النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
قوله تعالى : إن الذين فتنوا المؤمنين. سورة البروج.
اٌلَّمَنَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ ﴾ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ الْمُؤْمِنِين
وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْيَتُوبُواْ فَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَهُمْ عِدَابُ الْحَرِيقِ
والأرض واللّه على كل شىء شهيد﴾ المعنى وما عابوا منهم وما أنكروا الإيمان، كقوله:
ولا عيب فيهم غيرأنسيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
ونظيره قوله تعالى (هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله) وإنما قال (إلا أن يؤمنوا) لأن
التعذيب إنما كان واقعاً على الإيمان فى المستقبل، ولو كفروا فى المستقبل لم يعذبوا على مامضى،
فكأنه قيل إلا أن يدوموا على إيمانهم، وقرأ أبو حيوة (نقموا) بالكسر، والفصيح هو
الفتح ، ثم إنه ذكر الأوصاف التى بها يستحق الإله أن يؤمن به ويعبد ( فأولها) العزيز وهو
القادر الذى لا يغلب ، والقاهر الذى لا يدفع ، وبالجملة فهو إشارة إلى القدرة التامة ( وثانيها ) الحميد
وهو الذى يستحق الحمد والثناء على ألسنة عباده المؤمنين وإن كان بعض الأشياء لا يحمده بلسانه
فنفسه شاهدة على أن المحمود فى الحقيقة هو هو، كما قال ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده) وذلك
إشارة إلى العلم لأن من لا يكون عالما بعواقب الأشياء لا يمكنه أن يفعل الأفعال الحميدة ، فالحميد
يدل على العلم التام من هذا الوجه ( وثالثها) الذى له ملك السموات والأرض وهو مالكها
والقيم بهما ولو شاء لأفناهما ، وهو إشارة إلى الملك التام وإنما أخر هذه الصفة عن الأولين لأن
الملك التام لا يحصل إلا عند حصول الكمال فى القدرة والعلم ، فثبت أن من كان موصوفاً بهذه
الصفات كان هو المستحق للإيمان به وغيره لا يستحق ذلك البتة، فكيف حكم أولئك الكفار
الجمال يكون مثل هذا الإيمان ذنباً .
واعلم أنه تعالى أشار بقوله ( العزيز) إلى أنه لو شاء لمنع أولئك الجبابرة من تعذيب أولئك
المؤمنين، ولأطفأ نبرانهم ولأماتهم وأشار بقوله (الحميد) إلى أن المعتبر عنده سبحانه من الأفعال
عواقبها فهو وإن كان قد أمهل لكنه ما أهمل ، فانه تعالى يوصل ثواب أولئك المؤمنين إليهم ، وعقاب
أولئك الكفرة إليهم، ولكنه تعالى لم يعاجلهم بذلك لأنه لم يفعل إلا على حسب المشيئة أو المصلحة
على سبيل التفضل ، فلهذا السبب قال ( والله على كل شىء شهيد ) فهو وعد عظيم للمطيعين ووعيد
شديد للمجرمين .
قوله تعالى: ﴿ إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب
الحريق ﴾.
اعلم أنه سبحانه لما ذكر قصة أصحاب الأخدود، أتبعها بما يتفرع عليها ، من أحكام الثواب
والعقاب فقال ( إن الذين فتنوا المؤمنين) وههنا مسائل:

١٢٢
قوله تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات. سورة البروج.
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَتِ لَهُمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَحْهَا الْأَنْهَُ
ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾
المسألة الأولى﴾ يحتمل أن يكون المراد منه أصحاب الأخدود فقط ، ويحتمل أن يكون
المراد كل من فعل ذلك وهذا أولى لأن اللفظ عام والحكم عام فالتخصيص ترك للظاهر من غير دليل.
﴿ المسألة الثانية﴾ أصل الفتنة الابتلاء والامتحان، وذلك لأن أولئك الكفار امتحنوا
أولئك المؤمنين وعرضوهم على النار وأحرقوهم، وقال بعض المفسرين الفتنة هى الإحراق بالنار
وقال ابن عباس ومقاتل ( فتنوا المؤمنين) حرقوهم بالنار ، قال الزجاج يقال فتنت الشىء أحرقته
والفتن أحجار سود كأنها محترقة، ومنه قوله تعالى (يوم هم على النار يفتنون ).
﴿ المسألة الثالثة) قوله تعالى (ثم لم يتوبوا) يدل على أنهم لو تابوا لخرجوا عن هذا الوعيد
وذلك يدل على القطع بأن الله تعالى يقبل التوبة ، ويدل على أن توبة القاتل عمداً مقبولة خلاف
مايروى عن أن عباس .
﴿ المسألة الرابعة) فى قوله ( فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق ) قولان:
الأول) أن كلا العذابين يحصلان فى الآخرة، إلا أن عذاب جهنم وهو العذاب الحاصل
بسبب كفرهم ، وعذاب الحريق هو العذاب الزائد على عذاب الكفر بسبب أنهم أحرةوالمؤمنين،
فيحتمل أن يكون العذاب الأول عذاب برد والثانى عذاب إحراق وأن يكون الأول عذاب
احراق والزائد على الإحراق أيضاً احراق ، إلا أن العذاب الأول كأنه خرج عن أن يسمى
احراقاً بالنسبة إلى الثانى ، لأن الثانى قد اجتمع فيه نوعا الاحراق فتكامل جداً فكان الأول
ضعيفاً، فلا جرم لم يسم إحرافاً .
﴿القول الثانى) أن قوله (فلهم عذاب جهنم) إشارة إلى عذاب الآخرة (ولهم عذاب
الحريق ) إشارة إلى ما ذكرنا أن أولئك الكفار ارتفعت عليهم نار الأخدود فاحترقوا بها.
قوله تعالى ﴿إن الذين آمنواوعملوا الصالحات لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير
أعلم أنه تعالى لمنا ذكر وعيد المجرمين ذكر وعد المؤمنين وهو ظاهر وفيه مسالتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ إنماقال ( ذلك الفوز) ولم يقل تلك الدقيقة لطيفة وهى أن قوله ( ذلك)
إشارة إلى إخبار اللّه تعالى بحصول هذه الجنات، وقوله (تلك) إشارة إلى الجنات وإخبار اللّه
تعالى عن ذلك يدل على كونه راضياً والفوز الكبير هو رضا الله لا حصول الجنة.
المسألة الثانية﴾ قصة أصحاب الأخدود ولا سيما هذه الآية تدل على أن المكره على

١٢٣
قوله تعالى : إن بطش ربك لشديد. سورة البروج.
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ () وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ
فَعَّالٌ لَّمَا يُرِيدُ (َ﴾
ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدَ
١٤
الكفر بالإهلاك العظيم الأولى نه أن يصبر على ماخوف منه، وأن إظهار كلمة الكفر كالرخصة
فى ذلك روى الحسن أن مسيلمة أخذ رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما
تشهد أنى رسول الله فقال نعم فتركه، وقال للآخر مثله فقال لا بل أنت كذاب فقتله فقال عا!
السلام (( أما الذى ترك فأخذ بالرخصة فلا تبعة عليه، وأما الذى قتل فأخذ بالفضل فهنيئاً له)).
قوله تعالى ﴿إن بطش ربك لشديد، إنه هو يبدى. وبعيد، وهو الغفور الودود، ذو العرش
المجيد ، فعال لما بريد
أعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات أولا وذكر وعد الذين آمنوا
وعملوا الصالحات ثانياً أردف ذلك الوعد والوعيد بالتأكيد فقال لتأكيد الوعيد ( إن بطش ربك
لشديد) والبطش هو الأخذ بالعنف فإذا وصف بالشدة فقد تضاعف وتفاقم ونظيره (إن أخذه
أليم شديد) ثم إن هذا القادر لا يكون إمهاله لأجل الاهمال، لكن لأجل أنه حكيم إما بحكم المشيئة
أو بحكم المصلحة ، وتأخير هذا الأمر إلى يوم القيامة ، فلهذا قال (إنه هو يبدى، ويعيد) أى إنه
يخاق خلقه ثم يفنيهم ثم يعيدهم أحياء ليجازيهم فى القيامة ، فذلك الإمهال لهذا السبب لا لأجل
الإهمال، قال ابن عباس إن أهل جهنم تأكلهم النار حتى يصيروا فما ثم يعيدهم بتخلقاً جديداً ،
فذاك هو المراد من قوله ( إنه هو يبدى. ويعيد) ،
ثم قال لتأكيد الوعد ( وهو الغفور الودود ) فذكرمن صفات جلاله وكبريائه خمسة
( أولها) الغفور قالت المعتزلة هو الغفور لمن تاب، وقال أصحابنا إنه غفور مطلقاً لمن تاب
ولمن لم يتب لقوله تعالى ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ولأن
غفران التائب واجب وأداء الواجب لا يوجب التمدح والآية مذكورة فى معرض التمدح
(وثانيها ) الودود وفيه أقوال (أحدها) المحب هذا قول أكثر المفسرين، وهو مطابق للدلائل
العقلية ، فإن الخير مقتضى بالذات والشر بالعرض، ولا بد أن يكون الشر أقل من الخير فالغالب
لابد وأن يكون خيراً فيكون محبوباً بالذات (وثانيها) قال الكلبى الودود هو المتودد إلى أوليائه
بالمغفرة والجزاء، والقول هو الأول ( وثالثها) قال الأزهرى قال بعض أهل اللغة يجوز أن
يكون ودود فعولا بمعنى مفعول كركوب وحلوب ، ومعناه أن عباده الصالحين يودونه ويحبونه
لما عرفوا من كماله فى ذاته وصفاته وأفعاله ، قال وكلنا الصفتين مدح لأنه جل ذكره إذا أحب
عباده المطيعين فهو فضل منه ، وإن أحبه عباده العارفون فلما تقرر عندهم من كريم إحسانه .

