النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
قوله تعالى : ما غرك بربك الكريم. سورة الانفطار.
إنما قال (بربك الكريم) ليكون ذلك جواباً عن ذلك السؤال حتى يقول غرنى كرمك، ولولا كرمك
لما فعلت لأنك رأيت فسترت، وقدرت فأمهلت، وهذا الجواب إنما يصح إذا كان المراد من
قوله ( يا أيها الإنسان ) ليس الكافر .
﴿ السؤال الثانى) ما الذى ذكره المفسرون فى سبب هذا الاغترار؟ قلنا وجوه (أحدها)
قال قتادة سبب غرور ابن آدم تسويل الشيطان له (وثانيها) قال الحسن غره حمقه وجهله (وثالثها)
قال مقاتل، غره عفو الله عنه حين لم يعاقبه فى أول أمره، وقيل الفضيل بن عياض إذا أثاءك الله
يوم القيامة ، وقال لك ( ما غرك بربك الكريم) ماذا تقول ؟ قال أفول غرتنى ستورك المرخاة.
﴿السؤال الثالث) ما معنى قراءة سعيد بن جبير ما أغرك؟ (قلنا) هو إما على التعجب وإما على
الاستفهام من قولك غر الرجل فهو غار إذا غفل، ومن قولك بيتهم العدو وهم غارون، وأغره
غيره جعله غاراً، أما قوله تعالى ( الذى خلقك ) فاعلم أنه تعالى لما وصف نفسه بالكرم ذكر
هذه الأمور الثلاثة كالدلالة على تحقق ذلك الكرم (أولها) الخلق وهو قوله ( الذى خلقك)
ولا شك أنه كرم وجود لأن الوجود خير من العدم، والحياة خير من الموت، وهو الذى قال
(كيف تكفرول بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم) ، (وثانيها) قوله (فسواك) أى جعلك سوياً
سالم الأعضاء تسمع وتبصر ، ونظيره قوله (أكفرت بالذى خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك
رجلا) قال ذو النون سواك أى سخ لك المكونات أجمع، وما جعلك مسخرا لشىء منها ، ثم أنطق
لسانك بالذكر، وقلبك بالعقل، وروحك بالمعرفة، وسرك بالإيمان، وشرفلا بالأمر والنهى
وفضلك على كثير ممن خلق تفضيلا ( وثالثها) قوله ( فعدلك ) وفيه بحثان :
﴿ البحث الأول) قال مقاتل يزيد عدل خلفك فى العينين والأذنين واليدين والرجلين فلم
يجعل إحدى اليدين أطول ولا إحدى العينين أوسع ، وهو كقوله ( بلى قادرين على أن نوى
بنانه ) وتقريره ما عرف فى علم التشريح أنه سبحانه ركب جانبى هذه الجئة على القسوى حتى أنه
لا تفاوت بين نصفيه لا فى العظام ولا فى أشكالها ولا فى ثقبها ولا فى الأوردة والشرايين
والأعصاب النافذة فيها والخارجة منها ، واستقصاء القول فيه لا يليق بهذا العلم، وقال عطاء عن ابن
عباس : جعلك قائما معتدلا حسن الصورة لا كالبهيمة المنحنية ، وقال أبو على الفارسى عدل خلفك
فأخرجك فى أحسن التقويم ، وبسبب ذلك الاعتدال جعلك مستعداً لقبول العقل والقدرة والفكر،
وصيرك بسبب ذلك مستولياً على جميع الحيوان والنبات ، وواصلا بالكمال إلى مالم يصل إليه شى.
من أجسام هذا العالم.
﴿ البحث الثانى ) قرأ الكوفيون فعدلك بالتخفيف، وفيه وجوه (أجدها ) قال أبو على
الفارسى أن يكون المعنى عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت ( والثانى) قال الفراء ( فعدلك)
أى فصرفك إلى أى صورة شاء، ثم قال، والتشديد أحسن الوجهين لأنك تقول عدلتك إلى كذا
الفخر الرازي - ج ٣١ م ٦

٨٢
قوله تعالى : كلابل تكذبون بالدين. سورة الانفطار.
٩
كَلَّا بَلْ تُكَذِبُونَ بِآلدِینِ
كما تقول صرفتك إلى كذا، ولا يحسن عدلتك فيه ولاصرفتك فيه ، ففى القراءة الأولى جعل فى
من قوله (فى أى صورة) صلة للتركيب، وهو حسن ، وفى القراءة الثانية جعله صلة لقوله (فعدلك)
وهو ضعيف، واعلم أن اعتراض القراء إنما يتوجه على هذا الوجه الثانى، فأما على الوجه الأول
الذى ذكره أبو على الفاسى فغير متوجه ( والثالث) نقل الففائ عن بعضهم أنهما لغتان بمعنى
واجد، أما قوله ( فى أى صورة ماشاء ركبك) ففيه مباحث (الأول) ما هل هى مزيدة أم لا ؟ فيه
قولان (الأول) أنها ليست مزيدة، بل هى فى معنى الشرط والجزاء فيكون المعنى فى أى صورة
ماشاء أن يركبك فيها ركبك، وبناء على هذا الوجه، قال أبو صالح ومقاتل: المعنى إن شاء ركبك
فى غير صورة الإنسان من صورة كلب أو صورة حمار أو خنزير أو قرد ( والقول الثانى) أنها صلة
مؤكدة والمعنى فى أى صورة تقتضيها مشيئته وحكمته من الصور المختلفة ، فإنه سبحانه يركبك
على مثلها ، وعلى هذا القول تحتمل الآية وجوهاً (احدها) أن المراد من الصور المختلفة شبه
الأب والأم، أو أقارب الأب أو أقارب الأم، ويكون المعنى أنه سبحانه يركبك على مثل صور
هؤلاء ويدل على صحة هذا ماروى أنه عليه السلام قال فى هذه الآية ((إذا استقرت النطفة فى
فى الرحم، أحضرها الله كل نسب بينها وبين أدم))، (والثانى) وهو الذى ذكره الفرآه والزجاج
أن المراد من الصور المختلفة الاختلاف بحسب الطول والقصر والحسن والقبح والذكورة
والأنوثة ، ودلالة هذه الحالة على الصانع القادر فى غاية الظهور، لأن النطفة جسم متشابه الأجزاء
وتأثير طبع الأبوين فيه على السوية ، فالفاعل المؤثر بالطبيعة فى القابل المتشابه لا يفعل إلا فعلا
واحداً ، فلما اختلفت الآثار والصفات دل ذلك الاختلاف على أن المدير هو القادر المختار، قال
القفال اختلاف الخلق والألوان كاختلاف الأحوال فى الغنى والفقر والصحة والسقم، فكما أما
تقطع أنه سبحانه إنما ميز البعض عن البعض فى الغنى والفقر، وطول العمر وقصره ، بحكمة بالغة
لا يحيط بكنها إلا هو، فكذلك نعلم أنه إنما جعل البعض مخالفاً للبعض ، فى الخلق والألوان
بحكمة بالغة ، وذلك لأن بسبب هذا الاختلاف يتميز المحسن عن المسىء والقريب عن
الأجنبى ، ثم قال ونحن نشهد شهادة لاشك فيها أنه سبحانه لم يفرق بين المناظر والهيئات إلا لما
علم من صلاح عباده فيه وإن كنا جاهلين بعين الصلاح (القول الثالث ) قال الواسطى المراد
صورة المطيعين والعصاة فليس من ركبه على صورة الولاية كمن ركبه على صورة العداوة ، قال
آخرون إنه إشارة إلى صفاء الأرواح وظلمتها ، وقال الحسين منهم من صوره ليستخلصه لنفسه ،
ومنهم من صوره ليشغله بغيره (مثال الأول) أنه خلق آدم ليخصه بألطاف بره وإعلاء قدره وأظهر
روحه من بين جمالة وجلاله، وتوجه بتاج الكرامة وزينه برداء الجلال والهيبة .
وله تعالى: ﴿كلا بل تكذبون بالدين ) اعلم أنه سبحانه لما بين بالدلائل العقلية على صحة القول

