا
فى النار فرأوا فيها ما. وشيئاً من النبات ، فأحب أولئك القوم تسكين مابهم من العطش والجوع
فوجدوا الماء حميما لا يروى بل يشوى، ووجدوا النبات ،ما لا يشبع ولا يغنى من جوع، فأيسوا
وانقطعت أطماعهم فى إزالة مابهم من الجوع والعطش، كما قال ( وإن يستغيثوا بغائوا بما. كالمهل

الصف ٠٠٠ ..
١٥٤
قوله تعالى: لا يسمن ولا يغنى من جوع. الآية
لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِى مِنْ جُوعٍ (٨) وُجُوهٌ يَوْمَذْ نَاعَمَةٌ (٩)
وبين أن هذه الحالة لا تزول ولا تنقطع ، نعوذ بالله منها وههنا سؤالات:
﴿ السؤال الأول) قال تعالى فى سورة الحافة ( فليس له اليوم ههنا حيم، ولا طعام إلا من
غسلين) وقال ههنا (ليس لهم طعام إلا من ضريع) والضريع غير الغسلين (والجواب) مزوجهين
(الأول) أن النار دركات فمن أهل النار من طعامه الزقوم، ومنهم من طعامه الغسلين ، ومنهم من
طعامه الضريح، ومنهم من شرابه الحميم ، ومنهم من شرابه الصديد ، لكل باب منهم جزء مقسوم
( الثانى) يحتمل أن يكون الغسلين من الضريع ويكون ذلك كقوله: مالى طعام إلا من الشاء، ثم
يقول: ما لى طعام إلا من اللبن ، ولا تناقض لأن اللبن من الشاء.
﴿ السؤال الثانى) كيف يوجد النبت فى النار؟ (الجواب) من وجهين: (الأول) ليس
المراد أن الضريع نبت فى النار يأكلونه، ولكنه ضرب مثله، أى أنهم يقتاتون بما لا يشبعهم أو
يمذبون بالجوع كما يعذب من قوته الضريع (الثانى) لم لا يجوز أن يقال إن النبت يوجد فى النار؟
فإنه لما لم يستبعد بقاء بدن الانسان مع كونه لحماً ودماً فى النار أبد الآباد، فكذا ههنا وكذا
القول فى سلاسل النار وأغلالها وعقاربها وحياتها .
أما قوله تعالى ﴿ لا يسمن ولا يغنى من جوع) فهو مرفوع المحل أو مجروره على وصف
طعام أوضريع، وأما المعنى ففيه ثلاثة أوجه: ( أحدها ) أن طعامهم ليس من جنس مطاعم
الإنس، وذلك لأن هذا نوع من أنواع الشوك والشوك ما يرعاه الإبل، وهذا النوع ما ينفر عنه
الإبل ، فإذن منفعتا الغذاء منتفيتان عنه، وهما إماطة الجوع وإفادة القوة والسمن فى البدن (وثانيها)
أن يكون المعنى لا طعام لهم أصلا لأن الضريع ليس بطعام البهائم فضلا عن الإنس لأن الطعام
ما أشبع وأسمن وهو منهما بمعزل ، كما تقول ليس لفلان ظل إلا الشمس تريد نفى الظل على التوكيد
(وثالثها) روى أن كفار قريش قالت إن الضريع لقسمن عليه إبلنا. فنزلت (لا يسمن ولا يغنى
من جوع) فلا يخلو إما أن يتعنتوا بذلك الكلام كذباً فيرد قولهم بنفى السمن والشبع، وإما أن
يصدقوا فيكون المعنى أن طعامهم من ضريع ليس من جنس ضريعكم، إنما هو من ضريع غير
مسمن ولا مغن من جوع، قال القاضى يجب فى كل طعامهم أن لا يغنى من جوع لأن ذلك نفع
ورأفة ، وذلك غير جائز فى العقاب .
