النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ قوله تعالى : واهديك الى ربك فتخشى. سورة النازعات ١٩) وَأُهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى المسألة الثانية﴾ الزكى الطاهر من العيوب كلها، قال ( أفتلت نفساً زكية) وقال ( قد أفلح من زكاها) وهذه الكلمة جامعة لكل ما يدعوه إليه ، لأن المراد هل لك إلى أن تفعل ما تصير به زاكياً عن كل مالا ينبغى ، وذلك بجمع كل ما يتصل بالتوحيد والشرائع. المسألة الثالثة﴾ فيه فراء تان: التشديد على إدغام تاء التفعل فى الزاى لتقاربهما والتخفيف. المسألة الرابعة ﴾ المعتزلة تمسكوا به فى إبطال كون الله تعالى خالقاً لفعل العبد بهذه الآية، فإن هذا استفهام على سبيل التقرير ، أى لك سبيل إلى أن تز كى، ولو كان ذلك بفعل الله تعالى لانقلب الكلام على موسى ، والجواب عن أمثاله تقدم. ﴿ المسألة الخامسة﴾ أنه لما قال لهما (فقول له قولا ليناً) فكأنه تعالى رتب لهما ذلك الكلام اللين الرقيق ، وهذا يدل على أنه لا بد فى الدعوة إلى الله من اللين والرفق وترك الغلظة، ولهذا قال لمحمد عَ ليهِ (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) ويدل على أن الذين يخاشنون الناس ويبالغون فى التعصب ، كأنهم على ضد ما أمر الله به أنبياءه ورسله. قوله تعالى : ﴿ٍ وأهديك إلى ربك فتخشى﴾ وفيه مسائل : المسألة الأولى ﴾ القائلون بأن معرفة الله لا تستفاد إلا من الهادى تمسكوا بهذه الآية، وقالوا إنها صريحة فى أنه يهديه إلى معرفة الله، ثم قالوا: ومما يدل على أن هذا هو المقصود الأعظم من بعثة الرسل، أمران (الأول) أن قوله (هل لك إلى أن تزكى) يتناول جميع الأمور التى لابد للمبعوث إليه منها ، فيدخل فيه هذه الهداية فلما أعاده بعد ذلك علم أنه هو المقصود الأعظم من البعثة ( والثانى) أن موسى ختم كلامه عليه، وذلك ينبه أيضاً على أنه أشرف المقاصد من البعثة ( والجواب) أنا لا نمنع أن يكون للتنبيه والإشارة معونة فى الكشف عن الحق إنما النزاع فى إنكم تقولون يستحيل حصوله إلا من المعلم ونحن لانحل ذلك. ﴿ المسألة الثانية) دلت الآية على أن معرفة الله مقدمة على طاعته، لأنه ذكر الهداية وجعل الخشية مؤخرة عنها ومفرعة عليها ، ونظيره قوله تعالى فى أول النحل ( أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون) وفى طه ( إنى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدنى). ﴿ المسألة الثالثة) دلت الآية على أن الخشية لا تكون إلا بالمعرفة. قال تعالى ((إنما يخشى الله من عباده العلماء) أى العلماء به، ودلت الآية على أن الخشية ملاك الخيرات، لأن من خشى الله أتى منه كل خير، ومن أمن اجترأعلى كل شر، ومنه قوله عليه السلام ((من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل )). ٤٢ قوله تعالى : فاريه الآية الكبرى. سورة النازعات. فَأَرَنَهُ الْآَيَّةَ الْكُبْرَى فَكَذَّبَ وَعَصَى ٢٠ قوله تعالى: ﴿فأراه الآية الكبرى) وفيه مسألتان: ﴿ المسألة الأولى﴾ الفاء فى (فأراه) معطوف على محذوف معلوم، يعنى فذهب فأراه، كقوله ( فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت ) أى فضرب فانفجرت. المسألة الثانية﴾ اختلفوا فى الآية الكبرى على ثلاثة أقوال (الأول) قال مقاتل والكلى: هى اليد ، لقوله فى طه ( وأدخل يدك فى جيبك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى، ليريك من آياتنا الكبرى) (القول الثانى) قال عطاء: هى العصا، لأنه ليس فى اليد إلا انقلاب لونه إلى لون آخر ، وهذا المعنى كان حاصلا فى العصا، لأنها لما انقبلت حية فلا بد وأن يكون قد تغير اللون الأول ، فإذا كل ما فى اليد فهو حاصل فى العصا، ثم حصل فى العصا أمور أخرى أزيد من ذلك ، منها حصول الحياة فى الجرم الجمادى ، ومنها تزايد أجزائه وأجسامه ، ومنها حصول القدرة الكبيرة والقوة الشديدة ، ومنها أنها كانت ابتلعت أشياء كثيرة وكأنها فنيت ، ومنها زوال الحياة والقدرة عنها ، وفناء تلك الأجزاء التى حصل عظمها ، وزوال ذلك اللون والشكل الذين بهما صارت العصاحية، وكل واحد من هذه الوجوه كان معجزاً مستقلا فى نفسه ، فعلمنا أن الآية الكبرى هى العصا(والقول الثالث) فى هذه المسألة قول مجاهد، وهو أن المراد من الآية الكبرى مجموع اليد والعصا ، وذلك لأن سائر الآيات دلت على أن أول ما أظهر موسى عليه السلام لفرعون هو العصا، ثم أتبعه باليد، فوجب أن يكون المراد من الآية الكبرى مجموعهما. (أحدها) قوله تعالى ﴿ فكذب وعصى﴾ وفيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ معنى قوله (فكذب) أنه كذب بدلالة ذلك المعجز على صدقه. واعلم أن القدح فى دلالة المعجزة على الصدق إما لاعتقاد أنه يمكن معارضته ، أو لأنه وإن امتنعت معارضته لكنه ليس فعلا لله بل لغيره ، إما فعل جنى أو فعل ملك ، أو إن كان فعلا لله تعالى لكنه ما فعله لغرض التصديق، أو إن كان فعله لغرض التصديق لكنه لا يلزم صدق المدعى ، فإنه لا يقبح من اللّه شىء البتة ، فهذه مجامع الطعن فى دلالة المعجز على الصدق، وما بعد الآية يدل على أن فرعون إنما منع من دلالته عن الصدق لاعتقاده أنه يمكن معارضته بدليل قوله ( خشر فنادى) وهو كقوله ( فأرسل فرعون فى المدائن حاشرين) . المسألة الثانية ﴾ فی الآية سؤال وهو أن کل أحد يعلم أن كل من كذب الله فقد عصى ، فما الفائدة فى قوله فكذب وعصى ؟ ( والجواب) كذب بالقلب واللسان ، وعصى بأن أظهر التمرد والتجبر . ٤٣ قوله تعانى. ثم ادبر يسعى . سورة النازعات . فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُ الْأَعْلَ فَحَشَرَ فَنَادَى ٢٢ ٠٠٠٠٠٠٤ ادبر يسعى ثُمَّ فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَّ ٢٥ ﴿ المسألة الثالثة﴾ هذا الذى وصفه الله تعالى به من التكذيب والمعصية مغاير لما كان حاصلا قبل ذلك، لأن تكذيبه لموسى عليه السلام وقد دعاه وأظهر هذه المعجزة . يوفى على ما تقدم من التكذيب ومعصيته بترك القبول منه، والحال هذه مخالفة لمعصيته من قبل ذلك . (وثانيها) قوله ﴿ ثم أدبر يسعى﴾ وفيه وجوه (أحدها) أنه لما رأى الثعبان أدبر مرعوباً يسعى يسرع فى مشيه ، قال الحسن كان رجلا طياشاً خفيفاً (وثانيها) تولى عن موسى يسعى ويجتهد فى مكايدته ( وثالثها) أن يكون المعنى ، ثم أقبل يسعى، كما يقال ، فلان أقبل يفعل كذا، بمعنى أنشأ يفعل ، فوضع أدبر فوضع أقبل لئلا يوصف بالإقبال ، (وثالثها) قوله ﴿فشر فنادى، فقال أناربكم الأعلى﴾ فشر جمع السحرة كقوله (فأرسل فرعون فى المدائن حاشرين) فنادى فى المقام الذى اجتمعوا فيه معه، أو أمر منادياً فنادى فى الناس بذلك، وقيل قام فيهم خطيباً فقال تلك الكلمة، وعن ابن عباس كلمته الأولى ( ما علمت لكم من إله غيرى) والآخرة ( أنا ربكم الأعلى). واعلم