٨٣
قوله تعالى : وإن عليكم لحافظين. سورة الانفطار.
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ (٠ْ كِرَامًا كَلِينَ لِْهِ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (
بالبعث والنشور على الجملة ، فرع عليها شرح تفاصيل الأحوال المتعلقة بذلك، وهو أنواع:
( النوع الأول ) أنه سبحانه زجرهم عن ذلك الاغترار بقوله ( كلا) و (بل) حرف
وضع فى اللغة لنفى شىء قد تقدم وتحقق غيره، فلا جرم ذكروا فى تفسير (كلا) وجوهاً (الأول)
قال القاضى معناه أنكم لا تستقيمون على توجيه نعمى عليكم وإرشادى لكم ، بل تكذبون بيوم
الدين (الثانى) كلا أى أرتدعوا عن الاغترار بكرم الله، ثم كأنه قال وإنكم لات تدعون عن ذلك
بل تكذبون بالدين أصلا ( الثالث ) قال القفال كلا أى ليس الأمر كما تقولون من أنه لا بعث
ولا نشور، لأن ذلك يوجب أن الله تعالى خلق الخلق عبئاً وسدى، وحاشاه من ذلك. ثم كانه قال
وإنكم لا تنتفعون بهذا البيان بل تكذبون، وفى قوله ( تكذبون بالدين) وجهان ( الاول) أن
يكون المراد من الدين الاسلام، والمعنى أنكم تكذبون بالجزاء على الدين والإسلام (الثانى) أن
يكون المراد من الدين الحساب، والمعنى أنكم تكذبون بيوم الحساب.
﴿ النوع الثانى) قوله تعالى ﴿ وإن عليكم لحافظين، كراماً كاتبين، يعلمون ما تفعلون)
والمعنى التعجب من حالهم ، كأنه سبحانه قال إنكم تكذبون بيوم الدين وهو يوم الحساب
والجزاء، وملائكة الله موكاون بكم يكتبون أعمالكم حتى تحاسبوا بها يوم القيامة، ونظيره قوله تعالى
(عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلالديه رقيب عتيد) وقوله تعالى ( وهو القاهر فوق
عباده ويرسل عليكم حفظة ) ثم ههنا مباحث :
﴿ الأول ) من الناس من طعن فى حضور الكرام الكاتبين من وجوه: (أحدها) أن
هؤلاء الملائكة ، إما أن يكونوا من كبين من الأجسام اللطيفة كالهواء والنسيم والنار، أو من
الأجسام الغليظة ، فإن كان الأول لزم أن تنتقض بنيتهم بأدنى سبب من هبوب الرياح الشديدة
وإمرار اليد والكم والسوط فى الهواء، وإن كان الثانى وجب أن نراهم إذ لوجاز أن يكونوا حاضرين
ولا نراهم ، لجاز أن يكون بحضرتنا شموس وأقمار وفيلات وبوقات ، ونحن لا نراها ولا نسمعها
وذلك دخول فى التجاهل، وكذا القول فى إنكار صحائفهم وذواتهم وقدهم ( وثانيها) أن هذا
الاستكتاب إن كان خالياً عن الفوائد فهو عبث وذلك غير جائز على اللّه تعالى، وإن كان فيه فائدة
فتلك الفائدة، إما أن تكون عائدة إلى الله تعالى أو إلى العبد (والأول) محال لأنه متعال عن النفع
والضر ، وبهذا يظهر بطلان قول من يقول إنه تعالى إنما استكتبها خوفاً من النسيان الغلط (والثانى)
أيضاً محال، لأن أقصى ما فى الباب أن يقال فائدة هذا الاستكتاب أن يكونوا شهوداً على الناس
وحجة عليهم يوم القيامة إلا أن هذه الفائدة ضعيفة ، لأن الإنسان الذى علم أن الله تعالى لا يجور
ولا يظلم ، لا يحتاج فى حقه إلى إثبات هذه الحجة ، والذى لا يعلم ذلك لا ينتفع بهذه الحجة لاحتمال

٨٤
قوله تعالى : وإن عليكم لحافظين. سورة الانفطار.
أنه تعالى أمرهم بأن يكتبوا تلك الأشياء عليه ظلماً (وثالثها) أن أفعال القلوب غير مرئية
ولا محسوسه فتكون هى من باب المغيبات، والغيب لا يعلمه إلا الله تعالى على ما قال (وعنده
مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) وإذا لم تكن هذه الأفعال معلومة للملائكة استحال أن يكتبوها
والآية تقضى أن يكونواكاتبين علينا كل ما نفعله ، سواء كان ذلك من أفعال القلوب أم لا ؟
( والجواب) عن (الأول) أن هذه الشبهة لا تزال إلا على مذهبنا بناء على أصلين (أحدهما)
أن البنية ليست شرطاً للحياة عندنا (والثانى) أى عند سلامة الحاسبة وحضور المرئى وحصول سائر
الشرائط لا يجب الإدراك، فعلى الأصل الأول يجوز أن تكون الملائكة أجراماً لطيفة تتمزق وتتفرق
ولكن تبقى حياتها مع ذلك ، وعلى الأصل الثانى يجوز أن يكونوا أجساماً كثيفة لكنا لانراها
(والجواب) عن الثانى أن الله تعالى إنما أجرى أموره مع عباده على ما يتعاملون به فيما بينهم لأن ذلك
أبلغ فى تقرير المعنى عندهم ، ولمنا كان الأبلغ عندهم فى المحاسبة إخراج كتاب بشهود خوطبوا
بمثل هذا فيما يحاسبون به يوم القيامة ، فيخرج لهم كتب منشورة، ويحضر هناك ملائكة يشهدون
عليهم كما يشهد عدول السلطان على من بمصيه ويخالف أمره، فيقولون له أعطاك الك كذاوكذا،
وفعل بك كذا وكذا ، ثم قد خلفته وفعلت كذا وكذا ، فكذا ههذا والله أعلم بحقيقة ذلك
(الجواب) عن الثالث أن غاية مافى الباب تخصيص هذا العموم بأفعال الجوراح، وذلك غير متنع.
﴿ البحث الثانى) أن قوله تعالى (وإن عليكم لحافظين) وإن كان خطاب مشافهة إلا أن الأمة
مجمعة على أن هذا الحكم عام فى حق كل المكلفين ، ثم ههنا احتمالان :
﴿ أحدهما) أن يكون هناك جمع من الحافظين، وذلك الجمع يكونون حافظين لجميع بنى آدم
من غير أن يختص واحد من الملائكة بواحد من بنى آدم .
﴿وثانيهما) أن يكون المؤكل بكل واحد منهم غير الموكل بالآخرة، ثم يحتمل أن يكون الموكل
بكل واحد من بنى آدم واحداً من الملائكة لأنه تعالى قابل الجمع بالجمع ، وذلك يقتضى مقالة
الفرد بالفرد ، ويحتمل أن يكون الموكل بكل واحد منهم جمعاً من الملائكة كما قيل اثنان بالليل ،
واثنان بالنهار ، أو كما قيل إنهم خمسة .
﴿ البحث الثالث) أنه تعالى وصف هؤلاء الملائكة بصفات (أولها) كونهم حافظين
(وثانيها) كونهم كراماً ( وثالثها) كونهم كاتبين (ورابعها) كونهم يعلمون ما تفعلون، وفيه
وجهان (أحدهما ) أنهم يعلمون تلك الأفعال حتى يمكنهم أن يكتبوها ، وهذا تنبيه على أن
الإنسان لا يجوز له الشهادة إلا بعد العلم (والثانى) أنهم يكتبونها حتى يكونوا عالمين بها عند
أداء الشهادة .
واعلم أن وصف الله إياهم بهذه الصفات الخمسة يدل على أنه تعالى أثى عليهم وعظم شأنهم ،
وفى تعظيمهم تعظيم لأمر الجزاء، وأنه عند الله تعالى من جلائل الأمور ، ولولا ذلك لما وكل

٨٥
قوله تعالى : إن الابرار لفي نعيم. سورة الانفطار.
٠٠٠٠٠٠
يَصْلَوْنْهَا يَوم
إِنَّ الْأُبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴾ وَإِنَّ الْفُجَّرَ لَفى جَحِيٍ ◌َّ
الَّذِينِ ﴿ وَمَاهُمْ عَنْهَا بِغَآ مِينَ
١٦)
بضبط ما يحاسب عليه، هؤلاء العظماء الأكابر، قال أبو عثمان: من يزجره من المعاصى مراقبة الله
إياه ، كيف يرده عنها كتابة الكرام الكاتبين.
﴿ النوع الثالث﴾ من تفاريع مسألة الحشر قوله تعالى ﴿إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار
لفى جحيم ، يصلونها يوم الدين ، وهم عنهم بغائبين
اعلم أن الله تعالى لما وصف الكرام الكاتبين لأعمال العباد ذكر أحوال العاملين فقال (إن
الأبرار لفى نعيم) وهو نعيم الجنة ( وإن الفجار افى جحيم) وهو النار، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى) أن القاطعين بوعيد أصحاب الكبائر تمسكوا بهذه الآية، فقالوا صاحب
الكبيرة فاجر؛ والفجار كلهم فى الجحيم، لأن لفظ الجحيم إذا دخل عليه الألف واللام أفاد الاستغراق
والكلام فى هذه المسألة قد استقصيناه فى سورة البقرة، وههنا نكت زائدة لا بد من ذكرها:
قالت الوعيدية حصلت فى هذه الآية وجوه دالة على دوام الوعيد (أحدها ) قوله تعالى ( يصلوتها
يوم الدين) ويوم الدين يوم الجزاء ولا وقت إلا ويدخل فيه ، كما تقول يوم الدنيا ويوم الآخرة
(الثانى) قال الجبائى لو خصصنا قوله (وإن الفجار افى جحيم) لكان بعض الفجار يصيرون إلى
الجنة ولو صاروا إليها لكانوا من الأبرار وهذا يقتضى أن لا يتميز الفجار عن الأبرار، وذلك
باطل لأن الله تعالى ميز بين الأمرين، فاذن يجب أن لا يدخل الفجار الجنة كما لا يدخل الأبرار النار
(والثالث) أنه تعالى قال ( وما هم عنها بغائبين) وهو كقوله ( وما هم بخارجين منها) وإذا لم يكن
هناك موت ولا غيبة فليس بعدهما إلا الخلود فى النار أبد الآبدين ، ولما كان اسم الفاجر يتناول
الكافر والمسلم صاحب الكبيرة ثبت بقاء أصحاب الكبائر أبداً فى النار، وثبت أن الشفاعة للمطيعين
لا لأهل الكبائر (والجواب عنه) أنا بينا أن دلالة ألفاظ العموم على الاستغراق دلالة ظنية
ضعيفة والمسألة قطعية. والتمسك بالدليل الظنى فى المطلوب القطعى غير جائز، بل ههنا ما يدل على
قولنا، لأن استعمال الجمع المعرف بالألف واللام فى المعهود السابق شائع فى اللغة ، فيحتمل أن يكون
اللفظ ههنا عائداً إلى الكافرين الذين تقدم ذكرهم من المكذبين بيوم الدين ، والكلام فى ذلك
قد تقدم على سبيل الاستقصاء، سلمنا أن العموم يفيد القطع، لكن لا نسلم أن صاحب الكبيرة
فاجر، والدليل عليه قوله تعالى فى حق الكفار (أولئك هم؛ الكفرة الفجرة) فلا يخلو إما أن
يكون المراد ( أولئك هم الكفرة) الذين يكونون من جنس الفجرة أو المراد (أولئك هم الكفرة)
وهم (الفجرة) (والأول) باظل لأن كل كافر فهو فاجر بالإجماع، فتقييد الكافر بالكافر

