النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١
قوله تعالى : وفى ذلك فليتنافس المتنافسون. سورة المطففين.
الشهوة، فلعل المراد منه الإشارة إلى قوة شهوتهم وصحة أبدانهم، وهذا القول رواه سعيد بن جبير
عن الأسود عن عائشة تقول المرأة لقد أخذت ختم طينى، أى لقد أخذت أخلاط طينى، قال
أبو الدرداء هو شراب أبيض مثل الفضة، يختمون به آخر شربهم، لو أن رجلا من أهل الدنيا
أدخل فيه يده ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد طيب ريحه .
﴿ الصفة الثانية) قوله تعالى (وفى ذلك فليتنافس المتنافسون) قال الواحدى: يقال نفست
عليه الشىء أنفسه نفاشة إذا ضنفت به ولم تحب أن يصير إليه، والتنافس تفاعل منه كان كل واحد
من الشخصين يريد أن يستأر به، والمعنى : وفى ذلك فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله.
واعلم أن مبالغة الله تعالى فى الترغيب فيه تدل على علو شأنه ، وفيه إشارة إلى أن التنافس
يحب أن يكون فى مثل ذلك النعيم العظيم الدائم ، لا فى النعيم الذى هو مكدر سريع الفناء.
﴿ الصفة الرابعة) قوله تعالى (ومزاجه من تسنيم) وفيه مسائل:
المسألة الأولى﴾ تذيم علم لعين بعينها فى الجنة سميت بالتسليم الذى هو مصدر سنمه إذا
رفعه، إما لأنها أرفع شراب فى الجنة، وإما لأنها تأتيهم من فرق، على ماروى أنها تجرى فى الهواء
مسنمة فتنصب فى أوانيهم، وإما لأنها لأجل كثرة ملئها وسرعته تعلو على كل شىء تمر به وهو
تسليمه، أو لأنه عند الجرى برى فيه ارتفاع وانخفاض، فه القسليم أيضاً، وذلك لأن أصل هذه
الكلمة للعلو والارتفاع ، ومنه سنام البعير وتسنمت الحائط إذا علوته ، وأما قول المفسرين،
فروى ميمون بن مهران أن ابن عباس سأل عن تسليم، فقال هذاما يقول الله (فلا تعلم نفس
ما أخفى لهم من قرة أعين ) ويقرب منه ما قال الحسن وهو أنه أمر أخفاه الله تعالى لأهل الجنة
قال الواحدى: وعلى هذا لا يعرف له اشتقاق وهو اسم معرفة، وعن عكرمة (من تسنيم)
من تشريف :
المسألة الثانية ﴾ أنه تعالى ذكر أن تسليم عين يشرب بها المقربون ، قال ابن عباس أشرف
شراب أهل الجنة هو تسليم، لأنه يشربه المقربون صرفاً، ويمزج لأصحاب اليمين.
واعلم أن الله تعالى لما قسم المكلفين فى سورة الواقعة إلى ثلاثة أقسام: المقربون، وأصحاب اليمين
وأصحاب الشمال، ثم إنه تعالى لما ذكر كرامة المذكورين فى هذه السورة بأنه يمزج شرابهم من
عين يشرب بها المقربون؛ علمنا أن المذكورين فى هذا الموضع هم أصحاب اليمين، وأقول هذا يدل
على أن الأنهار متفاوتة فى الفضيلة ، فتسليم أفضل أنهار الجنة ، والمقربون أفضل أهل الجنة ،
والتسليم فى الجنة الروحانية هو معرفة الله ولذة النظر إلى وجه الله الكريم، والرحيق هو الابتهاج
بمطالعة عالم الموجودات، فالمقربون لا يشربون إلا من التسليم، أى لا يشتغلون إلا بمطالعة وجهه
الكريم ، وأصحاب اليمين يكون شرابهم ممزوجاً، فتارة يكون نظرهم إليه وتارة إلى مخلوقاته .
{ المسألة الثالثة﴾ عينا أصب على المدح وقال الزجاج نصب على الحال، وقوله ( يشرب بها
المقربون) كقوله ( يشرب بها عباد الله ) وقد مر .
١٠٢
قوله تعالى : إن الذين أجرموا كانوا. سورة المطففين.
إِنَّ الَّذِينَ أَبْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ (﴾ وَإِذَا مَرُواْ بِهِمْ
يَتَغَامَنُونَ (﴾ وَ إِذَا انْقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِ مُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ ﴾ وَإِذَا رَأَوْهُمْ
ج فَالْيَوْمَ
وَمَا أَرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَفِظِينَ
٠٠٠أد
قَالُواْ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُونَ
٣٢
الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (﴾ عَلَى الْأَرَآَبِكِ يَنْظُرُونَ (٥﴾ هَلْ
ثُوِّبَ اَلْكُفَّارُمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ
قوله تعالى: ﴿إن الذين أجرمواكانوا من الذين آمنوا يضحكون، وإذا مروا بهم يتغامزون،
وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين ، وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء الضالون، وما أرسلوا عليهم
حافظين، فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون، على الأرائك ينظرن، هل ثوب الكفار
ما كانوا يفعلون) اعلم أنه سبحانه لما وصف كرامة الأبرار فى الآخرة ذكر بعد ذلك قبح
معاملة الكفار معهم فى الدنيا فى استهزائهم وضحكهم، ثم بين أن ذلك سينقلب على الكفار فى
الآخرة، والمقصود منه تسلية المؤمنين وتقوية قلوبهم ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى﴾ ذكروا فى سبب النزول وجهين (الأول) أن المراد من قوله (إن
الذين أجرموا) أكابر المشركين كأبى جهل والوليد بن المغيرة والعاصى بن وائل السهمى كانوا
يضحكونمن عمار وصهيب وبلال وغيرهم من فقراء المسلمين ويستهزئون بهم (الثانى) جاء على
عليه السلام فى نفر من المسلمين فخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم
فقالوا رأينا اليوم الأصلع فضحكوا منه، فنزلت هذه الآية قبل أن يصل على إلى رسول الله وم لائع
المسألة الثانية﴾ أنه تعالى حكى عنهم أربعة أشياء من المعاملات القبيحة (فأولها) قوله
إن الذين أجرمواكانوا من الذين آمنوا يضحكون أى يستهزئون بهم وبدينهم ( وثانيها) قوله
(وإذا مروا بهم يتغاءزون) أى يتفاعلون من الغمز، وهو الإشارة بالجفن والحاجب ويكون
الغمز أيضاً بمعنى العيب وغمزه إذا عابه ، وما فى فلان غميزة أى مايعاب به ، والمعنى أنهم يشيرون
إليهم بالأعين استهزاء ويعيبونهم، ويقولون انظروا إلى هؤلاء يتعبون أنفسهم ويحرمونها لذاتها
ويخاطرون بأنفسهم فى طلب ثواب لا يتيقنونه ( وثالثها) قوله تعالى ( وإذا انقلبوا إلى أملهم
انقلبوا فاكهين) معجبين بما هم فيه من الشرك والمعصية والتنعم بالدنيا، أو يتفكهون بذكر
المسلمين بالسوء، قرأ عاصم فى رواية حفص عنه (فكهين) بغير ألف فى هذا الموضع وحده ، وفى
١٠٣
قوله تعالى : على الأرائك ينظرون. سورة المطففين.
سائر القرآن (فا كهين) بالألف وقرأ الباقون فاكهين بالألف، فقيل هما لغتان ، وقيل فاكهين
أى متنعمين مشغولين بما هم فيه من الكفر والتنعم بالدنيا وفكهين معجبين (ورابعها) قوله
تعالى ( وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون) أى هم على ضلال فى تركهم التنعم الحاضر بسبب
طلب ثواب لا يدرى هل له وجود أم لا ، وهذا آخر ما حكاه تعالى عن الكفار .
ثم قال تعالى ( وما أرسلوا عليهم حافظين) يعنى أن الله تعالى لم يبعث هؤلاء الكفار رقباء
على المؤمنين ، يحفظون عليهم أحوالهم ويتفقدون ما يصنعونه من حق أو باطل ، فيعبون عليهم
ما يعتقدونه ضلالاً ، بل إنما أمروا بإصلاح أنفسهم .
قوله تعالى : ﴿ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون﴾ ففيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾ المعنى أن فى هذا اليوم الذى هو يوم تصقع الأعمال والمحاسبة يضحك
المؤمن من الكافر ، وفى سبب هذا الضحك وجوه (أحدها) أن الكفار كانوا يضحكون على
المؤمنين فى الدنيا بسبب ماهم فيه من الضر والبؤس، وفى الآخرة يضحك المؤمنين على الكافرين
بسبب ماهم فيه من أنواع العذاب والبلاء، ولأنهم علموا أنهم كانوا فى الدنيا على غیر شیء، وأنهم
قد باعوا باقياً بفان ويرون أنفسهم قدفازوا بالنعيم المقيم ونالوا بالتعب اليسير راحة الأبد، ودخلوا
الجنة فأجلسوا على الأرائك ينظرون إليهم كيف يعذبون فى النار وكيف يعطرخون فيها
ويدعون بالويل والثبور ويلعن بعضهم بعضاً (الثانى) قال أبو صالح بقال لأهل النار وهم فيها
اخرجوا وتفتح لهم أبوابها ، فإذا رأوها قد فتحت أقبلوا إليها يريدون الخروج ، والمؤمنون
ينظرون إليهم على الأرائك، فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم ، فذاك هو سبب الضحك.