قوله تعالى ﴿ وجوه يومئذ ناعمة )
اعلم أنه سبحانه لما ذكر وعيد الكفار، أتبعه بشرح أحوال المؤمنين ، فذكر وصف أهل
الثواب أولا، ثم وصف دار الثواب ثانياً أما وصف أهل الثواب فبأمرين (أحدهما) فى ظاهرهم،
وهو قوله (ناعمة) أى ذات بهجة وحسن، كقوله ( تعرف فى وجوههم نضرة النعيم) أو متنعمة .

١٥٥
قوله تعالى : لسعيها راضية . الآية
لَسْيَهَا رَاضِيَّةٌ (١٠) فى جَنَّهُ عَالَةٍ (١١) لَا تَسْمَعُ فَهَا لَاغِيَةَ (١٢)
(والثانى) فى باطنهم وهو قوله تعالى (لسعيها راضية) وفيه تأويلان (أحدهما) أنهم
حمدوا سعيهم واجتهادهم فى العمل لله. لما فازوا بسببه من العاقبة الحميدة كالرجل يعمل العمل
فيجزى عليه بالجميل ، ويظهر له منه عاقبة محمودة فيقول ، ما أحسن ما عملت، ولقد وقفت للصواب
فيما صنعت فيثنى على عمل نفسه ويرضاه ( والثانى) المراد لثواب سعيها فى الدنيا راضية إذا
شاهدوا ذلك الثواب ، وهذا أولى إذ المراد أن الذى يشاهدونه من الثواب العظيم يبلغ حد الرضا
حتى لا يريدوا أكثر منه، وأما وصف دار الثواب ، فاعلم أن الله تعالى وصفها بأمور سبعة:
( أحدها) قوله ﴿ فى جنة عالية) ويحتمل أن يكون المراد هو العلو فى المكان، ويحتمل
أن يكون المراد هو العلو فى الدرجة والشرف والمنقبة ، أما العلو فى المكان فذاك لأن الجنة
درجات بعضها أعلى من بعض، قال عطاء الدرجة مثل ما بين السماء والأرض.
( وثانيها) قوله ( لا تسمع فيها لاغية ) وفيه مسئلتان:
﴿ المسألة الأولى) فى قوله لا تسمع ثلاث قراآت (أحدها) قرأ عاصم وحمزة والكائى
بالتاء على الخطاب لاغية بالنصب والمخاطب بهذا الخطاب، يحتمل أن يكون هو التى حريم وأن
يكون لا تسمع يا مخاطب فيها لاغية ، وهذا يفيد السماع فى الخطاب كقوله ( وإذا رأيت ثم
رأيت) وقوله (إذا رأيتهم حسبتهم ) ويحتمل أن تكون هذه التاء عائدة إلى وجوه، والمعنى
لا تسمع الوجوه فيها لاغية ( وثانيها) قرأ نافع بالتاء المنقوطة من فوق مرفوعة على التأنيث لاغية
بالرفع ( وثالثها ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو لا يسمع بالياء المنقوطة من تحت مضمومة على التذكير
لاغية بالرفع، وذلك جائز لوجهين (الأول) أن هذا الضرب من المؤنث إذا تقدم فعله. وكان بين
الفعل والإسم حائل حسن التذكير ، قال الشاعر :
إن امرءاً غره منكن واحدة
بعدى وبعدك فى الدنيا لمغرور
(والثانى) أن المراد باللاغية اللغو فالتأنيث على اللفظ والتذكير على المعنى.