١٢٤
قوله تعالى : ذو العرش المجيد. سورة البروج.
(ورابعها) قال القفال * قيل الودود قد يكون بمعنى الحليم من قولهم دابة ودود وهى المطبعة
القياد التى كيف عطفتها انعطفت وأنشد قطرب .
وأعددت للحرب خيفائة ذلول القیاد وقاحا ودودا
( وثالثها) ذو العرش ، قال القفال ذو العرش أى ذو الملك والسلطان كما يقال فلان على سرير
ملكه، وإن لم يكن على السرير ، وكما يقال ثل عرش فلان إذا ذهب سلطانه، وهذا معنى متفق
على صحته ، وقد يجوز أن يكون المراد بالعرش السرير ، ويكون جل جلاله خلق سريراً فى سمائه
فى غاية العظمة والجلالة بحيث لا يعلم عظمته إلا هو ومن يطلعه عليه (ورابعها) المجيد، وفيه
قراء تان (إحداهما) الرفع فيكون ذلك صفة لله سبحانه، وهو اختيار أكثر القراء والمفسرين
لأن المجد من صفات التعالى والجلال، وذلك لا يليق إلا باللّه سبحانه، والفصل والاعتراض
بين الصفة والموصوف فى هذا النحو غير ممتنع ( والقراءة الثانية ) بالخفض وهى قراءة حمزة
والكسائي، فيكون ذلك صفة العرش، وهؤلاء قالوا القرآن دل على أنه يجوز وصف غير الله
بالمجيد حيث قال ( بل هو قرآن مجيد) ورأينا أن الله تعالى وصف العرش بأنه كريم فلا يبعد
أيضا أن يصفه بأنه مجيد ، ثم قالوا إن جد اللّه عظمته بحسب الوجوب الذاتى وكال القدرة
والحكمة والعلم، وعظمة العرش علوه فى الجهة وعظمة مقداره و حسنصور ته و تر کیبه، فإنه قيل
العرش أحسن الأجسام تركيبا وصورة ( وخامسها) أنه فعال لما يريد وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى ﴾ فعال خبر مبتدأ محذوف .
﴿ المسألة الثانية﴾ من النحويين من قال (وهو الغفور الودود) خبران لمبتدأ واحد، وهذا
ضعيف لأن المقصود بالإسناد إلى المبتدأ إما أن يكون مجموعها أو كل واحد واحد منهما ، فان
كان الأول كان الخبر واحد الآخرين وإن كان الثانى كانت القضية لا واحد قبل قضيتين.
﴿ المسألة الثالثة﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية فى مسالة خلق الأفعال فقالوا لاشك أنه تعالى
يريد الإيمان فوجب أن يكون فاعلا للايمان بمقتضى هذه الآية وإذا كان فاعلا للايمان وجب
أن يكون فاعلا للكفر ضرورة أنه لا قائل بالفرق، قال القاضى ولا يمكن أن يستدل بذلك على
أن ما یریده الله تعالى من طاعة الخلق لابد من أن يقع لان قوله تعالى ( فعال لما يريد) لا يتناول
إلا ما إذا وقع كان فعله دون ما إذا وقع لم يكن فعلا له هذه ألفاظ القاضى ولا يخفى ضعفها.
﴿ المسألة الرابعة﴾ احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى لا يجب لأحد من المكلفين عليه
شىء البتة، وهو ضعيف لأن الآية دالة على أنه يفعل ما يريد، فلم قلتم إنه يريدأن لا يعطى الثواب،
المسألة الخامسة ﴾ قال القفال فعال لما يريد على ما يراه لا يعترض عليه معترض ولا
يغلبه غالب ، فهو يدخل أولياءه الجنة لا يمنعه منه مانع، ويدخل أعداءه النار لا ينصرهم منه ناصر،
وعهل العصاة على مايشاء إلى أن يجازيهم ويعاجل بعضهم بالعقوبة إذا شاء ويعذب من شاء منهم

١٢٥
قوله تعالى : هل اتاك حديث الجنود. سورة البروج.
هَلْ أَتَئِكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ﴿ فِرْعَوْنَ وَتَمُودَ (٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُ واْ فِى
تَكْذِيبِ (3) وَاللهُ مِن وَرَاءِمْ تُحِيطٌ (﴾
٢٠٠
بَلْ هُوَ قُرْءَ انٌ تَجِدٌ
فِى لَوْچ تَحْفُوظ
فى الدنيا وفي الآخرة يفعل من هذه الأشياء ومن غير هما ما يريد.
قوله تعالى: ﴿هل أتاك حديث الجنود، فرعون، وثمود، بل الذين كفروا فى تكذيب، واقه
من ورائهم محيط ، بل هو قرآن مجيد، فى لوح محفوظ ﴾ .
اعلم أنه تعالى لما بين حال أصحاب الأخدود فى تأذى المؤمنين بالكفار، بين أن الذينكانواقبلهم
كانوا أيضاً كذلك ، واعلم أن فرعون وثمود بدل من الجنود ، وأراد بفرعون إياه وقومه كما فى
قوله من فرعون وملتهم وثمود ، كانوا فى بلاد العرب ، وقصتهم عندهم مشهورة فذكر تعالى من
المتأخرين فرعون ، ومن المتقدمين ثمود ، والقصود بيان أن حال المؤمنين مع الكفار فى جميع
الأزمنة مستمرة على هذا النهج، وهذا هو المراد من قوله ، بل الذين كفروا فى تكذيب ، ولما
طيب قلب الرسول عليه السلام بحكاية أحوال الأولين فى هذا الباب سلاه بعد ذلك من وجه
آخر، وهو قوله (والله من وراثهم محيط) وفيه وجوه (أحدها) أن المراد وصف اقتداره عليهم
وأنهم فى قبضته وحوزته، كالمحاط إذا أحيط به من ورائه فسد عليه مسلكه ، فلا يجد مهرباً
يقول تعالى، فهم كذا فى قبضتى وأنا قادر على إهلاكهم ومعاجلتهم بالعذاب على تكذيبهم إياك
فلا تجزع من تكذيبهم إياك ، فليسوا يفوت نى إذا أردت الانتقام منهم ( وثانيها ) أن يكون
المراد من هذه الإحاطة قرب هلاكهم كقول تعالى (وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها)
وقوله ( وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس) وقوله (وظنوا أنهم أحيط بهم) فهذا كله عبارة عن
مشارفة الهلاك ، يقول فهؤلاء فى تكذيبك قد شارفوا الهلاك ( وثالثها ) أن يكون المراد واقه
محيط بأعمالهم، أى عالم بها ، فهو مرصد بعقابهم عليها، ثم إنه تعالى سلى رسوله بعد ذلك برجه.
ثالث، وهو قوله ( بل هو قرآن مجيد) وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ تعلق هذا بما قبله، هو أن هذا القرآن مجيد مصون عن التغير والتبدل،
لاحكم فيه بسعادة قوم وشقاوة قوم ، وبتأذی قوم من قوم ، امتنع تغیره وتبدله، فوجب الرضا
به، ولاشك أن هذا من أعظم موجبات التسلية .
﴿ المسألة الثانية ) قرى. (قرآن مجيد) بالإضافة، أى قرآن رب مجيد، وقرأ يحي بن يعمرفى
لوح واللوح الهواء يعنى اللوح فوق السماء السابعة الذى فيه اللوح المحفوظ، وقرىء محفوظ