أنا بينا فى سورة (طه) أنه لا يجوز أن يعتقد الإنسان فى نفسه كونه خالقاً للسموات والأرض والجبال والنبات والحيوان والإنسان، فإن العلم بفساد ذلك ضرورى، فمن تشكك فيه كان مجنوناً، ولو كان مجنوناً لما جاز من اللّه بعثة الأنبياء والرسل إليه، بل الرجل كان دهرياً منكراً للصانع والخشبر والنشر، وكان يقول ليس لأحد عليكم أمر ولا نهى إلا لى، وأنا ربكم بمعنى مربيكم والمحسن إليكم، وليس للعالم إله حتى يكون له عليكم أمر ونهى ، أو يبعث إليكم رسولا ، قال القاضى وقد كان الأليق به بعدظهور خزيه عند انقلاب العصاحية، أن لا يقول هذا القول. لأن عند ظهور الذلة والعجز، كيف يليق أن يقول (أنا ربكم الأعلى) فدلت هذه الآية على أنه فى ذلك الوقت صار كالمعتوه الذى لا يدرى مايقول . واعلم أنه تعالى لما حكى عنه أفعاله وأقواله أتبعه بما عامله به وهو قوله تعالى: ﴿فأخذه الله نكال الآخرة والأولى﴾ وفيه مسألتان . المسألة الأولى﴾ ذكروا فى نصب نكال وجهين (الأول) قال الزجاج إنه مصدرمؤ كد لأن معنى أخذه الله، فكل به الله به، نكال الآخرة والأولى. لأن أخذه ونكله متقاربان، وهو كما يقال أدعه تر كا شديداً لأن أدعه وأتركه سواء، ونظيره قوله (إن أخذه أليم شديد)، (الثانى) قال الفراء بريد أخذه الله أخذاً نكالا للآخرة والأولى، والنكال بمعنى التشكيل كالسلام بمعنى التسليم ٤٤ قوله تعالى : إن في ذلك لعبرة. سورة النازعات ٢٦ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةٌ لِمَن يَخْشَىّ ءَ أَنتُمْ أَشَدَّ خَلْقًا أمِ السَّمَآءُ المسألة الثانية﴾ ذكر المفسرون فى هذه الآية وجوهاً (أحدها) أن الآخرة والأولى صفة لكلمتى فرعون إحداهما قوله ( ما علمت لكم من إله غيرى) والأخرى قوله (أنا ربكم الأعلى) قالوا وكان بينهما أربعون سنة ، وهذا قول مجاهد والشعبى وسعيد بن جبير ومقاتل، ورواية عطاء والكلى عن ابن عباس ، والمقصود التنبيه على أنه ما أخذه بكلمته الأولى فى الحال ، بل أمهله أربعين سنة ، فلما ذكر الثانية أخذ بهما، وهذا تنبيه على أنه تعالى يمهل ولا يهمل (الثانى) وهو قول الحسن وقتادة (نكال الآخرة والأولى) أى عذبه فى الآخرة، وأغرفه فى الدنيا (الثالث) الآخرة هى قوله ( أنا ربكم الأعلى) والأولى هى تكذيبه موسى حين أراه الآية ، قال الفقال، وهذا كأنه هو الأظهر، لأنه تعالى قال (فأراه الآية الكبرى، فكذب وعصى، ثم أدبر يسعى، حشر فنادى، فقال أنا ربكم الأعلى) فذكر المعصيتين، ثم قال (فأخذه الله نكال الآخرة والأولى) فظهر أن المراد أنه عاتبه على هذين الأمرين . ﴿ المسألة الثالثة﴾ قال الليث (النكال) اسم لمن جعل نكالا لغيره، وهو الذى إذا رآه أو بلغه خاف أن يعمل عمله، وأصل الكلمة من الامتناع ، ومنه النكول عن اليمين ، وقيل للقيد نكل لأنه يمنع، فالنكال من العقوبة هو أعظم حتى يمتنع من سمع به عن ارتكاب مثل ذلك الذنب الذى وقع التنكيل به، وهو فى العرف يقع على ما يفتضح به صاحبه ويعتبر به غيره، والله أعلم . ثم إنه تعالى ختم هذه القصة بقوله تعالى ( إن فى ذلك لعبرة لمن يخشى ) والمعنى أن فيما اقتصصناه من أمر موسى وفرعون، وما أحله الله بفرعون من الخزى، ورزق موسى من العلو والنصر عبرة لمن يخشى وذلك أن يدع التمرد على اللّه تعالى، والتكذيب لأنبيانه خوفاً من أن ينزل به ما نزل بفرعون ، وعلماً بأن الله تعالى ينصر أنبياءه ورسله، فاعتبروا معاشر المكذبين لمحمد بما ذكرناه ، أى اعلموا أنكم إن شار كتموهم فى المعنى الجالب للعقاب، شاركتموهم فى حلول العقاب بكم . ثم اعلم أنه تعالى لما ختم هذه القصة رجع إلى مخاطة منكرى البعث، فقال ﴿ أأنتم أشد خلقاً أم السماء ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى﴾ فى المقصود من هذا الاستدلال وجهان (الأول) أنه استدلال على منكرى البعث فقال (أأنتم أشد خلقاً أم السماء) فنبههم على أمر يعلم بالمشاهدة . وذلك لأن خلقة الإنسان على صغره وضعفه، إذا أضيف إلى خلق السماء على عظمها وعظم أحر الها يسير ، فبين تعالى أن خلق السماء أعطم، وإذا كان كذلك خلقهم على وجه الإعادة أولى أن يكون مقدوراً لله تعالى فكيف ينكرون ذلك ؟ ونظيره قوله ( أوليس الذى خلق السموات والأرض بقادر على ٤٥ قوله تعالى : بناها. سورة النازعات. بَنَهَا فّ أن يخلق مثلهم ) وقوله ( لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس) والمعنى أخلفكم إحد الموت أشد أم خلق السماء أى عندكم، وفى تقديركم، فإن كلا الأمرين بالنسبة إلى قدرة الله واحد (والثانى) أن المقصود من هذا الاستدلال بيان كونهم مخلوقين ، وهذا القول ضعيف لوجهين (أحدهما) أن من أنكر كون الإنسان مخلوقاً فبأن ينكر [٥] فى السماء كان أولى (وثانيهما) أن أول السورة كان فى بيان مسألة الحشر والنشر، حمل هذا الكلام عليه أولى. ﴿ المسألة الثانية﴾ قال الكسائى والفراء والزجاج، هذا الكلام تم عند قوله (أم السماء). ثم قوله تعالى ﴿بناها﴾ ابندا. كلام آخر، وعند أبى حاتم الوقف على قوله (بناها) قال لأنه من صلة السماء، والتقدير: أم السماء التى بناها. غرف التى، ومثل هذا الحذف جائز، قال الففال: يقال: الرجل جاءك عافل، أى الرجل الذى جاءك عاقل إذا ثبت أن هذا جائز فى اللغة فنقول الدليل على أن قوله ( بناءا ) صلة لما قبله أنه لو لم يكن صلة لكان صفة ، فقوله (بناها) صفة ، ثم قوله ( رفع سمكها) صفة ، فقد توالت صفتان لا تعلق لإحداهما بالأخرى ، فكان يجب إدخال العاطف فيما بينهما ، كما فى قوله ( وأغاش ليلها ) فلما لم يكن كذلك علمنا أن قوله (بناما) صلة للسماء، ثم قال (رفع سمكها) ابتداء بذكر صفته، والفراء أن يحتج على قوله بأنه لو كان قوله (ناها) صلة للسماء لكان التقدير: أم السماء التي بناها، وهذا يقتضى وجودسماء مابناها الله، وذلك باطل. ﴿ المسألة الثالثة﴾ الذى يدل على أنه تعالى هو الذى فى السماء وجوه (أحدها) أن السماء جسم، وكل جسم محدث ، لأن الجسم لو كان أزلياً لكان فى الأزل إما أن يكون متحركا أو ساكنا، والقسمان باطلان ، فالقول بكون الجسم أزلياً باطل. أما الحصر فلأنه إما أن يكون مستقراً حيث هو فيكون ساكناً، أو لا يكون مستقراً حيث هو فيكون متحركا، وإنما قلنا إنه يستحيل أن يكون متحركا، لأن ماهية الحركة تقتضى المسبوقية بالغير، وماهية الأزل تنافى المسبوقية بالغير والجمع بينهما محال، وإنما قلنا إنه يستحيل أن يكون ساكناً، لأن السكون وصف ثبوتى وهو ممكن الزوال ، وكل ممكن الزوال مفتقر إلى الفاعل المختار ، وكل ما كان كذلك فهر محدث، فكل سكون محدث فيمتنع أن يكون أزلياً، وإنما قلنا إن السكون وصف ثبوتى، لأنه يتبدل كون الجسم متحركا بكونه سا كنا مع بقاء ذاته، فأحدهما لابد وأن يكون أمراً ثبوتياً، فإن كان الثبوتى هو السكون فقد حصل المقصود، وأن كان