﴿ المسألة الثانية) قوله (على الأرائك ينظرون ) حال من يضحكون أى يضحكون منهم
ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من الهوان والصغار بعد العزة والكبر.
ثم قال تعالى (هل ثوب الكفارما كانوا يفعلون) ثوب بمعنى أثيب أى اللّه المثيب ، قال أوش:
سأجزيك أو يجزيك عنى مثوب وحسبك أن يثنى عليك وتحمدى
قال المبرد: وهو فعل من الثواب، وهو ما يشوب أى يرجع إلى فاعله جزاء ما عمله من خير أو
شر، والثواب يستعمل فى المكافأة بالشر، ونشد أبو عبيدة:
ألا أبلغ أبا حسن رسولا فمالك لا تجىء إلى الثواب
والأولى أن يحمل ذلك على سبيل التهكم كقوله ( ذق إنك أنت العزيز الكريم) والمعنى كأنه
تعالى يقول للمؤمنين: هل جازينا الكفار على عملهم الذى كان من جملته ضحكهم بكم واستهزاؤهم
بطريقتكم، كما جازينا كم على أعمالكم الصالحة ؟ فيكون هذا القول زائداً فى سرورهم، لأنه يقتضى
زيادة فى تعظيمهم والاستفخفاف بأعدائهم، والمقصود منها أحوال القيامة. والله أعلم ...
١٠٤
سورة الانشقاق
(٨٤) سُورة الانشِفْاف مكِيَةْ
وآياتها خُسْ وَ عشرونَ
٩٠
٩ -
بِسُـ
إِذَا السَّمَاءُ أَنشَقَّتْ ﴾ وَأَذِنَتْ لِرَبِهَا وَحُقَّتْ (٣) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ
وَأَلْقَتْ مَافِيهَا وَتَخَلَّتْ ﴾ وَأَذِنَتْ لِهَا وَحُقّتْ
بسم الله الرحمن الرحيم
إذا السماء انشقت، وأذنت لربها وحقت، وإذا الأرض مدت، وألقت ما فيها وتخلت ،
وأذنت لربها وحقت﴾ .
أما انشقاق السماء فقد من شرحه فى مواضع من القرآن ، وعن على عليه السلام أنها تنشق من
المجرة، أما قوله ( وأذنت لربها) ومعنى أذن له استمع، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام (( ما أذن
اللّه لشىء كإذنه لنبى يتغنى بالقرآن)) وأنشد أبو عبيدة والمبرد والزجاج قول قعنب :
صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا
والمعنى أنه لم يوجد فى جرم السماء ما يمنع من تأثير قدرة الله تعالى فى شقها وتفريق
أجزائها ، فكانت فى قبول ذلك التاثير كالعبد الطائع الذى إذا ورد عليه الأمر من جهة المالك
أنصت له وأذعن ، ولم يمتنع فقوله (قالنا أتينا طائعين) يدل على نفاذ القدرة فى الإيجاد والإبداع
من غير ممانعة أصلا ، وقوله ههنا ( وأذنت لربها ) يدل على نفوذ القدرة فى التفريق والإعدام
والإفناء من غير ممانعة أصلا، وأما قوله ( وحقت ) فهو من قولك هو محقوق بكذا، وحقيق به .
يعنى وهى حقيقة بأن تنقاد ولا تمتنع وذلك لأنه جسم ، وكل جسم فهو يمكن لذاته وكل ممكن لذاته
فإن الوجود والعدم بالنسبة إليه على السوية ، وكل ما كان كذلك، كان ترجيح وجوده على عدمه
أو ترجيح عدمه على وجوده ، لابد وأن يكون بتأثير واجب الوجود وترجيحه ، فيكون تأثير
قدرته فى إيجاده، وإعدامه، نافذاً سارياً من غير مانعة أصلا، وأما الممكن فليس له إلا القبول
والاستعداد، ومثل هذا الشىء حقيق به أن يكون قابلا للوجود تارة، وللعدم أخرى من واجب
الوجود، أما قوله (وإذا الأرض مدت) ففيه وجهان (الأول) أنه مأخوذ من مد الشىء فامتد،
وهو أن تزال حبالها بالنسف كما قال (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربى نسفاً) يسوى
ظهرها، كما قال ( قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمنا) وعن ابن عباس مدت مد الأديم
١٠٥
قوله تعالى : يا ايها الانسان إنك كادح. سورة الانشقاق.
٦
يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ إِنَّكَ كَادِعُ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فُلَفِهِ
الكاظمی، لأن الآديم إذا مدزال كل انثناء فيه واستوى و(الثانى) أنه مأخوذ من مده بمعنى أمده
أى يزاد فى سعتها يوم القيامة لوقوف الخلائق عليها للحساب، واعلم أنه لا بد من الزيادة فى وجه
الأرض سواء كان ذلك بتمديدها أو بإمدادها، لأن خلف الأولين والآخرين لما كانوا واقفين يوم
القيامة على ظهرها ، فلا بد من الزيادة فى طولها وعرضها، أما قوله ( وألقت ما فيها) فالمعنى أنها
لما مدت رمت بما فى جوفها من الموتى والكنوز، وهو كقوله (وأخرجت الأرض أثقالها ،
وإذا القبور بعثرت، وبعثر ما فى القبور) وكقوله (ألم نجعل الأرض كفاتً أحياءاً وأمواتاً)
وأما قوله ( وتخلت ) فالمعنى وخلت غاية الخلو حتى لم يبق فى باطها شىء كأنها تكلفت أقضى
جهدها فى الخلو، كما يقال تكرم الكريم ، وترحم الرحيم . إذا بلغا جهدهما فى الكرم الرحمة
وتكلفاً فرق ما فى طبعهما، واعلم أن التحقيق أن الله تعالى هو الذى أخرج تلك الأشياء من بطن
الأرض إلى ظهرها، لكن الأرض وصفت بذلك على سبيل التوسع ، وأما قوله (وأذنت لربها
وحقت) فقد تقدم تفسيره إلا أن الأول فى السماء وهذا فى الأرض، وإذا اختلف وجه
الكلام لم يكن تكراراً .
قوله تعالى : ﴿ يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فلاقية
اعلم أن قوله تعالى (إذا السماء انشقت) إلى قوله ( يا أيها الإنسان) شرط ولا بد له من جزاء
واختلفوا فيه على وجوه (أحدها ) قال صاحب الكشاف : حذف جواب إذا ليذهب الوم إلى
كل شىء فيكون أدخل فى التهويل ( وثانيها) قال الفراء إنما ترك الجواب لأن هذا المعنى
معروف قد تردد فى القرآن معناه فعرف، ونظيره قوله ( إنا أنزلناه فى ليلة القدر) ترك ذكر
القرآن لأن النصريح به قد تقدم فى سائر المواضع (وثالثها) قال بعض المحققين الجواب
هو قوله (فملاقيه) وقوله ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً) معترض ، وهو كقول
القائل إذا كان كذا وكذا يا أيها الإنسان ترى عند ذلك ما عملت من خير أو شر، فكذا ههنا ..
والتقدير إذا كان يوم القيامة لتقى الإنسان عمله (ورابعها) أن المعنى محمول على التقديم والتأخير
فكانه قيل: ( يا أيها الإنسان إنك كادح ألى ربك كادحاً فملاقيه) (إذا السماء انشقت) وقامت
القيامة ( وخامسها ) قال الكسائى إن الجواب فى قوله ( فأما من أوتي كتابه) واعترض فى الكلام
قوله ( يا أيها الإنسان إنك كادح) والمعنى إذا السماء انشقت، وكان كذ وكذا (فمن أوتى كتابه
بيمينه) فهو كذا ومن أوتى كتابه وراء ظهره فهو كذا، ونظيره قوله تعالى (فإما يأتينكم منى هدى
فمن تبع هدای فلا خوف عليهم)، ( وسادسها ) قال القاضى إن الجواب ما دل عليه قوله (إنك
كادح) كانه تعالى قال: يا أيها الإنسان ترى ما عملت فاكدح لذلك اليوم أيها الإنسان لتفوز بالنعيم
١٠٦
قوله تعالى : يا ايها الانسان إنك كادح. سورة الانشقاق.
بـ
فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابَهُ يَسِيرًاً
فَأَمَّا مَنْ أُوِنِّيَ كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ، (3)
وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ، مَسْرُورًا ﴾
أما قوله ( يا أيها الإنسان) ففيه قولان (الأول ) أن المراد جنس الناس كما يقال أيها الرجل ،
وكلكم ذلك الرجل ، فكذا ههنا. وكأنه خطاب خص به كل واحد من الناس ، قال القفال وهو أبلغ
من العموم لأنه قائم مقام التخصيص على مخاطبة كل واحد منهم على التعيين بخلاف اللفظ العام
فإنه لا يكون كذلك (والثانى) أن المراد منه رجل بعينه، وههنا فيه قولان (الأول) أن المراد
به محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى أنك تكدح فى إبلاغ رسالات الله وإرشاد عباده وتحمل الضرر
من الكفار ، فأبشر فإنك تاقى الله بهذا العمل وهو غير ضائع عنده (الثانى) قال ابن عباس: هو
أبى بن خلف ، وكدحه جده واجتهاده فى طلب الدنيا ، وإيذاء الرسول عليه السلام، والإصرار
على الكفر، والأقرب أنه محمول على الجنس لأنه أكثر فائدة. ولأن قوله ( فأما من أوتي كتابه
بيمينه) (وأما من أوفى كتابه وراء ظهره) كالنوعين له، وذلك لا يتم إلا إذا كان جناً، أما قوله
( إنك كادح) فاعلم أن الكدح جهد الناس فى العمل والكدح فيه حتى ؤثر فيها من كدح جلده
إذا خدشه، أما قوله ( إلى ربك) ففيه ثلاثة أوجه (أحدها ) إنك كادح إلى لقاء ربك وهو الموت
أى هذا الكدح يستمر ويبقى إلى هذا الزمان، وأفول فى هذا التفسير نكتة لطيفة، وذلك لأنها
تقتضى أن الإنسان لا ينفك فى هذه الحياة الدنيوية من أولها إلى آخرها عن الكدح والمشقة
.. والتعب، ولما كانت كلمة إلى لانتهاء الغاية ، فهى تدل على وجوب انتهاء الكدح والمشقة باتها.