( المسألة الثانية) لأهل اللغة فى قوله (لاغية) ثلاثة أوجه (أحدها) أنه يقال: لغا يلغو
لغواً ولاغية، فاللاغية واللغو شىء واحد، ويتأكد هذا الوجه بقوله سبحانه ( لا يسمعون فيها
لغواً)، (وثانيها) أن يكون صفة والمعنى لا يسمع كلمة لاغية (وثالثها) قال الأخفش لاغية أى
كلمة ذات لغو كما تقول فارس ودارع لصاحب الفرس والدرع، وأما أهل التفسير فلهم وجوه
( أحدها) أن الجنة منزهة عن اللغو لأنها منزل جيران اللّه تعالى وإنما نالوها بالجد والحق لا باللغو
والباطل، وهكذا كل مجلس فى الدنيا شريف مكرم فانه يكون مبرأ عن اللغو وكل ما كان أبلغ فى
هذا كان أكثر جلالة، هذا ما قرره القفال ( والثانى) قال الزجاج لا يتكلم أهل الجنة إلا بالحكمة

١٥٦
قوله تعالى : فيها عين جارية. سورة الغاشية.
فِيهَا عَيْنْ جَارِيَّةٌ ﴿ فِيهَا مُرٌ مَّرْ فُوعَةٌ (٢) وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ (*) وَتَارِقُ
مَصْفُوفَةٌ ( وَزَرَبِيُّ مَبْتُوَةُ (﴾
والثناء على الله تعالى على ما رزقهم من النعيم الدائم (والثالث) عن ابن عباس يريد لا تسمع فيها
كذباً ولا بهتاناً ولا كفراً بالله ولاشتما (والرابع) قال مقاتل: لا يسمع بعضهم من بعض الحلف
عند شراب كما يحلف أهل الدنيا إذا شربوا الخمر وأحسن الوجوه ماقرره القفال ( الخامس ) قال
القاضى اللغو مالا فائدة فيه ، فالله تعالى :فى عنهم ذلك ويندرج فيه ما يؤذى سامعه على طريق الأولى.
( الصفة الثالثة للجنة) قوله تعالى: ﴿فيها عينٍ جارية﴾ قال صاحب الكشاف يريد عيونا
فى غاية الكثرة كقوله ( علمت نفس ) قال الفقال: فيها عين شراب جارية على وجه الأرض فى
غير أخدود وتجرى لهم كما أرادوا، قال الكلبى: لا أدرى بماء أو غيره.
﴿ الصفة الرابعة) قوله تعالى ﴿فيها سرر مرفوعة﴾ أى عالية فى الهواء وذلك لأجل أن
يرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما أعطاه ربه فى الجنة من النعيم والملك ، وقال خارجة بن مصعب
بلغنا أنها بعضها فوق بعض فيرتفع ماشاء الله فإذا جاء ولى الله ليجلس عليها قطامنت له فاذا استوى
عليها ارتفعت إلى حيث شاء اللّه، والأول أولى، وإن كان الثانى أيضاً غير متنع لأن ذلك بما
كان أعظم فى سرور المكلف، قال ابن عباس هى سرد ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر
والياقوت من تفعة فى السماء .
( الصفة الخامسة) قوله تعالى ﴿وأكواب موضوعة ﴾ الأكواب الكيزان التى لاعرى لها
قال قتادة فهى دون الأباريق. وفى قوله ( موضوعة) وجوه (أحدها) أنها معدة لأهلها كالرجل
يلتمس من الرحل شيئاً فيقول هو ههنا موضوع بمعنى معد ( وثانيها) موضوعة على حافة العيون
الجارية كلما أرادوا الشرب وجدوها مملوأة من الشرب (وثالثها) موضوعة بين أيديهم
لاستحسانهم إياها بسبب كونها من ذهب أوفضة أومن جوهر، وتلذذهم بالشراب منها (ورابعها)
"أن يكون المراد موضوعة عن حد الكبر أى هى أوساط بين الصغر والكبر كقوله ( قدروها
تقديراً).
( الصفة السادسة) قوله تعالى ﴿ونمارقمصفوقة). التمارق هى الوسائد فى قول الجميع
واحدما نمرقة بضم النون ، وزاد الفراء سماعا عن العرب نمرقة بكسر النون ، قال الكلى وسائد
مصفوقة بعضها إلى جانب بعض أينما أراد أن يجلس جلس على واحدة واستند إلى أخرى .