الثبوتى هو الحركة وجب أيضاً أن يكون السكون ثبوتياً ، لأن الحركة عبارة عن الحصول فى المكان بعد أن كان فى غيره، والسكون عبارة عن الحصول فى المكان بعد أن كان فيه بعينه ، فالتفاوت بين الحركة والستكون ليس فى ٤٦ قوله تعالى : والارض بعد ذلك دحاها. سورة النازعات. المناهية ، بل فى المسبوقية بالغير وعدم المسبوقية بالغير ، وذلك وصف عارضى خارجى عن الماهية، وإذا كان كذلك فإذا ثبت أن تلك الماهية أمر وجودى فى إحدى الصورتين وجب أن تكون كذلك فى سورة أخرى ، وإنما قلنا إن سكون السماء جائز الزوال، لأنه لو كان واجباً لذاته لامتنع زواه ، فكان يجب أن لا تتحرك السماء لكنا نراها الآن متحركة ، فعلمنا أنها لو كانت ساكنة فى الأزل ، لكان ذلك السكون جائز الزوال ، وإنما قلنا إن ذلك السكون لما كان ممكناً لذاته، افتقر إلى الفاعل المختار لأنه لما كان ممكناً لذاته ، فلا بد له من مؤثر، وذلك المؤثر لا يجوز أن يكون موجباً، لأن ذلك الموجب إن كان واجبا، وكان غنياً فى إيجابه لذلك المعلول عن شرط لزم من دوامه دوام ذلك الأثر ، فكان يجب أن لا يزول للسكون وإن كان واجباً ومفتقرأ فى إيجابه لذلك المعلول إلى شرط واجب لذاته ، لزم من دوام العلة ودوام الشرط دوام المعلول، أما إن كان الموجب غير واجب لذاته ، أو كان شرط إيجابه غير واجب لذاته كان الكلام فيه كالكلام فى الأول ، فيلزم القسلسل، وهو محال أو الإنتهاء إلى موجب واجب لذاته، وإلى شرط واجب لذاته، وحينئذ يعود الإلزام الأول ، فثبت أن ذلك المؤثر. لا بد وأن يكون فاعلا مختاراً، فإذاً كل سكون ، فهول فعل فاعل مختار، وكل ما كان كذلك فهو محدث ، لأن المختار إنما يفعل بواسطة القصد، والقصد إلى تكوين الكائن، وتحصيل الحاصل محال ، فثبت أن كل سكون فهو محدث ، فثبت أنه يمتنع أن يكون الجسم فى الأزل لا متحركا ولا ساكناً، فهو إذاً غير موجود فى الأزل، فهو محدث ، وإذا كان محدثاً افتقر فى ذاته ، وفى تركيب أجزائه إلى موجد ، وذلك هو اللّه تعالى، فثبت بالعقل أن بانى السماء هو اللّه تعالى. ﴿الحجة الثانية ) كل ماسوى الواجب فهو مكن وكل ممكن محدث وكل محدث فله صانع ، إنما قلنا كل ماسوى الواجب ممكن ، لأنا لو فرضنا موجودين واجبين لذاتيهما لاشتركا فى الوجود ولتباينا بالتعيين، فيكون كل منهما مركباما به المشاركة، ومما به أممايزة، وكل مركب مفتقر إلى جزئه وجزؤه غيره فكل من كب فهو مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته ، فكل واحد من الواجين بالذات مكن بالذات هذا خلف ، ثم ينقل الكلام إلى ذينك الجزأين ، فإن كانا واجبين، كان كل واحد من ذلك الأجزاء مركباً ويلزم التسلسل، وإن لم يكونا واجبين كان المفتقر إليهما أولى بعدم الوجود فثبت أن ما عدا الواجب ممكن وكل ممكن فله مؤثر وكل ما افتقر إلى المؤثر محدث ، لأن الافتقار إلى المؤثر لا يمكن أن يتحقق حال البقاء لاستحالة إيجاد الموجد، فلا بد وأن يكون إما حال الحدوث أو حال العدم، وعلى التقديرين فالحدوث لازم فثبت أن ما سوى الواجب محدث وكل محدث فلايد له من محدث ، فلا بد للسماء من بان . ( الحجة الثالثة) صريح العقل يشهد بأن جرم السماء لا يمتنع أن يكون أكبر مما هو الآن بمقدار خردلة، ولا يمتنع أن يكون أصغر بمقدار خردلة ، فاختصاص هذا المقدار بالوقوع دون ٤٧ قوله تعالى : رفع سمكها فسواها. سورة النازعات. ٠٠٠٠٠ رَفَعَ سَمْكَهَا فَوَّنَهَا (إِنْ الأزيد والأنقص، لا بد وأن يكون بمخصص، فثبت أنه لابد للسماء من بان (فإن قيل ) لم لا يجوز أن يقال إنه تعالى خلق شيئاً وأعطاه قدرة يتمكن ذلك المخلوق بتلك القدرة من خلق الأجسام فيكون خالق السماء وبانيها هو ذلك الشىء؟ (الجواب) من العلماء من قال المعلوم بالعقل أنه لابد للسماء من محدث وأنه لابد من الانتهاء آخر الأمر إلى قديم والإله قديم واجب الوجود لذاته واحد وهو اللّه سبحانه وتعالى، فأما نفى الواسطة فإنما يعلم بالسمع فقوله فى هذه الآية (بناها) يدل على أن بانى السماء هو الله لا غيره، ومنهم من قال بل العقل يدل على بطلانه لأنه لما ثبت أن كل ماعداه محدث ثبت أنه قادر لاءوجب، والذى كان مقدوراً له إنما صح كونه مقدوراً له بكونه مكناً، فانك لو رفعت الإمكان قى الوجوب أو الامتناع وهما يحيلان المقديرية، وإذا كان ما لأجله صح فى البعض أن يكون مقدوراً لله وهو الإمكان والإمكان عام فى الممكنات وجب أن يحصل فى كل الممكنات صحة أن تكون مقدورة لله تعالى، وإذا ثبت ذلك ونسبة قدرته إلى الكل على السوية وجب أن يكون قادراً على الكل، وإذا ثبت أن الله قادر على الممكنات فلو قدرنا قادراً آخر قدر على بعض الممكنات ، لزم وقوع مقدور واحدبين قادرين من جهة واحدة ، وذلك محال ، لأنه إما أن يقع بأحدهما دون الآخر وهو محال، لأنهما لما كانا مستقلين بالاقتضاء فليس وقوعه بهذا أولى من وقوعه بذاك أو بهما معاً ، وهو أيضاً محال لأنه يستغنى بكل واحد منهما عن كل واحدمنهما، فيكون محتاجا إليهما معاً وغنياً عنهما معاً وهو محال ، فثبت بهذا أنه لا يمكن وقوع ممكن آخر بسبب آخر سوى قدرة الله تعالى؛ وهذا الكلام جيد، لكن على قول من لا يثبت فى الوجود مؤثراً سوى الواحد، فهذا جملة ما فى هذا الباب. واعلم أنه تعالى لما بين فى السماء أنه بناها، بين بعد ذلك أنه كيف بناها، وشرح تلك الكيفية من وجوه : (أو لها) ما يتعلق بالمكان، فقال تعالى ﴿ رفع سمكها). واعلم أن امتداد الشىء إذا أخذ من أعلاه إلى أسفله سمى عمقاً، وإذا أخذ من أسفله إلى أعلاه سمى سمكا، فالمراد برفع سمكها شدة علوها حتى ذكروا أن ما بين الأرض وبينها مسيرة خمسمائة عام، وقد بين أصحاب الهيئة مقادير الأجرام الفلكية وأبعاد مابين كل واحد منها وبين الأرض. وقال آخرون: بل المراد: رفع سمكها من غير عمد. وذلك بما لا يصح إلا من الله تعالى. (الصفة الثانية) قوله تعالى ﴿فسواها) وفيه وجهان (الأول) المراد تسوية تأليفها، وقيل بل المراد فى الشقوق عنها، كقوله (ماترى فى خلق الرحمن من تفاوت ) والقائلون بالقول الأول قالوا (فسواها ) عام فلا يجوز تخصيصه بالتسوية فى بعض الأشياء، ثم قالوا هذا يدل على كون ٤٨ قوله تعالى . واغطش ليلها واخرج ضحاها. سورة النازعات وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَهَ () وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنْهَا ( السماء كرة ، لأنه لو لم يكن كرة لكان بعض جوانبة -طحاً، والبعض زاوية، والبعض خطاً، ولكان بعض أجزائه أقرب إلينا ، والبعض أبعد، فلا تكون التسوية الحقيقة حاصلة، فوجب أن يكون كرة حتى تكون القسوية الحقيقة حاصلة ، ثم قالوا لما ثبت أنها محدثه مفتقرة إلى فاعل مختار ، فأى ضرر فى الدين ينشأ من كونها كرة؟ . ( الصفة الثالثة) قوله تعالى ﴿ وأغطش ليلها وأخرج ضحاها﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى﴾ أغطش قد يجى لازماً، يقال أغناش الليل إذا صار مظلماً ويحمى. متعدياً يقال أغطشه اللّه إذا جعله مظلماً، والغطش الظلمة، والأغطش شبه الأعمش، ثم ههنا - ؤال وهو أن الليل اسم لزمان الظلمة الحاصلة بسبب غروب الشمس، فقوله ( وأغطش ليلها ) يرجع معناه إلى أنه جعل المظلم مظلماً، وهو بعيد ( والجواب) معناه أن الظلمة الحاصلة فى ذلك الزمان إنما حصلت بتدبير الله وتقديره: وحينئذ لا يقى الإشكال. المسألة الثانية﴾ قوله (وأخرج ضحاها) أى أخرج نهاراً، وإنما عبر عن النهار بالضحى ، لأن الضحى أكمل أجزاء الهار فى النور والضوء. المسألة الثالثة﴾ إنما أضاف الليل والنهار إلى السماء، لأن الليل والنهار إنما يحدثان يسبب غروب الشمس وطلوعها، ثم غروبها وطلوعها إنما يحصلان بسبب حركة الفلك، فلهذا السبب أضاف الليل والنهار إلى السماء، ثم إنه تعالى لما وصف كيفية خلق السماء أتبعه بكيفية خلق الأرض و ذلك من وجوه : ﴿ الصفة الأولى) قوله تعالى ﴿والأرض بعد ذلك دحاها) وفيه مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ دحاها بسطها، قال زيد بن عمرو بن نفيل : دحاها فلما رآها استوت على الماء أرسى عليها الجبالا وقال أمية بن أبى الصلت : دجوت البلاد فسويتها وأنت على طيها قادر قال أهل اللغة فى هذه اللفظة لغتان دحوت أدحو ، ودحيت أدحى، ومثله صفوت وصفيت ولحوت العود ولحيته وسأوت الرجل وسأيته وبأوت عليه وبأيت ، وفى حديث على عليه السلام (((اللهم داحى المدحيات)) أى باسط الأرضين السبع وهو المدحوات أيضاً، وقيل أصل الدحو الإزالة للشىء من مكان إلى مكان ، ومنه يقال: إن الصبى يدحو بالكرة أى يقذفها على وجه الارض، وأدحى النعامة موضعه الذى يكون فيه أى بطنه وأزلت ما فيه من حصى، حتى يتعهد له، وهذا يدل على أن معنى الدحو يرجع إلى الإزالة والتمهيد . ٤٩ قوله تعالى : اخرج منها ماءها ومرعاها. سورة النازعات أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْ عَنْهَا (َّ) ١٥٠٠ ﴿ المسألة الثانية﴾ ظاهر الآية يقتضى كون الأرض بعد السماء، وقوله فى حم السجدة، ( ثم استوى إلى السماء) يقتضى كون السماء بعد الأرض، وقد ذكرنا هذه المسألة فى سورة البقرة فى تفسير قوله ( ثم استوى إلى السماء) ولا بأس بأن نعيد بعض تلك الوجوه (أحدها) أن الله تعالى خلق الأرض أولا ثم خلق السماء ثانياً ثم دحى الأرض أى بسطها ثالثاً. ، وذلك لأنها كانت أولا كالكرة المجتمعة، ثم إن اللّه تعالى مدها وبسطها، فإن قيل الدلائل الاعتبارية دلت على أن الأرض الآن كرة أيضاً، وإشكال آخر وهو أن الجسم العظيم يكون ظاهره كالسطح المستوى ، فيستحيل أن يكون هذا الجسم مخلوقاً ولا يكون ظاهره مدحواً مبسوطا (وثانيها) ان لا يكون معنى قوله ( دحاها) مجرد البسط، بل يكون المراد أنه بسطها بسطاً مهيأ لنبات الأقوات وهذا هو الذى بينه بقوله (أخرج منها ما.ها ومرعاها) وذلك لأن هذا الاستعداد لا يحصل للأرض إلا بعد وجود السماء فإن الأرض كالأم والسماء كالأب، ومالم يحصلا لم تتولد أولا المعادن والنباتات والحيوانات ( وثالثها) أن يكون قوله (والأرض بعد ذلك) أى مع ذلك كقوله (عتل بعد ذلك زنيم) أى مع ذلك ، وقولك للرجل أنت كذا وكذا ثم أنت بعدها كذا لا تريد به الترتيب ، وقال تعالى (فك رقبة، أو إطعام فى يوم ذى مسغبة) إلى قوله ( ثم كان من الذين آمنوا) والمعنى وكان مع هذا من أهل الإيمان بالله، فهذا تقرير مانقل عن ابن عباس ومجاهد والسدى وابن جريج أنهم قالوا فى قوله ( والأرض بعد ذلك دحاها) أى مع ذلك دحاها . المسألة الثالثة﴾ لما ثبت أن الله تعالى خلق الأرض أولا ثم خلق السماء ثانياً، ثم دحى الأرض بعد ذلك ثالثاً، ذكروا فى تقدير تلك الازمنة وجوهاً. روى عن عبد الله بن عمر ((خلق الله البيت قبل الأرض بألفى سنة، ومنه دحيت الأرض)) واعلم أن الرجوع فى أمثال هذه الأشياء إلى كتب الحديث أولى . ﴿ الصفة الثانية) قوله تعالى ﴿ أخرج منها ماءها ومرعاها﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى﴾ ماؤها عيونها المتفجرة بالماء ومرعاها رعيها ، وهو فى الأصل موضع الرعى ، ونصب الأرض والجبال بإضمار دحا وأرسى على شريطة التفسير، وقرأهما الحسن مرفوعين على الابتداء ، فإن قيل هلا أدخل حرف العطف على أخرج قلنا لوجهين؟ ( الأول) أن يكون معنى دحاها بسطها ومهدها للسكنى ، ثم فسر التمهيد بما لابد منه فى تأتى سكناها من تسوية أمر المشارب والمآ كل وإمكان القرار عليها بإخراج الماء والمرعى وإرساء الجبال وإثباتها أو تاداً لها حتى تستقر ويستقر عليها ( والثانى) أن يكون (أخرج) حالا، والتقدير والأرض بعد ذلك دحاها حال ما أخرج منها ماء ومرعاها. الفخر الرازي - ج ٣١ م ٤ ٥٠ قوله تعالى : والجبال أرساها. سورة النازعات. وَالْخِبَالَ أَرْسَنُهَا (َ مَتَعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَِكُمْ (﴾ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّآَمَّةُ الْكُبْرَى ٣٤ المسألة الثانية) أراد بمرعاها ما يأكل الناس والأنعام، ونظيره قوله فى النحل (أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه قسيمون) وقال فى سورة أخرى (أنا صبينا الماء صباً ثم شققنا الأرض شقاً) إلى قوله (متاعاً لكم ولأنعامكم) فكذا فى هذه الآية واستعير الرعى الانسان كما استغير الرقع فى قوله (رتع ونلعب) وقرى نرقع من الرعى، ثم قال ابن قتيبة قال تعالى (وجعلنامن الماء كل شىء حى) فانظر كيف دل بقوله (ما.ها ومرعاها) على جميع ما أخرجه من الأرض قوناً ومتاعاً الأنام من العشب، والشجر، والحب والثمر والعصف، والحطب، واللباس والدواء حتى النار والملح ، أما النار فلا شك أنها من العيدان قال تعالى ( أفرأيتم النار التى تورون، أأنتم. أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون) وأما الملح فلاشك أنه متولد من الماء، وأنت إذا تأملت علمت أن جميع ما يتنزه به الناس فى الدنيا ويتلذذون به ، فأصله الماء والنبات، ولهذا السبب تردد فى وصف الجنة ذكرهما ، فقال ( جنات تجرى من تحتها الأنهار ) ثم الذى يدل على أنه تعالى أراد بالمرعى كل ما يأكله الناس والأنعام قوله فى آخر هذه الآية ( متاعاً لكم ولأنعامكم). ﴿ الصفة الثالثة) قوله تعالى ﴿والجبال أرساها﴾ والكلام فى شرح منافع الجبال قد تقدم. ثم إنه تعالى لما بين كيفية خلقة الأرض وكمية منافعها قال ﴿متاعاً لكم ولأنعامكم﴾ والمعنى أنا إنما خلقنا هذه الأشياء متعة ومنفعة لكم ولاً نعامكم، واحتج به من قال إن أفعال الله وأحكامه م. له بالأغراض والمصالح، والكلام فيه قد مر غير مرة، واعلم أنا بينا أنه تعالى إنما ذكر كيفية خلقة السماء والأرض ليستدل بها على كونه قادراً على الحشر والنشر، فلما قرر ذلك وبين