٨٦
قوله تعالى : وما ادراك ما يوم الدين. سورة الانفطار.
وَمَا أَدْرَئِكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (٨٧) ثُمَّمَا أَدْرَئِكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (٨) يَوْمَ لَا
تَّلِكُ نَفْسُ لِنَفْسِ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَذٍ لَِّ ﴾
الذى يكون من جنس الفجرة عبث، وإذا بطل هذا القسم بقى الثانى، وذلك يفيد الحصر ، وإذا
دلت هذه الآية على أن الكفار هم الفجرة لا غيرهم ، ثبت أن صاحب الكبيرة ليس بفاجر على
الإطلاق ، سلمنا إن الفجار يدخل تحته الكافر والمسلم ، لكن قوله (وما هم عنها بغائبين) معناه
أن مجموع الفجار لا يكونون غائبين ، ونحن نقول بموجبه ، فإن أحد نوعى الفجار وم الكفار
لا يغيبون، وإذا كان كذلك ثبت أن صدق قولنا إن الفجار بأسرهم لا يغيبون ، يكفى فيه أن
لا يغيب الكفار، فلا حاجة فى صدقه إلى أن لا يغيب المسلمون ، سلمنا ذلك لكن قوله (وماهم عنها
بغائبين) يقتضى كونهم فى الحال فى الجحيم وذلك كذب. فلابد من صرفه عن الظاهر، فهم يحملونه
على أنهم بعد الدخول فى الجحيم يصدق عليهم قوله ( وما هم عنها بغائبين) ونحن نحمل ذلك على أنهم
فى الحال ليسوا غائبين عن استحقاق الكون فى الجحيم، إلا أن ثبوت الاستحقاق لا ينافى العفو ،
سام: أذلك لكنه معارض بالدلائل الدالة على العفو وعلى ثبوت الشفاعة لأهل الكبائر، والترجيح لهذا
الجانب ، لأن دليلهم لايد وأن يقاول جميع الفجار فى جميع الأوقات، وإلا لم يحصل مقصودهم،
ودليلنا يكفى فى صحته تناوله لبعض الفجار فى بعض الأوقات ، فدليلهم لابد وأن يكون عاماً ،
ودليلنا لابد وأن يكون خاصاً والخاص ، مقدم على العام، والله أعلم .
﴿ المسألة الثانية﴾ فيه تهديد عظيم العصاة حكى أن سليمان بن عبد الملك مر بالمدينة وهو
يريد مكة ، فقال لأبى حازم كيف القدوم على الله غدا؟ قال أما المحس فكالغائب يقدم من سفره
على أهله، وأما المسىء فكالآق يقدم على مولاه، قال فبكى، ثم قال: ليت شعرى ما لنا عند الله!
فقال أبو حازم اعرض عملك على كتاب الله، قال فى أى مكان من كتاب الله؟ قال (إن الأبرارافى
نعيم ، وإن الفجار افى جحيم) وقال جعفر الصادق عليه السلام النعيم المعرفة والمشاهدة، والجحيم
ظلمات الشهوات ، وقال بعضهم. النعيم القناعة، والجحيم الطمع، وقيل : النعيم التوكل ، والجحيم
الحرص، وقيل: النعيم الاشتغال بالله، والجحيم الاشتغال بغير الله تعالى.
﴿النوع الرابع﴾ من تفاريع الحشر تعظيم يوم القيامة، وهو قوله تعالى ﴿ وما أدراك مايوم
الدين، ثم ما أدرك ما يوم الدين، يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ الله ﴾ وفيه مسائل:
﴿ المسألة الأولى) اختلفوا فى الخطاب فى قوله (وما أدراك) فقال بعضهم هو خطاب
للكافر على وجه الزجر له ، وقال الأكثرون: إنه خطاب للرسول ، وإنما خاطبه بذلك لأنه ما كان
عالماً بذلك قبل الوحى.

٨٧
قوله تعالى : والامر يومئذ لله. سورة الانفطار.
المسألة الثانية﴾ الجمهور على أن التكرير فى قوله ( وما أدراك مايوم الدين، ثم ما أدريك
ما يوم الدين) لتعظيم ذلك اليوم ، وقال الجبائى: بل هولفائدة مجددة، إذ المراد بالأول أهل النار ،
والمراد بالثانى أهل الجنة، كأنه قال: وما أدراك ما يعامل به الفجار فى يوم الدين؟ ثم ما أدراك
ما يعامل به الأبرار فى يوم الدين؟ وكرر يوم الدين تعظيما لما يفعله تعالى من الأمرين بهذين الفريقين
﴿ المسألة الثالثة﴾ (يوم لاتملك) قراء تان الرفع والنصب، أما الرفع ففيه وجهان (أحدهما)
على البدل من يوم الدين (والثانى) أن يكون بإضمار هو فيكون المعنى هو يوم لا تملك، وأما النصب
ففيه وجوه (أحدها) بإضمار يدانون لأن الدين يدل عليه (وثانيها) بإضمار اذكروا ( وثالثها)
ما ذكره الزجاج يجوز أن يكون فى موضع رفع إلا أنه يبنى على الفتح لإضافته إلى قوله (لاتملك)
وما أضيف إلى غير المتمكن قد يبنى على الفتح، وإن كان فى موضع رفع أو جر كما قال :
لم يمنع الشرب منهم غير أن نطقت حمامة فى غصون ذات أو قال
فينى غير على الفتح لما أضيف إلى قوله إن نطقت، قال الواحدى: والذى ذكره الزجاج من البناء
على الفتح إنما يجوز عندالخليل وسيبريه، إذا كانت الإضافة إلى الفعل الماضى، نحوقولك على حين عاقبت،
أما مع الفعل المستقبل، فلا يجوز البناء عندهم، وبجوز ذلك فى قول الكوفيين، وقدذكرنا هذه المسألة
عندة وله (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم) (ورابعها) ماذكره أبو على وهو أن اليوم لما جرافى أكثر الأمر
ظرفاً ترك على حالة الأكثرية ، والدليل عليه اجماع القراء والعرب فى قوله ( منهم الصالحون ومنهم
دون ذلك) ولا يرفع ذلك أحد. وما يقوى النصب قوله (وما أدراك ما القارعة، يوم يكون الناس)
وقوله ( يسألون أيان يوم الدين، يومهم على النار يفتنون) فالنصب فى ( يوم لا تملك) مثل هذا.
﴿ المسألة الرابعة﴾ تمسكوا فى نفى الشفاعة للعصاة بقوله ( يوم لاتملك نفس لنفس شيئاً) وهو
كقوله تعالى (واتقوا يوماً لا تجزى نفس عن نفس شيئاً) (والجواب) عنه قد تقدم فى سورة البقرة.
﴿ المسألة الخامسة﴾ أن أهل الدنيا كانوا يتغلبون على الملك ويعين بعضهم بعضاً فى أمور ،
ويحمى بعضهم بعضاً ، فإذا كان يوم القيامة بطل ملك بنى الدنيا وزالت رياستهم ، فلا يحمى أحد
أحداً، ولا يغنى أحد عن أحد، ولا يتغلب أحد على ملك، ونظيره قوله (والأمر يومئذ لله)
وقوله ( مالك يوم الدين) وهو وعيد عظيم من حيث إنه عرفهم أنه لا يغنى عنهم إلا البر والطاعة
يومئذ، دون سائر ما كان قد يغنى عنهم فى الدنيا من مال وولد وأعوان وشفعاء. قال الواحدى :
والمعنى أن الله تعالى لم يملك فى ذلك اليوم أحداً شيئاً من الأمور ، كما ملكهم فى دار الدنيا. قال
الواسطى فى قوله ( يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً) إشارة إلى فناء غير الله تعالى، وهناك تذهب
الرسالات والكلمات والغايات ، فمن كانت صفته فى الدنيا كذلك كانت دنياه أخراه .
وأماقوله (والأمريومئذ لله) فهو إشارة إلى أن البقاء والوجودلله، والأمر كذلك فى الازل
وفى اليوم وفى الآخرة، ولم يتغير من حال إلى حال ، فالتفاوت عائد إلى أحوال الناظر ، لا إلى
أحوال المنظور إليه، فالكاملون لاتتفاوت أحوالهم بحسب تفاوت الأوقات ، كما قال: لو كشف
الغطاء ما ازددت يقينا، وكارثة لما أخبر بحضرة النبى ◌ّ اله يقول ((كأنى أنظر وكأنى وكأنى))
والله سبحانه وتعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين.