﴿ الصفة السابعة) قوله تعالى ﴿وزرابى مبثوثة) يعنى البسط والطنافس واحدها زربية
وزربى بكسر الزاى فى قول جميع أهل اللغة ، وتفسير مبثوثة مبسوطة منشورة أو مفرقة فى المجالس

قوله تعالى : افلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت. سورة الغاشية. ١٥٧
أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى آلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
قوله تعالى : ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ﴾
اعلم أنه تعالى لما حكم بمجىء يوم القيامة وقسم أهل القيامة إلى قسمين الأشقياء والسعداء
ووصف أحوال الفريقين وعلم أنه لا سبيل إلى إثبات ذلك إلا بواسطة إثبات الصانع الحكيم ،
لا جرم أتبع ذلك بذكر هذه الدلالة فقال (أفلا ينظرون إلى الإبل) وجه الاستدلال بذلك على
صحة المعاد أنها تدل على وجود الصانع الحكيم ، ومتى ثبت ذلك فقد ثبت القول بصحة المعاد.
(أما الأول) فلأن الأجسام متساوية فى الجسمية فاخصاص كل واحد منها بالوصف الذى
لأجله امتاز على الآخر ، لابد وأن يكون لتخصيص مخصص وإيجاد قادر، ولما رأينا هذه الأجسام
مخلوقة على وجه الإتقان والإحكام علمنا أن ذلك الصانع عالم ، ولما علمنا أن ذلك الصانع لابد
وأن يكون مخالفاً لخلقه فى نعت الحاجة والحدوث والإمكان علمنا أنه غنى ، فهذا يدل على أن
للعالم صانعاً قادرا عالما غنياً فوجب أن يكون فى غاية الحكمة ، ثم إنا نرى الناس بعضهم
محتاجاً إلى البعض، فإن الإنسان الواحد لا يمكنه القيام بمهمات نفسه، بل لابد من بلدة يكون كل
واحد من أهلها مشغولابمهم آخر حتى يتنظم من مجموعهم مصلحة كل واحدمنهم، وذلك الانتظام
لا يحسن إلا مع التكليف المشتمل على الوعد والوعيد، ذلك لا يحصل إلا بالبعث والقيامة وخلق
الجنة والنار فثبت أن إقامة الدلالة على الصانع الحكيم توجب القول بصحة البعث والقيامة فلهذا
السبب ذكر الله دلالة التوحيد فى آخر هذه السورة ، فإن قيل فأى مجانسة بين الإبل والسماء
والجبال والأرض، ثم لم بدأ بذكر الإبل؟ قلنا فيه وجهان: (الأول) أن جميع المخلوقات متساوية
فى هذه الدلالة وذكر جميعها غير ممكن لكثرتها وأى واحد منها ذكر دون غيره كان هذا السؤال
عائداً ، فوجب الحكم بسقوط هذا السؤال على جميع التقادير ، وأيضاً فلعل الحكمة فى ذكر هذه
الأشياء التى هى غير متناسبة التنبيه على أن هذا الوجه من الاستدلال غير مختص بنوع دون نوع
بل هو عام فى الكل على ما قال ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده) ولو ذكر غيرها لم يكن الأمر
كذلك لا جرم ذكر الله تعالى أموراً غير متناسبة بل متباعدة جداً، تنبيهاً على أن جميع الأجسام
العلوية والسفلية صغيرها وكبيرها حسنها وقبيحها متساوية فى الدلالة على الصانع الحكيم ، فهذا
وجه حسن معقول وعليه الاعتماد ( الوجه الثانى) وهو أن نبين ما فى كل واحد من هذه الأشياء
من المنافع والخواص الدالة على الحاجة إلى الصانع المدير ، ثم نبين إنه كيف يحانس بعضها بعضاً .