١٢٦
قوله تعالى : في لوح محفوظ. سورة البروج.
بالرفع صفة للقرآن كما قلنا (إنانحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).
( المسألة الثالثة﴾ أنه تعالى قال ههنا (في لوح محفوظ) وقال فى آية أخرى ( إنه لقرآن
كريم، فى كتاب مكنون) فيحتمل أن يكون الكتاب المكنون واللوح المحفوظ واحداً ثم كونه
محفوظاً يحتمل أن يكون المراد كونه محفوظاً عن أن يمسه إلا المطهرون، كما قال تعالى (لا يمسه
إلا المطهرون) ويحتمل أن يكون المراد كونه محفوظاً من اطلاع الخلق عليه سوى الملائكة المقربين
ويحتمل أن يكون المراد أن لا يجرى عليه تغيير وتبديل .
المسألة الرابعة﴾ قال بعض المتكلمين إن اللوح شىء يلوح للملائكة فيقرؤنه ولما كانت
الأخبار والآثار واردة بذلك وجب التصديق، والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا
محمد وعلى آله ومحبه وسلم.

١٢٧
سورة الطارق
(٨٦) سُورة الطارق مِكِيَّة
وَآَيَاتِهَا سَبَعْ عَشَرَة
بِسُـ
وَاَلَّمَاءِ وَالطَّارِقِ () وَمَا أَدْرَكَ مَا الطَّرِقُ (٣) النَّجُ الثَّاقِبُ ﴾ إِن
كُلُّ نَفْسِ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظُ (@)
بسم الله الرحن الرحيم
﴿ والسماء والطارق، وما أدراك ما الطارق، النجم الثاقب، إن كل نفس لما عليها حافظ
اعلم أنه تعالى أكثر فى كتابه ذكر السماء والشمس والقمر لأن أحوالها فى أشكالها وسيرها
ومطالعها ومغاربها عجيبة ، وأما الطارق فهو كل ما أتاك ليلا سواء كان كوكباً أو غيره فلا يكون
الطارق نهاراً، والدليل عليه قول المسلمين فى دعائهم: نعوذ بالله من طوارق الليل وروى أنه عليه
السلام (( نهى عن أن يأتى الرجل أهله طروقاً)) والعرب تستعمل الظروق فى صفة الخيال لأن
تلك الحالة إنما تحصل فى الأكثر فى الليل، ثم إنه تعالى لما قال (والطارق ) كان مذا ما
لا يستغنى سامعه عن معرفة المراد منه، فقال (وما أدراك ما الطارق ) قال سفيان بن عيينة كل
شىء فى القرآن ما أدراك فقد أخبر الرسول به وكل شىء فيه مايدريك لم يخبر به كقوله ( وما
يدريك لعل الساعة قريب ) ثم قال ( النجم الثاقب ) أى هو طارق عظيم الشأن ، رفيع القدر وهو
النجم الذى يهتدى به فى ظلمات البر والبحر ويوقف به على أوقات الأمطار ، وههنا مسائل :
المسألة الأولى﴾ إنما وصف النجم بكونه ثاقباً لوجوه (أحدها) أنه يثقب الظلام
بضوئه فينفذ فيه كما قيل درى لأنه يدرؤه أى يدفعه ( وثانيها ) أنه يطلع من المشرق نافذاً فى
الهواء كالشىء الذى يثقب التى. (وثالثها ) أنه الذى يرى به الشيطان فيثقبه أى ينفذ فيه وبحرقه
(ورابعها) قال الفراء (النجم الثاقب ) هو النجم المرتفع على النجوم ، والعرب تقول للطائر إذا
لحق بيطن السماء ارتفاعاً قد ثقب .
المسألة الثانية﴾ إنما وصف النجم بكونه طارقاً، لأنه يبدو بالليل ، وقد عرفت أن ذلك
يسمى طارقاً ، أو لأنه يطرق الجنى، أى يصكه .
المسألة الثالثة﴾ اختلفوا فى قوله ( النجم الثاقب ) قال بعضهم: أشير به إلى جماعة النحو

١٢٨
قوله تعالى : النجم الثاقب. سورة الطارق.
فقيل الطارق ، كما قيل ( إن الإنسان لفي خسر) وقال آخرون: أنه نجم بعينه، ثم قال ابن زيد: إنه
الثريا، وقال الفراء: أنه زحل ، لأنه يثقب بنوره سمك سبع سموات ، وقال آخرون: أنه الشهب
التى يرجم بها الشياطين ، لقوله تعالى (فأتبعه شهاب ثاقب) .
﴿ المسألة الرابعة) روى أن أبا طالب أتى النبي مريم، فأتحفه بخبز ولبن، فبينما هو جالس
يأكل إذا نحط نجم فامتلأ ما. ثم ناراً، ففزع أبو طالب، وقال أى شىء هذا ؟ فقال هذا نجم رمى
به؛ وهو آية من آيات الله، فعجب أبو طالب، ونزلت السورة.
واعلم أنه تعالى لما ذكر المقسم به أتبعه بذكر المقسم عليه ، ( إن كل نفس لما عليها
حافظ ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ فى قوله (لما) قراء تان (إحداهما) قراءة ابن كثير وأبى عمرو ونافع
والكسائى، وهى بتخفيف الميم (والثانية) قراءة عاصم وحمزة والنخعى بتشديد الميم. قال أبو على
الفاسى: من خفف كانت (إن ) عنده المخففة من الثقيلة، واللام فى (لما ) هى التى تدخل مع
هذه المخففة لتخلصها من إن النافية ، وما صلة كالتى فى قوله (فبما رحمة من الله) (وعماقليل) وتكون
(إن) متلقية للقسم ، كما تتلقاه مثقلة. وأما من ثقل فتكون (إن) عنده النافية ، كالتى فى قوله
(ما إن مكناكم) و(لما) فى معنى ألا، قال وتستعمل (لما) بمعنى ألا فى موضعين (أحدهما)
هذا ( والآخر) فى باب القسم، تقول: سألتك بالله لما فعلت ، بمعنى ألا فعلت. وروى عن
الأخفش والكسائى وأبى عبيدة أنهم قالوا : لم توجد لما بمعنى ألا فى كلام العرب. قال ابن عون
قرأت عند ابن سيرين (لما) بالتشديد، فأنكره وقال: سبحان الله، سبحان الله، وزعم العتبى
أن (لما) بمعنى ألا، مع أن الخفيفة التى تكون بمعنى ما موجودة فى لغة هذيل.
﴿ المسألة الثانية ﴾ ليس فى الآية بيان أن هذا الحافظ من هو، وليس فيها أيضاً بيان أن
الحافظ يحفظ النفس عماذا. أما (الأول) ففيه قولان (الأول) قول بعض المفسرين: أن ذلك الحافظ
هو اللّه تعالى. أما فى التحقيق فلأن كل وجود سوى الله ممكن، وكل يمكن فإنه لا يترجح
وجوده على عدمه إلا لمرجح ويفتهى ذلك إلى الواجب لذاته ، فهو سبحانه القيوم الذى بحفظه
وإبقائه تبقى الموجوذات ، ثم إنه تعالى بين هذا المعنى فى السموات والأرض على العموم فى قوله
(إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا) وبينه فى هذه الآية فى حق الإنسان على الخصوص
وحقيقة الكلام ترجع إلى أنه تعالى أقسم أن كل ما سواه ، فإنه يمكن الوجود محدث محتاج مخلوق
مربوب هذا إذا حملنا النفس على مطلق الذات ، أما إذا حملناها على النفس المتنفسة وهى النفس
الحيوانية أمكن أن يكون المراد من كونه تعالى حافظاً لها كونه تعالى عالماً بأحوالها وموصلا إليها
جميع منافعها ودافعاً عنها جميع مضارها .
﴿ والقول الثانى) أن ذلك الحافظ هم الملائكة كما قال (ويرسل عليكم حفظة) وقال عن