هذه الحياة، وأن يكون الحاصل بعد هذه الدنياء محض السعادة والرحمة، وذلك معقول، فإن نسبة
الآخرة إلى الدنيا كنسبة الدنيا إلى رحم الأم، فكما صح أن يقال: يا أيها الجنين إنك كادح إلى
أن تنفصل من الرحم ، فكان ما بعد الانفصال عن الرحم بالنسبة إلى ما قبله خالصاً عن الكدح
والظلمة فترجوا من فضل الله أن يكون الحال فيما بعد الموت كذلك ( وثانيهما) قال القفال التقدير
إنك كادح فى دنياك كدحاً تصير به إلى ربك فبهذا التأويل حسن استعمال حرف إلى ههنا (وثالثها)
يحتمل أن يكون دخول إلى على معنى أن الكدح هو السعى، فكأنه قال ساع بعملك (إلى ربك)
أما قوله تعالى (فملاقيه) ففيه قولان (الأول) قال الزجاج فلاق ربك أى ملاق حكمه لامفر لك
منه، وقال آخرون الضمير عائد إلى الكدح ، إلا أن الكدح عمل وهو عرض لا يبقى فلاقاته
متنعة ، فوجب أن يكون المراد .لاقاة الكتاب الذى فيه بيان تلك الأعمال، ويتأكد هذا
التأويل بقوله بعد هذه الآية ( فأما من أوتى كتابه بيمنه ) .
قوله تعالى: ﴿ فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً، وينقلب إلى أهله مسروراً﴾
١٠٧
قوله تعالى : وإما من اوتى كتابه وراء ظهره. سورة الانشقاق.
وَأَمَّا مَنْ أُوَِّ كِتَبَهُ، وَرَآءَ ظَهْرِهِ،
لا
فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُورًا
فالمعنى فأما من أعطى كتاب أعماله بيمينه (فسوف يحاسب حساباً يسيراً) وسوف من اللّه واجب
وهو كقول القائل، اتبعنى فسوف نجد خيراً، فإنه لا يريد به الشك، وإنما يريد ترقيق الكلام.
والحساب اليسيرهو أن تعرض عليه أعماله، ويعرف أن الطاعة منها هذه ، والمعصية هذه، ثم يتاب
على الطاعة ويتجاوز عن المعصية فهذا هو الحساب اليسير لأنه لاشدة على صاحبه ولا مناقشة ، ولا
يقال له لم فعلت هذا ولا يطالب بالعذر فيه ولا بالحجة عليه . فإنه متى طولب بذلك لم يجد عذراً ولا
حجة فيفتضح، ثم إنه عندهذا الحساب اليسير يرجع إلى أهله مسروراً فائزاً. بالثواب آمناً من العذاب،
والمراد من أهله أهل الجنة من الحور العين أو من زوجاته وذرياته إذا كانوا مؤمنين، فدات هذه
الآية على أنه سبحانه أعد له ولأهله فى الجنة ما يليق به من الثواب ، عن عائشة رضى الله عنها قالت
«سمعت رسول اللّه ◌َ رائع يقول اللهم حاسبنى حساباً يسيراً، قلت وما الحساب اليسير؟ قال ينظر فى
كتابه ويتجاوز عن سيئاته، فأما من نوقش فى الحساب فقد هلك)) وعن عائشة قالت ((قال رسول
الله يؤلتم من نوقش الحساب فقد هلك)) فقلت يارسول الله إن الله يقول ( فأما من أوتي كتابه بيمينه
فسوف يحاسب حساباً يسيراً) قال ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب عذب)) وفى قوله
يحاسب إشكال لأن المحاسبة تكون بين اثنين، وليس فى القيامة لأحد قبل ربه مطالبة فيحاسبه (وجوابه)
أن العبد يقول إلهى فعلت المعصية الفلانية، فكان ذلك بين الرب والعبد محاسبة والدليل على أنه تعالى
خص الكفار بأنه لا يكلمهم ، فدل ذلك على أنه يكلم المطيعين والعبد يكلمه فكانت المكالمة محاسبة .
أما قوله ﴿وأما من أوتي كتابه وراء ظهره﴾ فللمفسرين فيه وجوه (أحدها) قال الكلى:
السبب فيه لأن يمينه مغلولة إلى عنقه ويده اليسرى خلف ظهره ( وثانيها ) قال مجاهد تخلع يده
اليسرى فتجعل من وراء ظهره ( وثالثها) قال قوم: يتحول وجهه فى قفاه ، فيقرأ كتابة كذلك
(ورابعها ) أنه يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره لأنه إذا حاول أخذه بيمينه كالمؤمنين يمنع من
ذلك وأوتى من وراء ظهره بشماله ( فإن قيل ) أليس أنه قال فى سورة الحاقة ( فأما من أوتى كتابه
بشماله) ولم يذكر الظهر (والجواب) من وجهين (أحدهما) يحتمل أن يؤتى بشماله وراء ظهره
على ما حكيناه عن الكلبى ( وثانيها ) أن يكون بعضهم يعطى بشماله ، وبعضهم من وراء ظهره.
أما قوله ﴿فسوف يدعو ثبوراً
فاعلم أن الثبور هو الهلاك، والمعنى أنه لما أوفى كتابه من غير يمينه علم أنه من أهل النار
فيقول واثبوراه، قال الفراء: العرب تقول فلان يدعوا لهفه ، إذا قال والهفاه، وفيه وجه آخر
ذكره القفال ، فقال الثبور مشتق من المثابرة على شىء، وهى المواظبة عليه قمى هلاك الآخرة
نبور لأنه لازم لايزول، كما قال (إن عذابها كان غراماً) وأصل الغرام اللزوم والولوع .
١٠٨
قوله تعالى : ويصلى سعيرا. سورة الانشقاق.
وَيَصْلَى سَعِيرًا (٣٢) إِنَّهُ كَانَ فِىَ أَهْلِهِ، مَسْرُورًا (َّهِ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَّنْ يُحُورَ جَ بَلَّ
قوله تعالى: ﴿ويصلى سعيراً﴾ ففيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾ يقال صلى الكافر النار، قال الله تعالى (وسيصلون سعيراً) وقال ( وفصله
جهنم) وقال (إلا من هو صال الجحيم) وقال ( لا يصلاها إلا الأشقي، الذى كذب وتولى)
والمعنى أنه إذا أعطى كتابه بشماله من وراء ظهره فإنه يدعوا الشبور ثم يدخل النار، وهو فى النار
أيضاً يدعو ثبوراً، كما قال (دعوا هناك ثبوراً) وأحدهما لا ينفى الآخر، وإنما هو على اجتماعهما
قبل دخول النار وبعد دخولها، نعوذ بالله منها وما قرب إليها من قول أو عمل.
( المسألة الثانية﴾ قرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو ويصلى بضم الياء والتخيف كقوله ( نصله
جهنم) وهذه القراءة مطابقة للقراءة المشهورة لأنه يصلى فيصلى أى يدخل النار. وقرأ ابن عامر
ونافع والكسائى بضم الياء مثقله كقوله ( وتصلية جحيم) وقوله ( ثم الجحيم صلوه).
أما قوله تعالى ﴿ إنه كان فى أهله مسروراً) فقد ذكر القفال فيه وجهين (أحدهما) أنه كان
فى أهله مسروراً أى منعما مستريحاً من التعب بأداء العبادات واحتمال مشقة الفرائض من الصلاة
والصوم والجهاد مقدماً على المعاصى آمناً من الحساب والثواب والعقاب لا يخاف الله ولا يرجوه
فأبدله اللّه بذلك السرور الفانى غماً باقياً لا ينقطع ، وكان المؤمن الذى أوتى كتابه بيمينه متقياً من
المعاصى غير آمن من العذاب ولم يكن فى دنياه مسروراً فى أهله جعله الله فى الآخرة مسروراً
فأبدله اللّه تعالى بالغم الفانى سروراً دائماً لا ينفذ ( الثانى) أن قوله (إنه كان فى أهله مسروراً) كقوله
( وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين) أى متنعمين فى الدنيا معجبين بما هو عليه من الكفر
فكذلك ههنا يحتمل أن يكون المعنى أنه كان فى أهله مسروراً بما هم عليه من الكفر بالله
والتكذيب بالبعث يضحك من آمن به وصدق بالحساب، وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال ((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)).