( أما المقام الأول) فنقول الإبل له خواص منها أنه تعالى جعل الحيوان الذى يقتنى
أصنافاً شتى فتارة يقتنى ليؤكل لحمه وتارة ليشرب لبنه وتارة ليحمل الإنسان فى الأسفار وتارة

١٥٨
قوله تعالى: وإلى السماء كيف رفعت . الآية
وَإِلَى السّمَاءِ كَيْفَ رُفَعَتْ ((١٩) وَإِلَى الْجَبَالِ كَيْفَ نُصَبَتْ ((٢٠) وَإِلَى
اٌلْأَرْضِ كَيَ سُطَحَتْ (٢١)
لينقل أمتعة الانسان من بلد إلى بلد وتارة ليكون له به زينة وجمال وهذه المنافع بأسرها حاصلة
فى الإبل ، وقد أبان الله عز وجل عن ذلك بقوله (أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً
فهم لها مالكون، وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون)، قال ( والأنعام خلقها لكم فيها دف.
ومنافع ومنها تأكلون، ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسر حون، وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا
بالغيه إلا بشق الأنفس) وإن شيئاً من سائر الحيوانات لا يجتمع فيه هذه الخصال فكان اجتماع
هذه الخصال فيه من العجائب ( وثانيها ) أنه فى كل واحد من هذه الخصال أفضل من الحيوان
الذى لا يوجد فيه إلا تلك الخصلة لأنها إن جعلت حلوبة سقت فأروت الكثير، وإن جعلت
أكولة أطعمت وأشبعت الكثير ، وإن جعلت ركوبة أمكن أن يقطع بها من المسافات المديدة
مالا يمكن قطعه يحيوان آخر ، وذلك لما ركب فيها من قوة احتمال المداومة على السير والصبر
على العطش والاجتزاء من العلوفات بما لا يجنزىء حيوان آخر ، وإن جعلت حمولة استغلت
بحمل الأحمال الثقيلة التى لا يستقل بها سواها، ومنها أن هذا الحيوان كان أعظم الحيوانات وقعاً
فى قلب العرب ولذلك فانهم جعلوا دية قتل الإنسان إبلا ، وكان الواحد من ملوكهم إذا أراد
المبالغة فى إعطاء الشاعر الذى جاءه من المكان البعيد أعطاه مائة بعير، لأن امتلاء العين منه أشد من
امتلاء العين من غيره، ولهذا قال تعالى (ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون) ومنها أنى
كنت مع جماعة فى مفازة فضللا الطريق فقدموا جملا وتبعوه فكان ذلك الجمل ينعطف من تل
إلى تل ومن جانب إلى جانب والجميع كانوا يتبعونه حتى وصل إلى الطريق بعد زمان طويل
فتعجبنا من قوة تخيل ذلك بالحيوان أنه بالمرة الواحدة كيف انحفظت فى خياله صورة تلك
المعاطف حتى أن الذين عجز جمع من العقلاء إلى الاهتداء إليه فإن ذلك الحيوان اهتدى إليه، ومنها
انها مع كونها فى غاية القوة على العمل مباينة لغيرها فى الانقياد والطاعة لأضعف الحوانات كالصبى
الصغير ، ومبانيه لغير ها أيضاً فى أنها يحمل عليها وهى باركة ثم تقوم، فهذه الصفات الكثيرة الموجودة
فيها توجب على العاقل أن ينظر فى خلقتها وتركيبها ويستدل بذلك على وجود الصانع الحكيم سبحانه،
ثم إن العرب من أعرف الناس بأحوال الإبل فى صحتها و سقمها ومنافعها ومضارها، فلهذه الأسباب
حسن من الحكيم تعالى أن يأمر بالتأمل فى خلفتها .
ثم قال تعالى ﴿ وإلى السماء كيف رفعت﴾ أى رفعاً بعيد المدى بلا إمساك وبغير عمد.
﴿ وإلى الجبال كيف نصبت ) نصباً ثابتاً فهى راسخة لا تميل ولا تزول .