١٢٩
قوله تعالى : فلينظر الإنسان. سورة الطارق.
فَلْيَنظُرِ آلْإِنْسَنُ مِ خُلِقَ (٥ خُلِقَ مِنِ مَّآءِ دَافِ ﴿ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ
٠٠٠ارد
وَالتَّرَآپِبِ
٧
اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) وقال (وإن عليكم حافظين، كراماً
كاتبين) وقال ( له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله).
﴿ وأما البحث الثانى) وهو أنه ما الذى يحفظه هذا الحافظ ؟ ففيه وجوه (أحدها) أنهؤلاء
الحفظة يكتبون عليه أعماله دقيقها وجليلها حتى تخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً (وثانيها)
(إن كل نفس لما عليها حافظ) يحفظ عملها ورزقها وأجلها ، فإذا استوفى الإنسان أجله ورزقه قبضه
إلى ربه، وحاصله يرجع إلى وعيد الكفار وتسلية النبى ملي كقوله ( فلا تعجل عليم إنما نعد لهم
عمداً) ثم ينصرفون عن قريب إلى الآخرة فيجازون بما يستحقونه( وثالثها) إنكل نفس لما
عليها حافظ ، يحفظها من المعاطب والمهالك فلا يصبيها إلا ما قدر الله عليها ( ورابعها) قال الفراء
إن كل نفس لما عليها حافظ يحفظها حتى يسلمها إلى المقابر ، وهذا قول الكلى .
واعلم أنه تعالى لما أقسم على أن لكل نفس حافظاً يراقبها ويعد عليها أعمالها ، حينئذ يحق لكل
أحد أن يجتهد ويسعى فى تحصيل أهم المهمات ، وقد تطابقت الشرائع والعقول على أن أهم المهمات
معرفة المبدأ ومعرفة المعاد ، واتفقوا على أن معرفة المبدأ مقدمة على معرفة المعاد ، فلهذا السبب
بدأ الله تعالى بعد ذلك بما يدل على المبدأ .
فقال ﴿ فلينظر الإنسان مم خلق، خلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب ﴾
وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ الدفق صب الماء ، يقال دفقت الماء ، أى صببته وهو مدفوق، أى
مصبوب، ومندفق أى منصب ، ولما كان هذا الماء مدفوقاً اختلفوا فى أنه لم وصف بأنه دافق
على وجوه (الأول ) قال الزجاج: معناه ذو اندفاق ، كما يقال : دراع وفارس ونابل ولابن
وتامر ، أى درع وفرس ونبل ولبن وتمر ، وذكر الزجاج أن هذا مذهب سيبويه ( الثانى)
أنهم يسمون المفعول باسم الفاعل . قال الفراء: وأهل الحجاز أفعل لهذا من غيرهم ، يجعلون
المفعول فاعلا إذا كان فى مذهب النعت ، كقوله سر كاتم ، وهم ناصب ، وليل نائم ، وكقوله
تعالى (فى عيشة راضية) أى مرضية ( الثالث) ذكر الخليل فى الكتاب المنسوب إليه دفق الماء
دفقاً ودفوفقاً إذا انصب بمرة، واندفق الكوز إذا انصب بمرة ، ويقال فى الطيرة عندانصباب الكوز
ونحوه دافق خير ، وفى كتاب قطري : دفق الماء يدفق إذا انصب ( الرابع) صاحب الماء لما
كان دافقاً أطلق ذلك على الماء على سبيل المجاز .
الفخر الرازي - ج ٣١ م ٩

١٣٠
قوله تعالى . يخرج من بين الصلب والترائب. سورة الطارق.
المسألة الثانية) قرىء الصلب بفتحتين ، والصلب بضمتين، وفيه أربع لغات: صلب وصلب
وصلب وصالب :
المسألة الثالثة﴾ ترائب المرأة عظام صدرها حيث تكون القلادة، وكل عظم من ذلك
تربية ، وهذا قول جميع أهل اللغة . قال امرؤ القيس:
ترائبهنا مصقولة كالسجنجل
المسألة الرابعة﴾ فى هذه الآية قولان (أحدهما) أن الولد مخلوق من الماء الذى يخرج
من صلب الرجل وترائب المرأة. وقال آخرون . إنه مخلوق من الماء الذى يخرج من صلب الرجل
وترائبه، واحتج صاحب القول الثانى على مذهبه بوجهين (الأول) أن ماء الرجل خارج من
الصلب فقط، وماء المرأة خارج من الترائب فقط ، وعلى هذا التقدير لا يحصل هناك ماء خارج
من بين الصلب والترائب ، وذلك على خلاف الآية (الثانى) أنه تعالى بين أن الإنسان مخلوق
(من ماءدافق) والذى يوصف بذلك هو ماء الرجل، ثم عطف عليه بأن وصفه بأنه يخرج، يعنى هذا
الدافق من بين الصلب والترائب ، وذلك يدل على أن الولد مخلوق من ماء الرجل فقط (أجاب )
القائلون بالقول الأول عن الحجة الأولى: أنه يجوز أن يقال للشيئين المتباينين أنه يخرج من
بين هذين خير كثير ، ولأن الرجل والمرأه عند اجتماعهما يصيران كالشىء الواحد، فحسن هذا
اللفظ هناك، وأجابوا عن الحجة الثانية: بان هذا من باب إطلاق اسم البعض على الكل، فلما
كان أحد قسمى المى دافقاً أطلق هذا الاسم على المجموع ، ثم قالوا: والذى يدل على أن الولد
مخلوق من مجموع الماءين أن منى الرجل وحده صغير فلا يكفى، ولأنه روى أنه عليه السلام قال
(( إذا غلب ماء الرجل يكون الولد ذكراً ويعود شبه إليه وإلى أقاربه، وإذا غلب ماء المرأة
فإليها وإلى أقاربها يعود الشبه)) وذلك يقتضى صحة القول الأول .
واعلم أن الملحدين طعنوا فى هذه الآية، فقالوا إن كان المراد من قوله ( يخرج من ين الصاب
والترائب ) أن المنى إنما ينفصل من تلك المواضع فليس الأمر كذلك، لأنه إنما يتولد من فضلة
الهضم الرابع، وينفصل عن جميع أجزاء البدن حتى يأخذ من كل عضو طبيعته وخاصيتة ، فيصير
مستعدأ لأن يتولد منه مثل تلك الأعضاء ، ولذلك فإن المفرط فى الجماع يستولى الضعف على
جميع أعضائه ، وإن كان المراد أن معظم أجزاء المنى يتولد هناك فهو ضعيف ، بل معظم أجزائه
إنما يتربى فى الدماغ ، والدليل عليه أن صورته يشبه الدماغ ، ولأن المكثر منه يظهر الضعف
أولا فى عينيه، وإن كان المراد أن مستقر المنى هناك فهو ضعيف، لأن مستقر المنى هو أوعية
المنى، وهى عروق ملتف بعضها بالبعض عند البيضتين، وإن كان المراد أن مخرج المنى هناك فهو
ضعيف، لأن الحس يدل على أنه ليس كذلك (الجواب) لا شك أن أعظم الأعضاء معونة
فى توليد المعنى هو الدماغ، والمدماغ خليفة وهى النخاع وهو فى الصلب ، وله شعب كثيرة نازلة