أما قوله ﴿ إنه ظن أن لن يحور﴾ فاعلم أن الحور هو الرجوع والمحار المرجع والمصير وعن
ابن عباس. ما كنت أدرى ما معنى يحور ، حتى سمعت اعرابية تقول لابنتها حوری أی ارجعى،
ونقل القفال عن بعضهم أن الحور هو الرجوع إلى خلاف ما كان عليه المر. كما قالوا ((نعوذ بالله
من الحور بعد الكور )) فعلى الوجه الأول معنى الآية أنه ظن أن لن يرجع إلى الآخرة أى لن
يبعث ، وقال مقاتل وابن عباس حسب أن لا يرجع إلى اللّه تعالى، وعلى الوجه الثانى أنه ظن أن
أن يرجع إلى خلاف ماهو عليه فى الدنيا من السرور والتنعم .
ثم قال تعالى ﴿بلى﴾ أى ليبعثن، وعلى الوجه الثانى يكون المعنى أن الله تعالى يبدل سروره
بغم لا ينقطع وتنعمه بيلاء لا ينتهى ولا يزول .
١٠٩
قوله تعالى : إن ربه كان به بصيرا. سورة الانشقاق.
إِنَّ رَبُّ كَانَ بِهِ، بَصِيرًا (٣٥) فَلَا أُقْسِمِ بِالشَّفَقِ (٨) وَالَّيْلِ وَمَا وَسَقَ () وَالْقَمَرِ إِذَا
فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
١٩
لَتَرْ كَبُنَّ طَبَقًّا عَن طَبَقِ
أَّسَقَ لّه
أما قوله ﴿ إن زبه كان بصيراً﴾ فقال الكلى كان بصيراً به من يوم خلقه إلى أن بعثه، وقال
عطاء بصيراً بما سبق عليه فى أم الكتاب من الشقاء، وقال مقاتل بصيراً متى بعثه، وقال الزجاج
كان عالماً بأن مرجعه إليه ولا فائدة فى هذه الأقوال، إنما الفائدة فى وجهين ذكرهما القفال (الأول)
أن ربه كان عالماً بأنه سيجزيه ( والثانى) أن ربه كان عالماً بما يعمله من الكفر والمعاصى فلم يكن
يجوز فى حكمته أن يهمله فلا يعاقبه على سوء أعماله، وهذا زجر لكل المكلفين عن جميع المعاصى.
قوله تعالى: ﴿ فلا أقسم بالشفق، والليل وما وسق، والقمر إذا اتسق، لتر كبن طبقاً عن طبق،
فما لهم لا يؤمنون ﴾
أعلم أن قوله تعالى ﴿فلا أقسم بالشفق﴾ فيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ أن هذا قسم، وأما حرف لا فقد تكلمنا فيه فى قوله تعالى (لا أقسم بيوم
القيامة ) ومن جملة الوجوه المذكورة هناك أن لانفى ورد لكلام قبل القسم وتوجيه هذا الوجه.
ههنا ظاهر، لأنه تعالى حكى ههنا عن المشرك أنه ظن أن أن يحور فقوله لارد لذلك القول وإبطال
لذلك الظن ثم قال بعده أقسم بالشفق .
﴿ المسألة الثانية) قد عرفت اختلاف العلماء فى أن القسم واقع بهذه الأشياء أو يخالفها،
وعرفت أن المتكلمين زعموا أن القسم واقع برب الشفق وإن كان محذوفاً ، لأن ذلك معلوم من
حيث ورد الحظر بأن يقسم الإنسان بغير الله تعالى.
﴿ المسألة الثالثة) تركيب لفظ الشفق فى أصل اللغة لرقة الشىء، ومنه يقال ثوب شفق كأنه
لا تماسك لرقته ، ويقال للردى. من الأشياء شفق، وأشفق عليه إذا رق قلبه عليه والشفقة رقة
القلب ثم اتفق العلماء على أنه اسم الأثر الباقى من الشمس فى الأفق بعد غروبها إلا ما يحكى عن
مجاهد أنه قال الشفق هو النهار ، ولعله إنما ذهب إلى هذا لأنه تعالى عطف عليه الليل فيجب أن
يكون المذكور أولا هو النهار فالقسم على هذا الوجه واقع بالليل والنهار اللذين أحدهما معاش
والثانى سكن وبهما قوام أمور العالم، ثم اختلفوا بعد ذلك فذهب عامة العلماء إلى أنه هو الخمرة
وهو قول ابن عباس والكلى ومقاتل، ومن أهل اللغة قول الليث والفراء والزجاج. قال صاحب
الكشاف وهو قول عامة العلماء إلا ما يروى عن أبى حنيفة فى إحدى الروايتين عنه أنه البياض
وروى أسد بن عمرو أنه رجع عنه. واحتجوا عليه بوجوه (أحدها ) قال الفراء سمعت بعض
. العرب يقول عليه ثوب مصبوغ كأنه الشقق وكان أحمر ، قال فدل ذلك على أن الشفق هو الحمرة
١١٠
قوله تعالى : والليل وما وسق. سورة الانشقاق.
(وثانيها) أنه جعل الشفق وقتاً للعشاء الأخيرة فوجب أن يكون المعتبر هو الحمرة لا البياض لأن
البياض يمتد وقته ويطول لبثه، والحمرة لما كانت بقية ضوء الشمس ثم بعدت الشمس عند
الأفق ذهبت الحمرة ( وثالثها) أن اشتقاق الشفق لما كان من الرقة ، ولا شك أن الضوء يأخذ فى
الرقة والضعف من عند غيبة الشمس فتكون الحمرة شفقاً . أما قوله ( والليل وما وسق) فقال
أهل اللغة وسق أى جمع ومنه الوسق وهو الطعام المجتمع الذى يكال ويوزن ثم صار اسما للحمل
واستوسقت الإبل إذا اجتمعت وانضمت والراعى يسقها أى بجمعها قال صاحب الكشاف يقال
وسقه فاتسق واستوسق ونظيره فى وقوع افتعل واستفعل مطاوعين اتسع واستوسع. وأما المعنى
فقال القفال: مجموع أقاويل المفسرين يدل على أنهم فسروا قوله تعالى (وما وسق) على جميع
ما يجمعه الليل من النجوم ورجوع الحيوان عن الانتشار وتحرك ما يتحرك فيه الهوام ، ثم هذا
يحتمل أن يكون إشارة إلى الأشياء كلها لاشتمال الليل عليها فكانه تعالى أقسم بجميع المخلوقات كما
قال ( فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون) وقال سعيد بن جبير ماعمل فيه ، قال القفال يحتمل
أن يكون ذلك هو تهجد العباد فقد مدح الله تعالى بها المستغفرين بالأسحار فيجوز أن يحلف بهم وإنما
قلنا إن الليل جمع هذه الأشياء كلها لأن ظلمته كأنها تجلل الجبال والبحار والشجر والحيوانات ، فلا
جرم صح أن يقال وسق جميع هذه الأشياء، أما قوله (والقمر إذا اتسق) فاعلم أن أصل الكلمة
من الاجتماع يقال وسقته فاتسق كما يقال وصلته فاتصل ، أى جمعته فاجتمع ويقال أمور فلان
متسقة أى مجتمعة على الصلاح كما يقال منتظمة ، وأما أهل المعانى فقال ابن عباس إذا اتسق أى
استوى واجتمع وتكامل وتم واستدار وذلك ليلة ثلاثة عشر إلى ستة عشر ، ثم إنه سبحانه وتعالى
بعد أن ذكر ما به أقسم أتبعه بذكر ما عليه أقسم فقال ( لتر كبن طبقاً من طبق ) وفيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى ﴾ قرى. (لتر كين) على خطاب الإنسان فى يا أيها الإنسان (ولتر كبن)
بالضم على خطاب الجنس لأن النداء فى قوله ( يا أيها الإنسان إنك كادح) للجنس (ولتر كبن)
بالكسر على خطاب النفس ، ولير كبن بالياء على المغاية أى لير كبن الإنسان .
﴿ المسألة الثانية﴾ الطبق ما طابق غيره يقال ما هذا يطبق كذا أى لا يطابقه، ومنه قيل للغطاء
الطبق وطباق الثرى ما يطابق منه ، قيل للحال المطابقة لغيرها طبق ، ومنه قوله تعالى (طبقاً عن طبق)
أى حالا بعد حال كل واحدة مطابقة لأختها فى الشدة والهول، ويجوز أن يكون جمع طبقة وهى
المرتبة من قولهم هو على طبقات والمعنى لتركبن أحوالا بعد أحوال هى طبقات فى الشدة بعضها أرفع
من بعض وهى الموت وما بعده من أهوال القيامة، ولنذكر الآن وجوه المفسرين فنقول: أما القراءة
برفع الياء وهو خطاب الجمع فتحتمل وجوهاً: (أحدها) أن يكون المعنى لتر كبن أيها الانسان أموراً
وأحوالا أمراً بعد أمر وحالا بعد حال ومنزلا بعد منزل إلى أن يستقر الأمر على ما يقضى به على
الانسان أول من جنة أو نار حينئذ يحصل الدوام والخلود، إما فى دار الثواب أو فى دار العقاب
١١١
قوله تعالى : لتركبن طبقا عن طبق. سورة الانشقاق.