﴿ وإلى الأرض كيف سطحت ) سطحاً بتمهيد وتوطئة، فهى مهاد المتقلب عليها، ومن

١٥٩
قوله تعالى: وإلى الأرض كيف سطحت . الآية
الناس من استدل بهذا على أن الأرض ليست بكرة وهو ضعيف ، لأن الكرة إذا كانت فى غاية
العظمة يكون كل قطعة منها كالسطح ، وقرأ على عليه السلام كيف خلقت ورفعت ونصبت وسطحت
على البناء للفاعل وقاء الضمير، والتقدير فعلتها ، فذف المفعول .
﴿ المقام الثانى) فى بيان ما بين هذه الأشياء من المناسبة اعلم أن من الناس من فسر الإبل
بالسحاب. قال صاحب الكشاف: ولعله لم يرد أن الإبل من أسماء السحاب ، كالغمام والمزن
والرباب والغيم والغين وغير ذلك. وإنما رأى السحاب مشبهاً بالإبل فى كثير من أشعارهم، بجوز
أن يراد بها السحاب على طريق التشبيه والمجاز، وعلى هذا التقدير فالمناسبة ظاهرة. إما إذا حملنا
الإبل على مفهومه المشهور، فوجه المناسبة بينها وبين السماء والجبال والأرض من وجهين (الأول)
أن القرآن نزل على لغة العرب وكانوا يسافرون كثيراً، لأن بلدتهم بلدة خالية عن الزرع، وكانت
أسفارهم فى أكثر الأمر على الإبل ، فكانوا كثيراً ما يسيرون عليها فى المهامه والقفار مستوحشين
منفردين عن الناس، ومن شأن الإنسان إذا انفرد أن يقبل على التفكر فى الأشياء، لأنه ليس
معه من يحادثه، وليس هناك شىء يشغل به سمعه وبصره، وإذا كان كذلك لم يكن له بد من أن
يشغل باله بالفكرة، فإذا فكر فى ذلك الحال وقع بصره أول الأمر على الجمل الذى ركبه ، فيرى
منظراً عجيباً، وإذا نظر إلى فوق لم ير غير السماء، وإذا نظر يميناً وشمالا لم ير غير الجبال، وإذا
نظر إلى ما تحت لم ير غير الأرض ، فكأنه تعالى أمره بالنظر وقت الخلوة والانفراد عن
الغر حتى لا تحمله داعية الكبر والحسد على ترك النظر، ثم إنه فى وقت الخلوة فى المفازة البعيدة
لايرى شيئاً سوى هذه الأشياء، فلا جرم جمع الله بينها فى هذه الآية (الوجه الثانى) أن جميع
المخلوقات دالة على الصانع إلا أنها على قسمين: منها ما يكون للحكمة وللشهوة فيها نصيب معاً،
ومنها ما يكون للحكمة فيها نصيب ، وليس للشهوة فيها نصيب .
﴿ والقسم الأول ) كالإنسان الحسن الوجه ، والبساتين النزهة ، والذهب والفضة وغيرها،
فهذه الأشياء يمكن الاستدلال بها على الصانع الحكيم، إلا أنها متعلق الشهوة ومطلوبة للنفس،
فلم يأمر تعالى بالنظر فيها، لأنه لم يؤمن عند النظر إليها وفيها أن تصير داعية الشهوة غالبة على داعية
الحكمة فيصير ذلك مانعاً عن إتمام النظر والفكر وسباً لاستغراق النفس فى محبته .
﴿ أما القسم الثانى) فهو كالحيوانات التى لا يكون فى صورتها حسن، ولكن يكون فى
تركيبها حكم بالغة وهى مثل الإبل وغيرها ، إلا أن ذكر الإبل ههنا أولى لأن إلف العرب بها أكثر
وكذا السماء والجبال والأرض، فإن دلائل الحدوث والحاجة فيها ظاهرة، وليس فيها ما يكون
نصيباً للشهوة، فلما كان هذا القسم بحيث يكمل نصيب الحكمة فيه مع الأمن من زحمة الشهوة لا جرم
أمر الله بالتدبر فيها فهذا ما يحضرنا فى هذا الموضع وبالله التوفيق.