٨٨
سورة المطففين
(٨٣) سُورة المطفِفِيْنَمِكِيَّة
وَآَيَانِها سِنّتْ وَثَلاُونَ
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (ج) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾ وَ إِذَا
كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخِْرُونَ (
٣
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ويل للمطففين، الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾
اعلم أن اتصال أول هذه السورة بآخر السورة المتقدمة ظاهر، لأنه تعالى بين فى آخر تلك السورة
أن يوم القيامة يوم من صفته أنه لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمركله لله وذلك يقتضى تهديداً عظيما
للعصاة ، فلهذا أتبعه بقوله (ويل للمطففين) والمراد الزجر عن التطفيف ، وهو البخس فى المكيال
والميزان بالشىء القليل على سبيل الخفية، وذلك لأن الكثير يظهر فيمنع منه، وذلك القليل إن ظهر
أيضاً منع منه، فعلمنا أن التطيف هو البخس فى المكيال والميزان بالشىء القليل على سبيل الخفية، وههنا مسائل
المسألة الأولى﴾ الويل، كلمة نذكر عند وقوع البلاء، يقال ويل لك، وويل عليك.
المسألة الثانية﴾ فى اشتقاق لفظ المطفف قولان (الأول ) أن طف الشىء هو جانبه
وحرفه ، يقال طف الوادى والإناء ، إذا بلغ الشىء الذى فيه حرفه ولم يمتلى. فهو طفافه وطفافه
وطففه، ويقال هذا طف المكيال وطفافه، إذا قارب .لأه لكنه بعد لم يمثلى.، ولهذا قيل الذى
يسىء الكيل ولا يوفيه مطفف ، يعنى أنه إنما يبلغ الطفاف (والثانى) وهو قول الزجاج : أنه
إنما قيل الذى ينقص المكيال والميزان مطفف، لأنه يكون الذى لا يسرق فى المكيال والميزان
إلا الشيء اليسير الطفيف ، وههنا سؤالات:
﴿ الأول ) وهو أن الاكتيال الأخذ بالكيل ، كالاتزان الأخذ بالوزن، ثم إن اللغة
المعتادة أن يقال اكتلت من فلان، ولا يقال اكتلت على فلان، فما الوجه فيه ههنا؟
(الجواب) من وجهين (الاول) لما كان اكتيالهم من الناس ا كتيالا فيه إضرار بهم وتحامل
عليهم، أقيم على مقام من الدالة على ذلك (الثانى) قال الفراء: المراد اكتالوا من الناس , وعلى ومن

٨٩
قوله تعالى : وإذا كالوهم او وزنوهم. سورة المطففين.
فى هذا الموضع يعتقبان لأنه حق عليه ، فإذا قال اكتلت عليك ، فكانه قال أخذت ما عليك ،
وإذا قال اكتلت منك ، فهو كقوله استوفيت منك.
﴿السؤال الثانى) هو أن اللغة المعتادة أن يقال كالوا لهم، أووزنوا لهم، ولا يقال كلته ووزنته
فما وجه قوله تعالى ﴿إذا كالوهم او وزنوهما (والجواب) من وجوه (الأول) أن المراد من قوله
(كالوهم أو وزذرهم ) كالوا لهم أو وزنوا لهم، فذف الجار وأوصل الفعل. قال الكسائى والقراء:
وهذا من كلام أهل الحجاز ، ومن جاورهم يقولون: زنى كذا ، كلى كذا، ويقولون صدتك
وصدت لك، وكسبتك وكسبت لك، فعلى هذا الكتابة فى كالوهم ووزنوهم فى موضع نصب (الثانى)
أن يكون على حذف المضاف ، وإقامة المضاف إليه مقامه، والتقدير: وإذا كالوا مكيلهم، أو وزنوا
موزونهم (الثالث) يروى عن عيسى بن عمر، وحمزة أنهما كانا يجعلان الضميرين توكيداً لما فى كالوا
ويقفان عند الواوين وقيفة يبينان بها ما أرادا، وزعم الفراء والزجاج أنه غير جائز، لأنه لو كان
بمعنى كالوهم لكان فى المصحف ألف مثبتة قبل هم ، واعترض صاحب الكشاف على هذه الحجة ،
فقال إن خط المصحف لم يراع فى كثير منه حد المصطلح عليه فى علم الحظ ( والجواب) أن إثبات
هذه الألف لو لم يكن معتاداً فى زمان الصحابة فكان يجب إثباتها فى سائر الأعصار، لما أنا نعلم
مبالغتهم فى ذلك، فثبت أن إثبات هذه الألف كان معتاداً فى زمان الصحابة فكان يجب إثباته ههنا.
﴿السؤال الثالث) ما السبب فى أنه قال (ويل للمطففين الذين إذا ! كتالوا) ولم يقل إذا
انزنوا ، ثم قال (وإذا كالوهم أو وزنوم) تجمع بينهما؟ (الجواب) أن الكيل والوزن بهما الشراء
والبيع فأحدهما يدل على الآخر .
﴿ السؤال الرابع) اللغة المعتادة أن يقال خسرته، فما الوجه فى أخسرته ؟ (الجواب) قال
الزجاج أخسرت الميزان وخسرته سواء أى نقصته، وعن المؤرج يخسرون ينقصون بلغة قريش.
المسألة الثانية ) عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما قدم فى اللّه المدينة كانوا من أبخس الناس
كيلا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأحسنوا الكيل بعدذلك، وقيل كان أهل المدينة تجاراً يظففون
وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت هذه الآية، لخرج رسول اللّه مق التي فقرأها.
عليهم، وقال (خمس بخمس، قيل يارسول الله، وما خمس بخمس؟ قال مانقص قوم العهد إلا سلط.
الله عليهم عدوهم ، وما حكموا بغيرما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا
فشا فيهم الموت ، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا
حبس عنهم المطر » .
﴿المسألة الرابعة﴾ الذم إنما لحقهم بمجموع أنهم يأخذون زائداً، ويدفعون ناقصاً، ثم
اختلف العلماء، فقال بعضهم: هذه الآية دالة على الوعيد، فلا تتناول إلا إذا بلغ التطفيف حد
الكثير ، وهو نصاب السرقة، وقال آخرون بل ما يصغر ويكبر دخل تحت الوعيد، لكن بشرط

٩٠
قوله تعالى : الا يظن أولئك انهم. سورة المطففين.
أَلَا يَظُنُّ أَوْلَئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُونُونَ (*) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لَِبِّ
٦
اَلْعَلَبِينَ
أن لا يكون معه توبة ولا طاعة أعظم منها ، وهذا هو الأصح.
المسألة الخامسة) احتج أصحاب الوعيد بعموم هذه الآية، قالوا وهذه الآية واردة فى
أهل الصلاة لا فى الكفار ، والذى يدل عليه وجهان (الأول) أنه لو كان كافراً لمكان
ذلك الكفر أولى باقتضاء هذا الويل من التطفيف، فلم يكن حينئذ للتطفيف أثر فى هذا الويل ،
لكن الآية دالة على أن الموجب لهذا الويل هو التطفيف (الثانى) أنه تعالى قال للمخاطبين بهذه
الآية ( ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم) فكانه تعالى هدد المطففين بعذاب يوم القيامة ،
والتهديد بهذا لا يحصل إلا مع المؤمن، فثبت بهذين الوجهين أن هذا الوعيد مختص بأهل الصلاة
( والجواب) عنه ما تقدم مراراً، ومن لواحق هذه المسألة أن هذا الوعيد يتناول من يفعل ذلك
ومن يعزم عليه إذ العزم عليه أيضاً من الكبائر. واعلم أن أمر المكيال والميزان عظيم. وذلك
لأن عامة الخاق يحتاجون إلى المعاملات وهى مبنية على أمر المكيال والميزان ، فلهذا السبب
عظم الله أمره فقال ( والسماء رفعها ووضع الميزان، أن لا تظغوا فى الميزان، وأقيموا الوزن
بالقسط ولا تخسروا الميزان ) وقال (ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان
ليقوم الناس بالقسط) وعن قادة «أرف یا ابن آدم الکیل کما تحب أن یوفی لك، واعدل کما تحب
أن يعدل لك)) وعن الفضيل : بخس الميزان سواد الوجه يوم القيامة، وقال أعرابى لعبد الملك
ابن مروان: قد سمعت ما قال الله تعالى فى المطففين! أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد
العظيم فى أخذ القليل، فماظنك بنفسك وأنت تأخذ الكثير، وتأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولاوزن.
قوله تعالى: ﴿ ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴾
اعلم أنه تعالى وبخ هؤلاء المطففين فقال (ألا يظن أولئك ) الذين. يطففون (أنهم مبعوثون
ليوم عظيم) وهو يوم القيامة، وفى الظن ههنا قولان (الأول) أن المراد منه العلم، وعلى هذا
التقدير يحتمل أن يكون المخاطبون بهذا الخطاب من جملة المصدقين بالبعث ، ويحتمل أن لا يكونوا
كذلك ( أما الاحتمال الأول) فهو ما روى أن المسلمين من أهل المدينة وهم الأوس والخزرج
كانوا كذلك، وحين ورد النبى صلى الله عليه وسلم كان ذلك شائعاً فيهم، وكانوا مصدقين بالبعث
والنشور ، فلا جرم ذكروا به، وأما إن قلنا بأن المخاطبين بهذه الآية ما كانوا مؤمنين بالبعث إلا
أنهم كانوا متمكنين من الاستدلال عليه، لما فى العقول من إيصال الجزاء إلى المحسن والمسىء، أو