ويدخل فى هذه الجملة أحوال الإنسان من يكون نطفة إلى أن يصير شخصاً ثم يموت فيكون فى
فى البرزخ ، ثم يحشر ثم ينقل، إما إلى جنة وإما إلى نار (وثانيها) أن معنى الآية أن الناس يلقون يوم
القيامة أحوالا وشدائد حالا بعد حال وشدة بعد شدة كأنهم لما أنكروا البعث أقسم الله أن البعث
كائن وأن الناس يلقون فيها الشدائد والأهوال إلى أن يفرغ من حسابهم فيصير كل أحد إلى أعد له
من جنة أو نار وهو نحوقوله (بلى وربى لتبعثن ثم لتفبون بما عملتم) وقوله (يوم يكشف عن ساق) وقوله
(بو ما يجعل الولدان شيباً)، (وثالثها) أن يكون المعنى أن الناس تنتقل أحوالهم يوم القيامة عما كانوا
عليه فى الدنيا فمن وضيع فى الدنيا يصير رفيعاً فى الآخرة ، ومن رفيع يتضع ، ومن متنعم يشقى، ومن
شقى يتنعم ، وهو كقوله ( خافضة رافعة) وهذا التأويل مناسب لما قبل هذه الآية لأنه تعالى
لما ذكر حال من يؤتى كتابه وراء ظهره ، أنه كان فى أهله مسروراً، وكان يظن أن لن يحور
أخبر الله أنه يحور، ثم أقسم على الناس أنهم يركبون فى الآخرة طبقاً عن طبق أى حالا بعد حالهم
فى الدنيا (ورابعها) أن يكون المعنى لتركبن سنة الأولين من كان قبلكم فى التكذيب بالنبوة
والقيامة ، وأما القراءة بنصب الياء ففيها قولان:
(الأول) قول من قال: إنه خطاب مع محمد عَ لّم وعلى هذا التقدير ذكروا وجهين
(أحدهما) أن يكون ذلك بشارة للنبى معَّ اله بالظفر والغلبة على المشركين المكذبين بالبعث، كأنه
يقول أقسم يامحمد لنر كبن حالا بعد حال حتى يختم لك بجميل العافية فلا يحزنك تكذيهم وتماديهم
فى كفرهم. وفى هذا الوجه احتمال آخر يقرب ما ذكرنا، وهو أن يكون المعنى أنه ير كب حال
ظفر وغلبة بعد حال خوف وشدة. واحتمال ثالث: وهو يكون المعنى أن الله تعالى يبدله بالمشركين
أنصاراً من المسلمين ، ويكون مجاز ذلك من قولهم طبقات الناس ، وقد يصلح هذا التأويل
على قراءة من قرأ بضم الباء ، كأنه خطاب للمسلمين بتعريف تنقل الأحوال بهم وتصيرهم
إلى الظفر بعدوهم بعد الشدة التى يلقونها منهم ، كما قال ( لتبلون فى أموالكم وأنفسكم) الآية
(وثانيهما) أن يكون ذلك بشارة لمحمد بَ يّ بصعوده إلى السماء لمشاهدة ملكوتها ، وإجلال
الملائكة إياه فيها، والمعنى لتركبن يا محمد السموات طبقاً عن طبق، وقد قال تعالى ( سبع سموات
طباقا) وقد فعل الله ذلك ليلة الإسراء، وهذا الوجه مروى عن ابن عباس وابن مسعود (وثالثها)
لتركبن يا محمد درجة ورقبة بعد رتبة فى القرب من الله تعالى.
﴿ القول الثانى) فى هذه القراءة، أن هذه الآية فى السماء وتغيرها من حال إلى حال، والمعنى
لتر كبن السماء يوم القيامة حالة بعد حالة، وذلك لأنها أولا تنشق كما قال (إذا السماء انشقت)
ثم تنفطر كما قال ( إذا السماء انفطرت) ثم تصير (وردة كالدهان) وتارة (كالمهل) على ما ذكر
اللّه تعالى هذه الأشياء فى آيات من القرآن فكأنه تعالى لما ذكر فى أول السورة أنها تنشق أقسم
فى آخر السورة أنها تنتقل من أحوال إلى أحوال ، وهذا الوجه مروى عن ابن مسعود.
١١٢
قوله تعالى : وإذا قرىء عليهم القرآن. سورة الانشقاق.
وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ
المسألة الثالثة ) قوله تعالى ( عن طبق ) أى بعد طبق كقول الشاعر:
مازلت أقطع منهلا عن منهل حتى أنخت بباب عبد الواحد
ووجه هذا أن الانسان إذا صار من شىء إلى شىء آخر فقد صار إلى الثانى بعد الأول فصلحت
بعد وعن معاقبة ، وأيضاً فلفظة عن تفيد البعد والمجاوزة فكانت مشابهة للفظة بعد .
قوله تعالى : ﴿فما لهم لا يؤمنون ﴾ ففيه مسالتان:
المسألة الأولى﴾ الأقرب أن المراد (فما لهم لا يؤمنون) بصحة البعث والقيامة لأنه تعالى
حكى عن الكافر ( أنه ظن أن لن يحور) ثم أفتى سبحانه بأنه يحور فلما قال بعد ذلك ( فما لهم
لا يؤمنون) دل على أن المراد (فما لهم لا يؤمنون) بالبعث والقيامة، ثم اعلم أن قوله (فما لهم
لا يؤمنون) استفهام بمعنى الإنكار، وهذا إنما يحسن عند ظهور الحجة وزوال الشبهات، الأمر
ههنا كذلك، وذلك لأنه سبحانه أقسم بتغييرات واقعة فى الأفلاك والعناصر، فإن الشفق حالة مخالفة
لما قبلها وهو ضوء النهار، ولما بعدها وهو ظلمة الليل، وكذا قوله ( والليل وما وسق) فانه يدل
على حدوث ظلمة بعد نور ، وعلى تغير أحوال الحيوانات من اليقظة إلى النوم، وكذا قوله (والفمر
إذا اتسق ) قانه يدل على حصول كال القمر بعد أن كان ناقصاً، إنه تعالى أقسم بهذه الأحوال
المتغيرة على تغير أحوال الخلق، وهذا يدل قطعاً على صحة القول بالبعث، لأن القادر على تغيير
الأجرام العلوية والسلفية من حال إلى حال وصفة إلى صفة بحسب المصالح ، لا بد وأن يكون فى
نفسه قادراً على جميع الممكنات عالما بجميع المعلومات . ومن كان كذلك كان لا محالة قادراً على
البعث والقيامة ، فلما كان ما قبل هذه الآية كالدلالة العقلية القاطعة على صحة البعث والقيامة لا جرم
قال على سبيل الاستبعاد (فمالهم لا يؤمنون) .
١٠
﴿ المسألة الثانية﴾ قال القاضى لا يجوز أن يقول الحكيم فيمن كان عاجزاً عن الإيمان
( فما لهم لا يؤمنون) فلما قال ذلك دل على كونهم قادرين، وهذا يقتضى أن تكون الاستطاعة
قبل الفعل، وأن يكونوا موجدين لأفعالهم، وأن لا يكون تعالى خالقاً للكفر فيهم . فهذه الآية من
المحكمات التى لا احتمال فيها البتة ، وجوابه قد مر غير مرة .
قوله تعالى : ﴿وإذا قرى. عليهم القرآن لا يسجدون ﴾ ففيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى﴾ أنهم أرباب الفصاحة والبلاغة فعندسماعهم القرآن لا بد وأن يعلموا كونه
معجراً، وإذا علموا صحة نبوة محمد ◌ٍ لت ووجوب طاعته فى الأوامر والنواهى ، فلا جرم أستبعد
الله منهم عند سماع القرآن ترك السجود والطاعة .
المسألة الثانية) قال ابن عباس والحسن وعطاء والكلبى ومقاتل المراد من السجود الصلاة
١١٣
قوله تعالى : بل الذين كفروا يكذبون. سورة الانشقاق.
بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ (8) وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ () فَثِرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
إِلَّا الَّذِينَ ءَ امَنُواْ وَغَمِلُواْ الصَّالِحَتِ لَهُمْ أَجْرُّ غَيْرُ مَمْنُونٍ
بدأدور داردو
٢٥
وقال أبو مسلم الخضوع والاستكانة، وقال آخرون بل المراد نفس السجود عند آيات مخصوصة ،
وهذه الآية منها .
﴿ المسألة الثالثة ) روى أنه عليه السلام ((قرأ ذات يوم (واسود واقترب) فسجد هو ومن
معه من المؤمنين ، وقريش تصفق فوق رؤسهم وتصفر)) فنزلت هذه الآية واحتج أبو حنيفة
على وجوب السجدة بهذا من وجهين (الأول) أن فعله و القيم يقتضى الوجوب لقوله تعالى (واتبعوه)
( والثانى) أن الله تعالى ذم من يسمعه فلا يسجد، وحصول الذم عند الترك يدل على الوجوب.
المسألة الرابعة ﴾ مذهب ابن عباس أنه ليس فى المفصل سجدة ، وعن أبى هريرة أنه سجد
ههنا، وقال والله ما سيدت فيها إلا بعد أن رأيت رسول اللّه ◌َ اتلم يسجد فيها، وعن انس صليت
خلف أبى بكر وعمر وعثمان، فسجدوا ، وعن الحسن هى غير واجبة .
أما قوله وابل الذين كفروا يكذبوا﴾ فالمعنى أن الدلائل الموجبة للايمان ، وإن كانت
جلية ظاهرة لكن الكفار يكذبون بها إما لتقليد الأسلاف ، وإما للحسد وإما للخوف من أنهم
لو أظهروا الإيمان لفاتتهم مناصب الدنيا ومنافعها .