١٣١
قوله تعالى : إنه على رجعه لقادر. سورة الطارق.
٠٠ ٠٠
إِنَّهُ, عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرُ
إلى مقدم البدن وهو التربية ، فلهذا السبب خص الله تعالى هذين العضوين بالذكر، على أن كلامكم
فى كيفية تولد المنى ، وكيفية تولد الأعضاء من المنى محض الوهم والظن الضعيف، وكلام الله
تعالى أولى بالقبول .
( المسألة الخامسة) قد بينا فى مواضع من هذا الكتاب أن دلالة تولد الإنسان عن
النطفة على وجود الصانع المختار من أظهر الدلائل ، لوجوه (أحدها ) أن التركيبات العجيبة
فى بدن الإنسان أكثر ، فيكون تولده عن المادة البسيطة أدل على القادر المختار (وثانيها)
أن اطلاع الانسان على أحوال نفسه أكثر من اطلاعه على أحوال غيره ، فلا جرم كانت
هذه الدلالة أنم ( وثالثها) أن مشاهدة الإنسان لهذه الأحوال فى أولاده وأولاد سائر الحيوانات
دائمة ، فكان الاستدلال به على الصانع المختار أقوى (ورابعها) وهو أن الاستدلال
بهذا الباب، كما أنه يدل قطعاً على وجود الصانع المختار الحكيم، فكذلك يدل قطعاً على صحة البعث
والحشر والنشر، وذلك لأن حدوث الإنسان إنما كان بسبب اجتماع أجزاء كانت متفرقة فى بدن
الوالدين، بل فى جميع العالم، فلما قدر الصانع على جميع تلك الأجزاء المتفرفة حتى خلق منها إنساناً
سوياً، وجب أن يقال إنه بعد موته وتفرق أجزائه لا بد وأن يقدر الصانع على جمع تلك الأجزاء
وجعلها خلقاً سوياً ، كما كان أولا ولهذا السر لما بين تعالى دلالته على المبدأ، فرع عليه أيضاً
دلالته على صحة المعاد ،
فقال ﴿ إنه على رجعه القادر ) وفيه مسألتان :
﴿ المسألة الأولى﴾ الضمير فى أنه للخالق مع أنه لم يتقدم ذكره، والسبب فيه وجهان (الأول)
دلالة خلق عليه ، والمعنى أن ذلك الذى خلق قادر على رجعه ( الثانى) أنه وإن لم يتقدم ذكره
لفظاً ، ولكن تقدم ذكر ما يدل عليه سبحانه، وقد تقرر فى بدائة العقول أن القادر على هذه
التصرفات، هو الله سبحانه وتعالى، فلما كان ذلك فى غاية الظهور كان كالمذكور.
المسألة الثانية﴾ الرجع . صدر رجعت الشىء إذا رددته، والكتابة فى قوله على رجعه
إلى أى شىء ترجع؟ فيه وجهان ( أو !)) وهو الأقرب أنه راجع إلى الإنسان، والمعنى أن الذى
قدر على خلق الإنسان ابتداء وجب أن يقدر بعد موته على رده حياً، وهو كقوله تعالى ( قل
يحييها الذى أنشأها أول مرة) وقوله ( وهو أهون عليه) (وثانيهما) أن الضمير غير عائد إلى
الإنسان، ثم قال مجاهد قادر على أن يرد الماء فى الإحليل، وقال عكرمة والضحاك على أن يرد
الماء فى الصلب. وروى أيضاً عن الضحاك أنه قادر على رد الإنسان ماء كما كان قبل، وقال
مقاتل بن حيان ، إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبا ، ومن الصبا

١٣٢
قوله تعالى : يوم تبعلى السرائبر. سورة الطارق.
يَوْمَ تُبْلَى الَّرَآءُ ٣ ◌َالَهُو مِن قَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ ثـ
إلى النطفة، واعلم أن القول الأول أصح، ويشهد لهقوله ( يوم قبلى السرائر) أى أنه قادر على بعثه
يوم القيامة، ثم إنه سبحانه لما أقام الدليل على صحة القول بالبعث والقيامة، وصف حاله فى ذلك اليوم
فقال ﴿ يوم قبلى السرائر، فما له من قرة ولا ناصر﴾ وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ (يوم) منصوب برجعه ومن جعل الضمير فى رجعه للمساء وفسره برجعه
إلى مخرجه من الصلب والترائب أو إلى الحالة الأولى نصب الظرف بقوله (فماله من قوة) أى
ماله من قوة ذلك اليوم .
﴿ المسألة الثانية﴾ (تبلى) أى تختبر، والسزائر ما أسر فى القلوب من العقائد والنيات، وما أخفى
من الأعمال، وفى كيفية الابتلاء والاختبار ههنا أقوال:
﴿ الأول ) ما ذكره القفال معنى الاختبار ههنا أن أعمال الانسان يوم القيامة تعرض عليه
وينظر أيضاً فى الصحيفة التى كتبت الملائكة فيها تفاصيل أعمالهم ليعلم أن المذكور هل هو مطابق
للمكتوب ، ولما كانت المحاسبة يوم القيامة واقعة على هذا الوجه جاز أن يسمى هذا المعنى ابتلاء،
وهذه التسمية غير بعيدة لعباده لأنها ابتلاء وامتحان ، وإن كان عالماً بتفاصيل ماعملوه وما لم يعملوه.
﴿ والوجه الثانى) أن الأفعال إنما يستحق عليها الثواب والعقاب لوجوهها، فرب فعل يكون
ظاهره حسناً وباطنه قبيحاً ، وربما كان بالعكس . فاختبارها ما يعتبر بين تلك الوجوه المتعارضة
من المعارضة والترجيح، حتى يظهر أن الوجه الراجح ما هو ، والمرجوح ماهو .
﴿ الثالث) قال أبو مسلم بلوت يقع على إظهار الشىء ويقع على امتحانه كقوله (ونيلو
أخباركم) وقوله ( ولنبلونكم) ثم قال المفسرون (السرائر) التى تكون بين الله وبين العبد تختبر
يوم القيامة حتى يظهر خبرها من سرها ومؤديها من مضيعها ، وهذا معنى قول ابن عمر رضى الله
عنهما : يبدى الله يوم القيامة كل سرمنها ، فيكون ذيناً فى الوجوه وشينا فى الوجوه، يعنى من أداما
كان وجهه مشرقاً ومن ضيعها كان وجه أغبر .
المسألة الثالثة) دليت الآية على أنه لا قوة للعبد ذلك اليوم، لأن قوة الانسان إما أن
تكون له لذاته أو مستفادة من غيره، فالأول منفى بقوله تعالى (فماله من قوة) والثانى منفى
بقوله ( ولا ناصر) والمعنى ماله من قوة يدفع بها عن نفسه ماحل من العذاب ( ولا ناصر)
ینصره فى دفعه ولا شك أنه ز جر وتحذير ، ومعنى دخول من فى قوله (من قوة) على وجه النفى
لقليل ذلك وكثيره ، كأنه قيل ماله من شىء من القوة ولا أحد من الأنصار.
المسألة الرابعة ) يمكن أن يتمسك بهذه الآية فى نفى الشفاعة، كقوله تعالى (وانقوا
يوماً لاتجزى نفس عن نفس شيئاً) إلى قوله (ولا هم ينصرون)، (الجواب) ما تقدم،

١٣٣
قوله تعالى : والسماء ذات الرجع. سورة الطارق.
وَالَّمَآءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (٨) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ه ◌ِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلُ (َ)
وَأَكِيدُ كَبْدًا ي ◌َهِّلٍ
وَمَا هُوَ بِالْهَزّلِ (٨) ◌ِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا نَ﴾
الْكَفِرِينَ أَمْهِلُهُمْ رُوَيِدّاً
قوله تعالى: ﴿والسماء ذات الرجع، والأرض ذات الصدع، إنه لقول فصل، وما هو بالهزل
إنهم یکیدون کیداً، وأ کید کیداً، فهل الكافرين أمهلهم رويداً
أعلم أنه سبحانه وتعالى لما فرغ من دليل التوحيد، والمعاد أقسم قسما آخر. أما قوله ( والسماء
ذات الرجع) فنقول: قال الزجاج الرجع المطر لأنه يجى. ويتكرر. واعلم أن كلام الزجاج وسائر
أئمة اللغة صريح فى أن الرجع ليس اسماً موضوعاً للمطر بل سمى رجعاً على سبيل المجاز، ولحسن
هذا الجاز وجوه (أحدها ) قال القفال كأنه من ترجيع الصوت وهو إعادته ووصل الحروف
به، فكذا المطر لكونه عائداً مرة بعد أخرى سمى رجعاً (وثانيها) أن العرب كانوا يزعمون أن
السحاب يحمل الماء من بحار الأرض ثم يرجعه إلى الأرض (وثالثها) أنهم أرادوا التفاؤل
فسموه رجعاً ليرجع ( ورابعها) أن المطر يرجع فى كل عام ، إذا عرفت هذا فنقول للفسرين
أقوال (أحدها) قال ابن عباس ( والسماء ذات الرجع ) أى ذات المطر يرجع لمطر يعد مطر
(وثانيها) رجع السماء إعطاء الخير الذى يكون من جهتها حالا بعدحال على مرور الأزمان ترجعه
رجعاً، أى تعطيه مرة بعد مرة ( وثالثها) قال ابن زيد هو أنها ترد وترجع شمسها وقرها بعد
مغيبهما، والقول هو الأول، أما قوله تعالى (والأرض ذات الصدع) فاعلم أن الصدع هو الشق
ومنه قوله تعالى ( يومئذ يصدعون) أى يتفرقون والمفسرين أقوال قال ابن عباس تنشق عن
النبات والأشجار، وقال مجاهد: هو الجبلان بينهما شق وطريق نافذ. كما قال تعالى ( وجعلنا فيها.
نجاجاً سبلا) وقال الليث: الصدع نبات الأرض ، لأنه يصدع الأرض فتنصدع به ، وعلى هذا
سمى النبات صدعاً لأنه صادع للأرض ، واعلم أنه سبحانه كما جعل ، كيفية خلقة الحيوان دليلا
على معرفة المبدأوالمعاد، ذكر فى هذا القسم كيفية خلقة النبات، فالسماءذات الرجع كالأب، والأرض
ذات الصدع كالأم وكلاهما من النعم العظام لأن نعم الدنيا موقوفة على ماينزل من السماء من
المطر متكرراً، وعلى ما يقبت من الأرض كذلك ، ثم إنه تعالى أردف هذا القسم بالمقسم عليه
فقال ( إنه لقول فصل ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى ﴾ فى هذا الضمير قولان :
( الأول) ما قال القفال وهو أن المعنى أن ما أخبر تكم به من قدرتی علی احیائكم فى اليوم