٩١
قوله تعالى: يوم يقوم الناس. سورة المطففين.
إمكان ذلك إن لم يثبت وجوبه، وهذا مايجوز أن يخاطب به من ينكر البعث، والمعنى ألا يتفكرون
حتى يعلموا أنهم مبعوثون، لكنهم قد أعرضوا عن التفكر، وأراحوا أنفسهم عن متاعبه ومشاقه،
وإنما يجعل العلم الاستدلال ظناً، لأن أكثر العلوم الاستدلالية راجع إلى الأغلب فى الرأى، ولم
يكن كالشك الذى يعتدل الوجهان فيه لاجرم سمى ذلك ظناً (القول الثانى) أن المراد من الظن
ههنا هو الظن نفسه لا العلم، ويكون المعنى أن هؤلاء المطففين هب أنهم لا يجزمون بالبعث ولكن
لا أقل من الظن ، فإن الأليق بحكمة الله ورحمته ورعايته مصالح خلقه أن لا يهمل أمرثم بعد الموت
بالكلية ، وأن يكون لهم حشرونشر، وأن هذا الظن كاف فى حصول الخوف ، كأنه سبحانه وتعالى
يقول هب أن هؤلاء لا يقطعون به أفلا يظنونه أيضاً، فأما قوله تعالى ( يوم يقوم الناس لرب
العالمين ) ففيه مسائل :
﴿ المسألة الأولى﴾ قرى. (يوم) بالنصب والجر، أما النصب فقال الزجاج يوم منصوب
بقوله ( مبعوثون) والمعنى ألا يظنون أنهم يبعثون يوم القيامة ، وقال الفراء وقد يكون فى موضع
خفض إلا أنه أضيف إلى يفعل فنصب، وهذا كما ذكرنا فى قوله (يوم لاتملك) وأما الجر فلكونه
بدلا من ( يوم عظيم ).
المسألة الثانية ﴾ هذا القيام له صفات :
﴿ الصفة الأولى) سببه وفيه وجوه (أحدها) وهو الأصح أن الناس يقومون لمحاسبة رب
العالمين ، فيظهر هناك هذا التطفيف الذى يظن أنه حقير ، فيعرف هناك كثرته واجتماعه ، ويقرب
منه قوله تعالى ( ولمن عاف مقام ربه جنتان) و(ثانيها) أنه سبحانه يرد الأرواح إلى أجسادها
فتقوم تلك الأجساد من مراقدها ، فذاك هو المراد من قوله ( يوم يقوم الناس لرب العالمين)
(وثالثها) قال أبو مسلم معنى (يقوم الناس) هو كقوله (وقوموا لله قانتين) أى لعبادته فقوله
(يقوم الناس لرب العالمين) أى لحض أمره وطاعته لا لشىء آخر، على ما قرره فى قوله ( والأمر
يومئذٍ لله ) .
﴿ الصفة الثانية) كيفية ذلك القيام، روى عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم فى قوله
(يوم يقوم الناس لرب العالمين) قال ((يقوم أحد كم فى رشحه إلى أنصاف أذنيه)) وعن ابن عمر: أنه
قرأ هذه السورة، فلما بلغ قوله ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) بكى نحيباً حتى عجز عن قراءة
ما بعده )) .
﴿ الصفة الثالثة) كمية ذلك القيام، روى عنه عليه السلام أنه قال ((يقوم الناس مقدار
ثلثمائة سنة من الدنيا لا يؤمر فيهم بأمر)) وعن ابن مسعود)) يمكثون أربعين عاماً ثم يخاطبون)
وقال ابن عباس وهو فى حق المؤمنين كقدر انصرافهم من الصلاة .
واعلم أنه سبحانه جمع فى هذه الآية أنواعاً من التهديد، فقال أولا (ويل للمطففين) وهذه

٩٢
قوله تعالى: كلا ان كتاب الفجار لفى سجين. سورة المطففين.
كَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِىِينٍ (٣) وَمَا أَدْرَكَ مَاسِجِينٌ (٨ كِتَذَبُ مَّْ قُومُ
وَيْلٌ يَوْمَيٍِ لِلْمُكَذِّبِنَ (٣٢) الَّذِينَ يُكَذِبُونَ بِيَوْمِ الّذِينِ (٨) وَمَا يُكَذِّبُ
بِهِةٌ إِلَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيم ◌َهَ إِذَا ◌ُعْلَى عَيْهِ مَايَعْنَا قَالَ أَسَطِيرُالْأُوَّلِينَ (٢) كَلَّ
بَلْ رَانَ عَى قُلُوبِهِمْ لَ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴿!
كَّ إِنْهُمْ عَن رَّبِهِمْ يَوْمَيِذٍ
تَّمَحْجُوبُونَ ﴾
الكلمة تذكر عند نزول البلاء، ثم قال ثانياً (ألا يظن أولئك) وهو استفهام بمعنى الإنكار، ثم قال
ثالثاً ( ليوم عظيم) والشىء الذى يستعظمه اللّه لا شك أنه فى غاية العظمة، ثم قال رابعاً (يوم
"يقوم الناس لرب العالمين ) وفيه نوعان من التهديد (أحدهما) كونهم قاتمين مع غاية الخشوع
ونهاية الذلة والانكسار (والثانى) أنه وصف نفسه بكونه رباً للعالمين ، ثم ههنا سؤال وهو كانه
قال قائل كيف يليق بك مع غاية عظمتك أى تهي. هذا المحفل العظيم الذى هو محفل القياة لأجل
الشىء الحقير الطفيف ؟ فكأنه سبحانه يجيب ، فيقول عظمة الإلهية لا تتم إلا بالعظمة فى القدرة
والعظمة فى الحكمة ، فعظمة القدرة ظهرت بكونى رباً للعالمين ، لكن عظمة الحكمة لا تظهر إلا بأن
أنتصف للمظلوم من الظالم بسبب ذلك القدر الحقير الطفيف ، فإن الشىء كلما كان أحقر وأصغر
كان العلم الواصل إليه أعظم وأتم ، فلأجل إظهار العظمة فى الحكمة أحضرت خلق الأولين
والآخرين فى محفل القيامة، وحاسبت المطفف لأجل ذلك القدر الطفيف. وقال الأستاذ أبو القاسم.
القشيرى: لفظ المطفف يتناول التطفيف فى الوزن والكيل ، وفى إظهار العيب واخفائه، وفى
طلب الإنصاف والانتصاف ، ويقال من لم يرض لأخيه المسلم ما يرضاه لنفسه ، فليس بمنصب
والمعاشرة والصحبة من هذه الجملة، والذى يرى عيب الناس، ولا يرى عيب نفسه من هذه الجملة ،
ومن طلب حق نفسه من الناس، ولا يعطيهم حقوقهم كما يطلبه لنفسه، فهو من هذه الجملة والفتى
من يقضى حقوق الناس ولا يطلب من أحد لنفسه حقاً .
قوله تعالى : ﴿ كلا إن کتاب الفجار لفی سیین ، وما أدراك ماسجین، کتاب مقوم، ويل يومئذ
للمكذبين ، الذين يكذبون بيوم الدين، وما يكذب به إلا كل معتد أثيم، إذا تتلى عليه آياتنا قال
أساطير الأولين ، كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ، كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون،

٩٣
قوله تعالى : ثم انهم لصالوا الجحيم. سورة المطففين.
فََُّهُمْ لَصَالُواْ الْجَحِيمِ ﴾ ثم يُقَالُ هَذَا الَّذِى كُنْتُمْ بِ تُكَذِّبُونَ.
١٧
-
ثم إنهم لصالوا الجحيم، ثم يقال هذا الذى كنتم به تكذبون
واعلم أنه سبحانه لما بين عظم هذا الذنب أتبعه بذكر لواحقه وأحكامه (فأولها) قوله
(كلا) والمفسرون ذكروا فيه وجوهاً (الأول) أنه ردع وتنبيه أى ليس الأمر على ماهم عليه
من التطفيف والغفلة، عن ذكر البعث والحساب فليرتدعوا ، وتمام الكلام ههنا (الثانى ) قال
أبو حاتم ( كلا) ابتداء يتصل بما بعده على معنى حقاً (إن كتاب الفجار افى سجين) وهو
قول الحسن .
( النوع الثانى) أنه تعالى وصف كتاب الفجار بالخمسة والحقارة على سبيل الاستخفاف
بهم، وههنا سؤالات :
﴿ السؤال الأول) السجين اسم علم لشىء معين أو اسم مشتق عن معنى ؟ قلنا فيه قولان:
﴿ الأول ) وهو قول جمهور المفسرين، أنه اسم علم على شىء معين، ثم اختلفوا فيه،
فالأ كترون على أنه الأرض السابعة السفلى، وهو قول ابن عباس فى رواية عطاء وقتادة ومجاهد
والضحاك وابن زيد، وروى البراء أنه عليه السلام قال ((سجين أسفل سبع أرضين)) قال عطاء
الخراسانى: وفيها إبليس وذريته، وروى أبو هريرة أنه عليه السلام قال (سجين جب فى جهنم))
وقال الكلبى ومجاهد : سجمين صخرة تحت الأرض السابعة .
﴿ القول الثانى) أنه مشتق وسمى سجيناً فعيلا من السجن، وهو الحبس والتضييق
كما يقال فسيق من الفسق، وهو قول أبى عبيدة والمبرد والزجاج ، قال الراحدى وهذا ضعيف
والدليل على أن سجيناً ليس مما كانت العرب تعرفه قوله ( وما أدراك ماسجين) أى ليس ذلك
مهما كنت تعلمه أنت وقومك. ولا أقول هذا ضعيف، فلعله إنما ذكر ذلك تعظيما الأمر سجين .
كما فى قوله ( وما أدراك ما يوم الدين) قال صاحب الكشاف: والصحيح أن السجين فعيل
مأخوذ من السجن ، ثم إنه ههنا اسم علم منقول من صف كانم وهو منصرف ، لأنه ليس فيه إلا
سبب واحد وهو التعريف، إذا عرفت هذا، فنقول قد ذكرنا أن الله تعالى أجرى أموراً مع
عباده على ما تعارفوه من التعامل فيما بينهم وبين عظمائهم. فالجنة موصوفة بالعلو والصفاء والفسحة
وحضور الملائكة المقربين ، والسجين موصوف بالتسفل والظلمة والضيق وحضور الشياطين
الملعونين، ولا شك أن العلو والصفاء والفسحة وحضور الملائكة المقربين، كل ذلك من صفات
الكمال والعزة، وأضدادها من صفات النقص والذلة، فلما أريد وصف الكفرة وكتابهم بالذلة
والحقارة، قيل إنه فى موضع القسفل والظلمة والضيق ، وحضور الشياطين أولما وصف كتاب
الأبرار بالعزة قيل إنه ( فى عليين). و (يشهده الملائكة المقربون).