أما قوله تعالى ﴿والله أعلم بما يوعون﴾ فأصل الكلمة من الوعاء، فيقال أوعيت الشىء
أى جعلته فى وعاء كما قال (وجمع فأوعى) والله أعلم بما يجمعون فى صدورهم من الشرك والتكذيب
فهو مجازيهم عليه فى الدنيا والآخرة.
ثم قال تعالى ﴿فبشرهم بعذاب أليم ﴾ استحقوه على تكذيبهم وكفرهم.
أما قوله ﴿إلا الذين آمنوا وعملت الصالحات فلهم أجر غير منون﴾ ففيه قولان قال صاحب
الكشاف الاستثناء منقطع ، وقال الأكثرون معناه إلا من تاب منهم فإنهم وإن كانوا فى الحال
كفاراً إلا أنهم متى تابوا وآمنو وعملوا الصالحات فلهم أجر وهو الثواب العظيم .
وفى معنى ( غير منون) وجوه (أحدها) أن ذلك الثواب يصل إليهم بلا من ولا أذى (وثانيها)
من غير انقطاع ( وثالثها ) من غير تنغيص ( ورابعها) من غير نقصان ، والأولى أن يحمل اللفظ
على الكل ، لأن من شرط الثواب حصول الكل ، فكأنه تعالى وعدهم بأجر خالص من الشوائب
دائم لا انقطاع فيه ولا نقص ولا بخس، وهذا نهاية الوعد فصار ذلك ترغيباً فى العبادات ، كما أن
الذى تقدم هو زجر عن المعاصى والله سبحانه وتعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين.
الفخر الرازي - ج ٣١ م ٨
١١٤
سورة البروج
(٨٥) سُورة البُرُوج ◌ِكِيَّةْ
وَأَيَانهاثْذَاتِ وَعَشِرُونَ
اعلم أن المقصود من هذه السورة تسلية النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن إيذاء الكفار
وكيفية تلك التسلية هى أنه تعالى بين أن سائر الأمم السالفة كانوا كذلك مثل أصحاب الأخدود
ومثل فرعون ومثل ثمود ، وختم ذلك بأن بين أن كل الكفار كانوا فى التكذيب ، ثم عقب هذا
الوجه بوجه آخر ، وهو قوله ( والله من ورائهم محيط) ذكر وجهاً ثالثاً وهو أن هذا شى.
مثبت فى اللوح المحفوظ ممتنع التغيير وهو قوله ( بل هو قرآن مجيد ) فهذا ترتيب السورة.
13
بِسْـ
وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ﴾ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ
٣
وَالسَّمَآءِ ذَات البروچِ
بسم الله الرحمن الرحيم
والسماء ذات البروج، واليوم الموعود، وشاهد ومشهود﴾ .
اعلم أن فى البروج ثلاثة أقوال (أحدها) أنها هى البروج الإثنا عشر وهى مشهورة وإنما
حسن القسم بها لما فيها من عجيب الحكمة، وذلك لأن سير الشمس فيها ولا شك أن مصالح العالم
السفلى من تبطة بسير الشمس فيدل ذلك على أن لها صانعاً حكيما ، قال الجبائى وهذه اليمين واقعة
على السماء الدنيا لأن البروج فيها ، واعلم أن هذا خطأ وتحقيقه ذكرناه فى قوله تعالى (إنا زينا
السماء الدنيا بزينة الكواكب)، (وثانيها) أن البروج هى منازل القمر، وإنما حسن القسم بهالما
فى سير القمر وحركته من الآثار العجيبة (وثالثها) أن البروج هى عظام الكواكب سميت
بروجاً لظهورها. وأما اليوم الموعود فهو يوم القيامة، رواه أبو هريرة عن النى مَيتم ، قال القفال:
يحتمل أن يكون المراد ( واليوم الموعود ) لا نشقاق السماء وفنائها وبطلان بروجها.
وأما الشاهد والمشهود ، فقد أضطرب أقاويل المفسرين فيه، والقفال أحسن الناس كلاماً فيه،
قال إن الشاهد يقع على شيئين (أحدهما ) الشاهد الذى تثبت به الدعاوى والحقوق (والثانى)
الشاهد الذى هو بمعنى الحاضر، كقوله ( عالم الغيب والشهادة) ويقال فلان شاهد وفلان غائب ،
وحمل الآية على هذا الاحتمال الثانى أولى، إذ لو كان المراد هو الأول لما خلا لفظ المشهود عن
حرف الصلة، فيقال مشهود عليه، أو مشهود له. هذا هو الظاهر، وقد يجوز أن يكون المشهود
١١٥
قوله تعالى : وشاهد ومشهود. سورة البروج.
معناه المشهود عليه خذفت الصلة ، كما فى قوله (إن العهد كان مسئولا) أى مسؤولا عنه ، إذا
عرفت هذه المقدمة فنقول : إن حملننا الشهود على الحضور احتملت الآية وجوهاً من التاويل
(أحدها) أن المشهود هو يوم القيامة، والشاهد هو الجمع الذى يحضرون فيه، وهو مےوی عن
ابن عباس والضحاك، ويدل على صحة هذا الاحتمال وجوه (الأول) أنه لا حضور أعظم من ذلك
الحضور، فإن الله تعالى يجمع فيه خلق الأولين والآخرين من الملائكه والأنبياءوالجنوالإنس،
وصرف اللفظ إلى المسمى الأكمل أولى (والثانى) أنه تعالى ذكر اليوم الموعود ، وهو يوم
القيامة، ثم ذكر عقيبه (وشاهد ومشهود) وهذا يناسب أن يكون المراد بالشاهد من يحضر فى
ذلك اليوم من الخلائق ، وبالمشهود ما فى ذلك اليوم من العجائب (الثالث ) أن اللّه تعالى وصف
يوم القيامة بكونه مشهوداً فى قوله (فويل الذين كفروا من مشهد يوم عظيم ) وقال ( ذلك يوم
مجموع له الناس وذلك يوم مشهود) وقال ( يوم يدعو كم فتستجيبون بحمده) وقال ( إن كانت إلا
صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون) وطريق تنكير هما إما ماذكر ناه فى تفسير قوله تعالى (علمت
نفس ما أحضرت) كأنه قيل وما أفرطت كثرته من شاهد ومشهود ، وأما الإبهام فى الوصف
كأنه قيل وشاهد ومشهود لا يكتنه وصفهما، وإنما حسن القسم بيوم القيامة للتنبيه على القدرة
إذ كان هو يوم الفصل والجزاء ويوم تفرد اللّه تعالى فيه بالملك والحكم ، وهذا الوجه اختيار ابن
عباس ومجاهد وعكرمة والحسن بن على وابن المسيب والضحاك والنخعي والثورى (وثانيها) أن
يفسر المشهود بيوم الجمعة وهو قول ابن عمر وابن الزبير وذلك لأنه يوم يشهده المسلمون للصلاة
ولذكر الله. ومما يدل على كون هذا اليوم مسمى بالمشهود خبران (الأول) ماروى أبو الدرداء
قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أكثروا الصلاة على يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده
الملائكة)) (والثانى) ماروى أبو هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال ((تحضر الملائكة أبواب المسجد
فيكتبون الناس فإذا خرج الإمام طويت الصحف)) وهذه الخاصية غير موجودة إلا فى هذا اليوم
فيجوز أن يسمى مشهوداً لهذا المعنى، قال الله تعالى (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً)
وروى ((أن ملائكة الليل والنبار يحضرون وقت صلاة الفجر فسميت هذه الصلاة مشهودة لشهادة
الملائكة)) فكذا يوم الجمعة ( وثالثها) أن يفسر المشهو بيوم عرفة والشاهد من يحضره من الحاج
وحسن القسم به تعظيما لأمر الحج روى أن الله تعالى يقول للملائكة يوم عرفة «انظروا إلى عبادى
شعئاً غبراً أتونى من كل فج عميق أشهد كم أنى قد غفرت لهم وأن إبليس يصرخ ويضع التراب
على رأسه لما يرى من ذلك)) والدليل على أن يوم عرفة مسمى بأنه مشهود قوله تعالى ( وعلى كل
ضامر يأتين من كل فج عميق، ليشهدوا منافع لهم)، (ورابعها) أن يكون المشهود يوم النحر
وذلك لأنه أعظم المشاهد فى الدنيا فإنه يجتمع أهل الشرق والغرب فى ذلك اليوم بمنى والمزدافة
وهو عيد المسلمين، ويكون الغرض من القسم به تعظيم أمر الحج (وخامسها) حمل الآية على يوم
١١٦
قوله تعالى: وشاهد ومشهود. سورة البروج.