١٣٤
قوله تعالى : إنه لقول فصل. سورة الطارق.
الذى تبلى فيه سرائكم قول فصل وحق .
﴿ والثانى) أنه عائد إلى القرآن أى القرآن فاصل بين الحق والباطل كما قيل له فرقان، والأول
أولى لأن عود الضمير إلى المذكور السالف أولى .
المسألة الثانية﴾ (قول فصل) أى حكم ينفصل به الحق عن الباطل، ومنه فصل الخصومات
وهو قطعها بالحكم ، ويقال هذا قول فصل أى قاطع المراء والنزاع، وقال بعض المفسرين معناه أنه
جد حق لقوله ( وما هو بالهزل) أى باللعب. والمعنى أن القرآن أنزل بالجد ، ولم ينزل باللعب،
ثم قال ( وما هو بالهزل) والمعنى أن البيان الفصل قد يذكر على سبيل الجد والاهتمام بشأنه
وقد يكون على غير سبيل الجد وهذا الموضع من ذلك، ثم قال (إنهم يكيدون كيداً) وذلك الكيد
على وجوه. منها بالقاء الشبهات كقولهم ( إن هى إلا حياتنا الدنيا ، من يحيي العظام وهي رميم ،
أجعل الآلهة إلهاً واحداً، لولا نزل هذا القرآن على رجل من الفرينين عظيم، فهى تملى عليه بكرة
وأصيلا) ومنها بالطعن فيه بكونه ساحراً وشاعراً ومجنوناً، ومنها بقصد قتله على ما قاله (وإذ يمكر
بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك) ثم قال (وأكيد كيداً).
واعلم أن الكيد فى حق اللّه تعالى محمول على وجوه: ( أحدها ) دفعه تعالى كيد الكفرة عن
محمد عليه الصلاة والسلام ويقابل ذلك الكيد بنصرته وإعلاء دينه تسمية لأحد المتقابلين باسم
كقوله تعالى ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) وقال الشاعر:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وكقوله تعالى ( نسوا الله فأنساهم أنفسهم، يخادعون الله وهو خادعهم) (وثانيها ) أن كيده
تعالى بهم هو امهاله إياهم على كفرهم حتى يأخذهم على غرة. ثم قال (فهل الكافرين ) أى لا تدع
بهلاكهم ولا نستعجل ، ثم إنه تعالى لما أمره باعهالهم بين أن ذلك الإمهال المأمور به قليل، فقال
(أمهلهم رويداً) فكرر وخالف بين اللفظين لزيادة التسكين من الرسول عليه الصلاة والسلام
والتصبر وههنا مسائل :
المسألة الأولى﴾ قال أبو عبيدة: إن تکیر رويد رود. وأنشد:
يمشى ولا تكلم البطحاء مشيته كأنه ثمل يمشى على ورد
أى على مهلة ورفق وتؤدة ، وذكر أبو على فى باب أسماء الأفعال رويداً زيداً يريد أرود
زيداً ، ومعناه أمهله وأرفق به ، قال النحويون رويد فى كلام العرب على ثلاثة أوجه (أحدها) أن
يكون اسما للأمر كقولك رويد زيداً تريد أرود زيد أى خله ودعه وارفق به ولا تنصرف رويد
فى هذا الوجه لأنها غير متمكنة ( والثانى ) أن يكون بمنزلة سائر المصادر فيضاف إلى ما بعده كما
تضاف المصادر تقول رويد زيد. كمانقول ضرب زيد قال تعالى (فضرب الرقاب)، (والثالث) أن
يكون نعتاً منصوباً كقولك ساروا سيراً رويداً، ويقولون أيضاً ساروا رويداً، يحذفون المنعوت

١٣٥
قوله تعالى : فمهل الكافرين امهلهم رويدا. سورة الطارق.
ويقيمون رويداً مقامه كما يفعلون بسائر النعوت المتمكنة ، ومن ذلك قول العرب ضعه رويداً أى
وضعاً رويداً ، وتقول للرجل يعالج الشىء الشىء رويداً، أى علاجا رويداً، ويجوز فى هذا الوجه
أمران (أحدهما) أن يكون رويداً حالا ( والثانى) أن يكون نعتاً فإن أظهرت المنعوت لم يجز
أن يكون للحال ، والذى فى الآية هو ماذكرنا فى الوجه الثالث، لأنه يجوز أن يكون فعتاً للمصدر
كأنه قيل إمهالا رويداً، ويجوز أن يكون الحال أى أمهلهم غير مستعجل .
المسألة الثانية﴾ منهم من قال (أمهلهم رويداً) إلى يوم القيامة وإنما صغر ذلك من حيث
علم أن كل ما هو آت قريب، ومنهم من قال: أمهلهم رويداً إلى يوم بدر والأول أولى، لأن الذى
جرى يوم بدر وفى سائر الغزوات لا يعم الكل ، وإذا حمل على أمر الآخرة غم الكل، ولا يمتنع مع
ذلك أن يدخل فى جملته أمر الدنيا ، مما نالهم يوم بدر وغيره . وكل ذلك زجر وتحذير للقوم، وكما
أنه تحذير لهم فهو ترغيب فى خلاف طريقهم فى الطاعات ، والله سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى الله
على سيدنا محمد وعلىآله وصحبه وسلم .
سقادرين

ر۔
١٣٦
سورة الاعلى
(٨٧) سُورة الأعلى مَكَيَّة
وَآَيَاتِهَا بِع عَشِرَة
إِلَّهِالرَّحْمنِالرَّحِيمِ
سَبِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى ( وَأَلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى
وَالَّذِىّ أَخْرَجَ الْمَرْعَى ج ◌َعَلَهُ غُثَاءُ أَحْوَى
٣
بسم الله الرحمن الرحيم
سبح اسم ربك الأعلى ، الذى خلق فسوى، والذى قدر فهدى ، والذى أخرج المرعى،
نجعله عشاء أحوى) اعلم أن قوله تعالى ( سبح اسم ربك الأعلى) فيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ فى قوله (اسم ربك) قولان (أحدهما) أن المراد الأمر بتنزيه اسم الله
وتقديسه ( والثانى) أن الاسم صلة والمراد الأمر بتنزيه الله تعالى. أما على الوجه الأول ففى
اللفظ احتمالات (أحدما) أن المراد نزه اسم ربك عن أن تسمى به غيره، فيكون ذلك نهياً
على أن يدعى غيره باسمه، كما كان المشركون يسمون الصنم باللات، ومسيلمة برحمان اليمامة (وثانيها)
أن لا يفسر أسماءه بما لا يصح ثبوته فى حقه سبحانه نحو أن يفسر الأعلى بالعلو فى المكان والاستواء
بالاستقرار بل يفسر العلو بالقهر والاقتداء والاستواء بالاستيلاء ( وثالثها) أن يصان عن
الابتذال والذكر لا على وجه الخشوع والتعظيم، ويدخل فيه أن يذكر تلك الأسماء عند الغفلة
وعدم الوقوف على معانيها وحقائقها ( ورابعها) أن يكون المراد بسبح باسم ربك ، أى مجده
بأسمائه التى أنزلتها عليك وعرفتك أنها أسماؤه كقوله ( قل ادعوا الله أو أدعوا الرحمن) ونظير
هذا التأويل قوله تعالى ( فسبح باسم ربك العظيم) ومقصود الكلام من هذا التأويل أمران :
( أحدهما ) سبح اسم ربك الأعلى. أى صل باسم ربك، لا كما يصلى المشركون بالمكاء والتصدية
.( والثانى) أن لا يذكر العبد ربه إلا بأسماء التى ورد التوقيف بها، قال الفراء: لا فرق بين
( سبح اسم ربك) وبين ( سبح باسم ربك) قال الواحدى وبينهما فرق لأن معنى (سبح باسم
ربك ) نزه اللّه تعالى بذكر اسمه المنىء عن تنزيه وعلوه عما يقول المبطلون، و (سبح اسم ربك)
أى نزه الاسم من السوء ( وخامسها) قال أبو مسلم المراد من الاسم ههنا الصفة، وكذا فى