إمکان الحشر عقلا أخبر بعد ذلك عن وقوعه . قوله تعالى : ﴿فإذا جاءت الطامة الكبرى) وفيه مسألتان: المسألة الأولى﴾ الطامة عند العرب الداهية التى لانستطاع وفى اشتقاقها وجوه ، قال المبرد أخذت فيما أحسب من قولهم : طم الفرس طميما ، إذا استفرغ جهده فى الجرى ، وطم الماء إذا ملأ النهر كله ، وقال الليت الطم طم البئر بالتراب، وهو الكبس ، ويقال طم السيل الركية إذا دفنها حتى يسويها ، ويقال للشىء الذى يكبر حتى يعلو قد طم، والطامة الحادثة التى تطم على ما سواها ومن ثم قيل: فوق كل طامة طامة ، قال القفال : أصل الطم الدفن والعلو، وكل ما غلب شيئاً وقهره وأخفاء فقد طمه، ومنه الماء الطامى وهو الكثير الزائد ، والطاغى والعاقى والعادى سواء وهو الخارج عن أمر الله تعالى المتكبر، فالطامة اسم لكل داهية عظيمة ينسى ما قبلها فى جنبها ٥ قوله تعالى : يوم يتذكر الإنسان. سورة النازعات. ءGَ فَأَمَّا يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى (﴾ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَّى Y مَنْ طَغَى (﴾ وَءَاتَرَ الْحَيَزَةَ الدُّنْيَا (٨﴾ فَإِنَّالْجَمِيمَ هِىَ الْمَأْوَى( ٢٩ المسألة الثانية﴾ قد ظهر بما ذكرنا أن معنى الطامة الكبرى الداهية الكبرى، ثم اختلفوا فى أنها أى شىء هى ، فقال قوم إنها يوم القيامة لأنه يشاهد فيه من النار، ومن الموقف الهائل ، ومن الآيات الباهرة الخارجة عن العادة ما ينسى معه كل هائل، وقال الحسن إنها هى النفخة الثانية التى عندها تحشر الخلائق إلى موقف القيامة، وقال آخرون إنه تعالى فسر الطامة الكبرى بقوله تعالى (يوم يتذكر الإنسان ما سعى، وبرزت الجحيم لمن يرى) فالطامة تكون اسماً لذلك الوقت ، فيحتمل أن يكون ذلك الوقت وقت قراءة الكتاب على ما قال تعالى ( ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً) ويحتمل أن تكون تلك الساعة هى الساعة التى يساق فيها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار ، ثم إنه تعالى وصف ذلك اليوم بوصفين . (الأول) قوله تعالى ﴿ يوم يتذكر الإنسان ما سعى﴾ يعنى إذا رأى أعماله مدونة فى كتابه تذكرها، وكان قد نسيها، كقوله ( أحصاه الله ونسوه). (الصفة الثانية) قوله تعالى ﴿وبرزت الجحيم لمن يرى) وفيه مسألتان: ﴿ المسألة الأولى﴾ قوله تعالى (لمن يرى) أى أنها تظهر إظهاراً مكشوفاً لكل ناظر ذى بصر ثم فيه وجهان (أحدهما) أنه استعارة فى كونه منكشفاً ظاهراً كقولهم: تبين الصبح لذى عينين وعلى هذا التأويل لا يجب أن يراه كل أحد ( والثانى) أن يكون المراد أنها برزت ليراها كل من له عين وبصر ، وهذا يفيد أن كل الناس يرونها من المؤمنين والكفار ، إلا أنها مكان الكفار ومأواهم والمؤمنون يمرون عليها، وهذا التأويل متأكد بقوله تعالى (وإن منكم إلا واردها) إلى قوله ( ثم ننجى الذين اتقوا) فإن قيل إنه تعالى قال فى سورة الشعراء (وأزلفت الجنة للمتقين ، وبرزت الجحيم للغاوين) خص الغاوين بتبريرها لهم ، قلنا إنها برزت للغاوين، والمؤمنون يرونها أيضاً فى الممر ، ولا منافاة بين الأمرين . ﴿ المسألة الثانية﴾ قرأ أبونهيك (وبرزت) وقرا ابن مسعود: لمن رأى، وقرأ عكرمة: لمنترى، والضمير للجحيم، كقوله (إذا رأتهم من مكان بعيد) وقيل لمن ترى يا محمد من الكفار الذين يؤذونك. واعلم أنه تعالى لمنا وصف عال القيامة فى الجملة قسم المكلفين قسمين : الأشقياء والسعداء، فذكر حال الأشقياء . قوله تعالى: ﴿ فأما من طغى. وآثرة الحيوة الدنيا، فإن الجحيم هى المأوى) وفيه مسائل: ٠ ۔ ٥٢ قوله تعالى : واما من خاف مقام ربه. سورة النازعات. وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النّفْسَ عَنِ آَهْوَى ٤١ ٤٠ حررلا فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأَوَى .٤/٥/ المسألة الأولى﴾ فى جواب قوله (فإذا جاءت الطامة الكبرى) وجهان (الأول) قال الواحدى: إنه محذوف على تقدير إذا جاءت الطامة دخل أهل النار النار ، وأهل الجنة الجنة ، ودل على هذا المحذوف ، ماذكر فى بيان . أوى الفريقين ، ولهذا كان يقول مالك بن معول فى تفسير الطامة الكبرى، قال إنها أذا سبق أهل الجنة إلى الجنة ، وأهل النار إلى النار ( والثانى) أن جوابه قوله ( فإن الجحيم هى المأوى) وكأنه جزاء مركب على شرطين نظيره إذا جاء الغد، فمن جاءنى سائلا أعطيته، كذا ههنا أى إذا جاءت الطامة الكبرى فمن جاء طاغياً فإن الجحيم . أواه، ﴿ المسألة الثانية) منهم من قال: المراد بقوله (طغى، وآثر الحياة الدنيا) النضر وأبوه الحارث فإن كان المراد أن هذه الآية نزلت عند صدور بعض المنكرات منه جيد وإن كان المراد تخصيصها به، فبعيد لأن العبرة بعموم اللفظ لابخصوص السبب، لا سيما إذا عرف بضرورة العقل أن الموجب لذلك الحكم هو الوصف المذكور المسألة الثالثة) قوله طفى، إشارة إلى فساد حال القوة النظرية، لأن كل من عرف الله عرف حقارة نفسه ، وعرف استيلاء قدرة الله عليه، فلا يكون له طغيان وتکبر ، و قوله ( وآثر الحياة الدنيا ) إشارة إلى فساد حال القوة العملية، وإنما ذكر ذلك لماروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال ((حب الدنيا رأس كل خطيئة)) ومتى كان الإنسان والعياذ بالله موصوفاً بهذين الأمرين، كان بالغاً فى الفساد إلى أقصى الغايات، وهو الكافر الذى يكون عقابه مخلداً، وتخصيصه بهذه الحالة يدل على أن الفاسق الذى لا يكون كذلك، لا تكون الجحيم مأوى له . المسألة الرابعة ﴾ تقدير الآية: فإن الجحيم هى المأوى له، ثم حذفت الصلة لوضوح المعنى كقولك للرجل غض الطرف أى غض طرفك، وعندى فيه وجه آخر، وهو أن يكون التقدير: فإن الجحيم هى المأوى، اللائق يمن كان موضوفاً بهذه الصفات والأخلاق ، ثم ذكر تعالى حال السعداء فقال تعالى ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هى المأوى) واعلم أن هذين الوصفين مضادات للوصفين اللذين وصف اللّه أهل النار بهما فقبوله ( وأما من خاف مقام ربه) ضد قوله ( فأما من طفى) وقوله (ونهى النفس عن الهوى) ضد قوله ( وآثر الحياة الدنيا) واعلم أن الخوف من الله، لا بد وأن يكون مسبوقاً بالعلم بالله على ما قال ( إنما يخشى الله من عباده العلماء) ولما كان الخوف من الله هو السبب المعين لدفع الهوى ، لا جرم قدم العلة على العلول ، وكما دخل فى ذينك الصفتين جميع القبائح دخل ٥٣ قوله تعالى : يسألونك عن الساعة. سورة النازعات. يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّنَ مُرْسَهَا (® فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَهَا (5) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَهَا (٣٤) إِنََّا أَنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشَهَا (8) فى هذين الوصفين جميع الطاعات والحسنات ، وقيل الآ يتان نزلتا فی أنی عزبر بن عمير ومصعب ابن عمير، وقد قتل مصعب أخاه أبا عزيز يوم أحد، ووقى رسول الله بنفسه حتى نفذت المشاقص فى جوفه . واعلم أنه تعالى لما بين بالبرهان العقلى إمكان القيامة ، ثم أخبر عن وقوعها، ثم ذكر أحوالها العامة ، ثم ذكر أحوال الأشقياء والتعداء فيها ، قال تعالى ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها﴾، واعلم أن المشركين كاوا يسمعون أنباء القيامة، ووصفها بالأوصاف الهائلة، مثل أنها طامة وصاخة وقارعة، فقالوا على سبيل الاستهزاء ( أيان مرساها) فيحتمل أن يكون ذلك على سبيل الإيهام لأتباعهم أنه لا أصل لذلك، ويحتمل أنهم كانوا يسألون الرسول عن وقت القيامة استعجالا، كقوله (يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها) ثم فى قوله (مرساها) قولان (أحدهما) متى إرساؤها، أى إقامتها أرادوا متى يقيمها الله ويوجدها ويكونها (والثانى) (أيان) منتهاها ومستقرها، كما أن مرسى السفينة مستقرها حيث تنتهى إليه . ثم إن الله تعالى أجاب عنه بقوله تعالى ﴿فيم أنت من ذكراها﴾ وفيه وجهان (الأول) معناه فى أى شىء أنت عن يذكر وقتها لهم ، وتين ذلك الزمان المعين لهم ، ونظيره قول القائل: إذا سأله رجل عن شىء لا يليق به ما أنت وهذا، وأى شىء لك فى هذا، وعن عائشة («لم يزل رسول الله يؤلم يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت هذه الآية)) فهو على هذا تعجيب من كثرة ذكره لها، كأنه قيل فى أى شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها، والمعنى أنهم يسألونك عنها ، فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها . ثم قال تعالى ﴿ إلى ربك منتهاها﴾ أى منتهى علمها لم يؤته أحداً من خلقه (الوجه الثانى) قال بعضهم ( فيم) إنكار لسؤالهم، أى فيم هذا السؤال، ثم قيل (أنت من ذكراها) أى أرسلك وأنت غائم الأنبياء وآخر الرسل ذكراً من أنواع علاماتها ، وواحداً من أقسام أشراطها. فكفاهم بذلك دليلا على دنوها ووجوب الاستعداد لها، ولا فائدة فى سؤالهم عنها. قوله تعالى: ﴿إنما أنت منذر من يخشاها﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى) معنى الآية أنك إنما بعثت للإنذار وهذا المعنى لا يتوقف على علمك ٥٤ قوله تعالى : كأنهم يوم يرونها. سورة النازعات. ٤٦ كَانَهِمْ يَوْمَ يَوْنَهَا لَمْ يَلْبَنُواْ إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ مُحَنْهَا بوقت قيام القيامة ، بل لو أنصفنا لقلنا بأن الإنذار والتخويف إنما يتمان إذا لم يكن العلم بوقت قيام القيامة حاصلا . المسألة الثانية﴾ أنه عليه الصلاة والسلام منذر للكل إلا أنه خص بمن يخشى، لأنه الذى ينتفع بذلك الإنذار . المسألة الثالثة) قرىء منذر بالتنوين وهو الأصل، قال الزجاج مفعل وفاعل إذا كان كل واحد منهما لما يستقبل أو للحال ينون، لأنه يكون بدلا من الفعل ، والفعل لا يكون إلا نكرة ويجوز حذف التنوين لأجل التخفيف ، وكلاهما يصلح للحال والاستقبال، فاذا أريد الماضى فلا يجوز إلا الإضافة كقوله هو منذر زيد أمس. ثم قال تعالى ﴿ كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها﴾ وتفسير هذه الآية قد مضى ذكره فى قوله (كأنهم يوم يرون مايو عدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار) والمعنى أن ما أنكروه سيرونه حتى كانهم أبداً فيه وكأنهم لم يلبثرا فى الدنيا إلا ساعة من نهار ثم مضت ( فان قيل) قوله ( أو ضحاها) معناه ضحى العشية وهذا غير معقول لأنه ليس للعشية ضحى ( قلنا ) الجواب عنه من وجوه (أحدها ) قال عطاء عن ابن عباس الهاء والألف صلة للكلام يريد لم يلبثوا إلا عشية أو ضحى ( وثانيها) قال الفراء والزجاج المراد بإضافة الضحى الى العشية إضافتها إلى يوم العشبية كأنه قيل إلا عشية أو ضحى يومها، والعرب تقول آتيك العشبية أو غداتها على ماذكرنا (وثالثها) أن النحويين قالوا يكفى فى حسن الإضافة أدنى سبب ، فالضحى المتقدم على عشة يصح أن يقال إنه ضحى تلك العشية ، وزمان المحنة قد يعبر عنه بالعشية وزمان الراحة قد يعبر عنه بالضحى ، فالذین يحضرون فى موقف القيامة يعبرون عن زمان محنتهم بالعشية وعن زمان راحتهم بضحى تلك العشية فيقولون كأن عمرنا فى الدنيا ما كان إلا هاتين الساعتين، والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . ٥٥ سورة عَبَس (٨٠) سورة عَلَبْن مَكِيَّة وَآَيَانَهَا شِئْتَاتِ وَأَرْبَعُونَ بِسُـ اللَّهِ الرَّحْمَنِالرَّحِيمِ عَبَسَ وَتَوَلَّى (ج) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى لا بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ عبس وتولى أن جاءه الأعمى ﴾ وفى الآية مسائل: ﴿ المسألة الأولى﴾ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم - وأم مكتوم أم أبيه واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهرى من بنى عامر بن لؤى - وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام ، والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خلف ، والوليد ابن المغيرة يدعوهم إلى الإسلام، رجاء أن يسلم باسلامهم غيرهم، فقال للنبى رائع أفرنى وعلمنى مما علمك الله، وكزر ذلك، فكره رسول اللّه مَّ الله قطعه لكلامه، وعبس وأعرض عنه فنزلت هذه الآ ية، وكان رسول اللّه ◌ِ ے بكرمه، ويقول إذا رآه «مرحباً بمن عاتبنى فيه ربى)) ويقول هل لك من حاجة ، واستخلفه على المدينة مرتين ، وفى الموضع سؤالات : (الأول) أن ابن أم مكتوم كان يستحق التأديب والزجر ، فكيف عاتب الله رسوله على أن أدب ابن أم مكتوم وزجره؟ وإنما قلنا إنه كان يستحق التأديب لوجوه (أحدها) أنه وإن" كان لفقد بصره لا يرى القوم، لكنه لصحة سمعه كان يسمع مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم أولئك الكفار ، وكان يسمع أصواتهم أيضاً، وكان يعرف بواسطة استماع تلك الكلمات شدة اهتمام النبى صلى الله عليه وسلم بشأنهم، فكان إقدامه على قطع كلام النبى صلى الله عليه وسلم وإلقاء غرض نفسه فى البين قبل تمام غرض النبى إيذاء للنبى عليه الصلاة والسلام، وذلك معصية عظيمة (وثانيها) أن الأهم مقدم على المهم، وهو كان قد أسلم وتعلم، ما كان يحتاج إليه من أمر الدين ، أما أولئك الكفار فما كانوا قد أسلموا، وهو إسلامهم سبباً لإسلام جمع عظيم ، فالقاء ابن أم مكتوم ، ذلك الكلام فى البين كالسبب فى قطع ذلك الخير العظيم ، لغرض قليل وذلك محرم (وثالثها) أنه تعالى قال (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون) فنهاهم عن مجرد النداء إلا فى الوقت ، فههنا هذا النداء الذى صار كالصارف للكفار عن قبول الإيمان وكالقاطع ٥٦ قوله تعالى : عبس وتولى ان جاء ٥ الاعمى. سورة عبس. على الرسول أعظم مهماته، أولى أن يكون ذنباً ومعصية، فثبت بهذا أن الذى فعله ابن أم مكتوم كان ذنباً ومعصية، وأن الذى فعله الرسول كان هو الواجب، وعند هذا يتوجه السؤال فى أنه كيف عاتبه اللّه تعالى على ذلك الفعل ؟. ﴿ السؤال الثانى) أنه تعالى لما عاقبه على مجرد أنه عبس فى وجهه، كان تعظيما عظيما من الله سبحانه لابن أم مكتوم ، وإذا كان كذلك فكيف يليق بمثل هذا التعظيم أن يذكره باشم الأعمى مع أن ذكر الإنسان بهذا الوصف يقتضى تحقير شأنه جداً؟. ﴿ السؤال الثالث) الظاهر أنه عليه الصلاة والسلام كان مأذوناً فى أن يعامل أصحابه على حسب مايراه مصلحة ، وأنه عليه الصلاة والسلام كثيراً ما كان يؤدب أصحابه ويزجرهم عن أشياء، وكيف لا يكون كذلك وهو عليه الصلاة والسلام إنما بعث ليؤدبهم وليعلمهم محاسن الآداب، وإذا كان كذلك كان ذلك التعبيس داخلا فى إذن الله تعالى إياه فى تأديب أصحابه، وإذا كان ذلك .