٩٤
قوله تعالى : كتاب مرقوم. سورة المطففين.
﴿ السؤال الثانى) قد أخبر الله عن كتاب الفجار بأنه (فى سجين) ثم فسر سجيناً :(كتاب)
مرقوم ) فكانة قيل إن كتابهم فى كتاب مقوم فما معناه؟ أجاب القفال: فقال قوله ( كتاب
مر قوم) ليس تفسيراً لسجين ، بل التقدير: كلا إن كتاب الفجار لفى جمين، وإن كتاب الفجار
كتاب مرةوم، فيكون هذا وصفاً لكتاب الفجار بوصفين (أحدهما) أنه فى سجين (والثانى) أنه
مرقوم، ووقع قوله ( وما أدراك ماسجين) فيما بين الوصفين معترضاً، والله أعلم. والأولى أن
يقال وأى استيعاد فى كون أحد الكتابين فى الآخر ، إما بأن يوضع كتاب الفجار فى الكتاب
الذى هو الأصل المرجوع إلى فى تفصيل أحوال الأشقياء، أو بأن ينقل ما فى كتاب الفجار إلى
ذلك الكتاب المسمى بالسجين، وفيه (وجه ثالث) وهو أن يكون المراد من الكتاب ، الكتابة
فيكون فى المعنى: كتابة الفجار فى سجين، أى كتابة أعمالهم فى سجين، ثم وصف السجين بأنه ( كتاب
مرقوم) فيه جميع أعمال الفجار .
﴿السؤال الثالث) ما معنى قوله ( كتاب مرقوم)؟ قلنا فيه وجوه (أحدها) مرقوم أى مكتوبة
أعمالهم فيه ( وثانيها) قال قتادة: رقم لهم بسوء أى كتب لهم بإيجاب النار ( وثالثها) قال القفال
يحتمل أن يكون المراد أنه جعل ذلك الكتاب مر قوماً، كما يرقم التاجر ثوبه علامة لقيمته، فكذلك
كتاب الفاجر جعل منقوماً برقم دال على شقاوته (ورابعها) المرقوم: ههنا المختوم، قال الواحدى،
وهو صحيح لأن الختم علامة، فيجوز أن يسمى المرقوم مختوماً (وخامسها) أن المعنى كتاب
مثبت عليهم كالرقم فى الثوب لا ينمحى ، أما قوله ( ويل يومئذ للمكذبين) ففيه وجهان (أحدهما)
أنه متصل بقوله (يوم يقوم الناس) أى (يوم يقوم الناس لرب العالمين) ويل لمن كذب بأخبار الله
(والثاني) أن قوله (مرقوم) معناه رقم برقم يدل على الشقاوة يوم القيامة، ثم قال (ويل يومئذ للمكذبين)
فى ذلك اليوم من ذلك الكتاب، ثم إنه تعالى أخبر عن صفة من يكذب بيوم الدين فقال ( وما
يكذب به إلا كل معتد أثيم، إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ) ومعنا، أنه لا يكذب بيوم
الدين إلا من كان موصوفاً بهذه الصفات الثلاثة (فأولها) كونه معتدياً، والاعتداء هو التجاوز
عن المنهج الحق (وثانيها) الأثيم وهو مبالغة فى ارتكاب الإثم والمعاصى. وأقول الإنسان له قوتان
قوة نظرية وكمالها فى أن يعرف الحقلذاته، وقوة عملية وكمالها فى أن يعرف الخير لأجل العمل به ،
وضد الأول أن يصف الله تعالى بما لا يجوز وصفه به ، فان كل من منع من إمكان البعث والقيامة
إنما منع إما لأنه لم يعلم تعلق علم اللّه بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات، أولأنه لم بعلم
تعلق قدرة الله بجميع.الممكنات. فهذا الاعتداء ضد القوة العملية، هو الاشتغال بالشهوة
والغضب وصاحبه هو الأثيم ، وذلك لأن المشتغل بالشهوة والغضب قلما يتفرغ للعبادة والطاعة ،
وربما صار ذلك مانعاً له عن الإيمان بالقيامة .
﴿ وأما الصفة الثالثة) للمكذبين بيوم الدين فهو قوله (إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير

٩٥
قوله تعالى : إذا تتلى عليه آياتنا. سورة المطففين.
الأولين) والمراد منه الذين ينكرون النبوة ، والمعنى إذا تلى عليه القرآن قال أساطير الأولين ،
وفيه وجهان (أحدهما) أكاذيب الأولين ( والثانى) أخبار الأولين وأنه عنهم أخذ أى يقدح
فى كون القرآن من عند الله بهذا الطريق، وههنا بحث آخر: وهو أن هذه الصفات الثلاثة هل
المراد منها شخص معين أولا؟ فيه قولان (الأول) وهو قول الكلي أن المراد منه الوليد بن
المغيرة، وقال آخرون إنه النضر بن الحارث، واحتج من قال إنه الوليد بأنه تعالى قال فى سورة
ن ( ولا تطع كل حلاف مهين - إلى قوله - معتد أثيم - إلى قوله - إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير
الأولين) فقيل إنه الوليد بن المغيرة، وعلى هذا التقدير يكون المعنى: وما يكذب بيوم الدين من قريش
أو من قومك إلا كل معتد أثيم ، وهذا هو الشخص المعين (والقول الثانى ) أنه عام فى حق جميع
الموصوفين بهذه الصفات ، أماقوله تعالى (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) فالمعنى ليس
الأمر كما يقوله من أن ذلك أساطير الأولين ، بل أفعالهم الماضية صارت سباً لحصول الرين فى قلوبهم،
ولأهل اللغة فى تفسير لفظة الرين وجوه، ولأهل التفسير وجوه أخر ، أما أهل اللغة فقال أبو
عبيدة: ران على قلوبهم غلب عليها والخمر ترين على عقل السكران ، والموت يرين على الميت فيذهب
به ، قال الليث، ران النعاس والخمر فى الرأس إذا رسخ فيه، وهو يريدرينا، وربوناً، ومن
هذا حديث عمر فى أسيفع جهينة لما ركبه الدين ((أصبح قد رين به)) قال أبو زيد، يقال رين بالرجل
يران به ريناً إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه . قال أبو معاذ النحوى الرين أن يسود القلب
من الذنوب والطبع أن يطبع على القلب وهو أشد من الرين ، والأقفال أشد من الطبع، وهو أن
يقفل على القلب ، قال الزجاج: ران على قلوبهم بمعنى غطى على قلوبهم ، يقال ران على قلبه الذنب
يرين ريناً أى غشيه، والرين كالصدإ يغشى القلب ومثله الغين ، أما أهل التفسير ، فلهم وجوه:
قال الحسن، ومجاهد هو الذنب على الذنب، حتى تحيط الذنوب بالقلب، وتغشاه فيموت القلب،
وروى عن رسول اللّه ◌َ يتم أنه قال ((إياكم والمحقرات من الذنوب، فإن الذنب على الذنب یوقد
على صاحبه جحيماً ضخمة)) وعن مجاهد القلب كالكف ، فإذا أذنب الذنب انقبض ، وإذا أذنب
ذنباً آخر انقبض ثم يطبع عليه وهو الرين، وقال آخرون كلما أذنب الإنسان حصلت فى قلبه
نكتة سوداء حتى يسود القلب كله ، وروى هذا مرفوعاً فى حديث أبى هريرة، قلت لاشك أن
تكرر الأفعال سبب لحصول ملكة نفسانية، فإن من أراد تعلم الكتابة فكلما كان إتيانه بعمل
الكتابة أكثر كان اقتداره على عمل الكتابة أنم ، إلى أن يصير بحيث يقدر على الإتيان بالكتابة
من غير روية ولا فكرة، فهذه الهيئة النفسانية، لما تولدت من تلك الأعمال الكثيرة كان
لكل واحد من تلك الأعمال أثر فى حصول تلك الهيئة النفسانية ، إذا عرفت هذا فنقول: إن
الإنسان إذا واظب على الإتيان ببعض أنواع الذنوب، حصلت فى قلبه ملكة نفسانية على
الإتيان بذلك الذنب ، ولا معنى للذنب إلا ما يشغلك بغير الله ، وكل ما يشغلك بغير الله فهو