١٣٧
قوله تعالى : سبح اسم ربك الأعلى. سورة الاعلى.
قوله تعالى ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) أما على الوجه الثانى وهو أن يكون الاسم صلة
ويكون المعنى سبح ربك وهو اختيار جمع من المحققين، قالوا لأن الإسم فى الحقيقة لفظة مؤلفة
من حروف ولا يجب تنزيهها كما يجب فى اللّه تعالى، ولكن المذكور إذا كان فى غاية العظمة
لا يذكر هو بل يذكر إسمه فيقال سبح اسمه، ومجد ذكره، كما يقال سلام على المجلس العالى،
وقال لبيد :
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما
أى السلام وهذه طريقة مشهورة فى اللغة، ونقول على هذا الوجه تسبيح الله يحتمل وجهين
(الأول) أن لا يعامل الكفار معاملة يقدمون بسببها على ذكر الله بمنا لا ينبغى على ما قال ( ولا
تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم)، (الثانى) أنه عبارة عن تنزيه الله
تعالی عن كل مالا يليق به ، فى ذاته وفى صفاته رفى أفعاله ، وفى أسمائه وفى أحكامه، أما فى ذاته
فأن يعتقد أنها ليست من الجواهر والأعراض، وأما فى صفاته، فأن يعتقد أنها ليست محدثة ولا
متناهية ولا ناقصة ، وأما فى أفعاله فأن يعتقد أنه مالك مطلق، فلا اعتراض لأحد عليه فى أمر من
الأمور، وقالت المعتزلة هو أن يعتقد أن كل ما فعله فهو صواب حسن، وأنه لا يفعل القبيح
ولا يرضى به ، وأما فى أسمائه فأن لا يذكر سبحانه إلا بالأسماء التى ورد التوقيف بها، هذا عندنا
وأما عند المعتزلة فهو أن لا يذكر إلا بالأسماء التى لا توهم نقصاً بوجه من الوجوه سواء ورد الإذن
بها أو لم يرد، وأما فى أحكامه فهو أن يعلم أنه ما كلفنا لنفع يعود إليه. بل إما لمحض المالكية على
ماهو قولنا ، أو لرعاية مصالح العباد على ما [هو] قول المعتزلة .
﴿ المسألة الثانية﴾ من الناس من تمسك بهذه الآية فى أن الإسم نفس المسمى، فأقول إن
الخوض فى الاستدلال لا يمكن إلا بعد تلخيص محل النزاع، فلا بد ههنا من بيان أن الإسم ما هو
والمسمى ما هو حتى يمكننا أن نخوض فى الإسم هل هو نفس المسمى أم لا، فنقول , وإن كان
المراد من الإسم هو هذا اللفظ، وبالمسمى تلك الذات ، فالعاقل لا يمكنه أن يقول الاسم هو
المسمى، وإن كان المراد من الاسم هو تلك الذات، وبالمسمى أيضاً تلك الذات كان قولنا الاسم
نفس المسمى ، هو أن تلك الذات نفس تلك الذات، وهذا لا يمكن أن ينازع فيه عاقل ، فعلمنا أن
هذه المسألة فى وصفها ركيكة . وإن كان كذلك كان الخوض فى ذكر الاستدلال عليه أرك وأبعد
بلى ههنا دقيقة، وهى أن قولنا اسم لفظة جعلناها اسماً لكل مادل على معنى غير مقترن بزمان، والاسم
كذلك فيلزم أن يكون الاسم إسماً لنفسه فههنا الاسم نفس المسمى فلعل العلماء الأولين ذكروا ذلك
فاشتبه الأمر على المتأخرين، وظنوا أن الاسم فى جميع المواضع نفس المسمى، هذا حاصل التحقيق
فى هذه المسألة ، ولنرجع إلى الكلام المألوف، قالوا الذى يدل على أن الاسم نفس المسمى أن
أحداً لا يقول سبحان اسم الله وسبحان اسم ربنا فمعنى سبح اسم ربك سبح ربك ، والرب أيضاً
اسم فلو كان غير المسمى لم يجز أن يقع التسبيح عليه ، واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف لما بينا

١٣٨
قوله تعالى : سبح اسم ربك الأعلى. سورة الاعلى.
فى المسألة الأولى أنه يمكن أن يكون الأمر وارداً بتسبيح الاسم، ويمكن أن يكون المراد تسبيح
المسمى وذكر الاسم صلة فيه. ويمكن أن يكون المراد سبح باسم ربك كما يقال (فسبح باسم ربك
العظيم ) ويكون المعنى سبح ربك بذكر أسمائه.
﴿ المسألة الثالثة) روى عن عقبة بن عامر أنه لما نزل قوله تعالى (فسبح اسم ربك العظيم)
قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ((اجعلوها فى ركوعكم)) ولما نزل قوله ( سبح اسم ربك
الأعلى) قال ((اجعلوها فى سجود كم)) ثم روى فى الأخبار أنه عليه السلام كان يقول فى ركوعه
((سبحان ربي العظيم) وفى سجوده ((سبحان ربي الأعلى)) ثم من العلماء من قال إن هذه الأحاديث
تدل على أن المراد من قوله ( سبح اسم ربك) أى صل باسم وبك، ويتأكد هذا الاحتمال بإطباق
المفسرين على أن قوله تعالى (فسبحان الله حين تمون وحين تصبحون) ورد فى بيان أوقات الصلاة.
المسألة الرابعة﴾ قرأ على عليه السلام وابن عمر ( سبحان الأعلى، الذى خلق فسوى) ولعل
الوجه فيه أن قوله (سح) أمر بالتسبيح فلا بد وأن يذكر ذلك التسبيح وما هو إلا قوله سبحان
ربی الأعلى.
﴿ المسألة الخامسة﴾ تمسكت المجسمة فى إثبات العلو بالمكان بقوله (ربك الأعلى) والحق
أن العلو بالجهة على اللّه تعالى محال، لأنه تعالى إما أن يكون متناهياً أو غير متناه ، فإن كان متناهياً
كان طرفه الفوقانى متناهياً ، فكان فوقه جهة فلا يكون هو سبحانه أعلى من جميع الأشياء وأما
إن كان غير متناه فالقول بوجود أبعاد غير متناهية محال وأيضاً فلأنه إن كان غير متناه من جميع
الجهات يلزم أن تكون ذاته تعالى مخالطة بالقاذورات تعالى اللّه عنه، وإن كان غير متناه
من بعض الجهات ومتناهياً من بعض الجهات كان الجانب المتناهى مغايراً للجانب غير المتناهى
فيكون مركباً من جزأين، وكل من كب ممكن، فواجب الوجود لذاته ممكن الوجود ، هذا محال.
فثبت أن العلوههنا ليس بمعنى العلو فى الجهة، مما يؤكد ذلك أن ما قبل هذه الآية وما بعدها
ينافى أن يكون المراد هو العلو بالجهة ، أما ما قبل الآية «لأن العلو عبارة عن كونه فى غاية البعد
عن العالم ، وهذا لا يناسب استحقاق التسبيح والثناء والتعظيم، أما العلو بمعنى كمال القدرة والتفرد
بالتخليق والإبداع فيناسب ذلك ، والسورة ههنا مذ كورة لبيان وصفه تعالى بما لأجله يستحق
الحمد والثناء والتعظيم، وأما ما بعد هذه الآية فلأنه أردف قوله (الأعلى) بقوله (الذى خلق فسوى)
والخالقية تناسب العلو بحسب القدرة لا العلو بحسب الجهة .
المسألة السادسة) من الملحدين من قال: بأن القرآن مشعر بأن العالم ربين أحدهما عظيم
والآخر أعلى منه، أما العظيم فقوله ( فسبح باسم ربك العظيم ) وأما الأعلى منه فقوله ( سبح اسم
ربك الأعلى ) فهذا يقتضى وجود رب آخر يكون هذا أعلى بالنسبة إليه .
واعلم أنه لما دلت الدلائل على أن الصانع تعالى واحد سقط هذا السؤال، ثم نقول ليس فى