أذوناًفيه، فكيف وقعت المعاتبة عليه؟ فهذا جملة ما يتعلق بهذا الموضع من الإشكالات (والجواب) عن السؤال الأول من وجهين (الأول ) أن الأمر وإن كان على ما ذكرتم إلا أن ظاهر الواقعة يوهم تقديم الأغنياء على الفقراء وانكسا قلوب الفقراء ، فلهقال السبب حصلت المعاقبة ، ونظيره قوله تعالى ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى)، ( والوجه الثانى) لعل هذا العتاب لم يقع على ما صدر من الرسول عليه الصلاة والسلام من الفعل الظاهر ، بل على ما كان منه فى قلبه، وهو أن قلبه عليه الصلاة والسلام كان قد مال إليهم بسبب قرابتهم وشرفهم وعلو منصبهم، وكان ينفر طبعه عن الأعمى ! بب عماه وعدم قرابته وقلة شرفه ، فما وقع التعبيس والتولى لهذه الداعية وقعت المعاتبة ، لا على التأديب بل على التأديب لأجل هذه الداعية (والجواب) عن السؤال الثانى أن ذكره بلفظ الأعمى ليس لتحقير شأنه، بل كأنه قيل إنه بسبب عماه استحق مزيد الرفق والرأفة، فكيف يليق بك يا محمد أن تخصه بالغلظة ( والجواب) عن السؤال الثالث أنه كان مأذوناً فى تأديب أصحابه لكن ههنا لما أوهم تقديم الأغنياء على الفقراء، وكان ذلك مما يوم ترجيح الدنيا على الدين، فلهذا السبب جاءت هذه المعانية . ﴿ المسألة الثانية﴾ القائلون بصدور الذنب عن الأنبياء عليهم السلام تمسكوا بهذه الآية وقالوا لما عانبه اللّه فى ذلك الفعل ، دل على أن ذلك الفعل كان معصية، وهذا بعيد فإنا قد بينا أن ذلك كان هو الواجب المتعين لا بحسب هذا الاعتبار الواحد ، وهو أنه يوهم تقديم الأغنياء على الفقراء، وذلك غير لائق بصلابة الرسول عليه الصلاة والسلام، وإذا كان كذلك، كان ذلك جارياً مجرى ترك الاحتياط، وترك الأفضل، فلم يكن ذلك ذنباً البتة .. ﴿ المسألة الثالثة﴾ أجمع المفسرون على أن الذى عبس وتولى، هو الرسول عليه الصلاة والسلام، وأجمعوا [على] أن الأعمى هو ابن أم مكتوم، وقرى عبس بالتشديد للمبالغة ونحوه كلح فى ٥٧ قوله تعالى : وما يدريك لعله يزكى. سورة عبس. ٣) أَوَيَذَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىَّ ﴾ أَمَّا مَنْ أَسَّتَغْتَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ,يَزَّكَّىّ فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى (﴾ وَمَا عَلَيْك أَلَّ يَّكَّى إ ٧ كلح، أن جاءه منصوب بتولى أو بعبس على اختلاف المذهبين فى إعمال الأقرب أو الأبعد ومعناه عبس، لأن جاءه الأعمى، وأعرض لذلك، وقرى. أن جاءه بهمزتين، وبألف بينهما وقف على (عبس وتولى) ثم ابتدأ على معنى الآن جاءه الأعمى، والمراد منه الإنكار عليه، واعلم أن فى الأخبار عما فرط من رسول الله ثم الإقبال عليه بالخطاب دليل على زيادة الإنكار، كمن يشكو إلى الناس جانياً جنى عليه ، ثم يقبل على الجانى إذا حمى فى الشكاية مواجهاً بالتوبيخ وإلزام الحجة قوله تعالى: ﴿وما يدريك لعله بزكى، أو يذكر فتنفعه الذكرى﴾ فيه قولان (الأول) أى شىء يجعلك دارياً بحال هذا الأعمى لعله يتطهر بما يتلقن منك، من الجهل أو الإثم ، أو يتعظ فتنفعه ذكراك أى موغظتك ، فتكون له لطفاً فى بعض الطاعات ، وبالجملة فعل ذلك العلم الذى يتلقفه عنك يطهره عن بعض مالا ينبغى ، وهو الجهل والمعصية ، أو يشغله ببعض ما ينبغى وهو الطاعة ( الثانى ) أن الضمير فى لعله للكافر، بمعنى أنت طمعت فى أن يز كى الكافر بالإسلام أو يذكر فتقربه الذكرى إلى قبول الحق ( وما يدريك) أن ما طمعت فيه كائن ، وقرى. فتنفعه بالرفع عطفاً على يذكر ، وبالنصب جواباً للعل، كقوله ( فأطلع إلى إله موسى ) وقد مر . ثم قال ﴿ أما من استغنى﴾ قال عطاء يريد عن الإيمان، وقال الكلى استغنى عن الله، وقال بعضهم استغنى أثرى وهو فاسد ههنا، لأن إقبال النبى عليه الصلاة والسلام لم يكن لثروتهم ومالهم حتى يقال له أما من أثرى، فأنت تقبل عليه، ولأنه قال (وأما من جاءك يسعى، وهو يخشى) ولم يقل وهو فقير عديم، ومن قال: أما من استغنى بماله فهو صحيح. لأن المعنى أنه استغنى عن الإيمان والقرآن ، بماله من المال . قوله تعالى: ﴿فأنت له تصدى﴾ قال الزجاج: أى أنت تقبل عليه وتتعرض له وتميل إليه ، يقال تصدى فلان لفلان ، يتصدى إذا تعرض له ، والأصل فيه تصدد يتصدى من الصدد ، وهو ما استقبلك وصار قبالتك ، وقد ذكرنا مثل هذا فى قوله ( إلا مكا. وقصدية) وقرى. (تصدى) بالتشديد بإدغام التاء فى الصاد، وقرأ أبو جعفر: تصدى، بضم الناء، أى تعرض، ومعناه يدعوك داع إلى التصدى له من الحرص ، والتهالك على إسلامه ثم قال تعالى ﴿وما عليك ألا يزكى﴾ المعنى لا شىء عليك فى أن لا يسلم من تدعوه إلى الإسلام ، فإنه ليس عليك إلا البلاغ، أى لا يبلغن بك الحرص على إسلامهم إلى أن تعرض عمن أسلم للاشتغال بدعوتهم. ٥٨ قوله تعالى : واما من جاءك يسعي. سورة عبس. وَأَمَّا مَنْ جَآءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (﴾ فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَّهَّى (ثَ كَلَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةُ الْـ ثم قال ﴿وأما من جاءك يسعى﴾ أن يسرع فى طلب الخير، كقوله (فاسعوا إلى ذكر الله). وقوله ﴿وهو يخشى﴾ فيه ثلاثة أوجه يخشى الله ويخافه فى أن لا يهتم بأداء تكاليفه، أو يخشى الكفار وأذاهم فى إتيانك ، أو يخشى الكبوة فإنه كان أعمى ، وما كان له قائد . ثم قال ﴿فأنت عنه تلهى﴾ أى تتشاغل من لهى عن الشىء. والتهى وتلهى، وقرأ طلحة ابن مصرف. تتلهى، وقرأ أبو جعفر (تلهى) أى يلهيك شأن الصناديد، فإن قيل قوله ( فأنت له تصدى ... فأنت عنه تلهى ) كان فيه اختصاصاً، قلنا نعم ، ومعناه إنكار التصدى والتلهى عنه ، أى مثلك، خصوصاً لا ينبغى أن يتصدى للغنى ، ويتلهى عن الفقير. ثم قال ﴿ كلا﴾ وهو ردع عن المعاتب عليه وعن معاودة مثله. قال الحسن: لما تلا جبريل عن النبي ◌ُوائم هذه الآيات عاد وجهه، كأنما أسف الرماد فيه ينتظر ماذا يحكم الله عليه، فلما قال (كلا.) سرى منه، أى لا تفعل مثل ذلك، وقد بينا نحن أن ذلك محمول على ترك الأولى . ثم قال ﴿ إنها تذكرة ﴾ وفيه سؤالان : ﴿ الأول) قوله (إنها) ضمير المؤنث، وقوله (فمن شاء ذكره) ضمير المذكر، والضميران عائدان إلى شىء واحد ، فكيف القول فيه ؟ (الجواب) وفيه وجهان (الأول) أن قوله (إنها ) ضمير المؤنث، قال مقاتل: يعنى آيات القرآن، وقال الكلى: يعنى هذه السورة وهو قول الأخفش والضمير فى قوله (فمن شاء ذكره ) عائد إلى التذكرة أيضاً ، لأن التذكرة فى معنى الذكروالوعظ (الثانى) قال صاحب النظم إنها تذكرة يعنى به القرآن والقرآن مذكر إلا أنه لماجعل القرآن تذكرة أخرجه على لفظ التذكرة، ولو ذكره لجاز كما قال فى موضع آخر (كلا إنه تذكر ) والدليل على أن قوله (إنها تذكرة) المراد به القرآن قوله (فمن شاء ذكره). ﴿ السؤال الثانى) كيف اتصال هذه الآية بما قبلها؟ (الجواب) من وجهين (الأول) كأنه قيل: هذا التأديب الذى أو حيته إليك وعرفته لك فى إجلال الفقراء وعدم الالتفات إلى أهل الدنيا أثبت فى اللوح المحفوظ الذى قد وكل بحفظه أكابر الملائكة (الثانى) كأنه قيل : هذا القرآن قد بلغ فى العظمة إلى هذا الحد العظيم ، فأى حاجة به إلى أن يقبله هؤلاء الكفار ، فسواء قبلوة أو لم يقلوه فلا تلتفت إليهم ولا تشغل قلبك بهم ، وإياك وأن تعرض عمن آمن به قطيباً لقلب أرباب الدنيا . ٥٩ قوله تعالى : فمن شاء ذكره. سورة غيس. ٥٤ بِأَيْدِى ◌َنْ شَآءَ ذَكَرُ ® فِى مُفٍ مُكَرِّمَةٍ (َّ مَرْفُوعَةٍ مُطَهِرِ (چ﴾ سَفَرَةٍ ٥ كِرَامٍ بَدَةٍ قوله تعالى : ﴿فمن شاء ذكره، فى صحف مكرمة ، مرفوعة مطهرة اعلم أنه تعالى وصف تلك التذكرة بأمرين (الأول) قوله (فمن شاء ذكره) أى هذه تذكرة بينة ظاهرة بحيث لو أرادوا فهمها والاتعاظ بها والعمل بموجبها لقدروا عليه ( والثانى) قوله (فى صيف مكرمة ) أى تلك التذكرة موجودة فى هذه الصحف المكرمة، والمراد من ذلك تعظيم حال القرآن والتنويه بذكره والمعنى أن هذه التذكرة مثبتة فى صحف ، والمراد من الصحف قولان (الأول) أنها صحف منتسخة من اللوح مكرمة عند الله تعالى مرفوعة فى السماء السابعة أومر فوعة المقدار مطهر عن أيدى الشياطين ، أو المراد مطهرة بستب أنها لا يمسها إلا المطهرون وهم الملائكة. قوله تعالى: ﴿بأيدى سفره، كرام بررة﴾ وفيه مسألتان : المسألة الأولى﴾ أن اللّه تعالى وصف الملائكة بثلاثة أنواع من الصفات: ﴿ أولها﴾ أنهم سفرة وفيه قولان (الأول) قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل وقتادة م الكتبة من الملائكة ، قال الزجاج السفرة الكتبة واحدها سافر مثل كتبة وكاتب ، وإنما قيل للكتبة سفرة وللكاتب سافر، لأن معناه أنه الذى يبين الشىء ويوضحه يقال سفرت المرأة إذا كشفت عن وجهها (القول الثانى) وهو اختيار الفراء أن السفرة ههنا هم الملائكة الذين يسفرون بالوحى بين الله وبين رسله، واحدها سافر، والعرب تقول: سفرت بين القوم إذا أصلحت بينهم، لجعلت الملائكة إذا نزلت بوحى الله وتأديته، كالسفير الذى يصلح به بين القوم، وأنشدوا : وما أدع السفارة بين قومى وما أمشى بغش إن مشيت واعلم أن أصل السفارة من الكشف، والكاتب إنما يسمى سافراً لأنه يكشف، والسفير إنما سمى سفيراً أيضا لأنه يكشف ، وهؤلاء الملائكة لما كانوا وسايط بين الله وبين البشر فى البيان والهداية والعلم ، لاجرم سموا سفرة . . ﴿الصفة الثانية لهؤلاء الملائكة ) (أنهم كرام) قال مقاتل: كرام على ربهم ، وقال عطاء: يريد أنهم يتكرمون أن يكونوا مع ابن آدم إذا خلا مع زوجته للجماع وعند قضاء الحاجة. ( الصفة الثانية) أنهم (بررة) قال مقاتل: مطيعين، وبررة جمع باد، قال الفراء: لا يقولون فعلة للجمع إلا والواحد منه فاعل مثل كافر وكفرة، وفاجر وجرة ( القول الثانى) فى تفسير الصحف: أنها هى صحف الأنبياء لقوله ( إن هذا لفى الصحف الأولى) يعنى أن هذه التذكرة مثبتة فى صحف الأنبياء المتقدمين، والسفرة الكرام البررة هم أصحاب رسول اللّه ◌َ يتم، وقيل هم القراء. ٦٠ قوله تعالى : قتل الإنسان ما اکفره. سورة عبس قُتِلَ آلْإِنسَنُ مَآ أَكْفَرَهُ، ﴿ مِنْ أَيِّ شَىْءٍ خَلَقَهُ، (٨) مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ. المسألة الثانية) قوله تعالى (مطهرة بأيدى سفرة) يقتضى أن طهارة تلك الصحف إنما حصلت بأيدى هؤلاء السفرة، فقال القفال فى تقريره: لما كان لا يمسها إلا الملائكة المطهرون أضيف التطهير إليها لطهارة من يمسها . قوله تعالى: ﴿ قتل الإنسان ما أكفره﴾ فيه مسائل : ﴿ المسألة الأولى﴾ اعلم أنه تعالى لما بدأ بذكر القصة المشتملة على ترفع صناديد قريش على فقراء المسلمين ، يجب عباده المؤمنين من ذلك ، فكأنه قيل: وأى سبب فى هذا العجب والترفع مع أن أوله نطفة قذوة وآخره جيفة مذرة ، وفيها بين الوقتين حمال عذرة ، فلا جرم ذكر تعالى ما يصلح أن يكون علاجاً لعجبهم ، وما يصلح أن يكون علاجاً لكفرهم ، فإن خلقة الإنسان تصلح لأن يستدل بها على وجود الصانع ، ولأن يستدل بها على القول بالبعث والحشر والنشر". المسألة الثانية﴾ قال المفسرون: نزلت الآية فى عتبة بن أبى لهب، وقال آخرون: المراد بالإنسان الذين أقبل الرسول عليهم وترك ابن أم مكتوم بسبيهم ، وقال آخرون بل المراد ذم كل غنى ترفع على فقير بسبب الغنى والفقر، والذى يدل على ذلك وجوه ( أحدها ) أنه تعالى ذمهم لترفعهم فوجب أن يعم الحكم بسبب عموم العلة (وثانيها) أنه تعالى زيف طريقتهم بسبب حقارة حال الإنسان فى الابتداء والانتهاء على ما قال ( من نطفة خلقه، ثم أماته فأقبره) وعموم هذا الزجر يقتضى عموم الحكم ( وثالثها) وهو أن حمل اللفظ على هذا الوجه أكثر فائدة، واللفظ محتمل له فوجب حمله عليه . ﴿ المسألة الثالثة) قوله تعالى (قتل الإنسان) دعاء عليه وهى من أشنع دعواتهم، لأن القتل غاية شدائد الدنيا وما أكفره تعجب من إفراطه فى كفران نعمة الله، فقوله (قتل الأنسان) تنبيه على أنهم استحقوا أعظم أنواع العقاب ، وقوله (ما أكفره) تنبيه على أنواع القبانح والمنكرات ، فإن قيل الدعاء على الإنسان إنما يليق بالعاجز والقادر على الكل كيف يليق به ذاك؟ والتعجب أيضاً إنما يليق بالجاهل بسبب الشىء ، فالعالم بالكل كيف يليق به ذاك؟ ( الجواب) أن ذلك ورد على أسلوب كلام العرب وتحقيقة ما ذكرنا أنه تعالى بين أنهم استحقوا أعظم أنواع العقاب لأجل أنهم أتوا بأعظم أنواع القبائح ، واعلم أن لكل محدث ثلاث مراتب أوله ووسطه وآخره، وأنه تعالى ذكر هذه المراتب الثلاثة للانسان . ﴿ أما المرتبة الأولى) فهى قوله ﴿من أى شىء خلقه) وهو استفهام وغرضه زيادة التقرير فى التحقير . ثم أجاب عن ذلك الاستفهام بقوله (من نطفة خلقه) ولا شك أن النطفة شىء حقير مهين