١٦٠
قوله تعالى : فذكر إنما انت مذكر. سورة الغاشية.
فَذَكِّرْ إِنََّا أَنْتَ مُذَكِّرُ ﴾ لَّْتَ عَلَيْهِم بِمُ صَيْطِرٍ (٣٦) إِلَّ مَنِ قَوَلَّ وَكَفَرَ
٢٤
فَيُعَذّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ
قوله تعالى: ﴿فذكر إنما أنت مذكر﴾.
أعلم أنه تعالى لما بين الدلائل على صحة التوحيد والمعاد، قال لرسوله ريخ (فذكر إنما أنت
مذكر (ونذكير الرسول إنما يكون بذكر هذه الأدلة وأمثالها والبعث على النظر فيها والتحذير
من ترك تلك ، وذلك بعث منه تعالى الرسول على التذكير والصبر على كل عارض معه، وبيان أنه
إنما بعث لذلك دون غيره ، فلهذا قال. (إنما أنت مذكر).
قوله تعالى: ﴿ لست عليهم بمسيطر﴾ قال صاحب الكشاف (بمسيطر) بمسلط، كقوله
(وما أنت عليهم بجبار) وقوله ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) وقيل هو فى لغة تميم
مفتوح الطاء على أن سيطر متعد عندهم ، والمعنى أنك ما أمرت إلا بالتذكير ، فأما أن تكون
مسلطاً عليهم حتى تقتلهم، أو تكرههم على الإيمان فلا، قالوا ثم نسختها آية الفتال، هذا قول جميع
المفسرين، والكلام فى تفسير هذا الخرف قد تقدم عند قوله ( أم هم المسيطرون).
أقوله تعالى: ﴿إلا من تولى وكفر، فيعذبه الله العذاب الأكبر﴾ ففيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ فى الآية قولان (أحدهما) أنه استثناء حقيقي، وعلى هذا التقدير هذا
الاستثناء، استثناء عماذا؟ فيه احتمالان (الأول) أن يقال التقدير: فذكر إلا من تولى وكفر
(والثانى) أنه استثناء عن الضمير فى (عليهم) والتقدير: لست عليهم بمسيطر إلا من تولى.
واعترض عليه بأنه عليه السلام ما كان حينئذ. أموراً بالقتال (وجوابه) لعل المراد أنك لا تصبر
مسلطاً إلا على من تولى (القول الثانى) أنه استثناء منقطع عما قبله، كما تقول فى الكلام : قعدنا
تذكر العلم، إلا أن كثيراً من الناس لا يرغب، فكذا ههنا التقدير لست بمسئول عليهم، لكن
من تولى منهم فإن الله يعذبه العذاب الأكبر الذى هو عذاب جهنم، قالوا وعلامة كون الاستثناء
منقطعاً حسن دخول أن فى المستثنى، وإذا كان الاستثناء متصلا لم يحسن ذلك ، ألا. زى أنك
تقول عندى مائتان إلا درهما، فلا تدخل عليه أن ، وههنا يحسن أن، فإنك تقول إلا أن من
تولى وكفر فيعذبه الله .
﴿ المسألة الثانية) قرى. (ألا من تولى) على التنبيه، وفى قراءة ابن مسعود (فإنه يعذبه).
﴿ المسألة الثالثة﴾ إنما سماه العذاب الأكبر لوجوه (أحدها) أنه قد بلغ حد عذاب الكفر
وهو الأكبر، لأن ما عداه من عذاب الفسق دونه، ولهذا قال تعالى ( ولنذيقنهم من العذاب
الأدنى دون العذاب الأكبر)، ( وثانيها) هو العذاب فى الدرك الأسفل فى النار (وثالثها) أنه قد