الجمعة ويوم عرفة ويوم النحر جميعاً لأنها أيام عظام فأقسم الله بها كما أقسم بالليالى العشر والشفع
والوتر ، ولعل الآية عامة لكل يوم عظيم من أيام الدنيا ولكل مقام جليل من مقاماتها وليوم
القيامة أيضاً لأنه يوم عظيم كما قال ( ليوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين) وقال ( فويل
للذين كفروا من مشهد يوم عظيم) ويدل على صحة هذا التأويل خروج اللفظ فى الشاهد
والمشهود على النكرة ، فيحتمل أن يكون ذلك على معنى أن القصد لم يقع فيه إلى يوم بعينه
فيكون معرفاً ( أما الوجه الأول ) وهو أن يحمل الشاهد على من تثبت الدعوى بقوله ،
فقد ذكروا على هذا التقدير وجوهاً كثيرة ( أحدها) أن الشاهد هو الله تعالى لقوله ( شهد
الله أنه لا إله إلا هو) وقوله ( قل أى شىء أكبر شهادة قل اللّه) وقوله ( أو لم يكف بربك
أنه على كل شىء شهيد) والمشهود هو التوحيد، لقوله (شهد الله أنه لا إله إلا هو) أو النبوة
(قل كفى بالله شهيداً بينى وبينكم) (وثانيها) أن الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود عليه
سائر الأنبياء، لقوله تعالى (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا يك على هؤلاء شهيداً)
ولقوله تعالى ( إنا أرسلناك شاهداً) (وثالثها ) أن يكون الشاهد هو الأنبياء، والمشهود عليه هو
الأمم ، لقوله تعالى ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد)، (ورابعها) أن يكون الشاهد هو جميع
الممكنات والمحدثات ، والمشهود عليه واجب الوجود، وهذا احتمال ذكرته أنا وأخذته من
قول الأصوليين هذا الاستدلال بالشاهد على الغائب ، وعلى هذا التقدير يكون القسم واقعاً بالخلق
والخالق، والصنع والصانع (وخامسها) أن يكون الشاهد هو الملك ، لقوله تعالى (وجاءت كل
نفس معها سائق وشهيد) والمشهود عليه هم المكلفون (وسادسها) أن يكون الشاهد هو الملك ،
والمشهود عليه هو الإنسان الدى تشهد عليه جوارحه يوم القيامة، قال ( يوم تشهد عليهم ألسنتهم
وأيديهم وأرجلهم) (وقالوا لجلودهم لم شهد تم علينا) وهذا قول عطاء الخراسانى. (وأما الوجه
الثالث) وهو أقوال مبنية على الروايات لا على الاشتقاق (فأحدها ) أن الشاهد يوم الجمعة،
والمشهوديوم عرفة، روى أبو موسى الأشعرى أنه عليه الصلاة والسلام قال ((اليوم الموعود يوم
القيامة، والشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، ويوم الجمعة ذخيرة اللّه لنا)) وعن أبى هريرة
مرفوعاً قال ((المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة، ما طلعت الشمس ولا غربت على أفضل
منه فيه ساعة لا يوافقها عبد، ؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب له، ولا يستعيذ من شر
إلا أعاذه منه)) وعن سعيد بن المسيب مرسلا عن النبى صلى الله عليه وسلم، قال
((سبيد الأيام يوم الجمعة وهو الشاهد، والمشهود يوم عرفة)) وهذا قول كثير من أهل
العلم كعلى بن أبى طالب عليه السلام ، وأبى هريرة وابن المسيب والحسن البصرى
والربيع بن أنس ، قال فتادة : شاهد ومشهود، يومان عظمهما الله من أيام الدنيا ، كما يحدث
أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة ( وثانيها) أن الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم النحر
١١٧
قوله تعالى : قتل اصحاب الاخدود. سورة البروج.
قُتِلَ أَعْخَبُ الْأُخْدُودِ (٦) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ﴾ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا فُعُودُ (يٌ وَهُمْ
عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ
٧
وذلك لأنهما يومان عظمهما الله رجعلهما من أيام أركان أيام الحج، فهذان اليومان يشهدان لمن
يحضر فيهما بالإيمان واستحقاق الرحمة ، وروى أنه عليه السلام ذبح كبشين ، وقال فى أحدهما وهذا
عمن يشهد لى بالبلاغ)) فيحتمل لهذا المعنى أن يكون يوم النحر شاهداً لمن حضره بمثل ذلك لهذا
الخبر (وثالثها) أن الشاهد هو عيسى لقوله تعالى حكاية عنه (وكنت عليهم شهيداً)، (ورابعها) الشاهد
هو الله والمشهود هو يوم القيامة، قال تعالى ( ياويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن
وصدق المرسلين) وقوله (ثم ينبتهم بما عملوا)، (وخامسها) أن الشاهد هو الإنسان، والمشهود هو
التوحيد لقوله تعالى ( وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) (وسادسها) أن الشاهد الإنسان
والمشهود هو يوم القيامة ، أما كون الإنسان شاهداً فلقوله تعالى (قالوا بلى شهدنا) وأما كون
يوم القيامة مشهوداً فلقوله ( أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) فهذه هى الوجوه
الملخصة ، والله أعلم بحقائق القرآن.
قوله تعالى: ﴿ قتل أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعوذ، وهم على ما يفعلون
بالمؤمنين شهود ﴾.
أعلم أنه لابد للقسم من جواب، واختلفوا فيه على وجوه (أحدها) ما ذكره الأخفش وهو
أن جواب القسم قوله (قتل أصحاب الأخدود) واللام مضمرة فيه، كما قال ( والشمس وضحاها)
(قد أفلح من زكاها) يريد. لقد أفلح، قال وإن شئت على التقديم كأنه قيل قتل أصحاب الأخدود
والسماء ذات البروج (وثانيها) ما ذكره الزجاج ، وهو أن جواب القسم (إن بطش ربك لشديد
وهو قول ابن مسعود وقتادة( وثالثها ) أن جواب القسم قوله (إن الذين فتنوا ) الآية كما تقول
والله إن زيداً لقائم، إلا أنه اعترض بين القسم وجوابه، قوله ( قتل أصحاب الأخدود) إلى قوله
(إن الذين فتنوا) (ورابعها) ما ذكره جماعة من المتقدمين أن جواب القسم محذوف، وهذا اختيار
صاحب الكشاف إلا أن المتقدمين ، قالوا ذلك المحذوف هو أن الأمر حق فى الجزاء على الأعمال
وقال صاحب الكشاف جواب القسم هو الذى يدل عليه قوله ( قتل أصحاب الأخدود ) كأنه قيل
أقسم بهذه الأشياء ، أن كفار قريش ملعونون كما لعن أصحاب الأخدود ، وذلك لأن السورة
وردت فى تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أذى أهل مكة وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من
التعذيب على الإيمان حتى يقتدوا بهم ويصبروا على أذى قومهم ، ويعلموا أن كفار مكة عنداته
بمنزلة أولئك الذين كانوا فى الأمم السالفة يحرقون أهل الإيمان بالنار ، وأحقاء بأن يقال فيهم
قتلت قريش كما ( قتل أصحاب الأخدود) أما قوله تعالى (قتل أصحاب الأخدود) ففيه مسائل:
١١٨
قوله تعالى : قتل اصحاب الاخدود. سورة البروج.
المسألة الأولى ﴾ ذكروا قصة أصحاب الأخدود على طرق متباينة ونحن نذكر منها ثلاثة:
(أحدها) أنه كان لبعض الملوك سأخر، فلما كبر ضم إليه غلام ليعلمه السحر، وكان فى طريق
الغلام راهب ، فال قلب الغلام إلى ذلك الراهب ثم رأى الغلام فى طريقه ذات يوم حية قد حبست
الناس فأخذ حجراً ، وقال: اللهم ان كان الراهب أحب إليك من الساحر فقونى على قتلها بواسطة
رمى الحجر إليها، ثم رمى فقتلها ، فصار ذلك سبباً لإعراض الغلام عن السحر واشتغاله بطريقة
الراهب، ثم صار إلى حیث یبری. الأ كمه والأبرص و يشفى من الأدواء، فاتقق أن على جليس
للملك فأبرأه فلما رآه الملك قال من رد عليك نظرك ؟ فقال ربى فغضب فعذبه فدل على الغلام
فعذبه فدل على الراهب فأحضر الراهب وزجره عن دينه فلم يقبل الراهب قوله فقد بالمنشار ، ثم
أقوا بالغلام إلى جبل ليطرح من ذروته فدعا الله، فرجف بالقوم فهلكوا ونجا، فذهبوا به إلى سفينة
لججوا بها ليغرقوه، فدعا الله فانكفأت بهم السفينة فغرةوأ ونجا، فقال للملك لست بقاتلى حتى
تجمع الناس فى صعيد وتصلبنى على جذع وتأخذ سهماً من كنانتى، وتقول بسم الله رب الغلام ثم
ترمينى به ، قرماه فوقع فى صدغه فوضع يده عليه ومات ، فقال الناس آمنا برب الغلام . فقيلى للملك
نزل بك ما كنت تحذر، فأمر بأخاديد فى أفواه السكك ، وأوقدت فيها النيران ، فمن لم يرجع
منهم طرحه فيها ، حتى جاءت امرأة معها صبى فتقاعست أن تقع فيها فقال الصبى يا أماه اصبرى
فإنك على الحق ، فصبرت على ذلك .
﴿ الرواية الثانية ) روى عن على عليه السلام أنهم حين اختلفوا فى أحكام المجوس قال م
أهل الكتاب وكانوا متمسكين بكتابهم وكانت الخمر قد أحلت لهم فتناولها بعض ملوكها فسكر فوقع
على أخته فلما صما ندم وطلب المخرج فقالت له المخرج أن تخطب الناس فتقول إن اللّه تعالى قد
أحل نكاح الأخوات ثم تخطبهم بعد ذلك فتقول بعد ذلك حرمه لخطب فلم يقبلوا منه ذلك فقالت
له أبسط فيهم السوط فلم يقبلوا فقالت أبسط فيهم السيف فلم يقبلوا فأمرته بالأعاديد وإيقاد
النيران وطرح من أتى فيها الذين أرادهم الله بقوله ( قتل أصحاب الأخدود).