٩٦
قوله تعالى : كلا إنهم. سورة المطففين.
ظلمة ، فإذن الذنوب كلها ظلمات وسواد ، ولكل واحد من الأعمال السالفة التى أورث
مجموعها حصول تلك الملكة أثر فى حصولها، فذلك هو المراد من قولهم: كلما أذنب الإنسان
حصلت فى قلبه نكتة سوداء حتى يسود القلب ، ولما كانت مراتب الملكات فى الشدة والضعف
مختلفة ، لا جرم كانت مراتب هذا السواد والظلمة مختلفة، فبعضها يكون ريناً وبعضها طبعاً وبعضها
أقفالا ، قال القاضى ليس المراد من الرين أن قلبهم قد تغير وحصل فيه منع ، بل المراد أنهم صاروا
لإيقاع الذنب حالا بعد حال متجرئين عليه زقويت دواعيهم إلى ترك التوبة وترك الإقلاع،
فاستمروا وصعب الأمر عليهم، ولذلك بين أن علة الرين كسبهم ، ومعلوم إن إ كثارهم من اكتساب
الذنوب لا يمنع من الإقلاع والتوبة، وأقول قد بينا أن صدور الفعل حال استواء الداعى إلى الفعل ،
والداعى إلى الترك محال لامتناع ترجيح الممكن من غير مرجح، فبأن يكون متنعاً حال المرجوحية
كان أولى، ولما سلم القاضى أنهم صاروا بسبب الأفعال السالفة راجحاً ، فوجب أن يكون الإقلاع
فى هذه الحالة متنعاً ، وتمام الكلام قد تقدم مراراً فى هذا الكتاب.
أما قوله تعالى (كلا إنهم عن ربهم يومئذ محجوبون) فاعلم أنهم ذكروا فى (كلا) وجوها
(أحدها) قال صاحب الكشاف (كلا) ردع عن الكسب الرائن عن قلوبهم ( وثانيها) قال القفال
إن الله تعالى حكى فى سائر السور عن هذا المعتدى الأثيم أنه كان يقول إن كانت الآخرة حقاً ، فإن
الله تعالى يعطيه مالا وولداً، ثم إنه تعالى كذبه فى هذه المقالة فقال (أطلع الغيب أم اتخذعندالرحمن
عهداً) وقال (وما أظن الساعة قائمة وان رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى) ولما كان هذا ما قد
تردد ذكره فى القرآن ترك الله ذكره ههنا وقال ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ محجوبون) أى ليس الأمر
كما يقولون من أن لهم فى الآخرة حسنى بل هم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (وثانيها) أن يكون ذلك
تكریراً وتكون (كلا) هذه هى المذكورة فى قوله (كلا بل ران) أما قوله ( إنهم عن ربهم يومئذ
لمحجوبون) فقد احتج الأصحاب على أن المؤمنين يرونه سبحانه قالوا ولولا ذلك لم يكن للتخصيص
فائدة، وفيه تقرير آخر وهو أنه تعالى ذكر هذا الحجاب فى معرض الوعيد والتهديد للكفار، وما يكون
وعيدأ وتهديداً للكفار لايجوز حصوله فى حق المؤمن ، فوجب أن لا يحصل هذا الحجاب فى حق.
المؤمن أجابت المعتزلة عن هذا من وجوه (أحدها) قال الجبائى المراد أنهم عن رحمة ربهم محجوبون
أى ممنوعون، كما يقال فى الفرائض: الإخوة يحجبون الأم على الثلث، ومن ذلك يقال لمن يمنع
عن الدخول هو حاجب ، لأنه يمنع من رؤيته (وثانيها) قال أبو مسلم (محجوبون) أى غير
مقربين، والحجاب الرد وهو ضد القبول، والمعنى هؤلاء المنكرون للبعث غير مقبولين عند الله
وهو المراد من قوله تعالى ( ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم)، (وثالثها) قال القاضى:
الحجاب ليس عبارة عن عدم الرؤية ، فإنه قد يقال : حجب فلان عن الأمیر ، وإن کان قد رآه

٩٧
قوله تعالى . كلا إن كتاب الأبرار. سورة المطففين.
وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا عِلِيُّونَ ﴾ كِتَبُ
كَلَّ إِنَّ كِتَبَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ﴾
مَرْ قُومُ (چ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (59)
من البعد، وإذا لم يكن الحجاب عبارة عن عدم الرؤية سقط الاستدلال، بل يجب أن يحمل على
صيرورته ممنوعاً عن وجدان رحمته تعالى (ورابعها) قال صاحب الكشاف : كونهم محجوبين
عنه تمثيل الاستخفاف بهم وإهانتهم ، لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للمكرمين لديهم، ولا يحجب
عنهم إلا المهانون عندهم ( والجواب) لا شك أن من منع من رؤية شى. يقال أنه حجب عنه ،
وأيضاً من منع من الدخول على الأمير يقال إنه حجب عنه ، وأيضاً يقال الأم حجبت عن الثلث
بسبب الإخوة ، وإذا وجدنا هذه الاستعمالات وجب جعل اللفظ حقيقة فى مفهوم مشترك بين
هذه المواضع دفعاً للاشتراك فى اللفظ، وذلك هو المنع. ففى الصورة الأولى حصل المنع من
الرؤية، وفى الثانية حصل المنع من الوصول إلى قربه ، وفى الثالثة: حصل المنع من استحقاق
الثلث، فيصير تقدير الآية: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لممنوعون، والمنع إنما يتحقق بالنسبة إلى
ما يثبت للعبد بالنسبة إلى الله تعالى، وهو إما العلم، وإما الرؤية، ولا يمكن حمله على العلم، لأنه
ثابت بالاتفاق للكفار ، فوجب حمله على الرؤية. أما صرفه إلى الرحمة فهو عدول عن الظاهر
من غير دليل ، وكذا ما قاله صاحب الكشاف ترك للظاهر من غير دليل ، ثم الذى يؤكد
ما ذكرناه من الدليل أقوال المفسرين. قال مقاتل: معنى الآية أنهم بعد العرض والحساب ،
لا يرون ربهم، والمؤمنون برون ربهم، وقال الكلبى : يقول إنهم عن النظر إلى رؤية ربهم
محجوبون، والمؤمن لا يحجب عن رؤية ربه ، وسئل مالك بنأنس عن هذه الآ ية ، فقال لما حجب
أعداءه فلم يروه لابد وأن يتجلى لأوليائه حتى بروه، وعن الشافعى لما حجب قوماً بالسخط دل على
أن قوماً يرونه بالرضا، أما قوله تعالى (ثم إنهم لصالوا الجحيم) فالمعنى لما صاروا محجوبين فى
عرصة القيامة إما عن رؤية الله على قولنا، أو عن رحمة الله وكرامته على قول المعتزلة ، فعند ذلك
يؤمر بهم إلى النار ثم إذا دخلوا النار، وبخوا بتكذيبهم بالبعث والجزاء، فقيل لهم ( هذا الذى كنتم
به تكذبون) فى الدنيا، والآن قد عا ينتموه فذوقوه.
قوله تعالى : ﴿ كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين، وما أدراك ماعليون، كتاب مرقوم، يشهده
المقربون
اعلم أنه تعالى لما ذكر حال الفجار المطففين، أتبعه بذكر حال الأبرار الذين لا يطففون ، فقال
(كلا) أى ليس الأمر كما تو همه أولئك الفخار من إنكار البعث ومن أن كتاب الله أساطير الأولين.
واعلم أن لأهل اللغة فى لفظ (عليين) أقوالا، ولأهل التفسير أيضاً أقوالإِ ، أما أهل اللغة قال
الفخر الرازي - ج ٣١ م ٧