١٣٩
قوله تعالى : سبح اسم ربك الأعلى. سورة الاعلى.
هذه الآية أنه سبحانه وتعالى أعلى من رب آخر ، بل ليس فيه إلا أنه أعلى ، ثم لنا فيه تأويلات
﴿ الأول) أنه تعالى أعلى وأجل وأعظم من كل ما يصفه به الواصفون، ومن كل ذكر
يذكره به الذاكرون، خلال كبريائه أعلى من معارفنا وإدراكاتنا، وأصناف آلائه ونعمائه أعلى
من حمدنا وشكرنا ، وأنواع حقوقه أعلى من طاعاتنا وأعمالنا .
﴿ الثانى) أن قوله (الأعلى) تنبيه على استحقاق الله التنزيه من كل نقص فكانه قال سبحانه
فإنه (الأعلى) أى فإنه العالى على كل شىء بملكه وسلطانه وقدرته ، وهو كما تقول اجتنبت الخمر
المزيلة للعقل أى اجتمبتها بسبب كونها مزيلة للعقل.
﴿ والثالث) أن يكون المراد بالأعلى العالى كما أن المراد يالأ كبر الكبير.
﴿ المسألة السابعة﴾ روى أنه عليه السلام كان يحب هذه السورة ويقول (لو علم الناس علم
سبح اسم ربك الأعلى لرددها أحدهم ست عشرة مرة)) وروى)) أن عائشة مرت بأعراب يصلى
بأصحابه فتقرأ (سبح اسم ربك الأعلى، الذى يسر على الحبلى، فأخرج منها نسمة تسعى ، من بين
صفاق وحشا ، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ، ألا بلى ألا بلى) فقالت عائشة لا آب غائبكم.
ولا زالت نساؤكم فى لزبة)) والله أعلم .
أما قوله تعالى (الذى خلق فسوى، والذى قدر فهدى) فاعلم أنه سبحانه وتعالى لما أمر
بالت-بيح، فكان سائلا قال: الاشتغال بالتسبيح إنما يكون بعد المعرفة، فما الدليل على وجود
الرب ؟ فقال (الذى خلق فسوى، والذى قدر فهدى) واعلم أن الاستدلال بالخلق والهداية هى
الطريقة المتعمدة عند أكابر الأنبياء عليهم السلام، والدليل عليه ما حكى الله تعالى عن إبراهيم
عليه السلام، أنه قال (الذى خلقى فهو يهدين) وحكى عن فرعون أنه لما قال لموسى وهرون
عليهما السلام (فمن ربكما يا موسى)؟ قال موسى عليه السلام (ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم
هدى) وأما محمد عليه السلام فانه تعالى أول ما أنزل عليه هو قوله ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ،
خلق الإنسان من علق ) هذا إشارة إلى الخلق ، ثم قال ( اقرأ وربك الأكرم، الذى علم بالقلم )
وهذا إشارة إلى الهداية، ثم إنه تعالى أعاد ذكر تلك الحجة فى هذه السورة ، فقال ( الذى خلق
فسوى، والذى قدَر فهدى) وإنما وقع الاستدلال بهذه الطريقة كثيراً لما ذكرنا أن العجائب
والغرائب فى هذه الطريقة أكثر، ومشاهدة الإنسان لها، واطلاعه عليها أتم، فلا جرم كانت
أقوى في الدلالة ، ثم ههنا مسائل :
المسألة الأولى﴾ قوله ( خلق فسوى) يحتمل أن يريد به الناس خاصة ، ويحتمل أن يريد
الحيوان، ويحتمل أن يريد كل شىء خلفه، فمن حمله على الإنسان ذكر للتسوية وجوهاً (أحدها)
أنه جعل قامته مستوية معتدلة وخلقته حسنة ، على ما قال ( لقد خلفنا الإنسان فى أحسن تقويم)
وأثى على نفسه بسبب خلقه إياه، فقال ( فتبارك الله أحسن الخالقين)، (وثانيها ) أن كل حيوان

١٤٠
قوله تعالى : والذي قدر فهدى. سورة الاعلى.
فإنه مستعد لنوع واحد من الأعمال فقط ، وغير مستعد لسائر الأعمال ، أما الإنسان فإنه خلق
بحيث يمكنه أن يأتى بجميع أفعال الحيوانات بواسطة آلات مختلفة فالقسوية إشارة إلى هذا (وثالثها)
أنه هيأ للتكليف والقيام بأداء العبادات، وأما من حمله على جميع الحيوانات. قال المراد أنه أعطى
كل حيوان ما يحتاج إليه من أعضاء وآلات وحواس ، وقد استقصينا القول فى هذا الباب فى
مواضع كثيرة من هذا الكتاب، وأما من حمله على جميع المخلوقات ، قال المراد من التسوية هو
أنه تعالى قادر على كل الممكنات عالم بجميع المعلومات ، خلق ما أراد على وفق ما أرد موصوفاً
بوصف الأحكام والإتقان ، مبرأ عن الفسخ والاضطراب.
المسألة الثانية﴾ قرأ الجمهور (قدر) مشددة وقرأ الكسائى على التخفيف، أما قراءة التشديد
فالمعنى أنه قدر كل شىء بمقدار معلوم ، وأما التخفيف. فقال القفال معناه ملك فهدى وتأويله: أنه
خلق فسوى ، وملك ما خلق ، أى تصرف فيه كيف شاء وأراد ، وهذا هو الملك فهداه لمنافعه
ومصالحه، ومنهم من قال هما لغتان بمعنى واحد، وعليه قوله تعالى (فقدرنا فنعم القادرون)
بالتشديد والتخفيف .
﴿ المسألة الثالثة) أن قوله (قدر) يتناول المخلوقات فى ذواتها وصفاتها كل واحد على حسبه
فقدر السموات والكواكب والعناصر والمعادن والنبات والحيوان والانسان بمقدار مخصوص
من الجثة والعظم ، وقدر لكل واحد منها من البقاء مدة معلومة ومن الصفات والألوان والطعوم
والروائح والأيون والأوضاع والحسن والقبح والسعادة والشقاوة والهداية والضلالة مقداراً
معلوماً على ما قال ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه، وما ننزله إلا بقدر معلوم) وتفصيل هذه
الجملة مما لا يفى بشرحه المجلدات ، بل العالم كله من أعلى أعليين إلى أسفل السافلين ، تفسير هذه
الآية . وتفصيل هذه الجملة .
أما قوله (فهدى) فالمراد أن كل مزاج فانه مستعد لقوة خاصة وكل قوة فانها لا تصلح إلا لفعل
معين ، فالتسوية والتقدير عبارة عن التصرف فى الأجزاء الجسمانية وتركيبها على وجه خاص لأجله
تستعد لقبول تلك القوى، وقوله (فهدى) عبارة عن خلق تلك القوى فى تلك الأعضاء بحيث
تكون كل قوة مصدراً لفعل معين ، ويحصل من مجموعها تمام المصلحة ، والمفسرين فيه وجوه، قال
مقاتل : هدى الذكر الأنثى كيف يأتيها ، وقال آخرون هداه للمعيشة ورعاه، وقال آخرون هدى
الانسان لسبل الخير والشر والسعاة والشقاوة، وذلك لأنه جعله حساساً دراكامت كناً من الإقدام
على ما يسره والإحجام عما يسوءه كما قال (إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً) وقال (ونفس
وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها) وقال السدى: قدر مدة الجنين فى الرحم ثم هداه للخروج وقال الفراء
قدر فهدى وأضل ، فاكتفى بذكر (أحداهما) كقوله (سراييل تقيكم الحر) وقال آخرون الهداية
بمعنى الدعاء إلى الإيمان كقوله ( وإنك لتهدى) أى تدعو، وقد دعى الكل إلى الإيمان، وقال