﴿ الزوية الثالثة) أنه وقع إلى نجران رجل من كان على دين عيسى فدعاهم فأجابوه فصار
إليهم ذو نواس اليهودى بجنود من حمير خيرهم بين النار واليهودية فأبوا، فأحرق منهم اثنى عشر
ألفاً فى الأخاديد، وقيل سبعين ألفاً، وذكر أن طول الأخدود أربعون ذراعا وعرضه اثنا عشر
ذراعا، وعن النبي ◌ُّبيع ((أنه كان إذا ذكر أصحاب الأخدود تعوذ بالله من جهد البلاء )) فإن قيل
تعارض هذه الروايات يدل على كذبها، قلنا لا تعارض فقيل إن هذا كان فى ثلاث طوائف ثلاث
مرات مرة باليمن، ومرة بالعراق، ومرة بالشام، ولفظ الأخدود، وإن كان واحداً إلا أن المراد
هو الجمع وهو كثير من القرآن، وقال القفال: ذكروا فى قصة أصحاب الأخدود روايات مختلفة
وليس فى شىء منها ما يصح إلا أنها متفقة فى أنهم قوم من المؤمنين خالفوا قومهم أو ملكا كافراً
١١٩
قوله تعالى : النار ذات الوقود. سورة البروج.
كان حاكما عليهم فألقاهم فى أخدود وحفر لهم، ثم قال وأظن أن تلك الواقعة كانت مشهورة عند قريش
فذكرانته تعالى ذلك لأصحاب رسوله تنبيهاً لهم على ما يلزمهم من الصبر على دينهم واحتمال المكاره فيه فقد
كان مشركوا قريش ؤذون المؤمنون على حسب ما اشتهرت به الأخبار من مبالغتهم فى إيذاء عماروبلال.
﴿ المسألة الثانية﴾ الأخدود: الشق فى الأرض بحفر مستطيلا وجمعه الأخاديد ومصدره
الخد وهو الشق يقال خد فى الأرض خداً وتخدد له إذا صار طرائق كالشقوق .
المسألة الثالثة ﴾ يمكن أن يكون المراد بأصحاب الأخدود القاتلين، ويمكن أن يكون المراد
بهم المقتولين، والرواية المشهورة أن المقتولين هم المؤمنون ، وروى أيضاً أن المقتولين هم الجبابرة
لأنهم لما ألقوا المؤمنين فى النار عادت النار على الكفرة فأحرقتهم ونجى الله المؤمنين منها سالمين،
وإلى هذا القول ذهب الربيع بن أنس والواقدى وتأولوا قوله ( فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب
الحريق ) أى لهم عذاب جهنم فى الآخرة ولهم عذاب الحريق فى الدنيا. إذا عرفت هذه المقدمة
فنقول ذكروا فى تفسير قوله تعالى (قتل أصحاب الأخدود) وجوهاً ثلاثة وذلك لأنا إما أن نفسر
أصحاب الأخدود بالقاتلين أو بالمقتولين. أما على الوجه الأول فقيه تفيران (أحدهما) أن
يكون هذا دعاء عليهم أى لعن أصحاب الأخدود ، ونظيره قوله تعالى ( قتل الإنسان ما أكفره
(قتل الخراصون) (والثانى) أن يكون المراد أن أولئك القاتلين قتلوا بالنار على ما ذكرنا أن الجبابرة
لما أرادوا قفل المؤمنين بالنار عادت النار عليهم فقتلهم، وأما إذا فسرنا، أصحاب الأخدود
بالمقتولين كان المعنى أن أولئك المؤمنين قتلوا بالإحراق بالنار ، فيكون ذلك خبراً لادعاء.
المسألة الرابعة) قرى. قتل بالتشديد. أما قوله تعالى ( النار ذات الوقود) ففيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى ﴾ النار إنما تكون عظيمة إذا كان هناك شىء يحترق بها إما حطب أو غيره،
فالوقود اسم لذلك الشىء لقوله تعالى ( وقودها الناس والحجارة) وفى (ذات الوقود) تعظيم أمر
ما كان فى ذلك الأخدود من الخطب الكثير .
المسألة الثانية﴾ قال أبو على هذا بدل الاشتمال كمقولك سلب زيد ثوبه فإن الأخدود
مشتمل على النار .
المسألة الثالثة) قرىء الوقود بالضم، أما قوله تعالى (إذ هم عليها قعود) ففيه مسألتان فى
ف المسألة الأولى﴾ العامل فى إذ قتل والمعنى لعنوا فى ذلك الوقت الذى هم فيه قعود عند
الأخدود يعذبون المؤمنين .
المسألة الثانية﴾ فى الآية إشكال وهو أن قوله (هم) ضمير عائد إلى أصحاب الأخدود ، لأن
ذلك أقرب ٣ كورات والضمير فى قوله (عليها) عائد إلى النار فهذا يقتضى أن أصحاب الأخدود
كانوا قاعدين على النار ، ومعلوم أنه لم يكن الأمر كذلك (والجواب) من وجوه (أحدها) أن
الضمير فى هم عائد إلى أصحاب الأخدود، لكن المرادهنا من أصحاب الأخدود المقتولون لا القاتلون
١٢٠
قوله تعالى : وما نقموا منهم. سورة البروج.
الَّذِى لَهُ، مُلْكُ
.٨
وَمَ نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
فيكون المعنى إذ المؤمنين قعود على النار يحترقون مطرحون على النار (وثانيها) أن يجعل الضوير فى
(عليها) عائدا إلى طرف النار وشفيرها والمواضع التى يمكن الجلوس فيها، ولفظ، على مشعر بذلك
تقول مررت عليها تريد مستعلياً بمكان يقرب منه، فالقائلون كانوا جالسين فيها وكانوا يعرضون
المؤمنين على النار ، فمن كان يترك دينه تركوه ومن كان يصبر على دينه ألقوه فى النار (وثالثها)
هب، أنا سلمنا أن الضمير فى هم عائد إلى أصحاب الأخدود بمعنى القاتين، والضمير فى عليها عائد إلى
النار ، فلم لا يجوز أن يقال. إن أولئك القائلين كانوا قاعدين على النار، فإذا بينا أنهم لما ألقوا
المؤمنين فى النار ارتفعت النار إليهم فهلكوا بنفس مافعلوه بأيديهم لأجل إهلاك غيرهم ، فكانت
الآية دالة على أنهم فى تلك الحالة كانوا ملعونين أيضاً، ويكون المعنى أنهم خسروا الدنيا والآخرة
(ورابعها) أن تكون على بمعنى عند، كما قيل فى قوله (ولهم على ذنب ) أى عندى .
أما قوله تعالى (وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود) فاعلم أن قوله ( شهود) يحتمل أن يكون.
المراد منه حضور ، ويحتمل أن يكون المراد منه الشهود الذين تثبت الدعوى بشهادتهم ، أما على
الوجه الأول، فالمعنى إن أولئك الجبابرة القاتلين كانوا حاضرين عند ذلك العمل يشاهدون ذلك
فيكون الغرض من ذكر ذلك أحد أمور ثلاثة: إما وصفهم بقسوة القلب إذكانوا عند التعذيب
بالنار حاضرين مشاهديزله ، وأما وصفهم بالجد فى تقرير كفرهم وباطلهم حيث حضروا فى تلك
المواطن المنفرة والأفعال الموحشة، وأما وصف أولئك المؤمنين المقتولين بالجد دينهم والإصرار
على حقهم ، فإن الكفار إنما حضروا فى ذلك الموضع طمعاً فى أن هؤلاء المؤمنين إذا نظروا
إليهم هابوا حضورهم واحتشموا من مخالفتهم ، ثم إن أولئك المؤمنين لم يلتفتوا إليهم وبقوا
مضرين على دينهم الحق ، فإن قلت المراد من الشهود إن كان هذا المعنى ، فكان يجب أن يقال وهم
لما يفعلون شهود ولا يقال وهم على ما يفعلون شهود؟ قلنا إنما ذكر لفظة على بمعنى أنهم على
قبح فعلهم بهؤلاء المؤمنين، وهو إحراقهم بالنار كانوا حاضرين مشاهدين لتلك الأفعال القبيحة.
﴿ أما الإحتمال الثانى) وهو أن يكون المراد من الشهود الشهادة التى تثبت الدعوى بها ففيه وجوه
(أحدها ) أنهم جعلوا شهوداً يشهد بعضهم لبعض عند الملك أن أحداً منهم لم يفرط فيما أمر به،
وفوض إليه من التعذيب (وثانيها) أنهم شهود على ما يفعلون بالمؤمنين يؤدون شهادتهم يوم
القيامة ( يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون). (وثالثها) أن هؤلاء
الكفار مشاهدون لما يفعلون بالمؤمنين من الإحراق بالنار حتى لو كان ذلك من -ر مهم لكانوا
شهوداً عليه، ثم مع هذا لم تأخذهم بهم رأفة ، ولا حصل فى قلوبهم ميل ولا شفقة .
قوله تعالى: ﴿ وما نقموا منهم إلا يؤمنوا بالله العزيز الحميد، الذى له ملك السموات