٩٨
قوله تعالى : كتاب مرقوم. سورة المطففين.
أبو الفتح الموصلى (عليين) جمع على وهو فعيل من العلو، وقال الزجاج إعراب هذا الاسم كاعرب
الجمع لأنه على لفظ الجمع، كما تقول هذه قنسرون ورأيت قنسرين، وأما المفسرون فروى عن ابن
عباس أنها السماء الرابعة ، وفى رواية أخرى إنها السماء السابعة، وقال قتادة ومقاتل هى قائمة
العرش اليمنى فوق السماء السابعة، وقال الضحاك هى سدرة المنتهى، وقال الفراء يعنى ارتفاعاً
بعد ارتفاع لا غاية له ، وقال الزجاج أعلى الأمكنة ، وقان آخرون هى مراتب عالية محفوظة
بالجلالة قد عظمها الله وأعلى شأنها، وقال آخرون: عند كتاب أعمال الملائكة، وظاهر القرآن
يشهد لهذا القول الأخير لأنه تعالى قال لرسوله ( وما أدراك ما عليون) تنبيهاً له على أنه معلوم
له ، وأنه سيعرفه ثم قال ( كتاب مرقوم يشهده المقربون) فبين أن كتلبهم فى هذا الكتاب المرقوم
الذى يشهده المقربون من الملائكة ، فكأنه تعالى كما وكلهم باللوح المحفوظ فكذلك يوكلهم بحفظ
كتب الأبرار فى جملة ذلك الكتاب الذى هو أم الكتاب على وجه الإعظام له ولا يمتنع أن الحفظة
إذا صعدت بكتب الأبرار فإنهم يسلمونها إلى هؤلاء المقربين فيحفظونها كما يحفظون كتب أنفسهم
أو ينقلون ما فى تلك الصحائف إلى ذلك الكتاب الذى وكلوا بحفظه ويصير علمهم شهادة لهؤلاء
الأبرار ، فلذلك يحاسبون حساباً يسيراً، لأن هؤلاء المقربين يشهدون لهم بما حفظوه من أعمالهم،
وإذا كان هذا الكتاب فى السماء صح قول من تأول ذلك على أنه فى السماء العالية ، فتتقارب
الأقوال فى ذلك، وإذا كان الذى ذكرناه أولى .
واعلم أن المعتمد فى تفسير هذه الآية ما بينا أن العلو والفسحة والضياء والطهارة من علامات
السعادة، والسفل والضيق والظلمة من علامات الشقاوة ، فلما كان المقصود من وضع كتاب
الفجار فى أسفل السافلين ، وفى أضيق المواضع إذلال الفجار وتحقير شأنهم ، كان المقصود من
وضع كتاب الأبرار فى أعلى عليين، وشهادة الملائكة لهم بذلك إجلالهم وتعظيم شأنهم ، وفى
الآية وجه آخر ، وهو أن المراد من الكتاب الكتابة، فيكون المعنى أن كتابة أعمال الأبرار
فى عليين ، ثم وصف عليين بأنه كتاب مرقوم فيه جميع أعمال الأبرار، وهو قول أبى مسلم.
أما قوله تعالى ( كتاب مرقوم) ففيه تأويلان (أحدهما) أن المراد بالكتاب المرقوم كتاب
أعمالهم ( والثانى-) أنه كتاب موضوع فى عليين كتب فيه ما أعد الله لهم من الكرامة والثواب،
واختلفوا فى ذلك الكتاب، فقال مقاتل: إن تلك الأشياء مكتوبة لهم فى ساق العرش. وعن
ابن عباس أنه مكتوب فى لوح من زبرجد معلق تحت العرش. وقال آخرون: هو كتاب مرقوم
بما يوجب سرورهم، وذلك بالضد من رقم كتاب الفجار بما يسو.هم، ويدل على هذا المعنى قوله
( يشهده المقربون) يعنى الملائكة الذى هم فى عليين يشهدون ويحضرون ذلك المكتوب، ومن
قال إنه كتاب الأعمال ، قال يشهد ذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين المقربون من الملائكة
كرامة للمؤمن .

٩٩
قوله تعالى : ان الابرار لفي نعيم. سورة المطففين.
إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمِ (٣) عَلَى الْأَرَابِكِ يَنْظُرُونَ (﴾ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ
نَضْرَةَ النَّعِيمِ ﴾ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ تَخْتُوم (﴾ ◌ِتَهُومِسْكُ وَفِ ذَلِكَ
فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَفِنُونَ (﴾ وَمِرَاجُهُمِنْ تَسْنِيمِ (﴾ عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا
اٌلْمُقَرَّبُونَ
قوله تعالى: ﴿إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون، تعرف فى وجوههم نضرة النعيم،
يسقون من رحيق مختوم ، ختامه مسك وفى ذلك فليتنافس المتنافسون، ومزاجه من تسنيم عيناً
يشرب بها المقربون﴾ .
أعلم أنه سبحانه وتعالى لما عظم كتابهم فى الآية المتقدمة عظم بهذه الآية منزلتهم، فقال (إن
الأبرار لفى نعيم) ثم وصف كيفية ذلك النعيم بأمور ثلاثة (أولها) قوله (على الأرائك ينظرون)
قال القفال: الأرائك الأسرة فى الحجال ، ولا تسمى أريكة فيما زعموا إلا إذا كانت كذلك ،
وعن الحسن: كنا لاندرى ما الأريكة حتى لقينا رجلا من أهل اليمن أخبرنا أن الأ ريكة عندهم ذلك.
أما قوله ( ينظرون) ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) ينظرون إلى أنواع نعمهم فى الجنة من الحور
الدين والولدان، وأنواع الأطعمة والأشربة والملابس والمراكب وغيرها، قال عليه السلام ((يلحظ
المؤمن فيحيط بكل ما آتاه الله وإن أدناهم يتراءى له مثل سعة الدنيا)) (والثانى) قال مقاتل ينظرون
إلى عدوهم جين يعذبون فى النار (والثالث) إذا اشتهوا شيئاً نظروا إليه فيحضرهم ذلك الشىء فى
الحال، واعلم أن هذه الأوجه الثلاثة من باب أنواع جنس واحد وهو المنظور إليه ، فوجب حمل
اللفظ على الكل، ويخطر بيالى تفسير (رابع) وهو أشرف من الكل وهو أنهم ينظرون إلى ربهم
ويتأكد هذا التأويل بما إنه قال بعد هذه الآية ( تعرف فى وجوههم نضرة النعيم) والنظر
المقرون بالنضرة هو رؤية الله تعالى على ما قال ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) وما
يؤكد هذا التأويل أنه يجب الابتداء بذكر أعظم اللذات، وما هو إلا رؤية الله تعالى (وثانيها)
قوله تعالى ﴿تعرف فى وجوههم نضرة النعيم﴾ وفيه مسألتان:
المسألة الأولى ﴾ المعنى إذا رأيتهم عرفت أنهم أهل النعمة بسبب ماترى فى وجوههم من
القرائن الدالة على ذلك ثم فى تلك القرائن قولان :
( أحدهما) أنه ما يشاهد فى وجوههم من الضحك والاستبشار، على ماقال تعالى (وجوه
يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة).

١٠٠
قوله تعالى : تعرف من وجوههم نضرة النعيم. سورة المطففين.
﴿ والثانى) قال عطاء إن الله تعالى يزيد فى وجوههم من النور والحسن والبياض مالا يصفه
واصف، وتفسير النضرة : قد سبق عند قوله ( ناضرة ) .
المسألة الثانية) قرىء (تعرف) على البناء للمفعول (ونضرة النعيم ) بالرفع :
﴿ وثالثها) قوله يسقون من رحيق) وفيه مسألتان:
المسألة الأولى﴾ فى بيان أن الرحيق ما هو؟ قال الليث (الرحيق) الخمر. وأنشد لحسان
بردى يصفق بالرحيق السلسل
وقال أبو عبيدة والزجاج ( الرحيق) من الخمر ما لاغش فيه ولا شىء يفسده، ولعله هو الخمر
الذى وصفه اللّه تعالى بقوله ( لا فيها غول).
المسألة الثانية ﴾ ذكر الله تعالى لهذا ( الرحيق) صفات:
( الصفة الأولى) قوله (مختوم) وفيه وجوه: (الأول) قال القفال يحتمل أن هؤلاء يسقون
من شراب مختوم قدختم عليه تكريماً له بالصيانة على ماجرت به العادة من ختم ما يكرم ويصان ،
وهناك خمر آخر تجرى منها أنهار كما قال (وأنهار من خمر لذة للشاربين ) إلا أن هذا المختوم
أشرف فى الجارى ( الثانى) قال أبو عبيدة والمبرد والزجاج المختوم الذى له ختام أى عاقبة
(والثالث) روى عن عبد اللّه فى مختوم أنه تمزوج، قال الواحدى: وليس بتفسير لأن الختم
لا يكون تفسيره المزج، ولكن لما كانت له عاقبة هى ريح المسك فسره بالممزوج، لأنه لولم يمتزج
بالمسك لما حصل فيه ريح المسك (الرابع) قال مجاهد مختوم مطين ، قال الواحدى كان مراده
من الختم بالطين ، هو أن لا تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار، والأقرب من جميع هذه الوجوه
الوجه الأول الذى ذكره القفال ( الصفة الثانية ) لهذا الرحيق قوله ( ختامه مسك ) وفيه وجوه
(الأول) قال القفال: معناه أن الذى يختم به رأس قارورة ذلك الرحيق هو المسك، كالطين الذى
يختم به رءوس القوارير، فكان ذلك المسك رطب ينطبع فيه الخاتم، وهذا الوجه مطابق للوجه
الأول الذى حكيناه عن القفال فى تفسير قوله (مختوم)، (الثانى) المراد من قوله (ختامه مسك) أى
عاقبته المسك أى يختم له آخره بريح المسك، وهذا الوجه مطابق للوجه الذى حكيناه عن أبى عبيدة
فى تفسير قوله (مختوم) كانه تعالى قال من رحيق له عاقبة ، ثم فسر تلك العاقبة فقال تلك العاقبة مسك
أى من شربه كان ختم شربه على ريح المسك، وهذا قول علقمة والضحاك وسعيد بن جبير ، ومقاتل
وقتادة قالوا إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه وجد ربحه كريح المسك ، والمعنى لذاذة المقطع
وذكاء الرائحة وأرجها، مع طيب الطعم، والختام آخر كل شىء، ومنه يقال ختمت القرآن، والأعمال
بخواتيمها ويؤ كده قراءة على عليه السلام، واختيار الكسائى فإنه يقرأ (خاتمه مسك) أى آخره
كما يقال خاتم النبيين ، قال الفراء وهما متقاربان فى المعنى إلا أن الخاتم اسم والختام مصدر كقولهم
هو كريم الطباع والطابع (الثالث) معناه خلطه مسك، وذكروا أن فيه قطيباً لطعمه . وقيل بل
لريحه ، وأقول لعل المراد أن الخمر الممزوج بهذه الأناويه الحارة مما يعين على الهضم وتقوية